Полный текст (2 982 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.
стр. 2031
تشبيه الله للذين لا يثبتون على الدين بالكلب
لقد تَعَلَّم العلم، ثم استجاب للعلم بالعمل وسار في العمل؛ لكنه سار في العمل فترة ثم انتكس، وترك دين الله، هذا ضرب الله له مثلاً من أبشع ومن أسوأ الأمثلة، وهو مثل الكلب -والعياذ بالله- الذي لا يثبت على الدين ولا يستمر عليه إلى أن يموت، هذا لا ينتفع منه؛ لأن العبرة دائماً بالخواتيم، وكان النبي ﷺ يسأل الله ويقول: (اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة).
والعبرة دائماً في حياتك أنت بما تختم به حياتك، ولهذا قال ﵊ والحديث في السنن: (إذا أحب الله عبداً استعمله، قالوا: كيف يستعمله يا رسول الله؟! قال: يوفقه لعمل صالح ثم يقبضه عليه) يوفقك لعمل صالح تستمر عليه ثم تموت وأنت عليه، فلهذا يحبك الله؛ لكن توفق لعمل صالح ثم تتركه وتنتكس وتموت على غير العمل الصالح فلا عبرة بما عملت، فلو صليت العشاء أربع ركعات إلى ما قبل السلام بلحظة، ثم انتقض وضوؤك فالصلاة باطلة، رغم أنك صليت أربع ركعات سليمة وليس فيها شيء؛ لكنك ما أكملتها، ولو ما أكملت دقيقة واحدة، بطلت صلاتك.
ولو صمت في رمضان من الفجر إلى قبل غروب الشمس بدقائق ثم أفطرت، فصيامك باطل، بالرغم من أنك صائم (اثنتي عشرة) ساعة؛ لكنك ما أكملت، وكذلك مَن عَبَدَ الله طوال حياته، ثم ترك في آخر لحظة من حياته خُتِمَ له بالنار، وهذا معنى حديث النبي ﷺ : (إن العبد ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها) وفي هذا الحديث حث للأمة على أن تتشبث وتتمسك بالعمل الصالح إلى أن تموت، لا تقل: لا والله سأعمل هذه ثم أتوب، فربما لن تتوب، ربما تموت عليها، وليس في هذا مفهوم للسذج والبسطاء الذين يقولون: ما دام أنها هكذا، أنا سوف أعمل بعمل أهل النار، وإذا لم يكن بيني وبين الجنة إلا ذراعاً عملت عمل أهل الجنة! يريد أن يضحك على الله، فلا يصلح هذا، ولا ينفع.
أيها الإخوة: الذين ينتكسون ولا يثبتون على دين الله حتى الممات، هؤلاء ضرب الله لهم بمثال سيئ في كتابه الكريم، وهو قوله ﵎: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف:١٧٥ - ١٧٦] هذه الآية وإن كانت نزلت في رجل من بني إسرائيل اسمه بلعام بن باعوراء، إلا أنه كما يقول المحققون من أهل العلم: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، والله أمر رسوله ﷺ أن يخبرنا ويقول: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف:١٧٥] أخبر أمتك يا محمد! بنبأ ذلك الرجل الذي آتيناه آياتنا؛ آتيناه العلم، وآتيناه الآيات والدلالات الواضحات على عظمة الله، فبدل أن يعمل بها ويستمر عليها انسلخ منها، والانسلاخ عن الشيء هو: تركه مع عدم الرغبة في العودة إليه، إنك إذا خلعت ثوبك تخلعه من أجل أن يُنَظَّف وتلبسه مرة أخرى، ولذا إذا خلعته ماذا تقول؟ تقول: أنا فَسَخْتُ ثوبي أو خَلَعْتُ ثوبي، ولا تقول: سَلَخْتُ ثوبي، لكن إذا سَلَخْتَ جلد الشاة ماذا تقول؟ تقول: خَلَعْتُ جلدها؟ أو فَسَخْتُ جلدها، أو سَلَخْتُ جلدها؟! سَلَخْتُ جلدها، لماذا؟ لأنه لن يعود جلدها عليها، هل حصل أن عاد جلد شاة عليها؟ أبداً مستحيل! وكذلك هذا الرجل لما انسلخ من الدين انسلخ بنية ألا يعود إليه، قال : ﴿فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾ [الأعراف:١٧٥] فماذا حصل لما انسلخ؟ قال : ﴿فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ﴾ [الأعراف:١٧٥] حين كان يعمل بآيات الله كان في حرز، ولم يكن للشيطان عليه سلطان، وما كان الشيطان يستطيع عليه؛ لأنه محفوظ بآيات الله، محفوظ بدين الله؛ لكن بمجرد أن تخلى عن حرزه، وترك حصنه، وانسلخ عن آيات ربه، تسلط عليه الشيطان، وهذا معنى قول الله : ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل:٩٩ - ١٠٠].
فإذا أردت أن تبقى في حصن حصين، وفي منعة من الشيطان الرجيم فاعمل بطاعة الله، إذ لا سلطان للشيطان على من أطاع الله، يقول الله: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر:٤٢] فسلطان الشيطان على من اتبعه؛ لكن من يتبع الله ويعبد الله لا سلطان للشيطان عليه، ولهذا حينما لعنه الله وطرده وقال له: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ * قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ * قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ * قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ * قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُوماً مَدْحُوراً لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأعراف:١٢ - ١٨] أنت والذي وراءك في جهنم: ﴿وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [الأعراف:١٩] إلى آخر الآية.
إذاً: متى يتبع الشيطانُ الإنسانَ؟! إذا تخلى عن طاعة الرحمن، أما إذا كان الإنسان ملازماً لطاعة الله فإنه في حصن وحماية ووقاية من الشيطان، وهذا معنى قول الله في هذه الآية: ﴿فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ﴾ [الأعراف:١٧٥] فإذا أتبعه الشيطانُ ماذا يكون نتيجته؟! ﴿فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الأعراف:١٧٥].
الذي يتبعه الشيطانُ هل يمكن أن يدله الشيطان على طريق الهداية؟! أم أنه يدله على طريق الغواية؟! يدله على طريق الغواية بدون شك، وما دام الشيطان معه فإنه يزيِّن له الباطل، ويزيِّن له الشر، ويكرِّه إليه الطاعات، ويكرِّه إليه العمل الصالح، ويزيِّن له كل شر، ويكرِّه إليه كل خير؛ لأنه غاوٍ ﴿فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الأعراف:١٧٥].
ثم يقول : ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا﴾ [الأعراف:١٧٦] لو شاء الله ﵎ لَقَصَره وجعله مسلوب الإرادة، وصار آلياًَ؛ لكن الله أكرمه وأعطاه هذه القدرة على أن يسير في طريق الخير، فأخلد إلى الأرض ﴿وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾ [الأعراف:١٧٦] إلى شهواتها، ومُتَعِها، ولذائذها ﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ [الأعراف:١٧٦] ولم يتبع أمر مولاه، واتباع الهوى من أعظم ما يصدُّ عن دين الله: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾ [الجاثية:٢٣].
قال : ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ [الأعراف:١٧٦] ما هو اللهث؟ اللهث هو: إخراج اللسان من الفم عند العطش، وفي حالة التعب، فالكلب يخرج لسانه، إن حملت عليه بالضرب يخرج لسانه، وإن تركته ورحمته يخرج لسانه ﴿ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف:١٧٦].
стр. 2032
تشبيه المنتكس بالكلب في كثرة مساوئه
أيها الإخوة: الكلب ضُرِب به المثل في هذا لسوئه، فإن فيه من السوء ما لا يعلمه إلا الله، ضَرَب الله لمن ينتكس ويترك الإسلام والدين ويرجع إلى طريق الغواية مثلاً بالكلب، وفي الكلب من السوء الشيء الكثير: أولاًَ: من سوء الكلب أنه إذا سمَّنته وأطعمته أكلك، وإذا أجعته وضربته تبعك:- ولهذا قالت العرب: (سَمِّن كلبك يأكلك، وأجع كلبك يتبعك) إذا أجعته وأهنته بقي في خدمتك، وإذا سمنته وأكرمته رجع ليأكلك، وهذا سيئ، والعياذ بالله! ثانياً: يُضْرَب به المثل في اللؤم والطمع: تقول العرب: (ألْأَم من كلب على جيفة) لو أن هناك جيفة جمل وجاء كلب لوحده، تراه يأكل وينبح، يخاف ألا يأتيه كلب ثانٍ، والجيفة تكفيه وتكفي (مائة) كلب معه؛ لكنه لئيم، لا يريد أن يأكل إلا هو.
ولذا فالذي يترك الدين لئيم، فيه من لؤم وحقارة ودناءة الكلب ما فيه؛ لأن الله هو الذي ضرب المثال له: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ﴾ [الأعراف:١٧٦] حينما ينسلخ الإنسان من الدين، ويترك هذه الكرامة وهذه العزة وهذا السؤدد والمجد لأهل الإيمان والعمل الصالح، فإنه يعيش درجةً أسوأ ما يمكن وهي درجة الكلاب والعياذ بالله! ثالثاً: الكلب مِن سوئه: أنه يكره المطر: لا يحب المطر، والسبب كما قال العلماء: لأن الكلب إذا غرق أنتن ريحُه، فإذا ابتل ظهره وصار الماء عليه ظهرت له رائحة كريهة، ولذا أكره شيء عنده إذا رأى المطر، وإذا رأى السحاب بعيداً قام لينبح، ولهذا يقولون: (لا يضر السحاب نبح الكلاب) السحابة في السماء وهو ينبح في الأرض؛ لأنه يريدها ألا تمطر، لا يريد السحابة أن تمطر فينبحها! بعقليته الضالة، وهو من حين أن يرى السحابة فإنه لا يريد المطر حتى لا ينتن ريحه، ولهذا يقول الشاعر وهو يصف امرأته -لأن المرأة من خصائصها، ومن أبرز صفات المرأة الناجحة ذات التبعُّل الحسن مع زوجها، أنها تكون ذات رائحة طيبة، ولذا حُرِّم على المرأة المسلمة إذا خرجت أن تتطيب حتى لا تفتن الناس بريحها؛ لكنها إذا دخلت بيتها يُشْرَع في حقها أن تكون كالزهرة عبقة الرائحة، حتى إذا مر من عندها زوجها يجد لها ريحاً؛ لكن هذا الشاعر كأن زوجته ما كانت تريده، وما كانت تتطيب، فشم رائحتها وإذا بريحها ليس جيداً- فيقول فيها:
ريحُ الكرائم معروفٌ له أرَجٌ وريحُها ريحُ كلبٍ ناله مطرُ
يقول: ريحها مثل الكلب الذي جاء عليه مطر، فطلعت رائحته من جلده -والعياذ بالله- فما أسوأ من الكلب ريحاً إذا ابتل ونزل المطر، رغم أن المطر رحمة، المطر كل الأرض تفرح به، الأرض تستقبله، والنبات ينبت، والزهور تتفتح، والخيرات تكون موجودة، والحيوانات والبهائم ترعى، أما الكلب فلا، الكلب لا يرعى، من حين أن يرى السحابة في السماء يقوم لينبح، ينبحها حتى لا تُنْزِل مطراً على الناس.
فهذا من سوئه، ولذا ضرب الله به مثلاً بأنه يكره الرحمة المهداة، يكره الدين الذي جاء به سيد المرسلين، فهو رحمة وغيث، كما أن المطر غيث الأرض، كذلك الدين غيث القلوب، وهذا الكلب لا يريده ويعرض عنه، وينسلخ منه، فمثله مثل الكلب.
رابعاً: الكلب معروف بالخسة والخيانة:- لو جاء لص يريد أن يسرق بيتاً وفيه كلب، فلو أعطى الكلبَ قطعة لحم فإنه لن ينبح، يقعد ليأكلها؛ لأن ذاك يعطيه؛ فإذا أعطاه اللص لحمة أحسن فإنه يسكت عنه.
ثم إن في الكلب خصلة ذميمة وهي: أنه يسهر في الليل وينام في النهار: لا ينام في الليل، طوال الليل ينبح، فإذا جاء وقت صلاة الفجر نام إلى العصر.
ويوجد في بعض الناس الآن شبهٌ من هذا الشيء، تجده طوال الليل وهو (يفحِّط) في الشوارع، ويسهر على الأرصفة، ويتابع الأفلام، ويشاهد المباريات، وإذا قيل له: نم، قال: والله ما جاءني النوم.
فإذا أتى وقت صلاة العبادة صلاة الطاعة صلاة الفجر آخر الليل، حين نزول الرب ﵎، حين نزول الرحمات نام عن صلاة الفجر، وعن صلاة الظهر والعصر، واستيقظ قرب الغروب، وقام وأخذ سيارته وذهب مثل كلب البدو، لا ينام في الليل وينام في النهار، هذا -والعياذ بالله- من عكس الفِطَر، فقد جعل الله الليل سكناً، وجعل النهار معاشاً، فتسكن في الليل، وتنتشر في الأرض في النهار؛ لكنك إذا قلبتَ المسألة، وصرت تسكن في النهار وتنتشر في الليل، فمن الذي ينتشر في الليل؟! يقول العلماء: لا ينتشر في الليل إلا الهوام والسباع الضارة؛ الحيات، والعقارب، والثعابين، والأسود، والنمور، متى تخرج؟ تخرج في الليل، وتكمن في النهار؛ لأنها إذا خرجت في النهار تعرضت للقتل؛ لأنها مؤذية، فتخرج في الليل.
وكذلك هذا الرجل الذي لا يقوم بطاعة الله يكمن في النهار، ولا يخرج إلا في الليل، لماذا؟ لأنه حيوان ضار، يذهب فيتعرض لمحارم الناس، ويعتدي على أموال الناس، ويعمل أشياءً تضرهم، ولا يجد مجالاً لأن يعمل هذا الشر في النهار، فيخرج فيه في الليل، ويتشبه بالبهائم والسباع والحيوانات والحشرات الزاحفة، التي تضر الناس ولا تنفعهم.
стр. 2033
الأصناف الثلاثة الذين شبههم الله بالحيوانات
أيها الإخوة: هذه هي الأمثلة الثلاثة التي ضربها الله ﵎ لهذه الأصناف الثلاثة: الصنف الأول: مَن يُعرض عن دين الله: ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ﴾ [المدثر:٥٠].
الصنف الثاني: مَن لا يعرض؛ يسمع ولكنه لا يعمل: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً﴾ [الجمعة:٥].
الصنف الثالث: مَن لا يعرض ويعمل؛ لكنه لا يستمر، ولا يثبت، وإنما ينتكس، كما قال الله: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ﴾ [الأعراف:١٧٦].
أعوذ بالله وإياكم أن نكون مثل هذه الأشياء! ونسأل الله الذي لا إله إلا هو أن ينير بصائرنا، وأن يرزقنا العلم والعمل والثبات عليه حتى نلقاه، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
والله أعلم.
وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 2034
الأسئلة
стр. 2035
حكم شرب الدخان
السؤال
إني أحبك في الله، هل لك نصيحة فيمن يشرب الدخان؟ وهل الشيشة حكمها حكم الدخان؟
الجواب
أولاً: أحبك الله كما أحببتني فيه، وأسأل الله أن يجمعنا جميعاً تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله، ببركة الحب فيه؛ لأن الحب في الله من أوثق عرى الإيمان، ومن ضمن السبعة الذين يظلهم الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله: (ورجلان تحابا في الله، اجتمعا عليه وافترقا عليه).
أما الدخان فهو من المصائب التي عمت به البلوى، وهو -أيضاً- من الشرور والمصائب -والعياذ بالله- ولا ينبغي لمسلم يخاف الله أن يلوث نفسه، أو أن يؤذي ملائكة الله، أو أن يؤذي عباد الله، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم، وتأذية بني آدم -أيضاً- معصية لله ، والناس لا يريدون رائحة هذا الدخان، يقول الشيخ حافظ الحكمي:
آذيتموا ساكنين الأرض فاحتملوا فما أذاكم لأملاكِ السماواتِ؟!
هذا الدخان محرم، وقد نصت الفتاوى العلمية الصادرة من كبار العلماء في هذا البلد، وفي كل بلاد المسلمين على تحريمه من طرق شرعية كثيرة، ودليل واحدٌ يكفي منها؛ لكنها اجتمعت فيه: الدليل الأول على التحريم: أنه خبيث: وما دام خبيثاً، فإنه محرم بنص الكتاب، يقول الله : ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف:١٥٧] وما أظن على وجه الأرض من يزعم أن الدخان من الطيبات أبداً، بل شركته الصانعة، وكل شركة في الدنيا عندما تصنع شيئاً تكتب دعاية له، إلا شركة الدخان، تصنعه وتكتب عليه دعاية ضده، تحذير رسمي: الدخان يضر صحتك، فننصحك بالامتناع عنه، فأعرف الناس بالصنعة صانعها، أهل الدخان الذين صنعوه يقولون: يضرك، فهل هو طيب أم خبيث؟! إن الذي يضر خبيث.
وكل طعام وشراب في الدنيا له مدة صلاحية، بداية ونهاية، إلا الدخان ما له بداية ولا نهاية، فهو فاسد ومن يوم أن صنعوه قالوا: هذا مضر، فكيف تنتظر أنت فيه فائدة وتستعمله؟! ثم إن خبثه يأتي مِن طعمه، ومِن ريحه، ومِن أثره على كل شيء، ليس فيه طريق واحد بالطِّيْب، وإذا مُنِع شربُ الدخان في إدارة رسمية، أو في مكان ما، ولم يجد الإنسان فرصة لشرب الدخان، فأين يشربه؟! في الحمام، أليس كذلك؟! لماذا؟! لأنه خبيث.
لكنه لو لم يجد فرصة للأكل، وعنده (ساندويتش) هل يقدر أن يأكل (الساندويتش) في الحمام؟! لا يستطيع أبداً أن يأكله في الحمام.
لكن لماذا يستطيع أن يدخن في الحمام؟! لأن الخبيث يناسب المكان الخبيث! هل يستطيع المدخن أن يدخن في المسجد؟! لا.
لماذا؟ لأن المسجد طيب، ولا يؤكل فيه إلا الطيب، ولا يقال فيه إلا الطيب، فلا يليق بك أن تأتي بالدخان الخبيث إلى المكان الطيب.
إذاً: ما دام أنك باعترافك أنت -أيها الإنسان- أنه خبيث فهو حرام؛ لأن الله يقول: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾ [النور:٢٦] فكيف تكون طيباً وأنت تحب الخبيث؟! لا يحب الخبيث إلا الخبيث، ولا يحب الطيب إلا الطيب، والله قد حرم علينا الخبائث بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة:١٧٢].
ويقول: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة:٥] بمعنى: حرمت عليكم الخبائث.
فهذا خبيث.
هل هناك شخص في الدنيا يقول: الدخان طيب؟! لا أظن، ولكني ابتُليتُ بمثله، وكنتُ مرة في منطقة جيزان، في مدرسة ثانوية، وبعد أن بينت حكم الدخان قام أحد المدرسين وقال لي: يا أستاذ، قلتُ: نعم.
قال: الدخان ليس حراماً.
قلت: لماذا؟! قال: هات آية في القرآن يقول الله فيها: حُرِّم عليكم الدخان.
قلت له: أنت تأكل الموز والبرتقال والتفاح؟! قال: نعم.
قلت: هات آية في القرآن تقول: أحل لكم البرتقال والتفاح والموز.
قال: لا يوجد.
قلت: وأنا لا يوجد، القرآن ليس كتابُ مطعمٍ، يعطيك الأطعمة كلها، القرآن منهج حياة، قال لك: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف:١٥٧].
فالطيبات: الشحم، واللحم، والأرز، والتفاح، والبرتقال، والعسل، والسمن، كُلْ منها.
والخبائث حرام.
فقال لي -والعياذ بالله وكان رجلاً منكوساً-: الدخان من الطيبات، وما دام أنه من الطيبات فقد قال الله: ﴿أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة:٤] أنتم عندكم أيها المتدينون! أن الدخان من الخبائث، أما نحن المدخنون فالدخان عندنا من الطيبات، وما دام أنه من الطيبات فهو حلال.
قلت له: أنت متزوج؟ قال: نعم.
قلت: عندك أولاد؟ قال: نعم.
قلت: إذا رأيت في يد ولدك حلوى أو تمراً أو (بسكويتاً) هل تغضب أم ترضى؟ قال: لا.
بل أرضى.
قلت: وإذا رأيت في يد ولدك (سيجارة) ترضى؟ قال: لا.
قلت: لماذا؟ قال: لأنه بطَّال.
قلت: والبطال ما هو؟ قال: خبيث.
قلت: والخبيث حرام! قال: حرام! وأدخل يده في جيبه، ومباشرة كَسَّر (الباكت) وداس عليه بقدمه وقال: ذهبت من رأسي، انتهت.
ولقيني بعد سنتين في أبها يقبل رأسي، ويقول: والله منذ ذلك التاريخ ما عرفتُه، وتبتُ إلى الله منه.
فهي قضية مغالطة فقط، وإلاَّ فكل شخص يعرف أنه خبيث، من أين يأتيه الطِّيْب؟! حتى رائحته؛ أنت الآن إذا سلم عليك شخص وهو مدخن كيف تعمل؟! تقرب منه وتعانقه؟! رائحة ثوبه ورائحة (غترته) ورائحته منتنة، حتى المتزوج الذي يدخن فإن زوجته معه في عذاب، حتى إنه عندما يريد أن يقبِّلها فتهرب منه، لا تريد الاقتراب منه، لماذا؟ لأن رائحة فمه منتنة، والعياذ بالله! هذا الدليل الأول.
الدليل الثاني: أنه حرام لأنه مفتِّر ومسكِّر: فيه كمية من المادة المخدرة، وهذه الكمية قليلة بحيث لا تطغى على العقل؛ لكن: (ما أسكر كثيره فقليله حرام) لو أتيت بكأس خمر، وأخذت منه (ملعقة) وصببته على كأس ماء وشربها شخص فإنه لا يسكر؛ لأن الكمية قليلة؛ لكن ما حكم الماء المخلوط بالخمر؟ حرام.
فهذا حرام، ويُعْرف تفتيره عند الصائمين، إذا امتنع الصائم طوال اليوم ثم أفطر وشرب واحدة فإنه مباشرة يتخدر، إن أراد أن يقوم ليصلي فإنه يجلس فيقول: لا نصلي هنا.
ماذا بك؟ قال: يا شيخ! دعنا نستريح قليلاً.
تخدر.
إذاًَ: ما دام أنه يخدر ويفتر فهو محرم.
الدليل الثالث: قال العلماء: إنه ضرر على الجسد: فإن منظمة الصحة العالمية بإجماع أطبائها -وليس فيهم واحد مسلم- يقررون أن السرطان الرئوي سببه الدخان، بالإضافة إلى القرحة المعدية، وبالإضافة إلى يُبْس الشفتين، وازرقاق العينين، وفقدان الشهية للطعام، وفقدان الحركة لماذا؟ لأنه نار تشب في نحره، الإنسان يستعيذ بالله من النار في كل حين، وشارب الدخان النار بين عينيه في كل حين، يشرب النار، وينفخ النار، ويبلع النار، ويتدرب على النار، لا يريد أن يصل إلى النار تلك، إلا وقد تدرب عليها والعياذ بالله.
الدليل الرابع: أنه إسراف وتبذير: والله قد بين لنا أنَّ ﴿الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ [الإسراء:٢٧] فلو أن إنساناً أخرج ورقة (عشرة ريالات) ولفها كما تلف (السيجارة) ثم أشعل النار فيها، فبِمَ يصفه الناس؟! بالجنون، لا يوجد أحدٌ يحرق المال وهو عاقل أبداً.
حسناً والذي يحرق المال ويحرق صدره، كيف يصير؟! مجنوناً أم مجنونين؟! هذا هو شارب الدخان يحرق (ماله) ويحرق جوفه، والعياذ بالله! الدليل الخامس: قال العلماء: إنه لا يُذكر اسم الله عليه: لا يوجد أحد يشعل (السيجارة) ويقول: بسم الله الرحمن الرحيم، ولا يحمد الله عند خاتمتها، لا يوجد أحد يكمل (السيجارة) ويقول: الحمد لله الذي أطعمني هذا وسقانيه من غير حول مني ولا قوة، وما دام أنه لا يُسمي عليه في أوله، ولا يحمد الله عند خاتمته فليس فيه خير، فهو خبيث.
الدليل السادس: قالوا: يعلم صاحبه خصلة من خصال الحيوان الذي لا تليق بالإنسان: وهي: أن الإنسان إذا أكل طعاماً، ثم بقي منه شيء رفعه، والحيوان إذا أكل طعاماً ثم بقي منه شيء رصَعَه، وهذا شارب الدخان إذا أكمل (السيجارة) وبقي فيها قليل أين يضعها؟! يرفعها أو يضعها في الأرض تحت رجله؟! هذه هي الخصلة، وكأنه دابة والعياذ بالله! إذاًَ: فحكمه التحريم، ولا يجوز لمسلم يخاف الله أن يستمر في تعاطيه، بل عليه أن يتوب إلى الله ، والقضية أسهل مما يتصور صاحب الدخان، وهي تحتاج إلى تصميم، وإلى إرادة، وإلى استعانة بالله، وإلى صبر، وإلى معاناة؛ خلال يوم ويومين ثلاثة أيام، ثم تنتهي، وتَسْلَم صحتُك، ويَسْلَم مالُك، وترضي ربك، ولا تؤذي عباد الله، ولا تؤذي ملائكة الله، وتكون من عباد الله الصالحين إن شاء الله.
стр. 2036
الوسواس وعلاجه
السؤال
إني شاب أخاف الله تعالى؛ لكن فِيَّ وسواس عظيم، والله لو أذكره لانهدت الجبال من عظمة ذلك، أرجو من حضرتك -أيها الشيخ- أن ترشدني إلى حاجة تحرزني وتحفظني من هذا الوسواس؟! جزاك الله جنة عرضها السماوات والأرض، وجعل إجابتك على هذا السؤال في موازين حسناتك، والله أعلم.
الجواب
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قد شرع الله في كتابه وأمر بالاستعاذة من الوسواس فقال : ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ * مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ [الناس:١ - ٦] والوسواس داء ومرض يصيب بعض الناس، وسببه الشيطان حين يتملك الإنسان ويستولي عليه ويستحوذ عليه، فيصور له العبادات على أنها غير صحيحة، يتوضأ الإنسان فإذا توضأ أتاه الشيطان، وقال: أنت لم تغسل فمك، ولم تغسل يدك، ولم تمسح رأسك، فيبطل عليه وضوءه، فيقوم فيتوضأ، فإذا توضأ وأكمل جاء إليه مرة أخرى، حتى إن بعضهم ليتوضأ عشر مرات.
وإذا جاء ليصلي وأراد أن يكبر قال هكذا: أأ أأ أأ أحتى تكتمل الركعة ولم يكبر بعد، ثم يقول: الله أكبر.
وإذا كبر جاءه الشيطان وقال: أنت كبَّرت؟! أنت كذاب لم تكبر.
ففسخ الصلاة وعاد: أأ أاللـ اللـ اللـ، فهذا مثل الكرة في يد الشيطان، يلعب عليه إبليس، يفسد عليه عبادته، وطهارته، وتوحيده، من أين جاء هذا التسلط -أيها الإخوان-؟ جاء من ضعف الإنسان.
قال ابن القيم ﵀ في كتابه إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان: كيف تتخلص من هذه الوساوس؟ أن تعامل الشيطان بنقيض قصده، فإذا جاءك الشيطان وأنت قد توضأت وقال لك: ما سميت الله.
قل: لا.
يا خبيث! سميتُ؛ لأنك هل تتصور أن الشيطان يفسد عليك عملاً فاسداً أم عملاً صالحاًَ؟! عملاً صالحاً، فهو يأتيك عندما يرى أن وضوءك سليم ليفسده عليك، فماذا تصنع؟! تقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، لا والله لا أتوضأ، إن وضوئي صحيح، والله لو أنه ليس صحيحاً ما جئتني يا شيطان! لكنك ما جئت وتريد أن تفسده عليَّ إلا لأنه صحيح، إذاً: لستُ معيداً للوضوء.
وإذا جئتَ لتصلي وكبَّرتَ، وجاءك الشيطان وقال لك: أعد التكبير.
قل: لا.
كبَّرتُ؛ لأنك لو لَمْ تكبر لَمَا جاءك الشيطان أصلاًَ ليعلمك، والشيطان لا يعلمك إلا في الصحيح لكي يفسده عليك، أما إذا كان ليس صحيحاً في حياتك فلا يعلمك الشيطان.
إذاً: اعمل بنقيض قصد الشيطان، كلما قال لك شيئاً فقل: لا.
إذا قال: ما قرأتَ الفاتحة، فقل: لا.
بل قرأت الفاتحة، وإذا قال: ما قلت في الركوع: سبحان ربي العظيم وبحمده، فقل: قلتُها رغماً عنك.
وهكذا إلى أن يعرف الشيطان أنك تمردت عليه، فإذا عرف أنك لا تطيعه والله لا يأتي إليك، يبحث له عن شخص آخر؛ لكن مادام أنك لعبة في يديه فلن يتركك.
قال لك: لم تتوضأ، قلت: نعم والله، لم أتوضأ، سأعود لأتوضأ.
أو يقول: لم تكبر، قلت: نعم لم أكبر، إذاً أعود لأكبِّر.
ثم يأتيك بالشك، ويقول لك: مَن خلق الله؟! وتقول: نعم من خلق الله؟! ما هذا؟! أعوذ بالله! يقول الرسول ﷺ : (يأتي الشيطان إلى أحدكم فيقول: مَن خلقك؟ فتقول: الله، فيقول الشيطان: مَن خلق الله؟ -ماذا تقول أنتَ؟! - فقل: آمنتُ بالله، لا إله إلا الله، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) هذه (قنبلة) تنزل بها على الشيطان.
لكن يأتيك الشيطان فتقول: والله عندي وسواس، ماذا تعني بالوسواس؟! ألِعْبَةٌ أنتَ؟! ألست رجلاً؟! هل الشيطان أقوى منك؟! يقول الله: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ﴾ [النساء:٧٦] ماذا؟! ﴿كَانَ ضَعِيفاً﴾ [النساء:٧٦] لكنك أضعف من الضعيف، عندما يلعب عليك إبليس.
فنقول -يا أخي الكريم-: هذا داخل ضمن دائرة اختصاصك، ولا تتصور أن شخصاً يأتي من الخلاء، ويدخل في قلبك، ويعطيك اليقين! اليقين عندك، هل أنت على شك من دين الله؟! هل أنت على شك من كلام الله، ومن كلام رسول الله؟! هل أنت على شك من يقينك؟! أأنت على شك من أنك عندما توضأت كنت لستَ عاقلاً؟! الآن إذا جئت لتأكل، وأكلت، وشبعت، وأكملت، وجاء الشيطان يوسوس لك ويقول لك: أنت لم تأكل، قم فكل! هل يأتيك ويقول لك هكذا؟! لا؛ لأنه عارفٌ أنك أكلت ولن تزيد.
إذاً: لماذا يوسوس لك في العبادات، ولا يوسوس لك في العادات؟ إلا لإفساد عبادتك.
فأولاً: أدعو الله الذي لا إله إلا هو أن يعيذني وإياك وجميع إخواننا من الشيطان الرجيم.
ثانياً: جاهد نفسك، واستعذ بالله؛ لأن الله يقول: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [الأعراف:٢٠٠] ما هو النزغ؟ قال ابن القيم: إيعاد بالشر، أو تخذيل عن الخير، هذا هو نزغ الشيطان، يوعدك بشر، أو يخذلك عن طاعة وخير.
إذاً ماذا تفعل؟! تقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
إذا مشيتَ في الشارع ورأيتَ امرأة متبرجة فاتنة، والشيطان يقول: انظر إليها، ويلف برقبتك يريدك أن تنظر، فقل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم مباشرة، فلن تحس بعدها بشيء أبداً.
أي شيء يعرضه عليك الشيطان عامله بنقيض قصده.
إذا كنت في فراشك تريد أن تقوم لتصلي الفجر فإنه يأتي على غاربك، ويركب عليك، ويجعلك تنام؛ لكن قُلْ بعد أن تستوي جالساً: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم؛ نسألك يا ألله أن تعيننا وقم؛ لكن بعضهم يستعيذ وهو نائم، فيقول إبليس: اسكت يا كذاب! أتستعيذ وأنت نائم؟! لا ينفع هذا.
стр. 2037
تصحيح النية في طلب العلم
السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أشهد الله أني أحبك في الله.
أنا طالب في كلية الشريعة، وإني في بداية الدراسة؛ ولكني أخاف أن أكون من طلاب الدنيا، وتراودني نفسي بأن أحول إلى قسم آخر، حتى لا أدخل في الحديث الذي ذكرتَه، أفيدوني جزاكم الله خيراً؟!
الجواب
جزاك الله خيراً، وأحبك الله يا أخي! ونصيحتي إليك أن تبقى في مجالك الذي اخترتَه، وأن تصحح النية والقصد.
وكونك تخشى فهذا من علامات تصحيح النية إن شاء الله؛ لأن الذي يخاف من الشيء يحذره ويتوقاه.
أما ترك هذا المجال واختيار مجال آخر، فإن هذا ليس في مصلحتك؛ لأنه شيء من التذبذب، فما دام أن الله وفقك ودخلت في كلية الشريعة فنِعْمَ المجال خدمة شريعة الله، إنما صحح نيتك وقصدك، وقل: أريد من هذه الدراسة أن أخدم دين الله، وأن أكون داعية إلى الله، وأن أكون عاملاً بهذا الدين.
وكونك تريد أن يكون لك هدف في أن تتزوج أو أن تتوظف، أو أي شيء، فهذا لا مانع منه، أي: الأغراض التي يقصدها الإنسان بعد طلب العلم لوجه الله تأتي ثانوية؛ لكن القصد الأول والصحيح أن يكون لله .
فننصحك بالاستمرار، وتصحيح النية، وسؤال الله ﵎ أن يجعل نيتك خالصة، وأن يوفقك لصالح العمل، واستمر في الطاعة والعمل الصالح، وثق بأنك إن شاء الله على خير.
стр. 2038
حكم استخدام التمائم والذهاب إلى الكهان
السؤال
هناك امرأة كثيرة الخوف، فكل شيء تخاف منه، ثم سَمِعَت عن امرأة في الأردن تعالج الناس، فأرسَلَتْ إليها تريد منها العلاج، فأرسَلَتْ تلك المرأة إليها حرزاً فيه بعض الآيات والأحاديث والأذان، ويوجد فيه حروف وكلمات لا تستطيع قراءتها، فهل يجوز أن تلبس هذا الحرز، أو تنام به، وتدخل به الحمام؟ أم ماذا تفعل؟ أفيدونا جزاكم الله خيراً؟!
الجواب
أولاً: لماذا كثرة الخوف؟! يجب أن يبقى الخوف خوفاً واحداً، وهو الخوف من عذاب الله؛ لأن من خاف الله أمَّنه الله من كل شيء، ومَن لم يخف الله خوَّفه الله من كل شيء.
فنقول لهذه الأخت: مِمَّ تخافين؟! أتخافين من الموت؟! الموت بيد الله.
أتخافين من المرض؟! المرض بيد الله.
أتخافين من الفقر؟! الفقر بيد الله.
من أي شيء تخافين؟! أتخافين من الطلاق إذا كنت متزوجة؟! فالطلاق أمر يجريه الله على هذا الإنسان على لسان هذا الزوج.
أتخافين ألا تتزوجي؛ وأن يتقدم بك السن دون أن تتزوجي؟! فابحثي عن الزوج عن طريق التقوى قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق:٢ - ٣].
مِمَّ الخوف؟! ولماذا تخافين؟! اجعلي الخوف خوفاًَ واحداً فقط: خافي مِن الله أن يراكِ حيث نهاكِ، أو أن يفقدكِ حيث أمركِ، أن يراكِ على معصية، أو أن يفقدكِ عند الطاعة، فإنك إذا خِفْتِي الله، وخِفْتِي عذابه، وخِفْتِي بطشه وشدته وجبروته، فاتقيتيه بوضع نفسكِ في طاعته والابتعاد عن معصيته، أمَّنَك الله في الدنيا والآخرة، فهذا الأول.
الثاني: أما ما صنعتِ من الإرسال إلى تلك المرأة التي في الأردن فمن خلال ما ذكرتِ فإن هذه امرأة كاهنة وساحرة ومشعوذة، ولا يجوز الإتيان إليها، ومن أتى إليها فصدقها فقد كفر بما أنزل على محمد، ومن أتاها ولم يصدقها لم تُقْبَل له صلاة أربعين نهاراً، وهذا الحرز الذي أرسلته هو من التميمة المحرمة الشركية؛ لأن التمائم تنقسم إلى قسمين: قسم محرم وهو شرك، التوِّلة من الشرك، والتميمةُ من الشرك، (من تعلق تميمةً فلا أتم الله له) وهي: التي فيها مثلما ذكرتِ، فيها رموز، وأحرف مقطعة، هذه اسمها: كهانة؛ لأنها تستعين بالجن عن طريق هذه الرموز، ثم تخدع الناس وتضللهم، فتكتب آيات قرآنية، وأحاديث نبوية، وأدعية مأثورة، وتضع الأذان، ثم تحد عليه بدائرة، وتضع رموزاً عليها، فإذا قرأ الإنسانُ الساذجُ الجاهلُ القرآنَ قال: والله إنه من القرآن؛ ولكنه لم ينتبه إلى الذي بجانبه ما هو! فَلِمَ هذه النجمة السداسية؟! ولِمَ هذه الدوائر؟! ولِمَ هذه العلامات؟! كلها شعوذة، وبالتالي فهذه التميمة محرمة.
التميمة الثانية: أن تكون من القرآن، وليس فيها أي حرف، إلا من كلام الله: هذه اختلف العلماء في حكمها: فمنعها قوم.
وأباحها قوم.
والذين أباحوها دليلهم مرجوح.
والذين منعوها دليلهم راجح؛ لأنها: أولاً: لم تُؤْثَر، ولم يفعلها النبي ﷺ .
ثانياً: تعرِّض كلام الله للإهانة.
ثالثاً: تحول عقيدة العبد.
إذاً: لا تُعَلَّق، وإنما يُقرأ القرآن مباشرة على المريض، ولا تُعَلَّق تميمةٌ: (فإن مَن تعلق تميمة فلا أتم الله له).
стр. 2039
الدعوة إلى الله مسئولية الجميع
السؤال
إنه بسببك -بعد الله- اهتدى مِن هذه المحاضرات التي تلقيها أناسٌ كثير، ووفقك الله لكل خير.
والذي أرجوه منك: أن تنبه على الإخوة الدعاة أن يذهبوا إلى الشباب في أماكن اجتماعهم، في (الأحواش) والاستراحات، وإنقاذهم بعد الله من هذه الغفلة التي يعيشونها في السهر على (البلوت) والنظر إلى (الدشوش) فجزاكم الله خيراً؟
الجواب
جزى الله الأخ الكريم خيراً، فإنه بهذا الانتباه واللفت الجيد يضعنا أمام مسئوليتنا أمام الله ، فإن هذا الدين -أيها الإخوة- هو مسئولية كل مسلم، وبموت النبي ﷺ وباعتباره آخر الأنبياء وخاتم النبيين حيث لا نبي بعده، نقول: إذاًَ مَن يدعو إلى هذا الدين؟! تدعو إليه أمته، يقول الله : ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف:١٠٨] فأتباع الرسول ﷺ كلهم دعاة، وهؤلاء الذين يعيشون على الأرصفة، وفي (الأحواش) والبراري والقفار، ويسهرون على اللعب، والأغاني، والأفلام، هؤلاء إخوة لنا في الإسلام، أبناء الفطرة، والدين، ليسوا أصحاب عقائد ضالة، وليس عندهم خرافات، ولا بدع، ولا ضلالات، وإنما عندهم شهوات، وطبقة من الغفلة، والشهوة، ما إن تأتي أنتَ بـ (قال الله، وقال رسوله) إلا وتجد لها تلك الجدوى؛ لكن مَن يقوم بهذا الدور؟! أنت -يا أخي- وبالأسلوب الحسن، وبالعبارة اللطيفة، وبالجد، وبالوصول إلى القلب، لا بالانتهار، والتعالي، والاحتقار لهم، وإنما بالحب لهم، بالسلام عليهم، والابتسامة لهم، وبالعرض عليهم، إذا مررتَ على مجموعة وهم جالسون فقل: السلام عليكم -وهم من حين أن يروك ينفرون منك؛ لأن شكلك واضح أمامهم، وذلك مِن قصر ثوبك، ومِن لحيتك، وتدينك، وهم في فسق، والشيطان يغطي على قلوبهم، فإذا جئت ابتسم أولاً وقل: السلام عليكم، كيف الحال يا إخوان؟! إن شاء الله طيبون.
بعض الناس يأتي ليدعو فيقول -غاضباً-: السلام عليكم، ماذا تفعلون؟! فيقولون: الله أكبر عليه! لا يأكلنا بعينيه! لا -يا أخي- أنت داعية! الداعية يدعو بهذا الأسلوب؟! أنت الآن إذا أرسلك أبوك تدعو شخصاً لغداء أو لعشاء، كيف تدعوه؟ تقول: الوالد يسلم عليك -وتبتسم- ويريدك أن تأتي لتتعشى عندنا إن شاء الله.
لكنك لو جئت إلى عنده وتقول: الوالد أرسلني ويقول: تتعشى عندنا ولكنك قلت ذلك بأسلوب فيه غضب وحدة وقلة احترام.
فسيرفض دعوتك ويقول: لا أريد عشاءك، ولا آتيك.
وإذا كانت الدعوة إلى أرز ولحم تحتاج إلى أسلوب، فكيف تريد أن تدعو شخصاً إلى الله وإلى دينه، تدعوه إلى أن يترك شهواته، ويتمرد عليها، ويستجيب لأمر مولاه، ويخضع لشريعة الله، وأنت تنهره وتغلظ عليه؟! بل ابتسم له وقل: السلام عليكم، كيف حالكم -يا إخوان؟ - طيبون؟! كيف حالك -يا أخي؟ - أنت زميلي في الدراسة! والله إني أحبك من تلك الأيام -ولو أنك لست صادقاً، ولا تحبه؛ ولكنك تحب أن الله يهديه-.
وبعد قليل: انظروا -يا إخواني- والله هذه الحياة فانية وسنموت.
ومباشرة انزل بهم في القبور، نعم؛ لأن القبر لا أحد يستطيع أن يماري فيه، كيف حالنا في القبر -يا إخواني؟ - القبر يخبر الرسول ﷺ عنه أنه: (روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النار).
اللهم إنَّا نسألك من فضلك يا رب.
أيها الإخوان: لِمَن تكون الروضة مِن رياض الجنة؟! ستجدهم هم بأنفسهم يجيبونك ويقولون: للمؤمنين، وللمتدّينين.
ولمن الحفرة مِن حفر النار -أيها الإخوان؟ - قالوا: نعوذ بالله! والله لا نريدها.
حسناً ما تريدونها؟! قالوا: نعم.
إذاً: لِمَ -يا إخواني- لا نطيع الله ؟! لِمَ لا نقرأ كتاب الله ؟! ما رأيكم؟! هل آتيكم كل ليلة وكل أسبوع وأنتم جالسون، أعلِّمكم آيةً أو حديثاً، وأمضي.
ماذا يقولون؟! يقولون: جزاك الله خيراً، إذاً السلام عليكم.
ولا تقعد، بعض الناس يقعد معهم إلى أن يغيِّر عليهم، وينكِّد عليهم، حتى يقولوا: والله لم نعد نريد أن نرى وجهه هذا؛ لأنهم ما جاءوا من أجل الذكر، هم جاءوا من أجل أن يلعبوا، ومن أجل أن يطربوا، وأن يسهروا، وأنت إذا جئت، فضع حبة العلاج هذه وامْشِ، ودعهم يلعبون؛ حتى تأتي مرة ثانية، وتضع علاجاً ثانياً، وثالثاً، ورابعاً، وخامساً، إلى أن يهديهم الله.
هذا هو الأسلوب، وليس هذا الأسلوب الذي أقوله فقط، بل هناك أساليب كثيرة، وإخواننا والحمد لله عندهم خبرات، وعندهم إمكانيات في قضية الدعوة؛ لكن من يقوم فقط؟ كل واحد يقول: نفسي نفسي! والدين مَن يدعو إليه أيها الإخوان؟! فأنا أقول: هؤلاء إخواننا، وفي ذمتنا، وفي عُهدتنا ومسئوليتنا، وكما أنقذنا الله، فينبغي أن نمد حبال النجاة لإخواننا حتى ينقذهم الله بأيدينا.
стр. 2040
مراحل الدعوة في حياة النبي ﷺ
لقد مرت دعوة رسول الله ﷺ بعدة مراحل؛ من الضعف والقوة، والسر والجهر، والحصار والمطاردة إلى العز والتمكين، وفي هذه المراحل نبراس للدعاة إلى الله تعالى إلى يوم القيامة، وقد تناول الشيخ في هذه المادة المرحلة السرية في الدعوة وبعض جوانبها، والدروس المستفادة منها، كما ذكر المرحلة الجهرية، والتي بدأت بإنذار الأقربين، متناولاً أهم ما امتازت به هذه المرحلة.
стр. 2041
حكم التقيد بالمراحل التي مر بها النبي ﷺ في الدعوة إلى الله
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وسيد المرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: فهذه المحاضرة تلقى في جامع الشربتلي بمدينة جدة، بعد مغرب يوم السبت الموافق: (٢٥) من شهر محرم الحرام عام (١٤١٨هـ) على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التسليم.
ويأتي هذا الدرس ضمن السلسلة الشهرية المعنونة بـ: "تأملات في السيرة النبوية" وعنوان هذه المحاضرة: "مراحل الدعوة في حياة النبي ﷺ " إذ مرت الدعوة في حياته صلوات الله وسلامه عليه بمراحل، التي يقسمها العلماء إلى أربع مراحل: المرحلة الأولى: الدعوة السرية والتي استمرت ثلاث سنين.
المرحلة الثانية: الدعوة الجهرية، ولكن مع كف اليد عن القتال، وإنما فقط الدعوة بالكلمة دون المواجهة، واستمرت هذه إلى الإذن بهجرة النبي ﷺ من مكة إلى المدينة.
المرحلة الثالثة: استمرارية الدعوة جهراً مع قتال المبتدئين بالقتال، واستمرت إلى وقوع صلح الحديبية وتوقيع المعاهدة مع المشركين في عام الحديبية.
المرحلة الرابعة: وهي استمرارية الدعوة جهراً مع قتال كل من يقف في طريق الدعوة، ويصد عن سبيل الله .
هذه هي المراحل التي مرت بها الدعوة في بداياتها، وفي عهد رسول الله ﷺ .
وقد يتبادر إلى الذهن
السؤال
هل يجب على كل من يدعو إلى الله التقيد بهذه المراحل بمداها الزمني، كما وقعت للنبي ﷺ ، بحيث لا يدعو أول شيء إلا سراً، ثم ينتقل جهراً؟
و
الجواب
إن ذلك غير مطلوب من الدعاة أن يتقيدوا بذلك؛ وذلك لأن المدى الزمني الذي حددت فيه تلك المراحل تقدير رباني، وليس جهداً بشرياً فقط، فالتقيد بهذه المراحل لا يتلاءم ولا يتماشى مع مرونة الإسلام في معالجة الأمور ومواجهة القضايا.
والسيرة النبوية تمثل حركة الإسلام، وتفتح أمام الدعاة والعاملين للإسلام نماذج كثيرة لخيارات متعددة، بحسب الأحوال والملابسات التي يعيشها المسلم، فقد تقتضي الضرورة في بعض الظروف أن تكون الدعوة سراً، وذلك في البلاد الكافرة التي تحارب الإسلام وتحارب الدعاة، فهناك لابد للمسلمين الذين يريدون نشر الدين أن ينشروا دينهم بطريقة سرية، حتى لا تضرب دعوتهم من قبل الكفار.
أما إذا كانت الدعوة تمارس في بلاد المسلمين، فليس لدى المسلم شيء يخفيه على المسلمين، فنحن عندما ندعو الناس إلى الله لا نقدم لهم شيئاً نخاف عليه أو نخشى منه، نحن نقدم لهم وسيلة النجاة، وندعوهم إلى سفينة الخلاص من ورطة الدنيا والآخرة، والإسلام هو البديل الصحيح، وهو يمثل الخلاص من ورطة الدنيا والآخرة، فما نقدمه للمسلمين إنما هو عملية تذكير لهم، فلا نخاف على شيء ولا نخشى من شيء، وبالتالي لا داعي للسرية؛ لأنك تمارس دعوتك بين المسلمين، وظروف الغفلة والشهوات والشبهات التي أضلت بعضهم تقتضي أن تذكرهم، ولهذا جاء الأمر من الله بالدعوة إلى الذكرى، قال : ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات:٥٥] ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتْ الذِّكْرَى * سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى﴾ [الأعلى:٩ - ١٠].
وخلاصة القول في الموضوع هذا: أن قضية الدعوة سراً أو جهراً إنما تقدر بقدرها، بحسب الظروف التي يعيشها الداعية والمسلم في زمانه ومكانه، ولكل حال وزمان علاج يناسبه، وقد لا يناسبه في زمان آخر ولا في مكان آخر.
وسنتحدث إن شاء الله بالتفصيل عن المراحل الأربع مرحلةً مرحلة.
стр. 2042
المرحلة الأولى: الدعوة السرية
عندما استجاب النبي ﷺ للأوامر الربانية التي صدرت له من الله بتبليغ الرسالة، جاءت هذه الآيات في أول الوحي واضحة من قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ * وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ * وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ [المدثر:١ - ٧] هذه الآيات من أوائل ما نزل.
الرسول ﷺ نُبئ بإقرأ، وأُرسل بالمدثر، فكانت بداية النبوة والوحي: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق:١] وفي المرة الثانية نزلت هذه سورة المدثر: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ﴾ [المدثر:١ - ٢] أُرسل الرسول ﷺ بهذه الآيات، وقد لخصت هذه الآيات رغم قصر عباراتها، ورغم اختصارها، وهذا كله في الآيات المكية، والذي يقرأ القرآن يلاحظ أن الآيات التي نزلت في مكة تتميز بقوة العبارة وبقصرها واختصارها، بينما الآيات التي نزلت في المدينة تتميز بالإطالة والإطناب في بيان أحكام الشرع، فالآيات الطوال كلها آيات المدينة، بينما المكية كلمتان أو ثلاث فقط: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر:١] المقام لا يقتضي التطويل، إنما يقتضي كلمات معدودة، في تكليف محدود، وفي عمل مشروع، وكانت هذه البداية.
стр. 2043
ملخص الأوامر الربانية بالدعوة في سورة المدثر
لقد لخصت هذه الآيات مضمون الدعوة التي أنيط بالنبي ﷺ تبليغها إلى الناس، ولا تكاد جميع السور المكية تخرج عن إطار هذه الآيات التي جاءت في أول سورة المدثر.
ففي قوله : ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر:١] المدثر: الذي أخذ دثاره وتلحف بثيابه، وجلس يريد الراحة والسكينة، ويريد الجلوس والأنس، جاءت هذه الآيات لتشير إلى أن زمن التدثر والخلود إلى الراحة، والأنس والسكينة، والجلوس في البيت مع الزوجة والأولاد والأبناء قد ولى، وجاء زمن المجاهدة بكل أبعاده المادية والمعنوية.
والإنسان -أيها الإخوة- يشعر بعظم المسئولية وضخامة الرسالة التي كلف بها النبي ﷺ ، إذا قاس نفسه وهو يجد الصعوبة ويفشل -أحياناً- في تربية أولاده في بيته، إذا كان عنده ولدان أو ثلاثة أو أربعة ومثلهم بنات، ثم يجد أن هذا فشل في تربيته، وتلك فشل في تربيتها، فيشعر بالمسئولية الكبيرة التي أنيطت بالنبي ﷺ في هداية العالمين.
ليس في تربية بيته، ولا هداية قبيلته، ولا هداية مدينته، ولا الجزيرة العربية، وإنما ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ [سبأ:٢٨] ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧] فيكلف بهذه الرسالة ثم يحملها صلوات الله وسلامه عليه، فيربيه الله ويؤهله حتى يؤديها، ويستطيع القيام بها من أول لحظة، وهو يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر:١] انتهى، لا يوجد تدثر ولا جلوس الآن.
стр. 2044
الأمر بالإنذار وعدم ذكر التبشير
(قم): والقيام هنا قيام حسي وقيام معنوي، وهذا فيه إشارة إلى تكليفه بأمر الدعوة للناس كافة ﴿قُمْ فَأَنذِرْ﴾ [المدثر:٢] والرسل عليهم الصلاة والسلام وظيفتهم البشارة والنذارة، كما قال في سورة النساء: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً * وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً * رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لأَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً﴾ [النساء:١٦٣ - ١٦٥] فالله وضَّح أن الرسل كلهم من نوح إلى محمد وظيفتهم مبشرين ومنذرين، لكن هنا يقول الله: ﴿قُمْ فَأَنذِرْ﴾ [المدثر:٢] ولم يذكر البشارة، لماذا؟ يوجد هناك سر، رغم أن النبوة تتضمن البشارة والنذارة؛ البشارة بالجنة والسعادة في الدنيا والآخرة، والنذارة من العذاب والنار والدمار في الدنيا والآخرة، لكن حالة النبي ﷺ في بداية الدعوة تقتضي النذارة فقط؛ وذلك لما كان عليه الناس من الشرك، فقد أمعنوا في الكفر، وتجاوزوا الحدود في الضلالات، فإذا جاء ليعطيهم بشارات قد لا يستجيبون، لكن تقريعهم وتخويفهم من عذاب الله بالنذارة، كان هذا أدعى إلى الاستجابة؛ ولهذا خصها بالذكر، رغم أن بعض أهل العلم يقول: إن النذارة تتضمن البشارة، فهو ينذر من عذاب الله ويبشر بنعيم الله الذي يلحق المؤمن إذا هو استجاب لأمر الله وترك طريق الشيطان.
﴿قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [المدثر:٢ - ٣] وفي هذه العبارة الصغيرة، إشارة إلى أنه ليس في الوجود أكبر من الله خالق الوجود خالق الإنسانية خالق الكون والحياة، فيجب أن يُعَظِّم إذ لا خالق إلا هو، وما دام أنه لا خالق إلا هو، فليس هناك من يستحق التقدير والتعظيم والتمجيد والتقديس والعبادة إلا هو، فتعظيم غيره ظلم ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف:٥٤].
ولذا على الناس أن يعلموا هذه الحقيقة ليتواضع الناس كلهم للكبير المتعال، وفي هذا التوحيد المطلق، يوم أن تعلم أن الله هو الكبير فتوحده، وتخضع لأمره، وتستجيب له دونما سواه، وترفض كل أمر يتعارض مع أمره، فأنت بهذا توحد الله وتعلن العبودية الخالصة له .
стр. 2045
الأمر بتطهير الثياب والغرض منه
بعد هذا يقول : ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر:٤] وفي هذا إشارة إلى أن الداعية الذي يريد أن يكون مؤثراً في الناس؛ لا بد له أن يبدأ بتطهير نفسه ظاهراً وباطناً، حساً ومعنىً؛ حتى يكون مثالاً لمن يدعوهم إلى الطهارة بكل معانيها، إذ من غير المعقول والمقبول أن تدعو الناس إلى شيء وأنت تخالفه، يقول الشاعر:
يا أيها الرجل المعلم غيره هلا لنفسك كان ذا التعليم
تصف الدواء لذي السقام وذي الضنا كيما يصح به وأنت سقيم
لا تنه عن خلق وتأتي مثله عار عليك إذا فعلت عظيم
وأبلغ من هذا ما جاء في كتاب الله: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:٤٤] أي: أين عقولكم؟ كيف تقرءون القرآن وتنسون أنفسكم وتدعون الناس؟ وأبلغ من هذا قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الصف:٢ - ٣] أي: عظم إثماً عند الله: ﴿أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف:٣].
ويقول حكاية عن شعيب وهو يخاطب قومه: (وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ [هود:٨٨] يقول: عيب عليَّ أن أقع فيما أنهاكم عنه ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود:٨٨] فمن مقتضيات الدعوة ومن لوازمها، أن يبدأ الداعية بنفسه حتى يكون صادقاً مع نفسه ومع الناس، وحتى يكون لكلامه تأثير في الناس؛ إذ أن تأثير الأعمال أبلغ من تأثير الأقوال الناس يقبلون القول لكنهم ينظرون ويلاحقون، هل هذه الأقوال مطبقة عند من يقولها؟ فإن وجدوا تطابقاً بين قوله وفعله ألزمهم بفعله، وإن وجدوا تعارضاً بينما يقول وما يفعل، عرفوا أنه كذاب وأنه ممثل، وبالتالي تزول موعظته من القلوب، وتخرج من الآذان لماذا؟ لأنها لم تخرج من القلب، كما يقولون: كلام القلوب يصل القلوب، وكلام الحناجر لا يتجاوز الآذان.
هذه الآية فيها إشارة إلى أن كل داعية لابد عليه إذا دعا الناس، أن يكون متمثلاً لكل ما يدعو الناس إليه، وإلا أصبح عرضة يوم القيامة للعذاب الشديد، فقد جاء في الصحيح: (أن رسول الله ﷺ أخبر أن من الناس من تندلق أقتابه في النار، ويدور حولها كما يدور الحمار برحاه في النار، فيقول له الناس: لقد كنت تأمرنا بالخير وتنهانا عن الشر! فيقول: نعم، كنت آمركم بالخير ولا آتيه، وأنهاكم عن الشر وأقع فيه) فكان هذا مصيره والعياذ بالله! والتطهر هنا يقتضي التطهر المعنوي والتطهر الظاهري، التطهر المعنوي: تطهير القلب من جميع الرذائل والمعاصي، ومن جميع الصفات الذميمة تطهير القلب من الغل والحقد والحسد والكبرياء، وجميع الصفات التي لا تليق بالمؤمن، وتطهير الظاهر أيضاً من النجاسات الحسية؛ بحيث يكون الإنسان طاهراً في الظاهر والباطن.
وهل كان رسول الله ﷺ فيه شيء من النجاسات حتى يوجه له هذا الكلام؟! لا، لم يكن فيه شيء صلوات الله وسلامه عليه، فهو خيار من خيار، من بداية حياته، لكن الأمر له ولسائر أمته إلى يوم القيامة، على حد قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ﴾ [النساء:١٣٦] هم آمنوا ويدعوهم الله بلفظ الإيمان ويدعوهم إلى الإيمان: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النساء:١٣٦] وعلى حد قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ [الأحزاب:١] الله يأمره أن يتقي الله، وهل في الدنيا أعظم تقوى من رسول الله؟ لا.
لكن من باب التأكيد على ما يجب أن يكون، وهذه الآية على شاكلتها.
﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر:٤] وهو أطهر خلق الله صلوات الله وسلامه عليه، ما اجتمع له أبوان على جريمة، يقول ﷺ : (لا زال الله ينتقيني من أصلاب الرجال وأرحام النساء إلى أبي، فلم يلتقِ أبوان لي على فاحشة) كيف وهو المصطفى المختار، سيد ولد آدم، خير من سار على الأرض، وصاحب اللواء يوم العرض، وأول من تنشق عنه الأرض، وأول من يدخل الجنة؟ اللهم صلِّ وبارك عليه.
стр. 2046
الأمر بهجران الذنوب والمعاصي
قال : ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر:٥] الرجز: الشرك والمعاصي والذنوب والآثام، وفي هذه العبارة إشارة إلى أن توحيد الخالق يقتضي ويتطلب عدم تعظيم أو تقديس أي شيء لا يخضع لخالق الكون والحياة، ولا يعترف بالألوهية والربوبية والأسماء والصفات لله، وأن المسلم ينبغي له أن يهجره.
ثم قال : ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر:٦] وفي هذا إشارة إلى أن ما خص به من منع إعطاء الشيء ابتغاء شيء أكثر هو أنه مقرون بأجمل الأخلاق وأشرف الآداب، ليكون مثلاً أعلى للبشرية؛ لأنه يدعوها إلى مكارم الأخلاق، ولقد صح عنه ﷺ أنه قال: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق).
وقد أوتي ﷺ من مكارم الأخلاق أرفع قدر وأعلى نسبة، فإن الكمالات البشرية الموزعة على جميع الأنبياء والرسل وعلى جميع الناس، لم تجمع لشخص واحد إلا لمحمد ﷺ ، حتى قال الله له بشهادة ربانية عالمية: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤] من قائل هذا الكلام؟ إنه الله، الله يشهد له ويقول: يا محمد! إنك لعلى خلق عظيم، عظيم عندي وعندك، ليس عند الله فقط، فيا لها من شهادة! ولما سئلت عائشة ﵂ عن خلق النبي ﷺ ، قالت: (كان خلقه القرآن) من أراد أن يعرف أخلاق النبي ﷺ فليقرأ القرآن، القرآن يحتوي على أفضل الكمالات، وهي مترجمة كاملة في تطبيق وسلوك وأخلاق وتعامل محمد بن عبد الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 2047
الأمر بالصبر عند التبليغ
في ختام هذه الأمور الهامة التي ترسم معالم الدعوة، ويصل بها الإنسان إلى نصرة الحق والدين، هذه الحقيقة التي هي تحمّل لأمانة الدعوة، كان لابد من توجيه يحفظ له هذا الأمر، وهو الأمر بالصبر، فقال الله له: ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ [المدثر:٧] إذ أن من يتصدى للدعوة لابد أن يتعب، ولابد أن ينصب، ولا بد له من الابتلاء؛ ولهذا لا بد له أن يتسلح بسلاح الصبر؛ ولهذا قدم هنا الجار والمجرور: ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ [المدثر:٧] قدم الجار والمجرور على العامل المتعلق به وهو الصبر، ما قال: اصبر لربك، التقديم هنا للاختصاص، أي: اجعل الصبر مختصاً بالله؛ لأنه يمكن أن تصبر لربك ولغير ربك؛ لكن لا اجعل الصبر خالصاً لله ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ [المدثر:٧] أي: احتسب كل ما ينالك في سبيل الدعوة عند الله .
стр. 2048
استجابة الرسول لأوامر ربه وقيامه بالدعوة سراً
لما وجهت هذه التوجيهات الربانية إلى النبي ﷺ أدرك عظمتها، ونهض من فراشه، وأخذ يدعو إلى دين ربه ثلاث سنوات متتاليات سراً، وكان قد أخفى رسول الله ﷺ أمره واستتر به إلى أن أمره الله بإظهاره بعد ثلاث سنين، كما يذكر ابن إسحاق في السير، ومما يدل على السرية في الدعوة ما جاء في خبر إسلام عمرو بن عبسة ﵁، حيث قال: (أتيت رسول الله ﷺ في أول ما بعث وهو في مكة وهو حينئذ مستخفٍ) أي: مستخف بالدعوة، وهذا الحديث في صحيح مسلم، وكان تحركه في بداية دعوته في الوسط الذي يربطه؛ في أسرته، مثل زوجته وأبنائه، ومواليه، وأصدقائه المباشرين الذين كان يطمئن إليهم، ويثق فيهم.
стр. 2049
أوائل المستجيبين لدعوة الرسول ﷺ
لهذا يلحظ أن من أوائل من استجابوا إلى الدعوة هم هؤلاء، أول واحدة استجابت زوجته أم المؤمنين خديجة بنت خويلد ﵂، صاحبة العقل الكبير، وصاحبة المواقف العظيمة والأيادي البيضاء، التي كان النبي ﷺ يتوخاها حينما تزوج بها، فما تزوج بها لأي غرض إلا لهذا الغرض؛ العقل والخلق والنظر البعيد، ولهذا اختارها وعمرها أربعون عاماً وهو في سن الخامسة والعشرين، صلوات الله وسلامه عليه، فكانت أول من آمنت به وبرسالته، كما هو مشهور، وقد هونت عليه من أمر الدعوة، وكانت بذلك أول من أُمر الرسول ﷺ بتبشيره بالجنة، إذ قال ﵊: (أمرت أن أبشر خديجة ببيت في الجنة من قصب لا نصب فيه ولا صخب) وهذا الحديث في صحيح البخاري وصحيح مسلم.
وأقرأها الله السلام، وبشرها أن لها في الجنة قصراً من ذهب، لا صخب فيه ولا نصب ﵂ وأرضاها.
ومن المستجيبين في بداية الدعوة السرية: علي بن أبي طالب، ابن عم النبي ﷺ وختنه، والختن: هو زوج البنت، زوج بنته فاطمة البتول، وأبو الحسن والحسين ﵃ أجمعين علي بن أبي طالب كان أول المستجيبين من الشباب، وكان يتربى في حجر النبي ﷺ ؛ لأن أولاد أبي طالب كثير، فقد كان ذو عيال، فطلب منه أن يكون علي معه، فكان في حجره وفي تربيته، وتحت كنفه، فكان علي أول من أسلم من الشباب الصغار.
ومن المستجيبين في المرحلة الأولى: المولى زيد بن حارثة، الذي قال له النبي ﷺ حينما جاء أبوه يطلبه: (إن شئت فأقم عندي وإن شئت فانطلق مع أبيك، فقال: بل أقيم عندك) فدعاه النبي ﷺ ببنوته؛ لأن أصل زيد ليس عبداً مملوكاً بل هو حر، لكن أمه أخذته وذهبت من بيت زوجها حارثة إلى بيت أهلها في غضب عائلي، أي: خلاف منزلي؛ لأن بعض النساء جاهلات ما أن يحصل بينها وبين زوجها أي خلاف إلا وتخرج، وهذا من نقص العقل، فلا تخرج المرأة من بيت زوجها إذا حصل شجار، يخرج الرجل ولا تخرج المرأة؛ لأنه إذا خرج يستطيع أن يعود، لكن أنتِ إذا خرجتِ، فمن يرجعك؟ وأهلها يقولون: لا ترجعي حتى يأتي هو يأخذك، وإذا اتصلوا به تعال خذها، قال: لا، الذي ذهب يرجع، والله ما آتي آخذها، وتبقى هي الضحية فلا تفكر المرأة بالخروج من بيت زوجها أبداً بأي خلاف، إلا إذا قررت أن لا حياة مع الزوج، بعد أن تدرس الموضوع دراسة متأنية، وتصدر قراراً نهائياً تعرف فيه أن هذا الزوج لا يمكن أن يكون لها زوجاً، أما لمجرد أي خلاف، خلاف عائلي يسير على مسألة البيت، على مسألة مع الأولاد، وعلى الفور أخذت عباءتها وفتحت (الشنطة) وأخذت أغراضها وخرجت، فمن الذي يرجعها؟! وبعض الأزواج -والعياذ بالله- سيئ الخلق فما أن يحصل بينه وبين زوجته شيء إلا ويقول: الباب يمشي منه الجمل، أي: إن كنتِ مثل الجمل اخرجي، هذا نوع من امتهان المرأة، فلا تريها الباب، اخرج وبعد ذلك ارجع، ومن أعظم الوسائل للقضاء على الخلافات المنزلية خروج الزوج، إذا رأيت الأمر محتدماً والنار مشتعلة بينك وبين العيال، فخذ (غترتك) وامش ويزول الخلاف، وسوف تدخل وإذا هي تضحك وأنت تضحك، لكن إذا جلست منك كلمة ومنها كلمة، وبعض النساء مسكينة ليس معها إلا أن تدافع عن نفسها بلسانها، لا تستطيع أن تضربك ولا أن تطلقك ولا أن تخرجك، فما عندها إلا هذا اللسان، وبعض الأزواج أناني يريد كل شيء له، يقول: اجعلي آخر كلمة لي أنا، لا تردين عليَّ، آخر كلمة أقولها إذا رديتِ أرد، وترد ويرد، وبعد ذلك يجد أن ليس عنده إمكانية، كلما قال كلمة قالت كلمة، فيريد أن يضربها، فإذا ضربها فبعض النساء تضارب، فإذا رأى أن السلاح عندها وعنده سواء، استعمل السلاح النووي وهو الطلاق، فتتحطم الأسرة، ويتشرد الأبناء، وينفرط عقد الحياة لماذا؟ لو فكر الإنسان لوجد السبب تافهاً، لكن أفضل الأمور إذا سمعت بمشكلة حصلت في البيت -وليس هذا انهزام، بل هو رجولة- فاخرج وسيخرج الشيطان، ثم عندما تدخل تقول: السلام عليكم، ذهب الخلاف واضحك وابتسم، (خيركم خيركم لأهله) وهذا ليس عاراً عليك، أفضل الناس الذي يعامل أهله بهذه الأخلاق.
فهذه أم زيد خرجت، وفي الطريق لقيها بعض الناس فضربوها وأخذوا ولدها وباعوه في السوق بيع الرقيق، واشترته خديجة من سوق مكة، ولما تزوجت النبي ﷺ وهبته له، وبقي أهل زيد يبحثون عنه حتى علموا أنه بيع في مكة، وأتوا يسألون حتى وجدوه في بيت النبي ﷺ ، فدخلوا عليه، وجاء القافّ الذي يعرف الأثر، وقال: هذا الرجل من هذا الرجل، وكانت العرب تعرف بالقيافة، فقال النبي ﷺ : (هذا هو معكم إن أردتموه فهو لكم) وهذا من كرم الأخلاق، لم يقل: هذا عبدي مملوك عندي، لا.
إن كان يريد أن يذهب معكم فخذوه، فجاء زيد وخيره النبي ﷺ ، وقال: (إن شئت أن تقيم عندي وإن شئت أن تنطلق مع أبيك، قال: ما أنا بالذي أختار عليك يا رسول الله! فقال له أبوه: ويحك يا زيد! أتختار العبودية على الحرية؟ قال: نعم.
ما كنت لأختار على رسول الله ﷺ فلما قال هذا الكلام أكرمه النبي ﷺ ، وأنعم عليه بقضية التبني، وخرج به على ملأ من قريش ونادى: إن هذا زيد بن محمد من هذا اليوم وليس زيد بن حارثة، ثم أبطل الله ﵎ هذا الشيء وأنزل: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب:٤٠] ﴿ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب:٥] فنادى ﷺ وأخبر أن زيداً بن محمد قد عاد كما هو زيد بن حارثة ﵁ وأرضاه، هذا أول من أسلم من الموالي، وقد نزل فيه قوله : ﴿ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب:٥] ﵁ وأرضاه.
وقد قتل شهيداً في غزوة مؤتة، حين أمرّه النبي ﷺ على المعركة، فكان زيد بن حارثة أميراً على الغزوة وهو مولى، وتحت إمرته جعفر بن أبي طالب، وجعفر ابن عم الرسول، فقال: (إن مات زيد فيأخذ الراية جعفر، وإن مات جعفر فيأخذ الراية: عبد الله بن رواحة، وإن مات عبد الله فالأمر شورى بين المسلمين) وفعلاً ماتوا الثلاثة في غزوة مؤتة وأخذ الراية بعدهم خالد بن الوليد ﵁، وأخبر النبي ﷺ بموتهم وهو في المدينة يخطب يوم الجمعة، فقال: (قتل زيد وأخذ الراية جعفر ثم قال: ثم قتل جعفر وأخذ الراية عبد الله بن رواحة، ثم قال بعدها: قتل عبد الله وأخذ الراية سيف من سيوف الله خالد بن الوليد).
كان زيد هذا من أوائل الذين أسلموا في العهد الأول في الفترة السرية التي كانت في أول دعوة الرسول ﷺ .
стр. 2050
أبو بكر الصديق وحادثة الإسراء
من الأوائل: أبو بكر الصديق ﵁ وأرضاه وسمي الصديق لأنه يصدق من غير تردد، يقول ﵊: (ما منكم إلا ودعوته فأخذ وفكر إلا أبا بكر) لا يعرف التردد، فما يقول الرسول شيئاً إلا وصدقه، وسمي بـ الصديق لكثرة تصديقه، ولقوة يقينه، وأطلق عليه ذلك اللقب بعد حادثة الإسراء؛ لأنه صدق بشيء لا يصدق إلا بالإيمان.
حادثة الإسراء كانت حادثة ذات منعطف خطير في حياة الدعوة؛ إذ أن النبي ﷺ وهو في مكة، أسري به ثم عرج به يقظة لا مناماً بجسده وروحه، هذا هو المحقق عند العلماء من أهل السنة، أنه أسري به جسداً وروحاً وليس رؤيا منامية، الله يقول: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء:١] والعبد يقتضي الروح والجسد، وما قال: أسرى بروح عبده وأسري به من أين؟ من مكة المكرمة، إلى أين؟ إلى المسجد الأقصى الأسير الذي نسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يخلصه من أيدي اليهود.
والمسافة من مكة إلى الأقصى شهر بالقوافل وأسري به ﷺ إليه في طرف ليل، وكان يمتطي البراق، والبراق: دابة فوق الحمار ودون الفرس، لكن خطوته عند منتهى بصره، مثل البرق، حتى وصل، وهناك صلى بالأنبياء ثم صعد في المعراج وعرج به إلى أن بلغ سدرة المنتهى، وفرضت عليه هناك الصلوات الخمس، ثم عاد وركب البراق ووصل مكة في نفس الليلة.
وحينما نحدث به اليوم يمكن أن نقبله؛ فقد ابتكرت من وسائل النقل ما يقارب هذه، بإمكان الواحد أن يذهب بالطائرة من جدة إلى الرياض أو من جدة إلى بيت المقدس ويعود في نفس الليلة وينام في داره.
لكن لو حدثنا بهذا قبل زمن، هل يمكن أن تصدق لو قيل لك: هناك حديدة طويلة يركب فيها أربعمائة من الرجال بعفشهم وعوائلهم وترتفع في الليل من الأرض وتصل إلى الرياض خلال ساعة، هل تصدق؟ والله لو ما ركبنا فيها ما صدقنا، فكيف يكون هذا الحديث كأنها مربوطة بحبل وتنظر في الليل وترى الجبل والسهل، لا تعلم عن شيء إلا وأنت قد وصلت، لكن هذا حصل، فلو حدث الناس في هذا الوقت بهذا الأمر يمكن يُقبل، لكن الناس في ذلك الوقت لا يعرفون من وسائل الاتصال والنقل إلا البعير والحصان والحمار والجمل، وهذه الوسائل البدائية التي تقطع الطريق شهراً، والرسول ﷺ يقول: إني ذهبت وعدت في نفس الليلة، وليست الرحلة فقط في الأرض، بل قال: ثم إلى السماء، فلما أخبر الصحابة والناس في الصباح حصل نوع من الرجة، وسمع المشركون وقالوا: والله ما بقي إلا هذه، نقطعها شهراً ذهاباً وشهراً إياباً وأنت تأخذها في ليلة! ثم جاءوا يشككون الصحابة وكل واحد وقف، وجاءوا إلى أبي بكر الصديق وأرادوا أن يهزوه؛ لأن اهتزاز أبي بكر يعني هزة الجميع، وثبات أبي بكر يعني ثبات الجميع قالوا: أو ما سمعت ما يقول صاحبك؟ قال: وماذا يقول؟ قالوا: يقول: إنه أسري به البارحة من بيت أم أيمن في مكة إلى بيت المقدس، وعرج به إلى السماء حتى وصل السماء السابعة، ثم نزل وأصبح في بيت أم أيمن، قال: [إن كان قال ما قال فقد صدق] اللهم صلِّ على رسول الله.
إنها قضية تجرد، قضية تسليم العقل إذا وجد التعارض، ما دام قال الرسول الصادق إذاً صدق ولو لم يصدقه عقلي، فسمي من ذلك اليوم بـ (الصديق).
وحتى لا يهتز ذوو الإيمان الضعيف كان هناك دلائل على أن الرسول ﷺ فعلاً ذهب إلى بيت المقدس ورجع، فقد جاء المشركون في عملية زعزعة وقالوا له: صف لنا بيت المقدس، والنبي ﷺ كانت رحلته قصيرة، ومهمته محدودة، صلى بالأنبياء وصعد، وما جلس يتفقد بيت المقدس يعني: أنتم الآن في هذا المجلس كل شهر وأنتم تحضرون، لو سألتكم: كم عدد الأعمدة في هذا المسجد؟ ربما لا تعلمون، وكذلك كم فيه نوافذ؟ كم فيه أبواب؟ ونحن شهود جالسون؛ لأن هذا لا يسترعي انتباهنا حتى نجلس نحدده، فالنبي ﷺ ما جاء من أجل أن يكشف على المسجد، ويستعرض الأبواب والنوافذ والأعمدة، جاء ليؤدي رسالة وصعد، فقالوا له من باب الامتحان: صف لنا بيت المقدس، فالله طوى له الأرض وكشف له بيت المقدس أمامه وهو في مكة، فجلس يصفه عموداً عموداً، واسطوانة اسطوانة، وباباً باباً، ونافذةً نافذةً، كأنما يراه، عامل المكان اختصر في عهد النبي ﷺ ، ومع هذا لم يؤمنوا، بل قام أحدهم قال: عندما ذهبت في الليل هل رأيت قافلتنا الآتية من الشام؟ كيف أراها وأنا ذاهب في الليل؟! الذي في الليل لا يري الذي في الأرض، قال النبي ﷺ : (نعم رأيتها، يقدمها جمل أورق عليه غرارتان حمراوان، تأتيكم يوم كذا قبل صلاة المغرب وبعد العصر، ورأيتها في المكان الفلاني) كيف رآها الرسول ﷺ ؟ الله أوحى إليه في اللحظات التي كانت في ذاك المكان، ولما كانوا ينتظرون بالدقيقة والساعة إذا بالقافلة آتية والجمل أمامها، وسألوا الذي مع القافلة في تلك الليلة أين كنتم؟ قالوا: كنا في المكان الفلاني، الذي حدده الرسول ﷺ ، لكن هل آمنوا؟! لا.
يقول الله: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف:١٤٦] لم تكن البراهين والدلائل غير كافية، بل لقد كانت كافية لكن الذي لا يريد أن يستمع كيف تفعل به؟ عندما تقول لشخص: هذا (ميكرفون) فيقول لك: لا، هذه سيارة حيرتني، هذا -يا أخي- (ميكرفون) وليست سيارة، فيقول: انظر هذا الكفر حقها وهذا فكيف تقنعه؟ فما ينبغي للإنسان أن يكابر، ولهذا سمي الكفار كفاراً؛ لأنهم يغالطون ويغطون الحقائق؛ فإن الكفر في اللغة: هو التغطية والستر، فالكافر يغطي الحقيقة ويكتمها وأبو بكر الصديق ﵁ سُمي الصديق من يومه ذلك ﵁ وأرضاه.
стр. 2051
فضل أبي بكر وجهده في الدعوة إلى الله
قال الرسول ﷺ لـ عمر: (إن الله بعثني إليكم فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر: صدقت) هذا الحديث رواه البخاري، وهو كالنص على أنه أول من أسلم؛ لأن سبب الحديث حصول خلاف بسيط، فجاء عمر إلى النبي ﷺ يشتكيه، فقال: (يا عمر! إن الله بعثني نبياً، فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر: صدقت) وقال ﵊: (ما دعوت أحداً إلى الإسلام إلا كانت عنده كبوة وتردد)، أي: يقدم رجلاً ويؤخر أخرى (إلا أبا بكر ما تردد حين ذكرت الإسلام له) بل قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، ذكره ابن إسحاق في السير والمغازي.
وفي إطار هذه السرية التي كانت تحيط بالدعوة في بدايتها، تحرك كل واحد من هؤلاء الذين أسلموا في الوسط الذي يحيط به، فتحرك أبو بكر الصديق وكانت له أبرز حركة؛ لأنه صاحب نفوذ وصاحب مال وصاحب شخصية، له شخصية مرموقة، وله وقار وهيبة، فتحرك في أقاربه وفي أصدقائه، واستجاب له نفر كريم من الصحابة الكرام منهم ستة من العشرة المبشرين بالجنة، أسلموا على يد أبي بكر ﵁ وأرضاه، وهم: - عثمان بن عفان، الخليفة الراشد الثالث ﵁ وأرضاه.
- الزبير بن العوام ﵁ وأرضاه.
- طلحة بن عبيد الله ﵁ وأرضاه.
- سعد بن أبي وقاص ﵁ وأرضاه.
- عبد الرحمن بن عوف ﵁ وأرضاه.
- عثمان بن مضعون ﵁ وأرضاه.
- أبو عبيدة بن الجراح ﵁ وأرضاه.
- أبو سلمة بن عبد الأسد ﵁ وأرضاه.
الله أكبر! كل هؤلاء إنتاج أبي بكر، ما أعظم هذا الرجل! كيف كان يؤثر بهذا القدر وبهذه الضخامة! لأنه كان صادقاً، ودائماً الصادق في عمله الذي يؤديه بصدق له تأثير وله خصوصية في فتح قلوب الناس، دائماً كلما كنت صادقاً وصاحب صدق مع الله يجعل الله في عملك بركة، ويضاعف لك الثواب؛ لأنك صادق وجاد، وهكذا كان أبو بكر ﵁ وأرضاه.
ومن خلال هؤلاء الكرام الذين أسلموا على يد أبي بكر الصديق أخذ الإسلام ينتشر في مكة وفي خارج مكة، ودخل في الإسلام أناس كثير من بطون قريش ومن مواليها خاصة، وأتباع الرسل دائماً من المستضعفين والموالي؛ لأنهم يجدون في الدين ما يعيد لهم شيئاً من حريتهم وكرامتهم وعزهم، أما أصحاب العظمة وأصحاب المال وأصحاب المكانة، فإنهم يترددون في قبول الدين؛ لأنه يردهم إلى مكانهم الصحيح، وهم يريدون أن يمارسوا الطغيان والتسلط، والكبرياء والغطرسة على الضعفاء، فإذا جاء الإسلام، وقال: الناس سواسية، رفضوا هذا، إلا من كان منصفاً منهم في عهد النبي ﷺ .
وممن اشتهروا بين السابقين في الإسلام من الموالي: بلال بن رباح ﵁ وأرضاه، وقد أسلم على يد أبي بكر، وصهيب بن سنان، وعمار بن ياسر ووالده ياسر وأمه سمية بنت خياط، هؤلاء من الموالي الذين أسلموا في بداية الدعوة على النبي ﷺ ، وفي فترة وجيزة وصل عدد الذين سبقوا إلى الإسلام من بطون قريش إلى أكثر من خمسين نفراً في فترة يسيرة، مع الحركة المنظمة المرتبة، التي كانت تحمل الإخلاص من قبل النبي ﷺ ، ومن قبل أبي بكر الصديق، ومن قبل خديجة، ومن قبل الصحابة الذين أسلموا في البداية، انتشر الإسلام قليلاً حتى أصبحوا أكثر من خمسين رجلاً.
وقد ثبت أن ورقة بن نوفل الذي ذكرنا أنه ابن عم خديجة في الدروس الأولى، جاءت إليه خديجة لتخبره بما حصل للنبي ﷺ ، وثبت أنه أسلم وكان من المسلمين الأول، وذلك بدليل قول النبي ﷺ : (رأيته وعليه ثياب بيض، فأحسبه لو كان من أهل النار لم يكن عليه ثياب بيض) رواه أحمد في المسند، وعلق عليه صاحب الفتح الرباني وصحح إسناده، وقال ﷺ في روايه أخرى: (رأيته وعليه ثياب بيض في بطنان الجنة وعليه السندس) رواه ابن كثير وحسنه أبو يعلى في الطبقات، وقال: (لا تسبوا ورقة فإني رأيت له جنة أو جنتين) وقال ﵊: (يبعث ورقة يوم القيامة أمة وحده) فكل هذه الأدلة تدل على أن الرجل مات مسلماً.
стр. 2052
السابقون إلى الإسلام كانوا خيرة أقوامهم
يتضح -أيها الإخوة- من سجل أسماء السابقين إلى الإسلام أنهم كانوا خيرة أقوامهم، ولم يكونوا كما يذكر بعض الناس أنهم كانوا خليطاً من الضعفاء والمستضعفين والأرقاء؛ بل كانوا من خيار الناس حتى ولو كانوا موالي، وهم أصحاب عقول وبعد نظر وشجاعة وثبات على الحق؛ إذ أنه مورس في الإسلام عليهم ضغط كبير، ومع هذا لم يتزعزعوا، ولم يكونوا نفعيين، ولا أسلموا من أجل المصلحة، ولو كانوا لما صبروا على ما أوذوا.
بلال بن رباح أوذي أذىً لا يعلمه إلا الله كان يجرد من ثيابه، ويخرج به إلى الرمضاء في مكة، وحرارة مكة في الصيف لا يتحملها أحد، ثم يخلس من ثوبه، ثم يؤتى به على الأرض التي تشع مثل النار، ثم يوضع على صدره الحجارة، ثم يسحب جلده على الأرض وما بينه وبين الأرض شيء، على أن يرجع عن دين الله، فيقول: أحد أحد ما رأيكم في هذا الرجل؟ هذا قمة في الإيمان وجبل في الدين، ما ثبت على هذا إلا لعظمته في قلبه، حتى قال ﵊ له: (إيه يا بلال إني لأسمع خشخشة نعليك في الجنة، فماذا تعمل؟ قال: لا شيء يا رسول الله! غير أني كلما أحدثت توضأت، وكلما توضأت صليت لله ركعتين) طاهر دائماً لا يرضى أن يكون على حدث، وهذا فيه إشارة إلى أن المسلم دائماً يكون على وضوء؛ لأن الوضوء سلاح المؤمن، كلما أحدثت لا تخرج وأنت على حدث بل توضأ ولا يكلفك شيئاً، وذلك لأنك قد تفاجأ بالصلاة أو بمصحف تقرأ فيه، أو تفاجأ بأي أمر وإذا بك جاهز، الوضوء سلاح المؤمن، فكن دائماً طاهراً، وإذا جئت لتنام فنم على طهارة، وإذا خرجت من بيتك فكن طاهراً، لا تبقى على حدث لا أصغر ولا أكبر؛ لأنك بهذا تكون جاهزاً ومستعداً لممارسة أي نوع من أنواع العبادة ولا تتردد، فقد تمر على مسجد وترى الناس يدخلون فتدخل، ولا يوجد ماء لكن أنت متوضئ والحمد لله.
стр. 2053
الدروس المستفادة من مرحلة الدعوة السرية
هناك -أيها الإخوة- بعض العظات والحكم والعبر التي نستخلصها من هذا المقطع من مرحلة الدعوة السرية: أولاً: إلهام الرسول ﷺ من قبل ربه بأن يبدأ الدعوة سراً، وذلك إرشاد له وإرشاد للدعاة من بعده، إلى وجوب الأخذ بالحيطة وممارسة الأسباب، إذ أن الرسول ﷺ مدعوم بقوة الله ولو بدأ الدعوة جهراً فإن الله سيحفظه، ولن ينالوا منه شيئاً، لكن لبيان منهج الإسلام في الأخذ بالأسباب والاعتماد على مسبب الأسباب، وقد جاء رجل إلى النبي ﷺ وكان معه ناقة فقال: (يا رسول الله! أطلقها وأتوكل، أم أعقل وأتوكل؟ فقال له: بل أعقلها وتوكل) خذ بالسبب ثم توكل على الله ؛ لأن ترك الأسباب قدح في العقل، والاعتماد على الأسباب نقص في الدين، إذا اعتمدت على السبب فهذا نقص في الدين، وإذا تركت السبب فهو نقص في عقلك.
يأتي أحدهم ويقول لك: كل، فتقول: لا أريد أن آكل، لماذا؟ أكلت أو ما أكلت الحياة بيد الله، وأنا إذا أكلت لن يزيد عمري، وإذا ما أكلت لن أموت، نقول له: ستموت غصباً عنك؛ لماذا؟ لأن من سنن الله الكونية أن تأكل من أجل أن تعيش، أما إذا لم تأكل فستموت، أتريد أن يغير الله سننه من أجل خاطرك أنت؟! لا.
﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً﴾ [الأحزاب:٦٢] والله يخبرنا في القرآن أن عيسى ﵇ يقول لأمه مريم ﵍، وهي في حالة المخاض: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً﴾ [مريم:٢٥] كان يكفي أن تساقط الرطب من غير هز؛ لأن الذي أنبت الشجرة وأعطاها قادر على أن ينزلها من غير هز، لكن الأخذ بالأسباب من أجل أن تعمل هي، تهز النخلة فينزل الرطب.
والوحي جاء إلى الرسول ﷺ أن يبدأ الدعوة سراً، ففيه دليل على مشروعية الأخذ بالحيطة، وممارسة الأسباب الظاهرة، وما يقرره التفكير والعقل السليم من الوسائل المفيدة، التي تعمل على إنجاح الدعوة، وعلى عدم الزج بها في مواجهات خاسرة وغير منتصرة، خصوصاً عند ضعف الدعوة.
فبدأ الرسول ﷺ دعوته سراً، وهذا لا يخدش في إيمانه، فضلاً عن أنه يتنافى مع طبيعة الدعوة إلى الإسلام.
العظة الثانية: يقول جمهور العلماء: إن المسلمين إذا كانوا في قلة من العدد أو ضعف من العدة، بحيث يغلب على ظنهم أنهم سيقتلون، من غير أن يكون هناك نكاية في أعدائهم، فينبغي أن تقدم هنا مصلحة حفظ النفس؛ لأن المصلحة المقابلة هي مصلحة حفظ الدين، وهي موهومة أو متوقعة أو منفية الوقوع، وهذا ما يقرره العلماء، وقد قرره الشيخ / العز بن عبد السلام يقول أحد العلماء في تعليقه على هذا القول: إنه من حيث حقيقة الأمر ومرماه البعيد، فإنها في الواقع مصلحة دينية، إذ أن مصلحة الدين تقتضي أن تبقى أرواح المسلمين سليمة، لكي يتقدموا ويجاهدوا ويستمروا في الدعوة؛ لأن في هلاكهم إضراراً بالدين، وفسحاً للمجال أمام الكفرة ليقتحموا ما كان مسدوداً بوجود المسلمين، وهو بهذا يعني: أنه إذا عُرف أن المصلحة ليست في القتال؛ لأن المواجهة معروفة ومكشوفة لنا، إذ أن العدد قليل، والعدة غير كافية، وأن المواجهة ستقضي على المسلمين، إذاً لا داعي للمواجهة؛ لأن ذلك من مصلحة دين الله ؛ ليبقى في وجود المسلمين قانون يسمونه (قانون التدافع) وهو قول الله : ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتْ الأَرْضُ﴾ [البقرة:٢٥١]، فيدفع الكفر بالإسلام، فيبقى الكفر موجوداً والإسلام موجوداً، هؤلاء يعملون وهؤلاء يعملون، لكن إذا واجهت الكفر وليس عندك إمكانية للمواجهة، وقضى عليك، خلت الساحة للكفار، ولم يعد هناك شيء من التدافع الذي يرفع الفساد؛ لأن الله يقول: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتْ الأَرْضُ﴾ [البقرة:٢٥١] ما دام الخير يدفع الشر يحصل فيه أيضاً صلاح، لكن إذا خلا الجو للشر ظهر الفساد في البر والبحر بما تكسب أيدي الناس من الفساد والعياذ بالله! هذه هي المرحلة الأولى وهي الدعوة سراً.
стр. 2054
المرحلة الثانية: الدعوة جهراً
لقد بدأت بقول الله : ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء:٢١٤] حيث خرج النبي ﷺ وصعد الصفا وهتف: (يا صباحاه) فقالوا: من هذا؟ فاجتمع إليه كل قريش، ثم قال: (أرأيتم إن أخبرتكم أن خيلاً تخرج من سفح هذا الجبل، أكنتم مصدقي؟ قالوا: ما جربنا عليك كذباً، قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد، فقال أبو لهب عليه اللعنة: تباً لك ألهذا جمعتنا؟! فنزل قول الله : ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ [المسد:١ - ٤]) هذا الحديث في الصحيحين، وكانت هذه الصيحة العالية هي غاية البلاغ لقريش، وقد فاصل النبي ﷺ قومه في الدعوة، وأوضح لأقرب الناس إليه أن التصديق بهذه الرسالة هو مقدار الصلة بينه وبين الناس، وأن عصبية القرابة والصلة التي كانت تقوم بين العرب قد زالت في ظل حرارة الإيمان، والإنذار الآتي من عند الله.
стр. 2055
فوائد ودروس من دعوة النبي ﷺ
من هذا نقتبس -أيها الإخوة- بعض الفوائد، ومنها: إن الموقف السلبي لعشيرة النبي ﷺ بصفة خاصة، وللعرب القرشيين بصفة عامة من الدعوة في هذه الفترة، فيه رد على من يحاول أن يصور هذا الدين وأن نجاحه كان نتيجة العصبية القومية، ويزعم أن محمداً ﷺ إنما كان يمثل بدعوته الدعوة القومية والعصبية، وهذا باطل؛ لأن بعض القوميين العرب حينما بدأت الدعوة القومية -لكن الحمد لله ماتت في مهدها في فترة من الفترات قبل حوالي ثلاثين أو أربعين سنة- نادى الناس بـ القومية العربية والاجتماع حول العروبة وترك القومية الدينية، وقالوا: نحن نبدأ حضارتنا من العرب، وضيعوا على المسلمين مجداً عظيماً هذا فيه رد؛ لأن موقف العرب من الرسول ﷺ ، كان: الرفض والمحاربة والسلبية، ومع هذا انتصر دين الله .
إذاً: في تباطؤ الناس عن دين الله، فيه دليل على قوة وتغلغل العادات والتقاليد في المجتمعات التي تعيش فيها ردحاً من الزمن، وهذا وضع يواجهه الدعاة.
يا أخي في الله! ليس من السهل أن تأتي على مجتمع تعارف على شيء من التقاليد والأعراف والعادات، وتريد أن يغيرها الناس بجرة قلم، لأن الناس تعودوا عليها واعتادوها، ولذا من الصعب أن يتركوها، ولذا تواجه أنت وعندك هذا الشعور وهذا الحس أنك تمارس عملاً عظيماً، وعندما يخبو صوت الدعوة المهتدية بسنة النبي ﷺ ، نجد أن هذه العادات تنشط، لكن إذا بدأت الدعوة المهتدية بالهدي النبوي وبالنور الرباني وبالحكمة؛ فإن هذه العادات والتقاليد تختفي وتزول، لكن تحتاج القضية إلى وقت وإلى صبر، أما المواجهة بسرعة والتوقع للاستجابة الفورية فهذا غير وارد.
أيضاًَ من العبر في هذا المقطع بالذات: أن في خصوصية الأمر بإنذار العشيرة إشارة إلى درجة المسئولية بالدعوة، وأنها تتعلق بكل مسلم، خصوصاً الدعاة، فقد كان النبي ﷺ يتحمل المسئولية تجاه نفسه أولاً، لكونه مكلفاً بعبادة الله ، ثم تجاه أسرته وأهله لوصفه رب الأسرة والمسئول عنها، ثم تجاه أقاربه وعشيرته لكونه ملاصقاً لهم ومخالطاً لهم، وبينهم وبينه علاقات، وتربطه بهم روابط، فعليه مسئولية أعظم مما على الآخرين البعيدين عنهم، ويشترك مع النبي ﷺ في هذه المسئولية كل مسلم مكلف، إذ على المسلم أن يبدأ بنفسه، ثم ينتقل في الخطوة الثانية بمسئوليته تجاه أولاده وزوجته وبناته ووالديه.
وإن دعوة الوالدين تحتاج إلى نوع من اللين والرفق والدراية؛ إذ من الصعب أن يقبل الوالد من ولده لماذا؟ لأن الوالد يعرف الولد بمدى زمني بعيد، يعرفه وهو طفل يؤذي، ويعرفه وهو يدخل المدرسة ويمر بفترة زمنية، ثم يفاجأ به في لحظة من اللحظات وإذا به يوجهني ويعلمني الدين، ويدعوني إلى الإسلام، يقول لي: اتق الله! أعرف هذا اللّعاب من زمن! ولذلك لا يقبل الأب ويرفض ويقول: أنت تعلمني! وربما يضربه.
ولهذا انتبه! إذا أردت أن توجه نصيحة للوالد فلا توجهها من مكان التعالي والشعور بالأستاذية، أو أنك تعلم أباك وهو الجاهل، حتى لو كان عندك شهادة وأبوك لا يحمل أي شهادة فإنه يحتقرك؛ لأنه يعرفك وهو الذي جاء بك.
فعليك أن تعطيه الدعوة لكن تقدمها في قالب مقبول محبوب، تقول: يا أبتي! أنت أعرف مني، وأفضل مني وأنا أستحي وأقول: عيب علي إن أعلمك وأقول لك هذا الكلام، لكن من باب الفائدة، وهذه الفائدة أنا ما أخذتها إلا منك إذا قلت له هذا الكلام، فسيقول: نعم يا ولدي جزاك الله خيراً! ويقول: لا يا ولدي بارك الله فيك، أنا يعجبني هذا الكلام، أنا أكون مسروراً عندما تأتيني نصيحة من ولدي لماذا؟ لأنك أعدت له مكانته وأشعرته بكرامته، لكن عندما تجرده من الكرامة وتشعره بأنك أحسن منه، وأنه جاهل، وتقول له: أنت لم تعرف شيئاً، فيقول: اذهب أنت ودراستك، أنت أصلك ما تفهم، ويغضب ويتصدى لك ويقف في وجهك هذا الأب وكذلك الأم.
إذاً: القضية قضية دقيقة جداً، لابد أن يكون فيها إحساس، لا تخرج الكلمة إلا وأنت تعرف أن لها مكاناً في قلوبهم وإلا فقف؛ لأنه ربما أفضى تعليمك لهم بأسلوب غير صحيح إلى حملهم على أن يتخذوا موقفاً، وربما يخرجون به من الدين وأنت لا تدري، وتكون السبب أنت، ولنا في إبراهيم ﵇ أعظم الأثر والاعتبار وهو يقول لأبيه: يا أبت! أربع مرات ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنْ الرَّحْمَنِ﴾ [مريم:٤٥] ﴿يَا أَبَتِ لا تَعْبُدْ الشَّيْطَانَ﴾ [مريم:٤٤] ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنْ الْعِلْمِ﴾ [مريم:٤٣] انظروا كيف الأدب في العبارة! قال: إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك، أي: إن عندك علماً لكن ما أتاك العلم الذي عندي، ما قال: أنت جاهل وما عندك علم، بل قال: ما لم يأتك، وفي العبارة هذه إيحاء إلى أنه جاءك علم لكن الذي جاءني ليس عندك، بمعنى: أنا عندي علم وأنت عندك علم يمكن أكثر من الذي عندي فاتبعني، بعد ذلك ﴿أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً﴾ [مريم:٤٣] وفي كلمة: "يا أبتِ" نوع من التلطف والترقق وحسن العبارة حتى يدخل في قلب أبيه.
فابدأ -يا أخي- بأبيك وبأمك، وأعظم مجال تستطيع أن تدخل به قلب أمك وأبيك الخدمة والعطاء والبذل؛ لأن الحياة مأخوذة على المعاوضة، فأعط أباك خدمة في البيت وتواجد باستمرار في البيت، وبراً وطاعةً، ولا أزال أذكر قصة أكررها للعظة والعبرة وهي: ملخص القصة: أنه جاءني شاب وأنا في أبها يشكو لي عناد أمه، ووقوفها في وجه الدعوة، فسألته: من يخدمكم في البيت؟ من يقوم بالطبخ والغسيل والكوي؟ قال: أمي، قلت: أريد أن أوصيك وإن شاء الله تنفذ وصيتي، قال: نعم.
قلت: أولاً: لا تدعها إلى شيء من الدين أو الحجاب، فإن الحجاب ليست متمسكة به؛ لأنها لا تعرفه، فقلت له: لا تدعها إلى الحجاب ولا إلى غيره واعمل بوصيتي، قال: حسناً ماذا أصنع؟ قلت: إذا أكلتم وتغديتم وقمتم من السفرة لا تغسل وتذهب لتنام، وإنما اجلس أنت واجمع الصحون ولف السفرة واذهب بها إلى المطبخ، واغسل الصحون أنت بدل أمك، سترفض هي، لكن قل لها: والله ما أغسلهن إلا أنا، فإذا قمت في الصباح قبل أن تذهب الكلية نظف غرفتك، ونظم فراشك، ونظم السرير والبطانية حقك، وراجع دروسك واخرج من الغرفة وهي مرتبة، إذا رأيت أمك تكنس بالمكنسة الكهربائية فقل لها: والله ما أكنس إلا أنا، أريد أن أتعلم نوعاً من الخدمة، واستمر على هذا، ثم أعلمني بالنتيجة بعد ذلك.
يخبرني فيما بعد ويقول: ذهبت إليها، ومن يوم تغدوا كان من قبل يتغدى ثم يغسل ويذهب لينام، لكن هذه المرة جلس حتى قاموا كلهم وهو جالس، فقالت له أمه: قم، قال: لا، أنا اليوم أريد أن أتعلم كيف أغسل الصحون؛ لأني غداً سأصبح عزوبياً، غداً أسافر وأحتاج أن أتعلم، وهذا نوع من الرياضة كوني أغسل الصحون، وأتحرك أحسن من النوم، قالت: لا يا ولدي، الصحون لا يغسلها الرجال، لا يغسلها إلا الحريم، قال: لا والله ما أغسلها إلا أنا، وحمل الصحون ودخل المطبخ وبدأ يغسلها وينظفها، وبعد ذلك في الصباح نظف غرفته، ثم رآها تكنس فقام يكنس مكانها، رآها تكوي يكوي معها ويخدمها، فأحبته لهذا الخلق فأصبح عينها، وبعد ذلك تريد رضاه بأي وسيلة، كان إذا ذهب يصلي يقول لإخوانه: انهضوا صلوا، تقول أمه: ما عليك منهم، صلِ وإلا اجلس، مالك دخل بهم، لما صار يغسل الصحون ويقوم يصلي من أجل تجامله تقول لإخوانه: قوموا صلوا مع أخيكم، هو يصلي وأنتم لا تصلون، من باب المجاملة مرة ومرتين واستمر، وأخيراً قالت له يوماً من الأيام: يا ولدي! قال: نعم.
قالت: ما رأيك إني أستحي من الرجال والناس يأتون إلينا، ما رأيك أتغطى؟ قال: هذا أمر يخصك، قالت: لا والله إني أعرف أنه يؤذيك وأنك غير راضٍ لكنك تستحي، الله يديمك، لكن أعاهدك ألا أكشف على أحد.
الله أكبر! وبعد ذلك صارت تدعو له وتقول: الحمد لله الذي هدى ولدي كي يغسل الصحون، هذه هي الهداية التي عندها، قبل يوم لم يكن يغسل الصحون ولم يكن مهتدياً، لكن لما أصبح باراً ويغسل الصحون عندها هو المهتدي.
فكذلك -يا إخواني- إذا أردنا أن ندعو الآباء والأمهات يجب أن نخدمهم؛ لأننا إذا خدمناهم أخذنا منهم الحب، وبادلونا بالشعور، وفرحوا بالدعوة التي ربتنا هذه التربية، لكن بعض الشباب ما أن يهتدي حتى يقلب ويعكس المرآة لأهله، ولم يعودوا يرونه أبداً أين أنت؟ عندي محاضرة عندي درس مع الإخوة عندي معسكر عندي مخيم خذنا إلى المستشفى، قال: أنا مشغول أعطنا حاجات، قال: عندي زميلي ماذا سيقول أبوك؟ سيقول: الله يقلعه، والله من يوم اهتدى ما نحصل منه على مصلحة.
فيكره الدعوة ويكره الدين.
لكن لو أنه إذا اهتدى الولد لصق بأبيه وخدمه لقال: الحمد لله، الله يوفق الولد، ما رأينا بركته ولا مصلحته إلا من يوم أن هداه الله، فيحب أن يهتدي جميع أولاده.
فهذا -أيها الإخوة- ضمن مسئولية الشاب تجاه والده ووالدته، وتجاه أسرته القريبة، وهذه هي المرحلة الثانية من مراحل الدعوة، وهي الدعوة جهراً، لكن في محيط العشيرة والأقربين.
ونكتفي بهذا، وسوف نواصل -إن شاء الله- الدروس المباركة، ولكن بعد انتهاء العطلة الصيفية، فسوف تتوقف هذه الدروس خلال شهر اثنين وثلاثة وأربعة لعدم وجودي في المنطقة، وسأكون في أبها -إن شاء الله- خلال فترة الصيف، وستبدأ هذه الدروس -إذا أحيانا الله جميعاً- في نهاية الشهر الخامس بإذن الله .
أسأل الله ﵎ أن يوفقنا وإياكم لكل خير، وأن يجنبنا جميعاً كل شر، وأن يرزقنا العظة والاعتبار بسنة النبي ﷺ ، وأن يوفق ولاة أمورنا وعلماءنا ودعاتنا وجميع شبابنا وجميع المسلمين إلى خدمة هذا الدين، والحرص عليه والدعوة إليه، والتمسك به، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
стр. 2056
وصايا أخيرة ودروس تربوية
الدرس الأول: المبادرة إلى الصلاة مع الأذان لأن أي انتظار بعد الأذان من وحي الشيطان، إذا سمعت داعي الله فأي وسوسة تأتي في قلبك بأن تصبر قليلاً، وتنتظر قليلاً، فإنما هي من الشيطان؛ لأن الدعوة من الله، الدعوة (حي على الصلاة) من الله، والدعوة ضدها بالجلوس من الشيطان، فلا تطع الشيطان، بل عندما يقول: الله أكبر، تقول: الله أكبر، توكلنا على الله ولا حول ولا قوة إلا بالله، وتقوم وتشد عزمك، وليس شهراً واحداً بل مدى حياتك حتى تلقى الله.
الدرس الثاني: الصدق وترك الكذب حتى في الصغيرة؛ لأن الكذب يكتب حتى الكذيبة التي يسمونها الكذب الأبيض هذه كذب، فلا تكذب.
الدرس الثالث: وهنا درس تربوي جديد، ونريد -إن شاء الله- أن نتمسك به وليس فيه صعوبة، وهو: تلاوة ورد يومي مقرر من القرآن الكريم، لا يقل عن جزء واحد، أن تقرأ يومياً جزءاً فهذا سهلٌ جداً، هناك أناس يمكن أن يقرءوا عشرة أجزاء، ومن كان له ورد أكثر من هذا فبارك الله فيه وليستمر وليس معنياً بكلامنا، كلامنا الآن ليس معنياً به من عنده ورد يومي يأخذ ثلاثة أجزاء فتراه ينزل إلى جزء، أو يظل على ثلاثة، بل يظل على ثلاثة، وإنما نعني بالجزء لمن لا يقرأ القرآن إلا نادراً؛ لأنه سيكون موضع شكوى من قبل النبي ﷺ : ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً﴾ [الفرقان:٣٠].
كتاب أنزله الله للتدبر والتلاوة، لك بكل حرف تقرؤه من الحروف عشر حسنات (لا أقول: الم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف) ثلاثون حسنة في هذه الثلاثة الحروف: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] فيها ستة وستون حرفاً إذا قرأتها مرة فإن لك ستمائة وستين حسنة الفاتحة فيها مائة وخمسون حرفاً، إذا قرأتها مرة فإن لك ألفاً وخمسمائة حسنة الصفحة الواحدة فيها ستمائة حرف، إذا قرأت صفحة من القرآن لك ستة آلاف حسنة أيُّ تجارة أعظم من هذه التجارة يا إخواني؟! فنريد أن نأخذ بالحد الأدنى مثلما قال العلماء: إن أقل معدل يمكن أن يسلم الإنسان فيه من أن يكون هاجراً للقرآن أن يقرأ القرآن في كل شهر مرة، وبعض السلف كان يقرأ القرآن في كل عشرة أيام مرة، وقرأه بعض الإخوة في كل أسبوع مرة، وكان يقرأ بعضهم في كل ثلاثة أيام مرة، ومن السلف من قرأ القرآن في اليوم الواحد مرة، ومنهم من كان له في كل يوم ختمتان؛ ختمة في الليل وختمة في النهار، وقد تستغربون من هذا، لكن لا تستغربون؛ لأنه كان في أوقاتهم بركة وكان في أعمالهم خير، لكن نحن الآن مشغولون؛ شغلتنا بطوننا، وشهواتنا، وحاجاتنا، وأسواقنا، وذهابنا، وإيابنا، أما هم فما عاشوا إلا لدين الله ، فنريد -أيها الإخوة- أن نلتزم بهذا القدر إن شاء الله في كل يوم نقرأ جزءاً.
وقد رتب بعض الإخوة ترتيباً لهذا، يقول: إن الإنسان إذا جاء قبل إقامة الصلاة في الخمس الصلوات وقرأ ورقتين فقط، أي: أربع صفحات في خمس صلوات، فسيكون هناك عشر ورقات وهو جزء كامل، فالذي يأتي قبل كل صلاة ويقرأ ورقتين هذا في يومه سيقرأ جزءاً، المهم كما تريد أنت، عليك جزء فقط، تريد أن تأتي به في صلاة واحدة أو في خمس صلوات، المهم لا تنزل عن هذا المعدل، تريد أن تقرأ جزأين أو ثلاثة فخير كبير، ومن زاد زيد له، والذي يريد حسنات أكثر يقرأ أكثر، ويقال يوم القيامة كما جاء في الصحيح لقارئ القرآن: (اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك في الجنة عند آخر آية تقرؤها) فنسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أهل القرآن.
стр. 2057
الأسئلة
стр. 2058
وصايا على أبواب الاختبارات
السؤال
تعلمون أن الاختبارات على الأبواب، فهل من دعوة للطلبة للتسديد والتوفيق؟
الجواب
نعم، ندعو الله الذي لا إله إلا هو أن يعين أبناءنا الطلبة وإخواننا على أداء امتحاناتهم، وأن يرزقهم النجاح في الدنيا والآخرة، ولكن نوصيهم: أولاً: بتقوى الله، فإن تقوى الله أكبر معين على مذاكرة الدروس، يقول الله : ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمْ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٨٢] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ﴾ [الحديد:٢٨] والشافعي يقول في بيتين من الشعر:
شكوت إلى وكيع سوء حفظي فأرشدني إلى ترك المعاصي
وأخبرني بأن العلم نور ونور الله لا يهدى لعاصي
ومن أسباب عدم القدرة على هضم العلم المعاصي؛ فإن المعاصي تغلب القلب فلا يعرف العلم، فعليك إذا أردت أن يفتح الله بصيرتك، وأن يفتح الله ذكاءك، أن تكون طائعاً لله متقياً له، حافظاً لحدوده ومجتنباً لمحارمه.
ثانياً: على الطلبة تجنب الغش، فإن الغش حرام مهما كان، لو رأيت كل الصالة تغش فلا تغش: (من غشنا فليس منا) ويترتب على حرمة الغش حرمة الشهادة التي تأخذها، ويترتب على حرمة الشهادة حرمة الوظيفة التي تنالها؛ لأنه ما بني على الحرام فأساسه حرام، إلا من عمل هذا جاهلاً ثم تاب؛ فإن التوبة تجب ما قبلها، لكن تعملها وأنت تدري ثم تقول بعد ذلك: إذا نجحت من الامتحان تبت، لا، أنت تعصي الله على بصيرة والعياذ بالله! ثالثاً: ينبغي للطلاب بذل الجهد واستنفاذ طاقة المذاكرة، وعدم تضييع الأوقات، ووضع جداول وبرامج محددة، كأن تأتي بجدول الامتحانات أمامك، ويوم السبت الموافق: ٩/ ٢/ تبدأ بمادة كذا وكذا، والأحد كذا وكذا، والإثنين كذا وكذا، تضع جدول للمذاكرة قبلها بثلاثة أسابيع، الأسبوع الأول: أذاكر في يوم السبت المادة التي في يوم السبت، وفي الأسبوع الثاني أراجعها مرة ثانية، وفي الأسبوع الثالث أراجعها مرة ثالثة، ويأتي يوم الامتحان فتراجع المرة الرابعة، وإذا بها مطبوعة في ذهنك، لكن بعض الشباب يضيع الوقت إلى ليلة الامتحان، ثم يأتي يذاكرها مذاكرة واحدة فتتبخر، فيدخل الصالة وليس معه حرف واحد، فلا بد من المراجعة بالتكرار؛ لأن التكرار يؤكد المعلومة في ذهن الإنسان.
أيضاً احذر من السهر، فإن السهر الطويل الممل والمتعب خاصة في الليل، يأتي الشخص فينام ساعة ثم يذهب ليذاكر، فيذهب وهو مقفل (الموجات) نائم، وهذا مجرب، فعليك أن تذاكر في النهار كله وتذاكر جزءاً من الليل ثم تنام، وبعد ذلك تقوم وأنت نشيط قد ذهب منك النوم والكسل، فتؤدي الامتحان -إن شاء الله- بنشاط.
وبعد ذلك الحذر من تعاطي بعض الأشياء، التي نسأل الله ألا تكون في مجتمعنا، لكننا نسمع أن بعض الناس يتعاطون بعض الحبوب المسهرة، وهي نوع من الحبوب المخدرة، التي إذا تعاطاها ذهب منه النوم وجف دماغه، لكن بتعاطيها وقع في الحرام وربما يقع في الإدمان، ويقع في بؤرة المخدرات والعياذ بالله! بهذه الوصية نسأل الله ﵎ أن يعين أبناءنا وإخواننا، وأن يوفقهم للنجاح في الدنيا والآخرة، كما نذكرهم أن يتذكروا وهم في هذا الامتحان الرهيب يوم القيامة، ولا مقارنة بين الامتحانين؛ فالامتحان في الدنيا في بعض فصول الكتب، أما امتحان الآخرة ففي كتاب: ﴿لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا﴾ [الكهف:٤٩] زمن الامتحان في الدنيا ساعتان أو ثلاث ساعات، أما زمن الامتحان في الآخرة ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج:٤] الذي يدير الامتحان في الدنيا ثلة من البشر، لكن الذي يدير الامتحان يوم القيامة ﴿مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦] وبعد ذلك نتيجة الامتحان في الدنيا إما أن تنجح أو دور ثاني وإما تسقط، لكن الامتحان في الآخرة إما الجنة وإما النار: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنْ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران:١٨٥].
стр. 2059
كلمة توجيهية للنساء في الدعوة إلى الله
السؤال
هل من كلمة توجيهية تخص بها النساء في السير على طريق الدعوة إلى الله؟
الجواب
كل ما يقال للرجال في أمر الدعوة يقال للنساء أيضاً، ولكن نخص النساء بمزيد؛ إذ أن جانب الدعوة النسوي لا يزال يفتقر إلى الداعيات، وأقدر الناس على الدعوة في صفوف النساء هن النساء؛ لأن المرأة أعرف بشئون المرأة، وبمشاكلها وقضاياها، وإننا نستغرب -أيها الإخوة- أن لا يكون في نسائنا داعيات خصوصاً بعد ظهور العلم، وتأهل الكثير من النساء كثير من النساء الآن يحملن (الدكتوراه) ويحملن (الماجستير)، ويحملن الشهادات الجامعية، ومع هذا لم نجد فيهن داعيات لماذا؟ هذا أمر مستنكر، فلابد أن يقوم في النساء من يدعو إلى الله، وهذا عمل عظيم، ولو استعرضنا تاريخ السلف والتراجم، وسير الأعلام من الأمم؛ لوجدنا أن كثيراً من الصالحات كنَّ داعيات وعالمات وفضليات، ولا يتسع المقام لذكرهن وحصرهن، يتقدمهن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها التي روت أكثر من خمسة آلاف حديث، وحفظت للأمة هذه الثروة الضخمة لدين الله .
стр. 2060
حكم ترك الصلاة في المسجد بعد رمضان
السؤال
ما حكم من يصلي الفجر في رمضان، وطوال العام لا يصلي في المسجد؟
الجواب
بئس الرجل الذي لا يعرف الله إلا في رمضان! من يصلي الفجر في رمضان عليه أن يصلي الفجر في كل أيام السنة في المسجد، وإلا فهو -والعياذ بالله- منافق معلوم النفاق؛ لأن الذي يبين لك هل أنت مؤمن أو منافق هي صلاة الفجر، فإن كنت من أهل صلاة الفجر بانتظام فهذه علامة الإيمان، وإذا كان العبد لا يصلي الفجر في المسجد فهذه علامة النفاق.
стр. 2061
حكم صلاة تحية المسجد وقت الكراهة
السؤال
رأيتك تصلي نافلة قبل أذان المغرب ولم يبق إلا دقائق، وهذا الوقت نعرف أنه وقت تكره فيه الصلاة، فهل هناك دليل على ما فعلت رحمك الله.
خاصة وأن الناس شاهدوك وفعلك محبوب عندهم، أرجو التوضيح؟
الجواب
النافلة المنهي عنها في وقت النهي هي النافلة المطلقة، أما النافلة ذات السبب فإنها تشرع في وقت النهي وفي غيره، وقد عد العلماء من ذوات الأسباب ركعتي تحية المسجد، فإن النبي ﷺ قال: (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين) فإذا دخلت المسجد في وقت نهي فهناك قولان للعلماء: القول الأول: أنك تصلي؛ لأنك مأمور بعدم الجلوس إلا بعد الصلاة، وهذا أرجح عند العلماء.
والقول الآخر: أنك تجلس ولا تصلي؛ لأنه منهي عن الصلاة في هذا الوقت، وهذا القول مرجوح؛ لأنه اجتهادي، أما القول الأول: فهو نصي، والنصي مقدم على الاجتهادي، الرسول ﷺ قال: (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين) وبعض الناس اجتهد فوقف، لا جلس ولا صلى، وهذا لم يقل به أحد من أهل العلم، فأنت بالخيار، إما أن تصلي أو أن تجلس، أما أن تظل واقفاً لا صليت ولا جلست فهذا اجتهاد من عندك، فأنا صليت عملاً بأمر النبي ﷺ ، بالأرجح الذي قرأته وعرفته من كلام أهل العلم.
стр. 2062
اختصاص الأنبياء بالصلاة والسلام والصحابة بالرضوان
السؤال
سمعت شخصاً يقول: عيسى عليه الصلاة السلام، أو يذكر أحد التابعين فيقول: ﵁ فهل في هذا شيء؟
الجواب
لقد تكلم أهل العلم عن خصوصيات الصفات بالنسبة للأنبياء، فهم مخصوصون بالصلاة والسلام، وإن كان السلام يطلق في العموم على كل مسلم، لأننا نقول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، إذا لقيتك قلت: السلام عليك، لكن إذا ذكرت رجلاً من الناس بعينه فلا ينبغي لك أن تقول: فلان ﵊، فإن هذا مختص به الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، أما بالنسبة لـ ﵁ فهذه مختصة بالصحابة؛ لأن الله قد أخبرنا بأنه قد رضي عنهم، ومن بعدهم من التابعين لا يترضى عنهم وإنما يترحم عليهم، فتقول في التابعين: الحسن ﵀ سعيد بن المسيب ﵀، لكن أبو بكر ﵁ عمر بن الخطاب ﵁، ومن بعدهم من التابعين وغيرهم إلى يوم القيامة نقول: ﵏، ورحم الله الجميع.
عمر بن عبد العزيز من التابعين وهو ملحق بالخلفاء الراشدين، حتى عده المؤرخون الخليفة الخامس، لكن الترضي عنه لا؛ لأن الترضي يعني أنك ألحقته بالصحابة، وشرف الصحبة شرف لا يناله أحد مهما كان عمله؛ لأن النبي ﷺ أخبر أن الصحابة لا يدانون، يقول: (لو أنفق أحدكم مثل جبل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه) ولهذا أجمعت الأمة وأطبقت على أن الصحابة كلهم عدول؛ لأن الله اختارهم لصحبة نبيه ﷺ .
ولكن عمر بن عبد العزيز ﵀ معروف بفضله، ما نقول: ﵁، نقول: ﵀، وعمر بن عبد العزيز ﵀ عُدّ من الخلفاء الراشدين؛ لأن خلافته كانت على منهج الخلفاء الراشدين، ولم يأت أحد بعد خلافة علي على منهجه إلا هو ﵀، وجمعنا بهم في جنات النعيم.
стр. 2063
تنبيه على موضوع يتعلق بالعقيدة
أختم جلستي بهذا الموضوع وله علاقة بالعقيدة وهو مهم جداً هذه ورقة دائماً نراها ولا تأتي إلا أيام الامتحانات، وهذا شيء مجرب، فمن المعلوم منذ عشرات السنين أنها ما تثار من قبل أعداء الله إلا وقت الامتحان، لإيجاد بلبلة وإشغال للشباب وللطلبة وهذه القصة تقول: فتاة تبلغ من العمر ستة عشر عاماً، مرضت مرضاً شديداً عجز الأطباء عن علاجها، وفي ليلة القدر بكت الفتاة بشدة، ثم نامت وفي منامها أتتها السيدة زينب وأعطتها شربة ماء، ولما استيقظت الفتاة من نومها وجدت نفسها وقد شفيت تماماً، ووجدت قطعة قماش مكتوب عليها أن تنشر هذه الرسالة وتوزع على ثلاثة عشر فرداً، ووصلت هذه الرسالة إلى عميد بحري فوزعها فحصل على ترقية خلال ثلاثة عشر يوماً، من عميد إلى لواء، ووصلت إلى تاجر فأهملها فخسر تجارته وجميع ثروته في ثلاثة عشر يوماً، ووصلت إلى عامل فحصل على ترقية، وحلت جميع مشاكله في ثلاثة عشر يوماً ما هذه الورقة؟! أرجو منك يا أخي أن تقوم بنشرها وتوزيعها على ثلاثة عشر فرداً، الرجاء عدم الإهمال.
الإمضاء: أم الفتاة، من هي أم الفتاة؟ قالوا وقلنا، من التي كتبت؟ ومن هي الفتاة؟ ومن أمها؟ ومتى حدثت؟! كل هذا أساطير وكذب، ومن هو التاجر الذي فقد ثروته؟ ومن هو العميد حتى نراه ونهنيه؟! لكن كلها كذب في كذب ما الغرض من هذا -أيها الإخوة-؟ الغرض كما بين العلماء أن يقوم أحد الناس السطحيين الذي في عقله خفة، فيقوم يصورها ثلاث عشرة صورة، ويرسلها ويرقب أنه يترقى، فإذا غلق الثلاثة عشر يوماً وما وجد الترقية؛ بنى على هذه الخرافة أن الدين الذي جاء عن الله وعن رسول الله خرافة، لأن هذه السيدة زينب منسوبة إلى البيت، وهذه كلها خرافة، إذاً كل الدين خرافة هذا هو الغلط؛ إظهار الدين شعوذة وكذب وأساطير.
أيها الإخوة: هذا ليس من دين الله، والذي يوزعها أجهل خلق الله، الذي يوزعها ويتبناها جاهل -والعياذ بالله- فعلى من وجدها أن يمزقها، وأنا أول من يمزقها، تقرباً إلى الله؛ حتى لا تقع في يد أحد يذهب يصورها وقد مرت علي فألام عليها يوم القيامة، والله أعلم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 2064
السعادة وأسبابها
إن ما يدور في العالم من صراع وقتل وتشريد إنما هو ناتج عن فقد الشعوب والمجتمعات لمفتاح الحياة، والكثير منهم ما يزالوا ينقبون عنه في شتى مناجم الحياة المادية وهذا المفتاح هو السعادة التي لا يعرف مواطنها إلا خالقها.
ولما ظن كثير من البشر أن السعادة في غير الطريق الذي وصفه الله لهم أضاعوا العمر في البحث عن كل ما هو فانٍ، مما أثار تساؤلات كثير منهم فترددوا في حيرتهم، بل واختاروا طريق الموت والانتحار هرباً من الحياة التي فارقتها السعادة.
стр. 2065
السعادة حقيقتها وحقيقة أهلها
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وسيد المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: أولاً: أقدم شكري وعظيم امتناني إلى أخي الدكتور/ يحيى؛ عميد الكلية، وإلى الإخوة القائمين على نشاط التوجيه والتربية الإسلامية في هذه الكلية وعلى توجيه الدعوة لترتيب هذا اللقاء الذي أشعر -وأنتم كذلك تشعرون- بأهمية الحاجة إليه؛ لأن القلوب تحتاج إلى سماع العلم الشرعي والتوجيه الإسلامي أعظم من حاجة الأرض إلى نزول الغيث, فكما أن الأرض إذا انقطع عنها المطر أقفرت وأقحلت وانعدم خيرها وكثر شرها، كذلك القلوب إذا انقطع عنها الوحي الرباني والهدي السماوي فإنها تقسو وتتحجر ويكثر شرها وينعدم خيرها, وما ترونه اليوم من ممارسات غير صحيحة من قسوة في القلوب، وتحجر في العيون، وجرأة على المعاصي، وكسل في الطاعة، واستخفاف بالأوامر الربانية كل ذلك نتيجة لعدم الاستماع إلى الهدى الذي جعله الله شفاء لما في الصدور: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ * قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس:٥٧ - ٥٨].
ولا أشعر -أيها الإخوة- بغربة في مثل هذه المجالس، خصوصاً في أماكن التربية والتعليم؛ فلقد قطعت فيها عمراً طويلاً؛ أكثر من نصف عمري, بل أشعر بالأُنس والراحة والبيئة الصحيحة التي عرفتها طوال حياتي.
الحديث عن السعادة حديث مشوق؛ لأنها مطلب كل إنسان وبغية كل كائن، والناس يختلفون بفئاتهم ومشاربهم وأشكالهم وعقائدهم وتصرفاتهم وأفكارهم يختلفون في أشياء كثيرة، لكنهم يتفقون في شيء واحد وهو البحث عن السعادة: المؤمن والكافر، والبر والفاجر، والعربي والعجمي، والأسود والأبيض، والمثقف والأمي، والكبير والصغير كل واحد يبحث عن السعادة, ولا أظن على وجه الأرض أحداً يود أن يكون شقياً, وما ترونه اليوم من تطاحن وصراعات في العالم كله من أجل البحث عن السعادة, ولكن المشكلة -أيها الإخوة- أن معظم البشر وأكثر الناس ضلوا الطريق وتاهوا عن القصد، وما عرفوا الطريق الموصل إلى السعادة.
стр. 2066
اللاهثون وراء السعادة من طريق الماديات
لقد ظن بعض الناس أن السعادة في المال فقطعوا مراحل أعمارهم بتجميعه حتى حصلوا عليه, فلما حصلوا عليه كان المال سبباً لشقائهم, إذ المال وحده لا يكفي لإسعاد الإنسان, وإنما هو وسيلة من الوسائل التي تحقق السعادة, لكن إذا جعله الإنسان غاية وحصل عليه وجد الشقاء بعينه في المال.
ابنة المليونير اليوناني التي ورثت خمسة آلاف مليون من أبيها -وهذا المبلغ يهز الدنيا- ربما يحلم الإنسان باقتنائه، وربما يموت ملايين البشر ولا يحصلون عليه, ولكن هذه ترث في صفقة واحدة بعد موت والدها خمسة آلاف مليون, وتمتلك جزراً كاملة وسفناً وطائرات وعمارات وشركات، ومع هذا لم تحقق لها هذه الثروة السعادة, فقد تزوجت بإنسان روسي وعاشت معه في غرفتين قبل سقوط الاتحاد السوفييتي -لأن الأنظمة الشيوعية لم تكن تسمح بأكثر من غرفتين- وكانت هي التي تطبخ الطعام بنفسها, وسئلت فقيل لها: كيف تعيشين هذه الحياة؟ قالت: أبحث عن السعادة.
وظلت سنة كاملة تبحث عن السعادة فلم تجدها فطلقته؛ لأنها اشترطت يوم أن تزوجت أن تطلقه, وتزوجت بآخر فرنسي وتزوجت بأمريكي وتزوجت من كل النوعيات لتبحث عن السعادة ولم تجدها, وأخيراً وجدت مقتولة في بيتها! قيل: إنها منتحرة, لم تغن عنها الملايين شيئاً ولم تحقق لها الملايين سعادة, وهذا مقرر في كتاب الله؛ يقول الله : ﴿فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا﴾ [التوبة:٥٥] بعض الناس يتصور العذاب بالمال في الآخرة، لا.
ليس في الآخرة فقط، بل في الدنيا والآخرة ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [التوبة:٥٥].
سبحان الله! المال الذي هو أمل كل واحد، والذي هو رغبة كل إنسان يتحول عذاباً في الدنيا؟ نعم.
عذاب في الحياة الدنيا وفي الآخرة، كيف يكون المال سبباً في العذاب في الحياة الدنيا؟
الجواب
من ثلاثة أمور: الأمر الأول: طريقة تحصيله: لا يأتي المال بالمجان, إذ لا بد من تعب وسهر وتفكير, ولا بد من مخاطرات وسفرات, والذي ينام لا يأتيه شيء, لكن ذلك الذي يشتغل ليل نهار هو الذي يرزق بالمال.
الأمر الثاني: طريقة تشغيله: وبعدما يأتيه المال يأتيه هم وتعب في حفظه وتشغيله واستثماره وتحريكه.
الأمر الثالث: القلق والحزن عند ضياعه: ثم يأتيه هم آخر عند مفارقته والحزن والقلق عند ضياعه, فالمال بطبيعته عذاب للإنسان, وليس طريقاً للسعادة.
وبعضهم ظن أن السعادة في الرتب والمناصب واحتلال أرفع الدرجات، فيحاول أن يحصل على أحسن المؤهلات, فلما وصلوا إليها لم تتحقق لهم السعادة, ولست في هذه العجالة بحاجة إلى التدليل, فالذي ذاقها أو عرفها يعرف أنها ليست لإسعاده.
وبعضهم ظن السعادة أن يرتمي في أحضان الغانيات ويستجيب لنداء النزوات والشهوات ويعيش حياة العاطفة؛ حياة الفن, والرقص, واللعب, والحب, والغرام, ظناً منه أن هذه هي السعادة.
ولكنها في الحقيقة بعينها كانت عنوان الشقاء, فإن سألنا أهل الاختصاص فإنهم يجيبون بأصوات مرتفعة، فرائدة الغناء العربي تقول في إحدى أغانيها: (الحب عذاب) والعندليب الأسمر يقول: (حبك نار، وقربك نار، وبعدك نار، نار يا حبيبه نار) يعني هذا أقسى ما في الحياة من عذاب، بل توعد الله مثل هؤلاء بالعذاب في الآخرة بالنار ولقد حصل عليه في الدنيا قبل أن يلقاه, وهذا معنى قول الشاعر:
فما في الأرض أشقى من محب وإن ظن الهوى حلو المذاق
تراه باكياً في كل حين مخافة لوعة أو لاشتياق
فيبكي إن نأوا شوقاً إليهم ويبكي إن دنوا خوف الفراق
إذا كانت الحبيبة بعيدة يبكي؛ لأنها بعيدة عنه, وهو متشوق إليها، وإذا قربت منه يبكي توقعاً منه إنها سوف تفارقه.
فتسخن عينه عن التداني وتسخن عينه خوف الفراق
فالقضية عذاب من أولها إلى آخرها, وقد ذكر ابن القيم ﵀ في كتابه القيم العظيم الداء والدواء الذي أدعو الشباب إلى اقتنائه وقراءته؛ لأن فيه جواباً على كل التساؤلات التي في النفس البشرية حول هذا الأمر من العاطفة والحب، إني أظن ألا أحد من الناس إلا وعنده هذا المرض -مرض الحب- والحب طبعاً عاطفة في النفس البشرية التي خلقها الله, لكنه جعلها لشيء آخر غير ما يفهمه الناس, فالحب حب الله، وحب رسوله، والقرآن، والجنة، والدين هذا هو الحب.
أذكر أن شاباً من شباب الصحوة وهو الآن يعمل دكتوراً في الجامعة في كلية اللغة في أبها، ويوم أن كان في المدرسة الثانوية كان عنده مدرس علم النفس، وكان دائماً يتكلم عن الجنس والحب والغرام، ويفسر الحياة كلها على هذا المنوال, لأنه من تلاميذ فرويد , وفرويد هذا أنجس موجود على وجه الأرض؛ رجل خبيث مغمور في الجنس من رأسه إلى قدمه، لأن علماء التربية والنفس أكثرهم يأخذون هذه الأفكار والمناحي من تصرفات النفس البشرية بعيداً عن الهدي الذي يهذب النفس البشرية، فإن أعظم من يتكلم عنها صانعها وهو الله جل وعلا, فالجهاز أحسن من يتكلم عنه ويصفه هي الشركة التي صنعته, لكن لو أتينا بصاحب البنشر وقلنا: أعلمنا بأسرار هذا الجهاز, فإنه لا يعرف أسراره, ولكن يقول: لا يوجد زيت, ولا شحم, ولا هواء هذا عمله, وكذلك الذي يتحدث عن النفس الإنسانية وهو لا يعرفها سيكون حديثه كلام فارغ وهراء, وقد ابتدأهم ذلك الأول الذي قال: إن الإنسان قرد، اسمه " دارون " وهو قرد وأبوه قرد ابن قرد.
والدارونية سقطت، وأصبحت هناك نظريات جديدة اسمها: الدارونية الحديثة -يعني بعيدة كل البعد عن نظرية دارون - لأن الأبحاث والآثار أثبتت أن الإنسان إنسان منذ خلقه الله، وأنه لم يتطور؛ وهذا البحث بعيد كل البعد عن نظرية دارون التي قال فيها: إن الإنسان كان خلية، ثم تطور وتطور إلى أن أصبح إنساناً, ولما سئل: ما دامت القضية قضية تطور فلماذا بقي الإنسان إنساناً ولم يتطور؟ قال: سيتطور, قالوا: متى؟ قال: بعد خمسة آلاف مليون سنة! كبّر الكذبة حتى لا يدركها أحد, قالوا: ما الذي يحدث بعد هذا؟ قال: يصير فأراً -يقول: يتطور الإنسان حتى يصير فأراً بعد هذا- طبعاً سقطت هذه النظرية وقامت نظريات أخرى كنظرية ماريا منتسوني , ونظرية فروبل في اللعب, ونظرية المشروع الدونديوي, ونظرية دوركايم في العقل الجمعي, ونظرية ماركس التي سقطت في التطبيق العملي، وهي نظرية: لا إله والحياة مادة.
نظرية فرويد هذا تعني أن الحياة كلها جنس, حتى يفسر الطفل، يقول: عندما يرضع ثدي أمه فإنه يمارس عملية الجنس -والعياذ بالله- وهذا المدرس كان من تلامذة فرويد، فدائماً يدغدغ مشاعر التلاميذ وهم في سن المراهقة -ثالث ثانوي- ويتكلم معهم عن الجنس، وتمر نصف ساعة أو ساعة كلها في الجنس, فيحبه الطلاب, فأحد الطلاب قال: يا أستاذ قال: نعم.
قال: لماذا الملتزمون لا يحبون -وكان يوجد أربعة من الطلاب في الفصل ملتزمين-؟ لأن بقية الطلاب كل واحد منهم له محبوبة, إلا هؤلاء الأربعة الملتزمين لا يحبون, قال: يا أستاذ لماذا المطاوعة لا يحبون؟ فقال الأستاذ الشيطان الرجيم: أولئك قوم مات في قلوبهم الوجدان, يقول: الوجدان في قلوب هؤلاء ميت, ومعقدون مكبوتون -يعني في الدين- وليس عندهم وجدان حي, فقام الشاب المبارك -الذي أسأل الله أن يوفقه وهو كان عميد كلية اللغة والآن مدرس في الكلية- وقف وقال: لا يا أستاذ.
نحن لم يمت الوجدان في قلوبنا, نحن نحب ولكننا نحب الله ورسوله والدار الآخرة, وأنتم تحبون ولكنكم تحبون ما يحب الحمار, ماذا يحب الحمار؟ يحب هذا الشيء, أي: إذا رأى أنثى رفع مسامعه وجرى وراءها، هذا عمله، وهؤلاء يعيشون حياة البهائم كما قال الله : ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ [الفرقان:٤٤].
فالسعادة -أيها الإخوة- ليست في الحب, ولا في الاستجابة لنداء الشهوة والنزوة.
стр. 2067
تعريف السعادة
ما هي السعادة؟ السعادة في تعريفها عند العلماء هي: الشعور بالأمن والراحة والطمأنينة في هذه الحياة التي هي مشاهدة، وأيضاً في المستقبل الذي هو محجوب عن الإنسان، هنا مربط الفرس, فإن الذي ليس عنده عن الآخرة علم، ولا عمل لها، وهو يعلم أنه سائر إليها لا يشعر بسعادة, لماذا؟ لأنه على يقين من الموت, ولا يوجد أحد في الدنيا يقول: لا أريد أن أموت, بل تموت رغماً عنك, والرحلات ماشية الآن, وكل يوم تسمعون عن موت أناس، فما بعد الموت؟ الآخرة, وما بعد الآخرة؟ وهنا المشكلة, فالذين يقولون: لا يوجد شيء، نقول لهم: من قال لكم: إنه لا يوجد شيء؟ من الذي مات وذهب إلى الآخرة واكتشف أنه لا يوجد شيء ورجع ليقول لنا: لا يوجد شيء هل أحد فعل ذلك؟ لا.
نحن عندنا يقين حينما نقول: يوجد شيء بعد الموت؛ لأن الله أرسل رسولاً وأنزل عليه كتاباً، وضمَّن هذا الكتاب أخبار الآخرة, وضمَّن هذا الكتاب أيضاً إعجازاً ليدل على أنه من عند الله, ولا يمكن أن يكون من عند بشر, فأنت عندما تقرأ القرآن وتلمسه وتحس به وتستشعره تعرف أنه من عند الله, فالله تعالى يقول فيه: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ [العنكبوت:٥١] أي: كفى بالقرآن معجزة, ويقول ﵊ في صحيح البخاري: (ما من نبي قبلي إلا أوتي ما على مثله آمن البشر, وإني أوتيت أكثرهم -أي: القرآن- وإني أرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة) وقد تحققت نبوة النبي ﷺ فهاهو دينه باق على وجه البسيطة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها, ولو كان رسول الله ﷺ -وحاشاه- كذاباً لما بقي دينه, فكم من أناس ادعوا النبوة وكان لديهم من الإمكانات ما يؤهلهم بأن يقودوا أممهم في الباطل الذي انتحلوه, لكن هل بقيت دعواتهم؟ فقد ادعى النبوة شخص اسمه مسيلمة! من يعرف أباه أو جده؟ أبوه الكذاب، اسمه: مسيلمة الكذاب , ادعى النبوة وكان عنده رجال وجيش ومقاتلون أشداء أشاوس، لكن لا يوجد الآن على وجه الأرض خبر على أن مسيلمة رسول الله، حتى أولاده من صلبه لو سلسلنا ذريته ووجدنا من ذريته شخصاً لقلنا له: أنت فلان بن فلان بن فلان بن مسيلمة الكذاب.
وطليحة بن خويلد الأسدي ادعى النبوة أيضاً، وهو من طي من بلد حائل , ولكنه أسلم بعد ذلك -سبقت له من الله الحسنى وأسلم- قام وادعى النبوة وقاتل الصحابة في حروب الردة وقتل اثنين من الصحابة: قتل زيد بن أرقم وعكاشة بن محصن ﵃ وأرضاهم, ومع هذا أسلم ورجع وقاتل في معارك إسلامية عظيمة واستشهد.
والأسود العنسي أيضاً ادعى النبوة في اليمن , وسجاح بنت الحارث ادعت النبوة حتى النسوة ادعين النبوة! ولكن هل بقيت دعواتهم؟ لا.
لماذا؟ لأنها باطلة, لماذا بقيت دعوة الإسلام ودعوة النبي ﷺ ؟ كم على وجه الأرض اليوم ممن يشهد أن محمداً رسول الله؟ أكثر من ألف مليون مسلم يشهدون وتكفينا الشهادة, صحيح أن الأمة الإسلامية الآن ضعيفة ومقهورة وغير رائدة ولا قائدة، لكنها لا تضيع عقيدتها, ولهذا تجد حتى أضعف الناس إيماناً إذا سمع أن هناك أي تعرض أو إساءة لشخصية النبي ﷺ يثور ويغضب ولا يمكن أن يرضى, ويقول: كيف يهان الرسول ﷺ ؟ وهذا دليل على أنه رسول الله.
ضمَّن الله هذا الكتاب الذي أنزله على رسوله ﷺ الخبر عن الآخرة, وعمل الناس للأعمال التي تنفع بعد الموت, ولهذا قال ﵊: (الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت) ما الذي ينفع بعد الموت؟ العمل الصالح, وأما المال فلا ينفع بعد الموت إلا من كان مؤمناً؛ لأن الله يقول: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾ [سبأ:٣٧].
فالسعادة في تعريفها: شعور داخلي بالأمن والطمأنينة والراحة والسكينة في الحياة الدنيا وما بعد الموت، فالمال يوفر لك الراحة والسعادة في الدنيا فقط, والزوجة والأولاد والمنصب والمكانة الاجتماعية كلها توفر لك الراحة لكن في الدنيا فقط, وفي الآخرة لا توفر لك السعادة فيبقى القلق, والإمكانات المادية توفر الراحة للكائن الجسدي فقط, ويبقى الكائن الروحي هنا في قلق, وحيرة, واضطراب إلى أن يجد الغذاء الذي من أجله وجد، والذي في عالمه وجد، وهو غذاء الروح؛ أي: إذا وجد الإيمان وجدت السعادة هذه هي السعادة وتعريفها.
стр. 2068
أسباب السعادة
أما أسبابها وكيفية الحصول عليها فتكمن في الآتي:
стр. 2069
الإيمان بالله والعمل الصالح
أول عنصر من عناصر السعادة: هو الإيمان بالله والعمل الصالح: وقد جاء هذا مصرحاً به في كتاب الله ، يقول الله : ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل:٩٧] وهذه الكلمة: (فَلَنُحْيِيَنَّهُ) يعرف أهل اللغة ما فيها من المؤكدات؛ فاللام المؤكدة والنون المثقلة شديدة التوكيد (فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً)، ما هي الحياة الطيبة؟ ليست حياة البطون ولا الفروج ولا الشهوات, إنها حياة القلب -والنفس- وقد كان حياً قبل أن يعمل الإيمان والعمل الصالح؟ قالوا: كانت حياته حياة خبيثة؛ بعيدة عن الله, فليس بحي بل هو ميت، والله تعالى يقول: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً﴾ [الأنعام:١٢٢] كان ميتاً بالكفر والمعاصي والذنوب (فأحييناه) بالإيمان, ولا يستوي الحي والميت كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ [فاطر:١٩] * ﴿وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ﴾ [فاطر:٢١] * ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر:٢٢]، فرق بين هذا وذاك, فمن يعش حقيقة الإيمان ليس كمن يعيش حياة اللهو, ولهذا يقول الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبَابِ﴾ [الرعد:١٩].
فالإيمان هو أساس السعادة؛ وهو عنصر السعادة الأول, فإذا وجد الإيمان وجدت السعادة ولو لم توجد البقية, وإذا فقد الإيمان والعمل الصالح فقدت السعادة ولو توفرت للإنسان جميع أسباب السعادة الأخرى؛ لأنه هو الأساس, وهل يمكن أن تقوم عمارة بغير أساس؟ لا.
بل أول شيء الأساس, ثم بعد ذلك يمكنك أن تكمل الدور الثاني والثالث والرابع فلا يمكن أن تبني الدور الثاني في الهواء بدون أساس وقواعد, ولذلك الناس الآن يبنون عمارة السعادة في الهواء؛ يبنون السعادة بالمال، وبالزوجة، والمنصب، والأفلام والمسلسلات، والتمشيات، يبنون سعادة في البر والبحر والرحلات، لا.
ابدأ السعادة من تحت, ابنِ سعادتك على الإيمان والعمل الصالح، ولهذا يقول الله : ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾ [النحل:٣٠] ما هي الحسنة هذه؟ قالوا: هي الحياة الطيبة التي يعيشها المؤمن, ويقول الله في آية أخرى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨]، لا تطمئن القلوب بالمال, المال تنتفخ به الجيوب وترتفع الأرصدة, وبالأكل تطمئن البطون, وبالزوجات تطمئن الفروج, لكن القلوب لا تطمئن إلا بذكر الله -أي: دين الله- ولهذا جاء بإشارة هنا وسبقها بأداة الإشعار (ألا) للاستهلال ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨] * ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ﴾ [الرعد:٢٩] قال العلماء: طوبى جنة الدنيا وبعدها قال سبحانه: ﴿وَحُسْنُ مَآبٍ﴾ [الرعد:٢٩] أي: الجنة.
طوبى لهم، أي: في هذه الدنيا العاجلة، ولهذا يقول أحد العلماء: إن في الدنيا جنة من لم يذقها لم يدخل جنة الآخرة.
ويقول آخر: مساكين أهل هذه الحياة؛ جاءوا إليها وخرجوا منها وما ذاقوا أطيب ما فيها، قالوا: وما أطيب ما فيها؟ قال: التلذذ بطاعة الله.
وآخر يقول: والله لو يعلم أهل الجاه والسلطة ما نحن فيه من السعادة لجالدونا عليه بالسيوف.
كان شيخ الإسلام ﵀ مسجوناً في سجن القلعة بـ دمشق، يقول ابن القيم: كنا إذا أظلمت علينا الدنيا وضاقت بنا النفوس ذهبنا إليه نزوره في القلعة, فوالله ما هو إلا نراه حتى نشعر بالسعادة.
وكان شيخ الإسلام يقول: المسجون من سجنه هواه, والمأسور من أسره شيطانه.
ثم يقول: ما يصنع بي أعدائي؟! إن جنتي وبستاني في صدري, أنى سرت فهي معي.
إن قتلي شهادة, وإخراجي من بلدي سياحة, وسجني خلوة.
فما يصنع بي أعدائي أكثر من هذا؟! انظروا! يعيش في سجن ومع هذا يشعر بالسعادة, من الذي أدخل السعادة في قلبه؟ إنه الإيمان والعمل الصالح, بينما لو لم يكن عنده إيمان ولا عمل صالح وهو يعيش في قصر فإنه يشعر بالضيق, هأنتم ترون الآن في أوروبا وهم يعيشون في ناطحات السحاب ولكنهم في عذاب.
يخبرني أحد الإخوة ممن يقيم في السويد، يقول: السويد من الدول الإسكندنافية الراقية: فـ الدنمارك والسويد والنرويج مستوى الدخل فيها مرتفع, والحياة والمعيشة شيء لا يتصوره العقل, والدولة تصرف لكل واحد منهم مبالغ، وضماناً صحياً واجتماعياً، وتصرف رواتب ضخمة, والآلات مطورة ومسخرة، والنظافة معممة لدرجة أنك لا تجد عقب سيجارة ولا قصاصة ورق في شوارعهم, بل حتى الكلاب تعرف أنظمة السير؛ يأتي الكلب ويقف عند الإشارة حتى تؤشر ويمشي، والبقر تغتسل في هولندا كل يوم مرتين -حمام في الصباح وحمام في الليل- ومع هذا يقول لي الأخ: هم في أسوأ حياة يعيشونها, يقول: لا ينامون إلا بفعل الحبوب والمخدرات, وإذا نام الإنسان في (٢٤) ساعة نصف ساعة أو ساعة يأتي إلى زملائه في المصنع أو المكتب أو العمل ويبشرهم بأنه نام في البارحة, وعندنا يضع الشخص رأسه (٨) ساعات بدون حبوب أو أي منوم وهذا من فضل الله, لماذا؟ لأنه مؤمن بالله, وإن كان إيمانه ضعيفاً فهو أفضل بكثير من فقدان أولئك للدين.
مليونير أمريكي يدعى روكفلر اشترى جزيرة من جزر المحيط الهادي , وغرس فيها وسواها وضبطها، ثم قال: أريد أن أجلس فيها, قالوا: لماذا؟ قال: ضجيج المصانع وأزيز الطائرات وهدير الناس أزعجني! أريد أن أنام, فذهب، وعندما وصل إليها وجدها هادئة لا صياح فيها ولا صراخ, فجلس نصف ساعة وركب طيارة وقال: لا تصلح! يبحث عن السعادة.
وبعضهم ينتحر لماذا؟ لأن المادة تضغط عليه حتى تفجر النفس الداخلية, فلا يجد مخرجاً من هذا العذاب الذي هو فيه إلا بالموت, ويسأل نفسه: لماذا أنا أعيش؟ فتجيبه النفس: تعيش من أجل أن تأكل, ويقول: لماذا آكل؟ فتقول: تأكل من أجل أن تعيش, فيقول: أعيش لآكل وآكل لأعيش! وبعدها تموت, قال: ما دمت سأموت فسوف أموت الآن, فيقدم على الانتحار؛ وأعلى نسبة للانتحار هي في تلك الدول؛ لأنهم فقدوا الإيمان بالله والعمل الصالح.
فأعظم شيء هو الإيمان, فبالإيمان والعمل الصالح تجيب على التساؤلات التي تنبعث داخل النفس البشرية عن الحياة: ما هذه الحياة؟ من أين جئت إليها؟ ولماذا؟ وما دوري؟ وبعد أن أموت أين سيذهب بي؟ هذه التساؤلات لا تجيب عليها الماديات أبداً.
لا يجيب عليها إلا الدين, فإذا عرف الإنسان حقيقته وأنه جاء ليعبد الله، وأنه بعد هذه الحياة سيلقى الله, فإنه يجد أمناً وطمأنينة.
مثلاً: فأنتم بعد المحاضرة يذهب كل واحد إلى بيته أو عزبته, وما عندكم الآن أي قلق, لماذا؟ لأنكم تعرفون إلى أين أنتم ذاهبون, فكل واحد يخرج ويقود سيارته أو يركب مع زميله ويمشي, ولو أخذنا شريحة من نفسه وحللناها لوجدناها طبيعية وليس عنده أي قلق أو هم, لكن لو خرج شخص من هنا وعند باب الكلية اعتدي عليه من قبل مجموعة مسلحة، وغطوا عيونه ورموه في صندوق السيارة, ومشوا به وأخرجوه إلى منطقة بعيدة في صحراء, ثم فكوا الرباط الذي على عينه, وبعد ذلك جئنا لنحلل نفسيته أهي مطمئنة أو قلقة؟
الجواب
قلقه، لماذا؟ لأنه لا يعرف أين يذهب, وتبدأ عنده الاحتمالات: ماذا يريدون مني؟ يقتلونني، أم يسجنونني، أم يرمونني؟ لماذا جئت إلى هنا؟ ويبدأ القلق يتزايد.
هذا مثال مصغر لطبيعة الحياة.
ولكن عندما تذهب إلى مكان باختيارك وتعرف إلى أين أنت ذاهب باختيارك تكون مطمئناً, ولكن عندما تؤخذ إلى مكان ليس لك فيه رأي ولا تدري ما الذي سيحصل لك فإن القلق يبدأ بالسيطرة عليك، فهل أنت -أيها الإنسان- يوم جئت إلى هذه الحياة كان باختيارك أم جيء بك رغم إرادتك؟ وبعدها عندما تمضي فترة العمر ثم تموت، أتموت باختيارك أم رغم إرادتك؟ الجواب: رغم إرادتك، فأنت جئت بغير اختيارك وكذلك تموت بغير اختيار، وحينها يبقى عندك القلق إلى أن تعرف لماذا جئت؟ وإلى أين تذهب بعد أن تموت؟ أما سؤالك: لماذا جئت قد أخبرك الله تعالى بجوابه، وحل لك المشكلة وقال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] وأخبرك أن بعد الموت حياة، وبعد الحياة حساب وجزاء، قال تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ [النجم:٣١] ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦] والزيادة: هي النظر إلى وجه الله الكريم في الدار الآخرة: ﴿وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [يونس:٢٦] * ﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا﴾ [يونس:٢٧] هل تتصور وأنت تعمل السيئات أن يكون جزاؤك مثل جزاء الذي يعمل الصالحات؟ لا.
هذا سوء ظن بالله, ولهذا يقول الله وهو يستبعد هذا عن الناس: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية:٢١] * ﴿وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [الجاثية:٢٢] لا يمكن أ
стр. 2070
الإيمان بالقضاء والقدر
ومن أسباب إيجاد السعادة عند الإنسان: الإيمان بالقضاء والقدر.
والقضاء والقدر ركن من أركان الإيمان وهو: سر الله في خلقه، والخوض فيه يعرض الإنسان لخطورة الوقوع في إحدى فئتين ضالتين وهما: الجبرية أو القدرية؛ أما الجبرية فقد سلبوا العبد فعله, وأسندوا فعل العبد لربه، وقالوا: العبد مجبور, فإذا زنا قالوا: مجبور؛ لأن الله كتب عليه فعلها, وإذا سرق قالوا: مجبور؛ لأنه ليس إلا كالسعفة في مهب الريح, فجعلوا العبد آلة ليس لها أي تصرف.
وقابلتهم فرقة أخرى -والمذاهب والنحل كلها ردود فعل؛ لأن الابتعاد عن الكتاب والسنة يفعل ردود فعل للتصرفات المقابلة- وهم القدرية الذين سلبوا الرب فعله وأسندوا الفعل كله للعبد وجعلوا العبد هو الذي يخلق فعله وليس لله أي شأن ولا إرادة ولا مشيئة في فعل العبد, وكلا الأمرين باطل.
وأهل السنة والجماعة هدوا إلى الحق، وهو: أن للعبد مشيئة وللرب مشيئة, ولكن مشيئة العبد داخلة ضمن مشيئة الله, والله تعالى يقول: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان:٣٠] وأن العبد مسئول عن تصرفاته, إذ لا يمكن أن يحاسبه الله عن غيره وهو غير مسئول عنه, فأنت نفسك لو جئت على ولدك وقد كسر جهازاً فإنك تعاقبه, ولكن لو أن الجهاز وقع من نفسه والولد واقف عنده ولم يلمسه, أتعاقب الولد؛ لأنه كان واقفاً عند الجهاز؟ ولو عاقبته فسوف يقول: لماذا تضربني؟ أنا لم ألمسه، فهو الذي سقط فجأة, وحينئذٍ لا تستطيع أن تعاقبه؛ لأنك تعرف أنه لم يذنب, وكذلك الله , أيريد الناس أن يكون الله ظالماً؟! ينزهون أنفسهم عن الظلم ويسندونه إلى الله! ويقولون: إن الله يعذب بغير اختيار من الإنسان! واعتقادهم هذا خطأ.
لأن الله إذا سلب القدرة أسقط التكليف, فإذا احتلم الإنسان في رمضان وهو يقظان، أي: مارس عملية إخراج المني بنفسه، ما حكم صيامه؟ إذا أخرج المني عامداً فسد صومه, لكن لو نام واحتلم وخرج المني في حال نومه لا يفسد لأن الأول بتعمده فسد صيامه وأثم, وذاك تم بغير اختياره فصيامه صحيح وعليه أن يغتسل ويصلي ولا شيء عليه.
والصلاة فرضها الله، ومن أركانها القيام ولكن عندما تكون مريضاً، من الذي أمرضك؟ حينها يقول الله تعالى: صل قاعداً, وكذلك في كل التكاليف.
فالإيمان بالقضاء والقدر عند أهل السنة والجماعة أن تؤمن بأن الله قد كتب المقادير، وقدر الأمور في اللوح المحفوظ قبل أن يخلق الخلق، هذا هو التقدير, والقضاء هو الذي يتم الآن في عالم الواقع.
ونضرب مثلاً ولله المثل الأعلى: إذا أراد مهندس أن يبني عمارة فإنه لا يبنيها عشوائياً بل لا بد أن يصمم لها مخططاً -ولله المثل الأعلى- وهذا من باب تقريب المعنى, وكذلك لما أراد الله خلق الكون والحياة وضع له تقديراً -أي: مخططاً- ثم بعد ذلك يتم التنفيذ, ولكن هذا العلم الإلهي كما يسمونه العلماء: سابق لا سائق, أي: أن الله علم أن (زيداً) من الناس وأنه سوف يخلق وأن هذا المخلوق اسمه زيد، وسوف يبلغ سن التكليف وتصله أوامر الشرع فيستجيب لها باختياره، ويهتدي ويلتزم ويتمسك فتكون نهايته الجنة، فيكتب أنه سعيد ومن أهل الجنة.
فهذا سبق علم لا سوق, أي: ما ساقه الله سوقاً بحيث نقول: ليس له اختيار, بل كان عنده اختيار ويقدر أن يكون فاسداً، وكذلك يقدر أن يكون مجرماً، لكنه اختار طريق الهداية.
وكذلك علم الله أن (عمراً) من الناس، وأنه سيخلق ويبلغ سن التكليف، ويسير في طريق الانحراف والجريمة والكفر والفساد، ثم يموت على هذا، فعلم الله أن هذا سيكون فكتب عليه الشقاء بحسب سابق علمه.
هل يوجد أحد من البشرية الآن في الدنيا يعلم ماذا سيحدث غداً؟ لا.
لكن الله يعلم ما سيحدث غداً؛ لأن الله إذا كان لا يعلم ما يكون غداً فكيف يكون رباً وهو لا يعلم؟ ﷻ وحاشاه! ولذلك من صفاته تعالى أنه عليم وأنه علام الغيوب, وأنه يعلم ما سيكون إلى يوم القيامة, وأنه يعلم ما في السماوات وما في الأرض وما تحت الثرى, وأنه أيضاً يعلم السر وأخفى, السر: الذي في قلبك يعلمه الله, أخفى: الذي سوف تسره وأنت لا تعلمه فإن الله يعلمه الآن, إذ لا يغيب عن علمه شيء: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام:٥٩] فالله يعلم أن فلاناً سيكون فاسداً وكتب عليه أنه سيكون شقياً لا سوقاً وإنما سبق علم وصفة كمال في الرب .
فالإيمان بالقضاء والقدر يشعرك بالأمن والراحة، لماذا؟ لأنك وأنت تعيش في هذه الحياة تكون عرضة للإصابة بأشياء لا ترضيك؛ إما بموت حبيب، أو بمرض قريب، أو بمصيبة، أو بكارثة، أو بحادث، فإذا عرفت أن هذا الشيء مكتوب, وأن الله قدره, وأن الله سيثيبك عليه إن صبرت وتلقيت هذه المصيبة والكارثة بصدر رحب، وقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون, اللهم اجبرني في مصيبتي واخلفني خيراً منها, فسينزل الله على قلبك طمأنينة ويمنحك السكينة، وتتحول هذه المحنة في حقك إلى منحة, لماذا؟ لأنك استعضت الله فيها, وجعلت عوضك عند الله منها, وفي نفس الوقت ادخرت ثوابها؛ لأن الله لا يظلم مثقال ذرة, فإذا أصابك بمصيبة فإنما ليرفع درجتك أو ليكفر خطيئتك, أو ليخفي لك من الثواب ما لا يعلمه إلا هو.
ولهذا ورد في الحديث أن أصحاب المصائب والبلايا في الدنيا يأتون يوم القيامة فيجدون حسنات كأمثال الجبال، فيقولون: يا ربنا! بم هذه الحسنات التي ما عملناها؟ فيقال: بالبلاء الذي تعرضتم به في الدنيا, فيتمنى أصحاب العافية أنهم عاشوا في غير عافية, فالعافية ذهبت، وبقي أجر أصحاب البلاء, وهذا يأتي -أيها الإخوة- عن طريق الإيمان بالقضاء والقدر, فإنك تجد الذي عنده إيمان بالقضاء والقدر لا يتحرك ولا يضجر ولا يجزع مهما جاءه من خبر: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد:٢٢] * ﴿لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [الحديد:٢٣].
следующие страницы →