Полный текст (2 982 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.
стр. 1961
النجاة والسعادة في الدارين تكون بالإيمان
أما النصيحة التي أوجهها وأسديها لكل من حضر هذا المجلس فهو أن الخيار الأفضل والبديل الصحيح للنجاة من ورطة هذه الحياة هو الإيمان والدين.
الدين رأس المال فاظفر به فضياعه من أعظم الخسران
الدين عزةٌ ورفعةٌ وسلامة وسعادة في الدنيا والآخرة، ولا مخرج لك ولا نجاة لك أيها الإنسان إلا بطاعة الله، والمعاصي ليست ببديل، والغفلة واللعب قد جربناها كثيراً، وسيخرج الإنسان من هذه الدنيا وليس معه في رصيده إلا ما عمل ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَاباً﴾ [النبأ:٤٠] ألا فلينتبه الإنسان لنفسه وليعرف أنه إن يعمل خيراً يجده، وإن يعمل غير ذلك يندم عليه، والله يقول: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران:٣٠].
هذا وأسأل الله في الختام لي ولكم التوفيق، وأن يجعلنا وإياكم من أهل القرآن الذين هم أهل الله وخاصته، وأن يعيننا وإياكم على ذكره وشكره وعلى حسن عبادته.
стр. 1962
الأسئلة
وأما الأسئلة فسوف أتعرض للقليل منها إن شاء الله على حسب ما يسمح به الوقت.
стр. 1963
حكم مس المتوضئ للنجاسة
السؤال
ما الحكم فيمن يمسك النجاسة بعد الوضوء، فمثلاً المرأة ما حكم غسلها لأطفالها بعد إزالة الحدث الأكبر، وهل يحق لها الصلاة وقد غسلت أبناءها بيدها أم لا؟
الجواب
إذا مس الإنسان نجاسةً بيده بولاً أو غائطاً فإنه يغسل الموضع الذي وصلت فيه النجاسة، ولا يلزمه إعادة الوضوء؛ لأن نواقض الوضوء ليس منها مس النجاسة، أما إذا مس الإنسان فرجه قبلاً كان أو دبراً بيده فإنه ينقض وضوءه وعليه أن يتوضأ من جديد، والمرأة التي تغسل طفلها فتمس عورته بيدها ينتقض وضوءها، وعليها أن تتوضأ من جديد؛ لأن مس الفرج سواء لها أو لولدها أو لبنتها ينقض الوضوء، فعليها أن تتوضأ من جديد.
стр. 1964
حكم الحلف بالحرام والطلاق وما شابهه
السؤال
ما رأيكم فيمن يقول: قد حرمت أن حساب الغداء عليَّ؟
الجواب
يعني دخل هو وواحد في مطعم ويريد يحاسب قال: حرام إن الحساب عليَّ، هذه الألفاظ من الأيمان البدعية التي لا ينبغي للإنسان أن تدور على لسانه؛ لأن من كان حالفاً فلا يحلف إلا بالله أو ليصمت، فإذا أردت أن تحاسب فأخبره أنك تريد أن تحاسب، فإذا أردت أن تقنعه فقل له: والله الذي لا إله إلا هو ما يحاسب إلا أنا، فإذا خالفك وحاسب فتطعم عشرة مساكين، بدل ما تطعم واحداً تطعم عشرة، جزاء لك وردعاً لأمثالك.
وإذا كنت تريد أن تحلف عليه وما تريد أن تُكفر تقول: والله الذي لا إله إلا هو إن شاء الله أنه ما يحاسب إلا أنا، فإذا حاسبت الحمد لله، وإذا رفض دعه يحاسب، وأنت ما عليك شيء؛ لأنك ربطت اليمين بمشيئة الله، إذا قلت: والله الذي لا إله إلا هو إن شاء الله أنه ما يحاسب إلا أنا، فليس عليك شيء إذا فجرت، لكن إذا عقدت اليمين وفجرك تطعم عشرة مساكين، أما إذا قلت: حرام أنه لا يحاسب إلا أنا، فقد أقسمت بالحرام، والله قد قال في القرآن للنبي ﷺ : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم:١] لأن معنى حرام يعني حرام مما أحل الله عليَّ ويمكن يدخل في ضمنها النساء، ويمكن تكون كفارتها مغلظة ككفارة الظهار لكن إذا قصد بها المرأة ففيها كفارة مغلظة، وإذا قصد بها اليمين ففيها كفارة مخففة وهي إطعام عشرة مساكين إذا فجر، ولكن عليه أن يتوب إلى الله من الحرام ولا ينبغي له، ولا داعي للأيمان، لا تحاول أن تقحم نفسك في يمين لا بطلاق ولا بحرام ولا بحناث ولا بربي، دع الأمور ممددة، من أطاعك فالله يجزيه خيراً ومن رفض فالله يعينه.
بعض الناس يجعلك تأكل غصباً ويحلف بالله أنه سيحاسب، فإذا قال: لا والله ما أحاسب إلا أنا، فقل: كثر الله خيرك، وكثر الله من أمثالك، ودعه يحاسب كل يوم، وسوف ترى إذا حلف اليوم فغداً لن يحلف عليك؛ فلماذا تحرج نفسك، وأصبحت مضاربة ولم تعد أكلة، وبعضهم يطلق، فقد جاء رجلان إلى الشيخ عبد الله بن يوسف قال: أنا رحيمه أتيت عنده ودخلت عليه وحرمت ما أريد أن أكلف عليه، وقلت: طلاق أنك ما تذبح لنا، قال هو: طلاق إلا أذبح لكم، وجاءوا الاثنين كل واحد منهم يسأل ما هو الحكم؟ قال الشيخ: أحدكما تحرم عليه زوجته، فبسبب اللحمة أصبحت مشكلة في البيت وهي الطلاق.
وبعض الناس الذي ما زال رأسه يابساً إذا حلفت له بربي سوف يذمه، وقال: والله إنه حلف بربي، كأنه جعلها سهلة، لكن إذا طلقت قال: والله فلان الصادق الذي عزم صحيح، والله إنه يطلق، الله أكبر! هذا والعياذ بالله من تعظيم غير الله، أن يحلف بالله فلا يعظم وأن يحلف بالمرأة فتعظم، يعرض عليهم وجه الله فلا يعظمونه ويعرض عليهم وجه المرأة فيقولون: خلاص قد طلق امرأته، لكن لو أنه حلف بالله فجروه وراحوا، لكن مثل هؤلاء لا يستحقون الإكرام، والله ما يستحق تذبح لهم قطاً، الذي لا يعظم إلا وجه المرأة ولا يعظم وجه الله لا يستحق أنك تذبح له، كيف تذبح له وهو يعظم غير الله ، لا تحلف على أحد لا بربي ولا بغيره، قل: أنا أريد أن أكرمك يا أخي، فإن قال: جزاك الله خيراً تفضل، وإن قال: لا.
أنا مستعجل، فقل: الله يعينك، أما أن تحرج نفسك فلا.
ثم قضية الذبائح التي نحن الآن عليها، والتي لا تزال متخمرة في رءوسنا فهذه ما أنزل الله بها من سلطان، وليست من الإكرام في شيء، فالإكرام أن تقدم لضيفك ما يكفيه، هذا هو الإكرام بحيث لا يقوم وهو جائع، أما إذا أتاك ضيف فتقوم تذبح له، فهو كم يكفيه من الذبيحة؟! يكفيه ربع كيلو فقط، فتذهب تشتري له خروفاً فيه وهو سيأكل منه ربع كيلو، ثم بعد ذلك تشهر به على رءوس الأشهاد وتعزم الجماعة من طرفهم إلى طرفهم لكي تعلم العرب أنك ذبحت لهذا الرجل والله يحيكم على شرف فلان، وبعد شهرين أو ثلاثة إذا أتيت سوف أذبح لك واحداً، لماذا؟ المصلحة للناس والمضرة عليَّ، فهذا لا يجوز في دين الله، وهذا ليس من الكرم في شيء، وإنما من عادات الجاهلية التي ما أنزل الله بها من سلطان، فإذا جاءك ضيف أكرمه، ونحن لا نحث الناس على البخل، فإن الكريم قريب من الله، قريب من الناس قريب من الجنة، أكرمه وأدخله بيتك وقدم له أحسن طعام، لكن لوحده لماذا تدعو الناس الآخرين؟ قد تقول: والله إنهم محتاجون، هذا الكلام كان قديماً عندما كان الناس لا يجدون في القرية لحمة، فإذا جاء الضيف فرحوا لكي يروا معه قطعة لحمة أو مرقة ولهذا يكثرون المرق، ويكثرون العصيد واللحم، ولا يمد أحد يده على اللحم إلى أن يأتي المقسم، والمقسم هذا يعرف كيف يقسم اللحم على الحاضرين وعلى من في البيوت وعلى النساء، وكل يعطيه قسمه على قدر قيمته في المجتمع ويضع له وينفخ يده كذا.
أما الآن لم نعد نحتاج للحم ففي بيوتنا كلنا ثلاجات، حتى العزوبي أصبح في بيته ثلاجة، حتى العمال في المزارع عندهم ثلاجات، فلا يوجد رجل إلا وفي بيته ثلاجة، لماذا الثلاجة؟ من أجل اللحمة، فهناك لحم ودجاج وسمك في كل ثلاجة.
وبعض الناس يتضايق من عزيمتك له لماذا؟ لأنه أهنأ له أن يأكل لقمته مع زوجته وأولاده من أن يأتي يأكلها معك، فأنت تحرجه في هذه الدعوة وتجعله بين خيارين ويأتي وهو كاره يريد أن يأكل مع أهله أو يرفض وتزعل عليه: والله عزمت فلان وما جاءني، إذن لا أذهب إليه، ويتقاطع الناس بسبب هذه المشكلة، دع الناس في بيوتهم يا أخي، وبدل الخروف الذي تشتريه بثلاثمائة أو بتسعمائة، وطبيخ ويتشحط في دمه وفي سمنه خذ كيلو أو نصف كيلو واطبخها مرة واحدة وقربها للضيف وقل: كل لحالك إلى أن تشبع، ويكمل ويقول: الله يجزيك الخير ويكرمك الجنة، وبعدين يفرح بك إذا رآك بعد شهر وشهرين لكي يعطيك كيلو مثله ويهنأ الطعام، لا خسرت أنت ولا تعب هو، وريحت الناس كلهم في تلك العزيمة.
أحد الإخوان يقول: والله مرة أحدهم ذبح لي خروفين وعزم الناس وبعد ذلك قال: الله يحييكم على شرف فلان.
يقول: وآتي أنا ويعطوني الذنب -السبلة- ماذا أعمل بهذه! إن جئت أقوم من الصحون أريد لحماً ماذا أعمل بالشحم؟ يقول: تركت (السبلة) على رأس الصحن ما أمامي إلا الصحن كيف آكل الآن! أمد يدي من ذاك استحيت، يقول: والله ما غير أكلت سلطة وخبزة وأولئك يصدعون في اللحم والأضلاع وأنا جالس ما عندي إلا الشحمة والاسم لي والمصلحة لهم، ويوم خرجت قلت في نفسي: الله لا يخلف عليك؛ لأنه لم يؤكلني حقيقة؛ لأنه لو أراد إكرامي حقيقة لاشترى بدل الخروفين كيلو لحمة وطبخه وجعل عليه عصيدة أو أرز وسلطة وفاكهة ودعاني آكل أنا ليهناني، فهذا أفضل من هذه الشغلة.
فلا داعي يا إخوان لهذا، وقد انتهينا من هذه الجاهلية، ولا داعي لأن أجمع الناس وأشهر بهم وأحاسبهم، أقول لفلان: لماذا لم تأتِ وقد دعوتك؟ يا أخي لا أريد أن آتي، ليس إجباراً عليّ، أنا أريد أن آكل مع أولادي، أنا أريد أن آكل خبزة وشاي معهم ولا آكل خروفاً عندك، وأنت تحرجني إلا أحضر، مفهوم هذا إن شاء الله، لا تقولوا إني بخيل! والله ما أنا ببخيل إن شاء الله لكن معتدل.
стр. 1965
أهمية صلاة الفجر مع جماعة المسجد
السؤال
أرجو منك أن تتكلم عن حكم صلاة الفجر في المسجد مع جماعة المسلمين لما نراه من التقصير في هذه الصلاة؟
الجواب
هذه الصلاة أيها الإخوة! هي (ترمومتر) الإيمان الذي تقيس به إيمانك، دخل هذا (الترمومتر) في نفسك هل أنت مؤمن أو منافق عن طريق صلاة الفجر، فإن كنت من أهل الفجر باستمرار فاعلم أنك مؤمن، وإن كان البعيد لا يصلي الفجر في المسجد فاعلم أن البعيد منافق، الكلام هذا من حديث الرسول ﷺ في الصحيحين عن البخاري ومسلم قال: (أثقل الصلاة على المنافقين صلاتي العشاء والفجر) لا تذهب تدور وتقول: أنا مؤمن يا شيخ أو ما أنا مؤمن؟ نقول: أين أنت في صلاة الفجر؟ إن كنت من أهل الروضة والقيام قبل صلاة الفجر تقوم بنصف ساعة وتصلي ركعتين أو أربعاً أو ستاً، وإذا أعانك الله على ثمان وطرقت باب الله في تلك اللحظة التي لا يطرق بابه أحد فيها إلا أجابه، فرصة لك، كل واحد نائم على وجهه وأنت في تلك اللحظة تستغفر الله.
ولهذا جاء في الحديث: (ركعتان في جوف الليل خير مما طلعت عليه الشمس وغربت) خير من الدنيا وما عليها (وينزل ربنا في الثلث الأخير من الليل إلى السماء الدنيا ويقول: هل من تائب فأتوب عليه، هل من سائل فأعطيه، هل من مستغفر فأغفر له) هذا وقتك يا أخي، اغتنم الفرصة لا أحد يدعو في تلك اللحظة، الناس كلهم رقود وأنت جالس تقول: يا رب أستغفرك وأتوب إليك، ولذلك جاء في الآية الكريمة: ﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات:١٨] الله أكبر! ويقول الله فيهم: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ﴾ [الذاريات:١٥ - ١٦] في جنات وعيون آخذين ما آتاهم الله من النعيم لماذا؟ ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [الذاريات:١٦ - ١٩].
فقيام الليل من أعظم القربات، وستجد فيها صعوبة أول الأمر لكن مرن نفسك مرة ومرتين وثلاثاً وأربعاً وخمساً حتى يعينك الله ويقبلك، وتقوم بغير داع، كما قال الله: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ﴾ [السجدة:١٦] لم يقل: يتجافون، لا.
جنوبهم هي التي تتجافى، فجنب الواحد لا يدعه ينام، يقول الجنب وهو جماد: قم من النوم لم نعد نريد، شبعنا من النوم ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [السجدة:١٦] ثم بعد ذلك تقوم بعد ما يؤذن تذكر الله بالأذكار التي تقال في الصباح، ثم تقرأ القرآن إن كان في وسعك، أو تصلي ركعتي الفجر في البيت ثم تذهب إلى المسجد تصلي، تفتتح يومك بطاعة الله.
يقول ﵊ في الحديث الصحيح: (من صلى البردين دخل الجنة) يعني الفجر والعصر، ويقول ﵊: (من مشى في ظلمة الليل إلى المسجد لقي الله بنور ساطع يوم القيامة) وقال: (بشر المشائين في الظلم بالنور التام يوم القيامة) ويقول ﵊: (من صلى الفجر في جماعة فهو في ذمة الله حتى يمسي).
ما معنى في ذمة الله؟ يقول العلماء يعني: في عهد الله وأمانه، وأنه إن أماتك أدخلك الجنة، فهل من المعقول أن يدخلك النار وأنت في ذمته؟ أو كيف يعذبك وأنت في ذمة رب العالمين، وإن أحياك أصبت خيراً، وأنت في ذمة الله حتى تمسي: (ومن صلى العشاء في جماعة فهو في ذمة الله حتى يصبح) شيء عظيم يا أخي أنك تقوم بهذا العمل: (من صلى الفجر في جماعة فكأنما قام الليل كله) وقال: (من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل) ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً﴾ [الإسراء:٧٨] فهذه يا أخي المسلم! من أعظم القربات والعبادات، وتستعين بالله على أدائها بعدة أسباب: أولاً: النوم المبكر، لا تسهر حتى ولو في طاعة، قال العلماء من أحاديث الرسول ﷺ : (كان يكره النوم قبلها والحديث بعدها) يعني العشاء، قالوا: إلا في خير، وهل كان النبي ﷺ يمكن أن يتحدث في شر حتى يكره الحديث الذي في الشر، كان يكره حتى الحديث في الخير، ولكن جوز بعضهم أنه إذا كان لمدارسة علم أو للأمر بمعروف أو النهي عن منكر ولم يكن ديدنة باستمرار فإنه يمكن أن يسمح له، أما من يسهر من بعد صلاة العشاء إلى الساعة الثانية عشرة أو واحدة يتابع المسلسلات والأفلام والمباريات والأخبار ويلعب (البلوت والورقة والدمنة) ما هذا يا أخي هل خلقك ربي لهذه؟! أين عقلك؟ سبحان الله العظيم! أنت رجل عاقل راشد تعطي عقلك غيرك وتجلس أمام المسلسل.
أحد الأقارب خرج من عندي وبعد أن خرج عرفت أنه ما خرج إلا لأنه أتى وقت المسلسل عن طريق أهله بأهلي، قلت: ماذا به فلان استعجل ما جلس عندنا؟ قالت: استعجل لأنه ما عندكم تلفزيون وهو يريد أن يرى المسلسل، وانعم! ما هو المسلسل الذي يراه، هو كذبة يسمونه رواية كاتب، روائي كذاب أخذ قلمه وصنف كذبة، وبعد ما صنفها قال: والله ما أدعها في الكتاب، بل لابد أن أمثلها، وأتى بثمانية كذابين من هؤلاء الممثلين وقال: نريد منكم أن تخرجوا هذه الكذبة إلى الناس، وأنت في دور الرجل وأنتِ في دور المرأة وأنت دور البنت وأنت دور السواق وأنت دور الخادم، وبعد ذلك دخلهم في استريو وأتوا بكل الوسائل وعملوا كل شيء كأنه صدق، وبعد ذلك طلعوا كل ليلة مسلسل وذاك قاعد ويقول كذا وكذا يتلفت يقول كذا، وبعضهم إذا انتهت الكذبة وكانت النهاية حزينة فيها مرض أو فيها مضاربة جلس طول الليلة حزيناً، لماذا؟! وهناك شخص دخل على امرأته وهي تبكي، قال: مالك تبكين؟! قالت: والله رأيت النهاية المؤلمة للبنت تلك المسكينة، والله لا بنت ولا غيره يا بنت الحلال، كله كذب في كذب، والكذب ما أحد يعيش معه يا إخواني، ولو أقول لكم: إني جئت من بيتي ومررت على حادث مروري مروع بين سيارتين ومات فيها عشرة أنفار، فإنكم تنزعجون لهذا الخبر فعلاً، فإذا غلقت وأقول: ترون هذا كذب والله ما وقع ذلك، ماذا تقولون لي: الله أكبر عليك! تخذلنا وبعد ذلك تقول كذب، فهذه الروايات كلها كذب في كذب، فكيف تعيش على المسلسلات وفيها الكذب كله، فلا تتأخر في النوم مبكراً.
ثانياً: نم على ذكر الله، مستقبلاً القبلة متوضئاً، ناوياً القيام لصلاة الفجر، نم على ذكر الله لا تنم على الأغنية، وبعضهم يقعد يبحث في الإذاعة يدخل لها من شرق إلى غرب ما يدع إذاعة إلى أن يصل إلى أغنية، فإذا وصل إليها نام، وضرب بإبليس في مسمعه وبال وجعله ينام، ولا يقوم يصلي الفجر لو تقوم الدنيا كلها ما يقوم معها؛ لأنه نام على غير ذكر الله، لكن إذا نام على ذكر الله قرأ المعوذتين، والإخلاص، وآية الكرسي وسبح الله ثلاثاً وثلاثين وحمد الله ثلاثاً وثلاثين وكبر الله أربعاً وثلاثين وبعد ذلك: (باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه، إن أمسكت نفسي فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين) وعند البخاري ومسلم حديث عظيم عن شداد بن أوس ﵁ يقول: (إذا أتيت مضجعك فقل: اللهم إني أسلمت نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك، وألجأت ظهري إليك، وفوضت أمري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا منجا ولا ملجأ منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت) ثمان أدعية من أعظم الكلام.
إذا قلته فإن أصبحت قال: (فإن مات من ليلته مات على الفطرة، وإن أصبح أصاب خيراً) فتنام على ذكر الله، وتستقبل القبلة، وقبل ذلك على طهارة، وبعد ذلك تنوي في نفسك أنك تقوم؛ لأن بعضهم ينام وهو ينوي ألا يقوم؛ بل هو مصمم عليها من أول الليل، فكيف ربي يعينه على القيام وهو لا يريد أن يقوم.
ثالثاً: تتخذ الوسائل والاحتياطات والإمكانات التي تعينك، تشتري ساعة منبه، أو تجعل صديقك إذا أتت صلاة الفجر يدق عليك التلفون، ودع التلفون عند رأسك، أو تنبه على المرأة، أو جارك في الشقة، أو جارك في المحل دق عليه.
رابعاً: إذا سمعت طرف إشارة من ساعة أو من تلفون أو صوت مؤذن فرأساً استغل هذه الفرصة واستوِ جالساً، لا تذكر الله وأنت مستلق.
لا.
استو جالساً قل: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، الحمد لله الذي أحياني لأذكر الله.
وبعد ذلك إذا انتهيت وشعرت بأنك ثقيل قليلاً، وأنك تعبان ولا تريد أن تقوم، فقل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم؛ لأن الشيطان في تلك اللحظة يدعو كل زبانيته وشياطينه ويقول: من فضلكم! هذا لا يقوم انتبهوا دعوا أولئك الرقود المقرطسين، فهم حميرنا، هذه ركائب زينة، لكن هذا الذي يريد أن يقوم فلا تجعلوه يقوم، فيأتي الشيطان يجلب عليك برجله وخيله وشياطينه يكسلك ويقول لك: باقي كثير إلى أن يؤذن، ويأتيك مرة ثانية إذا قمت خذ لك قليل راحة، تريد تقوم وتذهب في البرد في المسجد، يأتيك بكل أسلوب حتى يرقدك، لكن إذا رأيت هذه الإيحاءات وهذه الوساوس فقل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم رأساً يذهب منك، إذا لم يذهب قل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، هذه مدفعية ضد الشيطان الرجيم كما يقول الله: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [الأعراف:٢٠٠] وإذا عيا قل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم إلى أن تحس أنك خفيف، كلما أحسست أنك ثقيل قل: أعوذ بالله إلى أن تحس أنك خفيف؛ لأن بعض التعوذات لا تنفع، وبعض الناس يتعوذ لكن لا تصيب الشيطان؛ لأنه غشيم بالتعوذ، مثل الذي معه بندق لكنه لا يصيب الهدف، يضرب وبينه وبين
стр. 1966
حكم حلق اللحية
السؤال
ما رأي فضيلتكم فيمن يحلق لحيته، ويقول: إنني أحلقها من أجل أن تصبح اللحية كثيفة؟
الجواب
أولاً: يا أخي ما أنا فضيلة إنما أنا أخوك.
ثم دعها كما خلقها الله، لماذا تحارب لحيتك ماذا عملت فيك، بعض الناس ما شغلته إلا لحيته، كأن بينه وبينها عداوة، يصبح على دقنه بالسكين، حتى خضرت لحيته، بعضهم تراها كأنها عتبة مرعية من كثرة الرعي فيها والسلك، دع لحيتك في وجهك، وفر الجهد والفلوس والسكاكين التي تذبح بها لحيتك، ولا تحارب سنة النبي ﷺ .
والله يقول: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين:٤] اتركها كما خلقها الله، فالله هو الذي خلقك على هذا، وأحد الإخوة يشتكي ويقول: أنا أريد أن أترك لحيتي؛ لكن طلعت مثل الدبابيس والمسامير، فماذا أعمل بها؟ قلت: طبعاً أنت كنت تحاربها، وتريد منها أن تطلع مثل الحرير، بما أنك تعطيها السلاح تطلع لك مثل الرماح، تحاربك تتحداك تقول: والله أنا ضدك، احلقني وأنا أطلع، وكل يوم وهي تحاربك، لكن ارفع عنها السلاح واصبر شهراً أو شهرين، بعد ذلك تعرف أنك لست أنت الأول الذي كنت تحاربها، فتقول: الرجل والله أصبح صديقاً، إذاً نسالمه، فيبدأ الشعر من هنا يصير ليناً ويعلن الهدنة معك ويعلن نزع السلاح عنك، ويعود شعراً جميلاً، لكن ما دمت تحاربه يحاربك، ويتحداك أنت تحلق وهو يطلع، إلى متى؟ إلى أن تموت.
стр. 1967
قراءة المصحف المترجم بقصد الدعوة إلى الإسلام
السؤال
ما رأيكم فيمن يقرأ المصحف المترجم لغير مسلم، مع العلم أنه يوجد به قرآن عربي جزاكم الله خيراً؟
الجواب
من يقرأ المصحف المترجم لغير مسلم لكي يدعوه إلى الإسلام ويبين له أحكام القرآن وأحكام الدين وشرائع الإسلام هذه دعوة عظيمة جداً ونسأل الله أن يعينه وينفع به.
стр. 1968
حكم إمامة غير البالغ
السؤال
أنا طالب شاب في ثانوية أحفظ من القرآن قليلاً، ولكن بسبب تراكم المواد عليَّ لا أقدر على حفظ القرآن فما هو الحل، وهناك أخ أصغر مني ولا يحفظ الكثير ولا يحفظ أكثر مني ولكن قراءته أجمل من قراءتي، ويدرس في الصف الخامس فهل يجوز أن يتقدم في صلاة الجماعة وأنا موجود ولا فرق غير أن صوته أجمل من صوتي؟
الجواب
أولاً بالنسبة كونك أنت طالب في الثانوية، نحن لا نطلب من الناس الآن أن يجلسوا على الشيخ ليحفظوا القرآن، نحن نطلب منهم أولاً أن يجلسوا على شيخ ليصححوا تلاوتهم بالقرآن، نطلب الشيء الذي يبقى معه وهو صحيح التلاوة والنظر، ثم يستطيع الواحد على المهل إن شاء الله أن يحفظ ما شاء الله له، وليبدأ بحفظ جزء عم أقل شيء، وجزء تبارك وقد سمع، ولا يحاول أن يغوص في أعماق القرآن ثم يفشل، يحفظ السور التي يسهل عليه حفظها.
وأنت ما دمت طالباً في الثانوية فإن هناك طلاباً في الثانوية وفي الجامعات حفظوا مثلك وأكثر وليس هذا بالصعب لأنه سهل إن شاء الله.
أما مسألة الإمامة لأخيك الصغير الذي في الصف الخامس لأن صوته أجمل منك فالذي يبدو وهو في الصف الخامس أن عمره إحدى عشرة سنة، يعني دخل الابتدائية وعمره ست سنوات، يعني أنه دون البلوغ ولا يجوز إمامة الشاب الذي دون البلوغ بل لا بد في الذي يؤم الناس أن يكون بالغاً، لحديث الرسول ﷺ : (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله) يعني من أهل وجوب الصلاة، الذين وجبت عليهم الفريضة وهم البالغون يؤمهم أقرؤهم لكتاب الله، فلا نأتي بشخص صغير عمره ست أو سبع سنوات وندعه يؤم الناس في الفرائض، أما في النوافل فيجوز.
وما يحتج به بعض الناس من حديث عمرو بن سلمة ﵁ الذي أرسله النبي ﷺ وجعله إماماً لهم وكان إذا سجد تنكشف عورته فكانت المرأة تقول: [غطوا عنا است صاحبكم] فهذا كان في بداية الإسلام يوم أن لم يكن هناك من يقرأ، فلا يوجد أحد يقرأ إلا عمرو بن سلمة.
لكن بما أن هناك من يقرأ القرآن ولو كان أقل حفظاً وأقل تجويداً، فإنه هو الذي يصلي، ولا يجوز تقديم الصبي الصغير دون البلوغ إلى المسجد إلا في التراويح أو النوافل، أما في الفرائض فلا.
стр. 1969
من أحكام صلاة المسافر
السؤال
سافرت إلى مكة وفي طريقي دخلت عليَّ صلاة الظهر ونويت أن أقصرها وجمعت مع صلاة العصر، وعند وجوب صلاة العصر عند مدينة الباحة وقفت عند جامع آخر وإذا بهم قد أذنوا لصلاة العصر وأنا قد أديت صلاة الظهر والعصر فهل يلحقني في ذلك شيء؟
الجواب
بما أنك صليت في الطريق ظهراً وعصراً جمع تقديم، وأتيت إلى الباحة وهم يصلون فليس عليك صلاة، ولا تجب عليك؛ لأنك صليت وأنت مسافر، وصليتها وقت وجوبها، وهؤلاء مقيمون تجب عليهم، بإمكانك أنك تقف بسيارتك أو تمشي ولا تعيد الصلاة معهم، لكن لو دخلت المسجد معهم وخفت أنك تتهم في عرضك أنك ما صليت وأردت أن تصلي معهم نافلة، فلا شيء في ذلك إن شاء الله؛ لأنها كما يقول العلماء: نافلة ذات سبب، سببها الدرء عن عرضك، أما نافلة من غير سبب بعد العصر فلا تحل، وقد سألت الشيخ عبد العزيز بن باز في هذا الموضوع قلت: إذا دخل رجل المسجد بعد صلاة العصر ووجد الناس قد صلوا، وأراد واحد من الذين في المسجد أن يتنفل ويصلي معه لكي يعمل له جماعة يتصدق عليه، فهل يجوز بعد العصر، ونحن نعرف أنه يجوز بعد الظهر وبعد المغرب وبعد العشاء لكن بعد العصر وبعد الفجر قال: نعم يجوز بعد العصر وبعد الفجر؛ لأنها نافلة ذات سبب، سببها رغبة المسلم في أن يتصدق على أخيه المسلم فيحصل له أجر الجماعة.
стр. 1970
حكم المال المكتسب من العمل في الحلاقة
السؤال
لدي محل حلاقة فما الحكم فيه، وما حكم مصدر الرزق هذا؟
الجواب
محل حلاقة أحد أمرين: إما حلاقة لحى أو رءوس، إن كان هذا المحل مخصص لحلاقة الرءوس فقط فليس فيه شيء، أما إن كان فيه حلق اللحى فهذه قلعة لمحاربة سنة النبي ﷺ ، ولا يجوز لك أن تفتح هذا المحل وأي رزق يأتيك من هذا المحل فهو حرام، محل حلاقة أو استريو أغاني أو تصليح أجهزة الأغاني، كل هذه مما يتعاون به على الباطل والله يقول: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة:٢].
стр. 1971
حكم القيافة
السؤال
ما رأيكم فيمن يتبع الآثار ويعرفها وهو ما يسمى (بالمري)؟
الجواب
هذه القيافة معروفة عند العرب، وكانت للعرب قدرة على معرفة آثار الرجال، فيعرفون أثر الرجل من المرأة، وأثر المرأة البالغة من المرأة الصغيرة، وأثر المرأة الحامل من المرأة الغير حامل، ويعرفون أثر الجمل وأثر الحمير، يعرفون كل شيء، لماذا؟ طبيعة الحياة أعطتهم قدرة على أنهم يرون الأرض وأرضهم كلها رمال، والرمال تترك آثاراً، فاستطاعوا بكثرة الممارسة والخبرة أن يعرفوا ذلك، لكن ليس فيها دعاء جن ولا استعانة بالجن ولا فيها شيء إن شاء الله.
стр. 1972
أفضل الطرق لحفظ القرآن
السؤال
ما هي أفضل طريقة لحفظ القرآن؟
الجواب
أفضل طريقة لحفظ القرآن هي: أولاً: الاستعانة بالله قبل كل شيء.
ثانياً: التكرار، تمسك السورة التي تريد أن تقرأها وتقسمها مثلاً سورة (ق) تقسمها إلى ثلاثة أقسام أو إلى قسمين، ثم تقرأها نظراً مرة ومرتين وثلاثاً وعشراً وعشرين نظراً إلى أن تدخل في رأسك، ليس مرة واحدة وتريد أن ظ من ثاني مرة، اقرأها نظر عشر مرات أقل شيء، بعد عشر مرات تطبق المصحف وتقول كذا ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ * بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ [ق:١ - ٢] ثم ترى المصحف، حتى تتقن الآيتين، ثم تبدأ بآيتين غيرها، وتربط الاثنتين مع الاثنتين، ثم تبدأ في اثنتين ثم تربط الأربع تلك مع الاثنتين إلى أن تنتهي من الثلث أو النصف الذي حددته، ثم تقرؤه مرة ومرتين وثلاثاً وأربعاً وعشراً عن ظهر غيب، ثم مع المراجعة لا تنساه بإذن الله.
стр. 1973
حكم من أمر زوجته بكشف وجهها أمام إخوانه
السؤال
لي قريبةٌ تريد تطبيق الحجاب ولكن زوجها يصر على أن تكشف وجهها على إخوانه فبم تنصحني؟
الجواب
أنا لا أنصحك، أنت فيك خير، لكن أنصح هذا الزوج الذي يرزقه الله بمثل هذه الزوجة الصالحة تريد الحجاب، وهو يريد العري والعياذ بالله، هذا محروم شقي، ولا طاعة له، ويلزم هذه المرأة أن تتحجب رغماً عن أنفه، ولو سخط هو وإخوانه وأهله، وإذا أدى الأمر إلى أن تذهب إلى أهلها فإن لها ذلك، ولا تبقى معه، أما أنت فدورك دور إصلاحي؛ لأنك قريب للزوجة، وإذا أتيت تتدخل بين الزوج وزوجته يمكن تزيد الطين بلة، ولكن كن حكيماً عن طريق التوجيه، وشريط، والندوات، وسؤال أهل العلم فتقول له: اسأل يا أخي عن الحكم، عندي تلفون فلان اسأله هل يجوز أم أنه حرام؟ وأنت من أهل الخير، لكن تأتي تقول له: أنت مخطئ فيقول: ما دخلك بيني وبين عيالي وهذه امرأتي وما لك أي علاقة وتصير مشكلة، لكن دعها هي التي تبدأ، فإذا قالت: أنا والله ما أكشف على أحد إلا محارمي، فمن الذي سوف يأتي ويفتح وجهها لكي يراها؟ طبعاً لا أحد.
стр. 1974
حكم التدخين
السؤال
ما حكم التدخين؟
الجواب
حكم التدخين معروف بأنه محرم بنص الأدلة الشرعية، وفيه سبعة أدلة من القرآن الكريم والسنة تدل على حرمته، ومن أراد المزيد فليرجع إلى شريط في السوق اسمه (القاتل المهذب) في حكم التدخين.
стр. 1975
حكم خلف الوعد
السؤال
أنا صاحب مهنة وأعد الناس وعوداً ولكني أخلفها فهل عليَّ إثم في ذلك؟
الجواب
نعم.
يجب ألا تعد إلا وأنت صادق، فإذا وعدت بعد أسبوع وأنت تعلم أنك لن تنتهي إلا بعد عشرة أيام فقل: بعد عشرة أيام، لكن بعض الناس يعرف أنه يكذب ويعد من الآن، أما إذا وعدته وأنت جازم على أنك تفي، وبعد ذلك لم تف؛ لأجل أمر خارج عن إرادتك، فتستغفر الله وتتوب ولا تزيد، أما أكثر المهنيين كذابون؛ لأنه يقول: لو صدقت ما أحد يشغلني، مثلاً: إذا كان سباكاً وجاء إلى العمارة ترى ما أريدك إلا تشتغل في عمارتي ما عندك ولا عمل قال: ما عندي شيء فارغ، هات العقد، وأخذ العقد، وأخذ المقدم، وذهب يشتغل في عشرين عمارة، وجعل عمارتك آخر شيء؛ لأنه لو قال لك: نعم.
عندي عمارات قلت: لا أريدك، لا أريدك، والرزق بيد الله وليس بالكذب على الناس.
стр. 1976
حكم الأذان والإقامة للمرأة
السؤال
هل يجب على المرأة إقامة الصلاة إذا أرادت أن تصلي؟
الجواب
لا.
ليس على المرأة أذان ولا إقامة، لحديث عائشة والحديث صحيح: (ليس على المرأة أذان ولا إقامة) تأتي تصلي مباشرةً لا تؤذن ولا تقيم.
стр. 1977
حكم مصافحة الأجنبية خجلاً
السؤال
إذا صافحت امرأة وأنا كاره من كل قلبي من غير إجبار؟
الجواب
من الذي أجبرك تصافح النساء وما معنى كاره؟ بعض الناس يقول: إني أستحي من المرأة وأمد يدي لها، لا يا أخي، استح من الله قبل كل شيء، إذا مدت يدها فهذا عيب؛ لأنها تخجل ولن تمد يدها عليك بعد ذلك، لكن تخجل أنت منها وأنت تعلم أن ذلك حرام، ومن مد يده على امرأة لا تحل له جاءت يده يوم القيامة مغلولة إلى عنقه، والنبي ﷺ أتين النساء يبايعنه على ألا يشركن بالله، مددن أيديهن، فقال: (إني لا أصافح النساء، وإن قولي لامرأة منكن كقول النساء للنساء) وما مد يده إلى امرأة صلوات الله وسلامه عليه.
فأنت إذا دخلت على بيت من أقاربكم وفيه نساء يتكشفن، وهو على العادة وبعض النساء يحسبنها بسيطة، وهذه كالكهرباء، جيب السلك في السلك كيف يكون؟ وهذا جلد بجلد فيها التماس كهربائي، لا تمد يدك إذا مدت قل: لا ما يجوز، لا تصافحيني فهذا درس لها، ولن تمد يدها عليك ولا على غيرك إن شاء الله.
أما الكلام مع ممرضة أو طبيبة تدعو إليها الضرورة، وأنت تغض بصرك، فلو اضطررت أنك تكلم ممرضة تكلمها وأنت غاض لبصرك، فلو أن زوجتك مريضة في قسم النساء وعندها ممرضة، وأنت تريد أن تشكي على الممرضة أو تطلب منها أن تفعل لها شيئاً، فتكلمها وأنت مطأطئ الرأس خجلان، ولكن بعضهم يأخذ في الكلام ويعطي ويقول: إنها ضرورة، فهذه ليست ضرورة، الضرورة أن تكلمها قدر الحاجة ولا تتلفت فيها، وغض بصرك، حتى إذا رأتك خجلت، وعرفت أنك لست ممن يلعبون.
стр. 1978
السنن الواردة عن النبي ﷺ
السؤال
هناك بعض الناس لا يعرفون بعض المسنونات الواردة عن رسول الله ﷺ فنرجو منك تبيينها؟
الجواب
نريد عشرين ندوة لكي نبين السنن التي ينبغي تبيينها عن النبي ﷺ ، لكن السنن واردة وموجودة في كتب أهل العلم وعلى الأخ السائل أن يبين السنة التي يريدها، والوقت ضيق وأنا طولت عليكم.
стр. 1979
حكم القول بأن دراسة القرآن تعيق عن دراسة غيره
السؤال
بعض الناس وخاصة الطلاب يقولون: الدراسة للقرآن تعطل عن دراسة الجامعة ولا ترفع المعدل؟
الجواب
هذا كذب، والله لا يرفع معدلك إلا القرآن، ادرس القرآن والله يرفع معدلك في الجامعة، أما أن تترك القرآن لكي ترتفع معدلاتك في الجامعة، فلا.
ولو ارتفع معدلك في الجامعة فلن يرتفع معدلك في الآخرة، لكن ادرس القرآن فإن الأمة كلها ما أثرت إلا يوم أن كانت تبدأ بالقرآن، وكان أول شيء عند الناس القرآن، وقبل ست سنوات إلى اثنا عشرة سنة كانوا يعلمون أولادهم القرآن، ثم بعد ذلك يدخلونه في العلوم فيفتح الله عليهم، لكن في الوقت الحاضر لا نعلم أولادنا القرآن فيصبحون جهالاً، والعياذ بالله؛ لأن الذي يتعلم القرآن يقيم لسانه ولغته، وينور الله قبله، فيسعده في الدنيا والآخرة، لكن ذلك الأعمى الذي لم يعرف من القرآن شيئاً، فهو أعمى إلى أن يموت والعياذ بالله.
стр. 1980
حكم إمامة المتنفل بالمفترض والعكس
السؤال
هل يؤم المتنفل صاحب النافلة أم العكس؟
الجواب
كلاهما جائز، فإذا كان المتنفل هذا قارئ جاز أن يؤم صاحب الفريضة إذا كان غيره؛ لأن معاذ بن جبل كان يصلي إماماً بأهل قباء، وكان يصلي مفترضاً مع النبي ﷺ ثم يعود إلى أهل قباء فيصلي بهم النافلة وهو إمام، فتجوز إمامة المتنفل بالمفترض والعكس، فإذا كنت تريد أن تتصدق على شخص وأنت قارئ، وقدمك تصلي به فصل به، وصلاتك صحيحة إن شاء الله.
стр. 1981
حكم نسيان القرآن بعد حفظه
السؤال
ما حكم من يحفظ القرآن أو شيئاً منه ثم ينساه؟
الجواب
ورد حديث عند الترمذي ولكنه ضعيف ولا يحتج به، وهو: (عرضت عليَّ أجور أمتي فرأيت فيها القذارة يخرجها الرجل من المسجد، وعرضت عليَّ ذنوب أمتي فلم أر فيها ذنباً أعظم من رجل أوتي شيئاً من القرآن ثم نسيه) والعلماء يقولون: هذا الحديث ليس على إطلاقه وإنما نحمله إذا أردنا الاستشهاد به على من نسي القرآن عن طريق الإهمال وعدم المراجعة والمذاكرة له، يعني شخص حفظ القرآن، ثم بعد ذلك أهمله، فهذا لا شك أنه يأثم لأنه يعتبر هاجراً، أما من يقرأ القرآن وحفظه وداوم عليه باستمرار ولكن يتفلت منه وينساه من غير اختيار منه، وإنما لضعف ذاكرته أو لعدم إحاطته وقدرته على المراجعة الشاملة باستمرار؛ فإن ذلك إن شاء الله معفو عنه ولا يؤاخذ عليه؛ لأنه خارج عن إرادته.
أما من هجر القرآن وتركه وأهمله ولم يرفع به رأساً، وقد حفظه ثم تركه حتى نسيه، لا شك أن هذا يتعرض لوعيد شديد، نعوذ بالله وإياكم من ذلك.
نسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يجعل هذا الاجتماع اجتماعاً مرحوماً، وأن يجعل التفرق من بعده تفرقاً معصوماً، وألا يبقي فينا ولا معنا ولا منا شقياً ولا محروماً، إنه على كل شيء قدير، والله أعلم.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 1982
من أسباب دخول الجنة
قد منّ الله على عباده الصالحين أن جعل لهم دار كرامة واستقرار في حياة سرمدية أبدية لا موت فيها وقد جعل الله لهذه الدار طريقاً يسير عليه الصالحون في هذه الحياة، وهو عبادة الله وحده بفعل ما أمر واجتناب ما نهى عنه وزجر.
وقد ذكر الله الجنة ونعيمها وما أعد لأهلها من نعيم مقيم وفرحة وسرور؛ لكي يشمر العبد إلى الطاعة، ويحظى بهذا الشرف وهذه المنزلة التي أعدها الله لعباده المتقين.
стр. 1983
طريق الشقاء وطريق السعادة
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: أيها الإخوة في الله: الجنة والنار هما المحلان المعدان والمهيآن للناس ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى:٧].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار:١٤].
يقول الناظم في إطار هذا المعنى:
الموت بابٌ وكل الناس داخله يا ليت شعري بعد الباب ما الدار
فأجابه الآخر:
الدار جنة عدنٍ إن عملت بما يرضي الإله وإن خالفت فالنار
هما محلان ما للمرء غيرهما فاختر لنفسك أي الدار تختار
وما أظن عاقلاً يسير إلى النار، فالإنسان الآن يحذر من التعرض لعوامل الجو فيواجهها، إن كان الجو حاراً استعمل التكييف، وإن كان الجو بارداً استعمل وسائل التدفئة، وإذا كان في مكانٍ بارد نزل إلى المكان الدافئ، وإذا جاء الصيف وهو في مكان حار ذهب إلى المكان المعتدل، لكن من الناس من يلغي عقله، ويعيش طوال حياته، ويقطع مراحل عمره متزوداً بسخط الله وغضبه ولعنته، متجهزاً إلى النار، في كل يومٍ يخطو خطوة إلى النار، هذا إن دخل النار يجزم أنه ما كان عاقلاً، يقول الله عنهم: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك:١٠] يقول: لو كان عندنا عقول وعندنا أسماع ما دخلنا النار، قال الله : ﴿فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقاً لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك:١١] أي: بعداً وهلاكاً لهم، ولا يغني عنهم اعترافهم شيئاً.
لكن أهل الإيمان أهل الجنة يقول فيهم ربنا بعدها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [الملك:١٢] هؤلاء لهم مغفرة من الله وثواب عظيم.
يا أيها الإنسان: أنت واقف أمام المفترق، الآن أمامك طريقان، وبإمكانك أن تسلك أحد الطريقين، يقول الله : ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد:١٠] أي: دللناه على الطريقين، ويقول : ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس:٧ - ١٠].
هذه الجنة غرسها الله بيده، وجعلها مقراً لأحبابه، ووصفها بوصفٍ في القرآن الكريم تطير إليه القلوب شوقاً من باب استعجال الناس، يقول الله : ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ﴾ [الحديد:٢١]-نسأل الله من فضله- هذا الفضل ليس أنك تكون في وظيفة، أو منصب، أو عندك عمارة، أو سيارة، أو زوجة، أو رصيد، فهذا فضل حتى الكفار معهم مثله، لكن فضل الله هو أن تدخل الجنة، ولهذا يقول الله : ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران:١٨٥] ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد:٢١].
ويقول : ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [آل عمران:١٣٣ - ١٣٦].
стр. 1984
صفة الجنة ونعيمها
هذه الجنة -أيها الإخوة- لدخولها أسباب، وقبل أن نعرِّج على الأسباب نريد أن نصفها كما وصفها الله في كتابه لعل القلوب تشتاق إليها:
هي جنة طابت وطاب نعيمها فنعيمها باقٍ وليس بفان
أو ما سمعت بأنه سبحانه حقاً يكلم حزبه بعيان
ويرونه من فوقهم سبحانه نظر العيان كما يرى القمران
هذه الجنة أعد الله فيها من النعيم ما لا يمكن أن يتصوره العقل، يقول الله : ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ﴾ [السجدة:١٧] كل ما خطر في ذهنك اسرح بالخيال الجنة بخلافه، يقول : ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٧].
ويقول : ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً * عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً﴾ [الإنسان:٥ - ٦].
ويقول : ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر:٥٤ - ٥٥].
ويقول : ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ﴾ [الحجر:٤٦].
ويقول : ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ﴾ [الزخرف:٧٠].
الحبور: هو غاية البسط والمنى، أي: يعيش الإنسان في حبور.
يقول العلماء: السرور حالة من الانبساط لكنها لا تستمر، تنبسط يوماً ثم يأتيك ما يغير عليك.
أحلى اللحظات عندك -أيها الإنسان- أنك في بداية عمرك، إذا تزوجت تعيش شهراً أو أيام العسل، لكن هل يستمر هذا الشهر أو الأسبوع، بعضهم تحصل لهم مشاكل مع زوجاتهم ثاني يوم أو مع عماتهم أو مع أعمامهم فلا يجد السرور، لكن الحبور قالوا: هو السعادة والنعيم الذي ليس له منغص، وهو في الجنة، يقول : ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ * يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف:٧٠ - ٧٢].
هذه الجنة وهذا النعيم بالإضافة إلى كونه لا يتصور أيضاً هو نعيم دائم، والنعيم الدائم ليس كالنعيم الزائل، الآن مرحلة الشباب والفتوة والقوة مرحلة من مراحل العمر، أي: فترة ذهبية في حياة الإنسان، لكن هل يستمر الشباب؟ لا.
ستعيش أياماً ثم يأتيك الشيب والشيخوخة، حتى قال الناظم:
ألا ليت الشباب يعود يوماً فأخبره بما فعل المشيب
يقول: ليته يرجع حتى أريه ما فعل المشيب فيّ.
وقد قيل: إن رجلاً كبير في السن كان يمشي على عصا، وكان يمشي بخطوات ثقيلة، لا يستطيع أن ينقل رجله إلا بصعوبة.
وشاب آخر كان يمشي أمامه ويدق الأرض بأرجله، ويقول: ما بك لا تمشي بقوة؟! قال: الذي قيدني هو الزمن وهو الآن يعد قيدك؛ وسوف يقيدك بعد سنوات.
فالشباب ينتهي، والعافية تنتهي، والسرور ينتهي، والحياة في القصور تنتهي، وكل شيء من متاع الدنيا ينتهي، ويقف الإنسان بعد لحظة من لحظات العمر عند جدارٍ اسمه الموت وليس معه من الدنيا شيء، يقول الله: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾ [الأنعام:٩٤].
стр. 1985
نعيم الجنة لا ينفد
النعيم الذي لا ينفد هو نعيم الجنة -أيها الإخوة- ﴿وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الزخرف:٧١].
يقول العلماء: إن أعظم نعيم يعطاه أهل الجنة حينما يطمئنون على أنهم خالدون فيها، فلا يموتون، ولا يتحولون، ولا يهرمون، ولا يشيبون، ولا يمرضون، وإنما نعيم، وكذلك لا توجد عبادة في الجنة، لا توجد صلاة ولا صيام، قد صليت وقد صمت هنا، ما بقي إلا نعيم في نعيم، وكل ما فيها نعيم نسأل الله وإياكم من فضله.
وأعظم ما جاء في وصفها في كتاب الله وفي سنة رسول الله ﷺ ، ووصفها أيضاً ابن القيم ﵀ في كتاب عظيم له اسمه: حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح، فالروح شبهها ابن القيم مثل الراحلة، والراحلة إذا أردت أن تسري، وتقطع المسافة، فإنه يلزمك أن تحدو لها، والحدو يعرفه أصحاب الإبل؛ الإبل تسري في الليل؛ لأن الشمس تظميها في الصحاري، فيقيلون بها لكن إذا جاء الليل سرت، وإذا سرت تحتاج إلى من ينشد لها بعض الأشعار، فإذا أنشد لها الأشعار همجلت أي: جرت، ولهذا يقول ﵊ لـ أنجشة؛ وأنجشة كان يحدو الإبل وعليها النساء، وكان صوته طرياً وندياً وكان يحدو بصوت شجي، فيجعل الإبل تركض ركضاً حتى كادت أن تكسر النساء، فقال ﵊ له: (رفقاً بالقوارير يا أنجشة) أي: قليلاً من حدوك حتى لا تكسر الجمال النساء اللاتي عليها.
يقول: هذه الروح راحلة والحادي لها ما ذكره الله من كلامه ومن كلام رسوله ﷺ من أجل أن تسارع، وتقطع الطريق بسرعة إلى الجنة.
стр. 1986
صفة أرض الجنة وترابها
يقول ابن القيم في كتابه حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح: إن سألت عن أرضها -أرض الجنة- وتربتها فهو المسك والزعفران -المسك والزعفران هو التربة والأرضية التي في الجنة-.
وإن سألت عن سقفها -سقف الجنة- فهو عرش الرحمن.
وإن سألت عن ملاطها فهو المسك الأذفر.
وإن سألت عن حصبائها -الحصباء: الحجر- فهو اللؤلؤ والجوهر.
وإن سألت عن بنائها فلبنة من ذهب ولبنة من فضة.
هذه كلها أحاديث.
стр. 1987
صفة أشجار الجنة وثمارها
وإن سألت عن أشجارها فما فيها شجرة إلا وساقها من ذهب.
وإن سألت عن ثمرها فأمثال القلال ألين من الزبد، وأحلى من العسل.
وإن سألت عن ورقها فأحسن ما يكون من رقائق الحلل.
стр. 1988
صفة أنهار الجنة
وإن سألت عن أنهارها -أنهار الجنة- فكل رجل من أهل الجنة أو امرأة من أهل الجنة يجري من تحت بيته أربعة أنهار ﴿أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ [محمد:١٥] الماء إذا ركد تعفن وأسن، لكن أنهار الجنة لا تأسن.
﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ﴾ [محمد:١٥] اللبن في أول يوم يكون طعمه طيباً، وفي ثاني يوم يحمض، وفي ثالث يوم يزداد حموضة، وبعد أسبوع تنتهي صلاحيته، أما أنهار الجنة فلا يتغير طعمها.
﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾ [محمد:١٥] ليس كخمر الدنيا؛ فخمر الدنيا يعطل العقل ويضيع اللب، ويحول الإنسان إلى حيوان، يقول الناظم ابن الوردي في لاميته:
واترك الخمرة لا تشربها كيف يسعى في جنونٍ من عقل؟
شخص عاقل يأخذ له شيئاً يجعله مجنوناً يركب على ابنته وعلى أمه وعلى أخته!! من هذا الإنسان؟! هذا ليس بإنسان، ولهذا سميت الخمر: أم الخبائث -والعياذ بالله- وهي من أكبر الكبائر، ومن السبع الموبقات -نعوذ بالله وإياكم منها-.
﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفّىً﴾ [محمد:١٥] وقد لا يفهم عقلك هذا النهر؛ لأنك ما تعودت في الدنيا إلا أن ترى نتفاً بسيطة من العسل، يقول أحد الإخوة: ما شبعنا في العسل غماس، فكيف بأنهار من تحت بيتك؟! لكن ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد:٢١].
стр. 1989
طعام أهل الجنة وشرابهم
وإن سألت عن طعامهم؟ ﴿وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ * وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ [الواقعة:٢٠ - ٢١].
وقد ورد في الحديث: أن الإنسان إذا تمنى الفاكهة وهو جالس ينزل الغصن فيتناوله من قرب، يقول الله: ﴿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلاً﴾ [الإنسان:١٤] لا حاجة لأن تقوم، وأنت جالس يأتيك الغصن فتأخذ الحبة ويرجع وأنت نائم، فقد ذللت لك.
وبعد ذلك ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ [الواقعة:٢١] وورد أن الرجل يتمنى الطير وهو يسبح في الفضاء فيقع مشوياً في حجره، يرفع له جناحه فيأكل منه حتى يشبع، ثم يرجع ويطير، عقلك لا يفهم هذا، لكن عليك أن تصدق به؛ لأن المخبر به هو رسول الله ﷺ ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ﴾ [الواقعة:٢١] واختار الله لحم الطير؛ لأنه أفضل اللحوم، ويدخل فيه لحم الدجاج، لكن لما كثر الدجاج أصبح عندنا من أردأ اللحوم، وإلا لو أنه ليس موجوداً لكان من أفضل اللحوم، لأن أفضل اللحوم لحوم الطيور؛ لأنها تفيد الجسم، وليس فيها أي ضرر، بل هي لذيذة وسهلة الهضم، وتفيد الجسم أكثر من بقية اللحوم الأخرى.
وبعد ذلك: وإن سألت عن شرابهم؟ -شراب أهل الجنة- فالتسنيم والزنجبيل والكافور.
وإن سألت عن آنيتهم؟ فالذهب والفضة؛ ولهذا حرمت علينا في الدنيا؛ لأنها لنا في الجنة.
стр. 1990
سعة أبواب الجنة وملك أهلها فيها
وإن سألت عن سعة أبوابها -المساحات التي يدخل منها الناس-؟ كلما زادت البوابة سعة كلما كان القصر مشرقاً، ألا ترى باب بيتك الصغير متراً، لكن باب عمارة أكبر منه تجعله ثلاثة أمتار، وإذا كان قصراً جعلوا بابه عشرة أمتار، فأبواب الجنة يقول عنها ﵊: (ما بين المصراعين مسيرة أربعين عاماً، وليأتين عليه يومٌ وهو كظيظ من الزحام) -نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من المزاحمين على هذا الباب- أنت لست لوحدك يا أخي في هذا الطريق، بعض الشباب إذا اهتدى والتزم ظن أنه يسلك الطريق وحده، لا.
معك عباد الله، منذ بعث الأنبياء إلى أن تقوم الساعة وهم مبثوثون في الأرض، يوم القيامة ستأتي لحظة من اللحظات على هذه الأبواب -وهي ثمانية أبواب ما بين المصراعين يعني: فتحة الباب، من المصراع إلى المصراع مسيرة أربعين عاماً- وهي مملوءة بعباد الله الصالحين -اللهم اجعلنا منهم يا رب العالمين-.
وإن سألت عن ظلها ففيها شجرة يقال لها: طوبى، يسير الراكب المضمر جواده في ظل الفنن الواحد مائة عام ما يقطعه، المضمر أي: الذي جوع جواده واستعد للسباق، يسير في الظل الواحد للفنن -للغصن الواحد- مائة عام لا يقطعه.
فكيف بالشجرة كلها؟ وإن سألت عن سعتها فأدنى أهل الجنة يسير في ملكه وسروره وقصوره مسيرة ألفي عام ما يقطع ملكه، لما رواه ابن مسعود ﵁ في صحيح مسلم عن أدنى أهل الجنة منزلة قال: [يعطى قدر الدنيا وعشرة أمثالها، قال: يا ابن أم عبد! تقول هذا أقل منزلة فكيف بأعلى منزلة؟ قال: ما لم تر عين، ولم تسمع أذن، ولم يخطر على قلب بشر].
стр. 1991
صفة خيام الجنة وأهلها
وإن سألت عن خيامها فالخيمة الواحدة من درة مجوفة طولها ستون ميلاً.
وإن سألت عن ارتفاعها فانظر إلى الكوكب الغابر في الأفق لا تكاد تناله الأبصار.
وإن سألت عن لباس أهلها فهو الحرير والذهب.
وإن سألت عن فرشهم فبطائنها من استبرق مفروشة في أعلى الرتب.
وإن سألت عن وجوه أهلها فوجوههم على صورة القمر.
وإن سألت عن أسنانهم -السن- فأبناء ثلاثٍ وثلاثين، والصورة صورة يوسف، والطول طول آدم.
стр. 1992
سماع أهل الجنة وما أعد الله لهم فيها
وإن سألت عن سماعهم -سماعهم أي: كيف يقضون أوقاتهم؛ لأنهم في الدنيا ليس عندهم سماع، عندهم سماع لكلام الله، سماع للعلم، سماع لخطاب الله، لكن في الجنة ليس من ذلك شيء، لا يوجد إلا سماع خاص، لا يوجد إلا طرب، ولا يوجد إلا التمتع- فغناء أزواجهم من الحور العين، وسماع الملائكة المسبحين، وأعلى من ذلك خطاب رب العالمين.
وقد ورد أنه تركب في شجر الجنة مزامير من مزامير آل داود، في كل شجرة مزماراً، ثم تهب ريحٌ من تحت العرش يقال لها: المثيرة، تهب على تلك المزامير فتعزف تلك المزامير بألحانٍ ما سمعت بمثلها الآذان، ولهذا لا تتصور -يا أخي- عندما تترك الأغاني أنك خسران، لا والله لست بخسران، الخسران الذي يغني، يسمع عواء وصياح أهل النار وهو معهم، لكن أنت إذا تركت الأغاني فإنك سوف تسمع هذا الكلام، تغني لك الحوريات وهن يقلن:
نحن الراضيات فلا نبأس نحن الخالدات فلا نبيد
طوبى لمن كنا له
هذا هو الطرب الصحيح.
وإن سألت عن مطاياهم -أي: المطايا التي يتزاورون عليها- فنجائب أنشأها الله مما شاء، تسير بهم حيث شاءوا من الجنان.
وإن سألت عن حليهم فأساور الذهب واللؤلؤ على الرءوس، وعلى الرءوس ملابس التيجان.
وإن سألت عن غلمانهم -أي الخدم الذين يخدمونهم- فولدان مخلدون كأنهم لؤلؤ مكنون.
هذا الخادم مثل اللؤلؤة فكيف يكون حال المخدوم؟ لا يعلم ذلك إلا الله.
وإن سألت عن زوجاتهم، وهنا ينبغي لك أن تفرح، لماذا؟ لأنك محروم في الدنيا من الحرام، محروم من الزنا، محروم من النظر المحرم، ولك زوجة حلال، أو زوجتين، أو ما استطعت من الزوجات بحدود أربع، لكن إذا ما قدرت فعليك أن تستعف وتصبر، واسمع ما أعد الله لك في الجنة، يقول الله : ﴿وَحُورٌ عِينٌ * كَأَمْثَالِ الْلُؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ [الواقعة:٢٢ - ٢٣].
ويقول : ﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ﴾ [الرحمن:٥٦] وبعد ذلك يقول: ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن:٥٨].
ويقول : ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ [الصافات:٤٩].
стр. 1993
صفة عرائس الجنات
يقول ابن القيم: وإن سألت عن عرائسهم فهن الكواعب الأتراب، الكاعب: المرأة التي لها ثدي لم يتدل ولا يزال في مكانه، أتراب: في سن واحدة لسن بعجائز ولا صغار كلهن في سن واحدة، اللاتي جرى في أغصانهن ماء الشباب، فالحيوية والشباب تجري في كل عرق من عروقها، فللورد والتفاح ما لبسته الخدود -إذا رأيت وردة أو تفاحة فهذا هو شكل خد الحورية- وللرمان ما تضمنته النهود، وللؤلؤ المنظوم ما حوته الثغور، وللرقة واللطافة ما دارت عليه الخصور، تجري الشمس من محاسن وجهها إذا برزت، ويضيء البرق من ثناياها إذا ابتسمت، إذا ضحكت في وجه زوجها يضيء في الجنة برق، فيرفع أهل الجنة وجوههم ورءوسهم إلى السماء: ما هذا؟! قالوا: هذه حورية تبسمت في وجه زوجها، مثل البرق -نسأل الله من فضله-.
إذا قابلت زوجها فقل ما تشاء من تقابل النيرين -أي: الشمس والقمر- وإن حادثته فما ظنك بمحادثة الحبيبين، يرى وجهه في صحن خدها وفي صدرها وفي كبدها كما يرى في المرآة التي جرى صقلها، ويرى مخ ساقها من وراء الحلل لا يستره جلدها ولا عظمها ولا حللها، لو اطلعت على الدنيا لملأت ما بين الأرض والسماء ريحاً، حتى لو أن شخصاً مزكوماً في المشرق وهي في المغرب فإنه يشمها، رائحة ليست من روائح الدنيا، لو اطلعت على الأرض لملأت ما بين السماء والأرض ريحاً، ولاستنطقت أفواه الناس تهليلاً وتكبيراً وتسبيحاً، كل شخص ينظر إليها يقول: لا إله إلا الله! شيء مدهش! شيء يثير العجب! ولتزخرف لها ما بين الخافقين، ولأغمضت عن غيرها كل عين، ولطمست ضوء الشمس، ولآمن من على ظهرها بالله الواحد القيوم.
نصيفها -الخمار- على رأسها خيرٌ من الدنيا وما فيها، ووصلها أشهى له من جميع أمانيها، لا تزداد على طول الزمان إلا حسناً وجمالاً، ولا يزداد على طول المدى إلا محبةً ووصالاً، مبرأة من الحمل والولادة، والحيض والنفاس، زوجة الدنيا شهر واحد شهر العسل، وبعد ذلك قالت: حملت، إذاً خذ المصائب من يوم أن تحمل، فتتقيأ ثلاثة أشهر، وكذلك تخاصمك على أقل مشكلة، يسمونه وحماً، وبعد ذلك حملت وولدت، ثم تهتم بالولد وجعلتك بعيداً منها، هذه زوجة الدنيا، لكن زوجة الآخرة، لا.
لا يوجد حمل، تأتيها بكراً وتعود وهي بكر، يعود لها كما كانت وكما خلقها الله ، وبعد ذلك لا يوجد نفاس ولا حيض ولا ولادة، وبعد ذلك مطهرة من المخاط، ومنظفة من البول والغائط والبصاق وسائر الأدناس، لا تزداد مع طول الزمان إلا حسناً وجمالاً، لا يفنى شبابها، ولا تبلى ثيابها، ولا يخلق ثوب جمالها، ولا يمل طيب وصالها، قد قصرت طرفها على زوجها، فلا تطمح لأحدٍ سواه، وقد قصر طرفه عليها، فلا يطمح لأحدٍ سواها، فهي غاية أمنيته وهواه، إن نظر إليها سرته، وإن أمرها أطاعته، وإن غاب عنها حفظته، فهو معها في غاية المتعة والأماني والأمل، هذا وأيضاً لم يطمثها قبله إنس ولا جان، إذا برزت ملأت القصر نوراً.
وإن سألت عن سنها ففي سن أعدل الشباب.
وإن سألت عن الحدق -حدق العيون-؛ لأن الله وصف العيون في الجنة، فقال: ﴿وَحُورٌ عِيْن﴾ [الواقعة:٢٢] وفي هذا يقول العلماء: إن وصف المرأة بجمال عينيها يدل على أن أجمل ما تملكه المرأة من جمالٍ ومن فتنة عينيها، ولهذا إذا أرادت أن تتحجب ماذا تحجب؟ وجهها، لماذا؟ من أجل عيونها، لكن الشيطان أفتى النساء الآن، فقال: تحجبي وأظهري عيونك، ماذا بقي إذا أظهرت المرأة العينين قتلت عباد الله بالعينين، فإذاً اكشفي؛ لأن الرجل إذا نظر المنظر كاملاً يعطي نظرة وتقييماً للمنظر كله، يمكن أن يكون الأنف ليس جميلاً، أو الفم ليس جميلاً، أو الجبهة أو الخدود أو أي شيء، لكن إذا ظهرت العينين فقط، فمهما كانت المرأة قبيحة فعيونها جميلة، حتى قلت مرة من المرات في محاضرة من محاضرات تبوك: حتى العنز، إذا كان لديك عنز في بيتك وألبستها برقعاً فانظر كيف تكون عيون العنز؛ لأن العنز عيونها جميلة، لكن يخرب عيونها فمها وقرونها ومسامعها، فإذا رأيت منظر العنز كله تقول: عنز، لكن غط قرونها ومسامعها وأنفها، وضع على عيونها برقعاً فعندما تراها تسقط أمامها.
وكذلك بعض النساء تفتن الناس، ولذا الآن -سبحان الله! - الشيطان يشرع للناس ويطيعونه، معظم النساء الآن في الشوارع أخذن بهذه الموضة، كانت خرقاً صغيراً والآن وسعوه قليلاً، والآن بدأنا نرى نساءً أظهرن العينين وأظهرن الأنف، صار مثلثاً ليس متساوياً، وبعد أيام يظهرن الفم، أي تدرج خطوات من الشيطان والعياذ بالله.
فالله وصف نساء الجنة فقال: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ [الواقعة:٢٢] أي عينها حوراء، قالوا: ما هو الحور؟ قال: هو شديد بياض العين مع شدة سعة الحدقة، أي: اللون الأسود وسيع، والعين بيضاء صافية، يحار الطرف فيها، إذا نظرت فيها تحور عينك فلا تستطيع معاودة النظر.
يقول: وإن سألت عن الحدق فأحسن سواد في أصفى بياض في أحسن حور.
وإن سألت عن القدود -أي: الطول- فهل رأيت أحسن الأغصان؟ وإن سألت عن النهود فهن الكواعب نهودهن كألطف الرمان.
وإن سألت عن اللون فكأنهن الياقوت والمرجان.
стр. 1994
أخلاق نساء أهل الجنة
وإن سألت عن الأخلاق -أخلاق أهل الجنة من نساء الجنة- فهن الخيرات الحسان، يقول الله: ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ﴾ [الرحمن:٧٠] خيرة يعني: ليس فيها شر أبداً.
خيرات حسان: اللاتي جمع لهن بين الحسن والإحسان.
وإن سألت عن حسن العشرة فهن المتحببات إلى الأزواج، بلطافة التبعل، فما ظنكم بامرأة إذا ضحكت في وجه زوجها أضاءت الجنة من ضحكها.
وإذا انتقلت من غرفة إلى غرفة قلت: هذه الشمس متنقلة في بروج فلكها.
وإن غنت لزوجها فيا لذة الأبصار والأسماع، وإن آنست وأمتعت فيا حبذا تلك المؤانسة والإمتاع.
وإن قبلت فلا شيء أشهى من تلك القُبل.
стр. 1995
المقصود بالزيادة في الجنة
وإن سألت عن يوم المزيد؟ يوم المزيد هذا عيد أهل الجنة، مثل يوم الجمعة في الدنيا، يقول الله: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق:٣٥] هذا المزيد يحصل فيه شيء وهو التجلي: وهو أن الله يراه أهل الجنة في الجنة في ذلك اليوم -نسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يمتع أبصارنا بالنظر إلى وجهه الكريم في الدار الآخرة، نحن وآباؤنا وأمهاتنا وإخواننا وجميع إخواننا المسلمين-.
إن سألت عن يوم المزيد، وزيارة العزيز الحميد، ورؤية وجهه المنزه عن التمثيل والتشبيه، كما ترى الشمس في الظهيرة، وكما ترى القمر ليلة البدر لما جاء في الصحيحين: (إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة النصف لا تضامون في رؤيته) وفي هذه الأحاديث وفي هذه الآيات رد وإبطال لمعتقد الذين يعتقدون: أن الله لا يُرى في الجنة، وهم المعتزلة، وبعض الفرق الضالة الذين ينكرون أدلة صريحة صحيحة من كتاب الله ومن سنة رسول الله ﷺ ، كما تواتر عن الصادق المصدوق، وذلك موجود في الصحاح والسنن والمسانيد من رواية جرير، وصهيب، وأنس، وأبي هريرة، وأبي موسى، وأبي سعيد يقول: فاستمع يوم ينادي المنادي يقول: يا أهل الجنة! إن الله ﵎ يستزيركم -من أجل المواجهة والمقابلة- فحي على زيارته فيقولون: سمعاً وطاعة.
وينهضون إلى الزيارة مبادرين، فإذا بالنجائب قد هيئت، حتى إذا انتهوا إلى الوادي الأفيح الذي جعل لهم موعداً، وجمعوا هناك فلا يغادر الداعي منهم أحداً، أمر الرب ﵎ بكرسيه فينصب هناك، ثم نصبت لهم منابر من لؤلؤ، ومنابر من نور، ومنابر من زبرجد، ومنابر من ذهب، ومنابر من فضة، وجلس أدناهم -درجاتهم هناك على حسب درجاتهم في الدين هنا- أدنى الناس من يجلسون على كثبان من المسك لا يرون أن أصحاب الكراسي فوقهم بالعطايا -الذي فوق يعرف أنه أحسن من الذي تحت، والذي تحت لا يرى أن ذاك أحسن منه، من أجل لا يصير في قلبه شيء؛ لأن الله يقول: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر:٤٧]- حتى إذا استقرت بهم مجالسهم واطمأنت بهم أماكنهم نادى المنادي: يا أهل الجنة! إن لكم عند الله موعداً يريد أن ينجزكموه، فيقولون: ما هو؟ ألم يبيض وجوهنا، ويثقل موازيننا، ويدخلنا الجنة، وينجينا من النار؟ فبينما هم كذلك إذ سطع لهم نورٌ أشرقت له أطراف الجنة، فرفعوا رءوسهم فإذا الجبار ﷻ وتقدست أسماؤه وصفاته قد أشرف عليهم من فوقهم وقال: يا أهل الجنة! سلام عليكم، فلا ترد هذه التحية بأحسن من قولهم: اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام، فيتجلى لهم الرب ﵎ يضحك إليهم ويقول لهم: يا أهل الجنة! فيكون أول ما يسمعون منه تعالى: أين عبادي الذين أطاعوني بالغيب ولم يروني؛ -الله أكبر! - فهذا يوم المزيد؟ فيجتمعون على كلمة واحدة: أن قد رضينا فارض عنا، فيقول: يا أهل الجنة! إني لو لم أرض عنكم لم أسكنكم جنتي، هذا يوم المزيد، فاسألوني، فيجتمعون على كلمة واحدة: أرنا وجهك ننظر إليه -هذا أعظم نعيم لأهل الجنة، نعبد الله ونوحده ولكن إذا رأيناه زاد نعيمنا، نسأل الله أن يمتع أبصارنا بالنظر إلى وجهه الكريم- أرنا ننظر إليك، فيكشف لهم الرب ﷻ الحجب، ويتجلى لهم، فيغشاهم من نوره ، لولا أن الله قضى ألا يحترقوا لاحترقوا، ولا يبقى في ذلك المجلس أحد إلا حاضره ربه محاضرة، أي: مكالمة (ما منكم من أحد إلا وسيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان) يتكلم معك رب العالمين، لا إله إلا الله! حتى أنه يقول لبعض أهل الجنة: يا فلان! أتذكر يوم فعلت كذا وكذا -يذكره ببعض معاصيه في الدنيا- فيقول: رب بلى.
ألم تغفر لي؟ قال: بلى غفرت لك؛ بمغفرتي بلغت منزلتك هذه.
فيا لذة الأسماع بتلك المحاضرة! ويا قرة العيون بالنظر إلى وجهه الكريم في الدار الآخرة! ويا ذلة وخيبة الراجعين بالصفقة الخاسرة! ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ * تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٥].
الفاقرة: المصيبة التي تكسر الفقار، وتكسر الظهر، ما أعظم منها وهي النار -أجارنا الله وإياكم من النار-.
هذه الجنة أيها الإخوة! وما فيها من النعيم يقابلها النار، ولذا يقول أحد السلف: لو أن الله تعبدنا بالدين وأخبرنا أن الذي يطيعه له الجنة، والذي لا يطيعه يصير تراباً، لكان حريٌ بنا أن نطيعه من أجل الجنة.
ولو أنه تعبدنا وأعد لنا النار وقال: من أطاعني صيرته تراباً، ومن عصاني أدخلته النار، لكان حريٌ بنا ألا نعصيه، من أجل النار، فكيف والله تعبدنا وقال لنا: من أطاعني أدخلته الجنة ونجيته من النار، ومن عصاني حرمته من الجنة وأدخلته النار!
стр. 1996
أسباب نيل رحمة الله الموجبة لدخول الجنة
هذه الجنة -أيها الإخوة- يقول فيها النبي ﷺ : (لن يدخل أحدكم الجنة بعمله) أي: لا تتصور -يا أخي في الله- أن عملك هذا هو ثمن الجنة، لا.
ليس عملك، فكر فيه، هذه الصلاة أديتها بجسدك، جسدك من الذي خلقه؟ الله، أجل أنت تعبد الله بجسدٍ خلقه الله، مالك الذي أنفقته من أين؟ من الله، أجل أنت تنفق من مال الله، كل ما تعمله من عمل صالح لو فكرت فيه، ورجعت في أسبابه تجده من الله، أجل ما من شيء تعمله إلا وهو من الله حتى تأخذ على هذا العمل الجنة.
قال الصحابة: (ولا أنت يا رسول الله؟) لأن الرسول كان أعبد خلق الله، كان يقوم الليل حتى تتفطر قدماه، وكان يذكر الله في جميع أحواله، وقد حمل هم هذا الدين، وواجه البشرية لوحده بهذا الدين ونصره الله، فهو أعظم البشر ﵊، ما من حسنة تجري في الأرض إلا وله مثلها في دواوينه، كل من عبد الله منذ بعثته إلى يوم القيامة له مثل عمله.
هذا الرسول الكريم قالوا: ولا أنت، يعني: مع ضخامة عملك، ولا أنت؟ قال: (ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته).
فالجنة ليس سببها ولا ثمنها عملك، ولكن سببها رحمة الله -نسأل الله أن يشملنا برحمته-.
ولكن هناك أسباب تتعرض نيل رحمة الله ، فإذا عملت بهذه الأسباب كنت مؤهلاً لنيل رحمة الله التي بموجبها تدخل الجنة.
أما أن تتصور أن هذه الأسباب هي التي تنال بها الجنة فلا، الجنة تنال برحمة الله، والرحمة تنال بالأسباب، فتعرض لرحمة الله بنيلها عن طريق فعل هذه الأسباب، والأسباب كثيرة مذكورة في كتب العلم، جاءت في القرآن وفي السنة، لكني استطعت أن أحصر منها اثني عشر سبباً وهي كالآتي:
стр. 1997
الإيمان والعمل الصالح
أول سبب وأعظم سبب: الإيمان والعمل الصالح؛ لأن الله يقول: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:٨٢] الإيمان: وهو التصديق والجزم بالقضايا التي أخبرنا الله بها: الإيمان بالله، والإيمان بكتبه وبرسله وبملائكته، وبالبعث بعد الموت، وبالقدر خيره وشره.
هذه أركان الإيمان الستة.
الإيمان بالجنة، والإيمان بالنار، والإيمان بعذاب القبر ونعيمه، وبالجن، وبالصراط، وبالحوض، وبالكتب، وبمظلة الرحمن، وكل ما أخبر الله به من المغيبات نؤمن بها، معنى الإيمان: الجزم واليقين أي: تعقد قلبك على هذا كقضية لا نقاش فيها ولا شك.
والعمل الصالح: هو فعل طاعة الله وترك المعصية.
فبالإيمان والعمل الصالح تنال الجنة بإذن الله .
стр. 1998
التقوى
التقوى: أن تجعل بينك وبين عذاب الله وقاية، بفعل أمره وترك نهيه.
وقد سئل أحد السلف عنها فقال: [هي الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والرضا بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل].
وسئل آخر عن التقوى؟ فقال: "أرأيت إذا دخلت في وادٍ كثير الشوك وأنت حافٍ ماذا تصنع؟ قال: أشمر وأجتهد، أجتهد أني ما أضع قدمي إلا في مكان ليس فيه شوك، قال: كذلك الدنيا؛ الدنيا كثيرة الأشواك أشواك المعاصي وأنت تعيش شمر عنها، فلا تقع عينك إلا في حلال، ولا تسمع بأذنك إلا حلالاً، ولا تتكلم بلسانك إلا في حلال، ولا تمد يدك إلا على حلال، ولا تسير بقدمك إلا في حلال، ولا تطأ إلا بفرجٍ حلال، ولا ينزل في بطنك إلا حلال؛ لأنك تقي، ولكن الذي ليس عنده تقوى يقع بعينه في الحلال والحرام، لا يتوقى من الذي ينظر إليه، والذي ليس عنده تقوى يسمع بأذنه الحلال والحرام، ويتكلم بلسانه بالحلال والحرام، ويطأ بفرجه في الحلال والحرام، ويمد يده على الحلال والحرام، ويسير برجله إلى الحلال والحرام، ويملأ بطنه بالحلال والحرام؛ لأنه ليس بتقي.
يقول الله في أهل التقوى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ [الحجر:٤٥] ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ﴾ [الطور:١٧] ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً﴾ [النبأ:٣١] ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ [القلم:٣٤].
وكثير من الآيات التي ذكر الله فيها أهل التقوى وأن لهم الجنة -اللهم اجعلنا من أهلها ومن المتقين-.
ومن السنة ما ذكر في سنن الترمذي وفي مسند أحمد حديث صحيح، يقول ﵊: (أكثر ما يدخل الناس الجنة: تقوى الله وحسن الخلق، وأكثر ما يدخل الناس النار: الفم والفرج) شيئان يدخلان الجنة، وشيئان يدخلان النار، الذي يدخل الجنة تقوى الله، تضطرب إذا رأيت امرأة في الناس فتتقي الله، لكن إذا رأيتها وطولت النظر إليها، فأين التقوى؟ إذا سمعت نغمة موسيقية ولو حتى مع الأخبار مباشرة تغلقها، هنا التقوى.
الريال الواحد لو دخل عليك كأنه ثعبان نزل في جيبك فأخرجه، لا تريد إلا الحلال، هذا التقي.
الصلاة: إذا سمعت الأذان يتقطع قلبك إذا تأخرت حتى لو كتفت وأنت تريد الصلاة هذا هو التقي.
وماذا مع هذا؟ حسن الخلق، يقول المفسرون: لماذا جاء حسن الخلق مع التقوى؟ قالوا: تقوى الله للتعامل مع الله، وحسن الخلق للتعامل مع الناس؛ لأن من الناس من عنده تقوى، لكن عنده سوء خلق، تجده تقياً لا يسمع الحرام، ولا يأكل الحرام، ولا يمشي في الحرام، لكن أخلاقه سيئة: سيئة مع أهله، سيئة مع العمال عنده، سيئة مع الجيران، سيئة مع الإخوة، سيئة مع الناس كلهم، لا يسلم شخص من شره، هذا -والعياذ بالله سيئ- ولهذا كاد حسن الخلق أن يذهب بخيري الدنيا والآخرة، وفي الحديث: (أقربكم مني منزلة يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً الموطئون أكنافاً، الذين يألفون ويؤلفون، وإن أبعدكم مني منزلة يوم القيامة كل عتل جواظ جعظري مستكبر) عتل جواظ أي: لا أحد يريده ولا أحد يحبه، ولهذا إذا أردت أن تعرف منزلتك عند الله اسأل: كيف أنت عند الناس هل أنت محبوب؟ هل أنت كريم؟ هل أنت صاحب خلق؟ هل أنت لا تسب ولا تشتم ولا تلعن؟ سبحان الله! بعض الناس تجد عنده جوانب تقوى طيبة، لكن أخلاقه سيئة.
لا بد أن تجمع بين الأمرين: أن تكون ذو تقوى مع الله، وذو خلقٍ حسنٍ مع الناس.
وأكثر ما يدخل الناس النار الفم؛ لأن فيه اللسان وهو منفذ الحرام، والفرج؛ لأن فيه شهوة غالبة، وشهوة طاغية، تتعلق بالنساء، وقد تتعلق أحياناً باللوطية، وهي جريمة منكرة، يقول عبد الملك بن مروان: والله لولا أن الله أخبرنا بخبر قوم لوط ما صدقت أن رجلاً يركب رجلاً؛ لأن هذه الجريمة تأنفها حتى البهائم، ما رأينا حماراً يركب حماراً وهي حمير، ولا قرداً يركب قردا، ولكن الإنسان إذا ضل عن الله وعن سبيل الله، وعن طريق الله عمل هذه الفاحشة، ولذا توعد الله من عملها باللعن، والطرد، والإبعاد عن رحمته: (لعن الله من عمل عمل قوم لوط، لعن الله من عمل عمل قوم لوط، لعن الله من عمل عمل قوم لوط) والحديث في مسند أحمد سبعة إلا هؤلاء وكررها ثلاث مرات، واللعن هو: الطرد والإبعاد من رحمة الله.
وفي الحديث: (من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به) وعقوبته في الشرع: بعض أهل العلم قالوا: حرقاً، وبعضهم قال: القتل، وبعضهم قال: الرمي كما يرمى الثيب، وبعضهم قالوا: يرمى من أعلى مكانٍ شاهق، كما صنع الله في قوم لوط، فإن الله أرسل عليهم الملائكة فحملتهم وقراهم إلى أن بلغوا بهم إلى السماء ثم قلبها عليهم، قال الله: ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ * مُسَوَّمَةً﴾ [هود:٨٢ - ٨٣] أي: معلمة ﴿عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود:٨٣].
تلك الحجارة لقوم لوط والظالمين من بعدهم واللعنة ليست بعيدة منهم، وقد ورد أنه إذا ركب الذكر الذكر اهتزت السماوات والأرض، فتمسك الملائكة بأطراف السماء وتقرأ سورة الإخلاص حتى يسكن غضب الرب، هذه جريمة منكرة.
أما جريمة الزنا يقول النبي ﷺ : (ما عصي الله بذنب بعد الشرك أعظم من نطفة يضعها الرجل في فرجٍ لا يحل له).
وقال أيضاً: (ومن زنى بامرأة في الدنيا كان عليه وعليها في القبر نصف عذاب هذه الأمة).
وقال أيضاً: (والذي نفس محمدٍ بيده إن ريح فروج الزناة ليؤذي أهل النار).
وقال أيضاً: (والذي نفسي بيده إن فروج الزناة لتشتعل ناراً يوم القيامة) -والعياذ بالله-.
стр. 1999
طاعة الرسول ﷺ
الحديث في صحيح البخاري، يقول ﵊: (كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى، قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟! قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى).
الجنة أمامك طريقها من عند محمد ﷺ إذا أطعته دخلت الجنة، وإذا عصيته رفضت دخول الجنة، طاعة الله وطاعة الرسول ﷺ كل مما أمر الله به وأمر به رسوله وكله من طاعة رسوله ﷺ .
بعض الناس تثقل عليه طاعة رسول الله ﷺ ، وهذا من حرمانه وخذلانه من التوفيق، وأعطيكم أمثله على طاعة النبي ﷺ : إعفاء اللحية، الرسول ﷺ أمر بإعفائها، وقال: (قصوا الشوارب ((أكرموا اللحى ((أرخوا اللحى ((اسدلوا اللحى ((أعفوا اللحى) كل هذه أوامر الرسول ﷺ ، هي ليست قضية شعر، حتى بعض الناس يظن أننا نتعصب عند الشعر، لا -يا أخي- هي قضية انتماء واعتزاز وفخر بمتابعة هذا النبي الكريم صلوات ربي وسلامه عليه، وما دام أمرك الرسول وقال: (أعفوا اللحى) أكثر من عشرة أحاديث: (أعفوا اللحى) (أكرموا اللحى) (أرخوا اللحى) (أسدلوا اللحى) وأنت تحلقها، كيف؟!! لا أعفيتها، ولا أسدلتها، ولا أرخيتها، ولا أكرمتها، إكرام اللحية أن تبقى في وجهك؛ لأن وجهك أكرم منطقة عليك، لكن حلقها إهانة؛ لأن الحلق أين يكون؟ إما في دورة المياه، أو في الغسالة، ثم تذهب إلى أماكن النجاسات، أو عند الحلاق، والحلاق إذا حلق اللحية يضعها تحت قدمه، ثم يأتي بالمكنسة ويكنس الشعر، من وجهك إلى المكنسة، وبعد ذلك يأخذها ويضعها في القمامة، هذه لحى المسلمين، وإلى سيارة البلدية ثم تحرق، هل هذا إكرام للحية -يا إخوان-؟ لا يجوز، فلا بد أن تكرم سنة نبيك ﷺ ، إذا أردت أن تدخل الجنة بإذن الله، ولا يعني كلامي هذا أن الذي يحلق لحيته لا يدخل الجنة، لا.
نقول: الذي يصلي ويقوم بالواجبات الإسلامية، ويطيع الله هذا إن شاء الله أنه من أهل الخير، لكن يكمل ذلك بإتباع النبي ﷺ بإعفاء لحيته؛ لأنه لا توجد مشقة عليه في إعفاء اللحية، فاللحية ليست ثقيلة، والله إنها لا تساوي عشرة جرامات أو عشرين جراماً، خفيفة جداً، المشقة في الحلق؛ لأن الحلق كل يوم وأنت تحلق، أنت تريدها تموت وهي تريد تحيا، فتبقى حية إلى أن تموت، فأنت أعفها مرة واتركها.
أحد الشباب قال لي: أنا أريد أن أترك لحيتي يا شيخ، لكن لحيتي تطلع مثل الدبابيس، قلت: طبعاً مثل الدبابيس؛ لأنك تحلقها، لكن هي تحاربك كلما حلقتها صارت مثل الدبابيس، لكن أعلن الهدنة وألق السلاح وهي سوف تطلع بعد ذلك مثل الحرير، قال: كيف؟ قلت: انتظر فقط واتركها، فتركها وإذا بها بعد ما اطمأنت وعرفت أنه لن يعتدي عليها أعلنت هي الهدنة أيضاً، ونبت الشعر وصار مثل الحرير، لكن عندما تحلقها وتريدها تطلع مثل الحرير، لا.
أنت تؤذيها وهي تؤذيك، مهما كان، فهذه جزء من طاعة النبي ﷺ .
ومن طاعة النبي ﷺ : رفع الإزار وعدم إرخاء الثوب، فإن هذا مرضاة لله، وكذلك تقوى لله، (فإنه أتقى لربك وأنقى لثوبك) وكان ﷺ يأمر الناس بأن يرفعوا أزرهم؛ لأن هذا من طاعة الرسول ﷺ .
فطاعة الرسول سببٌ من أسباب دخول الجنة، يقول الله : ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً * ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيماً﴾ [النساء:٦٩ - ٧٠] أي: مع النبيين في الجنة بإذن الله .
стр. 2000
الاستقامة
الاستقامة هي: عدم الانحراف، قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام:١٥٣] أي: سر مستقيماً من أول الطريق ولا تلف يميناً ولا شمالاً إلا إلى الله، فلا تسمع الأغاني ولا تنظر إلى الحرام، وكذلك لا تأكل الربا، وحافظ على الصلاة في وقتها؛ لأن ذلك هو الطريق إلى الجنة بإذن الله، يقول الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت:٣٠] فالاستقامة من أسباب دخول الجنة.
ويقول : ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأحقاف:١٣ - ١٤].
وفي مسلم حديث عظيم عن سفيان الثقفي قال: قلت: (يا رسول الله! قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل أحداً بعدك؟ قال: قل آمنت بالله ثم استقم) إذا سألك شخص وقال لك: بالله عليك، دلني على طريق توصلني إلى الطائف ولا أضيع فيها، قلت له: امضِ في الخط الفلاني ولا تلف يميناً ولا شمالاً، وإذا رفض السماع منه ثم لف يميناً، فإنه سيصل إلى جدة، لا إلى الطائف.
كثير من الناس الآن يدلهم الشيطان على الطريق إلى جهنم -والعياذ بالله- يقول النبي ﷺ : (قل آمنت بالله ثم استقم) رواه مسلم.
следующие страницы →