← Джавами‘

Джавами‘ · id 7736

دروس للشيخ سعيد بن مسفر

سعيد بن مسفر

Полный текст (2 982 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.

стр. 1926

خطر السحر والسحرة وضرورة الرقى الشرعية السؤال أرجو التنبيه إلى خطر السحر والذهاب إلى السحرة، وكيف يفرق بين الراقي والساحر؟ الجواب السحر كفر وليس بسهل، أنا أسمع أنه ينتشر عند كثيرٍ من الناس، السحر كفر تعاطيه أو تعلمه أو الإتيان إلى أصحابه، والله يقول في القرآن الكريم: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ [البقرة:١٠٢] انتبه! لا تعمله ولا تذهب إلى صاحبه، بل لو وقع لك سحر فإن حل السحر بالسحر كفر في أرجح أقوال العلماء ولا يجوز، وكيف تحله؟ تحله بالرقية الشرعية من كتاب الله، وقد تقول: كيف الرقية؟ الرقية تقرأ القرآن، وقد يقول شخص: قرأت ولم يذهب، أجل عجيب! إما أن تقرأ ويذهب السحر أو تذهب تشرك، فتجعل ربي مجال اختبار لك، لا. الله قادر أن يحل سحرك، الله يقول: ﴿مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس:٨١] ولكن يبتليك الله ويختبرك هل أنت مؤمن؟ وقد يستمر معك أسبوعاً أو أسبوعين أو شهراً أو شهرين، وبعضهم سنين، ولكن اصبر على الرقية الشرعية. أما كيف يفرق بين الساحر والراقي؛ فالراقي أولاً رجل معروف بسلامة المعتقد، يقرأ القرآن أمامك، ليس عنده طلاسم ولا همهمات ولا تعويذات ولا شيء، ولا يأخذ على عمله أجراً إلا من الله ، وإن أخذ شيئاً من غير سبب أو من غير طلب منك فلا بأس؛ لأنه يجوز، أما الساحر فمعروف بفسقه وبالطلاسم التي يكتبها والتعاويذ والشعوذات، ومعروف بالهمهمة، وبعد ذلك يتكلم بكلام لا تسمعه، ويكتب لك كتاباً يقول: لا تقرؤه، ولا تفتحه يقول: كيف؟ يقول: يبطل مفعوله؛ لأنك إذا قرأته لا ترى شيئاً، أنا فتحت كتاباً لواحد والله ما فيه حرف -يا إخواني- إلا شخاميط قلم من أوله إلى آخره، وقال: خذه وعلقه، يقول للناس: لا تفتحوه؛ لأنهم يعلمون أنك إذا فتحته لا تجد شيئاً، لا تلقى إلا كلاماً فارغاً، هذه كلها من السحر فلا يجوز، ولا يجوز للمرأة كذلك؛ لأننا نسمع أن بعض النساء تذهب إلى بعض الساحرات أو السحرة لتصرف قلب زوجها؛ خاصة إذا كان زوجها متزوج بأخرى، فتقول: والله أجعله لا يطالع فيها ولا يراها، فتذهب عند الساحر تعطيه مائة أو ألفاً تقول: أريده، فماذا يحصل لها؟ يعاقبها الله بنقيض قصدها فيكرهها ويحب الأخرى؛ لأن الله يقول: ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر:٤٣] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [يونس:٢٣] فلما بغت على المؤمنة بالله صرف قلبه عنها؛ لأن قلوب العباد بيد من؟ بيد الساحر أم بيد الله؟ بيد الله، أي نعم. فلما أرادت أن تسحر وتصرف قلبه عن زوجته الحلال؛ الله عاقبها بنقيض قصدها فجعلها مكروهة عنده، وجعل زوجها يحبها مائة في المائة، وهي ما عاد يريدها، فالسحر باطل ولا يجوز فعله. وإذا أردت أن يحفظك الله من السحر فعليك بالاستعاذة والتحصن بأذكار الصباح والمساء، إذا أصبحت في الصباح تقرأ آية الكرسي وأذكار الصباح، وإذا أمسيت تقرأ آية الكرسي وأذكار المساء، هذه لا يستطيع أي شيطان ولا أي ساحر في الدنيا أن يضرك بأي شيء بإذن الله. ونكتفي بهذا، والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 1927

أسباب المشكلات الزوجية وطرق علاجها إن من سنن الله تعالى في خلقه الزواج، بل هو آية من آيات الله ، لكن قد تحدث بعض المشكلات أثناء الزواج، والتي قد تؤدي في النهاية إلى الفراق بين الزوجين. ولهذه المشاكل أسباب كثيرة، بمعرفتها ومعرفة علاجها تحل بإذن الله كلها.

стр. 1928

أسباب المشكلات الزوجية كلام الشيخ حامد المصلح: الحمد لله الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، نحمده ﷻ ، وأثني عليه الخير كله بما هو أهله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا وإمامنا محمداً عبد الله ورسوله، فصلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله وصحبه والتابعين بإحسان إلى يوم الدين. أهلاً بهذه الوجوه الطيبة المباركة، والوجوه المتوضئة الراكعة الساجدة التي أسأل الله جعل وعلا أن يجعلنا وإياكم ممن وفقهم الله وهداهم لما فيه صلاحهم وفلاحهم إنه على ذلك قدير. ثم أحيي على وجه الخصوص فضيلة الشيخين الكريمين: فضيلة الدكتور جابر بن علي الطيب أثابه الله. وفضيلة الشيخ سعيد بن مسفر حفظه الله، الذي لا يخفى على الجميع. وأسأل الله جل وعلا أن يوفقنا جميعاً لما يحبه ويرضاه. ونحن أيها الأحبة! نتحدث حول هذا الأمر، العظيم الذي ربما لا يكاد يوجد بيت لا يخلو من هذا الأمر، ألا وهو أسباب المشكلات الزوجية، ثم يكون العلاج إن شاء الله في الأخير، وأسأل الله جل وعلا أن يجعلنا وإياكم ممن وفقهم الله وهداهم. أيها الأحبة! فليتحدث أولاً: فضيلة الدكتور جابر حفظه الله عن أسباب هذه المشكلات التي تحدث وتقع. وهذه المشكلات في الحقيقة إذ أنها كثيرة، فمن أبرزها وأهمها: المخالفات الشرعية، ثم الغيرة التي تحصل من الطرفين، أو من أحدهما، ومن هذه الأمور الكثيرة التي تكون أسباباً وهي في الحقيقة كثيرة، العيوب الزوجية من الزوجين أو من أحدهما، وكذلك الزواج من الأقارب، وغلاء المهور، ففضيلة الدكتور جابر حفظه الله نود أن يحدثنا حول هذه الأمور وجزاه الله خيراً. كلمة الشيخ جابر الطيب: الحمد الله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، أحمده سبحانه وأشكره، وأستغفره وأتوب إليه، وأسأله التوفيق والهداية، والسداد والرشاد في الدنيا والآخرة، ثم أصلي وأسلم على نبينا محمد بن عبد الله، نبي الرحمة والهدى والصلاح، صاحب الحوض المورود، والمقام المحمود، والشفاعة العظمى، فصلوات الله وسلامه عليه على آله وأصحابه أجمعين. وبعد: فقد سمعتم ما ذكره الشيخ جزاه الله عنا وعن الجميع خير الجزاء في الدنيا والآخرة، وذكر أن هناك مشاكل قد تحصل بين الزوجين، وقد تكون هذه المشاكل ظاهرة، وقد تكون باطنة لا يطلع عليها إلا الله ، وأحب أن أقدم بكلمة عن الزواج، وأن الله قد شرعه لبني الإنسان، لكي يحفظوا أنفسهم، ولكي يعمروا هذه الدنيا، كما اختارهم الله لعمارتها، وللقيمومة فيها، فالشباب في حاجة ماسة إلى الزواج. ولكن هناك من الموانع ما يحول بين الشاب وما يشتهي: منها: أنه إذا بلغ الشاب الحلم وأصبح رجلاً يصح أن يكن زوجاً يقول في نفسه أو يقول له أهله: ما زلت في عنفوان الشباب وفي ريعان الصبا، فاصبر حتى تكمل رجولتك ونزوجك إن شاء الله، وهذا عندي أنه خطأ فيما أعتقد، وأن هذا من الأخطاء الشائعة بين الناس، فزواج الصغير يحفظه من المعاصي إذا كان عند أهله من المال ما يجعلهم يزوجوه، أما إذا كانوا فقراء فهم معذورون، ولكن إذا كان الله سبحانه قد وسع عليهم، فخيراً لهم أن يبادروا إلى تزويجه ممن يرضون دينها وأهلها وأمانتها وتقواها، وبعضهم يسوِّف ويقول: سوف أتزوج إن شاء الله إذا انتهت دراستي وأمنت مستقبلي، حتى أعيش أنا وزوجتي في أمن واستقرار وحياة سعيدة مملوءة بالخيرات والأرزاق. وإذا توظف هذا الخريج بعد أن يبلغ من العمر خمساً وعشرين عاماً ونحو ذلك، فإن وظيفته قد تكون بسيطة، وقد يكون مرتبه الذي يتلقاه من ولي الأمر لا يقوم بشئون حياته كاملة، فقد يعول أبويه أو أيتاماً خلفهم أبوه -مثلاً- أو نحو ذلك، فإذا قدرنا راتبه خمسة آلاف ريال أو أربعة آلاف ريال، فقد يكون إيجار الشقة في الشهر ألف ريال -مثلاً- ولا بد أن يأخذ أشياء بالتقسيط، هذه السيارة يدفع عنها كل شهر ألفين أو نحو ذلك، ويبقى له ألفان أو نحو ذلك، فإذا بقي الألفان هل يدخل بها بيته أم ماذا؟ فإذا قلنا: إنه سيوفر في كل شهر خمسمائة ريال، والمهر لا يقل عن مائة ألف ريال، إلا أن يشاء الله، وهو لا بد له من قصر أفراح ومما يفعله الناس في زماننا هذا من المباهات والمبالغة في الذهب وغير ذلك، فإذا قدرنا أن تكلفة زواجه مائة وخمسين ألف ريال، فينبغي عليه أن يمون ذلك ثلاثمائة شهر، وهو عمر طويل، معناه يوفر مائة وخمسين ألف ريال في ثلاثمائة شهر، كل شهر خمسمائة ريال، وإذا قلنا: ألف ريال ويفرفها في أقل من ذلك بقليل، فإذا كان ألف ريال، وهكذا، مائة وخمسين شهر، فهذا قد يصعب عليه، ولا يبلغ حد الزوج إلا وقد عُمِّر طويلاً؟ ولهذا فإن غلاء المهور من الأسباب الشائكة التي تحول بين المرء وبين الزواج. العنصر الثاني: قد يكون الشاب لا يبالي بالزوجة، يقول: إذا تزوجت كتَّفت نفسي، وحبست حريتي وأصبحت مسئولاً مسئولية كاملة عن الزوجة وأولادها وأنا حر طليق، أنطلق في أرض الله الواسعة فلا أشغل نفسي، فإذا تزوجت وأنا في هذا السن فسوف أصبح أسيراً للمرأة، تحبس حريتي، وتمنعني من الإنطلاق في هذه الحياة، إذا تأخرت في الليل قالت: أين كنت؟ ومن أين أتيت؟ وإذا ما أعجبها شيء تقول: ما هذا الذي أتيت به؟ وهكذا، فأصبح مغلول اليدين والرجلين، فلهذا لا أتزوج. العنصر الثالث: يكون زواجاً مطلقاً قد يكون وسع الله عليه وأغناه، وأكثر ماله، لهذا يتزوج في السنة مرة أو مرتين، كما علمنا أن أناساً من هذا النوع وسع الله عليهم بالمال، فأصبح ديدنهم وهمهم أن يتزوجوا باستمرار؛ لكي يتمتعوا بالنساء، ثم يطلقوهن بعد حين، بعد سنة، أو أقل من سنة، وهذا لا يجوز، ولا ينبغي له أن يفعله أبداً إذا كان في قلبه إيمان، إمساك أو تسريح بإحسان، إما أن يمسك الزوجة الصالحة، وإما أن لا يأتي إليهم، فكثير من الأغنياء من الذين وسع الله عليهم، يتزوج من هنا ومن هناك ومن كل مكان؛ ليمتع نفسه بهذه الحياة، وهذا لا ينبغي. وبعضهم يكون ممن أضله الشيطان من الشباب، فهو كلما جمع شيئاً من النقود، سافر بها إلى القارات، مرة هنا ومرة هناك، يتتبع الحرام، ينام في أحضان المومسات -والعياذ بالله- ويبحث عن الزنا أينما كان، يعجبه ذلك ويطربه، ولهذا لا يقر له قرار ولا يقوم مقام في وطنه، وإنما جل همه أن يذهب إلى القارة الفلانية، فيها من النساء كذا وكذا، وفيها من المومسات كذا وكذا، ويعلم أن ذلك يغضب الله أولاً قبل كل شيء، ثانياً: عنده من الأمراض الخبيثة كالإيدز -والعياذ بالله- وكقمل العانة، وكالسيلان، ونحو ذلك -والعياذ بالله- يظلم نفسه بالإثم العظيم، الذي حرمه الله ورسوله، حرمه الله في القرآن عندما ذكر صفات المؤمنين، قال في آخر سورة الفرقان: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً * إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ [الفرقان:٦٨ - ٧٠] فمن تاب ورجع إلى الله فهو على خير، هذه هي بعض الأشياء يفعلها الشباب ويبتعدون عنها ويأبون أن يتزوجوا من هذا النوع. أما العيوب فهي كثيرة، إما أن تكون في المرأة وإما أن تكون في الرجل. أما عيوب المرأة: فهي العفق والقرن والرتق، فهذا يكون في المرأة، أما العفق: فهو لحم يكون في الفرج يمنع من التمتع بها من زوجها، وهذا في حق المرأة -ولا حياء في الدين إذا قلت هذا الكلام وهذا شيء لا بد أن نوضحه- فالعفق: هو لحم يأتي في فرج المرأة فيمنع سلوك الذكر في الفرج، وهذا عيب من العيوب، وللزوج أن يفسخ النكاح، إذا لم يكن يعلم به قبل عقد النكاح، أما إذا علم بعد عقد النكاح وقد اختلى بها، فإن لها بعض المهر، وأما إذا علم به قبل الزواج وأقدم عليها بطوعه واختياره فقد لا يكون هذا في حقه عيباً. أما القرن: فقد يظهر في فرج المرأة، مثل قرن الشاة يسمى القرن. أما الرتق: فقد تكون المرأة رتقاء، أي: أن فرجها لا مسلك فيه للذكر، أي: كالمخيط، أو نحو ذلك، هذا في عيوب المرأة. ومن العيوب التي تكون عند الرجل والمرأة الجذام، والبرص والغائط أثناء الجماع، أو نحو ذلك، وهذه العيوب يشترك فيها الرجل والمرأة أما عيوب الرجل فهي: العنة، أن يكون عنيناً أي: لا ينتشر ذكره والعنة يستحق بها فسخ النكاح، إذا كان هناك قاضٍ يحكم عليهم ويمهلهم سنة كاملة من تاريخ المحاكمة، إذا تحاكمت المرأة إلى القاضي هي وزوجها، وقالت: يا شيخ: إن هذا لا يفعل شيئاً مما يفعله الرجال، فإذا اعترف الرجل أمهله سنة كاملة من تاريخ المحاكمة، يمر على الفصول الأربعة: الشتاء والصيف والخريف والربيع، حتى إذا ما وفق في هذا الفصل، فالفصل الذي يأتي يكون أحسن من الأول. حتى إذا انتهت السنة ولم يفعل شيئاً، يفسخ النكاح بدون مقابل، وليس له شيء من حقه الذي دفعه لها. ثانياً: أن يكون مجبوباً، إنسان اُعتدي عليه وجب ذكره، أو خصاه، هذا أيضاً عيبه شرعي، والثالث: العاق، كان طيباً معافىً سليماً لا عيب فيه، وفي أثناء الزواج جاءه العيب حتى أصبح ذكره لا ينتشر فهذا يسمى العاق، وهو مرض عرض له، كذلك هو بالخيار، إن جلست معه فلها ذلك، وإن طلبت الفسخ يفسخ نكاحها بدون أي شيء، هذه هي عيوب الرجل وعيوب المرأة. كذلك الجذام إذا رأيت امرأة فيها جذام -عافانا الله وإياكم- أو في الرجل فإن كلاً منهما له أن يفسخ نكاح الآخر خوفاً من العدوى لا سمح الله، يقول النبي ﷺ : (لا عدوى ولا طيرة، ولا هامة ولا صفر). لكن الرسول لما جاءه وفد ثقيف وكان معهم أجذم، فأرسل إليه النبي ﷺ فقال: (ارجع إلى وطنك فقد بايعناك) معناه: لا يرغب في مقابلته ﵊، وفي الأثر: (فر من المجذوم فرارك من الأسد).

стр. 1929

الحياة الطيبة السعيدة بين الزوجين كلام الشيخ حامد المصلح: شكر الله لكم وأثابكم ووفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه. نعم في الحقيقة أن أسباب المشكلات كثيرة بلا شك، فلكثرتها أخذ الشيخ حفظه الله بعضها، وكذلك منها المخالفات الشرعية التي تكون سبباً أيضاً لهذه المشكلات، فمنها: أن تخرج المرأة من بيت زوجها من غير إذنه، كما لا يخفى بأن هذا الأمر محظور ولا يحل لها ذلك، فحينئذ يكون الخلاف بين الزوجين، ولا شك أن الذي ينبغي بل يجب على الجميع أن يمتثلوا أمر الله ﵎ في كل شيء، فلو حكموا كتاب الله جل وعلا، وسنة النبي ﷺ لذهبت تلك الأمور. والآن ننتقل إلى فضيلة الشيخ سعيد حفظه الله، ويحدثنا أثابه الله عن الحياة الطيبة السعيدة بين الزوجين، وأهمية قيامها على التفاهم والمودة والرحمة، فليتفضل مشكوراً مثاباً جزاه الله خيراً. كلام الشيخ سعيد بن مسفر: الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: أيها الأحبة في الله! الزواج سنة من سنن الأنبياء والمرسلين، جعله الله آية من آياته الدالة عليه، يقول في سياق عرض الآيات والدلالات التي تدل على الله في سورة الروم: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم:٢١]. وجعله النبي ﷺ سنة، وعمل بها، وحث عليها، ونادى وأمر بها، يقول ﵊ في الصحيحين: (يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج -الباءة: النفقة- فإنه أغض للبصر) أغض هنا من أفعل التفضيل، أي: أفضل ما تغض به طرفك هو الزواج (وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء) وفي الصحيحين أيضاً: أن النبي ﷺ دعا أصحابه حينما ذهب بعضهم إلى أزواج النبي ﷺ وسألوا عن عبادته، فكأنهم تقالوها، لما أُخبروا عن عبادة النبي ﷺ ، قالوا: وأين نحن من رسول الله ﷺ وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. فكأنهم رأوا أن يزيدون، ليس كما يفعل بعض الناس الآن، يضيع الدين وإذا قلت: هذه سنة رسول الله ﷺ قالوا: أين نحن من رسول الله ﷺ ، تريد أن أكون مثل الرسول ﷺ ، أولئك لهم نظر أبعد، يقولون: نحن نزيد على ما كان يتعبد له النبي ﷺ ؛ لأن الرسول ﷺ قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ونحن لم يغفر لنا، أجل سوف نزيد، وهذه الزيادة خطأ؛ لأن أكمل الهدي هديه، وخير الدين دينه، وهو أعبد الناس وأعرف الناس بربه، فقال واحد منهم: أما أنا فلا أفطر أبداً -أي: يصوم الدهر- والآخر قال: وأنا لا أنام أبداً -أي: يقوم الليل- والثالث قال: وأنا لا أتزوج النساء أبداً -أتبتل وأنقطع في العبادة ولا أنشغل عن ربي بشيء من الدنيا وشهواتها، ومن أعظم مشاغلها النساء- فلما سمع النبي ﷺ بهذه المقالة نادى أصحابه وقال: (ما بال أقوام يقولون ويقولون، أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له وأعلمكم به، ولكني أصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني) اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد.

стр. 1930

تنظيم العلاقة الزوجية إن الله شرع الزواج لتنظيم العلاقة الزوجية، حتى يستمر النسل البشري؛ لأن الله أراد أن يعمر الكون بالإنسان ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة:٣٠] وهذا الإنسان مهمته العبادة، ولا يمكن أن يكون الإنسان إلا عن طريق التوالد، والتوالد يأتي عن طريق لقاء الرجل بالمرأة، وهذا اللقاء إن لم يكن لقاءً منظماً بالزواج أصبح لقاءً فوضوياً همجياً -مثل بعض الحيوانات والبهائم- فشرع الله الزواج، وركب في الرجل ميلاً إلى المرأة وركب في المرأة ميلاً إلى الرجل، قال : ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ﴾ [آل عمران:١٤] إلى آخر الآيات، ثم جعل هذا العمل رغم أنه شهوة جعله عبادة، يقول ﵊: (وفي بضع أحدكم صدقة) فاستغرب الصحابة، وكانوا يظنون كما نظن أن العبادة والحسنات إنما تأتي عن طريق العمل الصالح، مثل: الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، والجهاد، والدعوة، والأمر بالمعروف، وسائر الطاعات، أما أن يأتي الرجل زوجته ويكون له أجر! وهو شي من المباحات والعادات! قالوا: (يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوته ويكون له أجر؟ قال: أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه؟ قالوا: نعم. قال: فكذلك إذا وضعها في حلال كان له أجر). فإتيان الرجل لزوجته رغم أنه يمارس معها عملاً شهوانياً بحتاً، إلا أنه إذا أحسن النية أصبح عبادة، كأنه يصلي ويصوم ويتصدق.

стр. 1931

التوافق بين الزوجين في أثناء الحياة الزوجية لا يمكن أن يحصل تطابق وتوافق (١٠٠%) بين الزوجين، مستحيل أن تجد رجلاً وامرأة متوافقين (١٠٠%)، لا بد أن يكون هناك فروق فردية بين الرجل وبين المرأة؛ لأن الله جعل الناس هكذا، ولذلك خلقهم مختلفين، وهذه آية من آيات الله الدالة عليه، أنه خلق الناس مختلفين، ولو أتيت الآن على وجه الأرض فإن نحو خمسة آلاف مليون نسمة، لو جعلتهم كلهم في حوش واحد وأخرجتهم واحداً واحداً ما وجدت اثنين سواء أبداً في الشكل، لا يوجد واحد يشبه الثاني (١٠٠%)، لا يوجد واحد يطابق الثاني في البنان، الآن البصمة التي تؤخذ من الناس من أجل إذا كرر جناية يعرفون هل له سابقة عن طريق هذه البصمة؛ لأنه لا يوجد اثنان في الدنيا تتفق بصماتهم، والله يقول: ﴿بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ [القيامة:٤] فهذا إعجاز منه ﵎، وقدرة عظيمة أن خلق الناس كلهم مختلفين، والرجل يختلف عن المرأة، فإذا جاء الزوجان يعيشان تحت ظل واحد، وتحت سقف واحد وفي بيت واحد وفي مجتمع واحد صغير في لبنة واحدة وفي أسرة واحدة لحصل هناك نوع من الفروق، من أول الأسبوع أو من أول ليلة يجد أنها إنسانة غريبة، قد ينكر عليها حتى طريقة النوم، أو ينكر عليها طريقة الأكل، أو ينكر عليها طريقة الحديث، أو ينكر عليها طريقة المفاهمة والمخاطبة، فيحصل نوع من عدم الانسجام، وتحصل ردود أفعال. فينبغي أولاً: أن يوطن الإنسان نفسه على استيعاب تلك الفروقات، وعلى احتواء تلك الفوارق بين الرجل وبين المرأة؛ حتى يحصل اندماج وانسجام، قد لا يكون في الشهر الأول ولا في الشهر الثاني، ولا في الشهر الثالث قد يكون بعد سنة، وأحياناً يكون الانسجام من أول ليلة؛ لأنه يكون الفرق بسيطاً، ولذلك ترون المرأة تسكن في بيت زوجها من أول ليلة، بل في الأسبوع الأول إذا سكنت في البيت عند زوجها وقُدمت لهم دعوة بعد أسبوع أو أسبوعين من الزواج لزيارة الوالدين، دخلت في بيت أبيها الذي عاشت فيه عشرين سنة أو خمسة وعشرين سنة وكأنها لم تعش فيه ليلة واحدة، غريبة وإذا جلست جلست وهي متحفزة هكذا لا تستريح، لماذا؟ مستعجلة تريد أن تمشي، وإذا طلب منها أو قيل لها: افعلي لنا شاي دخلت المطبخ وكأنها ما عرفته، تنادي أمها وتقول: أين أدوات المطبخ حقكم؟ عجيب حقنا! وأين أنتِ مدة حياتكِ، نسيت كل هذه الأدوات بجلسة يوم أو أسبوع في بيت زوجك، نعم. وبعدما تنتهي تراها تطالع في زوجها وفي الساعة، وتقول له: هيّا لنذهب، لكن بعض الأمهات عندها نقص في التفكير تقول: للبنت اجلسي هذه الليلة معنا، وتطلب من زوجها أن يدعها تنام معها، البنت لا تريد، والله لو تفرش لها ذهباً لا تريد ذلك، فتقول لها: نامي معنا. تقول البنت: إن شاء الله آتي لكم مرة ثانية، لأنه لا يأتيني نوم إلا في بيتي، لماذا؟ لإنه حصل وفاق وسكن، وهذا معنى قول الله : ﴿لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾ [الروم:٢١] لا تسكن المرأة مع الأم، ولا تسكن نفسياً مع الأب، ولا تسكن المرأة مع الوظيفة، ولا تسكن مع الرصيد، ولا تسكن مع الشهادة، ولا تسكن مع شيء، لا تسكن إلا مع الزوج، نصف يبحث عن نصف، فإذا وجد النصف الثاني سكن.

стр. 1932

وجود المحبة والرحمة بين الزوجين ثم جعل الله بعد ذلك مودة ورحمة، فالمودة: هي الحب، وهو أكسير الحياة وطعمها ولذتها، والحياة الزوجية إذا خلت من هذا تصبح حياة جافة، حياة فيها نوع من الجفاف، وتصبح شكلية، ورسميات بين الزوج والزوجة، ليس فيه محبة، وبالتالي تكون العشرة غير حسنة. لكن إذا وجدت المحبة فإن هذا يزيد في الألفة ويزيد في القربة، وإذا عدمت المحبة فلم تعدم الرحمة، ولهذا لما جاء رجل إلى عمر بن الخطاب يريد أن يطلق زوجته، فجاء يستشيره، فقال له عمر: [لا تطلقها، قال: لست أحبها، قال: أوكل الزواج يبنى على الحب؟ أين الرحمة] إذا ما أحببتها ارحمها، إلا إذا شعرت بعدم رغبتك فيها وحبك لها، وطلبت هي منك أن تطلقها فهذا أمر آخر؛ لأن بعض النساء تدرك أنها غير محبوبة عند زوجها، وترى أن هذا نقصاً فيها فلا تريد أن تعيش مع رجل لا يحبها. ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلّاً مِنْ سَعَتِهِ﴾ [النساء:١٣٠] فالتطابق مستحيل، ولذا يجب أن تعرف أنه لا بد أن يكون هناك فروق، وبالتالي لا بد من وجود المشاكل الزوجية، ولا يمكن أن يخلو منها بيت، ليس هناك بيت في الدنيا مثالي (١٠٠%) لا يحصل فيه خلاف، حتى أكرم البيوت، بل وأفضل بيت على وجه الأرض حتى بيت المربي الأعظم رسول الله ﷺ ، كان يحدث فيه بعض الخلافات، حتى ثبت في السنة أن النبي ﷺ حصل بينه وبين زوجته وحبه -أحب الناس إليه-: عائشة ﵂ خلاف، فدعا والدها -أي: دعا أبا بكر من أجل أن يصلح الخلاف، فلما أراد النبي ﷺ أن يتكلم، قامت وقالت للنبي ﷺ : [أقسم عليك بالله لا تتكلم إلا بالحق] تقول للرسول ﷺ ، فتدخل أبو بكر في البداية وضربها على وجهها قال: [قاتلك الله يا عدوة نفسها، وهل يقول رسول الله إلا الحق] تحلفين عليه لا يقول إلا الحق، وهل يمكن أن يقول باطلاً -صلوات الله وسلامه عليه- فشردت بعدما ضربها ولاذت بظهر النبي ﷺ ، فدفعه النبي ﷺ وقال: (ما لهذا دعوناك) يقول: دعوناك لتصلح ما دعوناك لتضربها يا أبا بكر، اللهم صل وسلم على رسول الله. فالخلاف يقع بين الزوجين، ولكنه خلاف وقتي تمسح آثاره، وتنتهي معالمه، وتستمر العشرة الزوجية، ولا يطور ولا يصعد؛ لأنه يحصل الخلاف فيستُوعب إما من الزوج أو من الزوجة. المشكلة تبدأ مثل عود الكبريت، فماذا يحصل إذا أشعل عود الكبريت في البيت، وماذا يحصل في الأسرة؟ كلهم يسارعون إلى إطفائه، لكن إذا أشعل كبريت وقاموا كلهم ينفخون عليه ماذا يصير؟ حريق، كذلك المشكلة. المشكلة عود كبريت يجب على الزوج أن يطفيه، والمرأة تطفيه، والأب يطفيه، والأم تطفيه، والأسرة كلها تطفيه فتخمد، لكن تشعل عود الكبريت فيشعله الرجل أو المرأة، فيأتي الرجل لينفخ فيذكي، وتأتي المرأة لتنفخ فتذكي، وتنتقل الخلافات إلى الأسرة، فيأتي أبو الزوجة، وانظروا إلى أبي بكر جاء يطفئ المشكلة، ما جاء يصعدها، فتستوعب المشاكل عن طريق التعاون بين الأسرة، وبين الأفراد حتى لا تتفاقم وتتصاعد وتتضاعف هذا شيء. والشيء الآخر بالنسبة للمشكلة أو الخلاف الزوجي، أنها تعطي الحياة الزوجية نوعاً من التجديد والطعم؛ لأنها كما يسميها المربون، فيقولون: إن الخلاف الزوجي ملح الحياة الزوجية، إذا خلت الحياة الزوجية من الخلافات البسيطة سمجت، ولذا ترى أنت عندما تجلس أسبوعين أو ثلاثة أو أربعة، وأنت صافي لبن، ما شاء الله! لا توجد مشكلة تحس بنوع من الملل، لكن عندما تحصل مشكلة، وتغضب أنت وتغضب هي وتجلس يومين أو ثلاثة وبعد ذلك تتقابلون كأنكم جدد، تجددت الحياة، فهي مثل الملح، لكن الملح في الحياة يجب أن يكون بمقدار، أنت حين تطبخ أرزاً تضع عليه ملحاً، لكن المصيبة أن بعض الناس يكثر من الملح، يريد أن يحصل مشكلة بسيطة، بدلاً من أن يمكث لها غضبان ساعة يمكث غضبان شهراً، وبدلاً ما أن يتكلم كلمة لعلاج المشكلة يتكلم بالعصا فيضرب، وبدلاً من أن يعالج بأسلوب بسيط، يعالج بأسلوب أصعب، فلا يصلح للحياة ملح الآن؛ لأنها أصبحت مشكلة. لذا -أيها الإخوة- من الأهمية بمكان حتى يسعد الإنسان في الدنيا ويسعد في الآخرة لا بد له أن يستوعب هذه المشاكل والخلافات، وأن يوسع لها صدره، وأن يتحملها ثم يبحث عن العلاج الذي سوف يذكره الشيخ، ونضع ميزاناً واحداً وهو أن تنظر بمنظار التوازن والعدل، لا تنظر إلى عيوب المرأة، انظر إلى حسناتها، يقول ﵊ والحديث في صحيح البخاري: (لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقاً رضي منها آخر) أي: لا يبغض مؤمن مؤمنة، فالمرأة دائماً ليست كلها عيوب، وليست كلها حسنات، وإنما فيها حسنات وفيها عيوب، فإذا أردت أن تنظر فانظر بمنظار كامل، انظر فيها أنها صوامة، وقوامة، وحافظة لعرضك، وأنها دينة، ومصلية، وأنها لا تخرج إلا بأمرك، وأنها تغسل ثيابك، وأنها تطبخ طعامك، وأنها تربي ولدك، أي أنها خادمة لك في البيت. فإذا نظرت إلى هذه الحسنات منها، ونظرت إلى الجانب الثاني إلى أنها قد تعصيك، أو قد تخالف أمرك، فتوازن بين ما تكره منها وبين ما تحب، ستجد أن ما تحب أكثر فتنسى ذلك، لكن بعضهم يوسع عينه كاملة على ما يكره من المرأة، ويغمض طرفه كاملاً عن حسناتها، ولا يعرف لها حسنة، فلا يرى منها إلا السوء، وبالتالي يعاملها على هذه الرؤية، وعلى هذا الأساس فتزداد المشاكل وتسوء العشرة، وتتفاقم الخلافات، وتحصل الكوارث وربما تنتهي إلى الخلاف والفراق والطلاق -والعياذ بالله- وهذا كله من سوء التدبير، وعدم اتباع النصائح والإرشادات النبوية الكريمة التي جاءت في سنة النبي ﷺ . والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 1933

علاج المشاكل الزوجية كلام الشيخ حامد المصلح: لا شك أن الحياة الطيبة لا بد أن تقوم على التفاهم بين الزوجين، وعلى الوجه الذي يحبه الله، وشرعه رسول الله ﷺ ، فإذا حصل سوء التفاهم بين الزوجين، هناك تقوم المشكلات والمعضلات. وأذكر قصة حصلت بين زوجين، جاء الزوج يشتكي إلينا في التوعية، يقول: إن زوجتي حصل بيني وبينها سوء تفاهم، ثم إنها رفضت الانصياع إلي، وبقيت ستة أشهر، فأعطاني شخص من الناس حلاً وقال: طلقها واجعل الرجعة بيدها، يقول: ثم انتهت المدة وهي لم تراجعني، فقال: قد خرجت من يدك، المهم ولا زال وراءها، سبحان الله! بعض الناس كما ذكر الشيخ جزاه الله خيراً، في أثناء حديثه عندهم شدة جداً في عدم التفاهم، بل يؤدي ذلك إلى النهاية، وبعض الناس عندهم سهولة جداً فتصبح المشكلات متكررة بين آونة وأخرى، ومن ذلك الغيرة وهي من المشكلات والمعضلات، فبعض الناس عندهم غيرة زائدة، ولا شك أن المؤمن يغار، كما ثبت عن النبي ﷺ ، بقوله: (إن سعداً يغار، وإني لأغار، والله أغير مني ومن سعد) لأنهم كأنهم ضحكوا من سعد حين قال ﷺ : (إذا وجد الرجل مع زوجته أحداً فليشهد شهوداً، قال سعد: والله لأقطعنه إرباً إرباً) فضحكوا منه، فحينئذٍ قال ﵊ هذا الأمر. فالغيرة تكون منضبطة، لا تؤدي إلى الشكوك، وإلى أمور فيها سوء الظن بالآخر، وإلى أمور بعيدة المدى، ونتائجها وخيمة والعياذ بالله من ذلك. فنود أيضاً من الشيخ جابر حفظه الله، أن يحدثنا عن علاج لهذه المشكلات الكثيرة التي تطرأ بين الزوجين. ويبدو أن من هذا: تعليم المرأة وتفهيمها لما يجب عليها ولها، ومن ذلك الهجر والضرب الغير مبرح، فليتفضل حفظه الله وجزاه الله خيراً.

стр. 1934

الصبر إن أهم شيء بين الزوجين وغيرهما أن يصبر الإنسان على صاحبه مهما استطاع، فالصبر يؤدي إلى كل خير وفضيلة، وبدون الصبر لا يعيش الإنسان مع صاحبه -سواء زوجته أو غيرها- حياة سعيدة؛ لأن الصبر كما يقال: مفتاح الفرج، فإذا رأى منها سوءاً شك، فالله أمر في الآية القرآنية بوعظها ثم هجرها ثم ضربها فإن استقامت ترك ضربها، فأعظم شيء هو هجرها. أولاً: تعليمها والتوضيح لها أن فعلها هذا لا يرضاه الله ، وأن من الواجب عليها أن تطيع زوجها في كل شيء إلا في معصية الله، فلا تصوم النافلة بدون إذنه فإنه لا ينبغي لها هذا إلا بإذنه، بخلاف رمضان، فإنه لا بد أن تصومه؛ لأنه ركن من أركان الإسلام، أما صيام النافلة فلا بد من إذنه، وهجرها المشروع كما يقول العلماء: إذا نام أعطاها ظهره، ثم لا يكلمها ولا يحدثها، ويبتعد عنها أياماً وليال إذا أمكن؛ لعلها ترجع إلى الله ثم إلى زوجها، ويبين لها ما بينه الرسول ﷺ بقوله: (ثلاثة لا يقبل الله لهم صلاة، ولا ترفع لهم حسنة: العبد الآبق حتى يعود ويضع يده في يد مواليه، والمرأة الغاضب عليها زوجها، حتى يرضى عنها زوجها، والسكران حتى يفيق من سكره) فهؤلاء الثلاثة لا يقبل الله لهم صلاة، ولا ترفع لهم حسنة إلى السماء: العبد الآبق، حتى يعود إلى أوليائه ويضع يده في أيديهم، والمرأة حتى يرضى عنها زوجها، والسكران حتى يفيق من سكره، كذلك يقول النبي ﷺ : (إذا باتت امرأة وزوجها عليها غضبان باتت تلعنها الملائكة حتى تصبح) -والعياذ بالله- يبين لها الحديث هذا وما أشبهه. كذلك لو دعاها وهي على التنور يجب عليها أن تلبيه، تقول عائشة رضي الله تعالى عنها: [لو تعلم المرأة ما لزوجها عليها من حقٍ لمسحت تراب قدميه] ويقول النبي ﷺ : (لو كنت آمراً أحداً يسجد لغير الله، لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها) لعظم حقه عليها، فحقه عليها عظيم، وشأنه خطير. كذلك يروى في بعض الآثار: أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه عندما كان خليفة جاءه أحد الصحابة يشكو إليه زوجته، فقد آذته في نفسه وفي غير ذلك، فوقف في الباب يريد أن يشتكي زوجته إلى عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، فإذا عمر وزوجته في كلام كثير، تشتم عمر وتسبه وهو ساكت، وهو الخليفة وقوته معروفة، فقال الرجل: إذا كان هذا عمر في داره فكيف أنا، لا أبد أن أنصرف وأصبر، فانصرف، فخرج عمر بن الخطاب ﵁، فقال: يا هذا! ارجع ماذا تريد؟ قال: يا عمر! جئت إليك أشكو حال زوجتي عليك، فسمعت من الباب ما بينك وبين زوجتك، فقلت: إذا كان هذا عمر بن الخطاب الخليفة القوي الشديد في الحق كيف يسكت على هذه المرأة! فقال عمر ﵁: إن لي عندها مصالح، فأنا أصبر على هذا الذي ترى منها، فهي تطبخ طعامي، وتغسل ثوبي، وتطحن دقيقي، وتربي أولادي، وغير ذلك، فلهذا أنا سأصبر عليها وليقع ما يقع، وإنه الفراق في يوم من الأيام، فقال الرجل: وأنا كذلك يا عمر، ثم انصرف هذا الرجل، ولم يقل شيئاً، انصرف من الباب بعد ما سمع ما قاله ابن الخطاب رضي الله تعالى عنه. فالمرأة إذا علمت وفهمت الحق الذي عليها لزوجها، ربما ترجع عن غيها، وتتوب إلى الله ، فيعيشان سعيدين في هذه الدنيا، فالمرأة تعيش مع أهلها عشرين سنة إلى اثنتين وعشرين سنة وهكذا، ثم تعيش مع زوجها ستين عاماً وأكثر من ذلك، وهما سعداء في هذه الحياة، يجتمعان لوحدهما، شابان في عنفوان الشباب، يجتمعان ثم يأتيان بالبنين والبنات، ثم الأولاد يكبرون والبنات يتزوجن ويصبح الأولاد والبنات في سكن آخر غير سكنهما، وهما أصبحا في سن الشيخوخة، هي عجوز وهو كذلك، بعد أن عاشا ستين عاماً أو سبعين عاماً، إذا ذهبت إلى بيت أهلها تتضايق ولا تطمئن إلى أهلها ولا إلى أمها وأبيها، عينها في زوجها، ولهذا لما ضرب أبو بكر ابنته عائشة جاءت تحتمي برسول الله ﷺ ، وهي تخاصمه، خبأت وجهها خلف الرسول ﷺ ليمنعها من أبيها، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. هناك قصة عجيبة للصديق وابنته رضي الله تعالى عنهما جميعاً، لما كان الصديق في الغار - غار ثور - كما تعلمون، عندما دخل ونظف الغار، وسد الجحر الذي فيه، إلا جحراً واحداً ما وجد شيئاً يضعه فيه، فوضع قدمه ﵁ خوفاً على رسول الله ﷺ ، فنام الرسول ﷺ وجعل رأسه على فخذ أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، فلما كان رجله في الجحر لدغته حية، فآلمته ألماً شديداً، فلم يتحرك؛ لأجل ألا يزعج الرسول ﷺ ويوقظه من منامه، وكان متعباً بعد صعودهما الجبل الهائل، وفرارهما من قريش خوفاً على نفسيهما، فلما لدغته الحية، آلمته ألماً شديداً ثم بكى فدمعت عيناه ﵁ حتى قطرت على خد رسول الله ﷺ فاستيقظ النبي ﷺ فقال: (ما هذا يا أبا بكر؟ قال: لدغتني حية يا رسول الله! وما أحببت إيقاظك لكي لا أزعجك، فقام النبي ﷺ فمسحها فعافاه الله). والقصة الثانية: لما كان النبي ﷺ عند عائشة وقد نام على فخذها، فبكت وهو نائم فاستيقظ فقال: ما هذا يا عائشة؟ فقالت: يا رسول الله! ذكرت القيامة وأهوالها، وما فيها من مصائب وآفات، وعذاب شديد أو نعيم مقيم، فهل يلتقي المتحابان في الآخرة يا رسول الله؟ هل يبحث كل عن صاحبه، ويبحث عن أبيه، وعن أبنائه، وعن أمه، وعن أخته، قال: نعم يا عائشة! إلا في ثلاثة مواقف لا يذكر شخص أحداً، قالت: ما هي يا رسول الله؟ قال: عند المرور على الصراط، كلٌ يقول: نفسي نفسي، والصراط دحض مزلة، فإذا نجا من الصراط، فمنهم من يمر كالريح المرسلة، أو كالبرق الخاطف، أو كالجواد، أو كالدلول، أو يمشي مشياً، أو يحبو حبواً، أو يكردس في النار -والعياذ بالله- هذا موقف لا يسأل أحد عن أحد أبداً. والموقف الثاني: عندما تتطاير الصحف، لأن كل شخص عند الموت يوضع في قبره، وتوضع معه صحيفته في حلقه، لا يراها إلا الله والملائكة فقط، فإذا أتى يوم القيامة طارت ورجعت إليه، إما في يمينه وإما في شماله، هذا الموقف الثاني. والموقف الثالث: عند الحسنات، توزن حسناتك وسيئاتك، والملك ماسك بهذا والثاني بهذا، من اليمين والشمال، فإذا رجحت حسناتك على سيئاتك قال: سعد فلان سعادة لا يشقى بعدها أبداً، وإن رجحت سيئاتك على حسناتك -والعياذ بالله- قال: شقي فلان شقاء لا يسعد بعدها أبداًَ. فهذه ثلاثة مواقف لا يبحث أحد فيها عن أحد. فإذا انتهت المواقف المذكورة، فكل شخص يبحث عن صديقه، وعن قريبه، وعن أبيه إذا كان مؤمناً، أما إذا كان كافراً فلا. إن الصبر هو حلية العارفين، إذا صبر الإنسان على زوجته واحتسب، وخاصة إذا كانت جاهلة ولا تفهم شيئاً، يصبر عليها؛ من أجل أولاده وأولادها، وكثير منهن متعلمات لكن أصبحن مسيطرات على الرجال إلا أن يشاء الله، وقد جاء في الحديث: أنه يجوز لك أن تكذب على زوجتك، فتقول لها: أخذت هذا الثوب بعشرين ريالاً، وهو بعشرة ريال -مثلاً- لكن الآن لا تصدق، تقول لك: لا. أنا أعرف السوق، لا تكذب عليَّ، سابقاً كنا نكذب على النساء بهذا بالكلام، ولكن انعكس الآن وأصبحت النساء يكذبن على الأزواج؛ لأنهن عارفات بالأسواق، إلا من هدى الله.

стр. 1935

عدم الخروج من البيت إلا بإذن إن من العلاج عدم الخروج إلى السوق باستمرار، كل يوم في دكان، ومهما كانت، فالشيطان وراءها وإذا أرادت أن تخرج إلى السوق للضرورة القصوى، فلا بد أن تكون لابسة أحشم لباس، ثم تغطي يديها بالكفوف، وقدميها بجواربها وهكذا، فخروجها للحاجة الضرورية وإلا فلا، لأن هناك من يخدمها ويكفيها وهو ابنها أو أبوها أو زوجها أو أي شخص يقوم بحقوقها، فإن الشيطان يتبع المرأة أينما كانت وأينما ذهبت. ولهذا جاء في الأثر: يقول الشيطان إذا بث جنوده في الأرض: أيكم يأتني بأعظم شيء فعله فأنا أفعل معه وأفعل معه، فيأتي أحدهما فيقول لرئيسهم الشيطان: أفسدت بين فلان وبين فلان، تخاصما حتى تضاربا، فيقول: ما فعلت شيئاً يصطلحان غداً، قال: فيأتي الثاني فيقول: فعلت وفعلت، فيقول له: ما فعلت شيئاً، فإذا جاء الآخر قال: ما زلت بفلان حتى زنا بفلانة، قال: هذا هو الشيء الطيب، فيلبسه التاج. فالمرأة دخولها للسوق سبب للمشاكل، وروحتها للغيبة والنميمة والبحث عن عورات الناس، مع فلانة كذا، وفلانة عندها ثوب كذا، وفلانة عندها كذا.

стр. 1936

إعانة الزوجة لزوجها على طاعة الله ثم بعض النساء يأتي زوجها من العمل مرهقاً، فإذا بالأوراق أمامه خذ لنا هذا وخذ لنا هذا، هذه من أسباب المشاكل؛ لأنها تحمله ما لا يطيق، وخاصة إذا جاء من العمل عليك أن تستقبليه عند الباب، فتأخذين ثيابه وتعلقيها، خذي أحذيته، وأصلحي له القهوة أو الشاي وكل شيء طيب، لكن لو أتت له بكشف من المقاضي من كل نوع، ربما لا يوجد عنده شيء، أو أنه مفلس، فتكلفه أن يذهب يتدين ويأخذ أموال الناس في ذمته، ثم يموت وهي في ذمته، وهذا لا ينبغي، فبعض النساء ليس عندهن من العقل والمروءة ما يكفيهن، لكن بالتعليم وبالإرشاد وبالتوجيه وقراءة كلام النبي عليهن هذا من أسباب النجاح في الدنيا والآخرة. هناك قصة قد تكون غير صحيحة، يقال: إنه كان هناك رجل له صديق في بلد بعيد، وكان يزوره في السنة مرة واحدة، فذهب إلى داره ودق الباب، فقالت زوجته: من؟ قال: أنا فلان أخو فلان في الله، قالت: ذهب إلى كذا لا رده الله ولا بارك فيه ولا وفقه، وقامت تصدر له كلاماً عجيباً من داخل البيت، فقليلاً وإذ بزوجها يأتي وهو محملٌ الأسد حطباً، وذلك يرى أخاه، فجاء وأنزل الحطب وقال: للأسد اذهب بسلامة الله، ثم لم يقل له شيئاً من ذلك الحين، ثم ذهب عنه أخوه هذا وصديقه سنة كاملة، ثم جاءه بعد سنة، ودق عليه الباب فقالت زوجته: من؟ فقال: أنا صاحب فلان أخو فلان في الله، قالت: ذهب يأتي بالحطب، الله يعيده قريباً ذلك الصالح الطيب بارك الله فيه وفي أيامه، ثم دعت له دعاءً عجيباً، فتعجب من كلامها هذا، وقليلاً وإذ بالرجل يحمل الحطب على ظهره الذي هو زوجها، فلما دخل البيت وتغدى هو وإياه قال: يا أخي! رأيت في السنة الماضية عجباً وهذه السنة أعجب، قال: ما رأيت؟ قال: أتيت العام الماضي إليك فإذا المرأة تسب وتلعن وتشتم، وهذه تدعو لك بالطيب وبكل شيء طيب، قال: لا تعجب يا أخي! تلك توفاها الله، فكنت أصبر عليها فأعطاني الله الأسد على هذا الصبر لكي أحمل عليه الحطب، على أجر صبري على هذه المرأة، يأتي الأسد بالحطب إلى باب بيتي، وهذه عندما كانت صالحة ذهب الأسد مني، لأجل أنها صالحة، لا يوجد شيء يأجرني الله عليه منها، لكن تلك لخبثها ولخبث لسانها وعدم استقامتها معي أعطاني الله الأسد يحمل الحطب إلى باب البيت، وهذه لما كانت صالحة الأسد انسحب عني جزاءً؛ لأن عندي امرأة صالحة، وهكذا الزوجات الصالحات، تعين الزوج على طاعة الله سبحانه، وتساعده في دينه ودنياه. ولهذا من السنة إذا قمت تصلي من الليل أيقظها تصلي معك، وفي الأثر: (رش على وجهها ماء)، فهذا من السنة، توقضها تصلي معك لكي تستقيم ويستقيم دينها وتقواها معك -أيها الزوج الصالح- إن كنت صالحاً. جعلنا الله وإياكم من الصالحين، وأن يعيننا على أنفسنا، ويعيذنا وإياكم من النار إنه جواد كريم. وصلى الله على محمد وعلى وآله وصحبه وسلم.

стр. 1937

أداء الزوجين لما عليهما من الواجبات كلام الشيخ حامد المصلح: بقي الآثار المترتبة على الخيارات الزوجية، وشرها وآخر العلاج الكي وهو الطلاق، لكن قبل ذلك نود أن نعرج على قضية، وهي: هل تعدد الزوجات سبب من أسباب المشكلات أم لا؟ كلا م الشيخ سعيد بن مسفر: بسم الله الرحمن الرحيم كما ذكرنا -أيها الإخوة- أن الزواج يشكل اللبنة أو النواة الأولى من لبنات المجتمع، وعلى ضوء صلاح الأسرة وتفاهمها وانعدام المشاكل فيها، يتكون من ذلك صلاح المجتمع، وفي ظني والله أعلم: أن من أعظم الأسباب التي تؤدي إلى حدوث الخلافات الزوجية إلى جانب ما ذكره صاحب الفضيلة الدكتور الشيخ جابر، والشيخ حامد حفظهما الله، هو عدم قيام أحد الزوجين بالحقوق التي أوجبها الشرع عليهما، سواء المرأة أو الرجل، ومن الطبيعي إذا قصر أحد الزوجين في القيام بالحقوق الواجبة عليه، فإن الطرف الآخر يضطر إلى المطالبة بها، وإذا لم يكن عند الآخر إنصاف وعدل، اعتبر المطالبة بالحق نوعاً من سوء الأدب والعشرة، فيتصرف تصرفاً غير سليم، وبالتالي تزداد المشاكل، والشرع حينما أمر بالزواج نظمه وبيّن الحقوق على الرجل وألزمه بالقيام بها، وأيضاً بيّن حقوق المرأة تجاه الرجل وألزمها بالقيام بها، يقول : ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة:٢٢٨] الدرجة التي ميز الله بها الرجل: هي درجة القوامة؛ لأن الحياة الزوجية شركة، والشركة لا يمكن أن تسير إلا بمسئول، والأقرب إلى القيام بالمسئولية هو الرجل؛ لأن الله أعده لهذا، فلا تصلح شركة فيها مديران، ولا تصلح إدارة فيها مديران، ولا تصلح دولة بملكين، أبداً، لا بد من شخص يتخذ القرار، بل الكون كله لله يقول الله: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء:٢٢]. فلا بد أن يكون لهذه الشركة مسئول، والمسئول هو الزوج، وهو صاحب القرار، ولكن مسئوليته هذه لا تعني الاستبداد والتسلط والقهر والإذلال، لا. وإنما تعني المسئولية أمام الله، بأنه لا بد أن يرحم هذه الأسرة، وأنه لا بد أن يشاور هذه المرأة، وأن يأخذ بما يسعدها، وأن لا يكلفها ما لا تطيق، ولهذا يقول الله : ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء:١٩] ويقول ﵊: (خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي). وإذا أردت أن تقيِّم رجلاً، فإن أعظم من يقيِّمه زوجته، الناس إذا قيِّموه يكتبون في تقييمهم ما ظهر منه أمامهم، فقد يتظاهر أمام الناس بأنه صاحب خلق، وبأنه حليم، وبأنه كريم؛ لأنهم يعايشونه فترة معينة. أما المرأة التي تعايشه باستمرار، فهي التي تعرف مدخله ومخرجه، وتعرف جميع وسائل حياته وأساليبها، ولذا إذا أثنت عليه امرأته خيراً فهو ذو خير، وإذا أثنت عليه شراً فهو ذو شر؛ لأنها تقيمه على فهم واضح، ولهذا كان النبي ﷺ أعظم الناس، ومن الذي يثني عليه؟ يثني عليه نساؤه، صلوات الله وسلامه عليه، لما طلبوا المزيد من النفقة أراد الله أن يجعل بيت النبوة بيتاً مثالياً لا يمكن لأحد أن يصل إليه، فأمر بتخيير النساء بين العيش معه على العيشة التي قد رضيها الله له، وبين أن يسرح، فبدأ يخيرهن: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً * وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٢٨ - ٢٩]. فبدأ النبي ﷺ بـ عائشة قال لها: (يخيرك الله بين أن تبقي معي على هذا الوضع الذي أنا فيه من شظف العيش من النفقة المحدودة)؛ لأنه بيت مثالي وليس بيت ملك، ولا بيت غني، بل حجرات محدودة، وفراش محدود، وطعام محدود، وعيشة بسيطة، وإن كنت لا تريدين هذه العيشة ولا تستطيعين، قالت: أفيك أخير يا رسول الله؟ أي هل يمكن أن أختار أحداً في الدنيا غيرك؟! لماذا؟ هل أغراها النبي ﷺ بالمال؟ لا. بعض النساء الآن لا تعيش في ظل زوجها إلا بالإغراءات المادية، يغير لها المتاع كل سنة، يغير لها الذهب كل عيد، يغير لها الملابس بالآلاف، لا تنزل إلى السوق إلا ومعها خمسة أو ستة آلاف ريال، ولذلك يسكت غضبها بالفلوس، بعضهم يغريها بالنواحي الأخرى، لكن الرسول ﷺ لم يغرها بالمال، ولم يغرها بأي شيء، وإنما بالخلق الكريم، وبالتعامل العظيم، صلوات الله وسلامه عليه. فلا بد -يا أخي الكريم- أن تشعر بأن المرأة لها حق، مثل ما لك حق، ولسنا في صدد بيان حقوق الزوج فإن أكثر الأزواج يأخذون حقوقهم بالقوة؛ لأن المرأة ضعيفة، فالرجل دائماً يأخذ حقه إن رضيت بالطيب أو بالغصب، لكننا نوصي -أيها الإخوة- في حقوق النساء؛ لأن كثيراً من الرجال لا يرى إلا حقه أما حقها فلا يراه، مثل البعير لا يرى عوجة رقبته، لو سألت الجمل: كيف رقبتك يا جمل؟ قال: رقبتي أسمح من المسطرة، وهي أعوج رقبة في الدنيا؛ لأنه لا يراها هو، وكذلك بعض الرجال لا يرى الأخطاء التي يرتكبها هو، وإنما يرى أخطاء زوجته ولا يرى أخطاءه، فلا بد أن تكون منصفاً عادلاً، وتقوم بالحقوق التي أوجبها الشرع عليك، من العشرة الطيبة، والمعاملة الحسنة والنفقة بقدر ما منّ الله عليك من الرزق ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ [الطلاق:٧] ومن إكرامها إكرام أهلها، والمناداة لها بأحسن العبارات، والمباسطة لها بالقول، والسمر معها، والإدلاء إليها بما في قلبك، ولا تحتقرها، فهي شريكة حياتك، بعض الناس لا يعطي زوجته شيئاً مما في قلبه، بل إذا دق الهاتف ورفع السماعة، رأيت منه رداً غير الرد الذي يتعامل به مع زوجته، زميله يدق عليه فيرفع السماعة: (ألو، أهلاً، كيف الحال، عساك طيب)، وبعد أن يضع السماعة، قال: يا امرأة هاتي الشاي، لماذا مع المرأة كلام غليظ، ومع ذلك كلام مثل العسل؟ لماذا لا تقول لها: يا فلانة يا أم فلان أعطيني كذا؟! أُدعها بأحسن الأسماء، وأكرمها؛ لأنك إذا أكرمتها حتى لو لم تكن صادقاً. يقول الشيخ: إن الله أباح لنا أن نكذب على النساء، لماذا نكذب؟ من أجل أن تدوم العشرة، عندما تقول: والله أنا أحبك، ولو أنك لا تحبها، تراها مسكينة تفرح، إذا طبخت لك طعاماً ولو لم يكن حسناً أو جيداً، وقلت لها: إن الطعام شهي، وما أحسن هذا الطعام، تراها تتفانى من غدٍ وتتفانى في تقديم أحسن الطعام، وإذا كان الملح كثيراً قل لها: ما هذا من ملح اليوم، ممتاز مرة، تجعله بعد ذلك أحسن، ولكن أنت عندما تدق عينها، وتحطمها، وتبحث عن عيوبها، طبعاً هي إنسانة مضطرة أن تتعامل معك بنفس التعامل الذي تتعامل به معها. لا بد -أيها الإخوة- من قضية القيام بالحقوق المشتركة، حقوق الزوج وحقوق الزوجة، فكما أن الله أوجب للرجل على المرأة حقوقاً، أيضاً أوجب للمرأة على الرجل حقوقاً، فليعرف كل فرد منهم الحقوق المترتبة عليه وليقم بها، وإذا قام الزوج والزوجة بالحقوق فإن هذا سوف يؤدي إلى انعدام المشاكل، هل يوجد رجل يريد المشاكل في بيته؟ لا. إذا وصل الرجل إلى بيته من عمله متعباً ووجد امرأته أمامه، تستقبله بالبسمة، وبالعبارة الطيبة، وبالخدمة المتناهية، ثم جلس ووجد الطعام الشهي اللذيذ، ثم بعد ذلك وجد الفراش الوفير، ووجد الطمأنينة، ووجد الأولاد قد حصروا في مكان بعيد عنه، بحيث يجد له ساعة أو نصف ساعة بعد الدوام لينام فيها ويرتاح، ثم بعد العصر يخرج بعد الصلاة ليجد أمامه الشاي والتمر والقهوة والمكسرات، ثم بعد ذلك يجد زوجته تقدم له كتاباً أو تقدم له شريطاً ليسمعه، هل يبقى هناك مشاكل؟ لكن بعض الزوجات ما عندها هذا الكلام كله، فماذا يحصل من الزوج إذا دخل وهي: (لاوية خشمها) ما سلم عليها، حينما يدخل يجد أمامه مشكلة. عليك أن تعاملها بما ينبغي أن تعاملك به، بحيث تسلم، وتعلمها بالأدب وبالتكرار، حتى تقوم بالواجب، هذا إن شاء الله مع الممارسة ومع الصبر.

стр. 1938

الآثار والنتائج التي تترتب على الخلافات الزوجية أما التعدد فإنني استسمح الشيخ حامد عذراً، وأرجو أن يعفيني من الإجابة عليه؛ نظراً لضيق الوقت، ولكن الموضوع الذي سألني فيه وهو الأول وهو الآثار والنتائج الخطيرة التي تترتب على الخلافات والمشاكل الزوجية وهي كثيرة جداً، يمكن حصرها في بعض العناصر أو النقاط:

стр. 1939

العيشة التعيسة بين الزوجين أولاً: العيشة التعيسة من قبل الزوج ومن قبل الزوجة، فإن الحياة الزوجية -كما ذكر الله سكن، والسكن ضد القلق، ولهذا سمي بيت الإنسان مسكناً، ليسكن ويرتاح فيه، لو أنزلته في أعظم فندق، فإنه لا يرتاح، ولكن أدخله في بيته فإنه يرتاح وينبسط، ولو كان بيته ليس في درجة الفندق أو القصر، وكذلك المرأة هي سكن الرجل، والرجل هو سكن المرأة، ﴿لتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾ [الروم:٢١] فإذا لم يجد الإنسان الراحة والطمأنينة في سكنه تحولت الحياة إلى عذاب، ولذا بعض الناس تجده إذا ذهب إلى البيت كأنه يذهب إلى قبر، لما يرى من المشاكل أمامه في البيت. وقديماً قيل: حرب الخلاء ولا حرب الدار؛ لأن حرب الخلاء تنتهي، لكن حرب الدار في وجهك كل مرة. وإبراهيم ﵇، لما جاء يزور إسماعيل وسأل زوجته عنه، قالت: ذهب إلى الصيد. قال: كيف أنتم؟ قالت: في شر حال، فقال: قولي له: يغير عتبة البيت، ولما جاء زوجها أخبرته فطلقها، سماها عتبة البيت، ومعنى العتبة: أول ما يصادفه الإنسان عندما يدخل، إذا كانت العتبة طيبة فالبيت كله طيب، وإذا كانت العتبة غير طيبة كلما دخلت آذتك، وكذلك المرأة. المرأة إذا كانت سيئة الخلق كلما دخلت عليها تجد الحياة أمامك كلها سيئة، وإذا كانت طيبة الخلق تجد الحياة كلها طيبة، فمن الآثار أن الخلافات الزوجية تحول الحياة الزوجية إلى جحيم لا يطاق، ولذا ترون الذي يعيش مع زوجة سيئة الخلق، أو تعيش الزوجة مع زوج سيئ الخلق يتهدم قبل أوانه، قد ترى عمره أربعين سنة، لكن إذا رأيته تقول: هذا عمره ستين سنة، شيَّبته قبل حينه، تجعل نهاره ليلاً، وليله ويلاً. أحد الناس كان معه زوجة، ولسانها على كتفيها تجلس تثرثر، لا تسكت أبداً، وأخيراً تعبت وتعب هو، وردها إلى أهلها، وفي النهاية اشترط على أهلها: أن تتكلم يوماً وتسكت يوماً؛ لأنها كثيرة كلام، ولما جاءت إلى البيت تريد أن تتكلم في اليوم الأول الذي ليس فيه كلام، وإذا بها تقول: بكرة الكلام، بكرة الكلام، بكرة الكلام، بكرة الكلام، إلى أن جاء بكرة، فإذا بها تورد عليه بكل ما أرادت أن تتكلم، لماذا؟ طبيعتها ثرثارة -والعياذ بالله- وكذلك بعض الرجال -حتى لا نظلم المرأة- سيئ الخلق امرأته فاضلة طيبة دينة ذات خُلق، لكنه سيئ الخلق، فإذا رأيتها رحمتها، تراها وقد انعكف ظهرها، قد شاب رأسها، وساءت حياتها، لماذا؟ لأنه سيئ الخلق، إذا دخل يضع عينه على الأخطاء لو رأى قشة في طرف المجلس أقام عليها مشكلة، لماذا لم تنظفوا المجلس؟ لماذا لم تغلقوا الكهرباء؟ لماذا الماء يصب؟ لماذا؟ لماذا؟ فقط، لكن ما يرى الحسن في المرأة، فتعيش معه زوجته في عذاب -والعياذ بالله- فهذا أول أثر من آثار الخلافات الزوجية، أن الحياة الزوجية تتحول إلى جحيم لا يطاق.

стр. 1940

ضياع الأولاد وتشردهم الأثر الثاني: يأتي على الأولاد، فإنهم ينشئون في ظل هذا الخلاف نشأة سيئة، فيحصل فيها التعقيد في النفوس، ويحصل فيها مشاكل، ويفشلون في حياتهم الدراسية. أيضاً يحصل بينهم كراهية للأم إذا كانوا يرونها تتكلم على الوالد، وكراهية للأب إذا رأوه يمد يده ويتكلم على أمهم؛ لأن الولد يقف موقفاً مذهلاً، وهو يرى أباه يضرب أمه، يقول: ما هذا؟! هذا إنسان لماذا يضربها؟! لأن الولد يحب أمه، فإذا رأى الأب يضرب أمه حصلت عنده عقده وكراهية وبغضاء لهذا الأب، وسوف ينتقم منه فيما بعد، وكذلك إذا رأى الولد الأم وهي تنال من الوالد، بأن تلعنه أو تسبه أو تشتمه أو تطول لسانها عليه؛ فإنه يبغضها، ويكرهها، وتتحول المحبة لها إلى بغض وكراهية وإلى عقد نفسية، فلا ينبغي أن يحصل هذا أمام الأولاد، كما قلنا: لا تخلو الحياة، لكن إذا وقعت مشكلة سكت الزوج وسكتت المرأة إلى أن يكون الأولاد غير موجودين في المدرسة أو في أي مكان آخر، أو في غرفة بعيدة ثم ناقشوا الخلاف الذي بينكم، أما أمام الأولاد، فلا. بعضهم يقول: كيف أسكت وأنا غضبان، لا يعرف الشجاع إلا عند الغضب، يقول ﵊: (ليس الشديد بالصرعة) أي: الإنسان المندفع الأهوج، الذي إذا استثير أثار نفسه، لا. (ولكن الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب) هذا هو الشجاع الحقيقي، أما ذاك المندفع الذي لا يملك نفسه فليس بشجاع، هذا متهور وسوف يندم على تصرفاته، لكن الذي يملك نفسه حتى يذهب إلى الغرفة فتطفأ هذه الفتنة ويطفأ نار الغضب حتى ترعى أولادك، ومن أجل هؤلاء الأولاد حتى لا ينشئون على هذه النشأة، ولذا ترون -أيها الإخوة- الأولاد في المدرسة يلاحظ عليهم قصور في الأداء التعليمي، وكذلك الواجبات غير محلولة، والولد شارد أثناء الدرس، الولد كثير الشغب، فهناك مشرف يسمونه مرشد طلابي، يقوم بدراسة الحالات الفردية لهؤلاء الأولاد، ونتوصل بالنهاية في كثير من الحالات إلى أن السبب هو أن الحياة الزوجية غير مستقيمة في البيت، وأن هناك خلافات في البيت، الأب يضرب الأم، والأم تخاصم الأب، فينعكس هذا على أداء الولد، كيف تريد لولدك يذاكر دروسه في هذا الجو المملوء المشحون بالمشاكل؟ لكن عندما يأتي الولد من المدرسة يجد الأم تبتسم والأب يبتسم والتفاهم قائم والاحترام متبادل والعشرة طيبة، يحس الولد بالأمن ويشعر بالطمأنينة، ويشعر بالسكينة، ويمارس دراسته، ويراجع ويذاكر واجباته في جو آمن، لكنه عندما يرى الأب يضرب، وتلك تصيح، وهذا كذا، وهذا كذا، كيف يذاكر؟ يهرب إلى الشارع وبالتالي يفشل في حياته الدراسية وفي حياته العملية، ويكون السبب أنت أيها الزوج وأنت أيتها الزوجة. الثالث من الأسباب: وهذا يترتب عليه خلافات تنتشر وتتصاعد وتنال منه بقية الأسرة، الخلاف بين الزوجين، كأن تسمع به الأم -أم الزوج- فتكره الزوجة، أو تسمع به أم الزوجة فتكره الزوج، ويسمع أبو الزوج فيتدخل، ويسمع أبو الزوجة فيتدخل أيضاً، ويسمع الأعمام والأقارب وتحصل الشحناء وتحصل المشاكل والبغضاء، وتتقاطع العلاقات وتنتشر العداوات، وربما تقوم الحروب والمطاحنات من أجل خلاف زوجي بين اثنين، لكن لو كان هناك تفاهم، لحصل التفاهم بين الأسر كلها، وربما يحصل هذا أكثر إلى أن تحصل مشاكل بين القبائل بأسباب خلاف زوجي بين رجل وامرأة، ثم تأتي الطامة الكبرى والنهاية المؤلمة التي قد تقع من أسباب وجود الخلافات الزوجية وهي: الطلاق. الطلاق الذي نعرف آثاره على الأسر، الأسر تتحطم، والأبناء يشردون، ويحرمون من نعمة الحنان بالنسبة للأم ومن شفقة الأب، إن جلسوا مع أبيهم ضاعوا، وإن ذهبوا مع أمهم جاعوا. وأيضاً المرأة بعد أن تطلق، المعروف طبعاً في المجتمع أن الناس يعيبون عليها، بعد أن كانت في بيت زوجها ملكة، تصبح في بيت أهلها خادمة، وبعد أن كانت فلانة، قالوا: فلانة المطلقة أو الأرملة. وأيضاً الزوج إذا جاء يتزوج يُعرَض عنه، وكلما أراد أن يخطب قالوا له: قد طلق زوجته، وإنه رجل مطلاق، فلا أحد يقبله، إلا امرأة طائحة ربما ما امتدت لها يد، فتقبله ولكنها لا تسعده ولا تلبي احتياجه، وبالتالي تحصل المشاكل الكثيرة. وحتى لا تحصل هذه الآثار، فإننا نوصي أنفسنا ونوصي إخواننا: أولاً: بالقيام بالحقوق التي أوجبها الله للطرف الآخر. ثانياً: التعامل على ضوء الكتاب والسنة. ثالثاً: الصبر والاستيعاب. رابعاً: العدل والإنصاف، والنظر إلى ما يحبب الرجل من المرأة، كما وجه ذلك الرسول ﷺ في الحديث الصحيح: (لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقاً رضي آخر) عليك أن تنظر بعين العدل، فإذا كرهت منها شيئاً فاعلم أن المرأة خلقت من ضلع أعوج، لا توجد امرأة في الدنيا مستقيمة كالمسطرة، هل رأيت ضلعاً مثل المسطرة، انظر في الأضلاع كلها لا يوجد ضلع إلا وفيه عوج، والمرأة مخلوقة من هذا الضلع، ولهذا قال ﵊: (استمتعوا بهن على عوجهن؛ فإنك إن ذهبت تقيمه كسرته، وإن استمتعت به استمتعت به على عوج) أما أن تريد واحدة (١٠٠%) مثل المسطرة فهذه ليست موجودة في الدنيا؛ لأنك أنت غير مستقيم، وكذلك المرأة لن تجدها مستقيمة (١٠٠%)، إن أردتها فاطلبها في الجنة. أسأل الله أن يرزقنا وإياكم النعيم الذي وعدنا الله به، ومن ضمن النعيم الحور العين ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾ [الرحمن:٧٢]. أسأل الله ﵎ أن يديم علينا وعليكم نعمة الأمن والإيمان والإسلام، والطمأنينة في الأوطان، وفي المشاكل، وفي الأولاد والزوجات، وأن يوفقنا جميعاً لكل خير، وأن يوفق ولاة أمورنا وعلماءنا ودعاتنا إلى خدمة هذا الدين، والدعوة إليه ومناصرته إنه ولي ذلك والقادر عليه، والله أعلم. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. كلام الشيخ حامد: أثابكم الله وجزاكم الله خيراً، لا شك أن الطلاق هو أبغض الحلال إلى الله، ولكنه هو العلاج الأخير، فأسأل الله ﵎ أن يوفقنا جميعاً للتعاون على البر والتقوى، والتناصح والتآمر بالمعروف والتناهي عن المنكر، على وجه العموم وعلى وجه الخصوص في البيوت، وأن يجعلنا جميعاً مِمن أراد الله بهم خيراً إنه على ذلك قدير. الحقيقة لعل الإقامة أوشكت، ونود أن يشاركنا: الدكتور الشيخ عبد الرحمن السديس حفظه الله، فليتفضل ليشاركنا ويتحفنا جزاه الله خيراً.

стр. 1941

الرجوع إلى الله وتحكيم الشرع هو الحل الأمثل تجاه المشاكل الاجتماعية كلام الشيخ عبد الرحمن السديس: إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهديه الله فلا مضل له، ومن يضلل الله فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن دعا بدعوته واهتدى بهداه. أما بعد: فإننا نحمد الله ونشكره جل وعلا على عموم نعمه وآلائه، ومنها نعمة هذا اللقاء الطيب المبارك، في رحاب جامع الدعوة بحي العوالي، وهذا النشاط الذي يقام في هذا الجامع ويؤسفنا أن نقوم لأول مرة في هذا الجامع، لكنها بإذن الله فاتحة خير، فنشكر الله على نعمة هذا اللقاء الطيب المبارك، ثم نشكر إخواننا في مركز الدعوة في مكة المكرمة نشاطهم الطيب في الدعوة إلى الله ﵎، وإقامة الندوات والمحاضرات المفيدة التي تتحسس مشاكل الناس، وتسعى إلى علاجها، فجزاهم الله خيراً، وضاعف مثوبتهم، وزاد من نشاطهم فيما يحبه ويرضاه، ثم نخص بالشكر أعضاء هذه الندوة المباركة، صاحب الفضيلة: الشيخ الدكتور جابر الطيب، وصاحب الفضيلة: الشيخ سعيد بن مسفر والأخ الشيخ حامد المصلح الذي أدار هذه الندوة، ولا شك أنها ندوة موفقة ومباركة، قد استمعنا جميعاً إلى كلامهم، وإلى بيانهم وبلاغهم وأدائهم، والحق أنهم قد أجادوا وأفادوا، فجزاهم الله خيراً، وبارك فيهم، ونسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن يستمع القول فيتبعون أحسنه. أيها الإخوة في الله! لا تعليق عندي على ما قاله أصحاب الفضيلة، لكنها رغبة في المشاركة في هذا اللقاء الطيب المبارك، لا سيما والمسجد مسجد حي، وقد حضرنا وأتينا لأداء الصلاة وسمعنا هذه الكلمات الطيبات من أصحاب الفضيلة بما لا مزيد عليه، لكن الحق أنه في كل مشكلة ينبغي أن يشخص الداء وأن يوصف الدواء، فإذا عرف الداء وتشخص استطاع الطبيب أن يذكر العلاج وأن يصفه، ثم لزم المريض أن يتابع هذا العلاج وأن يعمل به، وأن يستمر عليه وأن يتابعه، ليؤتي أكله وثماره حياة سليمة صحيحة، وهذه المشكلات الخاصة بالمشكلات الاجتماعية، ومشكلات الزواج والأسرة والطلاق، مشكلات أقضت مضاجع الأمة، وبحت فيها حناجر الغيورين والمصلحين، ولكنها مع شديد الأسف لا تزال تتضاعف في كثير من المجتمعات، وإن كان مجتمعنا -ولله الحمد والمنة- بحكم إسلامه وتمسك أفراده بشريعة ربهم ﵎ في الجملة، لا شك أنه خير المجتمعات بالنظر إلى هذه المشكلات، ولا شك أن المجتمع المسلم الذي ترفرف عليه رايات تطبيق شريعة الله بقدر تمسكه يكون بعيداً عن المشكلات، وبقدر تساهله في تطبيق شرع الله تتضاعف المشكلات، وتتعاظم المعضلات، ويصعب حلها. أيها الإخوة في الله! الحكم على الشيء دائماً فرع عن تصوره، والمشكلات الاجتماعية فرع عن مشكلات كثيرة أصيبت بها الأمة، والمجتمعات، فتشخص الأسباب في كل مشكلة ومعضلة، ولقد أجاد أصحاب الفضيلة وأفادوا ولا حاجة إلى التكرار، ولو أن الأمة والأسرة والمجتمع بل وكل فرد من الأفراد طبق شرع الله في خاصة نفسه لأراح واستراح ولم تحصل منه مشاكل، لا إلى نفسه ولا إلى بيته ولا إلى أسرته، متى ما أصلح الإنسان ما بينه وبين الله أصلح الله ما بينه وبين الناس، ومن ذلك أن يصلح الله أسرته، ويصلح أولاده، ويبارك له في داره وسكنه، وبقدر تقصيره يعاقب بمثل هذا الأمر، كما ذُكر عن بعض السلف أنه قال: إني لأعصي الله فأرى ذلك في سلوك زوجتي ودابتي وخادمي، أو كما ورد. فالحاصل أنه ينبغي أن يصلح الإنسان ما بينه وبين الله، وليعلم أن الله هو المتكفل بصلاح حاله ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق:٢ - ٣] ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً﴾ [الطلاق:٤] فينبغي علينا -أيها الإخوة -أن نحرص على تطبيق شرع الله في خاصة أنفسنا وأولادنا وأسرنا ومجتمعنا كل في محيطه وكل فيما يستطيعه. ومن الأسباب أيضاً: تقصير كلاً من الزوجين في القيام بحقه، وكل ينظر ما له ولا ينظر الذي عليه، وهذه قضية ينبغي أن ينظر فيها بعين الإنصاف والعدل والمساواة، وإن كانت المساواة ليست دقيقة على معنى؛ لأن الرجل له أكثر مما للمرأة كما قال : ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة:٢٢٨]. ولا شك أن كل زوج يطالب بحقه، فالمرأة لها حقوق، والزوج له حقوق، وإن كنت لمست أن بعض أصحاب الفضيلة في المحاضرة غلب جانب حقوق النساء أكثر من جانب حقوق الرجال، وقد يكون غيره ركز على حقوق الرجال وقصر في حقوق النساء، القضية ميزان وعدل ينبغي على كل واحد أن يعلم ما له وما عليه، ثم لا أدري لماذا هرب الشيخ سعيد بن مسفر حفظه الله عن السؤال الذي عرض عليه، والمسألة محسومة شرعاً، ولا ينبغي في نظري أن تكون مجال أخذ ورأي، وينبغي أن يعالج في مثل هذا في أخطاء الناس وفي تطبيقهم لشرع الله رجالاً كانوا أو نساء. فإذاً -أيها الإخوة- هذه القضية وهذه القضايا الكثيرة علاجها: أن يعود الناس ولا سيما الزوجين إلى شرع ربهم المطهر، ففيه الشفاء من كل داء، كذلك ينبغي أن تتعاون الجهات كلها على علاج هذه القضايا، وينبغي أن يتعاون حتى أهل الزوجين إذا تضاعفت وتعاظمت الأمور، ينبغي أن تكون هناك لجان للإصلاح بين الأسر: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء:٣٥] فينبغي أن نسعى جميعاً للإصلاح ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً﴾ [النساء:١١٤] وقال تعالى: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء:١٢٨] فينبغي أن يصطلح الزوجان وأن يكون أهل الزوجين لا سيما الآباء والأمهات حريصين على مصلحة أبنائهم وبناتهم المتزوجين، ومما يستثنى أن بعض الآباء والأمهات ينظر إلى حق ابنه ولا ينظر إلى ما عليه من الحقوق، فتأتيه -مثلاً- ابنته تشتكيه زوجها فيغضب والدها ويريد أن ينتصر لابنته، وربما تكون ابنته هي المقصرة في حق زوجها، فهكذا ينبغي أن يسعى الناس للإصلاح، كما ينبغي أن يربى الأبناء على هذا، وأن يعرف الأبناء حقوق آبائهم وأمهاتهم حتى إذا أصبحوا أزواجاً وأصبحت البنات زوجات قمن بحقوق أزواجهن على ما ينبغي وعلى ما شرع الله . ثم متى يصلح البنيان؟ متى يبلغ البنيان يوماً تمامه إذا أنت تبنيه وغيرك يهدم ينبغي أن تتعاون جميع الجهات المسئولة على توجيه الأمة بما فيها وسائل الإعلام، وبما فيها مناهج التعليم لرعاية حقوق الأسر وتربية الأبناء، ومعرفة حقوق الزواج والزوجين، لكن إذا كانت هذه الوسائل وقد دخلت كل بيت تثير بعض المشكلات التي قد تورث شقاقاً في الأسر بين الزوجين، كقضية التعدد مثلاً، أو قضية عمل المرأة، أو غير ذلك من المسائل، أو كان الأبناء يعيشون على هذه الوسائل والقنوات الفضائية التي تدمر الأخلاق والقيم، فلا شك أنهم سيخرجون إلى المجتمعات أعضاء مسمومة في المجتمع. على كل حال أسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأن يجعل هذه المشكلات تزول عما قريب عن كل بيت وعن كل أسرة، حتى تتفيأ ظلال الأمن الوارث والسكينة والرحمة التي من أجلها شرع الله الزواج، وأقام عليها عماد البيوت والأسر والمجتمعات. وفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه، وشكر حضوركم وإنصاتكم واستماعكم وجعلكم في روضة من رياض الجنة، وجعلكم ممن قال فيهم رسول الله ﷺ : (وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده). والحقيقة أن رسالة هذا المسجد ورسالة المساجد كلها ينبغي أن تتضاعف، ونطالب إخواننا في مركز الدعوة أن يكثروا من هذه الندوات والمحاضرات، في هذا المسجد، وأيضاً نشكر أصحاب الفضيلة أعضاء هذه الندوة المباركة جزاهم الله خيراً على ما قدموا وجعله في موازينهم. ونرجو أن نراكم قريباً في نشاط قادم إن شاء الله. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 1942

وفي أنفسكم أفلا تبصرون [٢،١] ?! إن نعم الله علينا لا تعد ولا تحصى، ولا يدرك ذلك إلا من سلب شيئاً منها؛ ومن أجل تلك النعم وهبنا الله إياه في أنفسنا، وإن التدبر والتفكر فيها مما يساعد المرء على حسن حفظها، وذلك بشكرها واستعمالها في طاعة الله والابتعاد بها عن معصيته، ومن وُفِّق إلى ذلك فقد وُفِّق.

стр. 1943

فضل حضور مجالس العلم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين. أيها الإخوة في الله: أسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يجعل هذا الاجتماع اجتماعاً مرحوماً، وأن يجعل التفرق من بعده تفرقاً معصوماً، وألا يبقي فينا ولا معنا شقياً ولا محروماً. إن سعي المسلم والتماسه لحلق الذكر بالمساجد، وحبه لهذه الرياض النضرة في هذه البقاع الطاهرة هو دليل على صحة قلبه، وصحة القلب هدف للإنسان في هذه الحياة؛ لأنه لا ينفع في يوم القيامة إلا من أتى الله بقلب سليم، والذي يَرِدُ على الله ويفد عليه وقلبه مريض أو ميت، فإنه يخسر الخسارة التي لا تعوض، ويدمر التدمير الذي لا نجاة بعده. وسعيك -أيها الأخ في الله- والتماسك لهذه المجالس الطيبة دليلٌ على حبك لله، وحبك لرسول الله ﷺ . وأيضاً: فإن من نتائج مجالس الذكر وحلق العلم أنها تبعث على العمل، والذي يُتابع مجالس الذكر ولا يكون لها أثراً واضحاً في سلوكه وعبادته وتصرفاته وعقائده وأخلاقه فهذا لم يحضرها حقيقةً، فإن الحضور الحقيقي هو الذي يستلزم الانقياد بعد سماع الأمر ومعرفة النهي، فيفترض في الإنسان بعد معرفته لأمر الله ونهيه أن ينتهي ويأتمر، فهذا هو معنى طاعة الله وطاعة الرسول ﷺ . وأما مجرد السماع فقط دون أن يغير الإنسان من واقعه، أو أن يزيد هذا السماع في عباداته ويكف عن معاصيه وزلاته، فهذا سماع لا ينفع بل يضر يوم القيامة؛ لأنه حجة الله على عبده. والذي نتصوره -إن شاء الله-أن حرصك على هذا المجلس دليلٌ على رغبتك في الاستماع والاقتداء والاتباع والعمل بما تسمع رغبةً بما عند الله، وخوفاً من لقاء الله، وهذا هو الذي نحسبه فيك ولا نزكي على الله أحداً، ونسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يزيدنا توفيقاً وهداية وفلاحاً وصلاحاً ببركة هذه المجالس المباركة.

стр. 1944

نعمة المعافاة في الجسد قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم:٣٤]. أيها الإخوة في الله: يروي الإمام الترمذي في سننه حديثاً يذكر فيه بعض الأذكار التي كان رسول الله ﷺ يقولها حينما يستيقظ من النوم، وأنتم تعلمون أن الذكر من أبرز خصائصه صلوات الله وسلامه عليه، حتى قالت عائشة في الحديث الصحيح: (كان رسول الله ﷺ يذكر الله في سائر أحواله) كان ذاكراً لله في كل حركة وسكنة من حركات حياته، ومن ضمن الحركات والمتغيرات اليومية التي تجري على الإنسان يقظته بعد النوم، هذه اليقظة وردت فيها عدة أذكار عن رسول الله ﷺ : منها: (الحمد الله الذي أحياني بعدما أماتني وإليه النشور). ومنها: الحديث الذي أذكره لكم الآن وهو عند الترمذي، وهو قوله ﷺ حينما يستيقظ من النوم: (الحمد لله الذي عافاني في جسدي، ورد عليَّ روحي، وأذن لي بذكره) ثلاث كلمات، يحمد الله صلوات الله وسلامه عليه على هذه النعم العِظام، نعمٌ جزيلة نتقلب فيها ولا ندري لها وزناً، ولكن العبد الرباني يعرف قيمة النعمة، وخير عباد الله على الإطلاق رسول الله ﷺ ، يعرف قدر النعمة ويعرف قدر مُسديها ومنعمها فيحمد الله الذي لا إله إلا هو عليها، ويقول إذا استيقظ من النوم مُشعراً نفسه ومستشعراً عظمة هذه النعمة يقول: (الحمد لله). والحمد لله كلمة عظيمة، معناها: الثناء والتمجيد والتعظيم والاعتراف والشكر؛ لأنها تستلزم كل هذه المعاني. وجميع آيات الثناء على الله ، تستلزم الشكر والصبر والاعتراف والعبودية والانقياد؛ والحمد لله هي الكلمة العظيمة التي يقولها أهل الجنة بعد فراغ الأمر والحساب حيث يقولون: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [الزمر:٧٤] وأيضاً: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الزمر:٧٥]. الحمد لله، أي: الثناء المطلق لله، والألف واللام هنا لاستغراق جميع المحامد، أي: كُل حمدٍ وثناء وتبجيل وتعظيم، فإنما نرفعه ونقدمه لله الذي لا إله إلا هو. إن المسلم في حالة اليقظة من النوم يذكر نعمة الله فيقول: (الحمد الله الذي عافاني في جسدي)، وأنت تتقلب في الليل على فراش في نِعَمِ الله، جميع أجهزتك تشتغل من غير خلل ولا عطب، أجهزة مُعقدة بِدْءاً من رأسك إلى أخمص قدمك، فكم من مفصلٍ وعظم وعِرْق وخلية وجهاز وأداة كلها تعمل، ولو تعطلت واحدة من هذه الأجهزة أو تعطل عِرْق من هذه العروق، أو تعطل مفصل من هذه المفاصل، أو حصل في أحد هذه الأجزاء خلل بسيط لتغيرت عليك حياتك، وأنت تعرف هذا.

стр. 1945

نعمة الأضراس إذا آلمك ضرسك كيف تظلم الحياة في وجهك وتصيح وتقول: كل شيء إلا الضرس، لماذا؟ لأنك لا تحس بأي ألم إلا ألم الضرس، ولهذا يضربون به مثلاً في تكاليف العرس التي تثقل كاهل الإنسان فيقولون: (العرس نزعة ضرس) يعني أهم عمل، وأهم وأثقل شيء عند الإنسان. فالضرس الذي يسوس على الإنسان يجد له ألماً، لكن قبل أن يسوس عليك ضرسك، كم معك من أضراس وأسنان مركبة، صف من فوق وصف من تحت، وهي تشتغل بالليل والنهار، وبعض الناس لا يعطيها إجازة ولو ساعة، فهل هذه نعمة أم لا؟ إي والله نعمة من نعم الله العظيمة أن تبقى لك أسنانك سليمة باستمرار وأنت تستعملها، وتصور من قد خلعت له الأسنان وركب تركيبة. يقول العلماء: إن هذه الأسنان هي القوة التي كان رسول الله ﷺ يطلب الله أن يمتعه بها في قوله: (ومتعنا بأسماعنا وأبصارنا وقواتنا) لأن عليها وعلى وجودها يترتب أكلك للطعام، فالذي ليس عنده أسنان كيف يأكل الطعام؟ فمن الشيوخ كبار السن من يأكل الطعام ولا يحس له بطعم، والذي عنده تركيبة يأكل الطعام ويمضغه لكن ليس له طعم، فإن الطعم يأتي عن طريق إحساس الإنسان بلذة الطعام عن طريق الأضراس. فهذه نعمة ضرسك الموجود، وليس هو ضرساً واحداً؛ بل اثنين وثلاثة وأربعة والضواحك والأنياب والثنايا، ولو تعطل منها ضرس واحد لتغيرت عليك حياتك، وقد عافاك الله فيها، فله الحمد والمنة.

стр. 1946

نعمة السمع جهازك السمعي (الأذن) نعمة من نعم الله عليك، تستقبل الأصوات عبر هذا الجهاز -المكرفون- وبعدها تنقلها رأساً عبر القناة السمعية إلى الطبلة، ومن الطبلة تهتز وترد هذه الأصوات إلى داخل الرأس، والرأس يرسلها إلى الدماغ، والدماغ يترجم هذه الأصوات ويعلم أن هذا صوت فلان وذاك صوت فلان. فهذه نعمة من نعم الله عليك، ولو كانت الطبلة مخروقة أو دخلت فيها حشرة وأنت راقد وخرقت هذه الطبلة ما حالك؟ والطبلة عبارة عن غشاء من أرق الأغشية، ولكنه محروس بفضل الله ونعمته، فجميع الأجهزة في الإنسان إذا نام تكون مغطاة إلا الأذن لا تتغطى، لماذا؟ لأنه لو غطيت لما استيقظ الإنسان؛ لأن الله يقول عن أصحاب الكهف: ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً﴾ [الكهف:١١] لما أراد الله أن يوقظهم أيقظ آذانهم فسمعوا؛ ولهذا إذا أردت أن توقظ شخصاً تأتي عند رأسه وأذنه، وتقول: فلان قم، فيسمعك فيصحو، لكن لا تأتي وتكلمه عند عينه أو رجليه؛ لأن هذه الأذان هي التي تنقل هذه الأصوات، وهي نعمة من الله عليك.

стр. 1947

نعمة البصر نعمة العين وما أجلها من نعمة! امتن الله بها في القرآن فقال: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ﴾ [البلد:٨] فهذه من أعظم النعم، والناس اليوم يصرفون هذه النعمة في معصية الله، والله لو شاء لطمس على أعينهم، ولكنه مدهم بهاتين العينين وطلب منهم أن يستعملوها فيما يرضيه وأن يستعينوا بها على ما يحبه في هذه الدنيا، وبدلاً من ذلك استعملت العين في الحرام عند كثيرٍ من الناس، فسخروا أبصارهم للنظر إلى ما حرم الله بالليل والنهار، ينظرون إلى النساء والجرائد والمجلات والأفلام والمسلسلات، وينظرون إلى الناس بعين الازدراء والاحتقار والحسد على ما متعهم الله به من النعم، وهذه المناظر كلها محرمة، وقد قال الله في القرآن الكريم: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾ [النور:٣٠] وقال: ﴿وَلا تَمُدَّنَ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ [طه:١٣١]. فأنت بهاتين العينين اللتين هما من أجلِّ نعم الله عليك ينبغي أن تشكر هذه النعمة، فلا تستعملها في معصية الله، وهي والله الذي لا إله إلا هو من أجلِّ النعم؛ لأنك إذا فقدتها فقدت لذة الحياة كلها، والمرء منّا لا يعرف النعمة إلا إذا سلبها، فمتى يعرف الواحد منا العافية؟ إذا مرض. ومتى يعرف نعمة الشبع؟ إذا جاع، ومتى يعرف نعمة الحرية؟ إذا سُجن، ومتى يعرف نعمة الغنى؟ إذا افتقر، كذلك لا تعرف نعمة البصر إلا إذا مرضت عينك. ولو أن شخصاً منا أجرى تجربة بسيطة وأطبق عينه لمدة خمس دقائق، وأنا حاولت يوماً من الأيام أن أطبق عيني وضبطت الساعة وجعلتها مثلاً على الساعة السابعة إلا خمساً وقلت لن أفتحها إلا السابعة، وبعد دقيقة شعرت بضيق كبير، وبإمكانكم أن تجربوا، ضاقت عليَّ الأرض وأريد أن أفتح عيناي؛ لكن قد ألزمت نفسي أني لا أفتح فتراني لا أطالع في الساعة، وفي نفس الوقت أنتظر وبعد فترة بعيدة قمت وفتحت عيني وطالعت وإذا بها لم تمض إلا دقيقة واحدة، وأنا قد أصابني دوار من كثرة الإغماض، وأظلمت الحياة في وجهي، ثم قلت: بقي أربع دقائق فصبرت وصبرت حتى مللت، وأخيراً فتحت قليلاً ولم تمضِ إلا دقيقتان، ولم تنته الخمس الدقائق إلا بعد تعب، لماذا؟ لأنني سُجنت لما أظلمت عليَّ عيني ولم أعد أرى شيئاً. فأنت عندما تفتح عينيك ترى العالم والألوان والجمال والسماء والأرض والليل والنهار والأشجار والأنهار والبحار والسيارات والطائرات والمباني، وما يزين الناس به بيوتهم من طلاءات ومفارش وكنبات وغرف نوم، وما يُمتِع به الناس أبصارهم من أزواجٍ جميلات، وملابس مزركشات، وسيارات وموديلات، كل هذا من أجل ماذا؟ من أجل نعمة العين، وإلا فالذي لا يبصر ماذا عليه؟ فلو أدخلته في مجلس طوله مائة مترٍ أو مجلس طوله متر تراه يريد أن يجلس فقط. لكن الذي أعطاه الله نعمة البصر، يقول: أريد مجلساً طويلاً؛ لماذا؟ قال: المجلس الواسع يشرح الصدر، إذا جلست في غرفة طويلة انشرح صدري، أما ذاك الأعمى فإنه لا يدري هل هو في مجلس مائة متر فينشرح صدره أو في غرفة عرضها متراً في متر. وكذلك الآن الكهرباء لماذا يتفنن الناس بالثريات؟ ولو انطفأت الكهرباء في الليل وهم ساهرون أليس أصحاب الأبصار كلهم ينزعجون وترتبك عليهم حياتهم، ويبحثون عن بديل من كبريت ومصباح، أما الأعمى فلا يدري؛ لأن الكهرباء منطفئة عنده مدى الحياة إلا أن يشاء الله. وأنت ربي أعطاك عينين، فهذه نعمة من نعم الله عليك، لا تعرف قدرها إلى إذا سلبتها، وهذه النعمة معك في كل وقت، ترى فيها متى شئت على مدار أربع وعشرين ساعة، ألا تعلم أن هذه النعمة أنت مسئول عنها يوم القيامة: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر:٨] فما هو النعيم؟ فهل نتصور أننا مسئولون عن البطون فقط؟ لا، فكل نعمة يجريها الله عليك أنت مسئولٌ عنها بين يدي الله، هل حفظتها أم ضيعتها؟ هل شكرتها أم كفرتها؟ هل سخرتها واستخدمتها فيما يرضي مُسديها ومنعمها، أم استخدمتها فيما يغضبه؟ أليست هذه العين من الله؟ هل أنت اشتريتها أو ركبتها في مصنع أو ورشة؟ هل أمك أو أبوك أخذوها ووضعوها في رأسك؟ فمن الذي أعطاك إياها؟ إنه الله. إذاً: أليس الله بقادر على أن يسلبك العينين يوم أن كنت في بطن أمك؟ كان بالإمكان أن تخرج وليس لك عيون، فليس بيدك شيء، وكذلك الآن أليس الله بقادر على أن يسلبك هذه النعمة؟ بلى، فمن يعوضك نعمة البصر؟ قد يقول شخص منا: المستشفيات، فنقول له: إن المستشفيات الآن عاجزة عن أن تعمل عمليات لبعض العيون، حتى في أرقى المستشفيات التخصصية للعيون في العالم يأتيهم الأعمى ويقولون: لا يوجد فائدة القرنية عندك ملتهبة لا نستطيع بأي حال من الأحوال، فكيف يأتون لك بعين، فهذه نعمة العين. إذاً: هل تبيع هذه النعمة؟! حتى تعرف قدرها؟ لنعمل مزايدة على عين من عيون شخص منا، فنعطيه مليون ريال أو مليونين، أو عشرة ملايين، والله الذي لا إله إلا هو -أنا عن نفسي- لو أعطيت الأرض من أولها إلى آخرها وقيل لي: تعال نجعلك ملكاً أو رئيساً على جميع دول الأرض ونأخذ عينك فلن أعطيهم، لماذا؟ لأنك تملك الأرض كلها فأنت أغنى أهل الأرض بعين، وأعطاك الله عينين، فهذه نعمة اشكروا الله عليها. فأنت تقول في استيقاظك: (الحمد لله الذي عافاني في جسدي) عافاني في أسناني وأذني وعيني وأنفي.

стр. 1948

نعمة الأنف ومن نعم الله عليك نعمة الأنف الذي جعله الله في وسط الوجه، وقبل أن يدخل الهواء إلى الرئتين يمر عليه، ويقوم هو عبر الشعيرات الهوائية الموجودة في باطن الأنف بتصفيته وتنقيته من الأتربة والغبار، ولذلك ترى أنك إذا اشتغلت في ذلك اليوم بأي عمل فيه تراب وغبار، ثم جئت تستنثر وتتوضأ فإنه يخرج من أنفك تراب، فهذا التراب لو لم توجد الشعيرات لكان رأسك ممتلئ طيناً؛ لكن الله يحجز عنك هذه الأتربة عن طريق هذه الشعيرات فلا يدخل شيء، فإذا دخل الهواء من الأنف لا يدخل مباشرةً إلى الرئة، كان بالإمكان أن يدخل من الفم، لكن جعل الله له ممراً من الأنف إلى أن ينزل بواسطة البلعوم إلى القصبة الهوائية ثم إلى الرئة باستمرار، وفي هذه الرحلة يحصل تكييف للهواء؛ لأن درجة حرارة الهواء الخارجي -أحياناً- تكون أقل من درجة حرارة الجسم، فحرارة الجسم في الغالب (٣٧ درجة)، لكن تكون درجة حرارة الهواء الخارجي (٢١ درجة)، فإذا دخل الهواء البارد إلى الرئة فجأة، فإنه يحصل للإنسان زكام، فالهواء يدخل من الأنف والأنف يدفئه باستمرار ويدخل إلى الجسد وهو على درجة حرارة الجسد، ولذا ترون الإنسان في أيام البرد يصير أنفه أحمر، لماذا؟ لأن الشعيرات الدموية الموجودة فيه تعمل أكثر لكي تدفئ الهواء، فلا ينزل الهواء إلا مكيفاً، فهذه نعمة من نعم الله عليك. وإذا أصبت بالزكام وجلست أسبوعين أو ثلاثة وأنت لا تشم تعيش حياتك كلها بصعوبة جداً، ولا تطعم شيئاً من ألذ المأكولات، ولا تشم شيئاً من الروائح العطرية؛ لأن الحاسة عندك ليست سليمة، هذه نعمة من نعم الله عليك، وفتش في نعم الله عليك.

стр. 1949

نعمة العقل ومن نعم الله: نعمة العقل الذي هو مصرف لهذا الإنسان، فإذا سلب من الإنسان العقل كيف يتحول؟ إنه يفقد القدرة على التصرف السليم، فيتصرف تصرفات غير مسئولة أو غير معقولة، ويخاف أهله منه، يُكتِّفُونه ويجلسون عند رأسه، ويقولون: انتبهوا! لا يفتح الباب، لا يقفز من الشُّبَاك، انتبهوا! لا تجعلوا عنده كبريتاً، أبعدوا النار من عنده؛ لماذا؟ لأنه لا يضبط تصرفاته، ولهذا امتن الله علينا بهذه النعمة فقال: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل:٧٨]. فهذه الثلاث النعم لو سلبها الله من البشر، فلا عقول ولا أسماع ولا أبصار ماذا بقي معهم؟ بقيت كتل بشرية لا تعقل ولا تسمع ولا تبصر، فهل تصنع هذه الكتل حضارة؟ وهل تخترع مخترعات؟ وهل تركب الطائرات؟ وهل تصنع سيارات؟ وهل تبني العمارات؟ وهل تؤلف المؤلفات؟ وهل تبني الجامعات؟ وهل تنتج هذه الحضارات؟ لا. لماذا؟ لأنه لا عقل يعقل ولا سمع يسمع ولا عين تبصر، ماذا بقي من الناس؟ بقي منهم الأشكال التي لا قيمة لها، لكن هذه النعم من الله ﵎. العقل نعمة من نعم الله الذي لا إله إلا هو؛ لأنه بمنزلة المصرف لك بحيث لا تمشي إلا في الصواب، فبغير العقل لا يدري ماذا يعمل الإنسان، فعليك أن تشكر الله على نعمة العقل.

стр. 1950

نعمة اللسان ومن نعم الله: جهاز اللسان الذي هو آية من آيات الله، امتن الله به في القرآن وقال: ﴿وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ﴾ [البلد:٩] فالهواء الخارج يسمونه في الطب ثاني أكسيد الكربون وهو محروق ليس له فائدة، بحيث لو جلس الإنسان يستنشق ثاني أكسيد الكربون المحروق يموت، وهو يستنشق الأكسجين ويحوله إلى الرئة ويصفي به الدم وبعد ذلك يصعد ثاني أكسيد الكربون، فهذا الهواء الخارج محترق وسام، ورغم أنه سام إلا أنه لا يخرج هباء، وإنما ركب الله ﵎ في الحلق الأوتار والحبال الصوتية فتستفيد من الهواء الخارج وتتكلم به، ولهذا يقولون: إن الذي يريد أن يقرأ القرآن أو يتكلم فعليه أن يستنشق نفساً طويلاً ثم يقرأ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢] فالهواء الذي كان في الرئة ما الذي جعله يصعد ليصبح كلاماً وهو هواء فاسد، لا تعلم أنت ولا أعلم أنا ولا يعلم أحد، لسان يتكلم بكل فصاحة وبيان، ويعرف الكلام وهذا لا يدري كيف، والذي يقرأ كلام ابن القيم ﵀ في مفتاح دار السعادة وهو يتكلم على نعمة الله في خلق هذا اللسان، يرى العجب العجاب، كيف أن هذه اللحمة التي لا تدري كيف تعرف الأصوات وتتكلم بالأصوات ممكن أن أتكلم لكم الآن بصوتي وممكن أن أقلد لكم صوتاً آخر، فكيف صعد هذا الصوت؟ باللسان، وهذا اللسان يعرف الأطعمة كلها، هذا حار، وهذا بارد، وهذا حلو، وهذا حامض، وهذا فيه لذعة، وهذا فيه حموضة، جميع الأطعمة كلها تعرفها عن طريق لسانك، هذه نعمة من نعم الله عليك. وبعد ذلك في داخل الفم يقوم بدور عامل الخلطة، فالذي يعمل الخلطة يأتي -مثلاً- بكيس من سمنت ورمل وخرسان وما تصلح إلا بعامل وماء و (كريك)، وهذا هو الذي تعمله أنت الآن، تدخل لقمة رز، ومعها قليل لحم، من الذي يخلطها داخل ويسويها ويقلبها؟ الأسنان تطحن وهذا الكريك (اللسان) يقلب إلى أن تنضبط الخلطة، فإذا كانت مستساغة نزلها على المعدة، والمعدة تقوم بدورها في الهضم، هذه نعمة الله في اللسان.

стр. 1951

نعمة المريء والبلعوم ولسان المزمار بعد اللسان في رأس الرقبة توجد (ماسورتان): ماسورة اسمها (المريء) وهو الذي يدخل منه الطعام، وماسورة ثانية اسمها البلعوم، وهي التي يسمونها (القصبة الهوائية) وهي التي يدخل منها الهواء. وهاتان الماسورتان يقف بينهما جندي نسميه باللسان العامي (الطراعة)، واسمها في الطب: (لسان المزمار). ومهمته: إذا أتى طعام يفتح مجرى الأكل ويسد مجرى الهواء، وإذا أتى هواء يسد مجرى الطعام ويفتح مجرى الهواء، ولا يسمح بمرور الاثنين في وقت واحد -عسكري مضبوط- وأحياناً يصدر من الدماغ أمر لهذا العسكري بالسماح بدخول هواء ودخول طعام، يعني: شخص يأكل ويتكلم ماذا يحصل عنده؟ يحصل الشرقة، وهي أن العسكري هذا لم يعد يعرف ينفذ أمر من، فهناك هواء يريد أن يدخل ويخرج؛ لكي يتكلم الشخص، وطعام يريد أن يدخل، فتدخل حبة رز في ماسورة الهواء وليس هو بمجرى لها، ولو دخلت هذه واستقرت في الداخل ماذا يحصل؟ يحصل الموت، لا يوجد دواء إلا أن يموت الإنسان مباشرة، حيث إنه لا تستطيع هذه القصبة الهوائية أن تتحمل حبة رز تدخل، فإذا دخلت الحبة هل يموت الإنسان بسبب هذه الغلطة؟ لا. فالله رحيم بهذا الإنسان، فتصدر أوامر من العقل إلى الرئة بوجود جسم غريب دخل عليكم اطردوه، فرأساً يبدأ الإنسان يسعل كثيراً، وهذه هي عملية طرد لهذا الجسم الغريب ولهذه الحبة من هذا المجرى فتخرج، فإذا خرجت قال: الحمد الله ذهبت الشرقة. هذه نعمة يا أخي! لو عطل الله منك لسان المزمار أو خرب ماذا تعمل؟ يا أخي! كلك آيات من آيات الله: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات:٢١] أفلا تتفكر من الذي أعطاك هذه الإمكانات وهذه القدرات إلا الله الذي لا إله إلا هو. المريء نسميه باللسان العامي (القرط) يعني الغضروف، وهي مفتوحة باستمرار، فهي مجرى الهواء لماذا؟ لأن الإنسان يحتاج إلى الهواء باستمرار، فجعلت هذه الماسورة مفتوحة وأنت قائم أو نائم، وأنت ماشٍ أو جالس، في أي وقت مفتوحة والهواء شغال. وبعد ذلك في المنام ركب الله هاتين الرئتين وركب لها عضلات لا إرادية تشتغل بغير إرادة منك، عضلة الرئة باستمرار تضخ الهواء، لو أن الله جعل عضلة الرئة إرادية بحيث من أراد الحياة يشغل رئته، والذي لا يريد الحياة يوقف، فما رأيكم: هل يشتغل شخص بشيء غير رئته؟ كل منا يريد ألا يقبض؛ لأنه إذا أوقف الرئة مات، لكن جعل الله هذه الرئة تتحرك بالهواء وأنت راقد، والهواء يطلع وذاك ينزل، لا إله إلا الله ما أعظم نعم الله علينا! أما العضلة الثانية لمجرى المريء الخاص بالطعام فماسورة مجوفة ذات عضلات تسمح بنزول الشيء ولا تسمح بخروجه، إذا دخل فيها شيء تنقبض إلى تحت بحيث لا تبقى لقمة في حلقك، بمجرد أن ترميها تقوم العضلة تضغط على تلك وتضغط تضغط إلى أن تستقر في بطنك، ولولا وجود هذه العضلة لاحتاج كل منا إلى أن يدفع كل لقمة ويدخل وراءها سيخاً كيما ينزلها، لكن من وقت ما تبلعها ما الذي يوصلها إلى المعدة؟ هذا فم المعدة مسافة (٣٠سم)، فما الذي يدخل اللقمة إلى هنا؟ أو تشرب على كل لقمة ماء، لكن يمكن أن تكون اللقمة كبيرة، من الذي يمشي لك هذه اللقمة؟ لقد كفاك الله هذه المئونة، وجعل العضلة هذه بمجرد ما تنزل بها الحبة تنقبض إلى تحت لكي تعصرها إلى أن تنزلها وتنفتح بعدها، لكن هذه العضلة لا تسمح بخروج شيء، وهذه العضلة النازلة مفتوحة، لكن لا تسمح بخروج الطعام؛ بدليل أنك إذا قمت بالانتكاس أو مارست حركة من حركات الرياضيين أنه يحصل الانتكاس والمعدة تتشقلب، لكن هل سمعنا أن واحداً انتكس على رأسه ونزل من بطنه إلى الماسورة شيء؟ لم ينزل شيء، لماذا؟ لأن الماسورة هذه إذا انتكس الواحد لا تسمح بنزول شيء، إلا في حالة واحدة وهي حالة الاستفراغ فإذا امتلأت المعدة، وأحس الإنسان بضيق، فالله يعطيه قدرة على أنه ينقر حلقه، ونقر الحلق هذا هو عملية تهييج لهذا البلعوم أن هناك طعاماً زائداً دعه يتخلص منه، فيعود الشخص (أع، أع) حتى يخرجه، أو يكون الإنسان مريضاً، فهذه نعمة أيها الإخوة! من نعم الله عليك أيها الإنسان.

стр. 1952

نعمة المعدة والكبد ينزل الطعام إلى المعدة التي هي جهاز غريب جداً مكون من اللحم، فمعدة الإنسان ليست مكينة حديدية، بل هي جهاز لحمي، لكن هذا الجهاز اللحمي يهضم اللحم، ولا يهضم نفسه، يعني هناك خاصية أنك تأكل اللحم وتنزله، تقوم هذه المعدة بإفراز مواد حمضية قلوية شديدة مثل الأسيد، يعرف الإنسان طعمها إذا حدث له قيء وقاء وصعد شيء يسمونه مر، يعني: حامض جداً، هذا هو الموجود في معدة كل الناس. ومن خصائص هذه المادة: أنها تأتي على الطعام النازل إليها فتذيبه وتصهره وتحلله تحليلاً كاملاً، وبعد ذلك ينتقل هذا الطعام المهضوم المنتهي المطحون إلى الأمعاء، والأمعاء تقوم بدور عظيم في عملية استخلاص المواد الغذائية النافعة وتحويلها إلى الجسد واستخلاص المواد الغذائية الغير نافعة وتحويلها كفضلات، وبعد ذلك عبر مواسير طويلة لا يعلمها إلا الله. هذه المعدة معقدة، فلو رأيتم الآن الذبيحة لما تذبح وترى (الخولاني الكبير)، وترى (العماصير والمرابض) هذه كلها تقوم بأدوار عظيمة، فيك أنت مثلها وأعقد منها. ومع هذا الجهاز أيضاً الجهاز الهضمي فيه الكبد، وهذا الكبد يقوم بوظائف كبيرة جداً في الجسم، وهو بمنزلة معمل كيماوي معقد الأدوار.

стр. 1953

نعمة الكلى بعد ذلك الكلى معلقة في ظهر الإنسان وهي بمنزلة الصفايات، وهي التي تقوم بعملية تنقية الدم من السموم والأملاح والمواد الفاسدة، وإذا فشلت الكلية عند الإنسان استطاعت الكلية الأخرى أن تقوم بهذا الدور، وكان الناس في الماضي قبل المستشفيات إذا فشلت الكلى يموت، لأنه لا يستطيع أن يعيش بغير كلى، لكن في هذا الزمان بعد تقدم العلم والحمد الله استطاعوا اختراع جهاز في المستشفى يسمونه الكلية الصناعية، والكلية الصناعية دولاب كبير يقوم بدور الكلية الصغيرة، فهم يأتون بالإنسان الذي عنده فشل كلوي ويجرون له عملية، ويقومون بسحب الدم منه في ذلك اليوم الذي يريدون أن يعملوا له فيها غسيلاً، في كل ثمانية وأربعين ساعة يغسلون دمه مرة واحدة، يسحبون الدم كله ويرسلونه إلى المكينة -الكلية الصناعية- فتقوم بتصفيته وإعادته مصفى عبر ماسورة ثانية إلى جسده أربع ساعات، والإنسان مستلق على السرير، ملق يديه يشعر بتعب ومعاناة لا يعلمها إلا الله، من أجل أن الدم يسحب كله ويذهب إلى الكلية هذه وتصفيه، أتدرون كم تصفي هذه الكلية؟ تصفي ما نسبته من السموم والأملاح الموجودة فيه عشرة في المائة فقط! وتسعين في المائة موجود في الدم، لكنها تصفي عشرة في المائة التي فيها خطر على جسم الإنسان، والباقي تضر الإنسان على المدى البعيد لكنه لا تستطيع تصفيتها، وأنت ربي معلق لك صفايتين في ظهرك تصفي لك كل أمورك ولا تدري ولا تشكر الله عليها. ولا يعرف نعمة الكلية إلا الذي ليس عنده كلى، يقول لي أحد الإخوة وقد أصيب بمرض فشل كلوي وجلس سنة وهو يعمل الغسيل هذا، والغسيل يكلف الدولة الغسلة الواحدة أكثر من ألف وخمسمائة ريال، لكن الآن في كل مستشفى كلية صناعية وأدوار تراهم بغير طوابير طالعين نازلين يغسلون بدون دفع أجرة، وهذا من فضل الله . وصاحب الكلية الصناعية يعاني ألماً لا يعلمه إلا الله؛ بل إن شكله يتغير، أحد الإخوة أعرفه قد تغير لونه من البياض إلى السواد، والله قابلته يوماً من الأيام فضحك لي على عادته، لكن أنا تعجبت: من هذا الذي يضحك لي وأنا لا أعرفه، إلى أن قربت وهو يضحك وإذا بي أعيد الذاكرة، عرفت ملامحه لكن اللون ليس لونه، تغير لونه كاملاً، قلت: فلان؟ قال: نعم، قال: ماذا فيك؟ وأنا خفت أن أقول: إنك تغيرت، فيصير في نفسه شيء من أجل المرض، قلت: يا أخي أنا من زمان لم أرك، فاشتبه عليَّ، فقعدت أسأله مالك؟ قال: الحمد لله أنا مصاب بالفشل الكلوي، وأجروا لي عملية، وأخذوا الكلى كلها، وأنا الآن أعمل غسيل كل ثمانية وأربعين ساعة، وقد تغير لونه، ولما سألت الدكتور بعدها، قال: إن المسام في الجلد تتعبأ وتتغير بفعل المواد التي لا تزال في الدم والتي لا تستطيع هذه الكلى الصناعية أن تصفيها، وأنت لا تشعر بهذه النعمة. أحد الإخوة عمل عملية نقل كلية من أحد أقربائه والآن يعيش بدون غسيل، يعيش بكلية واحدة، ويقول لي: يا أخي! ما أعظم نعمة الله علينا في الكلى، لم يذكر نعمة العين ولا نعمة الأذن، لم يذكر إلا نعمة الكلى، يقول: الحمد لله، قلت: ماذا بك؟ قال: يا أخي! كنت في هم! أذهب مشوار كل يوم أطلع من مكة إلى جدة أغسل كل يوم، ولابد يكون معي مرافق؛ لأني لا أستطيع بعد الغسيل أن أقود السيارة فيرجعني هذا المرافق، كل ثمانية وأربعين ساعة يذهب ويأتي، يقول: راحت حياتي كلها طلعة ونزلة وغسيل، والآن الحمد لله فأنا أجلس في بيتي والكلية الصناعية معلقة في ظهري، قلت ومن قبل كنت تدري بها قال: والله ما شعرت بها إلا الآن. هذه الكلية الصناعية يتصور بعض الناس الآن منا أو أنا كنت أفهم أن وجود الكلية الصناعية بمجرد أن توضع في جسم الإنسان تعمل مباشرةً، لا. لا بد أن يتناول يومياً جرعة من الدواء يسمونها مقابل رفض الجسم للعضو الغريب؛ لأن الكلية هذه ليست للجسم هذا، هي غريبة عليه ومحتمل في ساعة من الساعات أن يقول الجسم: من الذي أتى بكِ هاهنا، يرفضها، ورفضها يعني لا يتعامل معها فيموت الإنسان، فماذا يعمل الأطباء؟! يعطونه جرعة يومياً من دواء معين مع قارورة يأخذها في جيبه باستمرار، قلت: ما هذه؟ قال: هذه ثمنها ألف ريال تكفيني شهراً واحداً، ألف ريال شهرياً يعني راتب شخص، قلت: من أين تستلمها؟ قال: أستلمها من المستشفى بالمجان، تصرفها الدولة -بارك الله فيها- للناس بالمجان الذين عندهم فشل كلوي، ويعيشون على هذا المضاد، ويتناول هذه الجرعة بنسب معينة، مرة يكثر ومرة يقلل، بحسب التحاليل، والتحاليل كل شهر حتى يروا هل الجسم راضٍ عنها؟ فيعطونه -إن كان غير راضٍ- زيادة في الجرعة حتى يرضى الجسم، ولكن لابد من هذه المادة، هذا نعمة يا أخي! تذكر نعمة الله عليك، الحمد الله الذي عافاني في جسدي.

стр. 1954

نعمة القلب القلب: قلب الإنسان المضخة التي تضخ الدماء إلى الجسد، فيها مواسير وأوردة وشرايين، وبعد ذلك حركة باستمرار، وإذا توقف ماذا يحصل؟ يسمونه سكتة قلبية، لكن الله أعطى هذا القلب قوة، ولذلك يقول الأطباء: إن القلب من أهم وأقوى الأعضاء وأجلدها وأصبرها، قليل هم الذين توقفت قلوبهم، لكن نجد آخرين فشلت كلاهم، وعميت أعينهم، وهذا يحصل بكثرة، أما القلب فنادر، لماذا؟ لأن الله أعطاه قوة؛ لكي لا يموت الإنسان بسببه. فلو أن الله جعل قلباً تقليداً (تايوان) ولله المثل الأعلى، فماذا يصير؟ بمجرد وقوع أقل ضربة في قلبك تموت، لكن لديك قلب (أصلي) لا يقف بإذن الله، وشغال بالليل والنهار، الأمعاء، الكلى، الكبد، البنكرياس، كل الأجهزة، بعدها تأتي إلى جهازك العضلي، جهازك الدموي، جهازك الهيكلي، كل هذه أجهزة عافاك الله فيها، ولو فتشنا الجميع واحداً واحداً لوجدنا أنه معافى من رأسه إلى قدمه، ويذهب إلى بيته فيجد زوجته معافاة من رأسها إلى قدمها، هذه نعمة يا إخواني! وأولادنا معافون كلهم والذي عنده مرض بسيط رأساً الصيدلية مليئة، والأدوية مليئة، والمستشفيات مفتوحة، وفي أي لحظة نذهب لنتعالج، فنقول: الحمد لله الذي عافانا في أجسادنا.

стр. 1955

نعمة رد الروح بعد النوم أما النعمة الثانية التي وردت في الحديث فهي: (ورد عليَّ روحي) وهي نعمة أخرى تمديداً لخدماتك؛ لأن الروح تُطرد من الجسد مرتين: طرد نهائي، وطرد مؤقت. فالطرد المؤقت يكون عند النوم، ولماذا تطرد؟ لكي يستريح الجسد، إذ لا يمكن أن يستريح الجسد ويهدأ والروح متضايقاً؛ لأن الجسد مركوب والروح راكب، وهل سمعتم مركوباً لا ينزل عنه راكبه؟ هذا لا يمكن، فالطائرة لا بد أن تقف ويراد لها صيانة، والسيارة لابد أن تقف، والدابة لابد أن تقف، ليس هناك مركوب يمشي ليل نهار ولا يقف، أبداً، كذلك الجسد مركوب، ولذا إذا بقي الراكب موجوداً يتعب الجسد، ولو جئنا بإنسانٍ راجع من عمل أو دوام أو سفر متعب، سهران مثقل محطم وقلنا له: ماذا تريد؟ يقول: أريد أن أرتاح. قلنا: كم ساعة تريد أن ترتاح؟ قال: أريد أرتاح أربع أو خمس أو ست ساعات. قلنا: لا. نعطيك عشرين ساعة، لكن خذ هذا السرير الجميل، وهذا الفراش الوثير، وهذه البطانية الجميلة، خذ هذا وارقد واجلس عليها؛ لكن لا تنم كلما غمضت عينك وقفناك، فهل يرتاح؟ رغم أن السرير ممتاز، وهو لا يعمل شيئاً، مستلقٍ لكنه لا يرتاح إلا إذا نام، وإذا نزلت الروح من جسده، فإذا ذهبت الروح ونام الإنسان ساعة أو ساعتين وأتينا بعد ساعتين، وقلنا له: هل أنت تعبان؟ قال: لا. الحمد لله، اللهم لك الحمد ذهب التعب، ارتاح الجسم في النوم وعادت له حيويته ونشاطه عن طريق ذهاب الروح، فاقتضت حكمة الله أن ينام الإنسان حتى يعيش الجسد، ويعود مرةً ثانية لمقاومة أتعاب هذه الحياة، ولكن الروح تخرج خروجاً حقيقياً، فلا تبقى الروح في الجسد، والله يقول: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ﴾ [الزمر:٤٢] يعني: لم تمت موتاً حقيقياً، فيتوفاها الله أين؟ ﴿فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ﴾ [الزمر:٤٢] أي: لا يردها ﴿وَيُرْسِلُ﴾ [الزمر:٤٢] فمعنى الإرسال أنها قد خرجت، ولهذا يقول الرسول ﷺ في الحديث -وهو متفق مع الآية-: (إن أمسكت نفسي فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها) هذه الروح خرجت من الجسد وذهبت إلى مكانٍ يعلمه الله لا ندري أين هو الآن، أين تذهب الروح إذا نام الإنسان؟ وردت أدلة أن روح المؤمن تسجد تحت العرش، وأن روح الفاجر -والعياذ بالله- تجتذبها الشياطين وتجول بها ولا تترك بها آفة إلا عذبتها فيها، أما روح المؤمن الذاكر فتذهب تسجد عند الله حتى تعود له روحه، فروحٌ تحت العرش وروح في الحمام، كما يقول ابن القيم: أرواح المؤمنين تحت العرش، وأرواح الفسقة والمجرمين أصحاب الغناء والطرب الذين ينامون على المعاصي هؤلاء تذهب أرواحهم إلى الحمام في الأرض، تجول مع الشياطين والعياذ بالله. الروح إذا خرجت لا يدري الإنسان متى تخرج أولاً، وهناك عالم أمريكي أجرى أبحاثاً دقيقة على النوم، وجاء بإنسان ووضعه في مكان وسلط عليه أجهزة يقيس نبضه وحركته ويضبط كل تصرف يحصل منه، وتركه يُبصر ويريد أن يرى كيف ينام، وجلس عند رأسه وأخيراً وهو جالس يفكر والأجهزة لم يتحرك منها أي جهاز إلا وذاك يرقد داخل الصندوق، وهو جالس يفكر وأخيراً طالت عليه المدة وإذا بالدكتور نفسه قد نام. وأنا في يوم من الأيام كنت أفكر في النوم فدخلت في الفراش وبعد ذلك أدخلت البطانية تحت رأسي، ودخلتها من تحت (كراعيني) ثم أيضاً دفيتها من تحت جسمي ولفيتها عليَّ وأنا جالس أفكر أقول: الآن يأتي النوم، كيف يأتي النوم ومن أين يأتي هل يدخل من الباب أو (الكترة)؟ والآن قد قفلت على نفسي كيف يخرق البطانية، وأنا أفكر وإذا بي قد نمت وأنا في التفكير ما انتهيت منه فهذه آية من آيات الله. النوم آية من آيات الله، أخذ الله روحك وكان في الإمكان ألا تعود إليك مرة أخرى، ولكن مدد الله خدماتك وأعطاك فرصة ثانية، وأعطاك إمكانية أخرى لتصحيح وضعك، فرد الله عليك روحك، لماذا تُرد روحك؟ لكي تعصيه، بعضهم يمد يده إلى علبة الدخان قبل أن يفتح عينيه، تراه يبحث عن الدخان ليدخن، وبعضهم يمد يده من وقت أن يستيقظ على الأغنية (يا صباح الخير ياللي معنا) الله لا يصبحك إلا بالخير، مع أنه ما فيه خير، لا حول ولا قوة إلا بالله. الله رد عليك روحك من أجل ماذا؟ من أجل تصحيح الوضع، كان بالإمكان ألا تصحو، وكم عرفنا أقواماً ناموا وما استيقظوا، فبما أن الله رحمك وأنعم عليك بهذه النعمة ومدَّد في خدماتك، ورد لك روحك من أجل أن تستيقظ فتستغفره وتشكره وتعمل عملاً صالحاً ينفعك بعد موتك لا أن تقوم فتحاربه، والله ينعم عليك برد الروح وأنت تجازي ربك بمعصيته، فتستيقظ على معصية الله وتستعمل نفسك في معصية الله ولا تقوم إلى طاعة الله. وتبدأ من يوم تستيقظ إلى أن تنام وأنت شغال في المعاصي، ثم تنام على نية القيام على المعاصي، لا حول ولا قوة إلا بالله، هذه مصيبة. (ورد عليَّ روحي) رد الروح من أجل النعم التي ينبغي أن تعرف قيمتها، فتقول: يا ربِّ! لك الحمد كما رددت عليَّ روحي، من حقك عليَّ ومن واجبي أن أطيعك، لأنك رددت إليَّ روحي. قال الحسن البصري وقد مر على جنازةٍ ومعه غلام من رواده ومن مريديه، قال لغلامه هذا: [يا بني! ما ظنك بهذا الميت لو ردت له الروح ماذا سيعمل؟ قال: يطيع الله فلا يعصه أبداً] طبعاً أي شخص مات ثم رد الله عليه روحه هل سوف يعصي الله؟ أبداً لا يمكن، قال: [فكن أنت هو] يقول: اجعل نفسك أنت الذي قد حُملت على الخشب وأنك ذاهب إلى المقبرة، وقد تكون أنت أصغر في السن من هذا الميت، وهل يأتي الموت على حسب الأعمار؟ لا. ولكن الله أماته وأحياك أنت، فخذ من موته عبرة واجعل نفسك أنت المحمول على الأعناق، والآن ردت لك الروح فأطع الله ولا تعصه أبداً. فالله رد لك الروح من أجل أن تطيعه ولا تعصيه أبداً. وهذه النعمة الثانية.

стр. 1956

نعمة ذكر الله النعمة الثالثة: (وأذن لي بذكره) فكم من أناس يقومون معافين في أبدانهم وردت لهم أرواحهم، ولكن لم يؤذن لهم بذكر الله ، يقومون على غير ذكر الله، ويقطعون سحابة ليلهم ونهارهم في معصية الله؛ لأن الله لم يأذن لهم؛ لأنهم عصوه وخالفوا أمره، وتمردوا على شرعه، وعارضوا أوامره، وارتكبوا مناهيه، يعرفون أمر الله في أعينهم لكنهم نفذوا أمر الشيطان وتركوا أمر الله أمر الله في أعينهم، النظر في المصحف وإلى ملكوت السماوات والأرض، والنظر بها في مصالحك، وغضها عن الحرام، فهم عطلوها من كل ما أمر الله به، واستعملوها في كل ما أمر الشيطان به، ولذلك تجد الذي يحب النظر إلى النساء لا يحب النظر إلى المصحف، ولو قلت له: خذ اقرأ القرآن، قال: شكراً. وهناك شخص رأيته في المسجد، وهو جالس وأنا أقرأ بجانبه فقمت آخذ مصحفاً وأعطيه، فقال: شكراً، يعني: معبأ حسنات سبحان الله! شكراً للمصحف، من يرد المصحف إلا شخص محروم، ووالله لو أني أعطيته مبلغاً من المال لن يقول: شكراً، لكن المصحف لا يريد، فهذا محروم وقلبه منكوس والعياذ بالله، فعطل عينيه من النظر إلى المصحف لماذا؟ لأن عينيه ترى الحرام، والمسلسلات، والأفلام والجرائد والمجلات، بل إن بعضهم يجلس ساعة وساعتين يشتري بعشرة ريالات مجلة اسمها النهضة، الذي يسمع نهضة الأمة يعني سموها، سؤددها، مجدها، تاريخها وهل تعرفون ما هي نهضته؟ هي نهضة الجنس والزنا والغناء وقلة الحياء، يسمونها النهضة، واليقظة وبعشرة ريال وفيها صور فاتنة وقصص وكلام فارغ، يقرأها من الجلدة إلى الجلدة، لا يدع كلمة إلا وقد قرأها، ولو قلت له: خذ بالله صحيح البخاري قال: شكراً، صحيح البخاري فيه كلام الرسول ﷺ أصح كتاب بعد كتاب الله، خذ القرآن لا يريده، خذ السنة لا يريدها، خذ مجلة إسلامية لا يريد، لا يريد إلا هذه. عطل عينه من النظر إلى ما يحبه الله ويرضاه، واستعملها فيما يغضب الله ويأباه. وعطل أذنه عن سماع القرآن والذكر والمواعظ، واستعملها في سماع الغناء. وعطل لسانه عن الذكر والشكر والعلم وقراءة القرآن، واستعملها في المعاصي. فهذا الإنسان لما سار في الخط المعاكس لم يُؤذن له بذكر الله، لكن أنت يا مؤمن يسرك الله لهذا الأمر، وهذه بشرى والحمد لله أننا نرى الإقبال الكثير من قبل الشباب المؤمن. هناك شخص قبل صلاة المغرب وأنا خارج من بيتي لآتي إلى هنا، أمسكني عند الباب، يظن أن المحل الذي في بيتي حق الأشرطة ملكي، فقال: يا أخي! أنا من أهل بيشة وكان عندي استريو للأغاني، ولكن تاب الله عليَّ، وقررت تغييره من استريو أغاني إلى استريو رباني، وإذا بالنور في وجهه، والولد يتفتق حيوية وإيماناً، يقول: وأنا أرجو الله أن يغفر لي زلاتي فما من بيت إلا عليَّ فيه ذنب، فكم اشتروا مني من أغاني، وأنا الذي أصدرها، وأفسد بيوت المسلمين، واليوم والحمد لله تاب الله عليَّ، وما وجدت كفارة لعملي إلا أني أبيع أشرطة إسلامية بدل الأشرطة الشيطانية، فأرجو منك أنه إذا كان هذا المحل لك تجعل الصبي يساعدني ويدلني على الأشرطة المفيدة، فقلت له: بارك الله فيك وجزاك الله خيراً والحمد الله الذي هداك للإيمان، وهذا هو الوضع الصحيح؛ انتقلت من حزب الشيطان إلى حزب الله، كنت عدواً لله تحاربه واليوم أصبحت ولياً لله تدعو إليه، واعلم أنه ما من شريطٍ يخرج من محلك ويدعى به إلى الله ويطاع الله به إلا ولك مثل أجره، لا يوجد أعظم من هذا العمل، فاحمد الله ولكن يمكن يبتليك الله ويختبرك وما يصير لك رواج ولا مكاسب ولا يأتيك شيء فاصبر فإنك على الحق، قال: لا. لا توصيني بهذه فقد ذقت المر، فذهبت معه إلى صاحب المحل؛ لأن المحل ليس لي وقلت له: أين عمك؟ قال: عمي غير موجود، قلت: قل له: يقول فلان: هذا الرجل ينبغي مساعدته وإعطاؤه الأشرطة بسعر التكلفة، يعني: ما يكسب منه؛ لأن مثل هذا يعان ويساعد حتى يقوم محله، قال: أبشر إن شاء الله، فالحمد لله. ينبغي عليك أيها المسلم أن تشكر الله ما دام أن الله أذن لك بذكره. فأولاً حين فتحت عينك قلت: الحمد لله الذي أحياني بعد ما أماتني، أيضاً أذن لك في أن تفكرت في نعم الله عليك فشكرت الله، فقلت: وعافاني في جسدي ورد عليَّ روحي، وبعد ذلك أذن لك في ذكره. فهذا الحديث أيها الإخوة! فيه ثلاثة ألفاظ لكن فيها عبر وحكم إذا تأملها الإنسان عرف مقدار ما ينبغي أن يقوم به من العمل والإخلاص والتوبة إلى الله من جميع الذنوب كبيرها وصغيرها دقيقها وجليلها، حتى يكون من العباد الصالحين الذين يتولاهم الله في الدنيا والآخرة.

стр. 1957

أعظم الذكر هو القرآن الكريم أعظم ما يُذكر الله به هو القرآن الكريم الذي اجتمعنا هذه الليلة بسببه، القرآن الكريم الذي ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:٤٢] القرآن العظيم الذي يقول الله فيه: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى:٥٢] فسمى الله هذا القرآن روحاً، وكأن هذه الأمة جسد، وهذا الروح هو الذي إذا دخل فيها أحياها، وإذا خرج منها فهي ميتة، وهذه هي الحقيقة أيها الإخوة! إن الأمة الإسلامية إذا عاشت على روحها دبت فيها الحياة، وإن عاشت على غير روحها دب فيها الموت، وهاهي اليوم تدب فيها الحياة فتحيا، ويوم أن كانت ليس فيها حياة بالقرآن فهي ميتة: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْأِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ [الشورى:٥٢ - ٥٣]. وسمى الله هذا القرآن: نوراً، وقال فيه: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة:١٥]. وسماه الله: شفاء فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس:٥٧] وقال: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمىً﴾ [فصلت:٤٤] وقال: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَاراً﴾ [الإسراء:٨٢]. وسماه الله : هدى قال ﵎: ﴿الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:٢]. وأخبرنا أنه يهدي، فقال: ﴿يَا عِبَادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الزخرف:٦٨] من هم؟ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ * ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ﴾ [الزخرف:٦٩ - ٧٠]. وأخبر الله أن القرآن يهدي للتي هي أقوم فقال: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء:٩] وهنا (أَقْوَمُ) أفعل التفضيل يعني: هدى الله بهذا القرآن إلى أعظم العقائد وإلى أعظم العبادات وأعظم الشرائع وأعظم الأخلاق وأعظم النظم، فكل ما هدى إليه القرآن فهو أعظم ما يمكن أن تصل إليه البشرية، في كل نظام وأمر ونهي يهدي للتي هي أقوم: ﴿وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً﴾ [الإسراء:٩].

стр. 1958

عظمة القرآن وشرف حامليه هذا القرآن أيها الإخوة! إذا عاش عليه المسلم واقتدى به واهتدى بهداه وقرأه وتلاه وتعبد الله به، ووقف عند حدوده، كان عبداً ربانياً، وكان من أهل القرآن الذين هم أهل الله وخاصته. وأشراف هذه الأمة هم حملة القرآن، ومسئولية القرآن لا تختص فقط بالطلاب الصغار الذين يدرسونه في المساجد فقط، لا. فالقرآن مخاطب به جميع أفراد الأمة من صغيرٍ وكبير وشيخ وشاب وكهل، كلهم مطلوب منهم أن يقرءوا القرآن. وفي هذا المسجد وفق الله جماعة المسجد إلى الإحساس بهذا الدور، وإلى الحاجة إلى هذا الأمر، فجمعوا تبرعات وتقدموا بطلب إلى الجماعة الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم في أبها، واستعدوا بدفع نصف راتب المدرس، وقامت الجماعة باستقدام أحد المدرسين من الباكستان المتخصصين وتعميده بالعمل في هذا المسجد، وقد بدأ العمل والحمد لله، وبدايته بداية النور في هذا الحي مع هذا المسجد الطيب المبارك، ولا ينبغي أن نحصر القراءة فقط في الصغار الذين يأتون من العصر إلى المغرب، بل ينبغي أن ننظم الأوقات ونرتبها بحيث من العصر إلى المغرب للصغار، ومن المغرب إلى العشاء، ومن الفجر إلى الشروق للكبار، نجلس على يديه، ونتعلم القرآن على يديه ولو كنا مدرسين؛ بل ولو كنا علماء، فإن القرآن لا يؤخذ إلا بالتلقي، القرآن لا يأتي عن طريق قراءة كتاب التجويد.

стр. 1959

فضل تعلم القرآن وتعليمه أذكر سنة (١٣٩٠هـ) يعني قبل تسعة عشر عاماً جاءنا فضيلة الشيخ عبيد الله الأفغاني ليعمل مراسلاً من قبل الجماعة الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم في مكة، وكنت قد اتصلت أنا والشيخ سليمان بن فايع في تلك السنة بالشيخ صالح القزاز الأمين العام للجماعات في مكة وقلنا له: نريد مدرساً مثل أهل هذا المسجد، قال: أين تريدونه؟ قلنا: في أبها، وفعلاً لا يوجد في أبها تلك الأيام أحد يعرف التجويد، أما الأحكام -ما شاء الله- أنا أعرفها، أحكام النون الساكنة درسناها في رابع أو خامس ابتدائي، لكن تطبيق الأحكام والله ما أدري عنها شيئاً، حروف الإدغام ستة مجموعة في قولك: يرملون، وحروف الإخفاء خمسة عشر مجموعة في أوائل هذا البيت: صف ذا ثنا كم جاد شخص قد سمى دم طيباً زد في تقى ضع ظالما والله إنها طلاسم ما أعرف عنها شيئاً، لكن أحفظها لكي إذا أتيت إلى الأستاذ والاختبار الشفوي أقول هذا الكلام فيقول: ناجح في التجويد؛ لأن الأستاذ نفسه الذي يختبرني لا يدري ما هي، أحكام موجودة لكن لا نعرف شيئاً من التطبيق فقلنا للشيخ صالح القزاز: نريد مدرساً، قال: ومن يأتيكم في أبها؟ فقلنا: ابحث، فشاء الله أن عرض الأمر على الشيخ عبيد الله الأفغاني ورفض الشيخ في أول الأمر، وكان يقول: أنا هاجرت من بلادي؛ لكي أعيش في الحرمين الشريفين، فكيف أذهب إلى أرض بعيده غير الحرمين، هذا لا يمكن، ولكن يسر الله رجلاً صالحاً كان جالساً في الحلقة اسمه صالح باخطبة قد توفي رحمة الله تعالى عليه، قال له: أنت مخطئ يا شيخ! كيف تجلس في الحرمين الشريفين، وتترك الدعوة إلى الله، والصحابة لما بعثهم النبي ﷺ إلى أقطار الأرض لم يقولوا: لا. نريد الحرمين الشريفين مكة والمدينة وإنما ماتوا في السند والهند، وكنت أنت ممن أدخل الله آباءك وأجدادك على أيديهم، ولو أنهم جلسوا في الحرمين الشريفين لكان من الممكن ألا تكون مسلماً، يقول: فدخل الكلام في رأسي، قلت: نعم صدقت، قال: الآن رُدّ الجميل للذين أتوكم في بلادكم، وأدخلوك في الدين، وواجبك الآن رد بعض الجميل بتعليم أبنائهم القرآن، فتوكل على الله واذهب إلى أبها، فقلت: إن شاء الله، وفعلاً جاء يوم من الأيام ونحن في دار التعليم خرجنا نصلي الظهر وإذا الرجل جالس بعائلته وأثاثه في المسجد وسط (الصوح)، ولما دخلنا رأينا الرجل بهيئته وعمامته، وهو يسأل ومعه خطاب لـ سعيد بن مسفر وسليمان بن فايع، فقلنا: من أنت؟ قال: أنا مدرس القرآن. قلنا: جزاك الله خيراً، أخذناه في ذلك اليوم وأسكنّاه في بيت، وبعد ذلك سلمناه الطلاب في مسجد برزان -أظن- عشرين طالباً، وجلس الشيخ الأفغاني بعلمه وغزارته -عالم في كل فن ما شاء الله- حوالي أسبوعاً أو أسبوعين وما عنده إلا الأطفال هؤلاء، والشيخ سليمان كان يصلي بنا أحياناً، ولا يجود القرآن، ولكن الشيخ مؤدب ويستحي أن يقول شيئاً. وفي يوم من الأيام ونحن جلوس في المسجد قال لنا: لا يوجد طلاب آخرون غير الأطفال هؤلاء يقرءون القرآن علينا؟ قلنا: لا يوجد إلا هؤلاء، من تريد يقرأ عليك؟ قال: أنتم اقرءوا القرآن، قلنا: نحن نقرأ القرآن عليك؟! يعني كيف نحن العلماء نقرأ القرآن عليك!! قال: وما المانع؟ قلنا: نحن نعرف القرآن، قال: أنتم صحيح تقرءون القرآن؛ لكن لا تجودون، قلنا: والتجويد نعرفه يا شيخ! أخذناه في رابع أو خامس ابتدائي قال: إذاً بعد الصلاة إن شاء الله نجلس قليلاً، صلينا وجلسنا قليلاً ويوم أن جلسنا قال: اقرأ وكنت أنا وسليمان فقرأتُ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال: قف، قال: (الشيطان) الشين من حروف التفشي، والطاء من حروف الإطباق، و (بسم) السين من حروف الهمس، وإذا بي في بحور لا أدري أين طرفها، قال: أنت -أعوذ بالله من الشيطان الرجيم- أخطأت فيها، و (بسم الله الرحمن الرحيم) أيضاً أخطأت فيها، ووقفنا في تلك الليلة في (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وبسم الله الرحمن الرحيم) وجاء في الليلة الثانية وسمح لنا بالانتقال إلى الفاتحة، وجلسنا في الفاتحة أكثر من خمسة عشر يوماً، ثم بعد ذلك سمح لنا بالانتقال من عند الضحى، ولما رأينا أننا جهلة، لا نعرف شيئاً في كتاب الله جلسنا عند الشيخ، ولكن لم يكن أحد تلك الأيام عنده، ويمدح السوق من ربح فيه، فلم يدرس عنده إلا أنا وسليمان والشيخ أحمد بن حسن وواحد اسمه أحمد بن عبدالله الشهري، هؤلاء الأربعة الذين استغلوا وجود الشيخ، وكان فارغاً في أكثر أوقاته وجلسنا نقرأ عليه أربعة أشهر حتى ختمنا رواية الإمام حفص وشعبة عن الإمام عاصم بن أبي النجود. الشاهد في الموضوع أن كثيراً من الناس لا يتقنون التجويد، وإذا قلت له: اقرأ على الشيخ، قال: لماذا أقرأ؟! أقرأ وأنا شايب! يرد عليَّ في الفاتحة! إذاً ما رأيك: يصحح لك في الفاتحة، أو تموت وأنت أعمى في الفاتحة وتلقى الله وأنت لا تعرف تقرأ الفاتحة؟! ما هو العيب؟! إن العيب أن تلقى الله وأنت جاهل: ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً﴾ [الإسراء:٧٢]. فما دامت -أيها الإخوة- الحجة قد قامت عليكم في هذا المسجد أو في غير هذا المسجد؛ لأنه قد يكون من الجالسين كثير ليسوا من أهل هذا المسجد لكنهم ربما في أماكنهم وفي المساجد القريبة من مساكنهم مدارس لتحفيظ القرآن الكريم، أو بإمكانهم الذهاب إلى المدرس في أي مسجد من مساجد المدينة فإنه لا ينبغي له إلا أن يسارع إلى تسجيل اسمه والجلوس على الشيخ، وليس بالضرورة أن يجلس من المغرب إلى العشاء، لا. اجلس اسمع درسك وامش، إن كان هناك إمكانية من بعد المغرب مباشرة وإن كان شخص سبقك وسجل قبلك، ورأيت أنه لا يسمع لك إلا بعد فترة فيمكن أن تقضي لك عملاً؛ لكن بمجرد قرب الموعد الذي يكون فيه درسك تأتي وتجلس، واجلس مرة ومرتين وثلاثاً وسوف تذوق طعمها إن شاء الله وحلاوتها إذا أصبح لسانك رطباً بذكر الله؛ لأنه ورد في الحديث الصحيح يقول ﵊: (الذي يقرأ القرآن وهو ماهرٌ به مع السفرة الكرام البررة). مرتبة ليست بسهلة، فهي أعظم من أي منزلة، وأيضاً في الحديث الصحيح عند البخاري ومسلم حديث عثمان ﵁ قال ﵊: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه) إذا جلست بركبك عند إمام المسجد أو عند معلم القرآن، وأنت تتعلم وهو يرد عليك مرة ومرتين وثلاثاً، فأنت في خير عمل، وفي أشرف شيء في الدنيا، وفي عمل أفضل من عمل الملوك والرؤساء والأمراء والوزراء، فخير هذه الأمة على الإطلاق من تعلم القرآن وعلمه، فالمتعلم له خير والمعلم له خير إن شاء الله، هذا بالنسبة للكبار.

стр. 1960

مسئولية الآباء في تعليم أبنائهم القرآن أما بالنسبة للصغار فإن مسئوليتهم تقع على آبائهم إذ لا ينبغي للأب إلا أن يبدأ أول ما يبدأ بتعليم ولده القرآن في هذا المسجد أو في غيره من المساجد الأخرى، وليكن حريصاً على متابعة حضوره، وعلى متابعة استفادته من المسجد، وأيضاً أن يكون لهذا التوجيه تطبيق في البيت ولا يكون فيه تصادم وتعارض بين ما يقال في البيت وما يقال في المسجد؛ لأنه إذا كانت توجيهات الشيخ وتعليماته قرآنية -من القرآن والسنة- وأوامر البيت ضدها، يحصل عند الولد اضطراب في فكره، فالأب يقول له شيئاً، والمدرس يقول له شيئاً، فلا يدري من يصدق؟ وأخيراً يحصل عنده ازدواجية في الشخصية وعدم ثقة في كلام أبيه أو في كلام الشيخ، حتى يغلب له أحد الأمرين، لكن إذا كان أبوه متعاوناً والمسجد أيضاً يربي فإن النتيجة -إن شاء الله- جيل قرآني صالح، وحتى لو مر على الولد في المستقبل فترة من فترات الطيش أو الضلال أو الانحراف، ولكن أساسه على القرآن، فإنه لا بد أن يرجع إليه؛ لأن الكلمات التي ننقشها ونقولها للصغار وهم صغار تنقش في قلوبهم، ويكون لها أكبر الأثر في مستقبل حياتهم بإذن الله . أما تركهم يلعبون في الشوارع فهذا والله ضرره على الآباء أكثر من مصلحته، فينبغي أن تأتي بولدك وتسجله وتضبطه بقوة كما لك قوة عليه في مدرسة النهار، فكل الآباء يضربون أولادهم على هذه المدارس، ولا يسمحون لهم بالتخلف عنها ولو يوماً واحداً، وإذا جاءهم الدفتر من المُعقب أن ولده غاب اليوم، يقطع جلد ولده، لكن لا يتابع ولده في العصر، بينما يجب أن يكون اهتمامك بولدك في العصر أكثر من اهتمامك بولدك في النهار؛ لأن مدرسة النهار يعينها درس العصر وهذا معروف، فمدراء المدارس يقولون: الطلاب الذين يدرسون القرآن في المساجد هم الأوائل عندنا في المدارس، ببركة القرآن؛ لأن الشيطان يأتي عند الأب والأم، ويقول: الولد لا يستطيع أن يذاكر الواجبات في الصباح مدرسة وفي العصر مدرسة، وفي الليل يذاكر، متى يلعب فيخلونه يلعب ويأتي في الصباح لا ذاكر ولا قرأ قرآنا ولا استفاد، ضايع من هذه ومن تلك لا حول ولا قوة إلا بالله. هذه أيها الإخوة نصيحتي إليكم وإلى نفسي قبل ذلك بمذاكرة القرآن ومدارسته.

стр. 1961

النجاة والسعادة في الدارين تكون بالإيمان أما النصيحة التي أوجهها وأسديها لكل من حضر هذا المجلس فهو أن الخيار الأفضل والبديل الصحيح للنجاة من ورطة هذه الحياة هو الإيمان والدين. الدين رأس المال فاظفر به فضياعه من أعظم الخسران الدين عزةٌ ورفعةٌ وسلامة وسعادة في الدنيا والآخرة، ولا مخرج لك ولا نجاة لك أيها الإنسان إلا بطاعة الله، والمعاصي ليست ببديل، والغفلة واللعب قد جربناها كثيراً، وسيخرج الإنسان من هذه الدنيا وليس معه في رصيده إلا ما عمل ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَاباً﴾ [النبأ:٤٠] ألا فلينتبه الإنسان لنفسه وليعرف أنه إن يعمل خيراً يجده، وإن يعمل غير ذلك يندم عليه، والله يقول: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران:٣٠]. هذا وأسأل الله في الختام لي ولكم التوفيق، وأن يجعلنا وإياكم من أهل القرآن الذين هم أهل الله وخاصته، وأن يعيننا وإياكم على ذكره وشكره وعلى حسن عبادته.

стр. 1962

الأسئلة وأما الأسئلة فسوف أتعرض للقليل منها إن شاء الله على حسب ما يسمح به الوقت.

стр. 1963

حكم مس المتوضئ للنجاسة السؤال ما الحكم فيمن يمسك النجاسة بعد الوضوء، فمثلاً المرأة ما حكم غسلها لأطفالها بعد إزالة الحدث الأكبر، وهل يحق لها الصلاة وقد غسلت أبناءها بيدها أم لا؟ الجواب إذا مس الإنسان نجاسةً بيده بولاً أو غائطاً فإنه يغسل الموضع الذي وصلت فيه النجاسة، ولا يلزمه إعادة الوضوء؛ لأن نواقض الوضوء ليس منها مس النجاسة، أما إذا مس الإنسان فرجه قبلاً كان أو دبراً بيده فإنه ينقض وضوءه وعليه أن يتوضأ من جديد، والمرأة التي تغسل طفلها فتمس عورته بيدها ينتقض وضوءها، وعليها أن تتوضأ من جديد؛ لأن مس الفرج سواء لها أو لولدها أو لبنتها ينقض الوضوء، فعليها أن تتوضأ من جديد.

стр. 1964

حكم الحلف بالحرام والطلاق وما شابهه السؤال ما رأيكم فيمن يقول: قد حرمت أن حساب الغداء عليَّ؟ الجواب يعني دخل هو وواحد في مطعم ويريد يحاسب قال: حرام إن الحساب عليَّ، هذه الألفاظ من الأيمان البدعية التي لا ينبغي للإنسان أن تدور على لسانه؛ لأن من كان حالفاً فلا يحلف إلا بالله أو ليصمت، فإذا أردت أن تحاسب فأخبره أنك تريد أن تحاسب، فإذا أردت أن تقنعه فقل له: والله الذي لا إله إلا هو ما يحاسب إلا أنا، فإذا خالفك وحاسب فتطعم عشرة مساكين، بدل ما تطعم واحداً تطعم عشرة، جزاء لك وردعاً لأمثالك. وإذا كنت تريد أن تحلف عليه وما تريد أن تُكفر تقول: والله الذي لا إله إلا هو إن شاء الله أنه ما يحاسب إلا أنا، فإذا حاسبت الحمد لله، وإذا رفض دعه يحاسب، وأنت ما عليك شيء؛ لأنك ربطت اليمين بمشيئة الله، إذا قلت: والله الذي لا إله إلا هو إن شاء الله أنه ما يحاسب إلا أنا، فليس عليك شيء إذا فجرت، لكن إذا عقدت اليمين وفجرك تطعم عشرة مساكين، أما إذا قلت: حرام أنه لا يحاسب إلا أنا، فقد أقسمت بالحرام، والله قد قال في القرآن للنبي ﷺ : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم:١] لأن معنى حرام يعني حرام مما أحل الله عليَّ ويمكن يدخل في ضمنها النساء، ويمكن تكون كفارتها مغلظة ككفارة الظهار لكن إذا قصد بها المرأة ففيها كفارة مغلظة، وإذا قصد بها اليمين ففيها كفارة مخففة وهي إطعام عشرة مساكين إذا فجر، ولكن عليه أن يتوب إلى الله من الحرام ولا ينبغي له، ولا داعي للأيمان، لا تحاول أن تقحم نفسك في يمين لا بطلاق ولا بحرام ولا بحناث ولا بربي، دع الأمور ممددة، من أطاعك فالله يجزيه خيراً ومن رفض فالله يعينه. بعض الناس يجعلك تأكل غصباً ويحلف بالله أنه سيحاسب، فإذا قال: لا والله ما أحاسب إلا أنا، فقل: كثر الله خيرك، وكثر الله من أمثالك، ودعه يحاسب كل يوم، وسوف ترى إذا حلف اليوم فغداً لن يحلف عليك؛ فلماذا تحرج نفسك، وأصبحت مضاربة ولم تعد أكلة، وبعضهم يطلق، فقد جاء رجلان إلى الشيخ عبد الله بن يوسف قال: أنا رحيمه أتيت عنده ودخلت عليه وحرمت ما أريد أن أكلف عليه، وقلت: طلاق أنك ما تذبح لنا، قال هو: طلاق إلا أذبح لكم، وجاءوا الاثنين كل واحد منهم يسأل ما هو الحكم؟ قال الشيخ: أحدكما تحرم عليه زوجته، فبسبب اللحمة أصبحت مشكلة في البيت وهي الطلاق. وبعض الناس الذي ما زال رأسه يابساً إذا حلفت له بربي سوف يذمه، وقال: والله إنه حلف بربي، كأنه جعلها سهلة، لكن إذا طلقت قال: والله فلان الصادق الذي عزم صحيح، والله إنه يطلق، الله أكبر! هذا والعياذ بالله من تعظيم غير الله، أن يحلف بالله فلا يعظم وأن يحلف بالمرأة فتعظم، يعرض عليهم وجه الله فلا يعظمونه ويعرض عليهم وجه المرأة فيقولون: خلاص قد طلق امرأته، لكن لو أنه حلف بالله فجروه وراحوا، لكن مثل هؤلاء لا يستحقون الإكرام، والله ما يستحق تذبح لهم قطاً، الذي لا يعظم إلا وجه المرأة ولا يعظم وجه الله لا يستحق أنك تذبح له، كيف تذبح له وهو يعظم غير الله ، لا تحلف على أحد لا بربي ولا بغيره، قل: أنا أريد أن أكرمك يا أخي، فإن قال: جزاك الله خيراً تفضل، وإن قال: لا. أنا مستعجل، فقل: الله يعينك، أما أن تحرج نفسك فلا. ثم قضية الذبائح التي نحن الآن عليها، والتي لا تزال متخمرة في رءوسنا فهذه ما أنزل الله بها من سلطان، وليست من الإكرام في شيء، فالإكرام أن تقدم لضيفك ما يكفيه، هذا هو الإكرام بحيث لا يقوم وهو جائع، أما إذا أتاك ضيف فتقوم تذبح له، فهو كم يكفيه من الذبيحة؟! يكفيه ربع كيلو فقط، فتذهب تشتري له خروفاً فيه وهو سيأكل منه ربع كيلو، ثم بعد ذلك تشهر به على رءوس الأشهاد وتعزم الجماعة من طرفهم إلى طرفهم لكي تعلم العرب أنك ذبحت لهذا الرجل والله يحيكم على شرف فلان، وبعد شهرين أو ثلاثة إذا أتيت سوف أذبح لك واحداً، لماذا؟ المصلحة للناس والمضرة عليَّ، فهذا لا يجوز في دين الله، وهذا ليس من الكرم في شيء، وإنما من عادات الجاهلية التي ما أنزل الله بها من سلطان، فإذا جاءك ضيف أكرمه، ونحن لا نحث الناس على البخل، فإن الكريم قريب من الله، قريب من الناس قريب من الجنة، أكرمه وأدخله بيتك وقدم له أحسن طعام، لكن لوحده لماذا تدعو الناس الآخرين؟ قد تقول: والله إنهم محتاجون، هذا الكلام كان قديماً عندما كان الناس لا يجدون في القرية لحمة، فإذا جاء الضيف فرحوا لكي يروا معه قطعة لحمة أو مرقة ولهذا يكثرون المرق، ويكثرون العصيد واللحم، ولا يمد أحد يده على اللحم إلى أن يأتي المقسم، والمقسم هذا يعرف كيف يقسم اللحم على الحاضرين وعلى من في البيوت وعلى النساء، وكل يعطيه قسمه على قدر قيمته في المجتمع ويضع له وينفخ يده كذا. أما الآن لم نعد نحتاج للحم ففي بيوتنا كلنا ثلاجات، حتى العزوبي أصبح في بيته ثلاجة، حتى العمال في المزارع عندهم ثلاجات، فلا يوجد رجل إلا وفي بيته ثلاجة، لماذا الثلاجة؟ من أجل اللحمة، فهناك لحم ودجاج وسمك في كل ثلاجة. وبعض الناس يتضايق من عزيمتك له لماذا؟ لأنه أهنأ له أن يأكل لقمته مع زوجته وأولاده من أن يأتي يأكلها معك، فأنت تحرجه في هذه الدعوة وتجعله بين خيارين ويأتي وهو كاره يريد أن يأكل مع أهله أو يرفض وتزعل عليه: والله عزمت فلان وما جاءني، إذن لا أذهب إليه، ويتقاطع الناس بسبب هذه المشكلة، دع الناس في بيوتهم يا أخي، وبدل الخروف الذي تشتريه بثلاثمائة أو بتسعمائة، وطبيخ ويتشحط في دمه وفي سمنه خذ كيلو أو نصف كيلو واطبخها مرة واحدة وقربها للضيف وقل: كل لحالك إلى أن تشبع، ويكمل ويقول: الله يجزيك الخير ويكرمك الجنة، وبعدين يفرح بك إذا رآك بعد شهر وشهرين لكي يعطيك كيلو مثله ويهنأ الطعام، لا خسرت أنت ولا تعب هو، وريحت الناس كلهم في تلك العزيمة. أحد الإخوان يقول: والله مرة أحدهم ذبح لي خروفين وعزم الناس وبعد ذلك قال: الله يحييكم على شرف فلان. يقول: وآتي أنا ويعطوني الذنب -السبلة- ماذا أعمل بهذه! إن جئت أقوم من الصحون أريد لحماً ماذا أعمل بالشحم؟ يقول: تركت (السبلة) على رأس الصحن ما أمامي إلا الصحن كيف آكل الآن! أمد يدي من ذاك استحيت، يقول: والله ما غير أكلت سلطة وخبزة وأولئك يصدعون في اللحم والأضلاع وأنا جالس ما عندي إلا الشحمة والاسم لي والمصلحة لهم، ويوم خرجت قلت في نفسي: الله لا يخلف عليك؛ لأنه لم يؤكلني حقيقة؛ لأنه لو أراد إكرامي حقيقة لاشترى بدل الخروفين كيلو لحمة وطبخه وجعل عليه عصيدة أو أرز وسلطة وفاكهة ودعاني آكل أنا ليهناني، فهذا أفضل من هذه الشغلة. فلا داعي يا إخوان لهذا، وقد انتهينا من هذه الجاهلية، ولا داعي لأن أجمع الناس وأشهر بهم وأحاسبهم، أقول لفلان: لماذا لم تأتِ وقد دعوتك؟ يا أخي لا أريد أن آتي، ليس إجباراً عليّ، أنا أريد أن آكل مع أولادي، أنا أريد أن آكل خبزة وشاي معهم ولا آكل خروفاً عندك، وأنت تحرجني إلا أحضر، مفهوم هذا إن شاء الله، لا تقولوا إني بخيل! والله ما أنا ببخيل إن شاء الله لكن معتدل.

стр. 1965

أهمية صلاة الفجر مع جماعة المسجد السؤال أرجو منك أن تتكلم عن حكم صلاة الفجر في المسجد مع جماعة المسلمين لما نراه من التقصير في هذه الصلاة؟ الجواب هذه الصلاة أيها الإخوة! هي (ترمومتر) الإيمان الذي تقيس به إيمانك، دخل هذا (الترمومتر) في نفسك هل أنت مؤمن أو منافق عن طريق صلاة الفجر، فإن كنت من أهل الفجر باستمرار فاعلم أنك مؤمن، وإن كان البعيد لا يصلي الفجر في المسجد فاعلم أن البعيد منافق، الكلام هذا من حديث الرسول ﷺ في الصحيحين عن البخاري ومسلم قال: (أثقل الصلاة على المنافقين صلاتي العشاء والفجر) لا تذهب تدور وتقول: أنا مؤمن يا شيخ أو ما أنا مؤمن؟ نقول: أين أنت في صلاة الفجر؟ إن كنت من أهل الروضة والقيام قبل صلاة الفجر تقوم بنصف ساعة وتصلي ركعتين أو أربعاً أو ستاً، وإذا أعانك الله على ثمان وطرقت باب الله في تلك اللحظة التي لا يطرق بابه أحد فيها إلا أجابه، فرصة لك، كل واحد نائم على وجهه وأنت في تلك اللحظة تستغفر الله. ولهذا جاء في الحديث: (ركعتان في جوف الليل خير مما طلعت عليه الشمس وغربت) خير من الدنيا وما عليها (وينزل ربنا في الثلث الأخير من الليل إلى السماء الدنيا ويقول: هل من تائب فأتوب عليه، هل من سائل فأعطيه، هل من مستغفر فأغفر له) هذا وقتك يا أخي، اغتنم الفرصة لا أحد يدعو في تلك اللحظة، الناس كلهم رقود وأنت جالس تقول: يا رب أستغفرك وأتوب إليك، ولذلك جاء في الآية الكريمة: ﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات:١٨] الله أكبر! ويقول الله فيهم: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ﴾ [الذاريات:١٥ - ١٦] في جنات وعيون آخذين ما آتاهم الله من النعيم لماذا؟ ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [الذاريات:١٦ - ١٩]. فقيام الليل من أعظم القربات، وستجد فيها صعوبة أول الأمر لكن مرن نفسك مرة ومرتين وثلاثاً وأربعاً وخمساً حتى يعينك الله ويقبلك، وتقوم بغير داع، كما قال الله: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ﴾ [السجدة:١٦] لم يقل: يتجافون، لا. جنوبهم هي التي تتجافى، فجنب الواحد لا يدعه ينام، يقول الجنب وهو جماد: قم من النوم لم نعد نريد، شبعنا من النوم ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [السجدة:١٦] ثم بعد ذلك تقوم بعد ما يؤذن تذكر الله بالأذكار التي تقال في الصباح، ثم تقرأ القرآن إن كان في وسعك، أو تصلي ركعتي الفجر في البيت ثم تذهب إلى المسجد تصلي، تفتتح يومك بطاعة الله. يقول ﵊ في الحديث الصحيح: (من صلى البردين دخل الجنة) يعني الفجر والعصر، ويقول ﵊: (من مشى في ظلمة الليل إلى المسجد لقي الله بنور ساطع يوم القيامة) وقال: (بشر المشائين في الظلم بالنور التام يوم القيامة) ويقول ﵊: (من صلى الفجر في جماعة فهو في ذمة الله حتى يمسي). ما معنى في ذمة الله؟ يقول العلماء يعني: في عهد الله وأمانه، وأنه إن أماتك أدخلك الجنة، فهل من المعقول أن يدخلك النار وأنت في ذمته؟ أو كيف يعذبك وأنت في ذمة رب العالمين، وإن أحياك أصبت خيراً، وأنت في ذمة الله حتى تمسي: (ومن صلى العشاء في جماعة فهو في ذمة الله حتى يصبح) شيء عظيم يا أخي أنك تقوم بهذا العمل: (من صلى الفجر في جماعة فكأنما قام الليل كله) وقال: (من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل) ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً﴾ [الإسراء:٧٨] فهذه يا أخي المسلم! من أعظم القربات والعبادات، وتستعين بالله على أدائها بعدة أسباب: أولاً: النوم المبكر، لا تسهر حتى ولو في طاعة، قال العلماء من أحاديث الرسول ﷺ : (كان يكره النوم قبلها والحديث بعدها) يعني العشاء، قالوا: إلا في خير، وهل كان النبي ﷺ يمكن أن يتحدث في شر حتى يكره الحديث الذي في الشر، كان يكره حتى الحديث في الخير، ولكن جوز بعضهم أنه إذا كان لمدارسة علم أو للأمر بمعروف أو النهي عن منكر ولم يكن ديدنة باستمرار فإنه يمكن أن يسمح له، أما من يسهر من بعد صلاة العشاء إلى الساعة الثانية عشرة أو واحدة يتابع المسلسلات والأفلام والمباريات والأخبار ويلعب (البلوت والورقة والدمنة) ما هذا يا أخي هل خلقك ربي لهذه؟! أين عقلك؟ سبحان الله العظيم! أنت رجل عاقل راشد تعطي عقلك غيرك وتجلس أمام المسلسل. أحد الأقارب خرج من عندي وبعد أن خرج عرفت أنه ما خرج إلا لأنه أتى وقت المسلسل عن طريق أهله بأهلي، قلت: ماذا به فلان استعجل ما جلس عندنا؟ قالت: استعجل لأنه ما عندكم تلفزيون وهو يريد أن يرى المسلسل، وانعم! ما هو المسلسل الذي يراه، هو كذبة يسمونه رواية كاتب، روائي كذاب أخذ قلمه وصنف كذبة، وبعد ما صنفها قال: والله ما أدعها في الكتاب، بل لابد أن أمثلها، وأتى بثمانية كذابين من هؤلاء الممثلين وقال: نريد منكم أن تخرجوا هذه الكذبة إلى الناس، وأنت في دور الرجل وأنتِ في دور المرأة وأنت دور البنت وأنت دور السواق وأنت دور الخادم، وبعد ذلك دخلهم في استريو وأتوا بكل الوسائل وعملوا كل شيء كأنه صدق، وبعد ذلك طلعوا كل ليلة مسلسل وذاك قاعد ويقول كذا وكذا يتلفت يقول كذا، وبعضهم إذا انتهت الكذبة وكانت النهاية حزينة فيها مرض أو فيها مضاربة جلس طول الليلة حزيناً، لماذا؟! وهناك شخص دخل على امرأته وهي تبكي، قال: مالك تبكين؟! قالت: والله رأيت النهاية المؤلمة للبنت تلك المسكينة، والله لا بنت ولا غيره يا بنت الحلال، كله كذب في كذب، والكذب ما أحد يعيش معه يا إخواني، ولو أقول لكم: إني جئت من بيتي ومررت على حادث مروري مروع بين سيارتين ومات فيها عشرة أنفار، فإنكم تنزعجون لهذا الخبر فعلاً، فإذا غلقت وأقول: ترون هذا كذب والله ما وقع ذلك، ماذا تقولون لي: الله أكبر عليك! تخذلنا وبعد ذلك تقول كذب، فهذه الروايات كلها كذب في كذب، فكيف تعيش على المسلسلات وفيها الكذب كله، فلا تتأخر في النوم مبكراً. ثانياً: نم على ذكر الله، مستقبلاً القبلة متوضئاً، ناوياً القيام لصلاة الفجر، نم على ذكر الله لا تنم على الأغنية، وبعضهم يقعد يبحث في الإذاعة يدخل لها من شرق إلى غرب ما يدع إذاعة إلى أن يصل إلى أغنية، فإذا وصل إليها نام، وضرب بإبليس في مسمعه وبال وجعله ينام، ولا يقوم يصلي الفجر لو تقوم الدنيا كلها ما يقوم معها؛ لأنه نام على غير ذكر الله، لكن إذا نام على ذكر الله قرأ المعوذتين، والإخلاص، وآية الكرسي وسبح الله ثلاثاً وثلاثين وحمد الله ثلاثاً وثلاثين وكبر الله أربعاً وثلاثين وبعد ذلك: (باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه، إن أمسكت نفسي فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين) وعند البخاري ومسلم حديث عظيم عن شداد بن أوس ﵁ يقول: (إذا أتيت مضجعك فقل: اللهم إني أسلمت نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك، وألجأت ظهري إليك، وفوضت أمري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا منجا ولا ملجأ منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت) ثمان أدعية من أعظم الكلام. إذا قلته فإن أصبحت قال: (فإن مات من ليلته مات على الفطرة، وإن أصبح أصاب خيراً) فتنام على ذكر الله، وتستقبل القبلة، وقبل ذلك على طهارة، وبعد ذلك تنوي في نفسك أنك تقوم؛ لأن بعضهم ينام وهو ينوي ألا يقوم؛ بل هو مصمم عليها من أول الليل، فكيف ربي يعينه على القيام وهو لا يريد أن يقوم. ثالثاً: تتخذ الوسائل والاحتياطات والإمكانات التي تعينك، تشتري ساعة منبه، أو تجعل صديقك إذا أتت صلاة الفجر يدق عليك التلفون، ودع التلفون عند رأسك، أو تنبه على المرأة، أو جارك في الشقة، أو جارك في المحل دق عليه. رابعاً: إذا سمعت طرف إشارة من ساعة أو من تلفون أو صوت مؤذن فرأساً استغل هذه الفرصة واستوِ جالساً، لا تذكر الله وأنت مستلق. لا. استو جالساً قل: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، الحمد لله الذي أحياني لأذكر الله. وبعد ذلك إذا انتهيت وشعرت بأنك ثقيل قليلاً، وأنك تعبان ولا تريد أن تقوم، فقل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم؛ لأن الشيطان في تلك اللحظة يدعو كل زبانيته وشياطينه ويقول: من فضلكم! هذا لا يقوم انتبهوا دعوا أولئك الرقود المقرطسين، فهم حميرنا، هذه ركائب زينة، لكن هذا الذي يريد أن يقوم فلا تجعلوه يقوم، فيأتي الشيطان يجلب عليك برجله وخيله وشياطينه يكسلك ويقول لك: باقي كثير إلى أن يؤذن، ويأتيك مرة ثانية إذا قمت خذ لك قليل راحة، تريد تقوم وتذهب في البرد في المسجد، يأتيك بكل أسلوب حتى يرقدك، لكن إذا رأيت هذه الإيحاءات وهذه الوساوس فقل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم رأساً يذهب منك، إذا لم يذهب قل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، هذه مدفعية ضد الشيطان الرجيم كما يقول الله: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [الأعراف:٢٠٠] وإذا عيا قل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم إلى أن تحس أنك خفيف، كلما أحسست أنك ثقيل قل: أعوذ بالله إلى أن تحس أنك خفيف؛ لأن بعض التعوذات لا تنفع، وبعض الناس يتعوذ لكن لا تصيب الشيطان؛ لأنه غشيم بالتعوذ، مثل الذي معه بندق لكنه لا يصيب الهدف، يضرب وبينه وبين
следующие страницы →