Полный текст (2 982 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.
стр. 1611
إكرام الله للرسول ﷺ برفع ذكره
وينزل الفرج بعدها بقوله ﵎: ﴿وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى:١ - ٣].
سبحان الله! كيف العذر؟! وما أعظم هذا الرسول عند الله! يقسم الله تعالى له بالضحى، والليل إذا سجى: أي: غطى الأكوان كلها، والضحى: حين شروق الشمس وانتشار الضياء، والليل إذا سجى أي: تسجى به الأرض -أي: مثل الغطاء- ما ودعك أي: ما تركك ولا قلاك ولا هجرك، ولكن هناك شيء محذوف فما هو؟ هو أن يربيك الله حتى لا تغلط فتقول غداً أفعل ولكن قل: إن شاء الله؛ لأنك لا تعلم ما يكون غداً، قال الله تعالى له: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف:٢٣ - ٢٤] الأمر بيد الله وليس بيدك، اربط كل شيء في حياتك بمشيئة الله، أما أن تكون لك مشيئة خاصة منفردة عن مشيئة الله فلا، ولهذا قال واحد من الصحابة للرسول ﷺ : (ما شاء الله وشئت يا رسول الله! قال: أجعلتني لله نداً، بل قل: ما شاء الله وحده) ما لي مشيئة إلا تحت مشيئة الله ﵎، فقل: ما شاء الله وحده، وهذا من ضبط العقيدة، ومن سد ذرائع الشرك، فلا تقل لأحد: ما لي إلا الله وأنت! أو أنا متكل على الله وعليك! تعتقد أنه يضر وينفع؛ فلا ضار ولا نافع ولا معطي ولا مانع إلا الله.
﴿وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى * وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى:١ - ٥] ثم امتن الله تعالى عليه بالنعم فقال له: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى﴾ [الضحى:٦ - ٨] ثم بعد ذلك تنزل سورة الشرح يقول الله تعالى له: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح:١ - ٤] ليس على وجه البسيطة -ولن يكون إلى يوم القيامة- أعلى ذكراً من رسول الله ﷺ ؛ لا ملك مقرب، ولا نبي مرسل، فأكرم أهل الأرض وأكرم الخلق أجمعين رسول الله ﷺ .
وهل يوجد الآن في الأرض أعظم ذكراً منه؟ فالمسلمون اليوم عددهم ألف مليون مسلم على وجه الأرض، وكل المصلين يصلون عليه كل يوم، وكل فرد منهم يصلي عليه ويشهد أنه رسول الله عدة مرات في الأذان والتشهد وغيرها، ولا تقبل صلاته إلا إذا قال في تشهده: (التحيات لله الصلوات الطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله).
وكم مؤذن يرتفع صوته ويشق عنان السماء في كل يوم! وهو يقول في أذانه: (أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله) فهل هناك أعظم من هذا الذكر؟ وهل هناك في الخلق أعظم ذكراً من محمد ﷺ ؟ لا يوجد، ورسولنا ﷺ يذكر حياً ويذكر ميتاً وكلما صلي عليه -صلوات الله وسلامه عليه صلاةً دائمةً متتابعة ما تتابع الليل والنهار- امتن الله عليه بالرفعة والمكانة العظيمة.
стр. 1612
أهمية انشراح الصدر في قيام الأنبياء بالدعوة
وقد سأل هذه النعمة -وهي انشراح الصدر- نبي الله موسى ﵇، وهو نبي من أولي العزم، وورد في فضله آيات كثيرة وأحاديث، منها قول الله : ﴿قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي﴾ [الأعراف:١٤٤] ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ [طه:٤١] ومنها قوله تعالى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه:٣٩] وهو رسول نبي من أولي العزم من الرسل، وفي الحديث قال ﷺ : (إني أبعث فإذا بموسى آخذ بساق العرش، فما أدري أبُعِثَ قبلي أم أنا قبله) وذلك من فضله، ولكن الصحيح أن أول من يبعث رسول الله ﷺ ، وأول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة رسول الله ﷺ ، وهو صاحب اللواء يوم العرض ﷺ .
وهو صاحب الشفاعة العظمى، حتى أن موسى يوم القيامة يأتي إليه الناس، ويقول لهم: (نفسي نفسي، إن الله قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني قتلت نفساً).
فيقول: أذنبت ذنباً، ولي سابقة لا أستطيع أن أقابل ربي بها، ولا أستطيع أن أتكلم شافعاً لديه، وكذلك إبراهيم يقول: (لا أستطيع) وعيسى يقول: (لا أستطيع، اذهبوا إلى محمد ﷺ قال: (فآتي فأسجد تحت العرش، وأثني على الله، فيقال: يا محمد! سل تعطه واشفع تشفع).
موسى ﵇ كلفه الله تعالى بحمل رسالة عظيمة، وهي دعوة طاغية من طغاة الأرض طغى وبغى وتجبر وادعى أنه الرب الأعلى، وقال لأهل مصر: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤] فهل هناك أعظم من هذا؟ وبعد ذلك يقول: ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الزخرف:٥١] ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف:٥٢] وهو -والله- المهين.
خرج موسى من مصر هارباً بعد أن قتل نفساً، خرج وفرعون غاضب عليه لفعلته! ثم يقول الله له: اذهب إلى فرعون -فيا لله ما أعظمها من مهمة! اذهب إلى فرعون - هذا الذي يقول بأنه رب، وأَخْبِرْه أنه عبد، وادعه إلى عبودية الله وحده؛ فشقت عليه المهمة، ولكن لا خيار له في أمر الله، فاعتذر وقال: يا رب! أخي أفصح مني لساناً: ﴿فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ﴾ [الشعراء:١٣] ﴿فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءاً يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ [القصص:٣٤] وبعد أن كلفه الله بالرسالة قال: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ [طه:٢٥] أي: أعطني مؤهلات أستطيع بها أن أمارس هذه المهمة العظيمة، إن أعظم وسيلة تعينك على القيام بمهمة الدعوة أن يشرح الله صدرك للإسلام: ﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي * وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ [طه:٢٥ - ٣٢].
أذلك من أجل أن نبني عمارة أو ننشئ مؤسسة؟ كما يقول الواحد منا: أنت أخي وأنا أخوك، تعال نتعاون على الدنيا، نشتري مزرعة ونجعل فيها (رشاشات مياه)، وعشرين برجاً، ونعمل مؤسسة، ونشاطاً متعدداً، ولوحةً طولها عشرون متراً، من بداية العمارة إلى نهايتها (مؤسسة التجارة والمقاولات والمواد الغذائية والملبوسات والعطر والسباكة) ما ترك للمسلمين شيئاً، أخذ الدنيا كلها في راحة يده، لا يريد أحداً أن يُرزق معه -والعياذ بالله- إذا قيل له: دع الناس يربحون معك، فسيقول: لا؛ أريدها كلها، تدخل دكانه من باب، وتخرج من الباب الثاني، تجد الدنيا كلها في دكانه (سوبر ماركت) سوق مركزي، حتى أغلق أصحاب الدكاكين الصغيرة دكاكينهم، كان الناس يُرزقُ بعضُهُمْ من بعض، دكان بجوار دكان، وألف دكان يستفيد منها ألف بيت، الآن ألف دكان أصبحت في دكان واحد يستفيد منها بيت واحد، يدخل الزبون من باب ويخرج من الثاني، كما يقولون: من الملعقة إلى كل شيء، واللوحة العريضة في الواجهة يريد الدنيا بأجمعها.
لكن موسى يقول: ﴿اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ [طه:٣١ - ٣٢] لماذا؟ ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً * وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً * إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيراً * قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى * وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى﴾ [طه:٣٣ - ٣٧] إلى نهاية القصة.
فشرح الله تعالى صدره للقيام بهذه المهمة العظيمة.
وأنت تدرك -يا أخي- مدى وعظم أهمية الرسالة والدعوة، مثلاً يوم تجد نفسك عاجزاً عن هداية أهلك في بيتك، تمارس كل وسائل الدعوة، مع أمك وأبيك، وأختك وأخيك، وابنتك وزوجتك، وشخص يستجيب وعشرة لا يستجيبون، وهذا نبي يقول الله له: اذهب إلى فرعون ويقول: ﴿قَالا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا﴾ [طه:٤٥] فهذا طاغية ملعون، كيف نقول له: أنت عبد وهو يدعي أنه رب؟ كيف يقبل منا الكلام؟ ﴿إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى﴾ [طه:٤٥] فجاءهم الأمان من الله قال: ﴿قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦].
اذهبا فقط والمظلة الربانية تحميكما، والعناية الإلهية معكما، فلا تخافا: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا﴾ [طه:٤٦] ومن كان الله معه فلا يخاف.
وإذا العناية لاحظتك عيونها نم فالمخاوف كلهن أمان
стр. 1613
انشراح صدر الرسول ﷺ في رحلته إلى الطائف
شرح الله صدر الرسول ﷺ في مواقف تضيق فيها صدور الرجال، ولكن صدره كان منشرحاً: يخرج من مكة ويذهب إلى الطائف، وكان يلاحقه عمه أبو لهب بن عبد المطلب -والرسول ﷺ محمد بن عبد الله بن عبد المطلب- وهذا الخبيث متخصص في تكذيب الرسول ﷺ ، وكلما رأى النبي ﷺ في جمع من الناس يدعوهم إلى الله وإذا انتهى ﷺ ، قال لهم أبو لهب: من أنا؟ قالوا: أنت عمه، قال: والله! أنا أدرى به منكم، والله لو كان صادقاً لكنتُ أول من يصدقه، ولكنه كذاب، قالوا: مَن كذبه عمه كذبناه! فـ أبو لهب عدو لله ملعون، أنزل الله فيه سورة تتلى إلى يوم القيامة: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد:١] أي: خسرت يداه، وبارت صفقته، وعليه من الله ما يستحق.
ذهب النبي ﷺ إلى الطائف عن طريق مر الظهران، وقطع المسافة في يومين، ونحن نقطعها اليوم في ساعة بالسيارة الأمريكية، ويقول الشخص منا إذا نزل: ظهري يؤلمني، وإذا قيل له: لماذا؟ قال: والله! أنا كنت مسافراً من الطائف!! عجباً؛ تقول هذا وأنت قاعد على السيارة وتزعم أن ظهرك يؤلمك، سبحان الله! وأنت في سيارة مريحة تنزل وتقول: إن ظهرك يؤلمك وأنت جالس، وهذا الرسول ﵊ يمشي في الجبال الشاهقة، وهو أيضاً مطارد مكذب، حافي القدم، خاوي البطن، ليس معه شيء.
(ولما وقف على سوق عكاظ والناس موجودون في السوق، صعد على حجر ونادى في الناس: قولوا لا إله إلا الله، تفلحوا) فلما انتهى قام اللعين أبو لهب وراءه، وقال: يا قوم! من هذا؟ قالوا: ابن أخيك، قال: ومن أنا؟ قالوا: أنت عمه، قال: لو كان صادقاً ما كذبته أنا، أتصدقونه وأنا عمه أعلم به، قالوا: من كذبه عمه كذبناه! ذهب الرسول ﷺ إلى الطائف يريد النصرة منهم والدخول في الإسلام، لكنهم رفضوا دعوته ولم ينصروه بل أغروا به السفهاء، وجمعوا أطفالهم وقالوا لهم: خذوا الحجارة واطردوا هذا، وجاءوا وراءه ﷺ يرمون ظهره وأقدامه بالحجارة حتى أُدميت رجلاه، وينزل وهو مكسور القلب، ويجلس تحت جبل ويقول دعاءً عظيماً: (اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس) نبي يوحى إليه، ويكذبه هؤلاء الكفار: (اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس، أنت رب المستضعفين، إلى من تكلني، إلى بعيد يتجهمني أم إلى صديق ملكته أمري، إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي) يقول: إن كان ما يأتيني ليس ناتجاً عن غضبك فلا أبالي، ولكن أخشى أن يكون هذا بغضب منك يا ربِّ! ثم قال: (غير أن عافيتك أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح به أمر الدنيا والآخرة، أن ينزل بي سخطك أو يحل بي عقابك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك).
كلام عظيم من صدر منشرح بالإيمان، ليس لديه أدنى شك في موعود الله، وبعد أن عبّر النبي ﷺ عن انشراح صدره ينزل جبريل ﵇ في تلك اللحظات، ويقول: (يا محمد! السلام يقرؤك السلام، ويقول: هذا ملك الجبال، إن شئت أن يطبق عليهم الأخشبين فعل) والأخشبان هما الجبلان اللذان في مكة، يعني: يضع أحدهما على الآخر فيقضي على أهل مكة جميعاً، لو كان ﷺ رجلاً يحب الانتقام لنفسه بعد هذه المواقف المؤلمة الصعبة لقال: نعم.
هؤلاء ليس فيهم خير، مثل ما يقوله المتقولون، الذين إذا تعرض أحدهم لأي أذى في سبيل الدعوة غضب، وذهب يشتكي، وذهب يسب ويشتم، ولا يسمح ولا يحلم ولا يتنازل، ويقول: لماذا نتعرض للأذى، ونحن على حق؟! يا أخي! هل عرضك أعظم من عرض النبي ﷺ ؟! فمن أنت قياساً بالنبي ﷺ ؟ فلا تشتك إذا تكلم عليك، ولا تضجر إذا كذبت، اصبر كما صبر أولو العزم من الرسل، هذه طريق الأنبياء، ماذا قال ﷺ ؟ قال: (لا.
إني أرجو الله أن يخرج من أصلابهم من يعبده) فنظرة النبي ﷺ عالية، وليست نظرة عند أقدامه، بل هي نظرة بعيدة المدى تتجاوز ذلك الجيل، وقال: إني أرجو الله أن يخرج من أصلاب هؤلاء الكفار من يعبده، وبالفعل فقد تحقق للنبي ﷺ ما كان يرجوه، وأخرج الله من صلب أبي جهل: عكرمة، ومن صلب الوليد بن المغيرة: خالداً، ومن صلب العاص بن وائل: عَمْراً، ومن صلب أبي طالب: علياً، وهكذا الصحابة الشباب جلُّهم أو أكثرهم جاءوا من أصلاب الكفار، وهذه هي نظرة النبي ﷺ .
وبالله! مَنْ يقول هذا الموقف إلا من شرح الله صدره للإسلام؟!
стр. 1614
انشراح صدر الرسول ﷺ أثناء الهجرة
وشرح الله صدر النبي ﷺ للإسلام وهو يخرج من مكة مهاجراً مهدداً بالقتل: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال:٣٠] وبعد ذلك يعمي عليهم الله أمره، ويخرج وهم جلوس عند البيت محيطون به يريدون أن يذبحوه، فيذر على رءوسهم التراب وهم نائمون، ويأتي إلى الغار ويجلس مع أبي بكر الصديق ﵁، ويجعل كفار مكة مائة بعير جائزة لمن يأتي به حياً أو ميتاً، وتنتشر قبائل قريش في آفاق الجزيرة تبحث عن هذا الرجل لعلها تنال هذا الجُعْل العظيم، فأين المائة البعير، كأن تقول الآن: مائة سيارة (مرسيدس) فهي بمثابة البعير في ذلك الزمان، وهو سفينة الصحراء، وكل شخص يضرب الأرض يريد أن يحصل عليه.
في أثناء تتبعهم وصلوا إلى الغار الذي كان فيه النبي ﷺ وأبو بكر ﵁، فيقول أبو بكر للنبي ﷺ : (يا رسول الله! والله لو نظر أحدهم تحت قدمه لرآنا) يقول: هم الآن فوقنا لو خفض أحدهم رأسه لرآنا مباشرة، فقال ﷺ : (يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما) ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠].
من أين جاء هذا الكلام؟ هذا من شرح الصدر: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح:١] وهذه نعمة لا تعدلها نعمة، وفي ضدها نقمة ومصيبة، وهي قسوة القلب.
стр. 1615
الإنسان بين انشراح الصدر وقسوة القلب
يقول الله : ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الزمر:٢٢] فهما صورتان متقابلتان متضادتان:
стр. 1616
حال من شرح الله صدره للإسلام
١/ صورة من شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه، ومعه أضواء من الله يسير بها، والناس في الظلمات وهو في أضواء الإيمان، يرى بها كل دقيق، ولهذا إذا وقع هذا الضوء على المعصية انعكس هذا الضوء وصور له هذه المعصية في المخ أنها معصية، وإن كانت دقيقة فإنه يراها كالجبل؛ فهي تغضب الله، لماذا؟ لأن الأضواء عنده قوية، والأضواء لديه كاشفة، يرى بها المعاصي فيبتعد عنها هذا المؤمن -جعلنا الله وإياكم منهم-.
يقول ابن القيم متحدثاً عن ابن تيمية: كنا إذا ضاقت بنا الدنيا ونحن في دمشق ذهبنا لزيارته في السجن في القلعة، فوالله ما هو إلا أن نراه حتى يُسرى عنا.
ويقول: عندما ننظر إليه تنشرح صدورنا وهو المسجون ونحن طلقاء!! ثم يقول: وكان يقول لنا: المسجون من سجنه هواه، والمأسور من أسر عن مولاه.
ويقول: ما يصنع أعدائي بي أنا جنتي وبستاني في صدري، إن سجني خلوة، وإن ترحيلي سياحة، وإن قتلي شهادة، فما يصنع بي أعدائي.
هل عندهم أكثر من القتل والموت والسجن والترحيل؟! ويقول: مساكين أهل هذه الدنيا؛ جاءوا إليها وخرجوا منها وما ذاقوا أطيب ما فيها! قيل: وما أطيب ما فيها؟ قال: التلذذ بعبادة الله.
ويقول الآخر: والله لو يعلم أهل الجاه والمال والسلطان ما نحن عليه من السعادة لجالدونا عليها بالسيوف!
стр. 1617
حال من قست قلوبهم
٢/ والصورة الثانية: صورة معتمة وصورة مشوهة: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الزمر:٢٢] فأولئك في ضلال مبين: حسي ومعنوي.
ويل لهم ثم ويل لهم ثم ويل لهم!! ويل لهم في هذه الحياة قبل الممات، فهم يتجرعون مرارة الكفر والمعصية، ومرارة البعد عن الله، أتتصورون أن هؤلاء الذين هم على الكفر وعلى المعاصي والذنوب ليسوا في عذاب الآن؟ والله! إنهم في عذاب الآن قبل الآخرة؛ لأن الله ﵎ يقول: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف:٣٦] ويقول: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً﴾ [طه:١٢٤] فوالله! إنهم لفي عذاب.
ويل لهؤلاء الذين يعرضون عن الله، وتقسو قلوبهم عن ذكر الله، وتعيش قلوبهم في ضلال مبين، فويل لهم اليوم وويل لهم غداً عند الموت، يوم تأتي أحدهم الملائكة وتقول له: (يا أيتها الروح الخبيثة -كانت في الجسد الخبيث- اخرجي إلى سخط من الله وغضب).
وويل لهم يوم يدخلون في قبورهم وتأتيهم الملائكة وتقول لكل منهم: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فيقول: هاه هاه هاه لا أدري، لا يعلم الجواب، فقد ضيع حياته في معصية الله، فتقول له الملائكة: (لا دريت ولا تليت).
وويل له يوم يأتيه عمله الذي عمله في الدنيا، فيتمثل له ذلك العمل في صورة رجل، ويأتيه على هيئة العمل الذي صنعه، إن كان عمله سيئاً فيأتيه، فيقول له: (أبشر بالذي يسوءك، فيقول: من أنت فوجهك الذي يأتي بالشر، يقول: أنا عملك السيئ).
ويل له وهو يوقد عليه القبر جمراً أحمر يتقلب عليه ليلاً ونهاراً.
ويل له والقبر يضغطه حتى تختلف أضلاعه وتلتقي أضلاع اليمين بالشمال، والشمال باليمين.
ويل له ثم ويل له يوم القيامة يوم يبعث من في القبور: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنْ الأَجْدَاثِ سِرَاعاً كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾ [المعارج:٤٣ - ٤٤] والذلة ذلة المعصية والكفر ﴿ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ [المعارج:٤٤].
ويل لهم يوم ﴿يَخْرُجُونَ مِنْ الأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنتَشِرٌ * مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِي يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ [القمر:٧ - ٨].
ويل لهم ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعّاً * هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ * أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ * اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور:١٣ - ١٦] يعني: سواء صبروا أم لم يصبروا، فهل هناك أحد يصبر على النار؟ لا والله لا أحد يصبر على النار، فلا حول ولا قوة إلا بالله.
ويل لهم بعد ذلك: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ [القمر:٤٨].
ويل لهم يوم ينادون لأخذ كتبهم وأخذ شهاداتهم، إذ هي شهادات ملطخة بجرائمهم؛ لأنه يوجد شهادات مشرفة، وهي الشهادات المملوءة بدرجات عليا مشرفة، فترى في الدنيا الطالب يأخذها ويقول لأهله: انظروا، أما الساقط البليد الذي شهادته كلها دوائر حمراء فلا يعطيها لأهله خجلاً وخوفاً، ولا يذهب لأخذها من مدرسته، وإذا سأله أهله: هل خرجت النتيجة يقول: لا.
وهي قد خرجت، ولكن لا يريد أن يعلمهم بالفضيحة، يقول لأهله: قالوا بعد غد، حسناً وبعد غد يقولون له: طلعت النتيجة؟ يقول: نعم طلعت، قالوا: بشرنا، قال: قرأوا الأسماء قبل أن أحضر، وقد سمعوا اسمي، وهو يريد أن يأتي بها بالتقسيط كي لا يأتي بالخبر المهول، ولكن غداً إن شاء الله أتأكد، وجاء يوم الغد، قالوا: بشّر، قال: الحمد لله ثلاث مواد فقط، الحمد لله، هناك مجموعة من الزملاء منهم من سقط في ثمان وفي تسع وفي عشر مواد، أما أنا فالحمد لله لك الحمد يا رب، ثلاث مواد فقط أعيدها، ولكن ما يهمكم! أيها الساقط في الدنيا! معك دور ثانٍ وفصل ثانٍ وعلم ثانٍ، وإذا لم تدرس فيمكن أن تعمل.
لكن هؤلاء ويل لهم يوم يعطون كتبهم بشمائلهم؛ لأنهم يوم القيامة يريدون أن يغالطوا الله ويأخذوا الكتب باليمين، يرون أهل الإيمان يأخذون كتبهم، يريد أن يكون في الآخرة كذاباً كما كان في الدنيا، يقول الله: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمْ اللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمْ الْكَاذِبُونَ﴾ [المجادلة:١٨] فيرفعون أيمانهم فتضربهم الملائكة بمقامع من حديد على مناكبهم فتسقط أيمانهم، فما يبقى معه إلا الشمال، فيأخذ كتابه بشماله ويقول: ﴿يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتْ الْقَاضِيَةَ﴾ [الحاقة:٢٥ - ٢٧].
ثم يتذكر ما الذي غره؟ ما يغر الإنسان في الدنيا إلا أمران: المال والسلطان، فيقول: ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٨] ما نفعني مالي، فأين السلطة والوظيفة إذ لم ينفع المال؟ ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٩] فلا مال ينفع ولا وظيفة تنفع، وإذا به يقول بلسان حاله: أنا الآن في موقف صعب جداً، ثم بعد تلك الحسرة والندامة قال الله تعالى: ﴿خُذُوهُ﴾ [الحاقة:٣٠] أي: خذوا هذا المجرم الكذاب: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ﴾ [الحاقة:٣٠] والغل: هو وضع القيد والسلاسل في الرقبة: ﴿ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً﴾ [الحاقة:٣١ - ٣٢] في الحديث يقول النبي ﷺ : (والذي نفسي بيده لو أن حلقة من حلق هذه السلسلة وضعت على الأرض لأرفضتها) ﴿سَبْعُونَ ذِرَاعاً فاسْلُكُوهُ﴾ [الحاقة:٣٢] والسلك: أنها تُدخل من فمه وتُخرج من دبره، من أجل أن يتقلب كالدجاجة في الشواية ﴿إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ﴾ [الحاقة:٣٣] كان قلبه قاسياً عن ذكر الله، وكان يعيش في ضلال مبين، لم يشرح الله صدره للإسلام لأنه ما طلب الهداية ولا عمل بمقتضاها، فقلبه مغلق عن الدين، مفتوح على كل شيء إلا طاعة الله، يحب كل شيء إلا الصلاة، ويطرب لكل شيء إلا القرآن، ويألف كل شيء إلا المساجد، ويحب الناس كلهم إلا أهل الخير منهم، هذا عبدٌ شيطاني ما نور الله قلبه، ولا شرح الله صدره، وإنما قلبه قاسٍ مقفول عن محبة الله ﵎ وطاعته، فويل له ثم ويل له ثم ويل له: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٢٢].
стр. 1618
أسباب انشراح الصدر وهدايته
كيف نحصل على هذه الهداية وهذا الشرح؟ يقول الله : ﴿فَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام:١٢٥] فكيف يشرح الله صدرك للإسلام؟ هذه تأتي بمبادرة منك وبإجابة من الله، فالله هو الهادي وأنت طالب الهداية، والله هو الشارح للصدور وأنت طالب شرح صدرك، تأتي منك فإن طلبت جاءك الطلب، وإن أعرضت فالله غني عن العالمين.
стр. 1619
الدعاء
يقول الله في الحديث القدسي الذي رواه الإمام مسلم، حديث أبي ذر الغفاري ﵁ وفيه ثمان مرات: يا عبادي يا عبادي يا عبادي ومن ضمنها (يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم) كان سيد الهداة فيما روى البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ يفتتح صلاته بالليل بقوله: اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم) فسيد الهداة يقول: اهدني، فلتكن الهداية أول شيء تطلبه من الله، وعليك أن تتملق لربك، وأن تمرغ وجهك في الأرض لله، وتقول: (يا ربِّ اهدني فيمن هديت، يا ربِّ ثبتني على دينك) فأهل الإيمان يقولون: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ﴾ [آل عمران:٥٣] ويقولون: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ﴾ [آل عمران:١٩٣] ويقولون: ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران:٨] فاطلب الهداية من ربك! يقول الله: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠] فهذا وعد من الله ، وأمر منه بالدعاء، ووعد منه بالإجابة، فإذا امتثلت الأمر فدعوت الله فلن يخلفك ما وعدك أبداً، إلا إذا وُجِدَت موانع! وتوجد أحياناً موانع لإجابة الدعوة، والموانع هذه منك فعليك أن تجتنبها وعندئذٍ تأتيك المنن من الله، لكن إياك أن تضع عقبات بينك وبين الله، لأنه إذا كان بينك وبينه عقبات فلن يأتيك شيء من إجابة دعائك.
وليس هذا مقام التفصيل فيما يتعلق بموانع الدعوة، ولكن ادعُ الله ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة:١٨٦] ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ [الجن:١٨].
فأول سبب من أسباب شرح صدرك: أن تدعوَ الله في ذلك، ومتى تدعو الله؟ عليك أن تتحرى الدعاء في أوقات الإجابة ومنها: الثلث الأخير من الليل والناس نيام، فقم وتوضأ وصل ركعتين واسجد، وفي السجود ألح على الله، قدّم السؤال وقدّم العريضة ولا تنصرف بسرعة، إلا إذا شعرت أن الله قبلك، وكيف تشعر؟ إذا بكيت ورق قلبك، معنى هذا أن عريضتك قبلت، فلا مانع من دخولك على الله.
أما إذا كان قلبك متحجراً فاعلم أنك لم تكن صادقاً في دعائك، ليس عندك حقيقة الإلحاح؛ لأن هناك فرقاً بين من يسأل وهو مُلح، وبين من يسأل وهو مستغن، مثلاً -ولله المثل الأعلى- عندما يأتيك فقير يقول: أعطني من فضلك، وتقول له: ليس عندي شيء، ينصرف عنك، لكن لو كان مُعرَّضاً للموت جوعاً وقال: أعطني من فضلك، فتصرفه، فيأتيك ويلحقك، فتقول له: ليس عندي شيء، فيقول لك: من فضلك ما عندي غداء من فضلك أعطني ريالاً، فتصرفه ثم يلحقك، ويقول: يا أخي! طلبتك مرة، وثانية، والله! ما ردني عليك إلا الحاجة، والله! ما عندي شيء أعطني بالله عليك ريالاً، تصرفه وتقول له: اذهب -يا شيخ- أنا ليس عندي ما أعطيك، يلحقك مرة رابعة، فعندئذٍ تعطيه ريالاً ولو لم يكن معك غيره، لأنه ألح عليك وأحرجك، وكذلك (إن الله ليحب الرجل الملحاح في الدعاء) يقول:
لا تسألنّ بني آدم حاجة وسل الذي أبوابه لا تحجب
فما على باب الله من حاجب:
الله يغضب إن تركت سؤاله وبني آدم حين يسأل يغضب
لأن ابن آدم فقير، والفقير يسأل فقيراً، بينما الله غني، والغني مهما تسأله فلا يمل سؤالك، بل كلما سألته أعطاك، كما جاء في الحديث يقول الله: (يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني، فأعطيت كل واحد مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر) أدخل مخيطاً (إبرةً) في المحيط الهادي وأخرجه، فما الذي يخرج معه من الماء بالنسبة للمحيط؟ هذا مثل الذي ينقص من عند الله، والباقي في خزائن الله، فاسأل الله ﵎ من فضله.
وأول شيء تسأله من الله الهداية، فتدعوه في جوف الليل، وبين الأذان والإقامة، وبعد صلاة العصر يوم الجمعة إلى المغرب، وحين صعود الخطيب إلى المنبر يوم الجمعة، وحين نزول المطر، وهناك أوقات أخرى قد ذكرها الشرع، وهذه الأوقات مظنة الإجابة، المهم كلما رفعت يدك قل: (اللهم اهدني فيمن هديت).
стр. 1620
أهمية الأخذ بأسباب الهداية
ثم بعد الدعاء تأخذ بأسباب الهداية، إذ لا يكفي أن تدعو وأنت هارب، لا بد أن تدعو وأنت مقبل على الله.
وبعض الناس يقول: اللهم اهدني، بلسانه! وهو هارب من الله بعمله، يقول: "اللهم اهدني فيمن هديت" وهو يسمر على الأغاني إلى نصف الليل، يُحوِّل الراديو من إذاعة إلى إذاعة إلى أن يجد أم كلثوم أو أي مطرب أو مطربة، وهناك يرفع يده عن الراديو فقد وجد أمنيته، فهل هذا يريد أن يهتدي؟ هذا كذاب، هذا لا يريد الهداية حقيقة بل يريد الضلال.
أحد الإخوة يقول: هناك سيارة وقع لها حادث مروري، وبعد ذلك جاءوا إلى الولد السائق وهو يحتضر، يلفظ أنفاسه الأخيرة ويقول: (هل رأى الحب سكارى مثلنا؟) والشريط في نفس السيارة لـ أم كلثوم تغني وهو معها يردد: (هل رأى الحب سكارى مثلنا؟) هؤلاء سكارى حق، فلا حول ولا قوة إلا بالله.
ولا بد عليك وأنت تدعو الله بالهداية أن تسلك السبيل الموصل إليها.
الآن الواحد منّا إذا أراد زوجة وقال: اللهم ارزقني زوجة صالحة، دينة جميلة هادئة ذات خلق ودين، وبعد ذلك تراه جالساً في البيت، وكلما قالوا له: تزوج، قال: لا، يا شيخ! الزواج مشكلة، أنا أطلب من الله أن يزوجني فقط، هل تأتيه زوجة؟ يريد أن تأتيه واحدة (مقرطسة) من السماء، لا.
ادع الله.
ومن ثَمَّ ابحث في المجتمع، وأرسل أهلك وأقاربك يبحثون لك عن زوجة، وإذا قالوا لك: عند فلان بنت صالحة، فعندئذٍ تذهب وتسأل عنه وعن هذه التي ستتزوجها وعن سيرتها وخلقها، وإذا اطمأننت تذهب وتتكلم مع أبيك، ثم يذهب أبوك إلى أبيها، وبعد ذلك مراحل أخرى ثم تجتمعون في الليلة الأولى للمفاهمات الأولية، ثم تحددون موعداً للعقد، ثم موعداً للزفاف، ولا تدخل عليها إلا وقد تكبدت معاناة شديدة.
وهي امرأة من نساء الدنيا، لعلك تظل معها (شهر العسل) وبعد ذلك تتحول الدنيا كلها إلى (بصل) وتعلمون أن (شهر العسل) هذا ليس عرفاً إسلامياً وإنما عادات وافدة، أما نحن فليس عندنا (شهر عسل) نحن في الإسلام حياتنا كلها عسل، لكن الكفار لا؛ لأنهم يلتقون لقاءً بهيمياً، فيحددون (شهر العسل) فإذا انتهى الشهر صار عدواً لها وهي عدوة له، وعاشوا في مشاكل إلى يوم القيامة، لكن الإسلام لا يهمل هذه العلاقات، بل ينسق ويربط الصلة بين الزوج والزوجة وتصير حياتهم كلها عسلاً إلى يوم القيامة، ويكملون الحياة السعيدة -إن شاء الله تعالى- في الجنة إذا كانا صالحين؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور:٢١].
ويقول: ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد:٢٣ - ٢٤] ويذكر لنا ﵎ أن الملائكة تقول: ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُم وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [غافر:٨] فلا يطيب لك قرار في الجنة، ولا تحصل لك السعادة كاملة، إلا بأمك وأبيك وزوجاتك وأولادك، إذا كانوا مؤمنين، أما إذا كانوا فجرة فيُذهَب بهم إلى جهنم ويعوضك ربي عنهم في الجنة إن شاء.
стр. 1621
تلاوة القرآن
أنت إذا أردت أن تتزوج فلا بد أن تسلك أسباب الزواج، كذلك إذا أردت أن تهتدي يجب أن تسلك أسباب الهداية، وأسباب الهداية ما هي؟ هذا موضوع مستقل، ولكني سأطرق منه رءوس أقلام فقط.
من أسباب الهداية: أولاً: تلاوة كتاب الله.
أول شيء عليك بالقرآن الكريم، قال الله تعالى فيه: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ﴾ [الشورى:٥٢ - ٥٣] ويقول سبحانه: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنْ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة:١٥] ويقول سبحانه: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً﴾ [النساء:١٧٤] ويقول : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ * قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس:٥٧ - ٥٨].
فعد إلى كتاب الله؛ عد إليه تلاوة! عد إليه تدبراً! عد إليه عملاً وتطبيقاً! عد إليه التزاماً واحتكاماً! عد إليه استشفاء! عد إلى القرآن، واجعل حياتك كلها مع القرآن، ليلك مع القرآن، ونهارك مع القرآن، فحين تجلس في المكتب، وليس عندك عمل فخذ المصحف، واقرأ وبمجرد أن يؤذن وأنت الأول في الصف تأخذ المصحف، لكن علاقة الناس اليوم بالقرآن -يا إخواني- علاقة واهية وضعيفة جداً.
وهذا هو الذي ترتبت عليه قسوة القلوب، لبعدهم عن كتاب الله وعن النور العظيم، الذي يقول الشاعر في معناه:
كالعيس في البيداء يقتلها الظمأ والماء فوق ظهورها محمول
ترون الناس الآن وسوء علاقتهم بالمصحف، فلو سألت طالب علم -مثلاً-: كم تختم القرآن؟ هل تختم في الشهر مرة؟ قال: لا.
الله أكبر! ثلاثون يوماً تمر عليك وما تمر على القرآن مرة واحدة، كان السلف يختمون في كل ثلاثة أيام، وكانوا يختمون في كل أسبوع، وكانوا يختمون في كل عشرة أيام وكانوا يختمون في خمسة عشر يوماً، فأنت أقل ما يمكن أن تختم في كل شهر مرة، كيف ذلك؟ تقرأ كل يوم جزءاً، حتى تكمل الثلاثين ثم تبدأ من أول القرآن إلى أن تنتهي منه بشكل مستمر، تكون -إن شاء الله- بهذا من القارئين للقرآن، وبعضهم يمر عليه العام كله ولا يختم مرة، وإنما تراه يدخل المسجد إذا بقي وقت للقراءة فيجلس لا يستطيع أن يقوم ويأتي بمصحف؛ تصوروا كأنه يستكثر القيام للمصحف ويراه أكثر من حاجته، فيظل جالساً إلى أن يرى -لعل الله يجعل- أحدهم يقوم، فإذا قام واحد ناداه: من فضلك مصحف، نحن تكسرت أرجلنا فلا نستطيع أن نأتي بمصحف، فلا إله إلا الله! وبعضهم اليوم يدخل المسجد ويأخذ المصحف فإذا فرغ من القراءة وضعه في حجره؛ من أجل ألا يقوم مرة ثانية، سبحان الله! ما أكسلك! وما أعجزك يا هذا الإنسان! وبعضهم -والعياذ بالله- يقوم أحدهم يقرأ، ويأتي بالمصاحف وينظر من بجانبه لعلهم يكسبون أجراً وثواباً ويؤجر معهم، فيأتي بمصحف لأحدهم فيقول: شكراً، لا أريد، هؤلاء ممتلئون حسنات، مستغنون.
ووالله! لو أعطاه مالاً ولو أقل من خمسمائة ريال ماذا يقول؟ هل يقول: شكراً لا أريدها، لا.
بل يلتقطها قبل أن ينظر إليها أحد؟ سبحان الله! تستغني عن كلام الله! لا ترد المصحف، مهما كنت، خذ المصحف واقرأ ولك بكل حرف عشر حسنات: (لا أقول: (ألم) حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف) ثلاثين حسنة تأتيك إذا قلت (ألم) والحسنة الواحدة تساوي الدنيا كلها، ولكن أين عقل الإنسان عندما يضيع هذه الفرص؛ هذا عقله خَرِبٌ، وقلبه ليس منشرحاً لكتاب الله، فارجع إلى كتاب الله وأكثر تلاوته، واحذر من هجرانه.
стр. 1622
أبيات من المنظومة الميمية للشيخ الحكمي
يقول الشيخ حافظ الحكمي في أبيات اخترتها فأحضرتها حتى تسمعوها، وهي أبيات عظيمة في منظومة له اسمها: المنظومة الميمية في الآداب العلمية، وقد أوصى طالب العلم بالقرآن وأوصاه بالسنة، وأوصاه بآداب يجب أن يتمسك بها، واخترت منها بعض الأبيات فيما يتعلق بالأدب مع القرآن، يقول:
وبالتدبر والترتيل فاتل كتا ب الله لا سيما في حندس الظلم
حَكِّمْ براهينه واعمل بمحكمه حِلاً وحظراً وما قد حده أقم
وعن مناهيه كن يا صاحِ منزجراً والأمر منه بلا ترداد فالتزم
هو الكتاب الذي من قام يقرأه كأنما خاطب الرحمن بالكلم
هو الصراط هو الحبل المتين هو الـ ميزان والعروة الوثقى لمعتصم
هو البيان هو الذكر الحكيم هو الـ تفصيل فاقنع به عن كل منبهم
هو البصائر والذكرى لمدكر هو المواعيظ والبشرى لغير عم
هو المنزل نوراً بيناً وهدى وهو الشفاء لما في القلب من سقم
لكنه لأولي الإيمان إذ عملوا بما أتى فيه من علم ومن حكم
أما على من تولى عنه فهو عمى لكونه عن هداه المستنير عمي
والله تعالى يقول: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ [فصلت:٤٤] والوقر يعني الحفرة، فالذي أذنه محفورة ليس فيها طبلة تستجلب الصوت وإنما هو مخروق الأذن ما يسمع كلام الله، وهو عليهم عمى: أي: إذا سمع يضيق، يقول هنا:
لكنه لأولي الإيمان إذ عملوا بما أتى فيه من علم ومن حكم
أما على من تولى عنه فهو عمى لكونه عن هداه المستنير عمي
فمن يقمه يكن يوم المعاد له خير الإمام إلى الفردوس والنعم
كما يسوق أولي الإعراض عنه إلى دار المقامع والأنكال والألم
كفى وحسبك بالقرآن معجزة دامت لدينا دواماً غير منصرم
فانظر قوارع آيات المعاد به وانظر لمن قص من عاد ومن إرم
وانظر به شرح أحكام الشريعة هل ترى بها من عويص غير منفهم
أم من صلاح ولم يهد الأنام له أم باب هلك ولم يزجر ولم يلم
أخباره عظة أمثاله عبر وكله عجب سحقاً لذي صمم
الله أكبر كم قد حاز من عبر ومن بيان وإعجاز ومن حكم
رحم الله قائل هذه الأبيات الشيخ حافظ بن أحمد الحكمي وأسكنه فسيح جناته وجمعنا به في دار كرامته.
أول وسيلة -أيها الإخوة- من وسائل شرح الصدور: القرآن الكريم، وننادي بأعلى أصواتنا: عودوا -يا عباد الله- عودة إلى كتاب الله القرآن الكريم.
كثير من الناس لا يحفظون من القرآن شيئاً، تراهم يلعبون البلوت من بعد العشاء إلى منتصف الليل، وإذا قلت له: اقرأ لي بالله عليك: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق:١] لا يعرف كيف يقرؤها، وإذا قلت له: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون:١ - ٢] قام ولعب فيها ووضع "لا أعبد" مكان "أعبد"، لا يعرف، لماذا؟ لأنه يلعب البلوت، ومع هذا يقول: ليس عندنا شغل! إذا لم يكن عندك شغل فالقرآن معك، وأنت لا تحفظ فيه ولا تراجعه، هل فرغت من كتاب الله؟ هل فرغت من هدي رسول الله ﷺ ؟ لا.
بل تجده من أجهل الجاهلين ويقضي عمره في عمل البطالين وعمل العابثين الغافلين اللاعبين والعياذ بالله.
فنقول لكم ولأنفسنا قبلكم: عودوا إلى كتاب الله، ورتبوا لأنفسكم مواعيد للتلاوة، وأحسن وقت بعد صلاة الفجر، حينما تعودون من الصلاة فإن كنت تقعد في المسجد فحباً وكرامة، وإن لم تكن في المسجد ففي البيت قبل أن تنام اجعل عند رأسك مصحفاً، فعندما ترجع من الصلاة أشعل المصباح واقرأ القرآن لمدة ربع ساعة على الأقل، لابد أن تنام وآخر عهدك بالقرآن لا تنم على الأغاني، وبعد ذلك رتب لنفسك أوقاتك قبل الصلاة، ألزم نفسك ألا يؤذن إلا وأنت على أهبة الاستعداد لإجابة النداء، بحيث لو كان بيدك أعظم شغل في الدنيا، ونادى المؤذن: الله أكبر، تترك كل شيء على الفور، وإذا كنت بائعاً تضع الميزان مباشرة، أو كنت موظفاً أغلق الدفتر وأجب النداء، تقول عائشة ﵂: (كان رسول الله ﷺ يحدثنا ونحادثه، فإذا سمع المؤذن قام وكأنه لا يعرف منا أحداً) دعاه ربه، ترك كل شيء، فألزم نفسك بهذا الخلق، وبمجرد أن تسمع الأذان -مهما كان عملك، ومهما كان شغلك، فقد دعاك الله- اترك شغلك وتوضأ، وإن أذن المؤذن وأنت متوضئ فهذا أفضل، وبادر إلى الصف الأول في الروضة: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة:١٠ - ١١].
وقد ذكر المفسرون في هذه الآية من سورة الواقعة: أن الناس يوم القيامة قربهم من الله بحسب قربهم في الصفوف الأولى من المسجد، فالذي هو في الصف الأول هنا يكون في الصف الأول هناك، والذي هو في الصف الثاني هنا يكون في الصف الثاني هناك، والذي لا يأتي هنا فلن يأتي هناك، ولا يدخل الجنة، وإنما يذهب إلى دارٍ ثانية، إلى النار والعياذ بالله.
فرتب وقتك، فمن بعد الأذان باستمرار إلى الصلاة يكون لك مصحف تقرأ فيه قبل الظهر وقبل العصر ثلث ساعة، وقبل المغرب عشر دقائق، وقبل العشاء ثلث ساعة، فما شاء الله هذا الوقت كله كم مقداره، تجد فيه أقل شيء ساعتين أو ساعةً ونصفاً للقرآن فبإمكانك أن تختم في كل شهر ثلاث مرات، فهذا هو السبب الأول من أسباب شرح الصدر.
стр. 1623
أهمية الإكثار من ذكر الله
السبب الثاني من أسباب شرح الصدر: كثرة ذكر الله ودوام ذكر الله، فالله يقول: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨] تطمئن أي تنشرح ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ﴾ [الرعد:٢٩] ذِكرُ الله يشرح صدرك، أما ترى نفسك إذا كنت ضائقاً مهتماً، وعندك مشاكل، فإذا قلت: لا إله إلا الله أستغفر الله العظيم وأتوب إليه، لا حول ولا قوة إلا بالله، تشعر بأنه يوجد مثل الماء البارد ينصب على جوفك، تشعر براحة وطمأنينة فهذا الشرح يأتي من مرة، فكيف لو أنك تداوم على ذكر الله؟ وكيف لو أنك ملازم لذكر الله؟ ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة:١٥٢] فما دام أنك مع الله فكيف يضيق صدرك؟ هل يضيق صدرك وأنت مع من يشرح الصدور؟ هل تضيق أمورك وأنت مع من بيده مقاليد الأمور؟ أبداً والله! ولكن ما الذي يسبب لك ضيق الصدر؟ إنه الغفلة وعدم الذكر، والغناء، وقراءة الصحف والمجلات الرخيصة العارية والقصص والروايات التافهة التي يضيق من جرائها الصدر.
أما ذكر الله وقراءة القرآن وكتب السنة وكتب سلف الأمة؛ هذه تشرح صدرك وبنص القرآن ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨] ولكن ما هو الذكر?
стр. 1624
أصناف الذكر
الذكر خمسة أصناف: الأول: ذكر الله عند ورود أمره، يعني: إذا كنت جالساً في البيت، وسمعت المؤذن وقمت إلى الصلاة فأنت ذاكر؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه:١٤].
الثاني: ذكر الله عند ورود نهيه، أنت ماشٍ في الشارع وإذا امرأة كاشفة متبرجة والشيطان يدعوك للنظر إليها، والله أمرك بالغض من بصرك عنها فغضضت خوفاً من الله، أنت بذلك تعد ذاكراً لله؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:١٣٥] فأنت إذا عرضت عليك المعصية وصرفت نفسك عنها، فقد ذكرت الله، وهذا ذكر عظيم، ذكر عملي.
الثالث: ذكر الأحوال والمناسبات، أن تتعلم من سنة النبي ﷺ لكل عمل ومناسبة وحالة ذكرها، فإن الشرع رتب للمسلم أذكاراً في كل حال، ابتداءً من الاستيقاظ حتى تنام، إذا استيقظت قبل أن تفتح بصرك وقبل أن تشاهد أي شيء تقول: (أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، الحمد لله الذي أحياني بعد ما أماتني وإليه النشور) كأنك تقول: يا ربِ أعطيتني فرصة أخرى كي أعبدك فلك الحمد، أعطيتني فرصة من أجل أن أصحح الخطأ وأعمل العمل الصالح فلك الحمد يا ربِ! لو أردت لجعلتها موتةً واحدةً، وبعد ذلك كيف أصلي؟ كيف أستغفر؟ كيف أعمل؟ ولكن من فضلك ورحمتك ومنتك أن أعدتني إلى الحياة فأقول أنا: (الحمد لله الذي أحياني بعد ما أماتني وإليه النشور) وبعد ذلك تخرج إلى الحمام وتقدم رجلك اليسرى وتقول: باسم الله، اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث) ومن الرجس النجس الشيطان الرجيم.
وتقضي حاجتك، ثم تخرج وتقدم رجلك اليمنى، وتقول: الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني، غفرانك.
وبعد ذلك تلبس الثوب وتذكر الله، وتنظر إلى المرآة أمامك وتذكر الله، تخرج إلى المسجد وتذكر الله، هناك أذكار معينة إذا دخلت المسجد، وإذا خرجت من المسجد، وإذا عدت إلى البيت، وإذا أتيت زوجتك، وإذا أكلت طعامك، وإذا رأيت البرق، أو سمعت الرعد، أو نزل المطر، كل حال من أحوالك عليها خاتم الذكر، ويجب أن تتعلم هذه الأذكار، وهذه يسمونها: أذكار الأحوال والمناسبات.
الذكر الرابع: الأذكار العددية، التي عدها الشرع وحدها بعدد معين، وتعبدنا بعددها مثل: (من قال في يوم مائة مرة: سبحان الله وبحمده؛ غفر الله ذنوبه وإن كانت مثل رمل عالج أو مثل زبد البحر) وقال ﷺ : (من قال عقب كل صلاة: سبحان الله ثلاثاً وثلاثين، والحمد لله ثلاثاً وثلاثين، والله أكبر ثلاثاً وثلاثين، ثم قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، غفر الله له ذنوبه ولو كانت كزبد البحر) وهذا الحديث في صحيح مسلم وهو حديث صحيح، والعاملون به قليل؛ لأن الشيطان يأتيك وأنت تصلي ويذكرك ويقول: قم الحق امش، من أجل ألا تقعد دقيقتين فقط تذكر الله فيها.
شخص من الإخوان بدأ يقولها: سبحان الله سبحان الله بأحسن أداء، وحسبنا الوقت فوالله ما أخذت دقيقتين، لكن الشيطان يخرجك من هنا ويجعلك تضيع وقتك فتجلس مع رفاقك عشر دقائق في السوق، لكن هنا لا تجلس دقيقتين! فلا بد أن تقول هذا الدعاء عقب كل صلاة، كما في الحديث: (من قال عقب كل صلاة) لأنه ليس في العشاء فقط، وفي الفجر تتركها ولا تقولها، وفي الظهر ترجع من الدوام ولا تقولها، وفي العصر تذهب لكي تنام، لا، بل عقب كل صلاة لا تقم -ولو احترقت الدنيا، وأنت في المسجد- إلا بعد أن تكملها، دقيقتين -يا أخي- وبعد ذلك قلها بأداء صحيح وقلبك حاضر، ليس كما يفعل أكثر الناس، نرى الناس يُسبحون ولا ندري كيف يقلقل قلقلة؟ هل هذا تسبيح؟ متى سبح؟ ويتلفت في المسجد هل هذا تسبيح؟ هذا لعب! لا تتلفت انظر في أصابعك، تقول: سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، هذه -والله- إنها كالذهب.
فالآن عندما تستلم راتبك كيف تعده، هل تعده وأنت تتلفت أم أن عينك في النقود وتفحصها؟ ولو أن واحداً جاء يسلم عليك وأنت تعد الفلوس هل تسلم عليه؟ لا، والله! ما ترد السلام عليه، وإذا بك بعد ما تنتهي تقول له: آسف -والله- كنت أعد الفلوس، هذه فلوس ما هي لعبة! فالفلوس لا نضيعها، لكن التسبيح كم سبحت قال: لا أعلم، نسأل الله أن يتقبل! لا -يا أخي- عدها إن (سبحان الله) أعظم من الدنيا وما عليها.
يُحكى أنه في ذات مرة مرَّ سليمان بن داوُد هو وحاشيته وجنده على بساط تحمله الريح، البساط الذي يسره الله له وسخر له الريح تمشي بأمره رخاءً حيث أصاب، غدوها شهر ورواحها شهر، الغدوة مسيرة شهر، والروحة مسيرة شهر، ثم هي بأمره إذا قال: انزلي أنزلته، بلا مطارات، وبلا وقود، سفينة ربانية! فمر على مدينة من المدن فحجب البساط ضوء الشمس عن الأرض، وكان هناك فلاح في الأرض يعمل فرفع رأسه وقال: سبحان الله! لقد أوتي آل داود ملكاً كبيراً.
فسمعه سليمان ﵇ وهو على البساط، فأمر الريح أن تُنزِله فأنزلته وجاء إليه وقال له: ماذا قلت؟ قال: ما قلت شيئاً، فخاف؛ لأن سليمان ملك ونبي، قال: لم أقل شيئاً، قال: بلى قلت، فماذا قلت؟ قال: قلت: سبحان الله! لقد أوتي آل داود ملكاً كبيراً، فقال سليمان: والذي نفسي بيده! إن الكلمة التي قلتها أعظم عند الله مما أوتي آل داود.
سبحان الله! تعظيم لله وتنزيه لله، فعليك أن تسبح عقب كل صلاة وقد ورد أيضاً حديث في صحيح البخاري وصحيح مسلم وفيه أيضاً عدد، وهو قوله ﷺ : (من قال في يوم مائة مرة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، كان كمن أعتق عشر رقاب، وكتب الله له مائة حسنة وحط عنه مائة خطيئة، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا رجلاً قال مثل ما قال أو زاد، وكانت حرزاً له من الشيطان يومه ذاك) فهذه خمس كيف تضبطها بالعدد بأن تعد، وهذه هي الأذكار العددية.
النوع الخامس: الذكر المطلق، أن تذكر الله على كل حال وفي كل حين، وأفضل ما يذكر الله به: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، إذ هن الباقيات الصالحات، يقول فيها النبي ﷺ والحديث صحيح قال: (لأن أقول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، أحب إلي مما طلعت عليه الشمس وغربت).
كم أشياء طلعت عليها الشمس وغربت من المزارع والمباني والبنوك والعمارات، ولكن هذه الأربع أحب إلى رسول الله ﷺ من كل ذلك.
فهذان عنصران هما: قراءة القرآن وذكر الله.
стр. 1625
ضرورة تلاوة القرآن وتدبره والعمل بمقتضياته
قراءة القرآن أرجو ألا يتصور بعض الناس أنها فقط مجرد التلاوة، بل هي التلاوة والعمل بمقتضاها، إذ مجرد التلاوة بدون عمل لا تغني ولا تنفع، فلو أن لك -ولله المثل الأعلى- ولداً يدرس في أبها وأنت في مكة وأرسل لك ورقة من أبها كتب فيها إليك: يا أبي إن البرد القارس يقطع أوصالي ويفتت عظامي، وأنا أعيش في غرفة وليس معي مدفأة أتدفأ بها ولا معطف ألبسه، والناس من حولي معهم المعاطف و (العبي) وأنا لا أملك نقوداً، ولهذا أطلب منك يا والدي أن ترسل لي بألف ريال أشتري بها مدفأة وملابس، ولما وصلت الرسالة إلى والده في مكة وهو جالس في الحر والدفء تأثر حقيقة، فقرأها فبكى، وقرأها على أمه فبكت، ولكن ما أرسل نقوداً، وبعد ذلك جاء الولد وقال: يا والدي أرسلت لك رسالة فهل وصلتك؟ قال: نعم.
بلغتني، والله لقد أثرت فيَّ هذه الرسالة، وبلغت مني كل مبلغ، وقرأتها وتقطع قلبي لما بها، وبكيت، قال: يا أبي أنا ما أرسلتها لكي تبكي، أرسلتها لكي تعطيني ألف ريال، ما رأيكم بهذا الأب هل هو صادق في تأثره؟ لا بل كاذب في تأثره، ولو أنه متأثر حقيقة فمن يوم قرأها يمشي إلى البنك ويحول لولده بألف ريال من أجل أن يستدفئ ولله المثل الأعلى.
الله أنزل هذا القرآن لنعمل به وليس لنقرأه فقط، فالآن لو أنك موظف وجاءك تعميم من الوزارة أو من الإدارة وقال لك مدير الإدارة: الإخوة الموظفون! للإطلاع والتوقيع بالعلم، وطلب منك أن توقع في التعميم بالعلم، ماذا يتطلب منك الأمر? يتطلب منك أن تقرأ التعميم، فمن الذي يوقع قبل القراءة؟ ولو أن شخصاً وقع قبل القراءة ماذا نسميه؟ نقول: هذا مغفل وأحمق، توقع على تعميم أتى من الوزارة وما قرأته، افرض أن فيه قرارات افرض أن فيه شيئاً.
والتعميم الرباني من الله، تقرأ القرآن ولا تعلم ماذا هناك، تقرأ قول الله: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً﴾ [الإسراء:٣٦] وأنت تسمع الأغاني، كم مرة سمعت أن الأغاني حرام، وكم مرة قرأت هذه الآية، وما انتهيت عن الأغاني، فما معنى هذا? معناه: إصرارك على أن تعصي الله على علم، يكفي -يا أخي- أنت عبد الله، بمجرد أمر واحد أو فتوى واحدة أن الأغاني حرام فتمتثل ولا تستمع، هي قرآن الشيطان ووحي إبليس وهي ضد القرآن، فلماذا تعاند ربك وتستمر عليها وأنت تعلم أنها حرام، وأنت تسمع النبي ﷺ يقول والحديث في صحيح البخاري: (ليكونن في آخر الزمان أقوام من أمتي يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف) وهناك حديث مرفوع وقيل موقوف على ابن مسعود: [الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل] وفي بعض الآثار: [من استمع إلى مغنية صب الله في أذنيه يوم القيامة الرصاص المذاب] وفي سنن ابن ماجة حديث عن عمرو بن قرة الجهني قال: جئت إلى رسول الله ﷺ ، فقلت: (يا رسول الله! ما أراني أُرزق إلا من دفي بكفي -فهو لديه دف يضرب به على أولاد المدينة فيعطونه تمراً فيأكل، فهو يقول ليس عندي عمل- فرخص لي يا رسول الله -سهل لي فيها أمراً في غير ما فاحشة، يقول: ما أريد أن أغني بفاحشة- قال ﷺ : قم يا عدو الله كذبت، والله لولا أنك سبقت بالتقدمة لحلقت رأسك ولجعلت مالك نهبة لصبيان المدينة) فقام وبه من الذل ما لا يعلمه إلا الله، فلما ولى قال النبي ﷺ لأصحابه: (إن هذا ومن هو على شاكلته يبعثون يوم القيامة عرايا لا يستترون بهدبة كلما قاموا صرعوا) هؤلاء أهل الفن، يخلده الفن في النار، ولهم عواء كعواء الكلاب في جهنم -والعياذ بالله- فلا تقترب منهم -يا أخي- ولا تكن مشجعاً لهم ولا تكن من جمهورهم.
كن من أهل القرآن ومن المشجعين لكتاب الله، كن من أهل سنة رسول الله ﷺ ، يقول ابن القيم ﵀:
برئنا إلى الله من معشر بهم مرض من سماع الغنا
فعشنا على سنة المصطفى وعاشوا على دندنا دندنا
و (يا عين) و (يا ليل) وبعد ذلك يتجرع نتائجها يوم القيامة فلا حول ولا قوة إلا بالله! فيا أخي المسلم! العبرة من التلاوة أن تعمل بالتلاوة: ﴿إِنَّ السَّمْعَ﴾ [الإسراء:٣٦] عرفت هذا، فلا تستمع إلى غيبة، ولا نميمة، ولا قول زور.
﴿وَالْبَصَرَ﴾ [الإسراء:٣٦] لا تنظر إلى الحرام، ولا تملأ عينك الحرام (من ملأ عينيه من الحرام ملأهما الله من جمر جهنم) ما معنى أن الله تعالى يقول لك: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور:٣٠] من هم المؤمنون؟ أهل روسيا أو بريطانيا؟ لا.
بل أنت الذي ولدت في بلد الإسلام ومن أهل الإيمان: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾ [النور:٣٠].
ولكن بعض الناس يقرأ الآيات ويسمع القرآن وإذا رأى امرأة نظر بعينيه وحركها بشرهٍ، يعني: يريد أن يبتلعها بعيونه، الله تعالى يقول: غضوا، وهو يقول: فتحوا، أعوذ بالله! هذه العين ما علاجها إلا من جهنم؛ لأن (النظرة سهم مسموم من سهام إبليس من تركه ابتغاء مرضاة الله أبدله الله إيماناً في قلبه يجد حلاوته إلى يوم يلقاه) كما ورد في الحديث.
﴿وَالْفُؤَادَ﴾ [الإسراء:٣٦] فلا تفكر ولا تسر إلا فيما يرضي ربك، فلا تمش بقدمك إلى حرام، ولا تمدَّ يدك إلى حرام، ولا تتكلم بلسانك في حرام، وقيد نفسك بتعاليم القرآن، وكن قرآناً متحركاً، وكن قرآناً حياً كما قالت عائشة لما سئلت عن خلق النبي ﷺ قالت: (كان خلقه القرآن) والحديث صحيح.
تريد خلق النبي ﷺ الذي قال الله تعالى عنه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤] فخلقه القرآن، وتعاليم القرآن كلها انعكست وتمثلت في شخصه ﷺ .
فاقرأ القرآن، واعمل بالقرآن، واستشف بالقرآن، واحتكم إلى القرآن، وتدبر القرآن، تعلم القرآن، احفظ القرآن، كن قرآناً؛ لأنك إذا أردت أن تعرف منزلتك عند الله فاسأل نفسك عن منزلة القرآن في قلبك، فإن كان للقرآن منزلة في قلبك فاعلم أن لك منزلة عند الله، وإن كان لا يوجد للقرآن منزلة في قلبك فاعلم أنه لا منزلة لك عند الله.
ومن الناس -والعياذ بالله- من إذا حرك مؤشر المذياع وسمع قرآناً كأنك ضربته على وجهه، لا يريد ريح القرآن، فإذا وجد أغنية استقر عليها وانبسط، فيعرض عن الله ويبتعد -والعياذ بالله- وهذا مدبر ولا خير فيه.
والله أسأل في هذه الساعة المباركة ولعلها ساعة إجابة، أن يشرح صدورنا وإياكم إلى الإسلام، اللهم اشرح صدورنا، ويسر أمورنا، واغفر لنا في دنيانا وآخرتنا، واجمعنا وجميع أحبائك إخواناً في الله في دار كرامتك، إنك على كل شيء قدير وبالإجابة جدير.
والله أعلم.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 1626
الأسئلة
стр. 1627
أمراض القلوب وعلاجها
السؤال
يقول الله تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمْ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [البقرة:١٠] ما هو علاج هذا المرض?
الجواب
هذه الآية يذكر الله فيها المنافقين في أوائل سورة البقرة؛ لأن الله تعالى ذكر الناس وقسمهم إلى ثلاث فئات: أصحاب قلوب سليمة صحيحة وهم أهل الإيمان -جعلنا الله وإياكم منهم- وأصحاب قلوب ميتة وهم أهل الكفر، وأصحاب قلوب مريضة وهم أهل النفاق.
فذكر الله أصحاب القلوب الصحيحة بأربع آيات، وذكر الله أصحاب القلوب الميتة بآيتين، وذكر أصحاب القلوب المريضة بثلاث عشرة آية حتى يكشفهم ويعريهم فقال في أول سورة البقرة: ﴿الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:٢] يعني: أهل القلوب الصحيحة يكون القرآن سبباً في هدايتهم.
فما صفاتهم؟ قال: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة:٣] أي: لا يعيشون في سجن المادة المنظورة بالعين، بل يؤمنون بعالم الغيب والشهادة، فما غيب عنا فإنه أعظم بملايين المرات مما ظهر لنا ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [البقرة:٤] أي: القرآن ﴿وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة:٤ - ٥] الله أكبر ما أعظم هذا التذييل المناسب (أولئك) اسم إشارة للبعيد، لعلو منزلتهم ولعلو درجتهم عند الله ﴿عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة:٥] يعني ليس هناك ضلال ﴿وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة:٥] جعلنا الله وإياكم منهم.
ثم ذكر الله أصحاب القلوب الميتة التي لا حياة فيها، فقال سبحانه فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ ءأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة:٦] لأن الله علم عدم انتفاعهم بالإنذار، ولماذا? قال تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [البقرة:٧].
ثم انتقل إلى أصحاب القلوب المريضة الذين أظهروا للناس شيئاً وأبطنوا غيره، فأظهروا للناس الإيمان وأبطنوا الكفر والنفاق، فهؤلاء أمرهم مشكل، ووضعهم غريب، فلا بد من توضيح حالهم وكشف احتيالهم، فكشفهم الله تعالى فقال: ﴿وَمِنْ النَّاسِ﴾ [البقرة:٨] أي ليس مؤمناً من الأولين وليس كافراً من الآخرين، ولكن يلبس لبوس الإيمان، ويخفي الكفر قال: ﴿وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ * فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمْ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [البقرة:٨ - ١٠].
وشفاء هذا المرض وعلاجه بأدوية: أعظمها القرآن الكريم؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ﴾ [يونس:٥٧].
ثانياً: السنة المطهرة، هدي النبي ﷺ وطريقة عيشه، كيف يعبد الله؟ هديه في كل شيء.
ثالثاً: حب المساجد؛ لأنها مشافي القلوب، والملازمة لها والمداومة عليها؛ لأن من ألف المسجد ألفه الله، ومن أحب المسجد أحبه الله، ومن مشى إلى المساجد في ظلمة الليل لقي الله بنور تام يوم القيامة، فحبك للمسجد مما يقوي إيمانك ويسلم قلبك؛ لأن النبي ﷺ قال في الحديث الصحيح: (ورجل قلبه معلق بالمساجد) فحب المساجد مهم جداً.
رابعاً: حب العلماء؛ لأنهم أطباء القلوب، فإذا أحببتهم ولازمتهم وجلست معهم سلم قلبك.
خامساً: حب الأخوة في الله، عليك أن تتعرف على مجموعة من الصالحين وتربط بهم علاقة الإيمان وتجالسهم، إن كسلت نشطوك وإن غفلت نبهوك، وإن نسيت ذكروك، وإن أخطأت رجعوك، المهم معك في الطريق يعينونك على طاعة الله.
سادساً: بغض أهل الفسق والمعاصي والحذر من مجالستهم، فإنهم مرضى، ولا بد من الحظر الصحي عليهم، فمن جالس المرضى مرض، أليس كذلك؟! فواحد عنده سل، وثان عنده إيدز، وثالث عنده سرطان، تجلس معهم وتأكل وتشرب، لا والله! ولو كانوا إخوانك لا تأكل وتشرب معهم، تقول: والله! ما أقعد معكم.
فاعلم أن هذا عنده سل في دينه، وإيدز في أخلاقه، وسرطان في عقيدته، ما رأيك بهذا تجلس معه؟ خطأ، إذا جلست معه أوردك النار، فاحذر منه وبهذه الأسباب الستة إن شاء الله يسلم قلبك بإذن الله.
стр. 1628
المعاصي وأثرها السيء على الفرد والمجتمع
السؤال
أنا أحد المسلمين أؤدي فرائض الله من صلاة وصيام وحج، وأوحد الله، ولكني أرتكب بعض المعاصي مثل شرب الدخان والشيشة وحلق اللحية وسماع الأغاني وإسبال الثوب، وقد حاولت أن أتفادى هذه المعاصي أو بعضها ولكن الشيطان كلما تبت منها أوقعني مرة أخرى، فبماذا تنصحونا جزاكم الله خيراً?
الجواب
المعاصي -أيها الإخوة- حجاب بين العبد وبين الله، لها آثار مدمرة على الإنسان في الدنيا والآخرة، تذهب بركة العمر، وتذهب بركة الرزق، وتذهب بركة العلم، وتذهب بركة الأولاد والأموال، المهم أن المعاصي نار وشنار وعار في الدنيا والآخرة، والله ﵎ قد حذر منها وقال: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً﴾ [الأحزاب:٣٦].
المعصية هذه هي سبب لإبعادك وإقصائك عن الله، فلا تستصغر شيئاً من المعاصي؛ لأنه لا صغيرة مع الإصرار ولا كبيرة مع الاستغفار.
لا تحقرن من الذنوب صغيرا إن الصغير غداً يصير كبيرا
الصغير اليوم يكبر، واليوم ذنب وغداً ذنبين وبعده ثلاثة، تأتي يوم القيامة تلقاه مثل الجبل، ما هذا? يقال لك: هذا الذنب الصغير أصبح اليوم كبيراً، وكل شيء يكبر.
إن الصغير وإن تقادم عهده عند الإله مسطر تسطيرا
وفي الحديث وهو في السنن قال ﷺ : (إياكم ومحقرات الذنوب فإنها تجتمع على المرء فيهلكنه) وهذه الذنوب التي وقعت فيها -يا أخي- ليست من الصغائر بل هي من الكبائر، سماع الغناء الذي هو ضد القرآن قال ابن القيم:
حب القران وحب ألحان الغنا في قلب عبد ليس يجتمعان
لا يمكن أبداً أن تجمع قرآناً وأغاني في قلبك، ولذلك ترى الذين يحبون الأغاني لا يحبون القرآن، وإذا أحبوه لا يحفظوه، والذي يحب القرآن لا يحب الأغاني، وإذا سمع لا يريدها، لماذا؟ لأنها متضادة، مثل النار والماء، مثل الشرق والغرب، مثل السماء والأرض لا يمكن أن تجتمع، أما كما يقول بعض الناس: ساعة لقلبك وساعة لربك، لا فهذا شرك، والله تعالى يقول: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢] حتى الموت لله، أما ساعة للقرآن وساعتين للأغاني، فلا.
فسماع الأغاني مصيبة.
وإسبال الثوب أيضاً من الكبائر؛ لأنه من المخيلة والأحاديث الصحيحة وردت في النهي عنه سواءً كان هذا الإسبال خيلاء وتكبرً أو كان غير ذلك، فإن كان خيلاء وتكبراً فقد ورد في الحديث الصحيح: (من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة) وإن جر ثوبه عادة لا خيلاء، فقد ورد في الحديث وهو أيضاً صحيح: (إزرة المسلم إلى نصف الساق، فإن كان مرخياً فإلى الكعب، وما تحت الكعب ففي النار) سواء خيلاء أو غيره.
فيا أخي المسلم! إسبال الثوب من المخيلة والله لا يرضاه، والحديث في صحيح مسلم: (ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولا ينظر إليهم ولهم عذاب عظيم: المنان بعطائه، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب، والمسبل إزاره).
وبعض الناس يستشهد بفعل أبي بكر، وهذا مسكين، هناك فرق بين الثرى والثريا، فـ أبو بكر لما سمع هذا الحديث قال: (يا رسول الله! إن إزاري يسترخي، وإني أتعاهده) يقول: أنا لا أتركه أنا أتعاهده، ولكن أحياناً أسهو عنه أو أغفو فينزل، قال ﷺ : (إنك لست ممن يفعله خيلاء) هذا أول شيء شهادة تزكية لـ أبي بكر من رسول الله ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى، ولكن أنت من يزكيك حتى تكون مثل أبي بكر؟ وأبو بكر يقول فيه ﷺ : (ما طلعت الشمس بعد النبيين على أفضل من أبي بكر، ولو وزن إيمان الأمة بإيمان أبي بكر لرجح إيمان أبي بكر) أثنى الله تعالى عليه في القرآن: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠] أيُّ رجل عظيم هذا؟ وبالرغم من هذا يقول: إن إزاري يسترخي؛ لأن الرجل كان بطنه ملتصقاً بظهره، بل كان جُل الصحابة بطونهم ملتصقة بظهورهم، فهم من شدة الجوع يربطون على بطونهم بالحجارة.
فكان أبو بكر يربط إزاره، ومع الجوع يصير فراغاً فينزل ويتعاهده ويرجعه، ثم يذهب الواحد منا إلى الخياط ويقول: دع الثوب يسحب، ثم تجده يقول: أنا مثل أبي بكر، هذا يعني أنك متعمد أن تنزل ثوبك، من أجل أن تمشي في الشارع وتخفي قدميك، لماذا تخفي قدميك، لماذا? هل هي تفتن الناس؟ المرأة مأمورة بأن ترخي ثوبها حتى لا تفتن الناس بقدميها، أما أنت فرجلاك لو رآها الناس لفروا منك، من الذي افتتن بك، ارفع ثيابك، وكن رجلاً، لا تسحب ثوبك كأنك امرأة، (عيب والله عيب!!) هذا عمر وهو مطعون والدم يخرج من بطنه رأى شاباً يسحب ثوبه قال: [يا غلام! ارفع ثوبك فإنه أتقى لربك وأنقى لثوبك] يقول: أتقى لله وأنقى لثوبك، هذا الذي يسحب ثوبه ففي كل يوم زوجته تغسله، كل يوم يكنس الشارع ويذهب عند زوجته تنظف، لكن لو رفع ثوبه بقي أسبوعاً بدون غسل.
أما الدخان وما أدراك ما الدخان (أبو قط) وليس (أبو نمر) ولا (أبو أسد) ولكن اعلموا أنه من القطط وإلى القطط، أبو قط ترى الرجل يأخذ العلبة ويضعها في جيبه، فتظنها نقوداً تملأ جيبه، فلا حول ولا قوة إلا بالله.
الدخان خبيث ورائحته خبيثة، ولا ينبغي للمسلم أن يتعاطاه بأي حال من الأحوال، وقد صدرت فيه الفتاوى الشرعية من العلماء أنه محرم بأدلة شرعية، سبعة أدلة: والواحد منها يكفي، وفيه تحذير رسمي من الدولة على كل علبة: التدخين يضر بصحتك فلا تقربه، ولكن من الناس من هو أجهل من الثور، يرى التحذير ويشتريه بمال ويشعله بنفسه.
فسبحان الله! منظمة الصحة العالمية بإجماع أطبائها غير المسلمين يقررون أنه سبب رئيسي لإصابة الإنسان بسرطان الرئة الذي ما له دواء إلا الموت؛ لأن الرئة مثل الإسفنج إذا دخل فيها سرطان كأنك ولعت في إسنفجة فكيف تطفؤها؟ ومن أراد المزيد فليستمع إلى شريط في حكم الدخان اسمه: (القاتل المهذب) يقتل ولكن بأدب، هذا موجود في الأسواق وينفع إن شاء الله والذي يسمعه يستفيد منه إن شاء الله.
وأذكر لكم قصة، وأنا أكررها باستمرار لأن بعضكم ربما لم يسمعها: كنت ذات مرة في جيزان، فسئلت عن حكم الدخان في مدرسة ثانوية، فبينت حكمه بما أعرف من شرع الله، فقام أحد المدرسين واعترض وقال لي: يا شيخ! نريد آية في القرآن يقول الله تعالى فيها: الدخان حرام عليكم، كما قال: حرمت عليكم الميتة والدم، فقلت له: يا أخي أنت تأكل الموز والبرتقال والتفاح، قال: نعم.
قلت: أريد آية في القرآن أحلت لكم الموز والبرتقال والتفاح، هات آية، قال: لا يوجد.
قلت له: يا أخي! القرآن ليس كتاب مطعم، يعطي لك قائمة بالأطعمة هذا حلال وهذا حرام، بل هذا منهج أمة، ودستور حياة، جعل الله تعالى فيه ميزاناً في سورة الأعراف: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف:١٥٧] فائت بكل طيب وكله، واترك كل خبيث واعلم أنه محرم عليك.
قال: أنا أقول بأن الدخان من الطيبات، أنتم تقولون: إنه من الخبائث وهو حرام، وأنا أقول بأنه من الطيبات فهو حلال، فقلت له: عندك أولاد، قال: نعم.
قلت: لو رأيت في يد أحدهم حلوى أو بسكويت أو تمرة، تغضب؟ قال: لا.
قلت: لو رأيت في يد واحد منهم سيجارة تغضب؟ قال: نعم.
قلت: لماذا؟ قال: لأنه ليس طيباً -بلسانه، والله! - قلت له: غير طيب يعني: خبيث، فضحك الناس عليه كلهم في الصالة، وهو بعد ذلك رفع يديه وقال: تائب والله، والله لا أشربه بعد اليوم، وبعد أن انتهينا سلم علي بحرارة وقال: يا أخي! أنا كان عندي شبهة ولم يقنعني أحد إلا أنت؛ فجزاك الله خيراً وأنا أتوب إلى الله منه.
فالدخان -يا إخواني- عيب والله، فالذي يشربه عليه أن يتوب إلى الله منه، فبعض الناس يقول: والله صحيح الدخان خبيث، لكن ما نصنع، والله ما استطعنا، ويريد أن يبكي، أعوذ بالله! ما هذا الضعف؟ تنتصر عليك سيجارة وتغلبك وأنت رجل، لماذا لا ترميها من يدك؟ وتقول: أعوذ بالله منك! والله ما أشربك، سبحان الله! الطفل الصغير يفطم من ثدي أمه وقد ألف ثديها وهو طعامه وغذاؤه الوحيد لمدة سنتين فإذا فطموه ووضعوا له قطران أو شيئاً آخر على الثدي، ثم أعطوه للولد بعد يومين أو ثلاثة ماذا يقول? يقول: (كخ) (خلاص) لا أريدك ويريد طعاماً جديداً، وأنت بلحيتك لا تقول لهذا الخبيث (أبو قط) و (روث مان) وتعرفون ما معنى ( man مان).
والشيشة وما أدراك ما الشيشة، وبالمناسبة، قرأت قبل ثلاثة أو أربعة أيام ويمكن قرأتم معي بحثاً في جريدة عكاظ مع التحفظ على هذه الجريدة طبعاً، لكن البحث كان قيماً، كان عن إيدز جديد اسمه الفيروس الكبدي نسبة الإصابة به في المملكة العربية السعودية (٥٦%) وهذه الدراسة جاءت عن طريق جامعة الملك عبد العزيز -كلية الطب، جاء بها علماء وأطباء متخصصون، فليس مجرد كلام، بل دراسة علمية، مبنية على إحصاءات وأرقام (٥٦%) من الناس عندهم هذا الفيروس.
وهو ينقسم إلى قسمين فيروس (
الجواب
) وفيروس ( B)، فالفيروس (
الجواب
) خطير ما بعده إلا الموت، وفيروس ( B) خطير ولكن أقل خطورة، هل تعلمون ما هي أسبابه وما أعظم أسبابه؟ إنها الشيشة، هكذا بهذا النص قال الأطباء: وقالوا أكثر من (٤٠%) من المصابين به سببه تعاطي الشيشة، فهذه الشيشة -يا إخوان- لا ينبغي للمسلم أن يحقر نفسه، بعضهم عنده شيشة في المكتب وشيشة في السيارة لا يمشي إلا وهو يقرقر، وشيشة عند رأسه، بل إنه قد أصبح شيشة متحركة، وبعضهم يحليها ويزينها ويلبسها ثوباً -أعوذ بالله من هذا الشيء-.
أما حلق اللحية فمخالفة لسنة النبي صلى الله ع
стр. 1629
نصيحة في التعامل مع الولد المدخن
السؤال
أنا رجل متدين ولله الحمد ولا أزكي نفسي، لي ابن يبلغ من العمر تسعة عشر عاماً، وقد زوجته من سن الثامنة عشرة، بحسب طلبه للزواج، فزوجته بفتاة متدينة والحمد لله، ورأيت في المنام أنه يدخن، فأحرقته بالسيجارة في المنام، ثم انتبهت من المنام، وبعد هذه الرؤيا بأيام قليلة بلغني أنه يشرب الدخان حقيقة، فأغضبني هذا، ولأني أحب في الله وأبغض في الله، فأرشدني جزاك الله خيراً ماذا أفعل معه إذا لم يسمع نصيحتي?
الجواب
أولاً: أريد أن أقف قليلاً عند الرؤيا حتى لا يتصور الناس أن كل رؤيا يراها حق، نحن لا نتلقى تشريعنا وديننا من الرؤى والأحلام، المصدر عندنا كتاب الله وسنة رسول الله والإجماع والقياس، هذه مصادر الشرع المتفق عليها، وهناك مصادر أخرى مختلف فيها، وهي: شرع من قبلنا، والاستصحاب، والاستحسان، والمصالح المرسلة، والتقليد، والاجتهاد، هذه مصادر مختلف فيها بين الأمة هل هي مصادر تشريع، وليس هذا مقام تفصيل فيها.
ولكن المصادر الشرعية لتلقي الأحكام: الكتاب والسنة والقياس والإجماع، أما الرؤى والأحلام فليست كل رؤيا تؤخذ على ما هي ونفسرها؛ لأن منها ما يكون حديثاً للنفس، ومنها ما يكون من الشيطان، ومنها ما يكون من الله، والرسول ﷺ قد علمنا أنه إذا رأى أحدنا ما يكره في نومه فليتفل عن يساره وليستعذ بالله من الشيطان، لا يخبر بها أحداً فإنها لا تضره.
لكن لو أخبر بها وعُبرت فربما تقع، وإذا رأى ما يحب فليخبر من يحب، والرؤيا تسر ولا تضر، وأحياناً يريد الشيطان أن يوقع بين المسلمين والمؤمنين البغضاء ويزعزع ثقتهم في بعضهم، فيريك رؤيا أن فلاناً يدخن أو أن فلاناً حالق لحيته، أو أن فلان رأيته في المنام يزني مع واحدة، هذه من الشيطان من أجل أن تأتي في اليوم الثاني وذاك الذي كنت تحبه ورأيته في المنام أنه يزني تكرهه، لماذا؟ لأنك رأيته في المنام يزني، حسناً ما ذنبه هو؟ الشيطان هو الذي تصور لك ولعب عليك وجعلك تكره أخاك، فلا تبن حكماً على رؤيا.
أما كونك رأيت ولدك على هذا الشيء ثم أصبح حقيقة، فهذا علاجه بوسائل: أولاً: تبحث؛ مع من يجلس ولدك المتدين؟ اسأل مع من يجلس؟ لأنه ما دخل عليه الدخان اعتباطا، ما جاء الدخان إلا مع شخص يأخذه معه وجلسا سوياً وقال له: ما رأيك خذ يا شيخ فيرفض، فيقول: إذاً أنت مسكين أنت لا تعيش الحياة التي نعيشها ثم يقول: أنا إذا دخنت أرى الدنيا كلها في يدي، أنبسط وتذهب الهموم والغموم والمشاكل ويقولون: دخن عليها تنجلي.
أي مشكلة تدخن عليها وترى الدنيا كلها آمالاً.
ذلك المسكين قال: سنجرب فنحن نريدها أن تنجلي، فيأخذها ويمصها أولاً ثم ثانياً ثم ثالثاً، حتى يستسيغها، فابحث أولاً مع من يجلس ولدك؟ وَحُلْ بينه وبين جلساء السوء، ثم ما دام ولدك قد أصبح رجلاً كبيراً فاجلس معه جلسات منطقية متعقلة، وقل له: يا ولدي، يا ولدي، يا ولدي، ربيتك أدبتك زوجتك، يا ولدي هذا الشيء ليس لي ولا لك، هذا الشيء نعوذ بالله منه، نذهب أنا وأنت إلى العلماء، نذهب إلى طلبة العلم نسأل ونستفيد، إن كان حلالاً أنا أشرب معك يا ولدي، وإن كان حراماً فلا.
والله! لا أريدك أن تشرب حراماً، وهكذا وادع الله تعالى له في الليل وخذه إلى مجالس العلم، وأسمعه الأشرطة الإسلامية، واربطه بجلساء طيبين، فإن استقام فالحمد لله، وإذا أصر بعدها فعليك هجره؛ لأن آخر العلاج الكي.
стр. 1630
خطورة التهاون في صلاة الفجر مع الجماعة
السؤال
لدي مشكلة هي أنني لا أصلي صلاة الفجر في المسجد؛ لأني نائم?
الجواب
ما رأيك يا نائم لو صدر الأمر أن الدوام الساعة الخامسة، والله تقوم، لو عندك رحلة سفر إلى خارج أو داخل المملكة وقالوا: الرحلة الساعة الرابعة صباحاً تقوم ولا تنام؟ ولا تقول لهم: يا جماعة أخروا الطائرة إلى الساعة السابعة؛ لأني أريد أن أنام؟ يقولون: يا مجنون نؤخر الطائرة من أجل خاطرك.
فهذه صلاة الفجر تؤخرها وتضيعها وهي عنوان الإيمان وهي دليل الإيمان: (أثقل الصلوات على المنافقين العشاء والفجر) والحديث في صحيح البخاري وصحيح مسلم، وهذا والله مقياس ضعه في قلبك واعرف أين أنت، فإن كنت من أهل الفجر فاعلم أنك مؤمن، وإن كنت من أهل النوم فاعلم أن فيك نفاقاً والعياذ بالله.
أما كونك تصلي في البيت، فهذا للعلماء كلام فيه حول صحة صلاة من يصلي في بيته، فمنهم من يقول بأنها صحيحة مع العقاب والإثم إذ أنه ترك واجباً وهو صلاة الجماعة، ومنهم من يجعل حضور الجماعة شرطاً في صحة الصلاة بحيث يقول: إنها لا تقبل، وفي الحديث: (من سمع حي على الصلاة، ثم لم يمنعه من اتباعها عذر، لم تقبل منه الصلاة التي صلاها) وهذا موضوع خلاف بين أهل العلم.
ولكن نقول لك: اتق الله في نفسك، وما دمت تصلي الأربع الصلوات، إلا هذه الأخيرة والمهمة فاضبط نفسك، ووقَّت الساعة قبل أن تنام، ونم وأنت تقرأ القرآن، ونم مبكراً، ولا تنم على مسلسل، ولا على فيديو، ولا على مسرحية، ولا على قصة داعرة، ولكن نم على الذكر والقرآن واطلب من الله تعالى أن يوقظك لصلاة الفجر، ونبه على زوجتك إن كنت متزوجاً ونبه على أهلك إن لم تكن متزوجاً، وقل لهم: والله إن لم توقظني لصلاة الفجر فلا أذهب إلى المدرسة، وانظر والله سيوقظونك من أجل الذهاب إلى المدرسة، من أجل أن تأخذ الشهادة، لكن بعض الشباب إذا أيقظه أهله قال: أزعجتمونا.
أزعجوك! هذا النوم راحة لك يا عدو الله، فلا حول ولا قوة إلا بالله، نعوذ بالله من غضب الله.
стр. 1631
نصيحة موجهة إلى البنات والأمهات في البيوت
السؤال
ما هي نصيحتكم للبنات والأمهات في البيوت يرحمني الله وإياكم?
الجواب
رحمنا الله وإياك يا أخي، أما النصيحة للبنات والأمهات في البيوت بأن يتقين الله الذي لا إله إلا هو، وتقوى الله هي خير وصية يوصي بها المسلم أخاه، وهي وصية الله للأولين والآخرين، قال : ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنْ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء:١٣١] وتقوى الله -أيتها الأخت المؤمنة- أن تجعلي بينك وبين عذاب الله وقاية من طاعة الله.
والذي نحذر منه النساء هو تأخير الصلوات؛ لأن بعض النساء لا تصلي الفجر إلا الساعة العاشرة، ولا تصلي الظهر إلا الساعة الثالثة، ولا تصلي العصر إلا مع المغرب، وتصلي المغرب آخر الليل، والعشاء يمكن تنام وتتركها، هذه -والعياذ بالله- مجرمة في حق نفسها، لا تؤخري الصلاة، بل إذا سمعتي الأذان ضعي كل عمل وصلي، ثم صلي صلاة شرعية بكمال الطهارة، وكمال الخضوع والخشوع والتستر، البسي حجاباً ورداءً فضفاضاً واسعاً يغطي كل جسمك حتى شعرك، لا تظهري شعرة ولا تبدي ظفراً، ولا يبقى إلا وجهك في الصلاة، إذا لم يكن هناك أجنبي، أما إذا وجد أجنبي فغطي وجهك، ثم تستقبلين القبلة، وتقرأين الفاتحة، وتخضعين وتركعين وتسجدين وتطمئنين أما السرعة والمسابقة، بعض النساء تأخذ الصلاة في غمضة عين، وتقول: قد صليت، وهي تكذب، وقد تقول: لو تركتها كلها الله غفور رحيم، لكنها نسيت أن الله شديد العقاب لمثلك أيتها المجرمة في حق نفسها.
حافظي على الصلاة، اتركي الغناء لا يجوز أن تسمعيه، في البيت، كل الأشرطة التي عندك بدليها، اذهبي بها إلى مكتب الدعوة وسلمي الأشرطة التي عندك، يطبعونها ويسلمون لك آخر الأشرطة الإسلامية، بدل أن كانت باطلاً تصبح حقاً، وبريال واحد فقط، والله أكبر! ما أعظم هذا الفضل! وبعد ذلك تحجبي والتزمي بالحجاب حتى ولو كان زوجك يرفض؛ لأن من الأزواج من لا يهمه هذا الأمر بل يحب أن تكشف امرأته بشكل مستمر، من أجل إن كانت جميلة يباهي بها، وإن كانت كريهة وليست جميلة فلأجل أن يجعل الناس نساءهم يرينه؛ لأنه لو غطى زوجته وهي كريهة أو قبيحة غطى الناس نساءهم عليه، والعياذ بالله.
هذه جوهرة لك لا يراها إلا أنت، ولا تكشف.
وإذا أمركِ بالكشف فلا تطيعيه؛ لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
ثم احذري من مرض خطير جداً منتشر في أوساط النساء وهو مرض الغيبة؛ لأنها تأخذ عباءتها وتخرج من بيتها إلى أين؟ قالت: عند الجيران، ما هي المناسبة التي معكم؟ قالت: نتحدث، يعني: نأكل لحوم الناس، وتجد بعض النساء قد فنيت عباءتُها من عند رأسها من كثرة ما تلبسها، فكل يوم وهي على رأسها من بيت إلى بيت ماذا هناك، قالت: تتحدث، هل نتحدث بذكر الله؟ لا.
بالقرآن؟ لا.
لكنها تتحدث عن ماذا قالوا في فلان، ما قال أهل فلان، أما فلان أعوذ بالله منه، والله أما فلان فسلام الله عليه، قطع ونشر وطعن وقضم وهضم في لحوم المسلمين.
تخرج وهي قد شبعت من نار جهنم -والعياذ بالله- فنقول: لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا أعراضهم؛ لأنَّ (من تتبع عورة مسلم تتبع الله عورته، ومن تتبع عورته فضحه وهو في جوف بيته) أو كما قال ﷺ .
والنميمة وهي داء خطير عند النساء: وهي نقل الكلام بين البيوت، تأتي عند هذه تسمع كلامها وتذهب عند تلك وتقول: والله كنت عند فلانة بالأمس وسمعتها وهي تقول: فيك وفيك وما عملتِ بها، قالت: الله أكبر! صدقيني! والله إنها بنت حرام، وذهبت عند من نمت عليها وقالت: والله كنت عند فلانة بالأمس وذكرتك بشيء وقالت وتقول! وهذه أحرقت الأسر -والعياذ بالله- والنمام يفسد في ساعة ما لا يفسده الساحر في سنة، فهذه أمراض النساء وكثيرة هي أمراضهن.
ونصيحة أخيرة: طاعة الزوج؛ لأن طاعة الزوج من طاعة الله، فهاهي عمة حصين بن محصن لما جاءت إلى النبي ﷺ والحديث في السنن، قال: (أذات بعل أنت؟ قالت: نعم، قال: كيف أنت منه؟ قالت: أجتهد -يعني: لا أقصر- قال: إنه جنتك ونارك) فالنار والجنة من عند الزوج، ثم قال: (أيما امرأة صلت فرضها، وصامت شهرها، وأطاعت بعلها، وحصنت فرجها فلتدخل من أي أبواب الجنة شاءت).
إن طاعة الزوج مسئولية كبيرة ولكن في طاعة الله، وتستطيع المرأة الموفقة أن تصل إليها بألطف الأساليب، فالزوج لا يريد مالاً، ولا يريد خدمة شاقة، يريد بسمة، يريد كلمة طيبة، يريد وجهاً بشوشاً، يريد رائحة جميلة، يريد ثوباً نظيفاً، يريد طعاماً مطهياً عاجلاً، يريد أن ينام ولا يسمع تكديراً، وإليكم مقولة المرأة التي زفت بنتها إلى زوجها، فلما زفتها قالت لها: إنك ستخرجين من بيت درجت فيه إلى عشير لم تألفيه، فكوني له أمة يكن لك عبداً.
لأن بعض النساء تقول لبنتها: لا ينتصر عليك، كوني عزيزة النفس، إذا قال كذا قولي: لا.
كوني عزيزة! فتحدث المشاكل من أول يوم دخلت فيه، ولكن عندما تصير المرأة أمة للزوج، ماذا يكون هو؟ عبداً لها.
وبعد ذلك قالت: لا يشمن منك إلا أطيب ريح، ولا تقع عينه منك إلا على كل مليح، وإياك في تأخير طعامه، أو تنغيص منامه، فإن تأخير الطعام ملهبة، وتنغيص المنام مغضبة، كيف ذلك؟ بعض النساء تظل نائمة حتى الساعة الثانية، وزوجها يأتي الساعة الثانية والنصف، وبعد ذلك قامت الساعة الثانية ولم يبق إلا نصف ساعة وخربت الدنيا كلها، ويأتي الزوج ويقول: هل الطعام جاهز؟ فتقول: اصبر قليلاً لازال القدر على النار، أين كنت من الصباح، (اللهم طولك يا روح) وبعد قليل أتت به بعد نصف ساعة وهو يلتهب، والطعام إذا كان حاراً كأنه نار نعوذ بالله من النار، كان الرسول ﷺ لا يحب الطعام الحار، ولما قدم له قال: (إن الله لم يأمرنا أن نطعم النار) وبعد ذلك تجده إما مطهياً طهياً غير جيد، يعني: لابد أن يكون فيه عيب؛ لأنها أصلحته بسرعة، لكن لو أنها من أول الأمر قد دبرت أمرها وجهزت طعامها، بحيث إنها حين تسمعك وأنت عند الباب تدق الجرس، لا تدخل إلا والطعام أمامك حتى لا تغضب.
وتنغيص المنام مغضبة، وبعض النساء إذا علمت أن زوجها نائم تقفل عليه الباب وتأخذ أطفالها وأهلها وتذهب في غرفة بعيدة عن منامه وتسكتهم حتى لا يزعجوه، وعندما يأتي الوعد الذي قرر فيه القيام، تأتي إليه بالدقيقة وتنهضه قائلة له: يا فلان قم بارك الله فيك الموعد حل (يا سلام!) هذه الزوجة موفقة، نسأل الله أن يوفقها.
ولكن بعض النساء إذا نام فتحت الباب وأتت بعيالها كلهم، يقول لها زوجها: أريد أن أنام، قالت: لماذا تنام، حسناً أتيت من الدوام من أجل أن تنام، نريد أن نقعد معك، فإن الزوج يدعو عليها: لأنه وجدها مصممة على إزعاجه وبعد ذلك ذهب النوم وخرج وغضب عليها وحدثت مشاكل، كان عليها أن تغلق عليه الباب ساعة أو نصف ساعة بحيث يرتاح قليلاً؛ لأن الرجل يعاني بالخارج ويتعب في عمله فأين يذهب؟ هل يذهب إلى (القهوة) لينام؟ أم يذهب إلى المسجد؟ أم يذهب إلى الناس يطلب منهم مكاناً لينام فيه؟ هذه عذاب -والعياذ بالله- يقول المثل: حرب الخلاء ولا حرب الدار.
فإخلاص المرأة يكون بطاعتها لزوجها، وبكل هذه الأساليب إن شاء الله يمكن أن تكون المرأة طيبة، وهناك شريط إن شاء الله سوف يخرج بعد أيام اسمه (رسالة إلى كل عروسين) وجهته أنا إلى العرسان الجدد، ولكن يصلح حتى للقدامى، لعله ينفع ويعالج أغلب المشاكل التي بين الزوج وزوجته، وإن شاء الله سيصدر قريباً فلا تستعجلوا عليه، ربما يبقى شهراً؛ ولكن يوجد شريطان الآن في السوق، الأول بعنوان: (حقوق الزوج) والآخر: (حقوق الزوجة) هذا موجود وبإمكان الشخص أن يشتريه ويستفيد منه.
стр. 1632
حكم التغيب عن العمل بدون عذر شرعي
السؤال
يقول: أعمل في إحدى الإدارات الحكومية وأنا شاب مستقيم ولله الحمد، وهذا من فضل الله علي، ولكني إذا تغيبت من غير عذر شرعي، وأردت أن أطلب من رئيسي أن يخصم من مرتبي عن ذلك اليوم الذي غبت عنه؛ لأنه حرام أن أتقاضى راتب ذلك اليوم الذي غبت فيه، ولكن الناس يقولون: خذ أجر ذلك اليوم ولا حرج عليك?
الجواب
لا يجوز للإنسان أن يتغيب بغير عذر شرعي؛ لأنه مسموح له بقوة النظام أن يأخذ إجازة من الإجازات العادية أو الإجازات الاضطرارية، أو إذناً من رئيسه إذا كان يملك صلاحية في هذا، فلا يجوز له إلا بإذن أو يقدم خطاباً: سعادة مدير الإدارة تغيبت يوم كذا وكذا أرجو خصم راتب ذلك اليوم.
إذا جاء المدير وقال: لا يا شيخ، فضل الحكومة واسع.
قل له: صدقت، الحكومة فضلها واسع، أمدها الله ووفقها وبارك فيها، لكن ظهري لا يتحمل العذاب، وأنا أجير عند الدولة، فأنا آخذ اليوم راتباً وآخذ بدلاً عنه عذاباً في النار، يحوله إلى شئون الموظفين لخصم راتب ذلك اليوم، وإذا رفض فارفعها للمدير العام من أجل يخصم عليك يوماً مثل يومك؛ لأنه مدير متساهل وأخبره بذلك.
والله أعلم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 1633
أسماء يوم القيامة
تحدث الشيخ في محاضرته عن هول يوم القيامة، وأنه آتٍ لا شك فيه، ثم ذكر أسماء لذلك اليوم: القيامة، اليوم الآخر، الساعة إلخ، مبيناً السبب في إطلاق هذه التسميات على ذلك اليوم الرهيب، ومثبتاً في إطار ذلك أن كثرة الأسماء تدل على عظم المسمى.
стр. 1634
أهوال يوم القيامة
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
يوم القيامة يوم عظيم، يومٌ تحدث فيه من الأحداث والمشاهد العظيمة ما يجعل الولدان شيباً، والمرضعة تذهل عما أرضعت، والحوامل يضعن أحمالهن؛ خوفاً وفزعاً ورهباً من تلك الأحداث العظيمة التي تتغير فيها معالم الكون.
يوم القيامة لو علمت بهوله لفررت من أهل ومن أوطانِ
يوم عبوس قمطرير أمره فيه تشيب مفارق الولدانِ
ويقول الآخر:
مَثّل لنفسك أيها المغرور يوم القيامة والسماء تمورُ
إذ كورت شمس النهار وأدنيت حتى على رأس العباد تسيرُ
وإذا الجبال تقلعت بأصولها ورأيتها مثل السحاب تسير
وإذا البحار تأججت نيرانها ورأيتها مثل الحميم تفورُ
وإذا الوحوش لدى القيامة أحضرت فتقول للأملاك أين نسيرُ؟
فيقال سيروا تشهدون فضائحاً وعجائباً قد أحضرت وأمورُ
وإذا الجنين بأمه متعلق خوف الحساب وقلبه مذعورُ
هذا بلا ذنب يخاف لهوله كيف المقيم على الذنوب دهورُ
يوم القيامة هائل جداً، طوله خمسون ألف سنة، وخمسون ألف سنة سهلة باللفظ لكنها في التعداد العملي صعبة! خمسون ألف سنة والناس واقفون في ذلك اليوم العظيم الذي تتقطع فيه القلوب، وتشخص فيه الأبصار، والناس فيه يتوقعون كل عذاب، وهناك أناس آمنون لا يغشاهم الحزن: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء:١٠٣] نسأل الله أن يجعلنا وإياكم منهم.
هذا اليوم ضربه الله موعداً لفصل القضاء، وللجزاء، وللوعد والوعيد، يوم تنصب فيه الموازين، وتنشر فيه الدواوين، ويبعث فيه الخلق أجمعون، وتتفطر السماء، وينزل منها الملائكة: ﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾ [الرحمن:٣٧] وتحضر الأعمال، ويجزى الناس على ضوء أعمالهم في هذه الحياة.
وهذا اليوم يسبقه إبادة شاملة وكاملة لجميع الأحياء؛ لأن النفخة نفحتان: النفحة الأولى: نفخة الصعق: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الزمر:٦٨] هذه نفخة الصعق لا يبقى بعدها أحد، كل الناس يموتون، والنفخة الثانية: نفخة البعث: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر:٦٨] قيل: ما بين النفختين الأولى والثانية أربعون عاماً، وهذه المدة من أجل إعادة تكوين الأجساد البشرية كما كانت، وفي هذه المدة ينزل مطر من ماءٍ يقال له: ماء الحيوان، تنبت منه أجساد العباد؛ لأن الناس إذا ماتوا يفنى منهم كل شيء، إلا عجب الذنب في آخر العمود الفقري، وهو مثل بذرة الذرة، فأنت عندما تأتي ببذرة الذرة تكون صغيرة، إذا ما قستها مع الشجرة التي تنتج هذه البذرة أين هذه من تلك؟ تضعها في الطين وتسقيها بالماء، وتنبت لك نبتة الذرة وفيها سنابل، وأعذاق، وأوراق، وأغصان، وأصلها ماذا؟ حبة ذرة.
كذلك أنت -أيها الإنسان- أصلك نطفة، ولا يبقى منك إلا هذا العضو الصغير -عجب الذنب- لا يفنى، ولا ينبت في الأرض بأي ماء إلا بالماء الذي ينزله الله في آخر الزمان، وهذا الماء ورد في الحديث أنه يشبه مني الرجال، ينزل على الأرض فتنبت منه أجساد وأجسام العباد كما تنبت الحبة في حميل السيل، حتى تعود الأجساد كما كانت -يوم موت أصحابها- لكن بدون أرواح.
ثم ينفخ النفخة الثانية، والنفخة الثانية في الصور (البوق)، والصور: قرن من نور حاوٍ لجميع أرواح الخلائق، كل الخلائق الموجودة يموتون عند النفخة الأولى، وإذا كانت النفخة الثانية تطايرت الأرواح، وعادت كل روح إلى جسدها، فيقوم الناس كلهم من القبور كأنهم كانوا في نوم عميق، يقول ﵎: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ [يس:٥١] والأجداث القبور، وينقسمون إلى قسمين: أناس يقولون: ﴿يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ [يس:٥٢] وأهل إيمان يقولون: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ * إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ [يس:٥٢ - ٥٣] هذا اليوم الذي تباد فيه الخلائق كلها، كما قال الله : ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧] وكما قال الله ﵎: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨] وكما قال : ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران:١٨٥].
وفي هذا اليوم يلاقي العباد شيئاً عظيماً من الكربات والأهوال؛ لأن الشمس تدنو من الرءوس حتى تصير على بعد ميل -قيل: ميل المكحلة، وقيل: ميل المسافة- حتى إنها لتغلي منها أدمغة العباد كما يغلي اللحم في القدور، والعرق يبلغ من الناس مبلغاً، لدرجة أن منهم من يسبح في عرقه، وورد في الحديث الصحيح: (أن منهم من يبلغ عرقه إلى كعبيه، ومنهم من يبلغ إلى ركبتيه، ومنهم من يبلغ إلى حقويه، ومنهم من يبلغ إلى ثدييه، ومنهم من يلجمه العرق إلجاماً، ومنهم من يغطيه، ومنهم يسبح في العرق) ولك أن تتصور مقدار الحرارة في ذلك اليوم! في الدنيا، لو كانت الحرارة مائة درجة فإنه الناس يموتون بل حتى إذا بلغت حرارة الجو [٥٠مه]، [٥٥مه]، [٦٠مه] هناك من يموت، ونسمع في الأخبار أن موجات من الحر تمر على بعض الدول فيموت الناس من الحر، وهذه الدرجة لا تبلغ أن يسيل من الإنسان عرق بحيث يصير مثل الماء يُطبخ فيه، نعم! يسيل منه عرق لكن إذا كان كثيراً يبلل ثيابه، إما أن يسيل عرقه حتى يكون مثل السيل أمامه فلا! أيها الأحبة: وهناك في يوم المحشر أقل واحد هو من يسير في عرقه، فكيف الذي يغطيه؟! لا إله إلا الله.
هذه الأهوال والكربات لا ينجو منها إلا من أعد لذلك اليوم عدته، واستعد لذلك اليوم، وقدم المؤهلات من الإيمان والعمل الصالح؛ فإنه ينجو في ذلك اليوم، أما من يأتي يوم القيامة وهو مفلس من الإيمان، والعمل الصالح؛ فإنه يشقى، ويتعذب، ويكابد؛ ولو كانت عنده أموال الدنيا وزينتها من أولاد، وعمارات، ومؤسسات، وسيارات، ومنصب، وجاه؛ لم تغن عنه ولم تنفعه يوم القيامة بشيء.
والكفار كانوا في الدنيا يعتدون بأموالهم، كما يعتدي الناس الآن، صاحب الثراء والمنصب تجده مبسوطاً كل يغبطه هؤلاء الكفار في عهد النبي ﷺ كانوا معتدين بأموالهم وبأولادهم، فقالوا للنبي ﷺ كما قال الله في القرآن الكريم: ﴿وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالاً وَأَوْلاداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [سبأ:٣٥] يقولون عندنا مال، ورجال، والعذاب منا بعيد، ولا يقدر علينا؛ لأن عندنا ما نمتنع به، فالله قال: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى﴾ [سبأ:٣٧] ما تغني عنكم ولا تنفعكم شيئاً: ﴿إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾ [سبأ:٣٧].
وفي نهاية هذا اليوم بعد التمحيص والاختبار، والفحص والتقسيم والتمييز بين الخلائق؛ ينقسم الناس إلى فريقين: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى:٧] نعوذ بالله من دار السعير، ونسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يجعلنا من أهل الجنة.
стр. 1635
أسماء يوم القيامة
هذا اليوم العظيم ورد ذكره في القرآن الكريم بأسماء عديدة، وكل أسمائه مخيفة مرعبة؛ لأنه يستحق أن يسمى بمثل هذه الأسماء، فهو يوم تدمير وتغيير لجميع معالم الكون.
في الدنيا إذا هبت رياح عاتية، أو نزلت أمطار غزيرة، أو جاءت عواصف تقتلع البيوت والأشجار؛ كيف الناس عند ذلك؟ تجدهم في حال من الخوف والرعب، فكيف: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ﴾ [الانفطار:١]، ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ * وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ * وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ * وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ * وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ * وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ * وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ﴾ [التكوير:١ - ٨]، أحداث ضخمة تجعل الإنسان في غاية الرعب والخوف بحيث يذهل عن أهم شيء عنده، وقد عبر الله بذهول المرضعة ورضيعها؛ لأن المرضعة هي أحنى وأعطف وأرحم الناس برضيعها، فقد تنسى نفسها ولا تنسى رضيعها، لكن في حالات الرعب القصوى تذهل عنه ولا تذكره، بل حتى نفسها لا تذكرها.
هذا اليوم الذي هو يوم القيامة سماه الله بأسماء عديدة منها:
стр. 1636
يوم القيامة
(يوم القيامة) ورد هذا الاسم في كثير من آيات الله؛ لأنه الاسم الدال على هذا اليوم، يقول الله : ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [النساء:٨٧] ويقول: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً﴾ [الإسراء:٩٧] يحشر الله الكفرة، والفسقة الذين تعاموا وتصامّوا في الدنيا عن دين الله يحشرهم الله على وجوههم من جنس صنيعهم وفعلهم: لما تعاموا في الدنيا أعماهم الله هناك في الآخرة، ولما تصامُّوا عن الدين، كما يفعل كثير من الناس الآن يصمّ أذنيه فلا يريد أن يسمع هدى الله، حتى لو أعطيته شريطاً وقلت له: اسمع، يقول: يا شيخ! اتركنا لا تعقدنا، تلاحظ أنه أصم، لكن أعطه شريط أغانٍ، يقول: شكراً على هذه الهدية، إذا قلت له: خذ كلام الله، لا يريده، وإذا قلت: خذ كلام الشياطين، يريده، لماذا؟ تراه أصم أذنيه عن دين الله، وإذا أعطيته كتاباً، أو مجلة إسلامية، أو جريدة إسلامية، أو موضوعاً إسلامياً، وتقول له: اقرأ، يقول: ما هذا؟! شكراً!! لكن أعطه مجلة رخيصة هزيلة، عارية فاضحة، يقول: شكراً.
لماذا؟ لأنه أعمى، لا يريد أن ينظر إلى دين الله، أو يسمع كلام الله، أو حتى يتكلم بشيء مما يرضي الله ، هؤلاء يحشرهم الله يوم القيامة من جنس صنيعهم: عمياً كما كانوا عمياً هنا، بكماً كما كانوا بكماً هنا، صماً كما كانوا صماً هنا.
والزيادة ماذا؟ ﴿عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾ [الإسراء:٩٧] كيف على وجوههم؟ سألوا النبي ﷺ عن كيفية ذلك فقال: (أليس الذي أمشاهم في الدنيا على أقدامهم قادر على أن يمشيهم يوم القيامة على وجوههم؟) بلى قادر.
وفي الدنيا حيوانات نعرفها تمشي على وجوهها كالزواحف والحيات والثعابين، كذلك هذا يبعث يوم القيامة كالحية يمشي على بطنه أو وجهه -والعياذ بالله- والله يقول: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ * إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٨ - ٤٩] فهذا يوم القيامة، يقول الله فيه: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ﴾ [الإسراء:٩٧] أي: كلما انطفأت وخف توهجها ﴿زِدْنَاهُمْ سَعِيراً﴾ [الإسراء:٩٧] ويقول: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر:١٥] والله هذا هو الخسران، ثم يقول الله بعدها: ﴿أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الزمر:١٥] ليست الخسارة أن تخسر وظيفتك، أو زوجتك، أو دراستك، أو سيارتك أو عمارتك، نعم.
كل خسارة يوجد عوض عنها، يقول الشاعر:
وكل كسر فإن الدين جابره وما لكسر قناة الدين جبران
كل كسر في الدنيا ومعك دين فهو يجبره، لكن إذا انكسر دينك فمن يجبره؟! ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ * لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ [الزمر:١٥ - ١٦] هذه هي الخسارة، ولا حول ولا قوة إلا بالله! والقيامة مصدر من قام يقوم قيامة أو قياماً، من أصل كلمة (قام)، ودخلتها تاء التأنيث للمبالغة والتعظيم في هولها وعظمها، وهي مأخوذة من قيام الناس لرب العالمين، يقول الله : ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:٦] ويوم القيامة هو من أبرز أسماء اليوم الآخر.
стр. 1637
اليوم الآخر
من أسماء ذلك اليوم: (اليوم الآخر) في قوله: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة:١٧٧] إلى آخر الآية.
وكذلك يقول الله : ﴿ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة:٢٣٢].
ويقول الله : ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [التوبة:١٨].
وأحياناً يسمى في القرآن بـ (الدار الآخرة)، يقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [البقرة:١٣٠] ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾ [النساء:٧٤] ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص:٨٣] ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت:٦٤].
وسمي ذلك اليوم بـ (اليوم الآخر) أو بـ (الدار الآخرة)؛ لأنه لا شيء بعده، هذه اسمها (دنيا) وتلك اسمها (آخرة)، والآخر: ليس وراءه شيء، إذا دعوت ضيوفاً عشرة، وجاء تسعة ثم جاء آخر واحد، هل ستنتظر أحداً؟ لا.
فآخر واحد ما بعده شيء، وكذلك أيام الله ، أيام دنيا ويوم آخر، فإذا جاء يوم الآخرة فما بعده شيء؛ ولذا سمي اليوم الآخر؛ لأنه لا شيء بعده من الأيام، وما بقي إلا أيام الله الخالدة في الجنة لأهل الإيمان -جعلنا الله وإياكم منهم- ولأهل النار في النار أعاذنا الله جميعاً منهم.
стр. 1638
الساعة
من أسماء ذلك اليوم العظيم: (الساعة) سماها الله الساعة، يقول : ﴿وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ [الحجر:٨٥] ويقول سبحانه: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى * فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى﴾ [طه:١٥ - ١٦] أي: فتهلك، ويقول : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج:١].
والساعة إذا أطلقت يراد بها جزء من الوقت، كما تقول لشخص: انتظرني ساعة وسآتيك، هذا في الإطلاق اللغوي، وإذا حُددت وأُريد بها جزء من أربعة وعشرين جزءاً من اليوم: الليل والنهار، كما إذا حددت الساعة الرابعة، أو الخامسة، أو السادسة أُريد بها هذا، وإذا أطلقت فإنه يراد بها أي جزء حتى لو كان يسيراً أو لحظةً من الوقت، وإذا قيدت بصفة فإنما تطلق على اليوم الآخر.
وسميت القيامة بالساعة لعدة أسباب: إما لقربها، ومهما كانت بعيدة فهي قريبة فإن كل ما هو آتٍ قريب، أي شيء سوف يأتي فهو قريب، وإن جاء اليوم أو غداً أو بعده.
وإما أن تكون تسميتها بهذا للدلالة على ما فيها من الأحداث الضخمة التي تصهر الجلود، وتذيب الجبال، حتى تصير كالهباء.
وقيل: إنما سميت بالساعة؛ لأنها تأتي بغتة، أو في لحظة، أو في ساعة معينة وإذا بالقيامة قد قامت، والناس غير منتبهين لتلك الأحداث.
стр. 1639
يوم البعث
من أسماء ذلك اليوم: (يوم البعث) يقول في سورة الحج: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ [الحج:٥] من البعث أي: من يوم القيامة، الذي يُبعث فيه من في القبور، ويقول : ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْأِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ﴾ [الروم:٥٦].
ويوم البعث أي: الإحياء والإخراج إخراج الموتى من قبورهم، وإعادة الحياة إليهم، وبعثهم مما كانوا فيه من العدم والتلاشي إلى الوجود والإعادة، كما كانوا قبل أن يموتوا، لفصل القضاء، وبعث الموتى هو: إخراجهم من قبورهم؛ لفصل القضاء عند الله .
стр. 1640
يوم الخروج
سمي أيضاً يوم القيامة بـ (يوم الخروج)، يقول الله : ﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾ [ق:٤٢] ويقول: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعاً كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ [المعارج:٤٣ - ٤٤].
وسمي بيوم الخروج كما في قوله : ﴿ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ [الروم:٢٥].
والخروج يعبر به عن حركة يؤديها الإنسان، كما لو كان شخص في بيته، لا أحد يراه، ثم فتح بابه، قالوا: خرج؛ لأنه كان مختفياً في دكانه أو مكتبه، لكن لو كان ظاهراً أمامهم، لا يقولون: خرج، وإنما يقولون: جاء.
كذلك سمي يوم الخروج؛ لأن الناس كانوا في قبورهم مقفلاً عليهم، هذه القبور الآن لا نعلم ما هي أوضاع الناس فيها، ولكن يوم القيامة تخرج كل الخلائق من القبور، لعل من الناس من يخرج من العمارات حتى هذه المباني لعل جزءاً منها هو من عظام البشر، يقول الناظم:
طر إن استطعت في السماء رويداً لا اختيالاً على رفات العباد
خفف الوطء ما أظن أديم الـ أرض إلا من هذه الأجساد
صاح هذي قبورنا تملأ الرحب فأين القبور من عهد عاد؟
أين الناس من عهد عاد؟ لعل الآن عمارتك كم فيها جماجم وعظام، وتنظر وقد خرج عليك يوم القيامة من جدار البيت، لا تدري عن هذا، فسمى الله يوم القيامة يوم الخروج؛ لأنهم يخرجون من الأماكن التي دفنوا فيها: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعاً كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ [المعارج:٤٣ - ٤٤].
стр. 1641
القارعة
من أسماء يوم القيامة: (القارعة).
وسميت بالقارعة؛ لأنها تقرع القلوب بأهوالها، يقول الله : ﴿الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ﴾ [القارعة:١ - ٣] والتكرار هنا للتهويل والتعظيم، وقوله: (وما أدراك ما القارعة) أيضاً للتهويل والتعظيم، ويقول الله : ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ﴾ [الحاقة:٤] لأنها تقرع القلوب، يقال: قد أصابتهم قوارع الزمان، وفلان قرعه الدهر، أو الزمان، أو الحوادث؛ أي: ضربته، وأصابته وآلمته، فيوم القيامة سُمي قارعة؛ لأنه لا يقرع فلان ولا علان، ولا مجموعة من الناس؛ بل يقرع العالمين منذ خلق الله آدم إلى يوم القيامة، وكلهم يعيشون في أهوالها.
﴿الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ * يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ﴾ [القارعة:١ - ٤] والفراش من أضعف الحشرات، ويضرب به المثل في الضعف، إذا قالوا فلان فراشة، يعني: أقل ضربة تُسقطه فيموت منها، فالناس يوم القيامة في حالة من الضعف يكونون معها كالفراش المبثوث.
﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ * وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ [القارعة:٤ - ٥] الجبال الضخمة تكون يوم القيامة كالقطن المنفوش، ولاحظ أنك إذا ضغطت على قطن منفوش يصير لا شيء.
﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ * فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ * نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ [القارعة:٥ - ١١].
стр. 1642
يوم الفصل
من أسماء يوم القيامة: (يوم الفصل) يقول الله : ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الدخان:٤٠] ويقول: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتاً﴾ [النبأ:١٧] ويقول: ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ﴾ [المرسلات:٣٨] ويقول: ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [الصافات:٢١].
والفصل يعني: التقسيم والتمييز بين الأشياء المختلفة، أنت لما تحصد الحب من مزرعتك، قبل أن تخزنه تفصل التبن من البر، ثم تخزن كل شيء بما يناسبه، تخزن البر في مخازنه، وتخزن التبن في مخازنه، يقول ابن القيم: الناس زرع -نبات- وملك الموت حاصده.
كل يوم وهو يحصد في الزرع، والقبر دراسه -يعني المكان الذي يفصل الناس فيه- والجنة والنار مخازنه.
فالجنة يخزن فيها أهل الإيمان، والنار يخزن فيها أهل الكفر، وتعرفون أن التبن أكثر من البر دائماً، فإذا حصد الإنسان عشرة أكياس بر حمل معها مائتي كيس تبن، ولذا أكثر الناس غير صالحين، يقول الله: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف:١٠٣] ويقول: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام:١١٦] يعني: لا تجعل عبرتك بالكثرة فالكثرة لا يعتد بها، الآن إذا الذهب غالٍ؟ لأنه نادر، لكن لو أنه كثير لكان مثل الطين، فهو نوع من المعادن لكن لما كان نادراً وعنصره فريداً ونفيساً أصبح غالياً جداً، وما ذاك إلا لندرته، وكذلك المؤمن لندرته غالٍ عند الله يوم القيامة، وفي يوم القيامة يخرج الله بعث النار، والحديث في صحيح البخاري، يقول الله لآدم: (أخرج بعث الجنة من بعث النار، قال: رب، وكم بعث النار؟ قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون لجهنم وواحد إلى الجنة) الله المستعان!! هذا الحديث شق على الصحابة لما سمعوه وخافوا منه خوفاً شديداً، ونحن ينبغي أن نخاف؛ لأنه من كل ألف واحد إلى الجنة وتسعمائة وتسعة وتسعين إلى النار -والعياذ بالله- لكن أخبر النبي ﷺ أن العدد يُغطِّى من الأمم التي سوف تأتي في آخر الزمان، وهي أمم الكفر: أمم يأجوج ومأجوج وغيرها، وأن المؤمنين في هذه الأمم مثل الشعرة البيضاء في الثور الأسود ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ﴾ [المرسلات:٣٨] يقول : ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [السجدة:٢٥].
والخلاف الآن قائم، ووجهات النظر متباينة في أمر البعث، ولكن يوم القيامة تستقر وجهات النظر على الحقائق، وكل شخص يعرف الحق من الباطل، حتى أهل النار والكفر يقولون: هذا يوم الفصل، ثم يطلبون الرجعة من أجل التصحيح، ولكن لا يجابون، وتتضح الأمور على أصولها في يوم القيامة، فسمي يوم الفصل لفصل الجزاء، ولأنه فيه من الأمور والقضايا ما يعيد الأمور إلى حقائقها ونصابها.
стр. 1643
يوم الدين
أيضاً من أسماء يوم القيامة: (يوم الدين).
يقول الله : ﴿وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ * يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الانفطار:١٤ - ١٥] ويقول: ﴿وَقَالُوا يَا وَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الصافات:٢٠] ويقول : ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار:١٧ - ١٩] والدين في لغة العرب هو الحساب والجزاء.
حصادك يوماً ما زرعت فإنما يدان الفتى يوماً كما هو دائن
يدان كما هو دائن، تدان: أي: تحاسب وتجازى بما فعلت، وسمي ذلك اليوم بيوم الدين؛ لأن الله يجزي ويحاسب الخلائق، ثم يدينهم بما عملوا في ذلك اليوم العظيم.
стр. 1644
الصاخة
من الأسماء أيضاً: (الصاخة).
يقول : ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ * يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس:٣٣ - ٣٧].
يقول عكرمة: الصاخة التي تصخ القلوب والأسماع.
أنت الآن إذا سمعت صوتاً خفيفاً لا تتأثر به، لكن إذا سمعت صوتاً هائلاً مرعباً يكاد يفجر أذنيك، ويطير قلبك فزعاً منه؛ فإنك تخاف وتفزع منه، هذه من أسماء يوم القيامة؛ لأن أحداثها وأهوالها تصخ القلوب، وتفجر الأسماع والأذان، والتعبير بها أيضاً فيه نوع من القوة في البلاغة والبيان، يقول عكرمة: (الصاخة) هي التي تصخ القلوب، وهي النفخة الأولى التي يسمعها الخلق كلهم فيموتون وتتقطع قلوبهم في أجوافهم، وهو معنى قول الله : ﴿فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الزمر:٦٨] يصعق أي: يموتون كلهم من تلك النفخة.
وعكرمة هذا تابعي، ونأخذ جزءاً من سيرته العطرة، فهو تابعي وحافظ وعلامة ومفسر لكتاب الله ، وكان مولىً لـ ابن عباس، مولى أي: عبد مملوك لـ عبد الله بن عباس، وأخذ عنه العلم، وحدث عن جمع كبير من الصحابة وحدث عنه خلق كثير، أجازه ابن عباس في الإفتاء، وكان مولى عنده، وقال له ابن عباس في يوم من الأيام: [انطلق فأفت الناس -يقول: اذهب فإذا سألك أحد فأفته- وإذا سألوك عن أمر مشكل فأنا لك عون] يقول: إذا أشكل عليك من الأمور شيء فأنا لك عون، قال عكرمة وهو معتد بعلمه ويريد أن يطمئن ابن عباس إلى أنه أهل للفتيا، قال: والله لو كان الناس ومثلهم مرتين لأفتيتهم، قال: انطلق.
أي: اذهب ما دام أنك على هذا المستوى.
أيضاً مما يحكى عنه أنه كان رجلاً طويلاً، له عمامة بيضاء، ولحيته بيضاء، ويلبس أرديةً بيضاء، ﵁، قال عنه شهر بن حوشب: لم يكن في الأمة حبر إلا هذا الرجل -يعني: ابن عباس - وإن مولى ابن عباس -يعني: عكرمة - هو حبر هذه الأمة.
وقال عنه ابن عباس نفسه: [ما حدثكم عني عكرمة فصدقوه؛ فإنه لم يكذب عليَّ في حياته مرة قط] الله أكبر! سبحان الله! هذه الأخلاق عندهم، عبد مولى يشتغل عنده ويقول عنه: [ما حدثكم عني فصدقوه؛ فإنه لم يكذب عليّ مرة قط].
وقيل لـ سعيد بن جبير: تعرف أحداً أعلم منك في الأرض؟ قال: نعم عكرمة.
ويقول عنه الشعبي: ما بقي أحد أعلم بكتاب الله من عكرمة ﵁.
ويقول عنه قتادة: كان أعلم التابعين أربعة: عطاء وكان عالماً بالمناسك وسعيد بن جبير في التفسير، وعكرمة في السيرة، والحسن البصري كان أعلم الناس في عهده بالحلال والحرام ﵃.
وعطاء هو: عطاء بن أبي رباح، كان رجلاً قصير القامة، مشوه الخلقة، أسود البشرة، بحث عن مصدر للرزق فلم يجد، وكان كلما ذهب إلى عمل طرد، لا جسم ولا لون، فدخل على أمه في يوم من الأيام وقال لها: ما لقيت رزقاً ولا مصدر عمل.
قالت له: ألا أدلك على عمل إذا عملته هابتك الملوك، وانقاد لك به الصعلوك، فتعجب الرجل! وقال: الملوك يهابونني! أنا ما لقيت لقمة عيش الآن! كيف يهابني الملوك؟! قالت: نعم.
يهابك الملوك إذا عملته.
قال: ما هو؟ قالت: عليك بالعلم.
فأخذ قلمه ومحبرته ونزل مكة، وعكف على العلم، فحفظ كتاب الله، ثم حفظ سنة رسول الله ﷺ ، ثم آلت إليه الفتيا في عصره، فلا قول إلا قول عطاء، الأمة الإسلامية من شرقها إلى غربها إذا اختلفت في أمر، قالوا: ماذا قال فيه عطاء؟ حج أحد الخلفاء، فلما حج ودخل مكة سأل عن أعلم أهل الأرض؟ قالوا: عطاء، قال: أين هو؟ قالوا: في بيته، قال: احضروه إليَّ، فلما أرسل له قال: إن كان لك حاجة فيما عندنا فتعال، أما أنت فليس لنا حاجة فيما عندك، -يقول: الذي عندك لا نريده، والذي تريده عندنا! - قال: لقد أنصف عطاء، فلما جاء إلى بيته، وكان جالساً يصلي، طرق الباب، فنزل إليه ولده، وإذا بأمير المؤمنين، ورجاله، وخيله بالباب، فذهب إلى أبيه يقول له: أمير المؤمنين بالباب، وكان يصلي ركعتين فانتهى من الصلاة، وزاد ركعتين، ثم انتهى، وقعد يدعو، وذاك واقف عند الباب، وبعدها بفترة، قال له: ائذن له، فدخل فلما دخل غضب الأمير وقال: ما هذه الإهانة يا عطاء!؟ قال: أي إهانة تعني يا أمير المؤمنين؟ قال: دعوناك فلم تأتنا وجئناك فلم تأذن لنا، قال: أما دعوتك لي وعدم مجيئي فقد أخبرتك، ما لي حاجة فيما عندك، وإذا كان لك حاجة فيما عندي أتيت، أما عدم دخولك وعدم الإذن لك فإني كنت بين يدي من هو أعظم منك فكرهت أن أقطع مقابلته لمقابلتك، فلما فرغت من مقابلته فتحت لك، فسأله بعض المسائل فأجابه، فلما ذهب أرسل واحداً من صبيانه بصرةٍ فيها عشرة آلاف دينار، فلما أعطاه ركلها برجله وطرده بها وقال: ردها وقل له: ندله على ما ينجي، ويدلنا على ما يُفني.
نعطيه النجاة، ويعطينا الهلاك، يعني: الدنيا، يقول الخليفة: والله ما رأيت نفسي ذليلاً في حياتي إلا بين يدي هذا العبد، خليفة وملك يقول عن نفسه: أنه ما رأى في يوم من حياته ذلة إلا بين يدي هذا العالم العظيم.
وهذا معنى كلام أمه: هابتك الملوك وانقاد لك به الصعلوك.
وكان أعلم الناس في الفقه والمناسك وغيرها.
قال حبيب بن أبي ثابت: اجتمع عندي خمسة -اجتمع في بيتي في مناسبة عشاء خمسة- قل أن يجتمع مثلهم على طعام واحد في الدنيا كلها -من هم الخمسة؟ - قال: عطاء بن أبي رباح، وطاوس اليماني، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وعكرمة -خمسة من رءوس التابعين- يقول: فأقبل مجاهد وسعيد يلقيان التفسير على عكرمة فما سألاه عن آيةٍ إلا فسرها يناقشونه وهم قمم، من نماذج البشر القلائل في هذه الحياة.
قال الثوري: خذ التفسير عن أربعة: سعيد، ومجاهد، وعكرمة، والضحاك.
لقيه عالم اسمه سليمان بن الأحول ومعه ولده، قال له: أيحفظ هذا من حديثك شيئاً يا عكرمة؟ يظن أن ولده مثله، يقول: أيحفظ هذا من حديثك شيئاً؟ قال: ألا تعلم أنه يقال: أزهد الناس في عالم أهله، هذه كلمة قالها وقيلت قبله وهي حقيقة، أن أزهد الناس في عالم، وداعية، وفاضل أهله، تجد بعض الناس في أرض بعيدة يتمنى أن يراه بعينه، وبعضهم يتمنى أن يجلس معه لحظة، وتجد ولده أو زوجته أو بنته تضيق منه ولا يريدون أن يقعد معهم، نعم: أزهد الناس في عالم أهله، يعني: كأنه يقول ولدي هذا لا يعرف من حديثي شيئاً، وليست قاعدة مطردة فقد يكون من الأولاد من هو على منهج والده ويسير على خطاه، ويأخذ عنه العلم، والفضل، ويسير مثله في منهج الدعوة، ويرث هذه التركة العظيمة، فإن خير ما يورث في هذه الدنيا العلم، فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر) لأن العلم هو نور المجد والحياة في هذه الدنيا، والناظم يقول:
ففز بعلم تعش عزاً به أبداً الناس موتى وأهل العلم أحياء
العالم لا يموت بل يحيا يوم يموت، ابن القيم هو الآن ميت أم حي؟ حي لا يمر يوم إلا ويذكر اسمه، ولا يُقرأ كتاب له إلا ويُقال: قال المؤلف ﵀، وما يذكر في مكان إلا ويقال: غفر الله له، فهو حيٌ بذكره وإن كان قد مات، لكن أصحاب الأموال ماتوا، وبعد أن ماتوا تقاسمها أولادهم ونساؤهم، بل لعلهم لا يدعون لهم، بل ربما ولده يدعو عليه، ويقول: ألهب الله عظامه ما حاول أن يشتري لنا أرضية على الشارع العام، ولا اشترى لنا مزرعة يوم أن كانت الأراضي رخيصة الثمن، فما استغلها تلك الأيام، بل ضيع الفرص، أبونا هذا غافل، وهو قد أعطاهم خيراً، لكن ما يريدون منه إلا الدنيا، لا حول ولا قوة إلا بالله! وكان عكرمة سريع البديهة، ذكياً جداً، شكا إليه شخص وقال: قذفني فلان في المنام.
قال: إذا وقف في الشمس اضرب ظله، واجلده ثمانين سوطاً.
انظر كيف التعبير الذكي، يقول: إن فلاناً قذفني في عرضي، وأنا نائم.
قال: إذا وقف في الشمس ورأيت ظله فاضرب ظله ثمانين سوطاً.
يعني أنك تضرب شيئاً غير حقيقي كما أنه ما قذفك حقيقةً، هل الإنسان يملك أنه يرى رؤيا؟ هل الإنسان يحدد الرؤيا وهو يراها؟ لا.
ولذا الرؤى أمرها مشكل عند كثير من الناس.
جاءني أحد الإخوة يقول: رأيت فلاناً من الناس يشرب الدخان، والرجل الذي رؤي أنه يشرب الدخان رجل فاضل ولا نزكي على الله أحداً.
فقلت: ما رأيك؟ قال: أظن أنه لا خير فيه.
قلت: لماذا؟ قال: لأني رأيته يشرب الدخان.
قلت: هل أنت تعمدت أن تراه يشرب الدخان.
قال: لا.
قلت: هل هو تعمد أن تراه وهو يشرب الدخان؟ قال: لا.
قلت: هل له ذنب أنك رأيت هذه الرؤيا؟ قال: لا.
قلت: هل يؤاخذه الله على رؤيا أنت رأيتها؟ قال: لا.
قلت: إذن، لماذا تحكم أنه ليس فيه خير، لعلك أنت ليس فيك خير؛ لأن الرؤيا منك، الناس يقاسون ويوزنون على ضوء تصرفاتهم وأعمالهم لا على ضوء ما يُرى لهم، لعل الشيطان يريد أن يزعزع ثقتك في أخيك المسلم، فجاءك في صورته، ومعه سيجارة من أجل أن تراه فتك
стр. 1645
الطامَّة
من أسماء ذلك اليوم: (الطامة).
يقول الله : ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى * يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْأِنْسَانُ مَا سَعَى﴾ [النازعات:٣٤ - ٣٥] يوم القيامة يتذكر الإنسان ما سعى لا ما قال أو ترك، ما سعى، يعني: ما قدم: ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى * فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى * وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى * يَسْأَلونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا * فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا * إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا * إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا * كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ [النازعات:٣٦ - ٤٦].
وسميت الطامة؛ لأنها تطم، والطم هو الغلبة والعلو، طم الشيء يعني غلبه وغطاه، فهي من أهوالها تطم القلوب والخلائق ويغلب عليهم هذا الأمر.
قال الحسن: الطامة هي النفخة الثانية.
وقال عكرمة: الصاخة هي النفخة الأولى.
وكل على حق، النفخة الأولى تصخ؛ لأنها قوية، والنفخة الثانية تبعث فتطم القلوب بأهوالها.
وأسماء القيامة أسماء مرهبة مرعبة للدلالة على عظمتها وضخامة الأحداث التي سوف تكون في هذا اليوم، حتى تنتبه القلوب، وترتعد النفوس، وتصلح التصرفات في هذه الدنيا، فلا يفاجأ الإنسان بيوم القيامة، وينبأ بأعمال وإذا بها فاسدة، ويطلب الرجعة ولكن لا يرجع، كما قال ربنا ﵎ عن أهل النار، ﴿يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٥ - ٢٩] لا ينفع التلوم ولا التحسر هنالك.
стр. 1646
يوم الحسرة
من ضمن أسماء يوم القيامة: (يوم الحسرة)؛ لأن القلوب في ذلك اليوم تتقطع ندماً، وأسفاً، وحسرةً على ما فاتها من طاعة الله.
يتمنى أنه قضى عمره كله في طاعة الله، ولم يقض ليلة، ولا ساعة، ولا لحظة إلا فيما يرضي الله ويحبه ، وحينما يرى السلع تقسم يوم القيامة على الناس على قدر الأثمان المقدمة، الذي يأتي بثمن يأخذ سلعته، والذي يأتي مفلساً يغمس في النار.
فأهل الإيمان يأتون بثمن: إيمان، وعمل صالح؛ والسلعة الغالية: الجنة، والخاسر ما عنده شيء، ضيع أيام الفراغ التي كان يمكن أن تستغل وتملأ بالعمل الصالح والإيمان، وأوقاته ضيعها في العلم الفاسد، والكفر، والنفاق، والعصيان، ليله ونهاره في معصية الله، منشغل أربع وعشرين ساعة مع الشيطان الرجيم، فإذا مات وأُقدِم على الله فلن يجد ثمن جنة عالية، وقصور عالية، وأنهار جارية، وزوجات جميلات، وولدان مخلدون، وثمار دانية؛ لأن هذه كلها تريد ثمناً، وليس عنده ثمن؟ مفلس، ما عنده شيء ينفعه يوم القيامة، فيتندم ويقول: لماذا هذا أخذ، وأنا ما أخذت؟ كان معي في الدنيا؟ لأنه تزودَ بالمال الذي ينفعُ هنا، وبالعمل وبالإيمان الذي ينفع هنا، وأنا ما عندي شيء، فيحصل في قلبه حسرة وندامة ما حصلت على قلب إنسان على وجه الأرض، يقول الله : ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾ [مريم:٣٩] أنذرهم وخوفهم مما يحصل للناس من حسرة في ذلك اليوم: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [مريم:٣٩].
وسمي (يوم الحسرة)؛ لشدة تحسر الخلائق وتندمهم على ما فاتهم، سواء كانوا مؤمنين أو كافرين، أما الكفار فلعدم الإيمان، يقول : ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [الأنعام:٣١].
والكفار أيضاً يتحسرون يقولون: ﴿يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ * أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الزمر:٥٧ - ٥٨] يقول الله لهم: ﴿بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [الزمر:٥٩] ويقول الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ [الزمر:٦٠] مسودة من ظلمة المعاصي ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ * وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الزمر:٦٠ - ٦١] نسأل الله أن ينجينا وإياكم من النار، وينجي الله من؟ الذين اتقوا: ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوا بِمَفَازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمْ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الزمر:٦١].
وتبلغ الحسرة ذروتها، وتتناهى الحسرة عند أهل الضلال؛ عندما يتبرأ منهم أتباعهم والذين أضلوهم؛ لأنهم في النار لا يوجد أحد إلا وقد أضله أحد الضالين! والذي أضل الناس كلهم من البداية هو إبليس، القائد العام للعصاة والمجرمين، وهو أول من عصى الله، قال الله: ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ [الحجر:٣٠ - ٣١] هذا أول عاصٍ وبعدها: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص:٨٢] أجعلهم كلهم عصاة معي، قال الله: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ:٢٠] فهؤلاء أول من يتبرأ منهم يوم القيامة إبليس، ويحصل عليهم بهذا حسرة وندامة لا يعلمها إلا الله.
وجاء في القرآن في سورة إبراهيم ذكر ذلك، يقول : ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [إبراهيم:٢٢] يقول العلماء: إن هذا الكلام على أهل النار أعظم عليهم من كل عذاب في النار، عذاب قطع قلوبهم، يركب عليهم الشيطان ويقودهم كالحمير حتى يصل بهم إلى جهنم، فإذا وقعوا قال لهم: من أمركم أن تطيعوني؟ ما كان لي عليكم من سلطان، ولا أخذتكم بالقوة، وإنما دعوتكم فاستجبتم لي، فلا تلوموني ولوموا أنفسكم.
وفي النار أيضاً يتبرأ شياطين الإنس من بعضهم، وهم الذين كانوا في الدنيا يدعون بعضهم إلى الكفر والضلال، وهؤلاء يقول الله فيهم: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّأُوا مِنَّا﴾ [البقرة:١٦٧] قال الله: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة:١٦٧] حسرات، تتقطع قلوبهم حسرات وندماً، يقول: أنا عشت أربعين أو ستين سنة مع الشيطان، لِمَ لم أعشها مع الله؟ أنا كنت أنظر، لِمَ لم أنظر إلى ما يحبه الله؟ أنا كنت أسمع، لِمَ لم أستمع إلى ما يحبه الله؟ أنا كنت أتكلم وأخوض في المجالس، لِمَ لم أتكلم بما يحبه الله؟ أنا كنت آتي وأذر، وأقوم وأقعد، وأسهر وأنام، لماذا لم أجعل عملي كله في طاعة الله؟ قال الله: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة:١٦٧] هذه حسرة الكفار.
أما أهل الإيمان فعندهم حسرة أيضاً، ولكن كيف يتحسرون؟ يتحسرون على أنهم ما زادوا من العمل الصالح، كل واحد يحب أن يزيد، فالذي بنى مسجداً يقول: ليتني بنيت مسجدين، والذي يصلي يقول: ليتني كنت أول شخص يدخل المسجد، والذي ما يقوم الليل يقول: يا ليتني كنت أقوم الليل، والذي كان باراً بوالديه يقول: يا ليتني بررت بهم أعظم ما دام أن طريق الجنة من عندهما، والذي كان واصلاً لرحمه غير أنه مقصر قليلاً، يقول: ليتني كنت أعلم أن ثواب صلة الرحم مثل هذا، والله ما كنت أدعها كل يوم لابد أن أتصل بها، ولابد أن أعطيها، ولابد أن أهدي لها، حتى أطلب منها دعوة وأنا خارج: سامحيني يا أختي يا عمتي يا خالتي، فأنا مقصر في حقك، تقول: سامحك الله، مد الله في أجلك، وسع الله في رزقك، نوَّر الله عليك، هذه الدعوات ليست سهلة عندما تأتيك من رحمك، لكن ما ظنك لو قطعت رحمك، وقالت: قطع الله رزقه، وألهب عظامه، إذا قالته الرحم، هل تدري أن هذا الدعاء لا يرد، لماذا؟ لأن (من قطع رحمه قطعه الله، ومن وصلها وصله الله).
فكل واحد من أهل الإيمان وهم في الجنة يتحسرون ويتندمون على أنهم ما زادوا في العمل الصالح، وما استزادوا من أعمال البر؛ لأن أعمال البر كثيرة، ومجالات الخير واسعة، والإنسان لا يشبع من خير حتى تكون نهايته الجنة.
هذا الاسم اسمه يوم الحسرة، تتقطع القلوب فيه حسرات على الجنة والتفريط في العمل الصالح في الدنيا.
стр. 1647
الغاشية
من أسماء يوم القيامة: (الغاشية).
يقول الله: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية:١] أي: هل علمت وهل بلغك أخبار اليوم العظيم، يوم الغاشية الذي يغشى الناس فيه عذاب عظيم، إن الناس في ذلك اليوم ينقسمون إلى قسمين: قسم كانت وجوههم خاشعة: ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ﴾ [الغاشية:٣] لكنها: ﴿تَصْلَى نَاراً حَامِيَةً﴾ [الغاشية:٤] لأنها ما عملت لله، ولا سارت على منهج الله.
وقسم: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ * لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * لا تَسْمَعُ فِيهَا لاغِيَةً * فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ * فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ * وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ * وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ * وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ [الغاشية:٨ - ١٦].
الناس في يوم القيامة في جنة وهم أهل الإيمان، أو في نار وهم أهل العذاب، هذا يوم الغاشية، يوم يغشى الناس فيه العذاب أو تغشاهم الرحمة.
وسميت غاشية؛ لأنها تغشى الناس بالأهوال والعظائم وتغمهم.
ومن معانيها أيضاً: أن الكفار يغشاهم من عذاب النار، ويحيط بهم من فوقهم ومن تحت أرجلهم، يقول الله: ﴿يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ [العنكبوت:٥٥] ويقول سبحانه: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ [الأعراف:٤١] ولذا فهي غاشية تغشى أصحاب النار بالعذاب من كل اتجاه من فوقهم ومن تحت أرجلهم، أجارنا الله وإياكم من النار.
стр. 1648
يوم الخلود
من أسماء هذا اليوم العظيم: (يوم الخلود).
يوم الخلود إما في الجنة أو في النار؛ لأن الناس يصيرون في ذلك اليوم إلى الخلود، ليس هناك فناء كما يقول المصطفى ﷺ : (يؤتى يوم القيامة بالموت على هيئة كبش أملح فيجعل بين الجنة والنار، ثم ينادي: يا أهل الجنة تعرفون هذا؟ قالوا: نعم.
هذا الموت -مررنا عليه وعرفناه ولا ينكره أحد- ويا أهل النار تعرفون هذا؟ قالوا: نعم.
هذا الموت، فيذبح الموت بين الجنة والنار، ويقال: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت).
يقول أهل العلم: إن هذا الكلام بالنسبة لأهل الجنة أعظم نعيم، لماذا؟ يطمئنهم أنهم خالدون وليس هناك خروج أبداً، وهذا الكلام على أهل النار أعظم عذاب، لماذا؟ ليس هناك أمل للخروج؛ لأن أهل النار وهم في النار عندهم أمل أن يخرجوا، مثل السجين الذي عنده أمل في الخروج، لكن إذا قيل له: سجنه مؤبد، انقطع أمله، يتمنى السجين أن يقال له: تموت، ولا يقال له: تؤبد؛ لأنه يموت حقيقة، هو يموت لكن في قبر فوق الأرض، ممنوع من كل شيء، وهؤلاء في النار لا يموتون أيضاً: (خلود فلا موت)، فيكون عليهم هذا الكلام أعظم من كل عذاب.
يقول الله لأهل الجنة: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ﴾ [ق:٣٤] والنار يقول فيهم: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:٣٩] وأما أهل الإيمان فيقول الله فيهم: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [آل عمران:١٠٧].
وهذا الكلام يدفعك إلى أن تصحح الوضع الذي أتت فيه، وتغير منطق التعامل مع نفسك ما دام أن خلودك في النار من أجل المعاصي، وتساءل عن الخلود في النار أو الجنة، هل أنا تخلدت في المعاصي أو الطاعات؟ لا.
خلودك في الطاعات غير موجود مهما صليتَ فسوف تموت وتتركها، لكن من فضل الله أن يعطيك جزاءً خالداً، مع أنك ما عبدت الله بشكل خالد دائم، وكذلك بالمقابل الخلود في المعاصي: إذا خلدت نفسك في المعاصي فإن الله يخلدك في النار، وما دام أن القضية خلود في جنةٍ أو نار، فلا ينبغي لك أن تجازف من أجل شهوة عاجلة أو لذةٍ -والعياذ بالله- فانية تريحك في الدنيا، ثم تلقى الله وهو عليك ساخط، فيشقى -البعيد- شقاءً لا يسعد بعده أبداً.
стр. 1649
يوم الحساب
من أسماء يوم القيامة: (يوم الحساب).
ومعنى الحساب: المحاسبة للعباد، المحاسبة معرفة ما لك وما عليك، معرفة مركزك وسنتك المالية، ميزانيتك، أين أنت؟ الآن لا أحد يدري عنك، ولا يدري أحد في الدنيا ما نحن عليه الآن، نحن نعمل، والمحاسبة للنفس يجب أن تكون من الآن، لكن ما تنكشف لنا الأوراق إلا يوم القيامة.
ولهذا أهل الإيمان يوم القيامة يقولون: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف:٤٣] فيوم الحساب يؤتى بسجل الحسنات، ويؤتى بسجل السيئات، ويحاسب الإنسان على كل دقيق وجليل من تصرفاته، يؤتى بأمواله كلها، ويحاسب على كل ريال دخل أو خرج، ويؤتى بساعاته كلها، ويحاسب على كل دقيقة أين قضاها؟ كما يقول الرسول ﵊: (لا تزول قدما عبدٍ يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فِيمَ أفناه، وعن شبابه فِيمَ أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفِيمَ أنفقه، وعن علمه ماذا عمل به) هذا يوم الحساب، يقول الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص:٢٦] أي ينحرفون عن منهج الله: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [ص:٢٦] لأنهم نسوا يوم الحساب فضلوا عن سبيل الله، لو تذكروا يوم الحساب ما ضلوا عن سبيل الله: ﴿وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾ [غافر:٢٧] قال الإمام القرطبي: معنى الحساب: أن الله يسجل ويحصي ويعدد على الخلق أعمالهم من إحسانٍ أو إساءة، ثم يعدد عليهم نعمه التي تقلبوا فيها: نعمة الخلق والإيجاد، والرزق والإمداد والإسعاد، والهداية والدين، ثم يقابل بعضها ببعضٍ؛ فما زاد عن الآخر حكم للزائد بحكمه الذي عينه له بالخير أو بالشر، يقول ﵊: (ما منكم من أحد إلا وسيكلمه الله ليس بينه وبينه ترجمان) هذا معنى الحساب.
стр. 1650
الواقعة
من أسماء يوم القيامة: (الواقعة).
سميت الواقعة لتحقق وقوعها، إذ لا شك في وقوعها، يقول الله : ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ * خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ [الواقعة:١ - ٣] (خافضة) لأهل المعاصي والكفر، (رافعة) لأهل الإيمان والعمل الصالح ﴿إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجّاً * وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسّاً﴾ [الواقعة:٤ - ٥] أي: فتتت: ﴿فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثّاً﴾ [الواقعة:٦] مثل الهباء، الجبال التي ترونها عظيمة تكون مثل الهباء: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجاً ثَلاثَةً﴾ [الواقعة:٧] أقسام وفرق: ﴿فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ * وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ * وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ [الواقعة:٨ - ١٠] ثلاث فرق يوم القيامة، سابقون، وأصحاب يمين، وأصحاب شمال، ولذا ينبغي أن تكون من السابقين، سَابِقْ من أجل أنك إذا سقطت! وكانت بالسقطة قريبة فتسقط في أصحاب اليمين، لكن لا تقل: أنا أريد أن أكون من أصحاب اليمين، فإذا سقطت فأين تذهب؟ مع أصحاب الشمال، هذا لا ينفع، دائماً اجعل نفسك في الأمام، لكن إذا قلت: لا والله أريد أن أكون مع أصحاب اليمين، ثم جئت ولست منهم فأين تذهب؟ ترجع إلى الخلف إلى جهنم مع أصحاب الشمال: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ * فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ * وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ * لا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ﴾ [الواقعة:٤١ - ٤٤].
следующие страницы →