← Джавами‘

Джавами‘ · id 7736

دروس للشيخ سعيد بن مسفر

سعيد بن مسفر

Полный текст (2 982 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

يوم الحسرة من ضمن أسماء يوم القيامة: (يوم الحسرة)؛ لأن القلوب في ذلك اليوم تتقطع ندماً، وأسفاً، وحسرةً على ما فاتها من طاعة الله. يتمنى أنه قضى عمره كله في طاعة الله، ولم يقض ليلة، ولا ساعة، ولا لحظة إلا فيما يرضي الله ويحبه ، وحينما يرى السلع تقسم يوم القيامة على الناس على قدر الأثمان المقدمة، الذي يأتي بثمن يأخذ سلعته، والذي يأتي مفلساً يغمس في النار. فأهل الإيمان يأتون بثمن: إيمان، وعمل صالح؛ والسلعة الغالية: الجنة، والخاسر ما عنده شيء، ضيع أيام الفراغ التي كان يمكن أن تستغل وتملأ بالعمل الصالح والإيمان، وأوقاته ضيعها في العلم الفاسد، والكفر، والنفاق، والعصيان، ليله ونهاره في معصية الله، منشغل أربع وعشرين ساعة مع الشيطان الرجيم، فإذا مات وأُقدِم على الله فلن يجد ثمن جنة عالية، وقصور عالية، وأنهار جارية، وزوجات جميلات، وولدان مخلدون، وثمار دانية؛ لأن هذه كلها تريد ثمناً، وليس عنده ثمن؟ مفلس، ما عنده شيء ينفعه يوم القيامة، فيتندم ويقول: لماذا هذا أخذ، وأنا ما أخذت؟ كان معي في الدنيا؟ لأنه تزودَ بالمال الذي ينفعُ هنا، وبالعمل وبالإيمان الذي ينفع هنا، وأنا ما عندي شيء، فيحصل في قلبه حسرة وندامة ما حصلت على قلب إنسان على وجه الأرض، يقول الله : ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾ [مريم:٣٩] أنذرهم وخوفهم مما يحصل للناس من حسرة في ذلك اليوم: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [مريم:٣٩]. وسمي (يوم الحسرة)؛ لشدة تحسر الخلائق وتندمهم على ما فاتهم، سواء كانوا مؤمنين أو كافرين، أما الكفار فلعدم الإيمان، يقول : ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [الأنعام:٣١]. والكفار أيضاً يتحسرون يقولون: ﴿يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ * أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الزمر:٥٧ - ٥٨] يقول الله لهم: ﴿بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [الزمر:٥٩] ويقول الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ [الزمر:٦٠] مسودة من ظلمة المعاصي ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ * وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الزمر:٦٠ - ٦١] نسأل الله أن ينجينا وإياكم من النار، وينجي الله من؟ الذين اتقوا: ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوا بِمَفَازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمْ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الزمر:٦١]. وتبلغ الحسرة ذروتها، وتتناهى الحسرة عند أهل الضلال؛ عندما يتبرأ منهم أتباعهم والذين أضلوهم؛ لأنهم في النار لا يوجد أحد إلا وقد أضله أحد الضالين! والذي أضل الناس كلهم من البداية هو إبليس، القائد العام للعصاة والمجرمين، وهو أول من عصى الله، قال الله: ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ [الحجر:٣٠ - ٣١] هذا أول عاصٍ وبعدها: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص:٨٢] أجعلهم كلهم عصاة معي، قال الله: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ:٢٠] فهؤلاء أول من يتبرأ منهم يوم القيامة إبليس، ويحصل عليهم بهذا حسرة وندامة لا يعلمها إلا الله. وجاء في القرآن في سورة إبراهيم ذكر ذلك، يقول : ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [إبراهيم:٢٢] يقول العلماء: إن هذا الكلام على أهل النار أعظم عليهم من كل عذاب في النار، عذاب قطع قلوبهم، يركب عليهم الشيطان ويقودهم كالحمير حتى يصل بهم إلى جهنم، فإذا وقعوا قال لهم: من أمركم أن تطيعوني؟ ما كان لي عليكم من سلطان، ولا أخذتكم بالقوة، وإنما دعوتكم فاستجبتم لي، فلا تلوموني ولوموا أنفسكم. وفي النار أيضاً يتبرأ شياطين الإنس من بعضهم، وهم الذين كانوا في الدنيا يدعون بعضهم إلى الكفر والضلال، وهؤلاء يقول الله فيهم: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّأُوا مِنَّا﴾ [البقرة:١٦٧] قال الله: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة:١٦٧] حسرات، تتقطع قلوبهم حسرات وندماً، يقول: أنا عشت أربعين أو ستين سنة مع الشيطان، لِمَ لم أعشها مع الله؟ أنا كنت أنظر، لِمَ لم أنظر إلى ما يحبه الله؟ أنا كنت أسمع، لِمَ لم أستمع إلى ما يحبه الله؟ أنا كنت أتكلم وأخوض في المجالس، لِمَ لم أتكلم بما يحبه الله؟ أنا كنت آتي وأذر، وأقوم وأقعد، وأسهر وأنام، لماذا لم أجعل عملي كله في طاعة الله؟ قال الله: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة:١٦٧] هذه حسرة الكفار. أما أهل الإيمان فعندهم حسرة أيضاً، ولكن كيف يتحسرون؟ يتحسرون على أنهم ما زادوا من العمل الصالح، كل واحد يحب أن يزيد، فالذي بنى مسجداً يقول: ليتني بنيت مسجدين، والذي يصلي يقول: ليتني كنت أول شخص يدخل المسجد، والذي ما يقوم الليل يقول: يا ليتني كنت أقوم الليل، والذي كان باراً بوالديه يقول: يا ليتني بررت بهم أعظم ما دام أن طريق الجنة من عندهما، والذي كان واصلاً لرحمه غير أنه مقصر قليلاً، يقول: ليتني كنت أعلم أن ثواب صلة الرحم مثل هذا، والله ما كنت أدعها كل يوم لابد أن أتصل بها، ولابد أن أعطيها، ولابد أن أهدي لها، حتى أطلب منها دعوة وأنا خارج: سامحيني يا أختي يا عمتي يا خالتي، فأنا مقصر في حقك، تقول: سامحك الله، مد الله في أجلك، وسع الله في رزقك، نوَّر الله عليك، هذه الدعوات ليست سهلة عندما تأتيك من رحمك، لكن ما ظنك لو قطعت رحمك، وقالت: قطع الله رزقه، وألهب عظامه، إذا قالته الرحم، هل تدري أن هذا الدعاء لا يرد، لماذا؟ لأن (من قطع رحمه قطعه الله، ومن وصلها وصله الله). فكل واحد من أهل الإيمان وهم في الجنة يتحسرون ويتندمون على أنهم ما زادوا في العمل الصالح، وما استزادوا من أعمال البر؛ لأن أعمال البر كثيرة، ومجالات الخير واسعة، والإنسان لا يشبع من خير حتى تكون نهايته الجنة. هذا الاسم اسمه يوم الحسرة، تتقطع القلوب فيه حسرات على الجنة والتفريط في العمل الصالح في الدنيا.

стр. 1647

الغاشية من أسماء يوم القيامة: (الغاشية). يقول الله: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية:١] أي: هل علمت وهل بلغك أخبار اليوم العظيم، يوم الغاشية الذي يغشى الناس فيه عذاب عظيم، إن الناس في ذلك اليوم ينقسمون إلى قسمين: قسم كانت وجوههم خاشعة: ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ﴾ [الغاشية:٣] لكنها: ﴿تَصْلَى نَاراً حَامِيَةً﴾ [الغاشية:٤] لأنها ما عملت لله، ولا سارت على منهج الله. وقسم: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ * لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * لا تَسْمَعُ فِيهَا لاغِيَةً * فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ * فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ * وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ * وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ * وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ [الغاشية:٨ - ١٦]. الناس في يوم القيامة في جنة وهم أهل الإيمان، أو في نار وهم أهل العذاب، هذا يوم الغاشية، يوم يغشى الناس فيه العذاب أو تغشاهم الرحمة. وسميت غاشية؛ لأنها تغشى الناس بالأهوال والعظائم وتغمهم. ومن معانيها أيضاً: أن الكفار يغشاهم من عذاب النار، ويحيط بهم من فوقهم ومن تحت أرجلهم، يقول الله: ﴿يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ [العنكبوت:٥٥] ويقول سبحانه: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ [الأعراف:٤١] ولذا فهي غاشية تغشى أصحاب النار بالعذاب من كل اتجاه من فوقهم ومن تحت أرجلهم، أجارنا الله وإياكم من النار.

стр. 1648

يوم الخلود من أسماء هذا اليوم العظيم: (يوم الخلود). يوم الخلود إما في الجنة أو في النار؛ لأن الناس يصيرون في ذلك اليوم إلى الخلود، ليس هناك فناء كما يقول المصطفى ﷺ : (يؤتى يوم القيامة بالموت على هيئة كبش أملح فيجعل بين الجنة والنار، ثم ينادي: يا أهل الجنة تعرفون هذا؟ قالوا: نعم. هذا الموت -مررنا عليه وعرفناه ولا ينكره أحد- ويا أهل النار تعرفون هذا؟ قالوا: نعم. هذا الموت، فيذبح الموت بين الجنة والنار، ويقال: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت). يقول أهل العلم: إن هذا الكلام بالنسبة لأهل الجنة أعظم نعيم، لماذا؟ يطمئنهم أنهم خالدون وليس هناك خروج أبداً، وهذا الكلام على أهل النار أعظم عذاب، لماذا؟ ليس هناك أمل للخروج؛ لأن أهل النار وهم في النار عندهم أمل أن يخرجوا، مثل السجين الذي عنده أمل في الخروج، لكن إذا قيل له: سجنه مؤبد، انقطع أمله، يتمنى السجين أن يقال له: تموت، ولا يقال له: تؤبد؛ لأنه يموت حقيقة، هو يموت لكن في قبر فوق الأرض، ممنوع من كل شيء، وهؤلاء في النار لا يموتون أيضاً: (خلود فلا موت)، فيكون عليهم هذا الكلام أعظم من كل عذاب. يقول الله لأهل الجنة: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ﴾ [ق:٣٤] والنار يقول فيهم: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:٣٩] وأما أهل الإيمان فيقول الله فيهم: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [آل عمران:١٠٧]. وهذا الكلام يدفعك إلى أن تصحح الوضع الذي أتت فيه، وتغير منطق التعامل مع نفسك ما دام أن خلودك في النار من أجل المعاصي، وتساءل عن الخلود في النار أو الجنة، هل أنا تخلدت في المعاصي أو الطاعات؟ لا. خلودك في الطاعات غير موجود مهما صليتَ فسوف تموت وتتركها، لكن من فضل الله أن يعطيك جزاءً خالداً، مع أنك ما عبدت الله بشكل خالد دائم، وكذلك بالمقابل الخلود في المعاصي: إذا خلدت نفسك في المعاصي فإن الله يخلدك في النار، وما دام أن القضية خلود في جنةٍ أو نار، فلا ينبغي لك أن تجازف من أجل شهوة عاجلة أو لذةٍ -والعياذ بالله- فانية تريحك في الدنيا، ثم تلقى الله وهو عليك ساخط، فيشقى -البعيد- شقاءً لا يسعد بعده أبداً.

стр. 1649

يوم الحساب من أسماء يوم القيامة: (يوم الحساب). ومعنى الحساب: المحاسبة للعباد، المحاسبة معرفة ما لك وما عليك، معرفة مركزك وسنتك المالية، ميزانيتك، أين أنت؟ الآن لا أحد يدري عنك، ولا يدري أحد في الدنيا ما نحن عليه الآن، نحن نعمل، والمحاسبة للنفس يجب أن تكون من الآن، لكن ما تنكشف لنا الأوراق إلا يوم القيامة. ولهذا أهل الإيمان يوم القيامة يقولون: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف:٤٣] فيوم الحساب يؤتى بسجل الحسنات، ويؤتى بسجل السيئات، ويحاسب الإنسان على كل دقيق وجليل من تصرفاته، يؤتى بأمواله كلها، ويحاسب على كل ريال دخل أو خرج، ويؤتى بساعاته كلها، ويحاسب على كل دقيقة أين قضاها؟ كما يقول الرسول ﵊: (لا تزول قدما عبدٍ يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فِيمَ أفناه، وعن شبابه فِيمَ أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفِيمَ أنفقه، وعن علمه ماذا عمل به) هذا يوم الحساب، يقول الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص:٢٦] أي ينحرفون عن منهج الله: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [ص:٢٦] لأنهم نسوا يوم الحساب فضلوا عن سبيل الله، لو تذكروا يوم الحساب ما ضلوا عن سبيل الله: ﴿وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾ [غافر:٢٧] قال الإمام القرطبي: معنى الحساب: أن الله يسجل ويحصي ويعدد على الخلق أعمالهم من إحسانٍ أو إساءة، ثم يعدد عليهم نعمه التي تقلبوا فيها: نعمة الخلق والإيجاد، والرزق والإمداد والإسعاد، والهداية والدين، ثم يقابل بعضها ببعضٍ؛ فما زاد عن الآخر حكم للزائد بحكمه الذي عينه له بالخير أو بالشر، يقول ﵊: (ما منكم من أحد إلا وسيكلمه الله ليس بينه وبينه ترجمان) هذا معنى الحساب.

стр. 1650

الواقعة من أسماء يوم القيامة: (الواقعة). سميت الواقعة لتحقق وقوعها، إذ لا شك في وقوعها، يقول الله : ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ * خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ [الواقعة:١ - ٣] (خافضة) لأهل المعاصي والكفر، (رافعة) لأهل الإيمان والعمل الصالح ﴿إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجّاً * وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسّاً﴾ [الواقعة:٤ - ٥] أي: فتتت: ﴿فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثّاً﴾ [الواقعة:٦] مثل الهباء، الجبال التي ترونها عظيمة تكون مثل الهباء: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجاً ثَلاثَةً﴾ [الواقعة:٧] أقسام وفرق: ﴿فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ * وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ * وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ [الواقعة:٨ - ١٠] ثلاث فرق يوم القيامة، سابقون، وأصحاب يمين، وأصحاب شمال، ولذا ينبغي أن تكون من السابقين، سَابِقْ من أجل أنك إذا سقطت! وكانت بالسقطة قريبة فتسقط في أصحاب اليمين، لكن لا تقل: أنا أريد أن أكون من أصحاب اليمين، فإذا سقطت فأين تذهب؟ مع أصحاب الشمال، هذا لا ينفع، دائماً اجعل نفسك في الأمام، لكن إذا قلت: لا والله أريد أن أكون مع أصحاب اليمين، ثم جئت ولست منهم فأين تذهب؟ ترجع إلى الخلف إلى جهنم مع أصحاب الشمال: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ * فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ * وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ * لا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ﴾ [الواقعة:٤١ - ٤٤].

стр. 1651

يوم الوعيد من أسماء يوم القيامة: (يوم الوعيد). الوعيد هو: ما توعد الله به عباده العصاة من العذاب، يقول الله : ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ﴾ [ق:٢٠] وحقيقة الوعيد: هو الإخبار عن العقوبة، أما الوعد: فهو الإخبار عن المكافأة، ولهذا يوم القيامة هناك وعد ووعيد، وعد لأهل الإيمان بالجنة، ووعيد لأهل الكفر والنفاق والعصيان بالنار. ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ * وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ * لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق:٢٠ - ٢٢].

стр. 1652

يوم الآزفة من أسماء يوم القيامة: (يوم الآزفة). ومعنى الآزفة: يعني: القريبة، وسميت بالآزفة؛ لقرب وقوعها ولاقتراب حدوثها، يقول الله : ﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ * لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾ [النجم:٥٧ - ٥٨] ويقول تعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ * يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر:١٨ - ١٩] ﴿يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ﴾ [غافر:١٨] القلب أصبح في الحنجرة من الخوف، وتعرف هذا إذا كنت في الطائرة ثم حصل هبوط مفاجئ أو مطب هوائي ماذا يحصل عندك؟ يرتفع شواك (أي: جلد رأسك)، وتحس أن قلبك تزداد نبضاته، ونفسك يكاد ينكتم لماذا؟ لأنه حدث حدثٌ صعبٌ، تتصور أن الطائرة تحطمت، وهي ما تحطمت، وإنما نزلت عشرة أمتار، أو عشرين متراً، أو خمسين متراً، وإذا كان الهبوط قوياً مفاجئاً فإن بعض الناس يموتون، ولذا يؤمر الركاب بربط الأحزمة من أجل أنه إذا حدث شيء إذا بهم على الأقل جهزوا أنفسهم. لكن يوم القيامة أهوال ليست مثل هذا الهول، أهوال يقول الله عنها: ﴿إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ * يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر:١٨ - ١٩]. والساعة آزفة وقريبة، ومعروف أن كل آت فهو قريب، وإن غداً لناظريه لقريب مهما بعد. والساعة بعد ظهور علاماتها تكون أكثر قرباً ووقوعها أكثر احتمالاً، إذا كانت هناك سيارة سوف تأتي -مثلاً- من الرياض، ويعطيك شخص خبراً عنها بواسطة تليفون أو برقية، متى تصل السيارة؟ يقول لك: تحركت السيارة من الرياض الساعة السابعة صباحاً، تضرب لها زمناً قياسياً تقول: تقريباً عشر ساعات أو اثنا عشر ساعة على أبعد تقدير، فلا تذهب تنتظرها من أول الوقت، تقعد للساعة الرابعة أو الخامسة ثم تجلس في الطريق، وكلما جاءت سيارة تقول: لعلها هذه، لعلها هذه؛ لأنه أزف موعدها. أي: قرب، فإذا هو أعطاك علامات: بأن السيارة لونها كذا، أو شكلها كذا، ثم رأيت سيارة شبيهة لها قلت: هذه هي، وإذا رأيتها على ما وصف لك قلت: نعم، هذه هي، فالآن الله أخبرنا عن الساعة، وعلاماتها، وقد رأينا أكثر علاماتها، فإذن هي آتية، وكل ما هو آتٍ آت، وما أتت علامته فقد أصبح وقوعه أكثر قرباً.

стр. 1653

يوم الجمع من أسماء يوم القيامة: (يوم الجمع). لأن الله يجمع فيه الأولين والآخرين، فلا يستطيع أحد أن يفلت من هذا اليوم، يقول الله ﵎ في سورة الحاقة: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ * وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً * فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ * وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ * يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٣ - ١٨] لا يغيب أحد بين يدي الله، منذ خلق الله آدم إلى يوم القيامة وكلهم يحضرون؛ ولذا سمي هذا اليوم يوم الجمع، يقول : ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى:٧] ويقول الله : ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ * وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ * يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ * فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ * وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود:١٠٣ - ١٠٨] نسأل الله من فضله. وسميت القيامة بيوم الجمع؛ لأن الله يجمع الخلائق من الأولين والآخرين، وحقيقةً أن يوماً يجتمع فيه الناس كلهم يوم رهيب جداً جداً، الآن إذا اجتمع الناس في يوم عرفة كم يجتمع في عرفة؟ في الغالب أعلى مستويات الحج مليونين أو ثلاثة ملايين، ولو اجتمع أهل السعودية كلهم في يوم عرفة عشرة ملايين أو خمسة عشر مليوناً، كيف يكون الوضع في عرفة؟ كيف يكون الزحام؟ تكون الحركة صعبة جداً، ولو اجتمع أهل قارة آسيا كلهم! لو اجتمع المسلمون كلهم -ألف مليون مسلم- في عرفة كيف يصير؟ وإذا اجتمع أربعة آلاف مليون، يعني: كل إنسان على وجه الأرض اليوم، لو اجتمعوا كلهم الآن في مكان واحد كيف يكون الوضع؟ هؤلاء الآن أربعة آلاف مليون وبعد مائة سنة لن تجد منهم أحد إلا النادر كما ورد في الحديث وهو صحيح: (أنه على رأس المائة لا يكون على وجه الأرض أحد ممن كانوا عليها). يجدد الله الأرض كلها، ويبدل وجه الناس كلهم وكل مائة سنة يأتي بمجموعة جديدة، الذي يولد اليوم بعد مائة سنة لن تلقاه، فيموت في السبعين، أو الثمانين، أو التسعين، أو المائة وهذا نادر وقليل، والنادر لا حكم له، والقاعدة أن الناس كلهم يموتون دون ذلك السن، فإذا كان في كل مائة سنة أربعة آلاف مليون فمنذ خلق الله آدم إلى يومنا هذا كم عاش؟ وكم مات؟ ومن الآن إلى يوم القيامة كم سيأتي؟ لا يعلمهم إلا الله، هؤلاء كلهم موجودون، وأنت منهم في ذلك اليوم، وأنا واحد منهم، في ذلك اليوم يكون كل منا عارياً حافياً جائعاً، في وضعٍ لا يعلمه إلا الله، والناس وقوف كلهم في ذلك الموقف ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ [القمر:٨] ولا يوجد إلا مظلة الرحمن، الشمس تغلي منها أدمغة العباد، ولا يوجد إلا مظلة واحدة اسمها مظلة الرحمن، فيها سبعة أصناف من الأمة تعرفونهم في الحديث، منهم: (شاب نشأ في عبادة الله) أسأل الله أن يجعل شباب المسلمين منهم؛ لأن هذه الصحوة التي نراها ونلمسها في الشباب تبشر بخير، ولكن نرجو الله أن يثبتهم على الإيمان، ويلهمهم الرشد في طريق صحوتهم؛ فإن هذه الصحوة ينبغي أن تسير راشدة على كتاب الله وسنة رسول الله، من غير شطط أو جنوح أو غلو؛ لأن الغلو خطر على الدعوات، ويجب أن يسعك ما وسع رسول الله ﷺ ، وأن تأخذ الدين من منبعه الأصلي من كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، فإذا أخذت وتمسكت بالهدي النبوي نجوت وكنت من ضمن السبعة الذين يظلهم الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله. وذلك اليوم العظيم -الذي هو يوم الجمع- يخففه الله على أهل الإيمان، فلا يشعرون بطوله، ولا يشعرون فيه بحزن ولا بخوف، يقول الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت:٣٠ - ٣٢].

стр. 1654

الحاقة من أسماء يوم القيامة: (الحاقة). سميت بالحاقة؛ لأنه يتحقق فيها الوعد والوعيد، والعذاب والنعيم الذي وعد الله به الناس ﴿الْحَاقَّةُ * مَا الْحَاقَّةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ * كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ﴾ [الحاقة:١ - ٤] كذبوا بالبعث وبالنشور ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ * وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ * سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ * فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾ [الحاقة:٥ - ٨]. إذا كان الله عذب ثمود بالطاغية، وعذب عاداً بالريح الصرصر العاتية، وهم كانوا كباراً في الأجسام، ضخاماً في الخلق؛ لكن مع هذا عذبهم الله: ﴿فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾ [الحاقة:٨] فإن من عذبهم وأهلكهم قادر على أن يهلك كل من على الأرض، ويوم القيامة يحقق الله وعده ووعيده، يقول البخاري في صحيحه: الحاقة؛ لأن فيها الثواب والعقاب، وفيها الجزاء والوعد والوعيد.

стр. 1655

يوم التلاق من أسماء يوم القيامة: (يوم التلاق). لأنه تلتقي فيه الخلائق كلها، حتى إن آدم ﵇ يلتقي بآخر من يخلق من ذريته من بنيه، آدم أول إنسان مخلوق، وآخر مخلوق من ذريته يلتقي به يوم القيامة، تلتقي الأم بولدها، والأب بولده، والأخ بأخيه، لكن كل واحد يلتقي بمن يعرفه ويفر منه عندما يراه: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس:٣٤ - ٣٧]، كل شخص لا يريد الصديق في ذلك اليوم؛ لأن الصديق لا ينفع صديقه بل يضره، ولاحظ إذا كنت في الرياض منقطعاً وما عندك شيء تبحث عن صديق أو أحد من الجماعة أو الأقارب لعله ينفعك ويشد من أزرك، لكن يوم القيامة لا تريد أمك ولا أباك، لماذا؟ لأن كل واحد يقول في ذلك اليوم: نفسي نفسي، وورد في الحديث: (أن الأم تأتي إلى ولدها فتقول: أنا أمك؟ قال: نعم. قالت: غذيتك بلبني؟ قال: نعم. قالت: كان حجري لك مهاداً، وكنت أعطيك وتعدد عليه النعم، قال: نعم. قالت: أسألك بحق أمومتي عليك أن تعطيني حسنة واحدة ترجح ميزاني، قال: نعم أنت أمي، وغذيتني، وأعطيتني، أسألك بحق بنوتي لك إن تعطيني أنتِ حسنة) تريد هي منه حسنة، فيريد هو منها حسنة، فيفر وهي تفر، ما أحد ينفع أحداً يوم القيامة، ولا ينفعك إلا عملك. يوم التلاق يقول الله فيه: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ * يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ * الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [غافر:١٥ - ١٧] فالناس يلتقون يوم القيامة من أولهم إلى آخرهم. وقيل سمي (يوم التلاق)؛ لأن أهل السماء يلتقون مع أهل الأرض، ومعروف أن أهل السماء ينزلون، قال الله: ﴿وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلاً﴾ [الفرقان:٢٥] ﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾ [الرحمن:٣٧] ملائكة السماء الدنيا ينزلون على الأرض فيحيطون بها من جوانبها كلها، والخلائق كلهم في الوسط، ثم يأذن الله لملائكة السماء الثانية فينزلون، فيكونون أعظم من أهل السماء الدنيا، وأعظم من أهل الأرض، فيحيطون بها كلها، ثم ينزل ملائكة السماء الثالثة، فكل سماء ينزل منها من الملائكة أعظم من الذين كانوا قبلهم كلهم: ﴿وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلاً﴾ [الفرقان:٢٥] في ذلك اليوم يلتقي أهل السماء وأهل الأرض. وقيل: سمي (يوم التلاق) لأن فيه يلتقي الخلق بالخالق ﵎ في ذلك اليوم الرهيب. وقيل: يلتقي الظالم والمظلوم، والقاتل والمقتول، والصالح والطالح، في ذلك اليوم يلقى كل عاملٍ ما عمل من خير أو شرٍ، يا عامل اعمل ما تشاء فإنك ملاقيه، لن تجد إلا ما عملت: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [غافر:٥٢].

стр. 1656

يوم التناد من أسماء يوم القيامة: (يوم التناد). أي: إطلاق النداءات، وهذا دائماً يحصل في الكوارث، فإذا ما حصل حريق -عافى الله المسلمين- في بيت، ماذا يحصل؟ الكل يصيح، اتصلوا بالمطافي، هاتوا ماء، قربوا ابعدوا انظروا، هذا يصيح، وذاك يصيح، ويوم القيامة ليس حريقاً معتاداً، إنما هو حريق العالم كله، الأرض كلها تحترق، والعالم في رهبة وخوف لا يعلمه إلا الله، والناس في نداءات، وصراخ، وصياح، وأمور مشكلة عليهم، يقول الله ، كما قال مؤمن آل فرعون وهو ينصح قومه: ﴿وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ﴾ [غافر:٣٢ - ٣٣]. وسمي بذلك لكثرة ما يحصل فيه من النداء والصياح، فكل إنسان يُدعى ويُنادى باسمه للجزاء وللحساب، يسمعه أهل الموقف كلهم، وأصحاب الجنة ينادون أصحاب النار، كما قال : ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقّاً فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقّاً قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف:٤٤] وينادي أهل النار أصحاب الجنة: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الأعراف:٥٠] وأهل الأعراف ينادون ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالاً يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ [الأعراف:٤٨] ويُنادى في ذلك اليوم على المؤمن: ألا إن فلان بن فلان قد سعد سعادة لا يشقى بعدها أبداً، فيبيض وجهه ويأخذ كتابه ويقول لأهل الموقف: ﴿هَاؤُمُ اقْرَأوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة:١٩ - ٢٤] وينادى على الرجل من أهل النار باسمه الذي يعرف به في الدنيا يسمعه أهل الموقف: ألا إن فلان بن فلان قد شقي شقاوة لا يسعد بعدها أبداً، فيسود وجهه، ويعطى كتابه بشماله: ﴿فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ﴾ [الحاقة:٢٥ - ٢٧]. فهذا يوم النداءات يوم التناد، مثل يوم -ولله المثل الأعلى- ظهور النتائج في المدارس، لا توجد إلا بيانات تقرأ من الميكرفون، الناجحون من الصف السادس إلى المتوسط، الناجحون من الخامس إلى السادس، الناجحون من الثالث إلى الرابع، وتظهر قوائم ونداءات الراسبين والمكملين، ناجح وساقط فقط، هل ينفع في ذلك اليوم عمل؟ ما رأيكم لو أن أحداً من الساقطين يوم ظهور النتيجة قال: يا جماعة أريد أن أعمل الآن! يقولون له: طارت الطير بأرزاقها، ما معك إلا ما معك، كنت ذاكرت بالأمس، -أمس ذلك اليوم- ذاكر الآن واعمل صالحاً الآن قبل أن تموت، وتلقى الله في يوم النداءات، وينادى عليك بين الخلائق، فضيحة والله ما أعظم منها فضيحة، أن تدعى باسمك، ويقال: أنت شقي، ويعرف كل الناس أنك شقي وعدو لله ملعون في النار، وفخر والله عظيم -يا أخي- أن يدعوك الله على رءوس الخلائق، ويقال: إن فلاناً قد سعد سعادة لا يشقى بعدها أبداً.

стр. 1657

يوم التغابن من أسماء يوم القيامة: (يوم التغابن). سمي يوم التغابن لما يحصل لأهل النار فيه من الغبن حينما تفوتهم الجنة، ويدخلون النار، والغبن: شعور بالخسارة في معاوضة تجارية، هذا الغبن هو: أن تشتري سيارة بعشرين ألفاً، ثم تأتي تبيعها بخمسة آلاف، يحصل عندك غبن، تشتري عمامة من دكان بستين ريالاً، وتخرج لتراها في دكان ثانٍ نفس الموديل، والتصميم، والماركة بأربعين ريالاً، هل يحصل عندك غبن أو لا؟ فأهل الجنة يوم القيامة اشتروا الجنة بالعمل الصالح، قدموا الثمن في الدنيا واشتروا، وجاء هؤلاء ما عندهم شيء، وإذا بهم يشعرون بغبن اشتروا النار بالمعاصي، يشتري الأغاني والمجلة الرخيصة بنقود، يذهب إلى الخارج لكي يزني ويسكر ويخمر بنقود، اشتروا العذاب بأموالهم، ويوم القيامة يحصل لهم الغبن، يقول الله : ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ [التغابن:٩] وقد ورد أن أهل النار يؤخذون إلى طرف الجنة ثم يقال لهم: ما هذه؟ قالوا: الجنة، قالوا: وهذه منازلكم فيها لو أنكم أطعتم الله، لكنكم لما عصيتم الله أبدلكم الله بمنازل أخرى وهي النار، فيرجعون إلى النار بغبن ما رجع به الأولون والآخرون، ويتمنون ويقولون: ربنا لو أدخلتنا النار لكان أهون من أن تدخلنا بعد أن نرى الجنة، ولكن زيادةً في العذاب، نعوذ بالله من النار!

стр. 1658

أسماء أخرى ليوم القيامة هذه أشهر أسماء يوم القيامة، وقد وردت أسماء وأوصاف كثيرة اشتقها العلماء من الآيات والأحاديث مثل: يوم عسير، ويوم عظيم، ويوم عبوس، ويوم مشهود، ويوم قمطرير، ويوم عقيم، وأيضاً أخذت من بعض الآيات، مثل: يوم الخزي، يوم الهوان، يوم الذل، يوم الافتقار، يوم الاحتقار، يوم الصغار، يوم الانكسار، يوم الميقات، يوم المرصاد، إلى غير ذلك من الأسماء، هذه الأسماء الكثيرة لِمَ تعددت ولِمَ كثرت ولم يكن لها اسم واحد فقط؟ يقول العلماء: كلما عظم شأن الشيء تعددت أسماؤه وصفاته، وهذا شائع في كلام العرب، الشيء الحقير ما له إلا اسم واحد فقط، لكن الشيء العظيم له أسماء كثيرة، فالأسد له أسماء كثيرة: اسمه أسد، وليث، وغضنفر؛ لأنه أسد، لكن الثعلب ما له إلا اسم واحد ثعلب ماذا نسميه؟ ابحثوا له عن اسم ثانٍ، ليس معه إلا اسم ثعلب فقط، فالشيء إذا احتقر لم يسم إلا باسم واحد، وكل ما عظم تعددت أسماؤه، وهذا شائع ومعروف في كلام العرب، ألا ترى أن السيف له أسماء كثيرة: مهند، فيصل، بتار، له أسماء كثيرة لماذا؟ لأنه بتار، بينما الأشياء الحقيرة ليس لها إلا اسم واحد. والقيامة لعظمتها ولهولها، ولعظم أمرها؛ سماها الله بهذه الأسماء الكثيرة، ووصفها بهذه الأوصاف المتعددة. نسأل الله الذي لا إله إلا هو أن ينجينا وإياكم من عذابه، وأن يؤمن خوفنا يوم القيام له بين يديه، وأن يجعلنا في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والله أعلم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

стр. 1659

الأسئلة

стр. 1660

كفارة الجماع في نهار رمضان السؤال اتصل بي رجل يقول: إنه كان جندياً يعمل في الرياض، وجاء في إجازة في رمضان، ودخل بيته بعد صلاة العصر، وزوجته موجودة، ولم يبق على أذان المغرب إلا ساعتين أو ساعة ونصف، ولكنه لعدم خوفه من الله، وعدم وجود الإيمان القوي الذي يحجزه عما حرم الله، ما استطاع أن يصبر على ساعة ونصف، فواقع زوجته في رمضان وهو صائم وهي صائمة، يقول: ومشت الأيام، ثم هداني الله فماذا عليَّ؟ الجواب عليك صيام شهرين متتابعين بدل ساعتين، لماذا؟ كفارة وتوبة من الله، ثم صامها الرجل لما قوي إيمانه، وجاءني بعد فترة يبشرني قال: أبشرك صمتها، صام الستين يوماً لما قوي إيمانه، ولم يصبر ساعتين لما ضعف إيمانه.

стр. 1661

خرافات يجب الحذر منها السؤال أرسل إلي شخص رسالة يقول: ما رأيكم في هذه الورقة -وصلته في ظرف- يقول: بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. قال تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس:٦٢] إخواني المسلمين! وأخواتي المسلمات! مرضت فتاة وعمرها ثلاثة عشر عاماً مرضاً شديداً، وعجز الأطباء في علاجها، وفي ليلة اشتد المرض عليها، وبكت المسكينة حتى غالبها النوم، فرأت في منامها السيدة زينب ﵂ وأرضاها، فوضعت في فمها قطرات، وبعد أن استيقظت من النوم وجدت نفسها قد شفيت من مرضها تماماً، وطلبت منها السيدة زينب ﵂ أن تكتب هذه الرؤيا ثلاث عشرة مرة، وتقوم بتوزيعها على المسلمين والمسلمات لينظروا في قدرة الله سبحانه، تقول البنت: وعند توزيعها: النسخة الأولى وصلت إلى يد فقير فكتبها ووزعها على الناس، وبعد مضي ثلاثة عشر يوماً أصبح الفقير غنياً-نزل له كرتون من السماء مملوء بالأوراق النقدية! - والنسخة الثانية وصلت إلى يد عامل أهمل كتابتها، وبعد مضي ثلاثة عشر يوماً فقد عمله، وفُصل من عمله؛ لأنه ما كتبها، والنسخة الثالثة وصلت إلى يد أحد الأغنياء ورفض كتابتها وبعد مضي ثلاثة عشر يوماً فقد كل ما يملك من ثروته وأصبح فقيراً، فبادر -يا أخي المسلم ويا أختي المسلمة- عند وصول هذه الرؤيا بكتابتها ثلاث عشرة مرة، ووزعها على الناس لتنال ما تتمنى، وصلى الله على نبينا محمد، جزاكم الله ألف خير، يقول: فاعل خير. الجواب هذا فاعل شر، وليس فاعل خير، ولا جزاه الله عن الإسلام ولا عن المسلمين خيراً. هذه الأكذوبة وهذه الخرافة نسمعها ونسمع مثلها، كما سمعنا في الماضي خرافة الشيخ أحمد نزيل المدينة وحارس حجرة النبي ﷺ ، الذي قال في كذبته: أنه رأى النبي وأخبره النبي أنه سوف يموت في كل جمعة مائة وستون ألفاً على غير الإسلام، وراجت هذه الكذبة، وهي كذب وافتراء على رسول الله ﷺ ، وجاء الكذابون ليمارسوا كذبةً من نوع جديد وخرافة جديدة، يريدون بها أن يصوروا الدين على أنه أساطير وخرافات، هذه لها علاقة بالدين! تراها مستفتحة بآية، وأن هذه من أولياء الله السيدة زينب، وأن عليك أن ترسلها، وإذا أرسلتها ومر ثلاثة عشر يوماً، ولم يحصل لك شيء، ماذا ينعكس في ذهنك؟ أن هذا الكلام كذب وخرافات، وتقول: الدين كله خرافات. هم يصورون هذا من أجل أن يغرسوا في نفوس الناس أن الدين خرافات، هذا الكلام باطل وحكايته على الأولياء باطلة، لأن السيدة زينب أو غيرها من الأولياء لا يملكون ضراً ولا نفعاً لأنفسهم فضلاً عن غيرهم حتى يشفوا المرضى، يقول الله : ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر:١٤] لا يستطيع أحد أن ينفع أحداً، سواء كان ولياً أو غير ولي، الولاية والصلاح تنفع صاحبها فقط يوم أن يموت والله راضٍ عنه، يوم القيامة تنفعه، أما وهو في قبره لا تنفعه ولايته، حتى إنه لا يستطيع أن ينفض عن ظهره التراب، أو يرجع إلى بيته؛ فضلاً عن أن يقوم من قبره ويأتي إلى المريضة ويضع في فمها قطرات وتعطى العافية، هذا كله كذب، ثم يُتَوَّج هذا الكذب بهذه الخرافات أن من كتبها ثلاث عشرة مرة وأرسلها يأتيه ماذا؟ إذا كان فقيراً يصير ثرياً، كيف يصير ثرياً؟ وإذا كان موظفاً مخلصاً في عمله، يأتيه قرار بالفصل لماذا؟ ألا يوجد نظام يحمي الموظف؟ أليس هناك نظام عمل وعمال؟ أليس هناك نظام موظفين؟ وإذا كان غنياً ووصلته، وما أرسلها يصبح فقيراً، ما يبقى معه ولا ريال، هذا كذب. والعجيب -أيها الإخوة- أن هذه الأساطير والخلافات تنطلي على عقول الناس. أنا أقول وقد قلته البارحة في أبها: لو أتينا بقطيع من البقر وأدخلناها في حوش، وقرأنا عليها هذا الكلام وقلنا: يا بقر ما رأيكم هل هذا كلام صحيح أو لا؟ لهز كل ثور رأسه وقال: هذا كلام فارغ، ليس هناك رزق في ورقة، لا أصير غنياً بورقة أكتبها ثلاث عشرة مرة، أمعقول: أمعقول أن أكتب ورقة ثلاث عشرة مرة وأصورها ثلاث عشرة صورة بثلاثة عشر ريالاً، وأرسلها وأصير غداً عنياً؟! نعم، كل واحد سوف يعملها، ونصير غداً كلنا أثرياء، وأرصدة بالملايين، هذا كلام لا فائدة فيه!!! هذا ونسأل الله لنا ولكم التوفيق.

стр. 1662

المشكلات الزوجية أسبابها وعلاجها لقد اهتم الإسلام بالحفاظ على بناء الأسرة المسلمة واهتم بحل مشكلاتها والبحث عن أسبابها حتى يعطيها العلاج الناجع؛ فجعل للرجل حرية اختيار الزوجة، وكذلك جعل للمرأة حرية اختيار الزوج؛ حتى تقوم الأسرة على التفاهم ولكن بالرغم من ذلك فكل بيت مسلم لابد وأن تعتريه أوقات تظهر فيه المشكلات، حتى لتكاد في بعض الأحيان تعصف باستقرار الأسرة المسلمة، وقد ذكر الشيخ في هذا الدرس أسباب المشاكل الزوجية مع ذكر علاجها من الكتاب والسنة.

стр. 1663

أهمية علاج المشاكل الزوجية الحمد لله رب العالمين، والصلاة السلام على أشرف الأنبياء وسيد المرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: أيها الأحبة في الله: موضوع المحاضرة موضوع هام وذلك لأمرين: أولاً: لعلاقته بكل أسرة وبكل فرد وبكل ذكر وأنثى. ثانياً: للآثار المترتبة على حدوث المشاكل الزوجية، من تشتت الأسر، وتهدم كيانها، وضياع أفرادها، وما لذلك من انعكاسات خطيرة على أخلاقهم، وعلى تصوراتهم وأفكارهم، وبالتالي من أضرارٍ خطيرة على مجتمعهم وأمتهم. وبعض الناس لا يقيم لهذه المسألة وزناً، ويعتبر هذه القضية من القضايا الهامشية، وما علم الاهتمام الشديد والتركيز الأكيد الذي حظيت به قضية الأسرة من قبل الدين والتشريع الإسلامي العظيم.

стр. 1664

ضرورة اختيار الزوج والزوجة وفق معايير شرعية لقد جعل الإسلام من مسئوليات الرجل وهو يبدأ في تكوين اللبنة الأولى من لبنات المجتمع -جعل من مسئوليته أن يحسن اختيار الزوجة؛ لأن سوء الاختيار يجعل الإنسان يعيش المشكلة من أساسها، فهو لم يعرف كيف يختار شريكة حياته، ورفيقة دربه، وأم ولده، في هذه الحياة، أو أنه وضع لاختياره معايير ليست شرعية، معايير تحكمها الأهواء والرغبات والمتع والنزوات، أو التصلب في الأفكار والآراء، ونسي الجوهر الذي أكد عليه النبي ﷺ ، والاختيار يأتي من الذكر وأيضاً للمرأة في الشرع حق الاختيار وإبداء الرأي في من تقبل أن يكون شريكاً لها، إذ ليس للولي من الناحية الشرعية حق في أن يفرض على موليته زوجاً لا تريده، وتعبر عن رأيها في عدم رغبتها فيه، إذ أن الحياة الزوجية بناء، وهذا البناء لا يقام إلا على أساس من الرضا، والقبول، والقناعة، والفهم لكل طرفٍ من أطراف الزواج. فبالنسبة للرجل: يضع الرسول ﷺ مبادئ ومنهجاً في اختيار الزوجة؛ إذ يقول ﵊ في الحديث الذي في صحيح البخاري: (تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولجمالها، ولحسبها، ولدينها)، هذه اهتمامات الناس، حينما يريدون الزواج من أي امرأة لا يسأل أحدهم إلا عن هذه الأربع، ويغلب بعضهم جانباً على جانب آخر، وبعضهم يهمل جانباً ويهتم بآخر، أما المؤمن والرجل الرباني الذي يريد أن يقيم الأسرة على أساس سليم فيبحث عن الأربع كاملة، ثم يركز على الأخيرة؛ لأنها الجوهر، ولا مانع من الاهتمام بأن تكون المرأة جميلة، وأن تكون ذات مال، وأن تكون ذات حسب، لكن إذا لم تجد الجمال، ولم تجد المال، ولم تجد الحسب، ووجدت الدين فاظفر بذات الدين، قال ﵊: (تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولجمالها، ولحسبها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك)، وهذه دعوة من النبي ﷺ على من لم يجعل في تقديره واهتمامه الرغبة في المرأة المتدينة، دعا عليه بأن تمتلئ يداه بالتراب، (تربت يداه) أي: ما معه إلا تراب من زوجته؛ لأنه خسر ذات الدين. وبالنسبة للمرأة أيضاً: يقول النبي ﷺ للأولياء، وهم الذين لديهم الصلاحيات في قبول الزوج، وفي عرضه على المرأة، وفي إبرام العقد، إذ لا نكاح إلا بولي، وليس من فرقٍ بين الزواج والزنا إلا الولي، إذ أن الحرة لا تزوج نفسها، ولا يزوجها إلا وليها، ولكن التي تزوج نفسها هي الزانية، تبيح نفسها لغيرها، فلا نكاح إلا بولي، وإذا عدم الولي فينتقل إلى الذي بعده في الولاية. والولي بالنسبة للمرأة: الأب، فإن عدم فالابن، فإن عدم فالأخ الشقيق، فإن عدم فالأخ لأب وهكذا، كالولاية وكالقربى في الوراثة، وإذا لم يوجد ولي للمرأة وكانت مقطوعة لا ولد ولا والد ولا أخ ولا عصبة ولا لها أي قريب، انتقلت الولاية للحاكم الشرعي، فإن الشرع والقاضي ولي من لا ولي له، تذهب إلى القاضي فتقول: أنا امرأة لا ولي لي فزوجني. فيزوجها بمن يرضى لها دينه وأمانته يقول ﵊: (إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه)، انظروا المعيار الدقيق، من ترضون أمرين: الدين والخلق، ثم قال: (إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير). فإذا قامت الأسرة على هذا الأساس امرأة متدينة ورجل متدين، والتقوا على كتاب الله، وحصل بينهم التفاهم من أول ليلة على أن المنهج الذين يسيرون عليه والذي يحكم حياتهم الزوجية هو كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ؛ فإن المشاكل ستكون قليلة، إذ لا يمكن أصلاً أن تنعدم المشاكل، بعض الناس يتصور أنه يمكن أن تكون هناك حياة زوجية من غير مشاكل، وهذا مستحيل! حتى في أكرم البيوت وأعظمها على الإطلاق، بيت النبوة بيت محمد بن عبد الله خير البشر وسيد ولد آدم، كان يحصل بعض المشاكل من قبل الزوجات مع النبي ﷺ ، ولكن كان يعالجها بالأسلوب الشرعي المثالي في أعلى درجات الكمال صلوات ربي وسلامه عليه، لكن المشاكل في البيت المؤمن الذي أقيمت دعائمه وأسست أركانه على تقوى من الله وبرهان، وعلى قناعة ورضا وحسن اختيار من قبل الزوج ومن قبل الزوجة؛ تكون المشاكل قليلة، وأيضاً نسبتها محدودة، ونوعيتها طفيفة.

стр. 1665

أسباب المشاكل الزوجية إن المشاكل العويصة التي تدمر الأسر، وتزلزل بنيانها، وتؤدي بها إلى الانهيار، وبالنهاية إلى الطلاق، وتشتيت شمل الأسرة، وضياع الأبناء، وضياع النساء، وضياع الرجال، هذه تحصل -أيها الإخوة- من أسباب، وهذه الأسباب هي عنوان المحاضرة في هذه الليلة.

стр. 1666

التهاون في الذنوب والمعاصي أول الأسباب وأكثرها تأثيراً في تدمير الأسرة وحصول المشاكل بين الزوجين: التهاون بالذنوب والمعاصي فإن المعاصي تزيل النعم، وتجلب النقم، وتشتت القلوب، وتدمر المبادئ والقيم، ويحصل بوجودها في البيت تمرد وشذوذ، فالمرأة لا تطيع زوجها؛ لأنها ترى فيه أثر المعاصي، وترى فيه الاستغراق في الذنوب، وترى فيه عدم الوقوف عند أوامر الله، فتتمرد عليه عقوبة له، وكذلك الزوج يرى أن زوجته لا تقيم أوامر الله، ولا تستجيب لداعي الله، وتستمع إلى الحرام، وتنظر إلى الحرام، وربما مارست شيئاً من الحرام، وتكاسلت عن الطاعات والفرائض، فيتولد في قلبه كرهاً لها، وبغضاً لها، وأيضاً يتمرد عليها، ويقسو عليها، ويمارس ضدها أسوأ أنواع العشرة لماذا؟ عقوبة من الله عليها. يقول أحد السلف: إني لأعصي الله فأرى أثر ذلك في سلوك زوجتي ودابتي. يقول: أقع في معصية فأجد العقوبة ظاهرة في سلوك الزوجة وسلوك الدابة، عقوبة عاجلة، لكن يوم يكون الزوج طائعاً لله، واقفاً عند حدود الله، قائماً بفرائض الله، متمسكاً بعروة الله، وتكون الزوجة كذلك، فمن أين للمشاكل أن تأتي في هذا الجو الإيماني؟ وإذا جاءت فيقضى عليها في مهدها؛ نظراً لأن النور موجود، نور الإيمان يعمر القلوب يعمر قلب المرأة وقلب الرجل، وأيضاً التأدب بآداب الشرع موجود، الرجوع والتحاكم إلى الكتاب والسنة موجود، فإذا حصل أي ضعف أو أي نقص من الزوج أو من الزوجة بسبب بشرية الزوج والزوجة وضعفهما فإن هذا الضعف سرعان ما يتلافى، وسرعان ما يُقضى عليه عن طريق الرجوع إلى كتاب الله وإلى سنة رسوله ﷺ . ومن المعاصي التي تلاحظ في كثير من البيوت: أولاً: التهاون بأمر الصلاة، سواءً من قبل الزوج أو من قبل الزوجة. بعض الزوجات صالحات وتجد مشقة عظيمة وهي تعاني من كسل زوجها، وعدم رغبته في القيام بفرائض الله، ولا يقوم إلى الصلاة إلا بتعب، وإذا قام صلى في البيت، ولم يصلِ في المسجد، فيتحرق قلب الزوجة المسكينة الدينة الطيبة، تسمع الأذان، وتسمع الناس وهم يقولون: آمين. ملء المسجد، ثم تنظر إلى هذا المنكب على وجهه، فتقول: الناس كلهم يصلون، وهذا لماذا لا يصلي؟ فيتولد في قلبها بغض له وكراهية، فإذا أراد أن تقوم بحقوقه، وأن تستجيب لطلباته، فإنها لا تجد في نفسها رغبة في الانصياع لأوامره، ولا الانقياد لطاعته وهو عاصٍ لله، وهو متمرد على الله، فترفضه ولا تطيعه، وتتولد من ذلك المشاكل ما السبب؟ إنها المعصية، ترك الصلاة أو التهاون به. وقد يكون الرجل متديناً، وفيه خير وصلاح، لكن زوجته متساهلة في الصلاة، يصلي المغرب ويدخل البيت ويجدها جالسة، فيقول لها: هل صليتِ؟ قالت: لا. لماذا؟ قالت: حتى يؤذن العشاء، أو تنام إلى الساعة الثانية عشرة أو الواحدة بعد نصف الليل ولم تصل العشاء، والفجر ما تصليه إلا الساعة العاشرة أو الحادية عشرة ظهراً، والظهر تجعله مع العصر، وهكذا تلعب بالصلاة، وينصحها كلما دخل: صلي (يا بنت الحلال)، اتقي الله، قالت: حسناً، وبعضهن تقول: الصلاة لي أم لك؟! الصلاة لكِ، أنا ما أقول: صلي من أجلي، صلي من أجلكِ أنتِ، لكن مسئوليتي كزوج تفرض عليَّ أن أتابعك في الصلاة؛ لأن الله يقول: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه:١٣٢]. فالصلاة مهمة؛ ولا بد أن يقوم كل من الزوج والزوجة بالمحافظة عليها، وأدائها في أول الوقت بالنسبة للمرأة، وفي جماعة المسلمين في المسجد بالنسبة للرجل. ومن المعاصي المنتشرة: انشغال الزوج أو الزوجة بآلات اللهو، والانهماك في سماع الغناء، ومتابعة الأفلام والمسلسلات، والأمور الشريرة في هذه الوسائل من قبل الزوج أو من قبل الزوجة، ويترتب على هذا مشكلة سوء العشرة؛ فالرجل يريد زوجته وهي قاعدة على الفيلم تتابع المسلسل، أو هي تريد أن يسمر معها وهو جالس يتابع فيلماً أو مسلسلاً أو مباراة، فتشعر بنوع من العزلة والانفراد، وتقول: أنا أتيت إلى هذه الغرفة لكي يحبسني في البيت وفي الغرفة وهو جالس على الأفلام؟! بعضهم من المغرب إلى الفجر وهو مع الأفلام، وبعض النساء كذلك، فيترتب على هذا مشاكل من سوء العشرة؛ نظراً للمعصية التي وقع فيها الزوج أو وقعت فيها الزوجة بالانشغال بهذه المنكرات وهذه المعاصي الخطيرة، التي تدمر الأسر وتقضي على أساسها والعياذ بالله هذا أول سبب من أسباب المشاكل الزوجية. والعلاج: التوبة إلى الله، أن تتوب أيها الرجل من الذنوب صغيرها وكبيرها، دقيقها وجليلها، وأن تتوبي أيتها المرأة إلى الله من الذنوب، وأن تعلما أن الله خلقكما للطاعة والعبادة، وأن المعصية شذوذ، وأن المعصية انحراف، وأن المعصية عقوبة، وأن العقوبة على المعصية عاجلة بتدميركم في الدنيا وفي الآخرة، وأن الطاعة -أيها الإخوة وأيتها الأخوات- سعادة وعزة ورفعة في الدنيا والآخرة. ومن أعظم فوائد الطاعة: أن يدوم الوئام، وأن يحصل الوفاق بين الرجل وبين المرأة، وأن تقل المشاكل بل تنعدم في البيت الطائع الذي لا تظهر فيه معصية لله .

стр. 1667

إهمال الحقوق السبب الثاني من أسباب وقوع المشاكل الزوجية: إهمال الحقوق فلا يقوم كل طرف بالحقوق الواجبة عليه تجاه الطرف الثاني؛ فيترتب على هذا فساد وخلل في التعامل، وإذا قام شخص بالحق وأعطاني إياه الحق كاملاً، أقوم أنا بأن أبادله فأعطيه الحق كاملاً، وبالتالي لا تقع أي مشكلة، لكن عندما تقصر المرأة في الحقوق الواجبة عليها تجاه زوجها، أو يقصر الرجل في القيام بالحقوق الواجبة عليه تجاه زوجته؛ يحصل الإشكال، وتحصل الأدوار المتباينة، هي تقصر في حق فيقصر هو في حق آخر، أو هو يقصر في حق فتعاقبه بأن تقصر في حقه، فإذا قصرت أو قصر هو تولدت الكراهية، وحصلت ردود الأفعال، وتصاعدت المشاكل، حتى تؤدي في النهاية إلى تدمير الأسرة بسبب إهمال الحقوق الزوجية التي يجب على كلٍ من الزوج والزوجة القيام بها.

стр. 1668

حقوق الزوجة على زوجها والموضوع بالنسبة للحقوق يحتاج إلى تطويل، لكني سأمر عليه مروراً، وإلا فالمفروض أن يفرد بمحاضرة مستقلة، حقوق الزوج والزوجة، وقد أفردت في بعض الأشرطة، لكني أذكرها باختصار، ونبدأ بحقوق الزوجة؛ لأن النساء دائماً يقلن: أنتم الرجال تؤكدون على حقوقكم دائما وتهملون حقوقنا! لذلك سنبدأ بحقوق الزوجة:

стр. 1669

المعاشرة بالمعروف أولاً: العشرة بالمعروف؛ لأن الله أمر بهذا وقال: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء:١٩] لا يجوز لك -أيها المسلم- أن تعاشر هذه المرأة إلا بالمعروف، والمعروف: هو الذي يتفق مع مبادئ الشرع؛ من الكلمة الطيبة، والعبارة الطيبة، والبسمة الطيبة، والتعامل الطيب، والبحث عن أفضل ما عندك لزوجتك؛ لأن الرسول ﷺ يقول: (خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي) والذي ليس فيه خيرٌ لأهله ليس فيه خيرٌ للناس؛ لأن من الناس من تجده ذا ذوق وأخلاق وتعامل، وتجده اجتماعياً وطيباً مع الناس، لكن إذا دخل بيته خلع كل هذه الأخلاق عند الباب، ودخل شرساً سيء الخلق، حتى إن بعضهم لا يسلم على امرأته، وبعضهم لا يتكلم مع امرأته، ولا يأكل معها، وبعضهم عندما ينام في غرفة امرأته ينعزل، وهذا كله من سوء الخلق، ومن سوء العشرة، والله يقول: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء:١٩].

стр. 1670

العدل ثانياً: العدل معها كما يجب أن تعدل مع نفسك يجب أن تعدل معها؛ لأن الله قال: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة:٢٢٨] ما هي الدرجة؟ القوامة، المسئولية، جعل الله القوامة للرجل لا لأنه أفضل؛ ولكن لأنه أكمل وأقدر، وإلا فقد تكون بعض النساء أفضل عند الله من زوجها، لكن الذي يستحق أن يكون قائماً هو الرجل، للميزات التي ميزه الله ، من القوة والصلابة والشجاعة والقدرة والمواجهة، والمرأة لا تصلح ولا تستطيع أن تعمل شيئاً، وقد تكون أفضل عند الله من الرجل بدينها وبإسلامها وبتمسكها بطاعة ربها، فدرجة القوامة مسئولية؛ لأن الحياة الزوجية في نظر الشرع شركة، ولا بد لكل شركة من مسئول ومدير، ومن المؤهل لأن يكون مديراً؟ الرجل؛ لأنه يحمي الأسرة ويدافع عنها، فلو كنت أنت وزوجتك في بيتكم ثم سمعتم خبطة أو شيئاً انفتح، فمن الذي يقوم ليرى؟ الزوج أم الزوجة؟ المرأة رأساً تذهب إلى أقصى غرفة، وتدعي زوجها وتقول: انظر من الذي خبط الباب، هناك شيء، لكن ما رأيكم لو ذهب هو وقال: اذهبي أنت وانظري، ستقول: أنت الرجل أم أنا؟ فالرجل له قوامة، وله قدرة، ولذا كان هو المسئول ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة:٢٢٨] أي: القوامة والمسئولية.

стр. 1671

تعليمها أمور دينها إن من حقوقها: التعليم تعليمها أمور دينها، وهذا أمر -أيها الإخوة- يغفل عنه كثيرٌ من الأزواج، ويتعامل مع زوجته على أنها متعلمة مائة في المائة، حتى لو كانت تحمل أعلى شهادة فلا بد من تعليمها أمور الدين؛ لأن الله قال: ﴿فَعِظُوهُنَّ﴾ [النساء:٣٤] بحيث تجعل لزوجتك جلسة علم، وتبدأ أنت وإياها في كتاب من المختصرات، خصوصاً المتعلق بالمرأة والتعامل الزوجي، وتبدأ بحقها؛ لأنك إذا بدأت بحقوقك رأت فيك الأنانية، والرغبة في استغلالها عن طريق الناحية الدينية، بل قل: أول شيء نقرأ حقوقكِ أنت، لكي أعطيك حقك، ثم نقرأ حقوقي أنا، وهكذا. والتعليم يقضي على كثير من المشاكل، وكم من معضلة وقعت في الأسر بسبب جهل المرأة بهذه المسألة، ولو كانت تدري ما وقعت، ولو كانت على علم بأمر الله فيها ما أوقعت نفسها ولا زوجها في هذه المشكلة، فمن حقها عليك أن تعلمها أمر دينها، وأن تعلمها ما يصلح حالها في الدنيا والآخرة.

стр. 1672

النفقة عليها بالمعروف إن من حقوقها: النفقة لقد جعل الله من مسئوليات الرجل الإنفاق فقال: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء:٣٤] فما دام أنك القوام عليها فعليك أن تدفع النفقة، وكيف يكون الإنفاق؟ على حسب قدرة الرجل، قال الله : ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق:٧] أي: ضيق عليه ﴿فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق:٧]. والنفقة على المرأة أمرٌ نسبي يخضع لظروف معيشة المجتمع، ولظروف دخل الرجل، فكلما كان في دخلك زيادة فيجب أن توسع على أهلك ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق:٧] أي: من ضيق عليه، فيمد نفقته على قدر دخله وعلى قدر موارده، وعلى المرأة ألا تحمله ما لا يطيق، وألا تقيس به الآخرين، وتقول: لست مثل فلان ولا علان، وبيت آل فلان كذا وسيارة آل فلان كذا حسناً، آل فلان غيري، آل فلان يمكن أن دخلهم يصل إلى ثلاثين أو أربعين ألفاً وأنا دخلي ثلاثة آلاف ريال، أذهب وأسرق لكي أصبح مثل آل فلان؟ هذا لا يجوز في شريعة الله ، وإنما ينفق الرجل مما أتاه الله .

стр. 1673

مراعاة شعورها من حقوقها: مراعاة شعورها امرأتك ينبغي أن تراعي شعورها، إذا غضبت فتغاض عنها، وإذا تكلمت فاسكت على كلامها، بعض الرجال لا يريد أبداً أن يترك لها فرصة أن تعبر عن رأيها، وإنما يستذلها، ويمارس معها أعلى درجات السيطرة و (الدكتاتورية)، بحيث يقول: أنا رجل لا تتكلمي، آخر كلمة لي وأول كلمة لي!! سبحان الله! كيف تصادر هذه الإنسانة؟ هذا ظلم، النبي ﷺ لم يكن يصنع هذا، جاء في صحيح البخاري: (كان ﷺ عند إحدى زوجاته، فصنعت له الأخرى طعاماً وبعثته في قدح مع غلام لها، فطرق الباب فخرجت زوجة النبي ﷺ ، فلما فتحت الباب وجدت الغلام يحمل في يده الإناء وفيه الطعام، فغضبت لماذا ترسل تلك طعاماً للرسول وهو بيتها؟ فقالت: تتابعينه حتى في بيتي وتعطينه طعاماً! فضربت يد الغلام، فوقع القدح وانكسر وانتثر الطعام، والرسول ﷺ يرى المنظر). ما رأيكم؟! لو أن هذا حدث مع واحد منا، ماذا سيحصل؟ سيقوم ويضربها حتى يكسر ظهرها، ثم يطلقها، ويطردها، ويقول: تعملين هكذا؟ وما دخلك؟ هذا بيتي وهذه امرأتي آكل ذلك ولا آكل طعامك! لكن الرسول ﷺ سكت، ثم اعتذر لها -وهي عائشة ﵂ وقال: (غارت أمكم، غارت أمكم، غارت أمكم) ثم قام ﷺ وأخذ قدحاً لها في بيتها، وجمع الطعام، وأخذ الطعام ورد القدح، وقال: (طعام بطعام وقدح بقدح) مثلما كسرتيه تحمليه والطعام نأكله. هكذا لم يجرح الرسول مشاعرها، وما هو شعور عائشة؟ لقد غارت، والغيرة أمر طبيعي في المرأة، ولا تتولد الغيرة إلا من الحب، والمرأة التي لا تغار على زوجها يعني أنها لا تريده، وتقول: الله لا يرده، لكن تلك التي تغار دليل على الحب والوفاء والإخلاص، فقدر لها هذا الأمر، وإذا كانت الغيرة قد جاوزت الحدود فإنها تكون مذمومة، وسوف نخصها في عنصر خاص من أسباب الخلافات الزوجية، فوجودها ظاهرة صحية، لكن إذا تجاوز بها الحدود تنقلب إلى ضدها، فيجب على الزوج مراعاة شعور امرأته في كل الأحوال، إذا دخل عليها وهي غضبانة فلا يضحك ويفرح، وإذا وجدها مريضة فلا يذهب في رحلة، وإذا رآها في حالة نفسية فلا يذهب ليتمشى ويسهر إلى آخر الليل، بل يجب أن تعايشها وأن تعيش معها في ظروفها، وفي ملابساتها، وفي ما يهمها ويراعي مشاعرها.

стр. 1674

عدم إفشاء سرها أيضاً من حقوقها: ألا يفشي سرها؛ لأنه لباس لها، وإذا جلس مع الرجال وأفشى سرها، وذكر عيبها، وقد يكون في زوجته عيب، ولا أحد يعلم بعيب المرأة إلا أنت، لكن من الناس من لا يراعي هذا الجانب، ويقول: امرأتي فيها كذا، أو عملت فيها كذا -والعياذ بالله- من هتك الستر لعرضه ولعرضها فمن حقها عليه ألا يفشي سرها وألا يذكر عيبها.

стр. 1675

عدم السهر خارج المنزل وترك الزوجة لوحدها أيضاً من حقها عليه: ألا يسهر خارج المنزل إلى ساعات متأخرة ويتركها في البيت وحدها، فإن المبيت جزء من الحقوق المترتبة على الزوجية، فإذا أخلَّ به الرجل وقطع معظم الليل مع زملائه، مع (بشكات الورق)، (والبلوت)، والسهر، ثم جاء آخر الليل وهي نائمة فقد أحرمها الليلة، وبالتالي تترتب على هذا ضياع حقها، ويمكن يترتب على ضياع هذا الحق أن تقع المرأة في جريمة، إذا لم يكن عندها دين ولا خوف من الله، يمكن أن يحملها تصرف الرجل على السهر مع زملائه أن تبحث هي عمن تسهر معه، وبالتالي تضيع المسألة، ويضيع عرض الرجل، وتدمر الأسرة بالكامل والعياذ بالله!

стр. 1676

عدم الأخذ من مالها إلا بإذنها أيضاً من الحقوق عليه ألا يطمع في راتبها إذا كانت تعمل؛ فإن راتب المرأة لها، والله قد أعطاها حرية التملك، فللمرأة في الشرع أن تتملك وأن تتصرف في مالها كما تريد، وهذا الراتب لها استحقته نظير عملها، فلماذا تأخذه؟ وبأي حق؟ والله قد حرم على المسلم أن يأكل مال المسلم، قال ﵊: (إن أموالكم وأعراضكم ودماءكم حرام عليكم) فإذا أخذت مال زوجتك بغير رضاها كأنك تأخذ مال امرأة من الشارع وتسرقه عليها، ولا يبرر لك كونك زوجها أن تعتدي على مالها، بل حتى المهر أمر الله بإعطائها فقال: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء:٤] والخطاب موجه للأولياء وللأزواج، فإذا طابت نفس المرأة عن شيء من المهر، أو عن شيء من الراتب من باب التطوع والمشاركة الوجدانية في الأسرة وفي تكاليفها فلا بأس، وهذا الذي ينبغي، إذ لا ينبغي أن تكون المرأة أنانية مادية تعمل وتأخذ الراتب وتضعه في رصيدها ولا تساهم في الأسرة بأي شيء، هذا يجعل الزوج يشعر نحوها بشعور غريب، يقول: هذه ليست زوجة متعاونة، لمن تجمع الفلوس؟! لكن عندما تأخذ راتبها بدون ضغط أحد وتقول لزوجها: هذا المبلغ يساعدك هذا الشهر، إذا اشتريت سيارة فهذا معونة؛ لأن السيارة أنا سوف أستخدمها، أيضاً ملابسي لا تحمل همها، وشئوني الخاصة أنا سوف أتولاها، بهذا يحصل للزوج ثقة في زوجته، ويطمئن إليها، أما حينما تكون مادية بحتة فلا يثق فيها، وبالتالي تتولد المشاكل. فلا يجوز للزوج أن يطمع في مال زوجته وراتبها ويأخذه قسراً عنها ولا ينبغي لها أن تكون أنانية إلى الدرجة التي لا تساهم في تكاليف الحياة مع زوجها، وهي تراه يتعب ويكد ويساهم، ويصرف كل دخله على الأسرة وهي جالسة، هي غير مكلفة شرعاً، لكن من الناحية الأدبية ينبغي أن يكون لها مشاركة حتى تدوم الحياة والألفة والسعادة على الأسرة عندما يكون هناك نوع من التضامن، والتعاون، والتكاتف على القيام بشئون الأسرة وإسعادها.

стр. 1677

حقوق الزوج على زوجته وأما حقوق الزوج فهي كالتالي:

стр. 1678

الطاعة بالمعروف قال ﵊: (لو كنت آمراً أحد أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها) فطاعة الزوج شيء مقدم على كل أمر ما لم يتعارض مع أمر الله، حتى أمر الوالد وأمر الوالدة، فلو أمرها أبوها بأمر وأمرتها أمها بأمر، وزوجها قال: لا. فلا تقدم أمر أحدٍ على أمر زوجها، الطاعة المطلقة حتى جعلها النبي ﷺ ربع الطريق إلى الجنة، ففي سنن أبي داود ومسند الإمام أحمد، يقول ﵊: (إذا صلت المرأة خمسها، وصامت شهرها، وحصنت فرجها، وأطاعت بعلها -انظروا ربع الطريق- قيل لها: ادخلي من أي أبواب الجنة شئتِ)، فطاعة الزوج ليست أمراً اختيارياً، ولا أمراً مزاجياً بمزاج المرأة تطيع أو لا تطيع، لا. إذا قالت الزوجة -مثلاً- لزوجها: أريد أن أذهب إلى الجيران، فقال: لا. قالت: أذهب إلى أهلي، قال: لا. قالت: نتمشى اليوم، قال: لا. لكن بعض الأزواج تقول الزوجة: نتمشى اليوم، فيقول: لا. قالت: لماذا؟ كل الناس يخرجون، والعرب كلهم يروحون، والجيران كلهم يتمشون، وأنت تريد أن تحبسنا المسألة ليست زوجية، ليست هذه طاعة، هذه مضاربة، فإما أن يخرجها وهو غاضب وإما أن يمنعها ويضربها وتسوء العشرة. إن على المرأة إذا أرادت من زوجها وهي مؤدبة ولبيبة وذكية فلا تطلب منه وإنما عن طريق العرض ما رأيك يا أبا فلان أن نذهب نتمشى اليوم، أم أنت متعب؟ حتى لو كان متعباً فإنه سيقول: نتمشي اليوم، لماذا؟ لأن المسألة أتت بعرض وبأدب، لكن إذا قالت: امش بنا للنزهة، ولو كان نشيطاً لقال: لا. والله ما أخرجك، اقعدي الله لا يردك، أنت سيئة خلق تريديني أن أخرج بك للنزهة، ويذهب هو للنزهة ويتركها فلا بد من الطاعة، المرأة يجب أن تطيع، وقد تقول بعض النساء: لماذا أطيع؟ لأن الله أمركِ بهذا، قال تعالى: ﴿كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ﴾ [التحريم:١٠] فأنتِ امرأة، وهو رجل لا بد أن تطيعيه بالمعروف، أما في المعصية فلا، إذا قال لها: اكشفي وجهك وادخلي على الجيران، أو على الأقارب، أو اسهري على المنكر، أو نذهب إلى منكر، فلا طاعة له، إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

стр. 1679

حسن العشرة مع الزوج كما هو مأمور بأن يحسن عشرتها أيضاً هي مأمورة بأن تحسن عشرته، وتبحث عن الأسباب التي تجلب له السعادة، وتهتم به، حتى يشعر بأن زوجته جديرة بأن تكون شريكة الحياة؛ لأن الزواج -أيها الإخوة- مسئولية، بعض النساء تهتم بكل شيء إلا الزوج، تهتم بالطبيخ، وتهتم بالغسيل، وتهتم بالكنس، وتهتم بالأطفال، والزوج آخر من تهتم به هذا غير صحيح، الزوج لا يريد نظافة الجدران، ولا رائحة الطعام، بل يريد أن يجد اهتماماً به شخصياً، اهتماماً بموعد نومه، واهتماماً بموعد أكله، واهتماماً بملابسه، واهتماماً بمشاعره، واهتماماً بكل شئونه، حتى الدواء إذا كان مريضاً وعنده حالة مرضية وعنده دواء ويأتي بالعلاج هي التي تذكره، وإذا ذهب إلى الدوام تقول له: أخذت الحبوب معك؟ ما أعظم هذه المرأة! إذا جاء بعد صلاة الظهر وجاء موعد الدواء تتصل به وتقول: أبا فلان! لا تنسى العلاج حقك فموعده الساعة الثانية ما رأيكم لو يسمع رجل هذا الكلام من امرأته ماذا سيقول؟ سيقول: الله يذكرها بالخير، الله يجزيها خيراً، انظروا كيف تهتم بي وأنا في الدوام وهي في البيت، وقلبها معي، حريصة على صحتي وعلى عافيتي، لكن بعض النساء لا تدري هل هو مريض أو في عافية، بل يمكن لو رأت العلاج حقه أخذته ورمت به في الدولاب وقالت: الله لا يرده، أشغلنا بهذه الأدوية التي يجلبها، وهو مريض طوال حياته، وكلما دخل وهو مريض، إذا مات نستريح منه، فما رأيكم بهذه الزوجة؟ وهل هذه زوجة؟ هذه شيطانة والعياذ بالله! فمراعاة مشاعر الزوج مطلوبة، إذا دخل عليها وهو غاضب تقول له: خيراً يا أبا فلان، إن شاء الله ليس هناك شر، ماذا صار عليك؟ أعندك مشكلة في الدوام؟ سُرق عليك شيء؟ تخاصمت مع المدير؟ هل خصموا عليك؟ ثم تدخل معه، وتقول: ما يصير إلا كل خير، والأمر سهل، لكن إذا دخل وهو غضبان وقالت: مالك غضبان؟ هل ضربوا رأسك هذا اليوم؟ تستاهل! لأنك قد آذيتنا أعوذ بالله! أصبحت هذه عدوة وليست زوجة، تنتظر كل مشكلة تحل على زوجها وتدق على رأسه، النبي ﷺ لما دخل على خديجة ﵂ وقال: (دثروني دثروني، زملوني) قالت: ما حدث؟ أخبرها بالذي حصل، فماذا قالت له؟ قالت تستحق؛ لأنك كل ساعة وأنت في هذا الغار، نقول لك: تعال تعشَ معنا، واقعد معنا، وتخرج ليلتين، كان الرسول ﷺ يخرج إلى غار حراء الليلة والثلاث والأربع يتعبد، ولا يأتي، وخديجة تعرف أنه يتعبد في الغار، ولو أنها إنسانة سطحية أو مصلحية لاستغلت هذا الحدث، وقالت: تستحق، لا تذهب إلى هذا الغار، فقد نصحناك، نقول: اقعد مع أهلك، اقعد مع عيالك، ورفضت، لكن ماذا قالت ﵂؟ قالت: (كلا والله لا يخزيك الله أبدا: إنك لتصل الرحم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق) انظروا التأييد، انظروا الدعم، هذه المرأة المثالية، ولهذا اختارها النبي ﷺ وعمرها أربعون سنة، وعمره خمس وعشرين، شاب في ريعان الشباب، وهي امرأة في آخر العمر، ويتزوجها ﷺ ، ويلغي الجانب النزوي والشهواني في حياته، وتبقى وحيدته حتى ماتت، لم يتزوج عليها، ومتى ماتت؟ بعد خمس وعشرين سنة من زواجها، ماتت وعمرها خمس وستون سنة، وعمر الرسول ﷺ خمسون سنة، استمروا في حياتهم الزوجية خمسة وعشرون عاماً، ولما ماتت تزوج صلوات الله وسلامه عليه لماذا؟ لكبر عقلها، وعظمة نفسها، ولم تكن النواحي الجنسية والنزوات هذه في حياة الرسول ﷺ ذات أهمية، وإنما كان يغلب الجانب الإيماني، وكانت هي كذلك تغلب الجانب الإيماني فلا بد من مراعاة شعوره، وحسن العشرة معه، كما هي تريد ذلك.

стр. 1680

الاعتدال في الغيرة من حقوقه عليها: أن تعتدل في الغيرة تغار لكن بنسبة، خصوصاً إذا كان الرجل معدِّداً؛ لأن الغيرة دائماً تكون من بعض النساء على الزوج تجاه الأخرى، فتغار، لا نقول: تترك الغيرة؛ لأن تركها مستحيل، فهي فطرة، لكن هذبي الغيرة، ولا تتعمقي في التجسس وفي التحسس، وفي التدقيق وفي المراقبة بعض الأزواج إذا دخل عليها زوجها من عند شريكتها الثانية، أول شيء تعمل له مسح وتفتيش من رأسه إلى قدمه ماذا فيه من عطر؟ وهل غير ملابسه أو لا؟ وهل اغتسل أو لا؟ وكيف نام ومتى؟ سبحان الله! هذا لا يجوز، هذا كشف لعورة امرأة مسلمة أخرى، ثم أيضاً فيه إزعاج لكِ أنت، لا تسألي عن أشياء إن تبد لك تسؤك، وإنما اتركي ذلك كله، تغارين في حدود تتعلق بك، أما أن تغاري وتتجاوزي الحدود إلى ما يتعلق بامرأة مثلك لها من الحق الشرعي مثلما لك؛ فهذا عدوان، وقد يترتب على هذا الطلاق. وقد أوصى أحدهم ابنته فقال: إياك والغيرة فإنها مفتاح الطلاق، وما حصل كثير من المشاكل إلا بسبب الغيرة الغير منضبطة.

стр. 1681

حماية عرضه وماله وأولاده من حقوقه عليها: حماية عرضه وماله وأولاده فإنها مؤتمنة على هذا، العرض أمانة ولا ينبغي لها أن تسمح بأن يدنس عرضه، أو أن يضيع شيء من ماله، أو أن تضيع أولاده، لماذا؟ لأنها مؤتمنة عليه والرجل لا يعلم، فإذا خانت هانت، وسقطت من عين الله، وحصل لها دمار في الدنيا والآخرة، إن الخيانة الزوجية -والعياذ بالله- من أسوأ ما يمكن، ويترتب عليها فساد في الدنيا والآخرة.

стр. 1682

عدم الخروج إلا بإذنه من الحقوق أيضاً: عدم الخروج إلا بإذنه لماذا؟ لأنه صاحب القرار، المدير العام للأسرة، الموظف الآن هل يستطيع أن يخرج من غير إذن المدير؟ لا. وإذا خرج من غير إذنه ماذا يحصل؟ وسأل عنه المدير: أين كنت؟ قال: خرجت، لماذا لم تستأذن؟ استعجلت ولم أجدك، سوف يخصم عليه، كذلك المرأة إذا أتى الرجل من الدوام وهي ليست في البيت، وقال لها: أين أنت؟ قالت: عند الجيران، سبحان الله! لماذا لم تستأذني؟ قالت: اتصلت بك ولا أحد يرد فلا تخرجي إلا بالإذن ليعرف الرجل أين أنتِ، أما أن يأتي إلى البيت ولا يدري أين أنت، يترتب هذا على ضياع الأسرة، فلا يجوز أن تخرج المرأة من بيتها إلا بإذن زوجها. هذه هي مجمل الحقوق، وإلا فالتفصيل في هذه المسألة يحتاج إلى وقت كبير؛ لأنه مهم جداً وله علاقة بكل أسرة.

стр. 1683

أسباب أخرى للمشاكل الزوجية نعود إلى أسباب المشاكل الزوجية:

стр. 1684

تدخل الأقارب والجيران في الخلافات الزوجية من أسباب المشاكل الزوجية: تدخل الأقارب والجيران في الخلافات الزوجية البسيطة، وتصعيدها، وزيادتها، والمساهمة في نموها وكبرها، حتى تقضي على الأسرة، لكن من أين يأتي التدخل؟ يأتي الخلل من الزوج أو من الزوجة، فالزوج عندما يذهب يشتكي إلى أمه، أو إلى أبيه أو إلى أخيه، ويقول: زوجتي عملت وعملت، فماذا يقول الأب؟ يقول: لا تصلح لك، اتركها، نحن نعلم أنها سوف تعاملك هكذا، من يوم ما عرفناك وأنت رجل تداهن معها، لكن لو ضربتها وتعاملت معها بشدة وبعنف لصارت امرأة، فإن المرأة لا تصير امرأة إلا بالرجل الذي يضربها ويخبطها، ويقوم بشحنه، ثم يذهب إلى البيت ومن حين تقول له: السلام عليكم، قال: لا سلام ولا كلام، ثم يلطمها على وجهها، وماذا بعد؟ ترتب على هذا فساد العشرة، ومن الذي أفسد؟ أنت الذي أعلمت أباك. أو يذهب يشكي إلى أمه، والأم دائماً ما تحب زوجة الولد، هذه طبيعة، تغار عليها وتكرهها ولو كانت من أحسن الناس، إلا من هدى الله، يوجد بعض البنات طيبة ومنصفة، لكن معظم العمات غمات، فإذا أتى يشكي إلى أمه قالت: تستحق؛ لأنك ما عرفت تتعامل معها من أول الأمر، ركبت عليك حتى أنك الآن تحتها، ولا تقول أنت إلا ما تقول هي حسناً وماذا أعمل يا أماه؟ قالت: اقلب لها المسألة الآن، اجعل صبيح يصير جني، وإذا قالت: شرق، قل: غرب، إذا قالت: قم، فاقعد، خالفها في كل شيء، فيرجع الرجل وهو مشحون بهذه الوصايا المغرضة التي تصدر عن عقل جاهل، فيتعامل مع زوجته بهذا الأسلوب؛ فتنفر منه زوجته، وتترك عشها، وتذهب إلى أهلها، وتمكث بائنة منه أو مطلقة مطرودة، أو عاصية وناشزاً عن طاعة زوجها، وهذا كله من تدخل الأقارب. وكذلك المرأة قد تذهب وتشتكي إلى أهلها، تذهب لأمها وتقول: ضربني وعمل بي، فتشحنها أمها، أو تشتكي إلى أبيها فلا يجوز ولا ينبغي للرجل ولا للمرأة أن يكشف أحدهما سره لأهله ولا لأقاربه لماذا؟ لأنكم تختصمون الآن ثم تصطلحون آخر الليل، لكن إذا ذهبت المرأة تخبر أهلها، تولد في قلوب أهلها غيظ على الرجل، فالرجل يصطلح هو والمرأة وأبوها غضبان، يمكث سنة أو سنتين وهو غضبان وهم قد اصطلحوا في ذلك اليوم، فلا تخبر المرأة أهلها بما يحصل من خلاف بينها وبين زوجها؛ لأنه لا يتوقع في الغالب إلا تصعيد الخلاف، وأحياناً يكون هناك شواذ، وقد يكون الأب صالحاً، والأم صالحة، ويرى الولد أن زوجته فيها نوعٌ من الانحراف في التعامل فيذهب إلى أمها أو إلى أبيها لكن بشرط أن يكون قد عرف أن هذا الأب وهذه الأم عاقلة وصالحة وتخاف الله وتحرص على هذه الأسرة فلا مانع من أن يستعين بتوجيههم وأن يعرض المشكلة عليهم، أما إذا عرف أنهم من الطراز الثاني فلا يجوز؛ لأن هذا يؤدي إلى زيادة المشاكل. كذلك بعض النساء تكشف مشاكلها لجارتها، فتملي عليها الجارة رأياً غير شرعي، فتفسد حياتها. فعليك ألا تعلمي أحداً، حاولي أن تحلي المشكلة أنت بنفسك، ابحثي عن سبب المشكلة واقضي عليه، وبالتالي يزول الإشكال وتعود الحياة إلى وضعها الطبيعي، والمياه إلى مجاريها الطبيعية.

стр. 1685

عدم النظر إلى المحاسن والتركيز على الأخطاء كذلك من الأسباب: عدم النظر إلى المحاسن، وتركيز النظر إلى الأخطاء فقط يفتح الرجل عينه على ما يحدث من خلل في المرأة، وهي تفتح عينها على ما يبدو من أخطاء أو سلبيات في الرجل، أما المحاسن فتهملها، وهو أيضاً يهملها، وبالتالي لا يرى إلا الشيء السيئ؛ فيتولد عن هذا كراهية للمرأة، وهذا مخالف للعدل، ومخالف للشرع، يقول ﵊ والحديث في صحيح البخاري: (لا يفرك مؤمنٌ مؤمنة -أي: لا يبغض مؤمن مؤمنة- إن كره منها خلقاً رضي منها آخر) هذا أمر بالتوازن والاعتدال في النظر، إذا نظرت إلى المرأة انظر إليها بميزان العدل، وإذا رأيت منها خلقاً سيئاً فانظر للخلق الطيب الذي فيها، فإنك إذا وضعت الحسنات بجوار السيئات ضاعت السيئات، أما إذا ألغيت الحسنات وضخمت السيئات ولم تر إلا السوء، وكذلك المرأة تنسى حسنات زوجها ولا ترى إلا السوء؛ استمر هذا السوء يكبر في نظرك، واستمر السوء يكبر في نظرها حتى يتولد منها البغضاء والكراهية والشحناء وبالتالي تسوء الحياة والعشرة الزوجية، فينبغي أن تنظر إلى المرأة وإلى محاسنها أولاً تنظر إلى أنها حافظة لعرضك جاء رجل يشكي امرأته إلى عمر بن الخطاب، فطرق الباب وإذا بزوجة عمر تتكلم على عمر، وعمر أمير المؤمنين، الرجل القوي الذي كانت الجن تهابه، الشيطان يمشي في طريق آخر إذا مشى عمر في طريق، وهذه المرأة لسانها حاد على أمير المؤمنين، والرجل جاء يريد أن يشتكي زوجته؛ لأنها كانت بذيئة اللسان، فلما سمع كلامها على أمير المؤمنين، وفتح الباب عمر وإذا بالرجل قد ولى، فدعاه وقال: [تعال ماذا بك؟ قال: لا شيء يا أمير المؤمنين، قال له: ما أتيت إلا لحاجة هات حاجتك، قال: يا أمير المؤمنين! جئت أشكو زوجتي إليك من بذاءة لسانها، فسمعت زوجتك تقول لك أكثر مما تقول زوجتي لي، فقلت: لي بأمير المؤمنين أسوة -يقول: لست بأحسن منك، سأصبر عليها- فقال له عمر ﵁: أما يرضيك أنها طاهية طعامي، وغاسلة ثوبي، ومربية ولدي، وقاضية حاجتي؟] أليست هذه حسنات للمرأة؟ من الذي يغسل ثوبك؟ من الذي يكنس بيتك؟ من يربي ولدك؟ من يقضي حاجتك الجنسية والطبيعية فيك إلا زوجتك؟ هذه رقيق في بيتك، ثم إذا حصل منها غلطة واحدة تلغي كل هذه الحسنات وتضخم هذا الخطأ!! يا أخي! غض الطرف عنها، سامحها فيه، انظر إلى حسناتها، هكذا ينبغي -أيها الإخوة- لأن المشاكل تنتهي، أما إذا جلست تحد النظر وتركز؛ فإن الأسرة سرعان ما تتهدم. أذكر مرة من المرات وأنا في أبها جاءني رجل بعد صلاة المغرب وأنا في المسجد، فقال لي: يا شيخ! أفتني، قلت: ماذا عندك؟ قال: طلقت زوجتي ثلاثاً، قلت: لِمَ؟ وما الذي حصل؟ قال: أنا موظف عُزمت على الغداء في السودة مع زملائي، وأردت أن أخبرها في البيت أني معزوم فكرهت أن أخبرها؛ لأني لو أخبرتها لم تطبخ الطعام لأولادها، والمرأة من بالغ اهتمامها بزوجها إذا كان زوجها عندها تطبخ طعاماً جيداً، وإذا عرفت أنه معزوم، أو ذهب إلى أي مكان تعمل أي شيء، ليس مثل بعض النساء، إذا كان زوجها غائباً عملت أحسن طبخ، وقالت: خلينا نشبع اليوم، الزوج غائب، وإذا هو موجود عملت له أي شيء، لكن هذه امرأة صالحة، ولكن الرجل أخطأ، انتهى الدوام ولم يخبرها، على الأقل يجعلها تطبخ وقبل الدوام يقول لها وهي قد طبخت، تغدوا أنا معزوم، لكن الرجل نسي وركب سيارته مع زملائه، وذهب إلى السودة، وتغدى، وتمشى إلى غروب الشمس، والمسكينة في البيت انتظرت إلى أن انتهى الدوام ولم يأت بخبر، قامت الاحتمالات في رأسها لماذا الرجل لم يأتِ؟ يمكن حصل خلاف، أو حادث مروري، يمكن مرض، يمكن بالمستشفى، اتصلت بالشرطة، تسأل دوائر المرور، تسأل المستشفيات، أذن المغرب، لم تتغدَّ قال لها أولادها: وهي في غاية القلق، والرجل يتمشى ويتغدى، وليس مهتماً بها، فجاء ودخل البيت، ولما دخل كانت مغضبة، قال لها: السلام عليكم، فردت عليه بأسلوب جاف وقالت: وعليكم السلام، ثم جلس وهو غضبان وهي غضبانة، ويريد هو أي شيء يثير الغضب، فنظر في المجلس -هو الذي يخبرني هكذا- فإذا به يرى قطعة مرمية في المجلس فقال: لماذا ما كنستي المجلس؟ قالت: ما شاء الله عليك، عجيب والله ما قصرت! تحاسبنا على أننا قصرنا وما كنسنا المجلس ولا تحاسب نفسك أنك جالس من الصباح إلى الآن، لم تعلم أن معك عيالاً وأهلاً ولا اتصلت، قال: وما دخلك، أنا موظف عندكِ لازم عليَّ أن أستأذن منك؟! قالت: لا. أنا في بيتك، أنا أم أولادك، كلمني أنك لن تأتي، نحن إلى الآن لم نتغدَّ، اتق الله، قال: أبداً ما لكِ دخل، قالت: إلا المهم كلمة منها وكلمة منه، ثم قام ولطمها ولطمته، كلمة بكلمة، ولطمة بلطمة، يركلها برجله، وتركله برجلها، ثم ماذا بقي عنده؟ بقي عنده (السلاح النووي) الذي لا يوجد معها وهو الطلاق وطلقها ثلاثاً، من أجل ماذا؟ من أجل قشة.
следующие страницы →