Полный текст (2 982 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.
стр. 2066
اللاهثون وراء السعادة من طريق الماديات
لقد ظن بعض الناس أن السعادة في المال فقطعوا مراحل أعمارهم بتجميعه حتى حصلوا عليه, فلما حصلوا عليه كان المال سبباً لشقائهم, إذ المال وحده لا يكفي لإسعاد الإنسان, وإنما هو وسيلة من الوسائل التي تحقق السعادة, لكن إذا جعله الإنسان غاية وحصل عليه وجد الشقاء بعينه في المال.
ابنة المليونير اليوناني التي ورثت خمسة آلاف مليون من أبيها -وهذا المبلغ يهز الدنيا- ربما يحلم الإنسان باقتنائه، وربما يموت ملايين البشر ولا يحصلون عليه, ولكن هذه ترث في صفقة واحدة بعد موت والدها خمسة آلاف مليون, وتمتلك جزراً كاملة وسفناً وطائرات وعمارات وشركات، ومع هذا لم تحقق لها هذه الثروة السعادة, فقد تزوجت بإنسان روسي وعاشت معه في غرفتين قبل سقوط الاتحاد السوفييتي -لأن الأنظمة الشيوعية لم تكن تسمح بأكثر من غرفتين- وكانت هي التي تطبخ الطعام بنفسها, وسئلت فقيل لها: كيف تعيشين هذه الحياة؟ قالت: أبحث عن السعادة.
وظلت سنة كاملة تبحث عن السعادة فلم تجدها فطلقته؛ لأنها اشترطت يوم أن تزوجت أن تطلقه, وتزوجت بآخر فرنسي وتزوجت بأمريكي وتزوجت من كل النوعيات لتبحث عن السعادة ولم تجدها, وأخيراً وجدت مقتولة في بيتها! قيل: إنها منتحرة, لم تغن عنها الملايين شيئاً ولم تحقق لها الملايين سعادة, وهذا مقرر في كتاب الله؛ يقول الله : ﴿فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا﴾ [التوبة:٥٥] بعض الناس يتصور العذاب بالمال في الآخرة، لا.
ليس في الآخرة فقط، بل في الدنيا والآخرة ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [التوبة:٥٥].
سبحان الله! المال الذي هو أمل كل واحد، والذي هو رغبة كل إنسان يتحول عذاباً في الدنيا؟ نعم.
عذاب في الحياة الدنيا وفي الآخرة، كيف يكون المال سبباً في العذاب في الحياة الدنيا؟
الجواب
من ثلاثة أمور: الأمر الأول: طريقة تحصيله: لا يأتي المال بالمجان, إذ لا بد من تعب وسهر وتفكير, ولا بد من مخاطرات وسفرات, والذي ينام لا يأتيه شيء, لكن ذلك الذي يشتغل ليل نهار هو الذي يرزق بالمال.
الأمر الثاني: طريقة تشغيله: وبعدما يأتيه المال يأتيه هم وتعب في حفظه وتشغيله واستثماره وتحريكه.
الأمر الثالث: القلق والحزن عند ضياعه: ثم يأتيه هم آخر عند مفارقته والحزن والقلق عند ضياعه, فالمال بطبيعته عذاب للإنسان, وليس طريقاً للسعادة.
وبعضهم ظن أن السعادة في الرتب والمناصب واحتلال أرفع الدرجات، فيحاول أن يحصل على أحسن المؤهلات, فلما وصلوا إليها لم تتحقق لهم السعادة, ولست في هذه العجالة بحاجة إلى التدليل, فالذي ذاقها أو عرفها يعرف أنها ليست لإسعاده.
وبعضهم ظن السعادة أن يرتمي في أحضان الغانيات ويستجيب لنداء النزوات والشهوات ويعيش حياة العاطفة؛ حياة الفن, والرقص, واللعب, والحب, والغرام, ظناً منه أن هذه هي السعادة.
ولكنها في الحقيقة بعينها كانت عنوان الشقاء, فإن سألنا أهل الاختصاص فإنهم يجيبون بأصوات مرتفعة، فرائدة الغناء العربي تقول في إحدى أغانيها: (الحب عذاب) والعندليب الأسمر يقول: (حبك نار، وقربك نار، وبعدك نار، نار يا حبيبه نار) يعني هذا أقسى ما في الحياة من عذاب، بل توعد الله مثل هؤلاء بالعذاب في الآخرة بالنار ولقد حصل عليه في الدنيا قبل أن يلقاه, وهذا معنى قول الشاعر:
فما في الأرض أشقى من محب وإن ظن الهوى حلو المذاق
تراه باكياً في كل حين مخافة لوعة أو لاشتياق
فيبكي إن نأوا شوقاً إليهم ويبكي إن دنوا خوف الفراق
إذا كانت الحبيبة بعيدة يبكي؛ لأنها بعيدة عنه, وهو متشوق إليها، وإذا قربت منه يبكي توقعاً منه إنها سوف تفارقه.
فتسخن عينه عن التداني وتسخن عينه خوف الفراق
فالقضية عذاب من أولها إلى آخرها, وقد ذكر ابن القيم ﵀ في كتابه القيم العظيم الداء والدواء الذي أدعو الشباب إلى اقتنائه وقراءته؛ لأن فيه جواباً على كل التساؤلات التي في النفس البشرية حول هذا الأمر من العاطفة والحب، إني أظن ألا أحد من الناس إلا وعنده هذا المرض -مرض الحب- والحب طبعاً عاطفة في النفس البشرية التي خلقها الله, لكنه جعلها لشيء آخر غير ما يفهمه الناس, فالحب حب الله، وحب رسوله، والقرآن، والجنة، والدين هذا هو الحب.
أذكر أن شاباً من شباب الصحوة وهو الآن يعمل دكتوراً في الجامعة في كلية اللغة في أبها، ويوم أن كان في المدرسة الثانوية كان عنده مدرس علم النفس، وكان دائماً يتكلم عن الجنس والحب والغرام، ويفسر الحياة كلها على هذا المنوال, لأنه من تلاميذ فرويد , وفرويد هذا أنجس موجود على وجه الأرض؛ رجل خبيث مغمور في الجنس من رأسه إلى قدمه، لأن علماء التربية والنفس أكثرهم يأخذون هذه الأفكار والمناحي من تصرفات النفس البشرية بعيداً عن الهدي الذي يهذب النفس البشرية، فإن أعظم من يتكلم عنها صانعها وهو الله جل وعلا, فالجهاز أحسن من يتكلم عنه ويصفه هي الشركة التي صنعته, لكن لو أتينا بصاحب البنشر وقلنا: أعلمنا بأسرار هذا الجهاز, فإنه لا يعرف أسراره, ولكن يقول: لا يوجد زيت, ولا شحم, ولا هواء هذا عمله, وكذلك الذي يتحدث عن النفس الإنسانية وهو لا يعرفها سيكون حديثه كلام فارغ وهراء, وقد ابتدأهم ذلك الأول الذي قال: إن الإنسان قرد، اسمه " دارون " وهو قرد وأبوه قرد ابن قرد.
والدارونية سقطت، وأصبحت هناك نظريات جديدة اسمها: الدارونية الحديثة -يعني بعيدة كل البعد عن نظرية دارون - لأن الأبحاث والآثار أثبتت أن الإنسان إنسان منذ خلقه الله، وأنه لم يتطور؛ وهذا البحث بعيد كل البعد عن نظرية دارون التي قال فيها: إن الإنسان كان خلية، ثم تطور وتطور إلى أن أصبح إنساناً, ولما سئل: ما دامت القضية قضية تطور فلماذا بقي الإنسان إنساناً ولم يتطور؟ قال: سيتطور, قالوا: متى؟ قال: بعد خمسة آلاف مليون سنة! كبّر الكذبة حتى لا يدركها أحد, قالوا: ما الذي يحدث بعد هذا؟ قال: يصير فأراً -يقول: يتطور الإنسان حتى يصير فأراً بعد هذا- طبعاً سقطت هذه النظرية وقامت نظريات أخرى كنظرية ماريا منتسوني , ونظرية فروبل في اللعب, ونظرية المشروع الدونديوي, ونظرية دوركايم في العقل الجمعي, ونظرية ماركس التي سقطت في التطبيق العملي، وهي نظرية: لا إله والحياة مادة.
نظرية فرويد هذا تعني أن الحياة كلها جنس, حتى يفسر الطفل، يقول: عندما يرضع ثدي أمه فإنه يمارس عملية الجنس -والعياذ بالله- وهذا المدرس كان من تلامذة فرويد، فدائماً يدغدغ مشاعر التلاميذ وهم في سن المراهقة -ثالث ثانوي- ويتكلم معهم عن الجنس، وتمر نصف ساعة أو ساعة كلها في الجنس, فيحبه الطلاب, فأحد الطلاب قال: يا أستاذ قال: نعم.
قال: لماذا الملتزمون لا يحبون -وكان يوجد أربعة من الطلاب في الفصل ملتزمين-؟ لأن بقية الطلاب كل واحد منهم له محبوبة, إلا هؤلاء الأربعة الملتزمين لا يحبون, قال: يا أستاذ لماذا المطاوعة لا يحبون؟ فقال الأستاذ الشيطان الرجيم: أولئك قوم مات في قلوبهم الوجدان, يقول: الوجدان في قلوب هؤلاء ميت, ومعقدون مكبوتون -يعني في الدين- وليس عندهم وجدان حي, فقام الشاب المبارك -الذي أسأل الله أن يوفقه وهو كان عميد كلية اللغة والآن مدرس في الكلية- وقف وقال: لا يا أستاذ.
نحن لم يمت الوجدان في قلوبنا, نحن نحب ولكننا نحب الله ورسوله والدار الآخرة, وأنتم تحبون ولكنكم تحبون ما يحب الحمار, ماذا يحب الحمار؟ يحب هذا الشيء, أي: إذا رأى أنثى رفع مسامعه وجرى وراءها، هذا عمله، وهؤلاء يعيشون حياة البهائم كما قال الله : ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ [الفرقان:٤٤].
فالسعادة -أيها الإخوة- ليست في الحب, ولا في الاستجابة لنداء الشهوة والنزوة.
стр. 2067
تعريف السعادة
ما هي السعادة؟ السعادة في تعريفها عند العلماء هي: الشعور بالأمن والراحة والطمأنينة في هذه الحياة التي هي مشاهدة، وأيضاً في المستقبل الذي هو محجوب عن الإنسان، هنا مربط الفرس, فإن الذي ليس عنده عن الآخرة علم، ولا عمل لها، وهو يعلم أنه سائر إليها لا يشعر بسعادة, لماذا؟ لأنه على يقين من الموت, ولا يوجد أحد في الدنيا يقول: لا أريد أن أموت, بل تموت رغماً عنك, والرحلات ماشية الآن, وكل يوم تسمعون عن موت أناس، فما بعد الموت؟ الآخرة, وما بعد الآخرة؟ وهنا المشكلة, فالذين يقولون: لا يوجد شيء، نقول لهم: من قال لكم: إنه لا يوجد شيء؟ من الذي مات وذهب إلى الآخرة واكتشف أنه لا يوجد شيء ورجع ليقول لنا: لا يوجد شيء هل أحد فعل ذلك؟ لا.
نحن عندنا يقين حينما نقول: يوجد شيء بعد الموت؛ لأن الله أرسل رسولاً وأنزل عليه كتاباً، وضمَّن هذا الكتاب أخبار الآخرة, وضمَّن هذا الكتاب أيضاً إعجازاً ليدل على أنه من عند الله, ولا يمكن أن يكون من عند بشر, فأنت عندما تقرأ القرآن وتلمسه وتحس به وتستشعره تعرف أنه من عند الله, فالله تعالى يقول فيه: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ [العنكبوت:٥١] أي: كفى بالقرآن معجزة, ويقول ﵊ في صحيح البخاري: (ما من نبي قبلي إلا أوتي ما على مثله آمن البشر, وإني أوتيت أكثرهم -أي: القرآن- وإني أرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة) وقد تحققت نبوة النبي ﷺ فهاهو دينه باق على وجه البسيطة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها, ولو كان رسول الله ﷺ -وحاشاه- كذاباً لما بقي دينه, فكم من أناس ادعوا النبوة وكان لديهم من الإمكانات ما يؤهلهم بأن يقودوا أممهم في الباطل الذي انتحلوه, لكن هل بقيت دعواتهم؟ فقد ادعى النبوة شخص اسمه مسيلمة! من يعرف أباه أو جده؟ أبوه الكذاب، اسمه: مسيلمة الكذاب , ادعى النبوة وكان عنده رجال وجيش ومقاتلون أشداء أشاوس، لكن لا يوجد الآن على وجه الأرض خبر على أن مسيلمة رسول الله، حتى أولاده من صلبه لو سلسلنا ذريته ووجدنا من ذريته شخصاً لقلنا له: أنت فلان بن فلان بن فلان بن مسيلمة الكذاب.
وطليحة بن خويلد الأسدي ادعى النبوة أيضاً، وهو من طي من بلد حائل , ولكنه أسلم بعد ذلك -سبقت له من الله الحسنى وأسلم- قام وادعى النبوة وقاتل الصحابة في حروب الردة وقتل اثنين من الصحابة: قتل زيد بن أرقم وعكاشة بن محصن ﵃ وأرضاهم, ومع هذا أسلم ورجع وقاتل في معارك إسلامية عظيمة واستشهد.
والأسود العنسي أيضاً ادعى النبوة في اليمن , وسجاح بنت الحارث ادعت النبوة حتى النسوة ادعين النبوة! ولكن هل بقيت دعواتهم؟ لا.
لماذا؟ لأنها باطلة, لماذا بقيت دعوة الإسلام ودعوة النبي ﷺ ؟ كم على وجه الأرض اليوم ممن يشهد أن محمداً رسول الله؟ أكثر من ألف مليون مسلم يشهدون وتكفينا الشهادة, صحيح أن الأمة الإسلامية الآن ضعيفة ومقهورة وغير رائدة ولا قائدة، لكنها لا تضيع عقيدتها, ولهذا تجد حتى أضعف الناس إيماناً إذا سمع أن هناك أي تعرض أو إساءة لشخصية النبي ﷺ يثور ويغضب ولا يمكن أن يرضى, ويقول: كيف يهان الرسول ﷺ ؟ وهذا دليل على أنه رسول الله.
ضمَّن الله هذا الكتاب الذي أنزله على رسوله ﷺ الخبر عن الآخرة, وعمل الناس للأعمال التي تنفع بعد الموت, ولهذا قال ﵊: (الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت) ما الذي ينفع بعد الموت؟ العمل الصالح, وأما المال فلا ينفع بعد الموت إلا من كان مؤمناً؛ لأن الله يقول: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾ [سبأ:٣٧].
فالسعادة في تعريفها: شعور داخلي بالأمن والطمأنينة والراحة والسكينة في الحياة الدنيا وما بعد الموت، فالمال يوفر لك الراحة والسعادة في الدنيا فقط, والزوجة والأولاد والمنصب والمكانة الاجتماعية كلها توفر لك الراحة لكن في الدنيا فقط, وفي الآخرة لا توفر لك السعادة فيبقى القلق, والإمكانات المادية توفر الراحة للكائن الجسدي فقط, ويبقى الكائن الروحي هنا في قلق, وحيرة, واضطراب إلى أن يجد الغذاء الذي من أجله وجد، والذي في عالمه وجد، وهو غذاء الروح؛ أي: إذا وجد الإيمان وجدت السعادة هذه هي السعادة وتعريفها.
стр. 2068
أسباب السعادة
أما أسبابها وكيفية الحصول عليها فتكمن في الآتي:
стр. 2069
الإيمان بالله والعمل الصالح
أول عنصر من عناصر السعادة: هو الإيمان بالله والعمل الصالح: وقد جاء هذا مصرحاً به في كتاب الله ، يقول الله : ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل:٩٧] وهذه الكلمة: (فَلَنُحْيِيَنَّهُ) يعرف أهل اللغة ما فيها من المؤكدات؛ فاللام المؤكدة والنون المثقلة شديدة التوكيد (فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً)، ما هي الحياة الطيبة؟ ليست حياة البطون ولا الفروج ولا الشهوات, إنها حياة القلب -والنفس- وقد كان حياً قبل أن يعمل الإيمان والعمل الصالح؟ قالوا: كانت حياته حياة خبيثة؛ بعيدة عن الله, فليس بحي بل هو ميت، والله تعالى يقول: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً﴾ [الأنعام:١٢٢] كان ميتاً بالكفر والمعاصي والذنوب (فأحييناه) بالإيمان, ولا يستوي الحي والميت كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ [فاطر:١٩] * ﴿وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ﴾ [فاطر:٢١] * ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر:٢٢]، فرق بين هذا وذاك, فمن يعش حقيقة الإيمان ليس كمن يعيش حياة اللهو, ولهذا يقول الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبَابِ﴾ [الرعد:١٩].
فالإيمان هو أساس السعادة؛ وهو عنصر السعادة الأول, فإذا وجد الإيمان وجدت السعادة ولو لم توجد البقية, وإذا فقد الإيمان والعمل الصالح فقدت السعادة ولو توفرت للإنسان جميع أسباب السعادة الأخرى؛ لأنه هو الأساس, وهل يمكن أن تقوم عمارة بغير أساس؟ لا.
بل أول شيء الأساس, ثم بعد ذلك يمكنك أن تكمل الدور الثاني والثالث والرابع فلا يمكن أن تبني الدور الثاني في الهواء بدون أساس وقواعد, ولذلك الناس الآن يبنون عمارة السعادة في الهواء؛ يبنون السعادة بالمال، وبالزوجة، والمنصب، والأفلام والمسلسلات، والتمشيات، يبنون سعادة في البر والبحر والرحلات، لا.
ابدأ السعادة من تحت, ابنِ سعادتك على الإيمان والعمل الصالح، ولهذا يقول الله : ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾ [النحل:٣٠] ما هي الحسنة هذه؟ قالوا: هي الحياة الطيبة التي يعيشها المؤمن, ويقول الله في آية أخرى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨]، لا تطمئن القلوب بالمال, المال تنتفخ به الجيوب وترتفع الأرصدة, وبالأكل تطمئن البطون, وبالزوجات تطمئن الفروج, لكن القلوب لا تطمئن إلا بذكر الله -أي: دين الله- ولهذا جاء بإشارة هنا وسبقها بأداة الإشعار (ألا) للاستهلال ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨] * ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ﴾ [الرعد:٢٩] قال العلماء: طوبى جنة الدنيا وبعدها قال سبحانه: ﴿وَحُسْنُ مَآبٍ﴾ [الرعد:٢٩] أي: الجنة.
طوبى لهم، أي: في هذه الدنيا العاجلة، ولهذا يقول أحد العلماء: إن في الدنيا جنة من لم يذقها لم يدخل جنة الآخرة.
ويقول آخر: مساكين أهل هذه الحياة؛ جاءوا إليها وخرجوا منها وما ذاقوا أطيب ما فيها، قالوا: وما أطيب ما فيها؟ قال: التلذذ بطاعة الله.
وآخر يقول: والله لو يعلم أهل الجاه والسلطة ما نحن فيه من السعادة لجالدونا عليه بالسيوف.
كان شيخ الإسلام ﵀ مسجوناً في سجن القلعة بـ دمشق، يقول ابن القيم: كنا إذا أظلمت علينا الدنيا وضاقت بنا النفوس ذهبنا إليه نزوره في القلعة, فوالله ما هو إلا نراه حتى نشعر بالسعادة.
وكان شيخ الإسلام يقول: المسجون من سجنه هواه, والمأسور من أسره شيطانه.
ثم يقول: ما يصنع بي أعدائي؟! إن جنتي وبستاني في صدري, أنى سرت فهي معي.
إن قتلي شهادة, وإخراجي من بلدي سياحة, وسجني خلوة.
فما يصنع بي أعدائي أكثر من هذا؟! انظروا! يعيش في سجن ومع هذا يشعر بالسعادة, من الذي أدخل السعادة في قلبه؟ إنه الإيمان والعمل الصالح, بينما لو لم يكن عنده إيمان ولا عمل صالح وهو يعيش في قصر فإنه يشعر بالضيق, هأنتم ترون الآن في أوروبا وهم يعيشون في ناطحات السحاب ولكنهم في عذاب.
يخبرني أحد الإخوة ممن يقيم في السويد، يقول: السويد من الدول الإسكندنافية الراقية: فـ الدنمارك والسويد والنرويج مستوى الدخل فيها مرتفع, والحياة والمعيشة شيء لا يتصوره العقل, والدولة تصرف لكل واحد منهم مبالغ، وضماناً صحياً واجتماعياً، وتصرف رواتب ضخمة, والآلات مطورة ومسخرة، والنظافة معممة لدرجة أنك لا تجد عقب سيجارة ولا قصاصة ورق في شوارعهم, بل حتى الكلاب تعرف أنظمة السير؛ يأتي الكلب ويقف عند الإشارة حتى تؤشر ويمشي، والبقر تغتسل في هولندا كل يوم مرتين -حمام في الصباح وحمام في الليل- ومع هذا يقول لي الأخ: هم في أسوأ حياة يعيشونها, يقول: لا ينامون إلا بفعل الحبوب والمخدرات, وإذا نام الإنسان في (٢٤) ساعة نصف ساعة أو ساعة يأتي إلى زملائه في المصنع أو المكتب أو العمل ويبشرهم بأنه نام في البارحة, وعندنا يضع الشخص رأسه (٨) ساعات بدون حبوب أو أي منوم وهذا من فضل الله, لماذا؟ لأنه مؤمن بالله, وإن كان إيمانه ضعيفاً فهو أفضل بكثير من فقدان أولئك للدين.
مليونير أمريكي يدعى روكفلر اشترى جزيرة من جزر المحيط الهادي , وغرس فيها وسواها وضبطها، ثم قال: أريد أن أجلس فيها, قالوا: لماذا؟ قال: ضجيج المصانع وأزيز الطائرات وهدير الناس أزعجني! أريد أن أنام, فذهب، وعندما وصل إليها وجدها هادئة لا صياح فيها ولا صراخ, فجلس نصف ساعة وركب طيارة وقال: لا تصلح! يبحث عن السعادة.
وبعضهم ينتحر لماذا؟ لأن المادة تضغط عليه حتى تفجر النفس الداخلية, فلا يجد مخرجاً من هذا العذاب الذي هو فيه إلا بالموت, ويسأل نفسه: لماذا أنا أعيش؟ فتجيبه النفس: تعيش من أجل أن تأكل, ويقول: لماذا آكل؟ فتقول: تأكل من أجل أن تعيش, فيقول: أعيش لآكل وآكل لأعيش! وبعدها تموت, قال: ما دمت سأموت فسوف أموت الآن, فيقدم على الانتحار؛ وأعلى نسبة للانتحار هي في تلك الدول؛ لأنهم فقدوا الإيمان بالله والعمل الصالح.
فأعظم شيء هو الإيمان, فبالإيمان والعمل الصالح تجيب على التساؤلات التي تنبعث داخل النفس البشرية عن الحياة: ما هذه الحياة؟ من أين جئت إليها؟ ولماذا؟ وما دوري؟ وبعد أن أموت أين سيذهب بي؟ هذه التساؤلات لا تجيب عليها الماديات أبداً.
لا يجيب عليها إلا الدين, فإذا عرف الإنسان حقيقته وأنه جاء ليعبد الله، وأنه بعد هذه الحياة سيلقى الله, فإنه يجد أمناً وطمأنينة.
مثلاً: فأنتم بعد المحاضرة يذهب كل واحد إلى بيته أو عزبته, وما عندكم الآن أي قلق, لماذا؟ لأنكم تعرفون إلى أين أنتم ذاهبون, فكل واحد يخرج ويقود سيارته أو يركب مع زميله ويمشي, ولو أخذنا شريحة من نفسه وحللناها لوجدناها طبيعية وليس عنده أي قلق أو هم, لكن لو خرج شخص من هنا وعند باب الكلية اعتدي عليه من قبل مجموعة مسلحة، وغطوا عيونه ورموه في صندوق السيارة, ومشوا به وأخرجوه إلى منطقة بعيدة في صحراء, ثم فكوا الرباط الذي على عينه, وبعد ذلك جئنا لنحلل نفسيته أهي مطمئنة أو قلقة؟
الجواب
قلقه، لماذا؟ لأنه لا يعرف أين يذهب, وتبدأ عنده الاحتمالات: ماذا يريدون مني؟ يقتلونني، أم يسجنونني، أم يرمونني؟ لماذا جئت إلى هنا؟ ويبدأ القلق يتزايد.
هذا مثال مصغر لطبيعة الحياة.
ولكن عندما تذهب إلى مكان باختيارك وتعرف إلى أين أنت ذاهب باختيارك تكون مطمئناً, ولكن عندما تؤخذ إلى مكان ليس لك فيه رأي ولا تدري ما الذي سيحصل لك فإن القلق يبدأ بالسيطرة عليك، فهل أنت -أيها الإنسان- يوم جئت إلى هذه الحياة كان باختيارك أم جيء بك رغم إرادتك؟ وبعدها عندما تمضي فترة العمر ثم تموت، أتموت باختيارك أم رغم إرادتك؟ الجواب: رغم إرادتك، فأنت جئت بغير اختيارك وكذلك تموت بغير اختيار، وحينها يبقى عندك القلق إلى أن تعرف لماذا جئت؟ وإلى أين تذهب بعد أن تموت؟ أما سؤالك: لماذا جئت قد أخبرك الله تعالى بجوابه، وحل لك المشكلة وقال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] وأخبرك أن بعد الموت حياة، وبعد الحياة حساب وجزاء، قال تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ [النجم:٣١] ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦] والزيادة: هي النظر إلى وجه الله الكريم في الدار الآخرة: ﴿وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [يونس:٢٦] * ﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا﴾ [يونس:٢٧] هل تتصور وأنت تعمل السيئات أن يكون جزاؤك مثل جزاء الذي يعمل الصالحات؟ لا.
هذا سوء ظن بالله, ولهذا يقول الله وهو يستبعد هذا عن الناس: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية:٢١] * ﴿وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [الجاثية:٢٢] لا يمكن أ
стр. 2070
الإيمان بالقضاء والقدر
ومن أسباب إيجاد السعادة عند الإنسان: الإيمان بالقضاء والقدر.
والقضاء والقدر ركن من أركان الإيمان وهو: سر الله في خلقه، والخوض فيه يعرض الإنسان لخطورة الوقوع في إحدى فئتين ضالتين وهما: الجبرية أو القدرية؛ أما الجبرية فقد سلبوا العبد فعله, وأسندوا فعل العبد لربه، وقالوا: العبد مجبور, فإذا زنا قالوا: مجبور؛ لأن الله كتب عليه فعلها, وإذا سرق قالوا: مجبور؛ لأنه ليس إلا كالسعفة في مهب الريح, فجعلوا العبد آلة ليس لها أي تصرف.
وقابلتهم فرقة أخرى -والمذاهب والنحل كلها ردود فعل؛ لأن الابتعاد عن الكتاب والسنة يفعل ردود فعل للتصرفات المقابلة- وهم القدرية الذين سلبوا الرب فعله وأسندوا الفعل كله للعبد وجعلوا العبد هو الذي يخلق فعله وليس لله أي شأن ولا إرادة ولا مشيئة في فعل العبد, وكلا الأمرين باطل.
وأهل السنة والجماعة هدوا إلى الحق، وهو: أن للعبد مشيئة وللرب مشيئة, ولكن مشيئة العبد داخلة ضمن مشيئة الله, والله تعالى يقول: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان:٣٠] وأن العبد مسئول عن تصرفاته, إذ لا يمكن أن يحاسبه الله عن غيره وهو غير مسئول عنه, فأنت نفسك لو جئت على ولدك وقد كسر جهازاً فإنك تعاقبه, ولكن لو أن الجهاز وقع من نفسه والولد واقف عنده ولم يلمسه, أتعاقب الولد؛ لأنه كان واقفاً عند الجهاز؟ ولو عاقبته فسوف يقول: لماذا تضربني؟ أنا لم ألمسه، فهو الذي سقط فجأة, وحينئذٍ لا تستطيع أن تعاقبه؛ لأنك تعرف أنه لم يذنب, وكذلك الله , أيريد الناس أن يكون الله ظالماً؟! ينزهون أنفسهم عن الظلم ويسندونه إلى الله! ويقولون: إن الله يعذب بغير اختيار من الإنسان! واعتقادهم هذا خطأ.
لأن الله إذا سلب القدرة أسقط التكليف, فإذا احتلم الإنسان في رمضان وهو يقظان، أي: مارس عملية إخراج المني بنفسه، ما حكم صيامه؟ إذا أخرج المني عامداً فسد صومه, لكن لو نام واحتلم وخرج المني في حال نومه لا يفسد لأن الأول بتعمده فسد صيامه وأثم, وذاك تم بغير اختياره فصيامه صحيح وعليه أن يغتسل ويصلي ولا شيء عليه.
والصلاة فرضها الله، ومن أركانها القيام ولكن عندما تكون مريضاً، من الذي أمرضك؟ حينها يقول الله تعالى: صل قاعداً, وكذلك في كل التكاليف.
فالإيمان بالقضاء والقدر عند أهل السنة والجماعة أن تؤمن بأن الله قد كتب المقادير، وقدر الأمور في اللوح المحفوظ قبل أن يخلق الخلق، هذا هو التقدير, والقضاء هو الذي يتم الآن في عالم الواقع.
ونضرب مثلاً ولله المثل الأعلى: إذا أراد مهندس أن يبني عمارة فإنه لا يبنيها عشوائياً بل لا بد أن يصمم لها مخططاً -ولله المثل الأعلى- وهذا من باب تقريب المعنى, وكذلك لما أراد الله خلق الكون والحياة وضع له تقديراً -أي: مخططاً- ثم بعد ذلك يتم التنفيذ, ولكن هذا العلم الإلهي كما يسمونه العلماء: سابق لا سائق, أي: أن الله علم أن (زيداً) من الناس وأنه سوف يخلق وأن هذا المخلوق اسمه زيد، وسوف يبلغ سن التكليف وتصله أوامر الشرع فيستجيب لها باختياره، ويهتدي ويلتزم ويتمسك فتكون نهايته الجنة، فيكتب أنه سعيد ومن أهل الجنة.
فهذا سبق علم لا سوق, أي: ما ساقه الله سوقاً بحيث نقول: ليس له اختيار, بل كان عنده اختيار ويقدر أن يكون فاسداً، وكذلك يقدر أن يكون مجرماً، لكنه اختار طريق الهداية.
وكذلك علم الله أن (عمراً) من الناس، وأنه سيخلق ويبلغ سن التكليف، ويسير في طريق الانحراف والجريمة والكفر والفساد، ثم يموت على هذا، فعلم الله أن هذا سيكون فكتب عليه الشقاء بحسب سابق علمه.
هل يوجد أحد من البشرية الآن في الدنيا يعلم ماذا سيحدث غداً؟ لا.
لكن الله يعلم ما سيحدث غداً؛ لأن الله إذا كان لا يعلم ما يكون غداً فكيف يكون رباً وهو لا يعلم؟ ﷻ وحاشاه! ولذلك من صفاته تعالى أنه عليم وأنه علام الغيوب, وأنه يعلم ما سيكون إلى يوم القيامة, وأنه يعلم ما في السماوات وما في الأرض وما تحت الثرى, وأنه أيضاً يعلم السر وأخفى, السر: الذي في قلبك يعلمه الله, أخفى: الذي سوف تسره وأنت لا تعلمه فإن الله يعلمه الآن, إذ لا يغيب عن علمه شيء: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام:٥٩] فالله يعلم أن فلاناً سيكون فاسداً وكتب عليه أنه سيكون شقياً لا سوقاً وإنما سبق علم وصفة كمال في الرب .
فالإيمان بالقضاء والقدر يشعرك بالأمن والراحة، لماذا؟ لأنك وأنت تعيش في هذه الحياة تكون عرضة للإصابة بأشياء لا ترضيك؛ إما بموت حبيب، أو بمرض قريب، أو بمصيبة، أو بكارثة، أو بحادث، فإذا عرفت أن هذا الشيء مكتوب, وأن الله قدره, وأن الله سيثيبك عليه إن صبرت وتلقيت هذه المصيبة والكارثة بصدر رحب، وقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون, اللهم اجبرني في مصيبتي واخلفني خيراً منها, فسينزل الله على قلبك طمأنينة ويمنحك السكينة، وتتحول هذه المحنة في حقك إلى منحة, لماذا؟ لأنك استعضت الله فيها, وجعلت عوضك عند الله منها, وفي نفس الوقت ادخرت ثوابها؛ لأن الله لا يظلم مثقال ذرة, فإذا أصابك بمصيبة فإنما ليرفع درجتك أو ليكفر خطيئتك, أو ليخفي لك من الثواب ما لا يعلمه إلا هو.
ولهذا ورد في الحديث أن أصحاب المصائب والبلايا في الدنيا يأتون يوم القيامة فيجدون حسنات كأمثال الجبال، فيقولون: يا ربنا! بم هذه الحسنات التي ما عملناها؟ فيقال: بالبلاء الذي تعرضتم به في الدنيا, فيتمنى أصحاب العافية أنهم عاشوا في غير عافية, فالعافية ذهبت، وبقي أجر أصحاب البلاء, وهذا يأتي -أيها الإخوة- عن طريق الإيمان بالقضاء والقدر, فإنك تجد الذي عنده إيمان بالقضاء والقدر لا يتحرك ولا يضجر ولا يجزع مهما جاءه من خبر: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد:٢٢] * ﴿لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [الحديد:٢٣].
стр. 2071
ذكر الله
ومن الأسباب التي تجلب السعادة للإنسان: ذكر الله .
فإن ذكر الله شرح للصدر وإزالة للهم؛ لأن القلوب بيد الله، فإذا ذكرت الله ذكرك الله وشرح صدرك وذكرك فيمن عنده, ولهذا أمر الله بذكره في كل الحالات, وبين أن أهل العقول السليمة يذكرونه في كل المناسبات: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران:١٩١].
إن ذكر الله من أعظم الأدوية لأمراض القلوب, ولذلك إذا رأيت إنساناً ذاكراً فإنك تحكم عليه بمحبة الله وسلامة قلبه, (مثل الذي يذكر الله والذي لا يذكر الله كمثل الحي والميت) وكان النبي ﷺ أعظم الناس ذكراً لله, تقول عائشة ﵂ كما في صحيح البخاري: [كان ﷺ يذكر الله في سائر أحواله] , فما كان يفتر لسانه عن ذكر الله ولما جاء عبد الله بن بسر في حديث في سنن الترمذي، قال: (يا رسول الله! دلني على عمل يدخلني الجنة وينجيني من النار وأوجز -يقول: قلل فأنا لا أريد كثيراً, أريد شيئاً بسيطاً- فقال له النبي ﷺ : لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله) يقول العلماء: إن هذه الإجابة دليل من دلائل نبوة النبي ﷺ , فإنه دله بحديث بسيط على عمل عظيم, فإن الذي لا يزال لسانه رطباً من ذكر الله هو الذي جمع الدين كله, فهل هناك شخص يزني أو يسكر أو يتناول المخدرات أو يروجها أو يسعى إليها ولسانه رطب من ذكر الله؟ من ذا الذي يعمل هذه الجرائم إلا من لسانه قاسٍ عن ذكر الله, أما الذي لسانه رطب من ذكر الله تجده مع الله في كل حين وفي كل وقت.
فذكر الله من أعظم أسباب السعادة.
ومن أعظم أنواع الذكر: قراءة القرآن, فإن القرآن -كما ذكرنا- يقول الله تعالى فيه: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمىً﴾ [فصلت:٤٤] ويقول سبحانه: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء:٨٢] فأنزله الله شفاء لما في الصدور وهي القلوب, فالقلب لا يطمئن إلا إلى ذكر الله, وإذا جعلت لك موعداً مع الله في تلاوة كتابه ومناجاته، يقول أحد السلف: "من أراد أن يناجي ربه فليقرأ القرآن أو ليقم إلى الصلاة", كأنك تناجي الله ، وأنت بهذه المناجاة والتلاوة والقرب من الله تعرض نفسك لأعظم سبب من أسباب السعادة.
стр. 2072
قضاء الفراغ في عمل مباح أو طاعة ما
من أسباب السعادة: أن يكون لك عمل تقضي فيه وقتك وتجمع منه مالاً تقضي به حاجاتك هذا من السعادة؛ لأن البطالة وعدم وجود العمل يولد للإنسان حاجة وفقراً, (كاد الفقر أن يكون كفراً، فإنه بئس الضجيع) كما قال النبي ﷺ , إذ لابد أن يكون هذا العمل مباحاً أو طاعة، أما أن يكون حراماً فلا.
لا تبحث عن عمل حرام يسبب لك دخلاً حراماً, وإنما يجب أن يكون العمل شرعياً ومباحاً في الشريعة, ومن أفضل الأعمال التي تزاول على الحياة وظيفتكم أنتم في هذا المعقل العلمي؛ وظيفة التربية والتعليم, فالمعلم هذا ليس صاحب وظيفة وإنما صاحب رسالة, ولهذا إذا دخل في هذا المجال فعليه أن يستشعر الرسالة, وأن يعلم أنه ليس مرتزقاً ولا طالب عيش, بل صاحب رسالة وطالب علم يحمل أمانة ومسئولية, وسوف يتخرج بعد أيام ليسلم أمانة -وهم فلذات أكبادنا- فحينما تستلم التعليم وتدخل الفصل وأمامك ثلاثون طالباً، هؤلاء أمانة الله في عنقك يوم القيامة, فقد جاء بهم آباؤهم وسلمتهم الدولة لك من أجل أن تشكل منهم لبنات صالحة في المجتمع, ولن يكونوا صالحين إلا بصلاحك أنت؛ لأنك القدوة والمثل لهم, ولأن المدرس هو الموجه والمربي وليس الأب, ولذلك الأب إذا سأل الولد فقد يقوم أو قد لا يقوم, لكن المدرس إذا أراد أن يسأل الطلاب، هل يقوم واحد أم الكل؟ أي: إذا قال المدرس: من يجيب على كذا وكذا؟ كل يتشرف أن يلبي غرض الأستاذ وأن يخدمه, لماذا؟ لأنهم يحترمونه ويقدرونه, وإذا قال الأستاذ كلاماً وقال الأب كلاماً، من يصدق؟ يصدق الأستاذ.
قبل فترة كان عندي طفل في السنة الثالثة الابتدائي ويثق في ويعرف أن عندي قدرة علمية وأقدر أن أقنعه، ولذا فبيني وبينه علاقة على الرغم أنه في الثالثة الابتدائي, ومرة قال الأستاذ كلمة -وجهة نظر في قضية من القضايا- وجاء الطفل وقال لي: قال الأستاذ: كذا قلت: لا.
هذه وجهة نظره، لكن الصحيح: كذا وكذا قال: لا، أبداً.
الأستاذ أحسن.
فالأستاذ في نظره أكثر علماً وفهماً، لماذا؟ إنه يقول لي: لو أنك تربيني لكنت درستني في البيت، ولكنك تذهب بي إلى الأستاذ لأنه هو المربي, أي: أنت -مغذي فقط- تعطيني الأكل والشرب والكسوة والتربية اتركها له, ولهذا كان دورك أيها المعلم دور عظيم في بناء الأجيال والأمة, وإذا استلمت على هذا أجراً كان هذا أفضل أجر وعمل, ولهذا يقول الشاعر:
قم للمعلم ووفه التبجيلا كاد المعلم أن يكون رسولا
أرأيت أفضل أو أجل من الذي يبني وينشئ أنفساً وعقولاً؟ المهندس يبني العمارات, والطبيب يبني الأجسام, والمهندس الزراعي يعمل في الأرض, لكن أنت المدرس، ماذا تبني؟ تبني العقول والأجسام والأرواح والقلوب, فمهمتك عظيمة ودورك عظيم, ومهنتك أحسن الوظائف, هذه نعمة من نعم الله .
فيجب عليك حتى تكون سعيداً أن يكون لك دخل وعمل مباح، ومثل عملكم ليس مباحاً فقط، بل مشروع ومطلوب وهذا جزء من السعادة, وإلى جانب ذلك ما تتميزون به من مميزات: فوقت العطلات كبير, والدوام قليل, فأنتم تذهبون الساعة السادسة والنصف وترجعون الساعة ١٢ وكل واحد في بيته, وعطلة رمضان كاملة, والحج تأخذون إجازة قبله, والصيف كله إجازة, وهكذا كل العام أكثره إجازات وهذه من نعم الله عليكم, فهذه نعمة ستشعروها أنتم ولا تغبطون غيركم.
وبعض الشباب يغبط طالباً -مثلاً- في كلية الأمن, يقول: ذهب كلية الأمن ليتخرج ضابطاً, والطبيب كذلك ويقولون: طبيب وعليه الزي الأبيض، والسماعة حول عنقه، ويدخل والناس طوابير على بابه ويكشف لكن اسمعوا ماذا تقول الطبيبة في مجلة اليمامة قبل سنوات، تقول: الساعة السابعة تدق وتدق معها أعصابي وقلبي وراحتي, ثم أخرج وألبس معطفي الأبيض وأركب خلف السائق وأذهب وكأني أذهب إلى قبري أو زنزانتي -أي: غرفتي- وعندما أدخل وأجد الناس ينتظرونني أشعر أنهم يغبطونني وأنا أغبطهم على أنهم ليسوا في مكاني, وتقول: وأجلس على الماسة وأضع السماعة في رقبتي وكأنها حبل مشنقة يلتقط روحي, تقول: وهكذا أجلس طوال حياتي! خذوا شهاداتي! وأوراقي! وأرصدتي! أعطوني جزءاً من السعادة، أريد أن أسمع كلمة ماما! تريد أن تتزوج ويأتي لها طفل صغير يقول: ماما! هذه هي السعادة.
أجل أنت في سعادة في هذا العمل إن شاء الله, وكل إنسان في موقعه الآخر في أي جانب من الحياة سيكون سعيداً إن شاء الله بعمله إذا أداه على الوجه الشرعي، وخدم فيه الأمة على الوجه الصحيح، وأخذ هذا الراتب واستعان به على طاعة الله، فهذا أيضاً يحقق له جزء من السعادة؛ لأننا نتكلم عن السعادة بجميع صورها, إذ لا نريد السعادة في جانب دون الآخر.
стр. 2073
الإحسان إلى الناس
ومما يجلب السعادة للإنسان: الإحسان للناس.
بقدر ما تحسن ويكون مردود السعادة في قلبك, وكذلك الإساءة؛ بقدر ما تسيء يكون الشقاء في قلبك, فتعود على الإحسان بالكلمة الطيبة, فالكلمة الطيبة صدقة, وبإمكانك أن تدخل الفصل من دون أن تسلم لتبني شخصية! وبإمكانك أن تدخل وأنت مبتسم وتقول: السلام عليكم صباح الخير يا أولاد كيف حالكم، طيبون؟ وحينها كل الطلاب تنشرح صدورهم لك ويحترمونك ويألفونك ويصغون لمادتك, لكن إذا دخلت وتقول: قيام جلوس امسح اللوح اسكت أين الواجبات؟ قال: (الله أكبر على هذا الأستاذ العفريت! من أين جاء لنا؟) لماذا لا تحسن؟ تحسن إلى زوجتك, وأولادك, وجارك, والفقير, والمسكين, وكل أحد, فالإحسان هو مطلب شرعي، والله كتبه في كل شيء حتى في الموت، يقول ﷺ : (إن الله كتب الإحسان في كل شيء؛ فإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة) هو موت لكن لابد من الإحسان فلا تشق على الذبيحة حتى تعذبها، لكن حدّ الشفرة واذبحها بسرعة, حتى في الموت لابد من الإحسان, فكيف في العافية؟! فالإحسان إلى الناس والتفضل عليهم بالخير وبالكلمة الطيبة وبالهدية وبالبسمة قال ﷺ : (إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم ولكن بأخلاقكم، وإن الله قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم) فمن الناس من هو مليونير في الأخلاق يسع الناس كلهم, وكل واحد يحبه, ومن الناس من هو فقير ليس عنده شيء من الأخلاق، وكل واحد يكرهه, لماذا؟ لأنه من اكتسب كراهية الناس بتصرفاته وسلوكه, وبالتالي تجده في نفسيته معقداً، وتجده في شقاء وعذاب، لماذا؟ لأنه أساء إلى الناس! لكن كلما أحسنت إلى الناس كان المردود بالسعادة عليك أنت أولاً، ولهذا يقولون: إن إحسان الخلق بذرة أنت من يأكلها؛ تأكل ثمرتها أنت وليس الناس, صحيح.
إن حسن الخلق ينال الناس لكن أنت الذي تجني الثمرة الكبرى.
стр. 2074
النظر إلى الدون في الدنيا وإلى الأعلى في الدين
ومن أسباب السعادة: أن تنظر إلى من دونك في المستوى المادي وفوقك من المستوى الديني.
فإذا كنت تمشي على قدمين لا تنظر إلى صاحب السيارة وانظر إلى من يمشي وهو معوق ليس عنده أرجل -يمشي في عربية- وقل: الحمد لله! عندي أرجل أمشي عليها, وإذا كانت عندك سيارة موديلها (٨٥ أو ٨٦) فانظر إلى الذي يمشي برجليه ولا تنظر إلى الذي عنده سيارة موديلها (٩٦ أو ٩٧).
ودائماً انظر إلى من هو دونك في المستوى, فإذا كنت تعيش في بيت إيجار فانظر إلى من يعيش في الكوخ أو العراء ولا تنظر إلى صاحب الفلة والقصر؛ لأنك كلما نظرت إلى من هو دونك كلما عظَّمت نعمة الله, أما إذا نظرت إلى من هو فوقك فستجد فوقك كثير؛ لأن الله قَسَّم الأرزاق بين الناس، ورفع بعضهم فوق بعض درجات, لماذا؟ لكي يتخذ بعضهم بعضاً سخرياً؛ لأن الناس لو كانوا كلهم في درجة واحدة لتعطلت الحياة, وحينها من يكنس الشوارع؟ ومن الذي يقوم بالواجبات الأخرى؟ ويؤدي الخدمات؟ فلو كان الناس كلهم أغنياء كما يقال: إذا كنت أميراً وأنا أمير من يسوق الحمير! فتنعدم الحياة, فيتبين لنا أن الله رفع هذا ووضع هذا من أجل أن تمضي الحياة, فأنتم تجدون صاحب العمارة الذي يبنيها -مثلاً- عشرة أدوار وهو واقف تحت, وهناك مليس يليس في الدور العاشر على خشبة صغيرة؛ يد فيها الخلطة ويد فيها الملعقة وتراه يعمل كأنه جالس, ولو أتينا بصاحب العمارة ورفعناه بالونش إلى مكان هذا المليس وقلنا له: ليس هذا الجدار, ماذا يفعل؟ بلا شك أنه سيقع على رأسه, ولا يستطيع أن يمسك نفسه فضلاً من أن يعمل.
فالله جعل هذا من أجل أن تعمر الحياة, فانظر دائماً إلى من هو دونك في المستوى المادي الدنيوي, لكن انظر إلى من هو فوقك في المستوى الديني الشرعي, فإذا رأيت إنساناً عابداً انظر إليه وإلى من يماثله, فالذي يأتي إلى المسجد قبل الأذان سابق مثله, والذي يصوم الإثنين والخميس من كل أسبوع صم مثله, والذي يكثر من قراءة القرآن, ويدعو إلى الله, ويحب الخير ويدعو إليه؛ عليك أن تنافسه فيه, لماذا؟ لأنك تنافس فيما يبقى, وتزداد رفعة ودرجة عند الله .
стр. 2075
حسن اختيار الصحبة
ومن أسباب السعادة: حسن الاختيار للصحبة.
إذا كان صاحبك طيباً فإنه يدخل الراحة والأمن والسعادة عليك؛ لأنه لا يجرك، ولا يدعوك إلا إلى الخير؛ إن غضبت استرضاك, وإن كسلت نشطك, وإن عصيت جعلك تطيع.
المهم أنه طيب معك, لكن إذا كان زميلك سيئ -والعياذ بالله- فإنه يجلب لك السوء من كل جانب، ولهذا يقول:
فلا تصحب أخا الفسق وإياك وإياه
فكم من صاحب أردى مطيعاً حين آخاه
يقاس المرء بالمرء إذا ما المرء ما شاه
وللناس على الناس مقاييس وأشباه
وللقلب على القلب دليل حين يلقاه
والآخر يقول:
إذا ما صحبت القوم فاصحب خيارهم ولا تصحب الأردى فتردى مع الردي
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه وكل قرين بالمقارن يقتدي
وإذا أردت أن تعرف الرجل فاسأل عن أصحابه, فإن كان أصحابه طيبون فهو طيب، وإن كانوا سيئين فهو سيء ولو كان طيباً في نظرك, لماذا؟ لأننا ما رأينا أبداً غراباً يمشي مع الحمام, ولكن رأينا الغراب مع الغربان, ولا رأينا قرداً يمشي مع الغزلان, فكل واحد يمشي مع صنفه, وحتى تكون سعيداً ابحث لك عن رفقة صالحة؛ ولهذا ﵊ في توجيه نبوي كريم في الصحيحين يقول ﷺ : (مثل الجليس الصالح وجليس السوء كمثل حامل المسك ونافخ الكير) حامل المسك لا تجد منه إلا خيراً، إما أن يحذيك -أي: هدية- أو تشتري منه شيئاً، أو تجد ريحاً طيبة, لكن نافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، يضع شرارة على ثوبك، أو أن تخرج وقد وجدت رائحة كريهة من عنده -والعياذ بالله-.
فعليك بحسن الصحبة والاختيار للصاحب, ولكن كيف تختار الصاحب؟ يجب أن تكون هناك مميزات للصاحب الذي تختاره، أولاً: أن يكون صاحب دين وعقيدة والتزام, وخلق كريم, ومبادئ وفضائل, وشهم وشجاع لكن إذا رأيت إنساناً -والعياذ بالله- شهوانياً أو قذراً, أو فاسقاً, أو يحب المعاصي ويكره المساجد, فهذا لا تقربه، لماذا؟ لأنك سوف تردى بردائته -والعياذ بالله- فلو قيل لك: أحد زملائك مصاب بداء الإيدز, هل ستجلس معه؟ لن تجلس معه, ولن تكلمه حتى في التلفون لأنك تخاف أن يأتي الفيروس عبر التلفون! تخاف من الإيدز, لماذا؟ تقول: انتهى أمرك.
أنت مصاب بالإيدز.
وكذلك الذي عنده إيدز في إيمانه, وكوليرا في عقيدته, وسل في أخلاقه, هذا أخطر عليك من ذلك, فابتعد عنه ولا تصحب إلا الرجل الصالح الذي يعينك على طاعة الله حتى تكون سعيداً.
وكم من إخوة وشباب عاشوا على الشقاء بجميع صوره وأشكاله بسبب صحبة السيئين! أذكر فيما أذكر من قصص الحياة, شاب -عندنا في المنطقة الجنوبية - له زميل سيئ والاثنين سيئين, وكان الشاب يستعد لنومه وإذا بزميله السيئ يطرق عليه الباب وتستجيب الأم, فيقول: أريد فلاناً, قالت: نائم, قال: أيقظيه, قالت: يا ولدي الآن نصف الليل فالساعة (١٢) ليلاً، وهو الآن نائم, قال: أيقظيه الأمر هام, فذهبت إلى ولدها وقالت: فلان يريدك في أمر هام, فنزل عليه, قال له: أنا عندي موعد الليلة -يسميها صيدة, يصطاد محارم الله- وأنا عندي صيدة الليلة وأريدك أن تمشي معي من أجل أن تحميني, قال: أبشر, فرجع البيت ولبس ثيابه وأخذ المسدس في جنبه وركب وإياه في السيارة، وذهبوا إلى المكان الذي يصطادون فيه المحرم -الإنسان يصطاد طاعة الله في هذه الحياة وهؤلاء يصطادون محارم الله ومحارم المسلمين- وأمره بالوقوف في مكان معين عند شجرة، وقال: اجلس هنا إلى أن أطلبك وجاء واقتحم جدار البيت وفتح الباب ودخل, فشعر صاحب البيت بأن هناك شخصاً فتح الباب, فقام وأسرج الكهرباء, وخرج وطارده بالحجارة والعصا لكن لم يلحقه فقفز وهرب, ففتح الباب وخرج يبحث عنه وإذا به يفاجأ بالحارس فطارده, فلما أدرك أنه رآه أخذ المسدس وقتل صاحب البيت! اجتمع الناس على إطلاق الرصاص وقبض على الجاني وحقق معه, وذكر الأمر، وقال: أنا كنت نائماً في البيت وجاءني فلان ودعاني وأعطاه نفس الكلام , ثم قبض على زميل السوء فأنكر كل ذلك, قال: أبداً.
لا أعرفه ولا يعرفني، وعندي شهود على أني في تلك الليلة التي يدعي هذا أنني جئت ودخلت عليه أني كنت في القرية الفلانية سامر عندهم من المغرب إلى الفجر, وفعلاً أتى بشهود، قالوا: إنه كان عندنا وأنه ما خرج ولم يثبت عليه شيء, وهذا الرجل -طبعاً- حكم عليه بالإعدام وانتظر في السجن فترة طويلة ثم اقتيد إلى ساحة القصاص وقتل! انظروا كيف الشقاء -أيها الإخوة! - من جرّه إليه؟! الزميل السيئ وقس على هذا.
فاحذر يا أخي من صديق السوء.
стр. 2076
الزوجة الصالحة
ومن العوامل التي تدعو إلى السعادة: الزوجة الصالحة.
طبعاً كل واحد يقول: يا الله: ارزقنا من فضلك يا رب! طبعاً نحن نقول هذا الكلام -أي: عن الزوجة الصالحة- ونعني به الشباب الذين سوف يتزوجون إن شاء الله، حتى يضعوا مقاييس وضوابط الاختيار؛ لأن الزوجة ليست بيعة ليل ولا صفقة سيارة، لا.
الزوجة مصير، ولهذا ينبغي أن يكون اختيارك مبني على أسس قويمة لا على مجرد نظرات عاطفية، أو نزوات نفسية وجنسية، لا.
ولهذا حدد النبي ﷺ الضوابط التي يضعها الرجل في نظره وهو يختار، قال ﷺ : (تنكح المرأة لأربع: لمالها ولجمالها ولحسبها ولدينها, فاظفر بذات الدين تربت يداك) تربت يداك، أي: تلطخت يداك بالتراب, كناية عن الخسارة, فالذي عنده زوجة ليس عندها دين خاسر, فاجعل همك الأول هو الدين، ثم لا مانع أن تبحث عن بقية المقومات كالجمال وغيره, ولهذا قال ﵊ في السنن: (الدنيا متاع -أي: لذة ومتعة- وخير متاعها المرأة الصالحة) ثم ذكر مقوماتها الثلاث: (إن نظرت إليها سرتك) وهذه تعني الجمال، والجمال نسبي, فبعض الناس يريد ملكة جمال وهو نفسه ليس ملك جمال إذا أردت واحدة جميلة أولاً انظر إلى نفسك: هل أنت جميل أو نصف بنصف؟ ثم خذ واحدة على مستواك؛ لأنك لو مكثت تبحث عن أجمل واحدة فلن تجدها, وإذا وجدتها فسوف تعيش معها في عذاب؛ لأنها كلما نظرت إليك زفرت، تقول: ابتلاني ربي بهذا الجني! لكن اختر واحدة مثلك في الجمال حتى لا يرفع أحد نفسه عن الثاني؛ ولأن البحث عن المثاليات في الزوجة الجميلة قد لا تبلغها, والجمال أحياناً يكون مكتسباً ليس خلقياً -فقط يكون وهمياً- وجمال الخلق يغطي كل عيب, وجمال الدين يغطي كل العيوب.
ولعلك ترى بعض العمارات الضخمة والطويلة والعريضة, ولها بروزات ولها انحناءات لكنها ليست جميلة وليس لها قبول, بينما تجد عمارة بسيطة لكنها جميلة ومقبولة.
فالقضية قضية قابلية، فأنت ابحث عن الجمال لكن النسبي, ولا تضع شروطاً خيالية مفصلة كأنك في مصنع؛ طول في عرض, بل البعض الآن يشترط فحصاً طبياً؛ لا سكر ولا ربو يريد واحدة جاهزة, لا.
تزوج على بركة الله ولكن اجعل همك الأول هو الدين والخلق، فإذا توفر هذا فهو المهم.
قال ﵊: (الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة، إن نظرت إليها سرتك -وهذه تمثل الجمال- وإن أمرتها أطاعتك -وهذه تمثل الخلق- وإن غبت عنها حفظتك في نفسها ومالك -وهذه تمثل الدين-) فإذا وفر الله لك هذه الزوجة فاحمد الله عليها, أو تزوجت ولم تجد؛ لأن بعض الناس يغلط أو يقدر له أن يغلط في أول حياته ويتزوج بواحدة ثم يستمر في الغلط حتى يموت, لا -يا أخي- فقد جعل الله تعالى لك مجالاً آخر أي: إذا ما نجحت في الأولى تنجح في الثانية, ولهذا يقول الله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء:٣] وما جعل الله في التعدد فرصة إلا لمثل هذه الأشياء؛ لأنه من الصعب أن تجري اختيارات واختبارات دقيقة للزوجة التي ستأخذها، إنما هي بالتوفيق والحظ وهي قسمة ونصيب, مثل ما كانوا يقسمون اللحم قبل العزائم على الضيوف فواحد يكون حظه (كرشه) وآخر لحمة, وكل واحد ونصيبه, فالجميلة مشكلة والقبيحة مشكلة؛ لأن بعض الناس لو عنده زوجة جميلة يبلغ الناس, فتطول أعينهم إلى زوجته, وبعضهم عنده زوجة قبيحة فيظهرها للناس فيرحمونه، وكلما رأوه قالوا: مسكين! ولهذا هي امرأتك فاسترها.
فإن كانت جميلة فهي لك وإن كانت قبيحة فهي عليك.
стр. 2077
مقابلة السيئة بالحسنة
ومن أسباب السعادة: مقابلة السيئة من الناس بالحسنى.
وهذه من أعظم أسباب السعادة وهو: معالجة الأمور بالهدوء, وعدم الاندفاع، يقول ﷺ : (ليس الشديد بالصرعة) أي: ليس الشجاع الذي ينفعل ويندفع ويتصرف تصرفات سريعة بدون نظر، وإنما هذا أجبن الناس (إنما الشديد من يملك نفسه عند الغضب) لأنك حينما تغضب ستكون تصرفاتك دائماً غير مسئولة وغير معقولة ويترتب عليها مشاكل, فإذا مسكتها سلمت, لكن إذا اندفعت وراءها ندمت, وقد علمنا ﷺ في سنته أشياء كثيرة، منها: ١/ جاءه الأعرابي وبال في المسجد وهذا عمل ليس بهين, ولو رأيناه الآن لقطعناه قطعة قطعة والصحابة كذلك، قالوا: لماذا تأتي لتنجس المسجد؟ فالرسول ﷺ لما سمعهم ينتهرونه أسكتهم، وترك الرجل حتى انتهى, ولما انتهى دعاه والصحابة قد أرادوا الفتك به وضربه بالسيوف, قال: (يا أخا العرب! إن المساجد لم تبن لهذا) يقول: هذه ليست أماكن الوساخة والنجاسة، وإنما بنيت لذكر الله وعبادته، فإذا أردت أن تصنع شيئاً فاذهب إلى مكان آخر, ثم دعا بذنوب من ماء وصبه على بول الأعرابي وانتهت المسألة, والأعرابي هذا المسكين، قال: (اللهم اغفر لي ولمحمد ولا تغفر لأحد معنا)، يقول: هؤلاء لا تغفر لهم؛ لأنهم أرادوا قتلي! انظر! كيف حوله ﷺ من إنسان جاهل إلى إنسان يحبه ويدعو له, ويخصه بالدعاء من بين الناس, ولو أن الرسول ﷺ تركهم في نهره وضربه، ما الذي سيحصل؟ أولاً: فبدلاً من أن يكون البول في نقطة فسيجعله في المسجد كله؛ لأنهم سيطاردونه والأعرابي لن يتوقف عن البول.
ثانياً: سيسببون له مرضاً؛ لأن الإنسان إذا أخرج البول ثم حبسه يحصل عنده اختلال في المثانة, وبعد ذلك يسبب كراهية له وللصحابة؛ لأن الرجل سيقول: أهذا دين؟ يضربونني من أول ما أتيت؟! وربما ارتد إلى دينه ولا يسلم, فالهدوء في علاج القضايا هو أسلم طريقة.
٢/ جاء يهودي إلى النبي ﷺ يسترد ديناً عنده، وقال: إنكم يا بني عبد مناف قوم مطل -أي: تماطلون في القضاء- فقام عمر فأراد أن يقطع رقبته؛ لأنه ما سب الرسول، بل سب نسب الرسول كله, قال: (لا يا عمر! كان الأولى بك أن تأمرني بحسن الأداء وتأمره بحسن الطلب) ثم أعطاه وتركه يمشي.
٣/ كان الخليفة عمر بن عبد العزيز يمشي في الطريق، ومن غير قصد دق أحد المارة وهو يمشي, ولم يعلم الرجل أنه أمير المؤمنين، قال: أأنت أعمى؟ قال: لا.
فأخذ العسكري الذي معه وسل السيف يريد قطع رأسه, قال: لماذا؟ قال: تكلم عليك, قال: لا.
وإنما سألني: أنت أعمى؟ فقلت له: لا.
لست بأعمى, وانتهت المسألة, والله تعالى يقول: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت:٣٤] * ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت:٣٥].
وأذكر قصة وقد ذكرتها في مناسبة ولكن نعيدها اليوم؛ لأنها حصلت في جدة: كنت في مراجعة إحدى السفارات فدخلت في شارع، وهذا الشارع ليس له منفذ -يعني مقفول- فمشيت بالسيارة حتى وصلت إلى النهاية، ولا أستطيع أن أدور بالسيارة لضيق الطريق فرجعت على الوراء من أجل أن أخلص من هذه المشكلة, ثم جاء شخص صاحب سيارة ورآني وأنا أرجع على الوراء والإضاءة مسرجة، وكان من المفروض أن ينتظرني حتى أرجع, لكن أنا أرجع وهو جاء من خلفي, فأخذ يؤشر لي أن أمشي للأمام -كأن بيته في الأمام- وكان غاضباً فالساعة (٢ ونصف) نهاية الدوام، وهو جائع أيضاً, فأنا نظرت وقد أخطأ علي ولا شك؛ لأنه لما رآني أرجع على الخلف كان من المفروض أن ينتظرني حتى أخرج, حينها لم أجد خياراً إلا أن أجنب له حتى يمشي, وكنت أتوقع أن يقابل هذا التصرف مني بقوله: شكراً؛ لأني عملت معه تصرفاً لائقاً, لكن ماذا حصل؟ جاء الرجل حتى حاذاني وأرخى الزجاج ونظر إليّ وقال: أنت لا تفهم يا قليل الحياء وسبني وسب الأب والجد -يعني (كلام أقذع من كل قذيعة) - حقيقة اشتعلت من الغضب! ولكن رفعت نفسي قليلاً وقلت: لا.
أدفع بالتي هي أحسن, فلما انتهى قلت له: أقول لك, قال: نعم.
قلت: أسأل الله أن يدخلك الجنة وينجيك من النار! يعلم الله -أيها الإخوة- أن هذه الكلمة أحدثت فيه هزة لكأني صببت عليه ماء, فلقد كان يتكلم وعيونه بارزة، ووجهه محمر، وعروقه منتفخة من الغضب, ولكن عندما قلت له الكلمة هذه برد, وأطفأ السيارة ونزل إليَّ وسلم علي يدي ورأسي وهو يقول: من أين أتيت؟ قلت: جئت من مكة ولي معاملة هنا وأرجع إلى مكة , قال: جزاك الله خيراً, يا أخي! أنا أسبك وأشتمك وأنت ترد علي بهذا الرد؟ قلت: ماذا أفعل؟ كان من المفروض أن أجنب لك من أجل أن تمشي، ولكن أخطأت في الرجوع! فأنا آسف لأني أخطأت! قال: لا والله ما أخطأت, بل أنا المخطئ، فقد كنت مهموماً وعندي مشكلة في العمل, ثم جئت ووجدتك أمامي، أنا آسف يا شيخ! ويقول: الاسم الكريم؟ قلت: فلان, قال: هل من الممكن أن تعطيني العنوان؟ قلت: تفضل, قال: تتغدى معي اليوم؟! فبدلاً من أن يضاربني يدعوني! فذكرت قول الله : ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت:٣٤] فسلمت من شره, لكن ما رأيكم لو نزلت عليه وضاربته, طبعاً هو رجل مثلي ربما يضربني أو أضربه, وربما يقتلني أو أقتله, حينها قد يبيت أحدنا في السجن والآخر في القبر, أو يكون كلانا في القبور من أجل ماذا؟! لكن بكلمة واحدة هدأت المشكلة, ولهذا يقول الشافعي ﵀ في بعض أبياته:
لما عفوت ولم أحقد على أحد أرحت نفسي من هم العداوات
إني أحيي عدوي عند رؤيته لأدفع الشر عني بالتحيات
وأملأ الوجه بشراً حين مقدمه كأنما قد حشا قلبي موداتي
والإمام الشافعي كان جالساً في يوم من الأيام في حلقة من حلقات العلم فدخل عليه رجل أحمق يسبه ويشتمه، فما رد عليه بكلمة واحدة, فلما انتهى، قالوا له: يرحمك الله يا إمام! ألا دافعت عن نفسك؟ قال لهم ثلاثة أبيات:
قالوا سكت وقد خوصمت قلت لهم إن الجواب لباب الشر مفتاح
والصمت عن جاهل أو أحمق شرف وفيه أيضاً لصون العرض إصلاح
أما ترى الأسد تخشى وهي صامتة والكلب يخسى لعمري وهو نباح
الكل يخاف من الأسد وهو صامت, والكلب يرجم وهو ينبح, فهل الكلام والنباح دليل على أفضلية صاحبه؟ لا.
الأفضلية في الدفع بالتي هي أحسن، هكذا علمنا الإسلام وعلمنا رسول الله ﷺ الذي أوتي من الحلم والأخلاق بأعلى قدر, حتى قال لـ ابن عبد قيس: (إن فيك خصلتان يحبهما الله ورسوله: الحلم والأناة) الحلم: الصبر على الناس, والأناة: عدم الاستعجال في اتخاذ القرار.
стр. 2078
كثرة الدعاء واللجوء إلى الله
ومن الأسباب التي تجلب السعادة للإنسان: كثرة الدعاء واللجوء إلى الله لشعورك بالافتقار خصوصاً عند الحاجة.
فأكثر صلتك بالله تعالى؛ لأنك إذا شعرت بأنك تدعو الله، وأنك تلح عليه؛ أكسبك هذا الشعور فرجاً ونصراً يبعث في قلبك الأمل والطمأنينة.
стр. 2079
عدم التفكير في مشاكل المستقبل
ومن أسباب السعادة: عدم التفكير في مشاكل المستقبل.
من الناس من يعيش مشكلة ليس لها وجود أصلاً -مثلاً- عنده ولد يحبه، ويقول: ولدي هذا لو يخرج من البيت فتصدمه سيارة طيب الحمد لله! الولد سالم ولم تصدمه سيارة، فلماذا تعيش في مشكلة غير موجودة؟ أو في هم غير موجود؟ اجعل لكل حادثة حديثاً, وعندنا مثل عامي يقول: "خلي الدموع لحزة البكاء" إذا جاء البكاء فاسكب الدموع في ذلك اليوم، لكن تدمع ولا يوجد بكاء غلط, وكذلك بعض الناس تجده في قلق وعذاب ومشاكل لماذا؟ يخاف أن يمرض وأن يأتيه السرطان، أو أن يفصل من الوظيفة, أو أن ينقل في قرية, لا تخف على شيء في المستقبل, دع المستقبل لله, وفوض أمرك إلى الله ! وإذا حدثت المشكلة فاصبر لها، واطلب من الله العوض عنها.
стр. 2080
إنجاز العمل أولاً بأول
العمل الذي يطلب منك اليوم أنجزه ولا تؤخره لغد؛ لأن غداً فيه عمل جديد, فكل يوم له عمله، فإذا أخرت عمل اليوم إلى الغد جئت في اليوم الثاني وقد تراكمت عليك الأعمال, وإذا أخرته لليوم الثالث صار عمل ثلاثة أيام وإذا تراكمت الأعمال على الإنسان وجاء في لحظة من اللحظات وأراد أن ينجزها وجدها كثيرة، وحينها يشعر بالقلق والاضطراب والحزن, لكن عندما ينجز عمله أولاً بأول بحيث يخرج من مكتبه وليس على مكتبه أي معاملة إلا واحدة تحت الإجراء, لكن هذا عندما يكون كل شيء أولاً بأول, بحيث يأتي في اليوم الثاني وهو نشيط للوظيفة, ولكن عندما يأتي والأعمال متراكمة، يقول: (الله أكبر على هذه المعاملات)، هات الجريدة لنعرف أخبار الكرة أمس، ويضيع الوقت مع صديقه: أين ذهبت أمس وكوم فوق كوم حتى يأتي يوم من الأيام فيه يَفْصِل أو يُفصَل.
وكذلك الطالب الذي يذاكر أولاً بأول: اليوم درست مادة وذهبت الليلة للمذاكرة.
وبعض الناس يتصور المذاكرة أنها حل الواجبات فقط، لا.
هذه اسمها حل الواجبات، وأما المذاكرة فهي ثلاثة أقسام: أولاً: مراجعة الماضي, ثانياً: حل الواجب, ثالثاً: تحضير المادة للغد, -مثلاً- عندي غداً مادة الفقه في باب القرض والأستاذ سيدرسنا غداً، إذاً أقرؤه الليلة وأراجع شرحه، بحيث يأتي الأستاذ وأنا جاهز حتى يضع الأستاذ بذر العلم والأرض عندي محروثة, ولكن عندما أترك التحضير إلى أن يأتي الأستاذ ويكون شرحه للدرس مثل الألغاز لا أفهمه؛ لأني لم أحضر المادة, فأنجز عملك وواجباتك أولاً بأول حتى تشعر بالسعادة.
стр. 2081
تنظيم الأوقات وترتيب الأمور
وأخيراً وليس بأخير: من أعظم أنواع السعادة: تنظيم الأوقات وترتيب الأمور، وجعل حياتك كلها منظمة, بحيث لا يكون هناك فوضوية في حياتك, فبعض الشباب تجده في غرفته عندما تدخلها تقول: هذه الغرفة نام فيها عفريت: مخدته في زاوية وسرواله في زاوية وكتاب هناك ودفتر هنا وإبريق الشاي هنا له ثلاثة أيام لم يغسله وفنجان مرمي هنا بينما تجد طالباً آخر عندما تدخل غرفته: السرير منظم، والدفاتر وحدها والكتب وحدها, وكل شيء منظم، هذا نوع من السعادة, وعندما تدخل غرفتك وهي بهذا الشكل تعيش سعيداً, لكن عندما تدخل غرفتك وهي بذلك الشكل الغير المنظم تشعر بالشقاء, لكنك عندما تريد كتاباً من عند شخص منظم سرعان ما يجده, وعندما تريد كتاباً من عند شخص غير منظم تجده يستعرض المكتبة من أولها لآخرها، وبعد ست ساعات يأتي بالكتاب، ولكن لو نظم الكتب: كتب العقيدة وحدها, والفقه وحدها, والسيرة وحدها, والأدب وحدها, والثقافة الإسلامية وحدها, فيصنفها حسب التصنيف المعروف أو التصنيف الجديد فستجده سعيداً, ولو أردت أي كتاب سرعان ما يأتي به هذا نوع من السعادة.
هذه -أيها الإخوة- بعض المفاهيم في السعادة، أسأل الله أن يرزقنا جميعاً السعادة, وأن يسكب في قلوبنا الإيمان، وأن يدلنا على العمل الصالح حتى نحقق أكبر قدر من السعادة.
وأسأل الله أن يجعل ما أقوله حجة لي وليس عليّ، وأن ينفعكم به وينفعني، إنه ولي ذلك والقادر عليه, والله أعلم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 2082
معوقات على طريق سعادة الأسرة
الأسرة هي الخلية الأولى في البناء الاجتماعي، وهي العش الهادئ الذي ينعم بالعيش فيه جميع أفراد الأسرة؛ لذا فإن صلاح الأسرة صلاح للمجتمع، وذلك يغيض أعداء الله ، مما جعلهم يسعون إلى تفكيك الأسرة وهدم كيانها وذلك بوضع المعوقات في طريق سعادة الأسرة، وهذه المعوقات تتمثل بالمخدرات والأفلام والرفقة السيئة وغيرها، ولكن من تمسك بهدي الله وبسنة رسوله نجا من تلك المعوقات وأسس أسرة صالحة تعين على صلاح المجتمع المسلم.
стр. 2083
الأسرة وأهمية إصلاحها
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته؛؛ الحمد الله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وأسعد الله أوقاتكم في الدنيا والآخرة، وجمعنا الله وإياكم في الدنيا على طاعته، وفي الآخرة في دار كرامته ومستقر رحمته.
في البداية: أشكر مكتب الدعوة والإرشاد بمدينة الرياض على هذا النشاط من الدعوة، وعلى هذا الأسلوب الفريد، والذي يحصل به التجديد، وتحصل به المصلحة والفائدة، حينما يعيش المسلم يوماً إسلامياً متكاملاً يعايش فيه إخوانه، ويتعرف فيه على أحبائه، في أقدس البقاع، وفي أحب الأماكن إلى الله ، وليأخذ أنموذجاً من الحياة الإسلامية المتكاملة من بداية النهار إلى نهايته، لا ليعيش هذا اليوم فقط، ثم يرجع إلى حياته الأولى، حياة اللهو والعبث واللعب، ولكن ليقضي حياته الجديدة بعد ذلك اليوم بمثل ما قضاها في مثل هذا اليوم، طبعاً بإضافة العمل، لا نريد أن يُفهم من هذا أن يجلس الإنسان في المسجد طول حياته؛ لكن نقدم في يوم الإجازة أنموذجاً بكيف يُستغَل الوقت فيما ينفع، وفي أيام العمل نضيف ساعات العمل الرسمي أو ساعات الكسب المعيشي إلى برنامجنا، ونحن بهذا أيضاً نعبد الله .
فأشكرهم، وأسأل الله ﵎ أن يبارك في جهودهم، وأن يجعل ثوابها في موازين حسناتهم.
ولما كان الموضوع متعلقاً بالأسرة، والمعوقات في طريق سعادتها، فإن هذا هو الموضوع المختار للحديث عنه.
فالأسرة هي الخلية الأولى في البناء الاجتماعي، وهي العش الهادئ الذي ينعم بالعيش فيه جميع أفراد الأسرة، والمكونة من الأم، والأب، والأبناء، والبنات، وحينما تظلل تعاليمُ الإسلام هذه الأسرة فإنها تعيش في سعادة ورفاهية، مواجهة مصاعب الحياة ومشاكلها بالطرق الوقائية، وبالأساليب الشرعية، ذات الحلول الإيجابية.
стр. 2084
مسئولية الوالدين عن الأسرة
إن ما نلاحظه في زماننا هذا، وفي كل زمان من التمزق الأُسَري، ومن الفشل العائلي، ومن تشرد الأبناء والبنات، وضياعهم، وإهمالهم، حتى يقضوا حياتهم في غاية البؤس والضياع والفشل والسقوط، وما نشاهده هو نتيجة لجهل الأبوين، وهما قطبا الأسرة، مع نوع من الأفضلية، فالأب: هو المدير العام لشركة الأسرة، والأم: هي نائبة للمدير العام، والأولاد والبنات: هم العاملون في هذه الشركة، والله يقول في مسئولية الأسرة: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء:٣٤] ويقول في قضية الحقوق والواجبات بين الرجل والمرأة: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:٢٢٨] ثم قال: (وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة:٢٢٨].
لا تعني هذه الدرجة بأنها أفضلية، وإنما درجة مسئولية، ولا يعني في أي إدارة أنك إذا وجدتً مديراً ونائبه، أن المدير أفضل من نائبه، فربما النائب في قدراته وإمكانياته ودينه أفضل من مائة مدير؛ لكن شاء الله أن يكون هذا مديراً، وهذا يكون نائباً للمدير، وكذلك شاء الله أن يكون مدير الأسرة هو الزوج، ونائبه هي الزوجة، ولا يمكن أن تتدخل في صلاحياته، هو الذي يضع لها صلاحيات، ويحدد لها واجبات على ضوء التكاليف الشرعية، والأوامر الربانية، فإذا جهل الأب وجهلت الأم بالطرق الشرعية لتربية أبنائهما، وأهملا هذا الأمر العظيم الذي هو من أوجب الواجبات باعتباره مسئولية كبيرة فسيواجهون السؤال عنها يوم الوقوف بين يدي الله؛ فيُسأل الإنسان عن أولاده، عن فلذة كبده، عن أمانته؛ أحفظها أم ضيعها؟ يقول ﵊ في الحديث الصحيح: (كلكم راعٍ، وكل راعٍ مسئول عن رعيته، فالرجل راعٍ في أهل بيته ومسئول عن رعيته) فهذا الحديث إذا مر علينا فإنا نأخذه بمأخذ السطحية، لا نغوص في أعماق النص، ونعرف ما معنى المسئولية؟ المسئولية تعني: أن الإنسان مسئول وموقوف بين يدي الله، فيسألك الله عن ولدك هذا: لماذا لم تعلمه دين الله؟ لماذا لم تربه على منهج الله؟ لماذا لم تكن له قدوة؟ بعض الناس تكون عنده رغبة في أن يكون ولده صالحاً؛ لكن هو نفسه لم يأخذ نفسه بالصلاح، فيعكس عدم صلاحه على ولده، ويأتي ولده فاسداً، وعندما يُسأل يوم القيامة هل يقول: إنه بنفسه؟ لا.
ليس بنفسه، بل أنت الذي أفسدته بسلوكك، وبعدم التزامك فانعكست هذه الأخلاقيات والسلوكيات السلبية على ولدك، ولو كنت صالحاً لأصلح الله ولدك.
ويقول ﵊ في بقية الحديث: (والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها) وهذه الرعاية تقتضي الاهتمام بكل ما من شأنه المساس بمصلحة هذه الأسرة، في الكبير والصغير، والدقيق والجليل، في الدنيا والآخرة في الاجتماع في الاقتصاد في كل شئون الأسرة، مسئولة عنها، ولكنها تعني أول ما تعني: الاهتمام بالجانب المهم في حياة الأسرة، ألا وهو: جانب الإيمان جانب الدين جانب العقيدة والسلوك والأخلاق، ويوم أن يحصر الناس اهتماماتهم في تأمين الطعام والشراب، والكساء والسكن والسيارة، وتُهمل تلك الجوانب المهمة، فإن الأمة تنعكس وتنتكس وتتردى، وتعيش حياة البؤس والشقاء، فكم وجدنا من أسر تعيش في قصور عالية، وتركب سيارات فارهة، وتلبس ملابس عظيمة، وتأكل الأصناف المتعددة؛ لكن الجهل يخيم على هذه الأسرة، والفُسق يسيطر عليها، والشقاق والنفاق -والعياذ بالله- والتمزق العائلي! لماذا؟ لغياب الشريعة، ولغياب دين الله في الهيمنة، وكم رأينا أسراًَ تعيش في أكواخ، وتلبس أسمالاً بالية، وتأكل طعاماً ناشفاً، وتمشي على أقدام حافية، ولكن بالإيمان والدين تكون الرابطة بين الزوجين وبين الأولاد والبنات قوية، وتظللهم السعادة في الدنيا قبل السعادة في الآخرة.
ويوم أن يحصر الناس اهتماماتهم فقط في المأكل والمشرب فإن الأسر تتردى، وتعيش حياة البؤس والشقاء، وتنتشر المشاكل والمآسي، وهو ما نلاحظه اليوم في كثير من المجتمعات في هذا الزمان.
стр. 2085
فضل حِلَق الذكر
حتى تعيش الأسر في سعادة وراحة وأمن واطمئنان، فإن هناك أسباباً، ووسائل، وأيضاً هناك موانع ومعوقات تحول دون تحقيق السعادة لهذه الأسر، وتؤدي إلى تحطيم كيانها، وزعزعة سعادتها، وهي كثيرة جداً، ولكن الإخوة المشرفين على هذه الندوة، وعلى هذا اليوم الإسلامي المبارك، الذي تقطفون فيه من الحسنات منذ أن دخلتم من الساعة السادسة إلى الساعة الثامنة -بإذن الله- ما يُسجَّل على واحد منكم سيئة واحدة في ديوان السيئات -بإذن الله إذْ كيف يُسجل عليك سيئات وأنت جالس مع الله! تذكر الله تأكل باسم الله تقوم إلى الصلاة تسمع العلم يدخل في رأسك كلام الله وكلام النبي ﷺ ؟! ومن أين تأتيك المعاصي؟! ما نظرتَ إلى حرام! وما سمعتَ حراماً! وما تكلمت بحرام! وما آذيتَ مسلماً! فأنت في روضة من رياض الجنة، والملائكة منذ أن دخلتَ وهي تصلي عليك وتقول: اللهم اغفر له اللهم ارحمه، اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، وتخرج وأنت (مليونير) في الحسنات، هذه نعمة أم ليست بنعمة يا إخوان؟! وكثير من الناس يقضي مثل هذا اليوم؛ لكنه يقضيه في معصية، وفي لعنة، وفي غضب -والعياذ بالله- يذهب إلى الوديان، وإلى الجبال، ولا مانع من أن يذهب إذا كان في أمرٍ حلال؛ لكن يذهب ومعه المنكرات والمعاصي، والدخان والشِّيشة، والأفلام والتبرج -والعياذ بالله- وضياع الصلوات، واللعن والسب، والكلام الساقط، ويرجع وهو (مليونير) في السيئات، متوج بغضب الله ولعنته والعياذ بالله.
أنت في يوم وهو في يوم، لكن شتان ما بين اليومين مثل ما بين السماء والأرض، يوم معك فيه الملائكة، يوم يباهي بك الله في الملأ الأعلى؛ لأنك جالس في مجلس ذكر، والحديث في صحيح البخاري: يقول ﵊: (إن لله ملائكة سَوَّاحة -متجولة- تطوف حلق الذكر، فإذا وجدوا قوماً يذكرون الله حفوهم إلى عنان السماء، ثم يصعدون إلى الله ، فيسألهم وهو أعلم: كيف وجدتُم عبادي؟ قالوا: وجدناهم يهللونك ويسبحونك ويقدسونك، فيقول الله: فما وجدتموهم يسألونني؟ فيقولون: وجدناهم يسألونك الجنة؟ فيقول الله: وهل رأوها؟ قالوا: لا، فيقول: فكيف لو رأوها؟ قالوا: لازدادوا لها طلباً وفيها رغبة، فيقول الله : فما وجدتموهم يستعيذون بي؟ -اللهم إنا نستعيذ بك من عذابك ومن النار- فيقولون: وجدناهم يستعيذون بك من النار، فيقول الله: وهل رأوها؟ قالوا: لا، فيقول الله: فكيف لو رأوها؟ قالوا: لازدادوا منها هرباً وخوفاً، فيقول الله: أشهدكم أني قد غفرتُ لهم) اللهم إنا نسألك من فضلك في هذه الساعة يا ربي أن تغفر ذنوبنا، وأن تستر عيوبنا، وأن تغفر ذنوب آبائنا وأمهاتنا وإخواننا وأخواتنا، وزوجاتنا وجيراننا وجميع إخواننا المسلمين.
ودائماً -يا أخي! - إذا دعوتَ فكبِّر الدعوة، لا تجعلها صغيرة، إذا دعوت فادعُ لك، ولوالدَيك ولإخوانك، ولزوجاتك ولذرياتك، ولجيرانك ولجميع المسلمين، وقد تقول: إنها كثيرة، لكن ما عند الله أكثر، ليس كثيراً على الله، اطلب فإنك تطلب غنياً، يقول الله ﵎ في الحديث القدسي في صحيح مسلم عن أبي ذر الغفاري: (يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم قاموا في صعيدٍ واحدٍ فسألوني، فأعطيتُ كل واحد مسألته، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر) إذا أدخلتَ إبرة الخياطة في البحر وأخرجتها هل تنقص البحر؟ اذهب وقس طرف البحر وانظر كم نقَّصت الإبرة، لا إله إلا الله! ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ [لقمان:٢٧] غني عظيم، ولذا إذا طلبت الغني فكثِّر واطلب، والله يحب العبد الملحاح، ويحب الذي يُكثر الدعاء؛ لأنه غني ﵎، نسأل الله أن يدخلنا في واسع رحمته.
- المعوقات التي تحطم كيان الأسرة:- إن هناك معوقات كثيرة، اختار الإخوة المشرفون على المجلس وعلى اليوم الإسلامي منها ثلاثة فقط، وهي: أولاً: المخدرات.
ثانياً: الأفلام.
ثالثاً: الأصدقاء.
هذه قنابل على الأسرة، هذه معاول في هدم كيان الأسر وسعادة الأسر: المخدرات الأفلام والأصدقاء.
стр. 2086
المعوق الأول في طريق سعادة الأسرة: المخدرات
المعوق الأول: وهو أخطرها، وأشدها فتكاً، وأعظمها تحطيماً للأسر والمجتمعات والدول والشعوب: آفة المخدرات:- المخدرات هي التي لا يقف ضررها عند حد، بل يتجاوز كل حد، ولا يسلم من أثرها أحد؛ لأنها شرور لا يعلمها إلا الله.
إن الفرد، والمجتمع، والشعب، والدولة، بل العالم كله ليعاني الآن من آثارها، وأضرارها، حتى أجمعت الأمم كلها -كافرها ومسلمها، كبيرها وصغيرها- على محاربة المخدرات؛ لقناعتها بأن أضرارها بالغة لا تُقاس؛ في الدين، والصحة، والاجتماع، والأمن، والاقتصاد، ومن أجل ذلك تحارَب على كافة المستويات.
وكيف تُحَطَّم الأُسَر عن طريق المخدرات؟ تُحَطَّم الأُسَر يوم أن تُمارَس المخدرات عن طريق أول جُرعة، وقد جرِّب ذلك، وكثير من الناس وقعوا مع أول خطوة، وانتهوا عند أول حبة تناولوها، يجلس أحدهم في المقهى، وهي مساجد الشيطان، إذا أردتَ أن ترى مساجد إبليس فاذهب إلى المقاهي، سترى المؤذن، وهو: المغني، وترى المآذن، وهي: الشِّيَش، وفوقها النار، وترى المصلين وهم قابعون على الكراسي، وكل منهم مادٌّ رجله، والشيطان يلعنهم ويسخط عليهم، ويبول في آذانهم، ويوم القيامة يتبرأ منهم، ويقول لهم: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [إبراهيم:٢٢] يقول: ما أخذتكم بحبل ولا بكتاب ولا غيرهما، هل يجد الشيطان أحدهم إلى القهوة؟ لا.
﴿إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ [إبراهيم:٢٢].
من الناس من يترك زوجته وأطفاله ويخرج من بعد العشاء ولا يرجع إلا الساعة الثانية عشرة ليلاً أو الواحدة ليلاًً، وأين هو؟ وهو يعبي جمراً أحمر -والعياذ بالله- ولا يطرب إلا لقرقرتها فوق رأسه، والشيطان يكبر ويهلل من عليها، يكبر تكبيرة شيطانية، تقرقر فوق رأسه فيحس لهذه القرقرة أنغاماً أعظم عنده من ترتيل القرآن، لا إله إلا الله! وبعد ذلك؟ أيضاً يمارس نوعاً آخر من العبادة، يلعب (الورق، وكبُّود، والدِّمنة، والكَيْرَم) ويضيع حياته -والعياذ بالله- ثم يتفل الشيطان في وجهه، ولا يعود إلى البيت إلا والشيطان فوق رقبته؛ لأن الشيطان الآن متطور، كان في السابق يمشي، أما الآن فأصبح يركب سيارات؛ لكنها ليست من حديد، وإنما سيارات بشرية، يقول الله: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ﴾ [المجادلة:١٩] استولى عليهم واستعمرهم، وقرطسهم ووضعهم في جيبه: ﴿فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المجادلة:١٩].
يأتي الرجل ويجلس في القهوة، وذاك يضحك وهو منبسط، فيسأله الرجل ويقول: ماذا بك يا أخي؟ فيقول: هناك شيء ليس عندك، فيقول: وما هو؟ فيقول: ذُق لترى، ذُق فقط، فيقول: وما هذا؟ فيقول: هذا يجعلك ترى مصر وأنت هنا، فيقول: هات ننظر، وأخذ حبة وبلعها، فيقول: بكم هذه الحبة؟ فيقول: بعشرة، أو بخمسين، أو بمائة، وبدأ في الانزلاق، فيجيء في اليوم الثاني فلا يستطيع أن يصبر! ولا بد من حبة، فيحرم أولاده من مصروف المدرسة؛ لكي يشتري حبة، ويجعل ولده وبنته في المدرسة بدون فُسحة، يشحذون من الأولاد: أعطني قطعة جبنة! أعطني قطعة (ساندويتش)! فيقال له: لماذا؟ فيقول: أبي لم يعطني شيئاً، فيقال له: لماذا؟ فيقول: ليس عنده نقود، وهو عنده نقود، ولكن اشترى بها مخدرات، وبعد ذلك تستمر الانزلاقة إلى أن يفتقر الرجل، ويصبح راتبه كله في المخدرات، ولا يعطي أولاده شيئاً، فيموتون جوعاً، لماذا؟ لأنه لا يستطيع، فتنتهي رواتبه، وإذا لم تكفه فإنه يذهب ليسرق، يسرق حلية زوجته، ويدخل على المرأة، ويقول: انظري! أنا متورط أنا زهقان هناك أزمة أسرعي أعطيني (بِنْجِرة) أو أعطيني خاتماً، أو أعطيني قطعة من حليك؛ لأنني محتاج محتاج (ومزنوق إلى رقبتي) وهو فعلاً كذلك ورطة إبليس -والعياذ بالله- في هذه المأساة، وما ظنك عندما تضيع الأسرة بهذا الزوج الفاشل، فالأولاد يضيعون؛ لأنه لا يعرف عنهم شيئاً، والبنات يضِعنَ، والزوجة إذا كانت بلا دين ربما تضيع، وتذهب لتشتغل، إما بعمل مهني، أو ربما تبيع عرضها من أجل أن تكسب شيئاً تقتات به هي وأولادها بسبب هذا الخبيث الذي تدهور في بؤرة وحفرة المخدرات.
стр. 2087
أعراض إدمان المخدرات
هذه المخدرات، نعرف أعراضها، في كثيرٍ ممن يتعاطاها؛ لأنها ظاهرة، فمجرد أن تراه تعرف أنه من أهل المخدرات، كيف؟ - أولاً: الشعور بالخمول:- خامل حتى في عمله، حتى في دوامه، يأتي الساعة التاسعة والنصف، وإذا جاء أرخى ظهره على الكرسي، فيقال له: ما بك؟ فيقول: أنا متعب، لا أدري ماذا بي، فيقال: ما الذي أتعبك؟ أين كنت؟ هل كنت تجاهد؟ فيقول: لا ولكن متعب لا أدري ماذا بي، أحس نفسي أنني لستُ بجيد؛ لأنها خَدَّرَتْكَ المخدرات، فالشعور بالخمول دائماً وباستمرار، فهو خامل لا يستطيع أن يأخذ حتى ورقة، حتى في العمل نفسه، فتقول له: اكتب المعاملة هذه، فيقول: حاضر، فيكتبها: سعادة مدير عام كذا وكذا، أو مدير كذا وكذا، مرفقة المعاملة المتعلقة بفلان، نأمل الاطلاع والإحاطة والتوجيه، فقط وتخلص منها؛ لكن هل درسها، وعرف مضمونها، والتي رأينا، والتي لها خيارات، الخيار الأول الخيار الثاني يقدم معلومات، فيأتي المسئول يقرأها، هل هي كاملة من خلال المعاملة كلها أم لا؟ فهذه ليست موجودة، لماذا؟ لأنه كسلان تعبان مخدر يشعر دائماً بالخمول والكسل والاكتئاب، ودائماً هو غضبان ومكتئب وأعضاؤه كلها مرتخية والعياذ بالله.
ثانياً: اتساع حدقة العينين:- وأيضاً ظاهرة تراها فيه فتعرفها، وهي: اتساع حدقة العينين، عيونه موسَّعة، لماذا؟ نتيجة الاكتئاب والشد العضلي والنفسي فتتوسع عيناه؛ لأنه لا ينام، فتتوسع عيناه كأنها عينا سكران والعياذ بالله.
- ثالثاً: ارتفاع درجة الحرارة:- عندما تلمسه تجد حرارته مرتفعة باستمرار، فتلتهب تأثير هذه الحبوب.
- رابعاً: الصداع:- - خامساً: الدوار:- - سادساً: تصلُّب المعدة:- - سابعاً: الضعف العام في كل جسده:- - ثامناً: جفاف الفم:- - تاسعاً: الرغبة في النوم:- فرغبته دائمة في النوم، يرقد ويرقد إلى أن يقوم وقد تقلبت عيونه، وانتفخت، وأصبحت عينه الواحدة مثل الساعة من كثرة النوم، وإذا جاء في الصباح ليلبس أحذيته، فإنه لا يدخل حتى رجله بأكملها، يدخل نصف رجله، ويسحبها في الشارع سحباً، ويرمي بـ (غترته) على كتفه، وحتى زراره الذي على رقبته لا يشده، فلا فراغ لديه لذلك؛ لأنه يراه متعباً له، فيقول: كيف أشد زراري ثم أفتحه فيما بعد؟! لا.
أتركه مفتوحاً من الآن، لا إله إلا الله!! ثم بعد ذلك يستمر في التدهور إلى درجة أنه لا يعرف من هو.
قال لي أحد المسئولين في إدارة المخدرات: إن هناك شخصاً من المتعاطين سئل وقيل له: ما اسمك؟ فقال: هاه؟! ماذا تقول؟ قيل: ما اسمك؟ قال: أنا؟! دعني أتذكر! مَن أنا؟! لستُ أدري! لا إله إلا الله! هل هناك تحطيم أعظم من هذا التحطيم؟! من إنسان لا يعرف من هو؟! لا يعرف ما اسمه، أهو علي، أم عبد الله، أم سعيد، أم محمد؟! أي خير تأمله، أو أي شيء تريده من هذا الإنسان الذي لا يعرف من هو؟! أتريده أن يستمر في القيام بدوره في أسرته, أو في مجتمعه، أو في وطنه؟! كيف سيكون؟! سيكون مسكيناً وكرة يلعب بها الشيطان، كما يلعب بها الصبيان، وهو ما تسعى إليه دول الكفر في أن تورِّد لنا هذه السموم حتى تقضي علينا، وأنتم تعرفون أن من يقرأ التاريخ، يعرف كيف استطاعت بريطانيا أن تحطم وتستعمر الصين عن طريق المخدرات، إلى أن أتى رئيسٌ لهم وقضى على المخدرات، وإذا بـ الصين تنهض، وتصبح الدولة الخامسة العُظمى في العالم، وتفجر الذرة، وتكتشف القنبلة الذرية.
هذا بعد ماذا؟ بعد تَحررها من رِبْقة المخدرات.
لقد أنعم الله على الإنسان بالعقل؛ ليكون مسئولاً عن تصرفاته، وليقوم بتكاليف الدين، ولذا فإن مناط التكليف العقل، يقول ﵊: (رُفع القلم عن ثلاثة:) الحديث، وهذا من خصائص الدين الإسلامي، أنه إذا كان هناك عقل فإن هناك مؤاخذة، وإذا ارتفع العقل ارتفعت المؤاخذة، لماذا؟ لأن العقل هو الذي يضبط تصرفاتك: (رُفع القلم عن ثلاثة:) والمخدرات بأشكالها وأنواعها وجميع أصنافها المختلفة، تقوم بإفساد العقل، والقضاء عليه، وتعطيله عن القيام بدوره، وتحويل الإنسان من إنسان عاقل إلى إنسان مجنون، يقول ابن الوردي:
واترك الخمرة، لا تشربها كيف يسعى لجنون من عقلْ
وقد نشأت المخدرات منذ القدم، عن طريق تعرف الإنسان على بعض النباتات والأعشاب، وتناولها، ثم الاستمرار عليها، حتى يحدث لديه الإدمان، وهو الاعتماد الجسدي والعقلي عليها، ولذا تفتح الدولة الآن مستشفيات، اسمها: مستشفيات الأمل؛ لأن صاحب المخدرات لا يستطيع أن يتركها من عنده، بل لا بد من علاج؛ لأن المخدرات أصبحت جزءاً من تركيبته الجسدية، وأصبحت جزءاً من تركيبة دماغه وعقله، بحيث أنه إذا لم يجدها فإنه لا يستطيع العيش؛ ألا ترون بعض المدمنين إذا لم يجد المخدرات كيف يتصلب، ويحرك يديه، ويصعد عينيه، ويتلوى، ويقع في الأرض، ويتقلب، ويمدد رجليه ويديه؟! لماذا؟ لأنه نقص عليه شيء، فلا يحاول أن يعود إلى وضعه إلا عن طريق المخدرات، فتصبح المخدرات بعد الإدمان جزءاً من التركيب الجسدي والنفسي.
إذاً: هو يبدأ بجرعة صغيرة، ثم ثانية، ثم ثالثة، ثم لا يلبث أن يقع فريسة للمخدر، ويعجز عن الإقلاع عنه، وإذا لم يتناوله تعرَّض للآلام والتشنجات.
стр. 2088
نشأة المخدرات
وقد نشأت المخدرات منذ القدم، عن طريق تعرف الإنسان على بعض النباتات والأعشاب، وتناولها، ثم الاستمرار عليها، حتى يحدث لديه الإدمان، وهو الاعتماد الجسدي والعقلي عليها، ولذا تفتح الدولة الآن مستشفيات، اسمها: مستشفيات الأمل؛ لأن صاحب المخدرات لا يستطيع أن يتركها من عنده، بل لا بد من علاج؛ لأن المخدرات أصبحت جزءاً من تركيبته الجسدية، أصبحت جزءاً من تركيبة دماغه وعقله، بحيث أنه إذا لم يجدها فإنه لا يستطيع العيش؛ ألا ترون بعض المدمنين إذا ما وجد المخدرات كيف يتصلب، ويحرك يديه، ويصعد عينيه، ويتلوى، ويقع في الأرض، ويتقلب، ويمدد رجليه ويديه؟! لماذا؟ لأنه نقص عليه شيء، فلا يحاول أن يعود إلى وضعه إلا عن طريق المخدرات، فتصبح المخدرات بعد الإدمان جزءاً من التركيب الجسدي والنفسي.
إذاً: هو يبدأ بجرعة صغيرة، ثم ثانية، ثم ثالثة، ثم لا يلبث حتى يقع فريسة للمخدر، ويعجز عن الإقلاع عنه، وإذا لم يتناوله تعرَّض للآلام والتشنجات.
стр. 2089
أسباب تعاطي المخدرات
وهناك أسباب تدفع الناس إلى الوقوع في المخدرات، سواءً كانوا رجالاًَ أو نساء أو أولاداً أو بناتاً.
فبعض الناس لا يقع فيها مباشرة من عنده، بل لا بد من شخص يغرر به، ويخدعه ويمكر به، ويقول له: أتريد أن أريك شيئاً ينفعك، ويفعل بك كذا، فيقول: نعم، فيقول: خذ.
فيقع.
إذاً: ما هي هذه الأسباب؟ هذه الأسباب هي: - السبب الأول: ضعف الوازع الديني، وعدم الخوف من الله:- هذا أول سبب، إذ أن الذي يخاف من الله، وعنده إيمان، -فوالله- لا يتناولها، ولا يقرب منها، ولا يتعرف عليها؛ لكن البيئة الخصبة، والمجال الرحب لزرع وشيوع المخدرات هو ضعف الوازع الإيماني، وعدم المراقبة والخوف من الله .
- السبب الثاني: مجاراة أصدقاء السوء، ورفقاء الباطل، والمجاملة لهم:- فالدخان يبدأ بأول سيجارة، والخمر يبدأ بأول كأس، والمخدرات تبدأ بأول حبة عن طريق المجاملة، فبعض الناس يجلس مع هؤلاء الأصدقاء والرفقاء، فيفتح أحد الأصدقاء والرفقاء الباكِت، ويخرج منه السيجارة مثل المدفع، ويقول له: تفضل.
يريد أن يكرمه، بل يريد أن ينسفه بمدفعه الشيطاني -والعياذ بالله- فيقول: شكراً، فيقول: لا يا شيخ! جرِّب لا بأس لا يهمك شيء، أنا عندي الكثير منه يظن أنه رفض؛ لأنه ظن أنه بخيل! (بينما هو) لا يريدها ولا يريد صاحبها.
أحد الناس وهو دكتور، كنت أنا وهو نتكلم في موضوع الدخان، وهو يعلمني بجميع أضراره، وبينما نحن نتكلم إذا به يدخل يده في جيبه من غير شعور وهو يتكلم معي، ويخرج الباكِت، ويخرج منه السيجارة، ثم يقدَّم لي، فقلتُ: لماذا هذا؟ انتبه! فقال: آسف آسف والله نسيت! فالعادة أصبحت (أوتوماتيكياً) تبعاً للشيطان، فيخرجها بدون شعور منه، والعياذ بالله.
- السبب الثالث: الاعتقاد بزيادة القدرة على السهر، وزيادة الإنتاج:- وهذا اعتقاد باطل، فالبعض يعتقدون أن الذي يشرب المخدرات يستطيع أن ينتج أكثر، ويسهر أكثر، ولذا يشربها السائقون في أيام المواسم، مواسم الحج والأعياد، لا يريد أن ينام في ليل ولا في نهار، فيأخذ حبوباً، ثم يعود فينام نومة لا يقوم منها إلى يوم القيامة، يريد أن يسهر ساعات، فيرقد أياماً وليالي -والعياذ بالله- إما في حادث مروري، وإما أن يقع في السجن، وإما أن تحدث له نكبة؛ لأسباب تعاطيه هذه الحبوب التي يسمونها: (حبوب الكونغو).
- السبب الرابع: الاعتقاد الخاطئ بأن للمخدرات علاقة بالجنس:- فيكون لدى المتعاطي ضعف جنسي، لا يستطيع أن يمارس عملية الجنس مع زوجته، فيقول له شخص: أتريد أن تكون قوياً، فيقول: نعم.
فيقول: إذاً: خذ لك هذه الحبوب، فيبرُك ويتعطل، ولم يعد يقدر على فعل شيء بالمرة، لا -يا أخي- إذا أردت أن تكون كذلك، فأولاً عليك بالتحصن من الحرام، غُض بصرك عن الحرام، صُنْ سمعك عن الحرام، لا تنظر إلى الحرام؛ لأن النظر والسماع يصرف جزءاً من شهوتك؛ ولكن إذا أمسكت نفسك عن الحرام، وصرفته في الحلال، فستقوى، وأيضاًَ: كُلْ مما رزقك الله من الطيبات، كل من الشحم واللحم، والبر والسمن والعسل، والتمر، وهذا يجعلك رجلاً بدون مخدرات.
- السبب الخامس: الاعتقاد الخاطئ بأنها علاج للأرق والقلق:- فبعض الناس لا يأتيه نوم في الليل، فيقول: كيف أنام؟ فيقال له: خذ لك حبوباً ونم.
وهي في الحقيقة ليست منومة، وإنما هي مزعجة والعياذ بالله.
- السبب السادس: إيهام المتعاطي بأنها تنسيه مشاكله، وأنها تقضي على آلامه وأوضاعه:- وهذا خطأ، وكما يقال: (دخِّن عليها تنجلي)، فالأصح: دخِّن عليها تضيق وتشتد، لا أنها تنجلي.
- السبب السابع: وفرة المال:- وخصوصاً عند الشباب الصغار الذين لا يبالي آباؤهم بالمبالغ التي في أيديهم.
إن الشباب والفراغ والجِدة مفسدة للمرء أي مفسدة
فإذا كان عمر الشاب خمسة عشر عاماً أو عشرين عاماً، وأبوه يرمي بالأوراق المالية في جيبه، ولا يحاسبه، وهو لا يعرف قيمة المال، لأنه لم يتعب فيه، ويذهب فيشتري، وربما يتعاطى، فيقع -والعياذ بالله- وهو قليل التجربة، وأيضاً ناقص الأهلية، ولا يستطيع أن يميز بين الحق والباطل، وبين الشر والخير، فيقع في هذه البلية.
стр. 2090
آثار المخدرات على صحة الإنسان
وللمخدرات -أيها الإخوة- آثارها العظيمة المدمرة على صحة الإنسان، وعلى بدنه، وعقله، فهي: ١ - تؤثر تأثيراً قوياً على الجهاز العصبي.
٢ - تؤثر على الجهاز الهضمي.
٣ - تسبب هبوطاً في القلب.
٤ - تذهب العقل.
٥ - تفقد الوعي.
٦ - توهن الصحة.
٧ - تقلل من قدرة الإنسان على القيام بالواجبات، فيصبح شخصاً مهزوزاً كسولاً سطحياً متواكلاً مهملاً منحرف المزاج، تهتز صورته في المجتمع، وتضعف الثقة فيه، فتسيء الأمة الظن به.
стр. 2091
آثار المخدرات على أمن الأمة
أما آثارها الأمنية، على الأمة، فهي: ١ - أثبتت الدراسات الأمنية وجود رابطة قوية بين متعاطي المخدرات وأصحاب الجرائم؛ جرائم السلب، والقتل، والاغتصاب، والسطو، من أجل ماذا؟ من أجل الحصول على المخدرات، فإن كان المدمن لا يتورع عن السرقة، والنهب، ولا يتورع عن السلب والاغتصاب، من أجل الحصول على هذه المخدرات.
٢ - لا يتورع عن إفشاء أسرار بلاده لأعدائه؛ في سبيل أن يأخذ شيئاً من هذه المخدرات.
٣ - ثبت أن نسبة كبيرة من حوادث السير المرورية؛ يكون سببها تعاطي المخدرات عند السائقين الذين يتوهمون أنها تزيد من قدرتهم على السهر ومواصلة السفر.
стр. 2092
آثار المخدرات على الاقتصاد
أما الآثار الاقتصادية فواضحة جداً؛ وهي: ١ - تعاطيها يؤدي إلى الإدمان -كما أسلفنا- وهذا يتطلب صرف مبالغ طائلة، دون أي جدوى.
٢ - شيوع البطالة.
٣ - عدم قيام المدمنين بأعمالهم المنوطة بهم، فيتعطل الإنسان، وينخفض مستوى المعيشة، وتتدهور الأمة، وينتشر الفقر، ويتأثر الاقتصاد، وتحصل الويلات والنكبات، ولذا فإن الدول المتأخرة الآن والفقيرة، سواءً أكانت عربية أو غير عربية، إسلامية أو غير إسلامية، الداء الوبيل الذي يقضي عليها هو: المخدرات.
стр. 2093
آثار المخدرات على المجتمع
أما أضرارها الاجتماعية، فإن انتشار المخدرات في أي مجتمع يؤدي إلى الآتي: ١ - تدمير المدمنين.
٢ - وبالتدمير يحصل عجزهم عن القيام بواجباتهم الأسرية.
٣ - وبالعجز يحصل انتشار الفقر والجهل والمرض، وتتفشى الجرائم والفساد الخلقي وهتك الأعراض.
كل ذلك بأسباب هذا الداء الخطير.
والحمد لله ففي بلدنا ومجتمعنا، وفي ظل قادتنا -بارك الله فيهم- يُحارب هذا الداء محاربة شديدة، ويُضرب بيد من حديد على كل من تسول له نفسه أن يسير فيه، سواءً أكان هذا تعاطياً، أو ترويجاً، أو تهريباً، أو بيعاً، كل هذه جرائم، ليس فيها إلا السيف الأبتر.
ولذا فإن مسئولية كل فرد فينا -أيها الإخوة- أن نكون عيناً على هذه الجريمة، ولو كان المجرم ولدك، فلا تتستر على من سمعت أو علمت أن عنده شيئاً من هذه المخدرات، والله إذا تسترت وسكت، ولو كنت لست مسئولاًَ فأنت مسئول عن هذه الأمة، كلكم مسئول، فإذا علمت أو سمعت عن زميل، أو قريب أو بعيد، أو ولد أو أب، أو زوجة أو بنت، أو أي إنسان في الدنيا مهما كانت صلتك به، إذا علمت أن عنده من هذه شبهة، فبلغ به رأساً سلطات الأمن، وإذا لم تبلغ وتسترت عليه فأنت -والله- خائن لله ولرسوله ولهذه الأمة، وربما تُبتلى أنت إذا سكت، فإنه ربما بعد سنوات ستجد المرض في ولدك، أو في ابنتك، أو زوجتك، أو فيك أنت، لماذا؟ لأنك رضيت بالمنكر، وهذه أمانة، أضعها ويضعها ولاة الأمر في عنق كل مسلم، كل منكم على ثغرة من ثغور الدين، فلا يؤتى الإسلام من قِبَله.
فالمسئولية ليست مسئولية رجال مكافحة المخدرات فقط، ولا رجال الأمن فقط، بل هي مسئوليتهم في الدرجة الأولى، وكذلك مسئوليتك أنت في الدرجة الثانية مثلهم، كمواطن وكمسلم، يهمك أمن هذه البلاد، ويهمك أمر سعادة الأسر، ويهمك أمر الأمة بشكل عام.
فعليك أن تكون عيناً على هذه الأمور، وما إن تسمع شيئاً إلا وتذهب إلى ولي الأمر، وتبلغ، وطبيعي أنه لن يُفشى اسمك، فتقول لهم: أنا بلغت، ولكن لا تقولوا: إنه قالها فلان.
فطبيعي أنهم لن يقولوا: قالها فلان، وإنما سوف يقبضون على الجاني، ويقضون على المنكر -بإذن الله-، ويكون لك شرف أنك ساهمت في القضاء على هذه الجريمة، وهذه المعضلة الاجتماعية الخطيرة.
стр. 2094
المعوق الثاني في طريق سعادة الأسرة: الأفلام
المعوق الثاني: وهو مهم جداً جداً، وهو: معضلة الأفلام:- الأفلام؛ وما أدراك ما الأفلام؟ لقد أحدثت هذه الأفلام هزة عميقة كبيرة في الأسر وفي نمط الحياة الاجتماعية فيها، حين أصبح مجرد تجمع الأسرة حول بعضها ضرباً من ضروب المستحيلات، فما عاد أحدٌ يجد الأب، ولا الأم، ولا الأولاد، كلٌّ في داره على الفيديو، يتلقى ويتعلم من دروس الكفر والضلال -والعياذ بالله- وحين أخذت القيم التي تبثها الأسرة في الأطفال في الاضمحلال والانتهاء؛ لتحل محلها القيم المقتبسة والمستوردة من أفلام رعاة البقر، ومسلسلات العنف، وتمثيليات الجنس، وحلقات الجريمة والبوليس، وهي دائرة ضخمة من الآثار الوخيمة، تصنعها الأفلام، ويتشبع بها أفراد الأسرة كل يوم، وتتغير -تبعاً لذلك- أنماط في حياة الأسرة كلها، فوقت النوم أيضاً يتغير، وكان الناس في الماضي ينامون بعد صلاة العشاء، وكانوا عندكم في نجد هنا إذا سمعوا النجار سهر بعد صلاة العشاء، دقوا عليه الباب، وأخذوا غترته وحرقوها وصبوا الماء على ناره، ويقولون له: أتسهر بعد العشاء؟! أمعقول أن تضيع الفجر؟! أما الآن فقد أصبح النوم بعد العشاء جريمة، إذا سأل شخص آخر وقال له: متى ترقد؟ فقال: بعد العشاء، قال: أعوذ بالله! أترقد بعد العشاء؟! أفيك خبل حتى لا تسهر؟ وإذا قال له: ومتى ترقد أنت؟ قال: ما أنام إلا الساعة الواحدة، بعد انتهاء الفيلم، أو بعد المسلسل (الذي يسلسل عقله والعياذ بالله)، حتى أصبح المسلسل موعداً، فيقال: متى العشاء: بعد الأخبار أم بعد المسلسل؟ فيقال: العشاء بعد المسلسل.
أصبح المسلسل حدثاً اجتماعياً، لا بد أن نحرص عليه، وبعضهم تجد أن عنده زائراً، أو هو زائر عند آخر، فإذا جاء وقت المسلسل قال: أستأذن، فإذا قيل له: ماذا هناك؟ قال: المسلسل، لا أريد أن يفوتني، فإذا قيل له: لماذا؟ قال: وقف المسلسل البارحة عند نقطة هامة، وأنا -يا أخي- أعيش في دوامة، أريد أن أراها.
ما هذه النقطة الهامة، أتدرون ما هي؟ هي كذب في كذب، تجد سبعة كذابين أو ثمانية، أو عشرين كذاباً جمَّعهم كذاب، وألف لهم كذبة في ورقة، وسماها: مسرحية، وأتى بهم، ووزع عليهم الأدوار، وقال: أنتَ في دور الأب، وأنتِ في دور المرأة، وأنتِ في دور البنت، وأنتَ في دور الولد، وأنتَ في دور الخادم، وأنتَ في دور السائق، وجلس معهم شهرين أو ثلاثة أو أربعة، وهو يعلمهم الكذب، ويصنع لهم كذباًَ في كذب، وبعد ذلك، أخرج هذه الكذبة إلى الناس، وإذا بالناس يعيشون معها.
حتى أن من الناس من يعود إلى بيته فيجد زوجته تبكي، فيقول لها: ماذا بك تبكين؟ فتقول: هل رأيتَ النهاية المرة والأليمة التي حصلت لتلك المسكينة؟ فيقول: يا فلانة، والله لا نهاية ولا شيء، والله إنها كذب في كذب كيف تعيش بعقليتك على الكذب، أنا الآن لو قلتُ لكم وأنا في مجيئي الآن، جئت -مثلاً- من شارع المطار إليكم، فلو قلتُ لكم، وأنتم تثقون بكلامي: لقد مررتُ بحادث مروري مروِّع، كانت ضحيته العشرات من الناس، أربع أو خمس سيارات اصطدمت كلها، وبعد ذلك جاء المرور وسألوا الجرحى، وساهمتُ أنا معهم، أما تتأثرون بهذا الخبر؟! مباشرة ستقولون: إنا لله وإنا إليه راجعون، فإذا أكملتُ الخبر، قلتُ: لا تصدقوه فهو كذب، فماذا ستقولون لي؟ ستقولون: الله أكبر عليك، لماذا تخذلنا يا شيخ؟ لماذا تعلمنا الكذب؟! وتشد أعصابنا بالكذب؟! هذه المسلسلات، وهذه الأفلام كلها كذب في كذب.
فالنوم أصبح في هذا الوقت من بعد العشاء أعجوبة الزمان، وحتى نمط الطعام أصبح متغيراً، لم يعد مثل الأول، ونمط الاستضافة، فبعض الناس تأتي إليه تريد أن تدق عليه بابه، وتريد أن تسمر معه، فيشغل لك فيديو، ويقول: اسمر مع الفيلم، فتقول له: يا أخي! أنا جئت لأزورك، أم جئت لأزور الفيلم؟ أريد كلامك، لا أريد الفيلم، فيقول: لا.
الفيلم مهم، انظر إليه، بمعنى: انصرف، لا يريدك أن تجلس معه، لا حول ولا قوة إلا بالله! واختفت الحياة الهادئة، وتعود الناس على الضجيج والصخب، وحصل الاضطراب في الأعصاب.
стр. 2095
أضرار مشاهدة الأفلام
أدى إدمان مشاهدة تلك الأفلام إلى الآتي: ١ - انعدام الحس الإيماني.
٢ - استمراء الأخطاء الظاهرة، وعدم إنكارها.
٣ - صار الناس يتقبلون أن يروا رجلاً يحتضن شابة؛ لأنه يمثل دور أبيها مثلاً؛ وصدَّقوا ذلك، وهو في الحقيقة ممثل، وهي ممثلة، لا هو أبوها، ولا هي ابنته، ويضمها ويقول: يا حبيبتي! ويا ابنتي، وهي ليست ابنته حقيقة؛ لكن صدق الناس أنها ابنته.
٤ - أيضاً صار الناس لا يتحرجون من مشاهدة رجل وامرأة في وضع الزوجين، مع أنهما ممثلان وليسا بزوجين.
٥ - صار الحس الإسلامي متبلداً، لا أحد ينكر أن يرى المرأة حاسرة الرأس، كاشفة الصدر والرقبة والساقين والذراعين.
٦ - لا يتحرج المسلم ولا المسلمة من مشاهدة من يشرب أكواب الخمر، ومن يمارس جرائم الاغتصاب والسرقة والقتل، والسباب والشتائم بأقذع الألفاظ؛ لأن تلك الأشياء كلها مُعَلَّمَة من تلك الأفلام.
٧ - لم يعد لفراش الزوجية وغرفة النوم ذاك الاحترام، والحشمة، والسرية.
كان الناس يعيشون ويموتون وهم لا يعلمون شيئاً عن غرفة النوم، إلا مع أزواجهم إذا تزوجوا، أما الآن فقد أصبحت حياة الأزواج مكشوفة في الأفلام بصورة مبتذلة، وفي إسفاف بالغ، حين يُرى الزوج وزوجته على السرير، والولد الصغير، ولهذا يقول : ﴿ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ﴾ [النور:٥٨] لكم ثلاث عورات، لا يمكن أن يدخل عليكم أحد إلا بإذن حتى الأطفال.
الثلاث العورات هي: الأولى: ﴿مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ﴾ [النور:٥٨] والثانية: ﴿وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ﴾ [النور:٥٨] والثالثة: ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ﴾ [النور:٥٨] لماذا؟ لحرمة الغرف، ولحرمة سرير النوم؛ حتى لا يفاجئك الإنسان وأنت على وضع لست مستعداً فيه؛ لكن اليوم! هل بقي على الطفل شيء يخفى عليه بعد هذه الأفلام، بل ينظر إلى الفيلم، ويقول: إذاً أمي وأبي يفعلون هكذا، وربما أكثر، فهل عاد للأسر كيان؟ أبداً؛ لأنه يرى الدروس العملية أمامه في الأفلام، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
إن الإنسان -أيها الإخوة- يكَوِّن قيمه الأساسية عن الحياة من تقليده لوالديه، ولذا جاء في الحديث، والحديث في صحيح مسلم، يقول ﵊: (كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه) ويقول الله في الحديث القدسي: (إني خلقتُ عبادي حنفاء، فاجتالتهم الشياطين).
هذا التأثير ينحصر في الوالدين، وفي الأهل في البيت، لكن عندما يكبر الولد، يتأثر بالمؤثرات الأخرى، مثل: المدرسة، والمجتمع، والشارع، والزملاء، والكتاب، والجريدة، والمجلة، والشريط، كل هذه المؤثرات في الماضي، أما في هذا الزمان فقد أصبحت هناك وسائل عظيمة تؤثر في نفسية الطفل مبكراً، أكثر مما يؤثر فيه والداه، وكذلك المجتمع، هذه المؤثرات هي: الأفلام، أعاذنا الله وإياكم من شرها.
حينما يقضي الطفل أو يبقى مشدوداً ساعات طويلة لمتابعة الفيلم، فإن مفاهيم هذه الأفلام تنعكس عليه، وتنغرس في نفسه، في حين أنه لا يستطيع أن يميز بين الضار والنافع، ولا بين الخير والشر.
بجانب سكوت الآباء والأمهات، بل تعلق الآباء والأمهات، فبعض الآباء يقول: الأولاد شغلونا وما ريَّحونا، فإذا قيل له: فماذا تصنع؟ قال: أحضر لهم فيلماً لكي يناموا عليه، وبعضهم يقول: أشاهد الفيلم معهم، فينتقل هذا طبيعياً إلى الأبناء، بحيث تصبح مواقفهم مشابهة لمواقف آبائهم، ثم لا يقبلون فيها جدلاً ولا يسمعون حولها نصيحة.
إن الأطفال بطبيعة الحال لا يستطيعون إنتاج تلك الأفلام، ولا يقدرون على شراء أجهزتها، وهم عاجزون عن القيام بدور الرقابة على أنفسهم، والمسئولية في كل ذلك على الآباء.
إن المسئولية تحتم على الآباء حماية أطفالهم من أي ضرر نفسي، أو أخلاقي، أو عقائدي.
والعاطفة، والرغبة، والرحمة، والشهوة الجنسية لا ينبغي أن تطغى على تصرفات الآباء؛ لأنهم وإن استطاعوا أن يتحكموا في تصرفاتهم هم إلا أن هذا التحكم غير موجود عند الأطفال، فعليهم التضحية؛ لأن الطفل أمانة في أعناقهم سيُسألون عنها يوم الوقوف بين يدي الله.
стр. 2096
أخطار غياب المسئولية عند مشاهدة الأطفال للأفلام
إن إهمالهم لهذه الأمانة سيؤدي إلى وقوعهم ووقوع أسرهم في الأخطار العظيمة التي منها ما يأتي، وأرجو التركيز قليلاً حتى نعرف الخطر:- - أولاً: زعزعة ثقة أفراد الأسرة في الإسلام:- وذلك؛ لأن الفرد منهم يشاهد كفاراً، وإذا لم يكونوا كفاراً وكانوا عرباً فإنه يشاهد فَسَقَةً ومجرمين لا يعرفون الله، وبالتالي يأخذ القدوة منهم، ومن أخلاقهم.
- ثانياً: زعزعة ثقته في آداب الإسلام:- فحينما تقول للفرد: إن هناك حجاباً في الشرع، يقول: ما الحجاب؟ وأنا طول عمري، منذ أن كان عمري سنة إلى أن صار عمري خمس عشر سنة أو عشرين سنة، ما شاهدتُ امرأة في هذه الأفلام متحجبة؟! ما هو الحجاب؟ وحينما تقول: الدخان ليس طيباً، قال: كيف يكون الدخان ليس طيباً، وذاك الفلاني يجلس على المكتب، وهو في دور المدير، أو في دور المستشار، أو في دور الخبير ويدخن، ويعطي الأفكار؟! فهذا قدوته تجده يتصور أنه لا يمكن أن يكون مديراً أو مسئولاً إلا إذا دخَّن، ولذا يدخن قبل أن يكون مديراً؛ أخذاً من القدوة السيئة.
- ثالثاً: تعليم الأسرة أخلاقيات هؤلاء، والتدرب عليها، وأخذ حركاتهم وأعمالهم ولغتهم، حتى تصرفاتهم:- كانت المرأة في الماضي وهي تتكلم مع الرجل تتكلم بالمواجهة، فتقول: أعطنا كذا، وأعطنا كذا، لكن في الأفلام اليوم تعلمت المرأة حتى كيف تقف أمام زوجها، إذا كان واقفاً جاءت إليه وأقبلت بظهرها وقالت له: من فضلك، أعطنا لحماً، وأعطنا أرزاً، وأعطنا كذا، حتى ينهرها من كتفها، ويقول لها: التفتي، لا ردك الله، ماذا بكِ؟ فتقول: أما رأيت تلك كيف تتكلم مع زوجها؟! تعطيه ظهرها، وتتكلم معه، من باب الترقي والتطور، من أين تعلمت هذا؟! تعلمته من الفيلم، تريد أن تكون راقية، تريد أن تكون متطورة، ما عرفت التطور إلا من هذا؟! ما أخذت القدوة إلا من هؤلاء الأرجاس والأنجاس والعياذ بالله.
- رابعاً من أخطارها: عدم إنكار المخالفات، واستباحة تلك المحرمات:- فلا تُنْكَر المخالفات ولا استباحة المحرمات.
- خامساً: تفجير كوامن الشهوة في نفس الإنسان، وإشعالها:- وذلك حينما يرى الأجساد العارية، ويرى السيقان، ويرى الخصور، ويرى النهود، ويرى الرقاب، ويرى الابتسامة، ويرى الشعور، والحركات البهلوانية التي تغريه وتحرقه، وهو مسكين، ماذا يفعل؟ سيقتل نفسه، إما أن يذهب ليفعل جريمة الزنا، أو يفعل جريمة اللواط، أو يفعل جريمة العادة السرية، أو يبقى مكبوتاً؛ لأنها تُشْعل فيه كوامن الشهوة، ولا يجد لها تصريفاً، فربما كان من غير زوجة.
- سادساً: دعوة الشباب إلى السفر إلى الخارج:- لأنه يرى هذه الحياة، فينظر إلى مجتمعه المسلم فلا يرى لها صدىً ولا يرى لها انعكاساً، فيحاول أن يجد هذا الشيء الذي رآه في الفيلم، فيراه في الحقيقة، فيطلب من والده النقود، أو يكون موظفاً فيأخذ رواتب إجازته، ويذهب لقطع جواز، وقطع تذكرة، ويذهب إلى الخارج ليمارس الخمر، ويمارس الزنا، ويضيع الدين، ويرجع -والعياذ بالله- وهو بلَبِنَة واستِمارَة، ما عاد له دين، أصبح خصوصي جهنم -والعياذ بالله- ضيَّع دينه وأخلاقه، بل بعضهم يعلق الصليب في رقبته، تأتيه الغانية والزانية، فتقول: مِن أجل خاطري فقط، منظرك ليس جميلاً إلا أن تأخذ هذا العقد في رقبتك.
فيعلق الصليب، وبعضهم أشياب والصليب في رقبته، لا إله إلا الله.
- سابعاً: تعويد أفراد الأسرة على الاستهتار:- وعدم إقامة أي وزن لأي شيء.
- ثامناً: شغل الشباب عن التحصيل العلمي، وقضاء الأوقات فيما لا فائدة فيه:- فلا علم ولا فائدة.
كل هذه أخطار تحيط بالأسَر إذا أهملت هذه الآفة، وإذا استمرئت في أسر المسلمين.
стр. 2097
وسائل علاج المجتمع من ظاهرة الأفلام
لعل سائلاً يسأل فيقول: ما هو العلاج لهذه المعضلة الاجتماعية؟ فنقول: هناك عدة وسائل للعلاج: - الوسيلة الأولى: إشعار الأطفال في بيتك بقيمة الوقت:- وأن الوقت هو عمر الإنسان، وأن إهدار الوقت في غير مصلحة ضرر عليه، وخسارة لا تعوَّض، وعلى الأب أن يكون قدوة في هذا الاستغلال للوقت، وما هذا اليوم الإسلامي إلا أنموذجاً لكيفية استغلال الوقت فيما فيه مصلحة أو فائدة.
- الوسيلة الثانية: تعويد الأطفال على النوم المبكر ليلاً عن طريق عدم السماح لهم بالنوم نهاراً:- علِّم زوجتك أن توقظ الأولاد بعد صلاة الفجر، ويذهبون إلى المدرسة، وبعد رجوعهم من المدرسة -إذا كانوا يدرسون، أو إذا كانوا صغاراً- امنعهم من النوم، والذي ينام صبوا عليه الماء، لكي لا يأتي العشاء إلا وهو يريد أن ينام؛ لكن أن ينام طوال اليوم، ثم يأتي في الليل فيظل ساهراً إلى الفجر، وهو يتقلب أو يطالع في الأفلام، هذا خطأ، فقد قلب آية الله ، الله جعل الليل سكناً والنهار معاشاً، وهذا قلبها فجعل النهار نوماً والليل -والعياذ بالله- سهراً، فلا يسهر في الليل إلا الحيوانات السائبة، فالليل لا يخرج فيه إلا الحيات والعقارب، وهذه هي التي تؤذي الناس.
- الوسيلة الثالثة: إشعار الأطفال بأهمية القيام بالواجبات الدينية، وأنها أقدس ما يُحرص عليه، وزرع محبة الصلاة، والقرآن، والذكر -مثل أذكار الصباح والمساء- في قلوب الأطفال، وقد أخبرني رجل شاب أن لديه ولدين، أحدهما في ثالثة ابتدائي، والثاني في أولى ابتدائي، فقال: إن ولده ذهب إليه وأخذ يعلمه ويقول: يا أبي! لا بد أن نصلي في المسجد كل الصلوات، والأغاني هذه يجب ألا نسمعها.
قال: فقلت له: من الذي قال لك؟ قال: قال لي الأستاذ، قلت: حسناً.
قال: وكنت أتصور أن الولد يضحك أو أنه لن يلتزم بما قال؛ لكن الولد -ما شاء الله- التزم، وأصبح بمجرد أن يسمع أي نغمة يقوم مباشرة ليقفل الجهاز، قال: وأرجع من الدوام الساعة الثانية والنصف، وأجده متوضئاً وجالساً يرقبني، ومن مجرد أن نتغدى يقول: هيا نصلي يا أبي! قال: ثم صبرت عليه في أول أسبوع، وفي الثاني، وبعد شهر، قال: نعم أريده أن يكون ملتزماً؛ ولكن قليلاً قليلاً، لا مثل هذا، فهذا لا لعب بالمرة، قال: يُصِرُّ على ألا أصلي إلا في المسجد، وأنا أريد أن أصلي في البيت أحياناً؛ لأنني آتي من الدوام متعباً، وفي الصباح لا أستطيع أن أصلي الفجر في المسجد؛ لأنني أسهر في الليل، قال: وإذا بالولد -ما شاء الله- لا يأتي الفجر إلا وهو مستيقظ، ويأتي يطرق عليَّ الباب ويقول: الصلاة يا أبي، الصلاة يا أبي! قال: وأخيراً: ضاق الأمر بي مع هذا الولد.
فقلتُ: وماذا فعلتَ؟ قال: والله في ضيق منه، قلتُ: لا إله إلا الله! في ضيق منه، يوم أن جعله الله قرة عين لك في الدنيا والآخرة؟! يكون سبباً لهدايتك إلى الجنة، لا تقتل هذه المفاهيم فيه! إياك! احذر! إذا قتلتها قتلك الله في الدنيا والآخرة، وسلطه الله عليك، وسلط الله عليك من ينتقم منك في الدنيا والآخرة، كن عوناً له على طاعة الله .
- الوسيلة الرابعة: تذكير أو إخبار الأولاد بالحلال والحرام:- أ- علِّم أولادك دائماً ما هو الحلال، وما هو الحرام، وما هو الخير، وما هو الشر، وما نتائج كل شيء، وقل لهم: النظر إلى النساء حرام، وسماع الأغاني حرام، والنظر إلى الأفلام حرام؛ لأن هذه تؤدي إلى الزنا، والزنا يغضب الله، ونهاية الزنا العذاب في الدنيا والآخرة.
ب- أعطهم ثقافات إسلامية في وقت مبكر؛ حتى تحميهم وتصونهم من الوقوع في هذه الجرائم.
جـ- عودهم على نبذ الأغاني والمعازف، وعلى إنكارها، وإغلاق الأجهزة عند سماعها، والمسابقة لإخماد صوتها.
د- عودهم على النقد الإيجابي، وقوة الملاحظة، وسرعة الانتباه.
هـ- أخبرهم أن معظم هذه الأفلام مورَّدة من ديار الكفر، وأن الكفار أعداء للإسلام، وأنهم يحرصون على إفساد المسلمين، وأسر المسلمين، ولم يقدموا لنا خيراً قط.
هل تتصورون أنتم أن يورِّد لكم الكفار خيراً؟ لا والله، يقول الله : ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة:١٢٠].
وعليك أن توفر البدائل في بيتك لأولادك، مثل: ١ - الكتب، والمطالعة، والقصص للأطفال.
٢ - توفير جهاز تسجيل مع أشرطة منوعة، والسماح للأولاد بتشغيلها.
فلا مانع من أن تشتري جهازاً بمائتين أو ثلاثمائة ريال، وتعطيه أحد أولادك، وتقول: هذا لك، والأشرطة هذه لك، شغلها على كيفك، وأنت يا فلان لك جهاز آخر، ولك شريط آخر، مع مراقبتهم ومعرفة الأشرطة التي يسمعونها.
٣ - توفير جهاز الكومبيوتر لتعليمهم بعض الأنظمة التعليمية المفيدة.
٤ - توفير بعض اللعب الرياضية في فناء المنزل إذا كان لديك حوش أو سطح؛ كالمراجيح والدراجات، وألعاب المهارات، والتي تحتوي على فك وتركيب، فهذه الألعاب تشغل الطالب أو الطفل، وتأخذ جزءاً من وقته في غير ما ضرر.
٥ - إلحاق أولادك بالمعاهد والمراكز الصيفية، والمراكز القرآنية المنتشرة في المساجد، وهذه أعظم ما يُربى عليه الأطفال، وما تسمعونه اليوم مما يسميه الناس بالصحوة الدينية والصحوة الإسلامية، هذه لها أسباب، فمن أعظم أسبابها: مدارس تحفيظ القرآن الكريم.
ولذا ترون أن أعظم الشباب وأكثرهم عندما تسأل أحدهم: أين كنتَ؟ يقول: درست القرآن في مسجد كذا، وربما ترك الدراسة؛ ولكن بقي للقرآن أثر في نفسه حتى رجع إلى ما كان قد عُوِّدَ عليه وأُقْرِئَ في بيوت الله ﵎.
٦ - الترويح عن الأطفال والأسر في الإجازات الأسبوعية بالخروج معهم في نزهة لقضاء بعض الوقت الممتع في الخلاء، مع المحافظة -طبعاً- على الصلوات، ومع تستر الأسرة، وعدم التعرض لمجامع الرجال والاختلاط بالرجال.
ز- محاولة ربط الأولاد بشيء من التأمل في مخلوقات الله ، كزيارة حدائق الحيوان، وكذلك زيارة الأودية، والشعاب، والأشجار، والجبال، والتأمل في مخلوقات الله، والنظر في السماء، والسحب، والنجوم، والكواكب، والقمر، والشمس، هذه كلها تستدعي تقوية الإيمان في قلوب هؤلاء الأطفال.
ح- إسناد بعض الأدوار الأسرية إلى الأولاد، قسم تكاليف الأسرة على أولادك، اجعل واحداً من أولادك مختصاً بأن يحضر الماء باستمرار، إذا كان الماء يأتي عن طريق الوايتات، أو واحداً مختصاً بأن يحضر الخضروات أو الفواكه إلى البيت، وواحداً مختصاًَ بأن يأتي بحاجات البيت التي ليست من الخضروات ولا من الفواكه، وواحداً مختصاً بأن يوصِّل أهله إلى المستشفى أو إلى المدرسة، وزع الأدوار حتى تشغل فراغ الأولاد في شيء يعود عليك بالنفع.
ط- التعويد على أذكار الصباح والمساء، وسرد القصص المناسبة لهم عند النوم، خصوصاً قصص السيرة، فحينما يريدون أن يناموا تدخل معهم إلى الغرفة، وتقول: تعالوا، قبل أن ننام نأخذ كتاب: (صور من حياة الصحابة) للشيخ عبد الرحمن رأفت، و (صور من حياة التابعين)، فهذان من أعظم ما أُلِّف، فتأخذ لهم سيرة صحابي، خبَّاب بن الأَرَت مثلاًَ، أو عائشة ﵂، وأي واحدٍ من الصحابة، تقرأ لهم سيرته؛ لتنطبع هذه المفاهيم في أخلاقهم بدلاً من المفاهيم الشيطانية.
وقد يقول قائل: إن الوقت متأخر، فأولادي قد تشرَّبوا حب الأفلام وغرقوا في إدمانها، فكيف الخلاص؟! ونحن نقول له: إن من يتق الله يجعل له مخرجاً، والبداية: هي الإخلاص لله، والصدق مع الله، ثم التوكل عليه، والسير في طريق مرضاته بشيء من اللين والصبر والحكمة، وما نريد إلا الإصلاح ما استطعنا، وما توفيقنا إلا بالله.
وأنا أوصي بالصبر واللين والحكمة، فبعض الآباء يتأثر من سماع موعظة، ثم يأتي إلى البيت، فيريد أن يقلب الحياة رأساً على عقب بمجرد قلم أو بإصدار أمر، حياة مضى عليها عشر سنوات يريد أن يقلبها في لحظة واحدة، فلا بد من وقت للتغيير، أنت الآن إذا دنوت على سفرة الأكل، وفيها الأرز، واللحم، والإدام، والفواكه، ومن كل شيء، وأنت مستعجل، فهل تستطيع أن تأكلها كلها في لحظة واحدة، أم أنه لا بد لك من وقت؟ بل لا بد لك من وقت، وقت للإدام، ثم وقت للأرز، ثم وقت للفاكهة، ثم وقت للغسيل، فرغم أنك مستعجل إلا أن الوقت لا بد منه، أقل شيء ربع ساعة، أو نصف ساعة، كذلك لا بد من وقت للتغيير، وليس مباشرة، فالذين يغيرون مباشرة يفاجَئون في النهاية بالفشل، لكن لو تدرج وصبر، وكان حكيماً، واستغل الثغرات، واستغل الفرص والمناسبات، فيعطي كلاماً طيباً، فإنه سينفع الله به؛ وإذا ما حصل النفع اليوم، فسيحصل بعد شهر، أو بعد سنة، أنا أرى بعض الأسر، الأب يمارس دور الدعوة مع الزوجة والأولاد من سنوات، وما حصلت الهداية إلا بعد سنوات، ولو أنه استعجل من أول الأمر، وحطم وفعل وطلق وطرد، لكانت الأسرة قد انتهت منذ زمن، ووجدوا ألف بديل للشر؛ فالولد إذا طرده أبوه، ذهب إلى رجل أشر منه، وأفسده أكثر، والمرأة تطلقها فتأخذ رجلاً مثلها ربما يفسدها أكثر، لكن قلل من الشر، وعالج الشر، واصبر ما دمتَ تجد للإصلاح مجالاً.
هذا هو المعوق الثاني، وهو: الأفلام.
стр. 2098
المعوق الثالث في طريق سعادة الأسرة: أصدقاء السوء
المعوق الثالث -وهو ما أختم به هذا الدرس- وهو معوق: الأصدقاء:- والصديق والصاحب له أثره الكبير والبالغ على حياة الإنسان، وبعض الناس يتصور الصديق أنه صديق الولد، بل صديق الأب أول شيء، ثم صديقة الأم، ثم صديق الولد، ثم صديقة البنت، يجب أن يكون هذا الصديق والصاحب صالحاً.
стр. 2099
أضرار الرفيق السيئ
فإن من الأسر من تتحطم على يد صديق للأب فاسد، يفسد هذا الرجل ذلك الصديق، ويذهب به في السهرات، ويقضي على وقته في الضياع واللعب، ثم يسمم فكره، ويضيع دينه، حتى يُكَرِّهه في بيته، ويُكَرِّهه في أولاده وفي بناته، ثم تتحطم الأسرة بأسباب ذلك الزميل السيئ.
وأيضاً: من الأسر من تتحطم بأسباب صديقة سيئة لامرأة في البيت، قد يكون الرجل صالحاً، والأولاد طيبين؛ لكن هذه المرأة جلست مع جارة خبيثة، قالت لها: كيف زوجك؟ قالت: طيب، قالت: أيعطيك شيئاً؟ أيعطيك ذهباً مثل زوجي، قالت: لا.
ما أعطاني شيئاً، قالت: أعوذ بالله منه، انظري زوجي كل مرة وهو يبدل لي، إذاً: لا خير فيكِ ولا خير فيه.
فرجعت المسكينة وهي ملغمة ضد زوجها، فبمجرد أن يدخل ويقول: السلام عليكم، تجيبه: وعليكم السلام، فيقول: أما تقولين: وعليكم السلام، حياك الله، كيف حالك؟ -إن شاء الله- ما تعبت اليوم؟! فتقول وهي زعلانة: وعليكم السلام فقط، فيقول: ماذا هناك؟ فتقول: ماذا هناك يا فَسْل؟ أنت ما منك مصلحة، فقط دوام ونقود، ما أهديت لي يوماً واحداً قطعة ذهب، ولا شيء، فلانة رأيتُ معها كذا، وفلانة معها كذا، وفلانة معها كذا، فيقول: الله أكبر عليك! ماذا بك؟ ما الذي حصل؟ ومباشرة يقول لها: والله لن أعطيك حتى حذاءً، فتقول: والله لتعطيني وإلا فلن أجلس، فيقول: والله لن أعطيك، سواءً جلست أم لم تجلسي.
فضربها، وطلقها، وأخرجها من البيت، كل هذا بسبب من؟ بسبب تلك الزميلة السيئة، فزميلة سيئة تدمر الأسرة.
تجلس إحداهن مع بعض النساء، فتكون إحدى هؤلاء النساء عفيفة شريفة طاهرة، ثم تسألها وتقول: أعندكم تليفون؟ فتقول: نعم.
فتقول: أتكلمين أحداً؟ فتقول: من أكلم؟ أكلم أهلي، وأكلم جيراني، وأكلم أبي، فتقول: لا.
أما تكلمين أحداً يفتح نفسك ويوسع صدرك؟ أنت مسكينة، أنت مقتولة، فقط جالسة هكذا؟ فتقول: أبداً، فتقول: لو صنعتُ لك شيئاً فإنك تنبسطي بالمرة، وبعض النساء جاهلة، لا تخاف من الله، وليس عندها خشية من الله، ولا عندها أيضاً حرص على عرضها، ولا عرض زوجها، ولا عرض أبيها، ولا عرض قبيلتها، فتذهب مباشرة وتعلم تلك المسكينة، وتقول: دعينا نكلم شخصاً الآن يكلمني دائماً، دعيني أدق عليه، فتدق وتكلمه، وتقول له: معنا ضيفة جديدة، تفضل، وتعطيه إياها، وهكذا تذهب تدق على التليفون ليلاً ونهاراً، حتى تضيع وتسقط في ميادين الضلال والفساد -والعياذ بالله- بسبب مَن؟ بسبب تلك المرأة السيئة.
وكم من ولدٍ سيئ يقع ضحية لسلوكيات صديقه، وكم من بنت كذلك.
стр. 2100
الحرص على انتقاء الرفيق
يجب أن يحرص المسلم على انتقاء الرفيق، كما يحرص على انتقاء الطعام، يقول ﵊ في الحديث الصحيح: (مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يُحذيك، أو أن تبتاع منه، أو أن تجد منه ريحاً طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، أو أن تجد منه ريحاً خبيثة).
فحامل المسك: هو حامل الإيمان، حامل الدين صاحب القرآن صاحب الخوف من الله والخشية والمراقبة له.
ونافخ الكير: هو حامل المعاصي حامل الشر حامل الغناء حامل الربا حامل الزنا حامل المنكرات، هذا يحرق ثيابك في الدنيا ويحرقك في الآخرة، وأيضاً: تجد منه ريحاً خبيثة، وهي ريح الكفر والضلال -والعياذ بالله- ولذا يحرص الإسلام على تربية أفراده وأتباعه على أن يحسنوا اختيار أصدقائهم.
يقول الناظم:
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه فكل قرين بالمقارن يقتدِي
إذا ما صحبت القوم فاصحب خيارهم ولا تصحب الأردى فتردى مع الردِي
ويقول الناظم الآخر:
فلا تصحب أخا الفسق وإياك وإياهُ
فكم من فاسق أردى مطيعاً حين آخاهُ
يُقاسُ المرءُ بالمرء إذا ما المرء ماشاهُ
وللناس على الناس مقاييس وأشباهُ
وللقلب على القلب دليل حين يلقاهُ
يقولون: إذا سألت عن أبي زيد، فقل: مَن قرينُه، وإذا أردت أن تكون رجلاً فسِر مع الرجال، وإذا أردت أن تكون مؤمناً فسر مع المؤمنين، وإذا أردت أن تكون فاسقاً فسر مع الفاسقين؛ ولذا يذكر الله في القرآن قصة مروِّعة عن رجل كان له صديق سيئ -والعياذ بالله- وخليل فاسق قاده إلى الكفر حتى أدخله النار، يقول الله ويخبرنا عن حالة هذا الرجل، وهو يوم القيامة يعض على يديه، ويأكل يديه من بنانه إلى كتفه ندماً على علاقته بهذا الرجل الفاسد، يقول: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولاً﴾ [الفرقان:٢٧ - ٢٩] هذه الآية نزلت في عقبة بن أبي معيط -عليه لعائن الله المتتابعة- رجل من كفار قريش، كان له صاحب يدعوه إلى الكفر، ويؤلبه عليه، ويثبته عليه، ثم سافر صاحبه هذا، فجاء الرجل إلى النبي ﷺ وسمع الرسول، وسمع القرآن، وكاد أن يسلم، لكنه ما أسلم، ولما رجع صاحبه من الشام سأل زوجته: ما صنع عقبة؟ قالت: لقد صبأ.
أي: أسلم، فقطع حديثها، وخرج في نفس الوقت إلى بيت عقبة، ودق عليه، وقال: أصبأت يا عقبة؟ قال: لا.
ما صبأت! قال: بلى صبأت.
قال: لا ما صبأت، قال: والله لا أصدقك حتى تذهب إلى محمد، فتبصق في وجهه.
قال: أبشر.
فخرج معه وذهب إلى النبي ﷺ ، وهو جالس في المسجد الحرام، فجاء إليه وبصق في وجهه الشريف صلوات الله وسلامه عليه، فجعل يمسح البصاق من وجهه، وهو لا يستطيع أن يصنع شيئاً؛ فهنالك رجع عقبة إلى الكفر، وبقي حتى قتل في يوم بدر، ثم دخل النار، وتذكر من الذي ورطه هذه الورطة، وإذا به زميل السوء، قال : ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ﴾ [الفرقان:٢٧] أي: عقبة ﴿عَلَى يَدَيْهِ﴾ [الفرقان:٢٧] يعض: ندماً وأسفاً؛ لأن الشخص إذا فاته شيء وخسره وتألم عليه وتندم ماذا يفعل؟ يعض أصابعه، ويقول: آه، يا ليتني ما فعلت كذا؛ لكن هذا لا يعضها، بل يأكلها أكلاً إلى كتفه؛ لأن الورطة ورطة ضخمة، إلى جهنم ﴿يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولاً﴾ [الفرقان:٢٧ - ٢٩].
لذا فإنه ينبغي ويتحتم على جميع أفراد الأسرة بدءاً بالأب، فالأم، والأبناء، والبنات، أن ينتقوا الرفقاء والأصدقاء، ينتقوهم من أفضل الناس من المساجد من أهل الإيمان: (لا تصاحب إلا مؤمناً، ولا يأكل طعامك إلا تقي).
إذا حرصنا على هذه الأمور وتحاشيناها، وحرصنا على مجانبة المخدرات، وعدم استعمالها وإحضار الأفلام، واختيار الأصدقاء، فإن الأسر -إن شاء الله- ستكون في سعادة وفي حياة كريمة في الدنيا، ثم ينتقلون -بإذن الله- إلى السعادة الأبدية، في دار عرضها السماوات والأرض.
أسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يوفقنا جميعاً لما يحبه ويرضاه، وأن يثبتنا على دينه، وأن يحشرنا على سنة نبيه ﷺ ، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
والله أعلم.
وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 2101
الأسئلة
.
стр. 2102
حدود مسئولية الأب في حماية الأسرة من مشاهدة الأفلام
السؤال
لدي رغبة في إقناع أهلي وأبنائي وبناتي بأضرار الأفلام؛ ولكن يوجد عند جيراني وأقاربي تلك الأفلام، وربما يذهب من أريد إقناعهم إلى أولئك الجيران فيشاهدون تلك الأفلام، فيذهب ما وصلتُ إليه من إقناع، فما هو الحل؟
الجواب
إذا حصل الإقناع للأولاد وللزوجة، فمعناه: الرفض لهذه الأفلام سواءً كانت في بيتك، أو في بيت جيرانك أو في بيت أقاربك؛ لكن يبدو أن الذي حصل عندك الأمر فقط، فالأمر شيء والإقناع شيء آخر، قد يأمر الإنسان بإبعاد هذه الأشياء مع بقاء الرغبة في نفوس أهل البيت فيها، فمطلوب منك أن تمنعها سواءً رغبوا أم لم يرغبوا، لكن إذا حصلت القناعة فهي أفضل، وإذا لم تحصل القناعة عندهم وقد حُلت بينهم وبين الفساد، ثم ذهبوا إلى الجيران أو إلى الأقارب وسمعوها وأنت لا تعلم فقد برئت ذمتك، ولستَ بمسئول؛ لأن مسئوليتك في حدود بيتك، أما بيوت الناس فالناس هم المسئولون عنها، ولكن ينبغي أن تنصحهم أيضاً، وأن تقلل الزيارة لمثل هذه البيوت، أو تمنعها بالكلية إذا كان ذلك ممكناً، لكن إذا كان لا بد من زيارة الأقارب، ولا شك أنه لا أحد يستطيع أن يقطع أهله ولا أقاربه، فلتكن في أوقات لا يكون فيها أفلام، كبعد العصر، أو في الصباح، ولمدة بسيطة، كربع ساعة أو نصف ساعة، ثم تأخذ أهلك وعيالك ثم تركب سيارتك وتمشي؛ حتى لا يؤدي بقاؤهم إلى شيء من التعارض مع ما سبق أن وجهتهم به.
стр. 2103
مشاهدة المرأة للرجل في أفلام المصارعة خطر عليها
السؤال
لو قلنا للشباب: إن هناك مصارعة للنساء في التليفزيون، فماذا يكون موقف الشباب وهم ينظرون إلى النساء وهن عاريات؟ إذاً: ما موقف النساء وهن ينظرن إلى الرجال في المصارعة الحرة وهم عراة، وقد سُئلَتْ إحدى الفتيات عن المصارعة، فقالت: إن أكثر النساء يحرصن عليها، ويتمتعن بالنظر إليها؟
الجواب
حقيقة، هذه من الأشياء التي ينبغي أن يحول الإنسان بين أهله وبينها، أن تنظر المرأة إلى الرجال؛ لأن المصارع إنسان ذو قوة في جسده، وذو عضلات مفتولة، وذو جسم صحيح، فإذا رأتْه المرأة وكانت قليلة إيمان ودين، فإنها تفتتن به؛ لأنها ربما تنظر بعده إلى زوجها، وإذا به مثل المشمشان، لا عضلات، ولا جسم، ولا شيء، ثم تجري مقارنة بينه وبين ذاك، وتقول: أين هذا من ذاك؟! فتكره زوجها؛ لأنها تظن الرجال كلهم مثل هذا المصارع، فما ينبغي لك أن تسمح لزوجتك بأن تنظر إلى المصارعة الحرة، ولا ينبغي أيضاً -إن شاء الله- أن تكون هناك مصارعة للنساء، فهذه آخر الموديلات، أن يكون هناك مصارعة نساء والعياذ بالله.
стр. 2104
حكم الغناء
السؤال
ما حكم الغناء، مع العلم أنه يكثر في مجالس المسلمين، وفي سياراتهم، وفي بيوتهم؟
الجواب
حكم الغناء كما وضَّح أهل العلم من الأدلة الشرعية في كتاب الله وفي سنة رسول الله ﷺ هو التحريم، وهناك مؤلفات كثيرة، وأشرطة منتشرة تسوق الأدلة الواضحة من الكتاب والسنة، ومن أقوال السلف، ومن أقوال الأئمة -أئمة العلم- على أن الغناء حرام.
أما من القرآن: فيقول الله : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً﴾ [لقمان:٦] وأقسم عبد الله بن مسعود وقال: [والله الذي لا إله إلا هو أن لهو الحديث في هذه الآية هو الغناء].
ويقول الله عن الشيطان: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾ [الإسراء:٦٤] قال العلماء: صوت الشيطان هو المزامير والأغاني.
والله يقول: ﴿أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ * وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ * وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ * فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ [النجم:٥٩ - ٦٢] سامدون، أي: مُغَنُّون، فالسمود في لغة العرب يعني: الغناء، يقول الرجل لجاريته: اسمدي لنا يا جارية.
أيضاً: وردت الأحاديث الصحيحة في سنة النبي ﷺ ، منها حديث في صحيح البخاري، يقول ﵊: (ليكونن من أمتي أقوام في آخر الزمان يستحلُّون الحِرَ، والحرير، والخمر، والمعازف).
وحديث صحيح في السنن: (أن النبي ﷺ كان يسير مع ابن عمر في طريق، فسمع مزماراً لراعٍ، فأمره، فوضع يديه في أذنيه، وما زال يقول لـ ابن عمر: أتسمع؟ أتسمع؟ حتى إذا قال: لا أسمع، أبعد يديه ﷺ عن أذنيه).
ووردت أحاديث ليست في الصحاح، وإنما هي في السنن، وفي الضعفاء ولكنه يُحتج بها، منها: ما روى الترمذي والحديث ضعيف أنه ﷺ قال: (إذا عملت أمتي خمس عشرة خصلة حل بها البلاء، فلينتظروا ريحاً حمراء، وزلزلة وخسفاً ومسخاً منها: إذا كان المغنم دولاً، والأمانة مغرماً، والزكاة مغنماًَ، وأطاع الرجل زوجته وعقَّ أمه، وأدنى صديقه وأقصى أباه، وتُعلَِّم العلم لغير الدين، وارتفعت الأصوات في المساجد، وظهرت القينات والمعازف، وأُكرم الرجل مخافة شره، ولعن آخر هذه الأمة أولها، فلينتظروا عند ذلك ريحاً حمراء وزلزلة وخسفاً ومسخاً).
ومنها أيضاً: حديث ضعيف ولكنه يُحتج به؛ لأنه يؤيده من الأحاديث القوية ما يسنده، منها: قوله ﷺ : (من استمع إلى مغنٍّ أو مغنية صب الله في أذنيه الآنك يوم القيامة) أي: الرصاص المذاب.
هذه وغيرها من الأدلة الكثيرة كلها تحرم الأغاني والمزامير؛ لأنها من اللهو المحرم، الذي يصد عن ذكر الله، والذي يحرض على الزنا، والذي يدعو إلى الفساد.
أما كونه منتشراً في كثير من بيوت المسلمين: فلا يُستغرَب ذلك؛ فإن الخير والشر موجود إلى يوم القيامة، ولكن -والحمد لله- نلمس ونسمع الآن أن الشر هذا بدأ يتلاشى في كثيرٍ من الأسر، وأنتم تسمعون الآن في السيارات عندما تقفون عند الإشارات، بعد أن كنتم تسمعون كل الإذاعات في السيارات تشتغل على الأغاني، تسمعون الآن -من فضل الله- سيارة فيها قرآن، أو سيارة فيها شريط إسلامي، وربما تسمع سيارة أو سيارتين فيها أغاني؛ لكن صاحب الأغاني تجده يرخيها، ويتستر بها، ويخجل منها، أما صاحب القرآن فيرفعه معتزاً، وفخوراً بأنه يسمع كلام الله، وكلام رسول الله ﷺ .
ونسأل الله أن يزيد المسلمين تبصيراً، وهداية في أمور دينهم، وأن يتركوا هذا الشر، وهذه الأمور التي جربها الناس كثيراً فلم يجنوا منها شيئاً، يقولون: هي دقدقة فقط لا غير، فبعض الناس يظل يغني حتى يؤلمه رأسه، ثم ماذا بعد ذلك؟ والله لا شيء، أولها: سخط الله، وآخرها: جهنم -والعياذ بالله- بدؤها من الشيطان، وعاقبتها سخط الرحمن، يقول ابن القيم:
برئنا إلى الله من معشر بهم مرض من سماع الغنا
فعشنا على سنة المصطفى وعاشوا على دَنْدَنا دَنْدَنا
والله أعلم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 2105
نعمة الإيمان
إن نعم الله كثيرة لا تحصى، ومن أهم النعم التي أنعم الله بها علينا نعمة الإيمان، الإيمان الذي به ننال مرضاة الله ، وبه ندخل الجنة، وبه النجاة من النار وقد تحدث الشيخ عن الإيمان مبيناً ثمراته وآثاره، ثم تكلم عن حقيقة الإيمان، وأنه اعتقاد وقول وعمل، ذاكراً بعد ذلك وسائل تقوية الإيمان والحصول عليه.
следующие страницы →