Полный текст (2 982 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.
стр. 2276
الإذعان لأمر الله في غض البصر
قال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور:٣٠] إن تمردك على أمر الله في بصرك في النظر إلى ما حرم الله ومتابعة محارم المسلمين، والتلصص على حرمات الله، هذا تمردٌ على حكم الله، فأنت لم تحكم بما أنزل الله في عينك.
يسر مقلته ما ضر مهجته لا مرحباً بسرورٍ عاد بالخطرِ
كل الحوادث مبداها من النظرِ ومعظم النار من مستصغر الشررِ
إن كثيراً من الناس لا يقدرون لهذا الأمر أهميته، فأمر غض البصر مهم، ولذا نص الله عليه في القرآن، وخاطب المؤمنين على حدة، وخاطب المؤمنات على حدة، فقال في المؤمنين: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور:٣٠] وكأن قائلاً يقول: لِمَ يا رب؟! أريد أن أمتع بصري، أريد أن أتمتع بالنظر إلى الجمال الذي أوجدته في النساء -الجنس الآخر- لماذا يا رب! توجد الجمال ثم تقول: أغض بصري؟!! فالله يعلمك مصلحتك، وما هو الأفضل لك، قال : ﴿ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾ [النور:٣٠] أزكى لك وأفضل وأرفع، وأجل وأعف وأنظف أن تغض بصرك؛ لأنك إذا نجست عينك بالنظر إلى محارم الله أغضبت الله فإنه يراك حين تنظر إلى حرماته.
قيل للحسن البصري: [بِمَ نستعين على غض البصر؟ قال: بعلمك بأن نظر الله إليك أسرع من نظرك إلى المنظور إليه] أنت تنظر والله ينظر، أنت تجترئ على حرمات الله وتمتع نظرك بالتلذذ بمحاسن امرأة لا تحل لك، والله ينظر إليك ويغضب عليك ويسخط عليك، ويمقتك من فوق سبع سماوات، يمقتك لأنك عبدٌ شهواني، عبدٌ هابط، عبدٌ شيطاني، تريد معصية الله، تريد التمرد على أمر الله بعينك، رغم أن العين ليست منك، ما ركبتها في رأسك، ولا ركبتها أمك لك، ولا اشتريتها من السوق، ولا من المستشفى.
стр. 2277
البصر من أجلِّ نعم الله فليضبط أمره
إن العين التي عندك من أجلِّ نعم الله عليك: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد:٨ - ١٠].
هب أنك أعمى! كيف تستطيع أن تتمتع بمتاع هذه الحياة؟ إن الأعمى المسكين يعيش في عالم والناس في عالم آخر، ولذا جاء في الحديث: (إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه فصبر عوضته عنهما الجنة) ليس هناك عوض مع الصبر والاحتساب إلا الجنة؛ لأنك إذا أغمضت عينيك وحاولت أن تجرب دقيقة أو دقيقتين أو ثلاثاً فلا تفتح عينيك.
تقول: أين الباب؟ أين حذائي؟ أين سيارتي؟ كيف أقودها؟ كيف أصل إلى بيتي؟ كيف أرى زوجتي؟ كيف أنظر إلى طعامي؟ كيف أتلذذ بالنظر إلى أولادي؟ كيف أنظر إلى فراشي؟ كيف أنظر إلى غرفة نومي؟ كيف أقرأ كتابي؟ كيف أقوم بمعاملاتي؟!! كل هذا بنعمة البصر، هذه نعمة لا تعدلها نعمة، لكن قيدها الله بالنظر فيما أحل، وفيما يحب، وكثيرٌ من الناس استعمل هذه النعمة فيما يسخط الله؛ ما نظر بها يوماً في كتاب الله، ما نظر بها يوماً في ملكوت الله، وما نظر بها يوماً فيما يرضي الله، وإنما خصصها ليلاً ونهاراً، بالنظر في محارم الله، سواءً في المجلة، أو في الفيلم، أو في السوق، أو في الحرام، فعينه مخصصة لمحاربة الله، هذا لم يحكم بأمر الله.
стр. 2278
غض البصر أزكى لصاحبه في الدنيا والآخرة
قال تعالى: ﴿ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾ [النور:٣٠] كيف يكون غض البصر أزكى لك؟ نعم.
أزكى لك في الدنيا وأزكى لك في الآخرة، أما في الآخرة فإنك إذا غضضت بصرك عن محارم الله أطلقت بصرك بالنظر إلى وجه الله في الدار الآخرة، وهل بعد هذا نعمة؟ هل هناك أعظم من أن تنظر إلى الله كما تنظر إلى القمر ليلة النصف لا تضام في رؤيته كما جاء في الحديث الصحيح، يقول ﵊: (إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة النصف لا تضامون في رؤيته) وقال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢] أي: مشرقة وجميلة، تعلوها نضرة النعيم، يعلوها الجمال والبهاء، يعلوها الرضا والرضوان من الرحمن ﵎، يقوم أهل الإيمان يوم القيامة ووجوههم مسفرة ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ [عبس:٣٨ - ٣٩] مسفرة بنور الإيمان، ضاحكة بالرضا عن الله، مستبشرة بوعد الله : ﴿ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ [عبس:٣٩] ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٣] أي: مشاهدة، وقال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦] الحسنى هي: الجنة، والزيادة هي: النظر إلى وجهه الكريم.
﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق:٣٥] ما يشاءون: كل ما يخطر في بالك، بل أعظم مما يخطر في بالك، يقول الله : ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ﴾ [السجدة:١٧] فلا تعلم أنت ما في الجنة، فيها نساء لكن لا كنساء الدنيا، وتعلم أن في الجنة خموراً لكن ليست كخمور الدنيا، وتعلم أن في الجنة قصوراً شاهقات لكنها ليست كقصور الدنيا، وتعلم أن في الجنة ثماراً لكن ليست كثمار الدنيا، وتعلم أن في الجنة أنهاراً لكنها ليست كأنهار الدنيا، كل ما في الجنة، وكل ما خطر في بالك فالجنة بخلاف ذلك، هذا ما يشاءون: ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق:٣٥] هذه نعمة في الآخرة، لكن لمن غض بصره في الدنيا عما حرم الله.
تريد أن تملأ عينيك بالنظر إلى وجه الله وأنت قد ملأتها وأفسدتها ونجستها بالنظر إلى الزانيات والداعرات والمتبرجات، لا يمكن أبداً، العين المريضة القذرة التي لا ترتاح ولا تطمئن إلا إذا نظرت إلى ما يحرم الله هذه العين لا تستطيع أن تنظر إلى الله، عين مريضة، ولذا جاء في الأثر: (من ملأ عينيه من الحرام ملأهما الله من جمر جهنم).
стр. 2279
ثمرات غض البصر، وعواقب إطلاقه
إن لله حكماً في كل شيءٍ من تصوراتك، لله حكمٌ في عينك، يقول الله في حكم العين: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [النور:٣٠] هذا حكم الله -الذي لا إله إلا هو- موجهٌ لك، يا من رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد ﷺ نبياً! يا من دخلت في دائرة الإيمان! يا من تسربلت بسربال الإيمان! هذا أمرٌ من الله موجه لك، يقول الله لنبيه ﷺ : ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور:٣٠] (قل): فعل أمر، قل يا محمد! للمؤمنين، فمن الذي يستطيع أن يخرج نفسه من دائرة أهل الإيمان؟ ويصبح في دائرة المنافقين، أو في دائرة الكفار، أو في دائرة المجرمين حتى لا يكون مخاطباً بهذه الآية: (قل للمؤمنين)؟ هذا أمر الله، وحكمه ، لا تظنن أنك متروك أو مضيع، إنك محكومٌ في كل جزئية من جزئياتك، وفي كل تصرف من تصرفاتك، وفي كل عمل من أعمالك، في ليلك ونهارك وفراشك وطعامك، وفي إتيانك لزوجتك، وفي دخولك إلى بيتك، وفي خروجك من منزلك، وفي دخولك إلى عملك، وفي ركوبك لسيارتك، وفي سماعك للمطر، وفي رؤيتك للشمس، وفي بداية النهار، وفي نهاية النهار: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣].
стр. 2280
ثمار غض البصر في الآخرة
كل عين تبكي يوم القيامة إلا ثلاثاً: عينٌ بكت من خشية الله، وعينٌ حرست في سبيل الله، وعينٌ غضت عن محارم الله، ثم مع النظر إلى وجه الله الكريم تنظر إلى النعيم، تنظر إلى زوجاتك من الحور العين: حور مقصورات في الخيام، لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان، في الجنات قاصرات الطرف لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان، كأنهن الياقوت والمرجان، بل إنهن كأمثال اللؤلؤ المكنون، وكأنهن بيض مكنون، إذا نظرت إليها رأيت وجهك في كبدها، كبدها مرآتك، وكبدك مرآتها، تجلس عندها قدر نصف يوم من أيام الآخرة خمسمائة سنة، ثم يشرق في الجنة برق يضيء، فيقول الناس: ما هذا؟ قالوا: هذه حورية تبسمت في وجه زوجها، تريد هذه وأنت تتلفت وتتلصص، فكثير من الناس ليس عنده عمل، يخرج إلى السوق لا يبيع ولا يشتري إلا مع الشيطان، لماذا تخرج؟ قال: أنظر، ماذا تنظر؟ تنظر إلى معصية الله! تنظر إلى غضب الله! تنظر إلىلعنة الله! وبعض النساء كذلك تخرج ليس لها عمل إلا أن تنظر، والله خاطب الرجال بهذه الآية وقال: ﴿ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾ [النور:٣٠] أفضل لهم، فلو أنك غضضت بصرك لأعطاك الله اثنتين وسبعين حورية، جاء وصفها في القرآن وفي السنة بما لا يتصوره العقل، يكفيك أن الله يقول فيهن: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ [الصافات:٤٩] ﴿كَأَمْثَالِ الْلُؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ [الواقعة:٢٣] ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن:٥٨].
تصور زوجتك مثل الياقوتة والمرجانة، هل رأيت في حياتك ياقوتة، لقد حاولت يوماً وأنا أدخل عند بائع الجواهر واللآلئ قلت له: أرني من فضلك قطعة من الياقوت أو المرجان، فأعطاني قطعة صغيرةً لا تزن ستين أو سبعين جراماً في صندوق مذهب، فقلت له: بكم هذه؟ قال: هذه بمئات الآلاف.
فنظرت إليها حقيقة، فسلبت بصري من جمالها، ومن شكلها، ومن عظمتها، قلت في نفسي: فكيف بالزوجات في الجنة كأنهن الياقوت والمرجان.
بالله هل من حقك أن تضيع هذه من أجل خبيثة تنظر فيها؟ يقول:
فاسمع إذاً أوصافها وصفاتها تلك المنازل ربة الإحسانِ
هي جنة طابت وطاب نعيمها فنعيمها باقٍ وليس بفانِ
ويقول ابن القيم ﵀ في الميمية:
فيا خاطب الحسناء إن كنت راغباً فهذا زمان المهر فهو المقدمُ
فكن مبغضاً للخائنات لحبها لتحظى بها من دونهن وتسلمُ
وصم يومك الأدنى لعلك في غدٍ تفوز بعيد الفطر والناس صومُ
الصائم الآن عن الحرام يشعر بمعاناة، يرى النساء ويغض بصره، فقط هي أيام وليالٍ إلى أن تموت وتفطر في الجنة إن شاء الله، أما ذاك الذي يفطر أتدرون ما مثله؟ مثل من يصوم يوماً في رمضان ومن يفطره، الصائم في نصف النهار يحس بألم الجوع، ويعاني من لذعة العطش، ويريد الأكلة التي كان قد تعودها كل يوم الساعة الثالثة أو الثانية والنصف، لكنه يصبر ويضغط على أعصابه ويذهب ينام، وبعضهم إذا دخل البيت يكون غضبان؛ لأنه صائم، ثم إذا جاء المغرب، ووضعت الموائد، وصفت الصحون، وقدم الماء البارد، والشراب البارد، والطعام الجميل، شعر بفرحة ليس بعدها فرحة، ولهذا جاء في الحديث: (للصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه).
أما ذاك الذي لم يصبر وقال: لن أصوم، وكفر -والعياذ بالله- وأفطر في نصف النهار، وذهب البيت وأكل، إذا أتى المغرب هل له فرحة؟ ليس له فرحة، بل عليه لعنة في قلبه، وإذا مات هل له فرحة؟ ليس له فرحة، بل عليه غضب من الله ﵎، فأنت يا مسلم! غض بصرك عن محارم الله حتى تمتع بصرك بالنظر إلى وجه الله في الدار الآخرة، وبالنظر إلى زوجاتك من الحور العين، وبالنظر إلى قصورك وأنهارك، وإلى ثمارك وبساتينك، وإلى ما لا عينٌ رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
هذا في الآخرة.
стр. 2281
ثمار غض البصر في الدنيا
في الدنيا هل يوجد شيء؟ نعم.
يوجد شيء الآن قبل الآخرة، جميع ثمار ونتائج الدين لا تنتظرك في الآخرة فقط، بل هي مقدمة في الدنيا قبل الآخرة، يقول الله : ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [النساء:١٣٤] من أراد الدنيا فعليه بالدين، ومن أراد الآخرة فعليه بالدين، ومن أراد الدنيا والآخرة فعليه بالدين، ومن ضيع الدين ضيع الدنيا والآخرة، يقول الله : ﴿تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ﴾ [الشورى:٢٢] ويقول: ﴿وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ * وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ﴾ [الشورى:٤٤ - ٤٥].
عليك بالدين، والدين يرتب لك جميع أنواع السعادة في الدنيا والآخرة، ولو تصورت -بوحي من الشيطان- أنه يحرمك من الأغاني يحرمك من الأغاني لكن أبدلك الله بالقرآن الكريم، يحرمك من النظر إلى النساء، لكن الله أبدلك بالنظر إلى زوجتك الحلال.
وفي الدنيا إذا غضضت بصرك فإن الله يفتح بصيرتك، والبصيرة نورٌ يقذفه الله في قلب من شاء من عباده: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور:٤٠] والذين لا ينظرون بنور الله، ولا يبصرون طريق الله، فالله أعمى بصيرتهم لما أطلقوا أبصارهم فيما حرم الله، كيف يفتح الله بصيرته وهو ينظر في الحرام؟ لكن غُض بصرك ليفتح الله بصيرتك، وقد جاء في الحديث، يقول ﵊: (من غض بصره احتساباً لوجه الله أبدله الله بإيمانٍ يجد حلاوته إلى يوم يلقاه) فهذا معنى البصيرة: أن تعرف مصلحتك، وما فيه خيرك وسعادتك في الدنيا والآخرة، فتسير في الطريق الصحيح؛ لكنك إذا أطلقت بصرك في الحرام طمس الله بصيرتك، وحصل لك عمى، حصل لك عدم معرفة لمصالحك، ولا حتى تعرف مصلحة نفسك.
الذين يدورون بفلك الشيطان، ويسيرون في ركاب الشيطان، والشيطان يركب عليهم ويستعملهم في طرق الضلال، هؤلاء يقول الله فيهم: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الحشر:١٩] نسي الله فأنساه الله مصلحة نفسه، فدمرها وأهلكها، وعرَّضها للعذاب في الدنيا والآخرة، ولو ذكر الله لذكره الله بمصالح نفسه، ولعرف مصالحها في الدنيا والآخرة: ﴿ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾ [النور:٣٠] من غض بصره فتح الله بصيرته.
هذا أولاً.
ثانياً: أوجد الله في قلبه محبة لزوجته إذا كان متزوجاً، وإذا كان غير متزوج فحتى يتزوج، فإذا حفظت بصرك وعندك زوجة فإنك تراها من أعظم النساء، لماذا؟ لأنك لا ترى غيرها، ولذا جاء في الحديث: (إذا رأى الرجل منكم ما يعجبه في امرأة فليأتِ أهله، فإن معها الذي معها).
فأنت حين تغض بصرك عن الحرام تدخل بيتك فترى زوجتك ملكة جمال، لكن لما تنظر في الأسواق وترى الموديلات والأشكال والألوان، والطول والعرض والجمال، وتدخل على امرأتك: هل تتصور أن تكون زوجتك فيها جميع جوانب الجمال الذي في السوق؟ فعندما تراها تنظر في عيونها وإذا عيونها ليست مثل عيون تلك، وإذا طولها ليس مثل طول تلك التي كأنها غصن، وإذا بعرضها ليس بمثل عرض تلك التي هي رشيقة الجمال فتكرهها، فإذا كرهتها كرهتك، وإذا كرهتك بحثت عن غيرك كما بحثت عن غيرها، وتسوء العشرة، ويتحطم كيان الأسرة، ويتشرد الأولاد، وتفسد الحياة، وتصبح الحياة حياة بهيمية بأسباب عدم غض البصر.
لكن يوم أن تغض بصرك تدخل عليها فتتلفت فيها وتقول: ما هذا الجمال؟! ما هذه العظمة! لأنك لا ترى غيرها، تظن أن ليس في الدنيا إلا هذه المرأة، ووجود العشرة والرابطة بين الزوج والزوجة هدف وغرض من أغراض الدين؛ لأنه إذا تفاهمت الأسرة وعاشت في وئامٍ وانسجامٍ وحبٍ وتفاهمٍ انعكست الآثار على الأفراد، وانعكست بالتالي على المجتمع والدولة كلها، وأصبحت الأمة كلها كأصابع الكف متماسكة قوية لكن يوم أن تتحطم الأسرة يتحطم المجتمع، وإذا تحطم المجتمع تحطمت البلاد، وساءت الأخلاق، وتحللت الروابط، وانقسمت القلوب، وحصل الفساد والطرد والغضب واللعنة من الله ﵎.
كيف تستطيع أن تحب زوجتك إذا لم تغض بصرك؟ يقول الناظم:
إن الرجال الناظرين إلى النسا مثل الكلاب تطوف باللحمانِ
إن لم تصن تلك اللحوم أسودها أكلت بلا عوضٍ ولا أثمانِ
لا تتركن أحداً بأهلك خالياً لو كان بالنساك مثل بنان
المصلحة الأولى: أطلق الله بصيرتك وفتح قلبك، ثانياً: أوجد الحب والألفة بينك وبين وزوجتك.
стр. 2282
إطلاق البصر يجلب لصاحبه الويلات
ليس في الدنيا أصلح من غض البصر للقلوب؛ لأن الذي لا يرى شيئاً قلبه مرتاح، يرى زوجته، وإذا أرادها فهي موجودة عنده، يمد يده عليها، لكن الذي ينظر ثم لا يستطيع أن يقدر على شيء يقول:
وأنت إذا أرسلت طرفك رائداً لقلبك يوماً أتعبتك المناظرُ
رأيت الذي لا كله أنت قادرٌ عليه ولا عن بعضه أنت صابرُ
ترى أشكالاً كثيرة من الذي بينك وبين عرضه، لا تقدر عليها كلها، ولا تصبر عنها كلها ولهذا يقول الشاعر:
وأنا الذي جلب المنية طرفه فمن المطالب والقتيل القاتلُ
الذي جلب الموت لي في قلبي وطعنني وضربني ضربة في قلبي هي: عيني.
وأنا الذي جلب المنية طرفه فمن المطالب والقتيل القاتلُ
يا رامياً بلحاظ السهم مجتهداً أنت المصاب فلا ترمِ بما تصبِ
وكثير من الناس يخرج من بيته ليس في قلبه هم ولا غم، فإذا رأى امرأة غانية متبرجة -والعياذ بالله- ورأى جمالها وأشارت إليه أو أشار إليها، وتابعها ثم ركبت سيارتها وذهبت ورجع هو إلى البيت رجع وهو مريض، يدخل البيت عند أهله يقدمون له العشاء فيقول: لا أريد عشاء، وهو يزفر الزفرة تقض صدره، ولا يأتيه النوم، ما الذي حصل؟ حريق في قلبه، من الذي أحرقه؟ عينه، طعن نفسه بعينه، لكنه لو غض بصره لأرضى ربه، ولأراح قلبه.
كنت سائراً في طريق من المسجد إلى منزلي ومعي شابٌ مؤمن -ولا أزكي على الله أحداً- وفي الطريق قابلنا اثنتين من الفتيات وكن متبرجات، عليهما عباءات قصيرة وكعوب عالية وثياب مشقوقة، المهم من النظرة الأولى غضيت، وهو معي ولم أقل له شيئاً، جلست أرقبه، وإذا به يغض، وفي الطريق وبعدما تجاوزناهن، نظرت إليه وقلت: ما رأيك: النظر أحسن أم الغض أحسن؟ قال: والله الغض أحسن.
قلت: لماذا؟ قال: لو أني نظرت لكنت الآن مريضاً، لكن صبرت قليلاً، وانتهيت وليس في قلبي شيء، وهكذا -أيها المسلم- تريح قلبك، والله يقول: ﴿ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾ [النور:٣٠].
والله يعلم مصلحتك ويعلم مضرتك، فهذا أزكى لك أفضل لك أرفع لك أعف لك أهنأ لك أكسب لك في الدنيا والآخرة أن تغض بصرك، فهل حكّمت أمر الله في هذا؟
стр. 2283
غض البصر يحتاج إلى مجاهدة شديدة
قليل من يحكّم أمر الله، بل حتى من الملتزمين، من الناس الذين فيهم خير من تجده يصلي، وتجد ثوبه قصيراً على السنة، وربما تجده متمسكاً بالسنة في لحيته، وفي أموره كلها، لكنه إذا رأى المرأة نظر إليها، الله يقول: غضوا، وهو ينظر إلى الحرام، لماذا؟ لأنه مسكين وقلبه مريض، ولا حول ولا قوة إلا بالله! غض بصرك ستشعر بمعاناةٍ وتعبٍ وقوة خارجة عن قوتك وعن إرادتك وتصرفك، إنها قوة الشيطان؛ لأن الشيطان لا يصطاد الناس من طريقٍ أعظم من طريق العين، يقول لك: انظر فقط، وبعد هذه تتكرر النظرة، ثم خطرة، ثم سلام، ثم كلام، ثم مواعيد، ثم لقاءات، ثم جرائم وزنا، ثم جهنم، بدأت بالنظر وانتهت بالنار.
لكن لو أنك أغلقتها من أول مرة لاسترحت، كما في المثل: "نافذة يأتيك منها ريح أغلقها واستريح" هذه عينك نافذة على الحرام، يأتيك منها ريح الزنا والحرام، أغلقها واسترح، وافتحها على كتاب الله، افتحها على النظر في ملكوت الله، افتحها بالتأمل في مخلوقات الله، والله يقول في هذا: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ﴾ [ق:٦] ليس نظراً كما تنظر الدابة والبهيمة إلى ما تأكل عند قدميها فقط.
بعض الناس لا يرفع يوماً من الأيام بصره إلى السماء، يمكن يدخل الشهر وينتهي، بل السنة وتنتهي، وهو لم يرفع بصره ليقول: لا إله إلا الله سبحانك يا رب ما أعظمك! بل عيونه دائماً في المعارض والدكاكين والنوافذ والمجلات، لا يرفع بصره؛ فهذا مسكين مربوط إلى الأرض، مربوط هابط متلطخ بالقاذورات، قال الله: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ * وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ [ق:٦ - ٨] انظر الله يقول: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ﴾ [العنكبوت:٢٠] ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس:١٠١].
стр. 2284
البصر نعمة قد يسلبها الله منك
لا تنظر فيما حرم الله، فالله قادر على أن يطمس بصرك، يقول الله: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ﴾ [يس:٦٦] ومن عاث بالدنيا هنا ببصره فيما حرم الله أعمى الله قلبه في الدنيا والآخرة، وحشره يوم القيامة أعمى، كما قال : ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً﴾ [الإسراء:٧٢] أعمى: ليس أعمى البصر، لكن أعمى عن الدين، لا ينظر إلى القرآن ولا يرى إلا الحرام.
ويقول : ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه:١٢٤ - ١٢٦] نسيتها وتعاميت عنها، وكذلك اليوم تنسى وتعمى وتؤمر بالسير على الصراط وأنت أعمى، وتدخل النار أعمى، قال الله : (وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً﴾ [الإسراء:٩٧].
بالله الذي لا إله إلا هو أسألك بالله يا أخي، يا مؤمناً! هل بقي لك مبرر أن تنظر في الحرام، وتشاهد الأفلام، وتخرج إلى الأسواق والمعارض وتنظر أعراض المسلمين، تحرق قلبك تذهب إيمانك تغضب ربك تطمس بصيرتك؟ كلما نوَّر الله قلبك بقليل صلاة ذهبت لتطمسها بعشر ساعات في الحرام، ولهذا يقول كثير من الناس: ما بالنا نصلي ونصوم ولا نتعظ، وقلوبنا قاسية؟! لا تنفعك صلاة عشر دقائق، وأنت جالس خمس ساعات أمام الفيلم والمسلسل، ترى النساء، وترى الحرام، ماذا تنفعك لحظات تقضيها مع الله تهدمها وتمسخها بساعات تقضيها في الأسواق تنظر إلى الحرام بعينك؟ ما هذا؟ لا بد من حماية مع البناء، تبني صلاة وصياماً وتقوى وأيضاً تحمي من الهدم، تحمي من المعاصي، هذه العين فقط: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤] احكم بما أنزل الله في عينك وعلى هذا قس.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين، فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 2285
تحكيم أمر الله في السمع
الحمد لله على إنعامه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشانه، ونشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وإخوانه وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد: فيا عباد الله: حكموا القرآن، حكموا سنة النبي سيد ولد عدنان صلوات الله وسلامه عليه، حكموه في كل شيء، حكموه في أبصاركم، حكموه في أسماعكم.
стр. 2286
السمع نعمة قد يحمل الخير أو الشر إلى القلب
إن هذه الأذن مأمورة وصدر فيها حكم من الله يقول الله : ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ [الإسراء:٣٦] ويقول عن عباد الرحمن: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً﴾ [الفرقان:٦٣] ﴿وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً﴾ [الفرقان:٧٢] ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [القصص:٥٥].
هذه الأذن مسئولة عما سمعت، وهذه الأذن مصبٌ وقناةٌ تحمل الخير أو الشر إلى القلب، كما أن العين قناةٌ يمكن أن ترسل عن طريقها الخيرات والتأملات والآيات، ويمكن أن يرسل عن طريقها الآهات والحسرات والعذاب والعياذ بالله.
وهذه الأذن كذلك يمكن أن تكون قناة لإحياء قلبك أيها المؤمن! عن طريق سماع كلام الله، إذا سمعت خطاب الله الذي أنزل لك القرآن: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص:٢٩] ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ [العنكبوت:٥١] ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة:١٥] ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ [الشورى:٥٤ - ٥٣] إنه كتاب كريم ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:٤٢] هذا القرآن العظيم خاطبك الله به من أجل أن تسمعه أولاً، ثم تفهمه، ثم ترتله، ثم تطبقه وتعمل به وتدور معه في فلكه، هذا كتاب الله، لكن يوم أن عاشت الأمة في غير ميادينها ضيعت القرآن، فكثير من بيوت المسلمين يدخل اليوم وينتهي ما قُرئت فيه آية، وإن قُرئت فعلى سبيل الصدفة، وإن قرئت في بعض المحلات تبركاً لمدة دقيقتين، ثم يضع الشريط على المنكرات والأغاني والعياذ بالله.
فلما عاشت الأمة في غير ميدانها الطبيعي هجرت كتاب الله واستبدلته، وسمعت شيئاً لا يرضي الله، وهذه الأذن مسئولة يوم القيامة.
стр. 2287
من تحكيم شريعة الله في السمع: عدم سماع الأغاني
ذهل حكمت شريعة الله في الأذن؟ هل سمعت بها ما يرضي الله أم استمعت بها ما يغضب الله؟ إن النبي ﷺ والحديث صحيح في السنن: (كان يسير يوماً من الأيام مع عبد الله بن عمر وفي الطريق سمع راعياً معه بوق -بوق الراعي لا يفتن ولا شيء، إنما يسلي به الراعي عن نفسه في الجبال- فلما سمعه ﷺ ، وضع إصبعيه في أذنيه حتى لا يسمعه) ويقول في الحديث الصحيح عند البخاري: (ليكونن أقوام من أمتي يستحلون الحرَ والحرير والخمر والمعازف) حتى غدت أمتنا أمة الغناء والطرب، لا أمة القرآن، ولا أمة الجهاد والسيف، ثقافتنا الموسيقية والغنائية أعظم من ثقافتنا القرآنية، إذا أريد إجراء مسابقة وطلب من المتسابقين قراءة آية قاموا كلهم يتلفتون: هل فيكم مطوع؟ وأنتم ألستم بمؤمنين؟! ألستم مسلمين؟! أليس القرآن كتابكم؟! ألم يخاطبكم الله به؟!! لكن إذا جيء بعازف العود أو البيانو أو الكمنجة وقالوا له: اعزف طرفاً من أغنية، ثم لمن هذه الأغنية؟ ومن واضع كلماتها؟ ومن ملحنها؟ ومن أداها؟ ارتفعت الأصابع حتى تشق السماء كلها، كل واحد يقول: أنا أنا أنا وماذا رأيت وماذا عرفت؟ ثقافة ضحلة، ما عرفت كتاب الله، إذا سئلوا عن آية أو حديث أو حكم شرعي لا يعرفون، وإذا سئلوا عن هذا الهراء ارتفعت الأصابع، لماذا؟ يعيش أكثر الناس مع الغناء عند النوم، لا ينام إلا على أغنية، يظل يدير الراديو من مكان إلى مكان حتى يجد سهرة الليلة، يسهر مع الشياطين، يسهر مع غضب الله، لا يريد أن يسهر مع الله، لا يريد أن يختم حياته ويومه بذكر الله، ما يدريه لعله أن ينام ولا يستيقظ منها إلا إلى جهنم والعياذ بالله.
شابٌ وقع له حادثٌ مروري وقطع بطنه (الدركسون) ووجدوه والسيارة منكوسة، ورأسه مدلى إلى أسفل، ولا يزال في الرمق الأخير لم يمت، ولكن كبده قد انتهى وهو لا زال حياً وإذا بهم يمسكونه وهو مع الشريط يغني ويقول:
هل رأى الحب سكارى مثلنا؟!!
لا والله ما رأى الحب أفشل ولا أسكر منك، نعم.
لا يوجد أسكر منك، يغلق الحب مع أهل الحب والفن.
يا أخي في الله! إن هذه الأذن أمانة في رأسك، وهي نعمة من نعم الله عليك، هب أنك -عافاك الله- فقدت هذه الحاسة، وجلست في المجالس مثل الكرتون، يتكلم الناس ويتضاحكون، وتقول أنت: ماذا تقولون؟ قالوا: نحن نتكلم، قال: علموني ماذا تقولون، جاءوا إليه فأخبروه ولكنه قال: لا أدري ماذا تقولون، اكتبوا لي، فأذنك هذه حساسة تسمع كل شيء وهي نعمة من نعم الله عليك عليك أن تتقي الله فيها.
стр. 2288
تحكيم أمر الله في اللسان
لسانك جارحة خطيرة فحكم فيها شريعة الله، لا بد أن تحكم أمر الله في لسانك؛ لأن هذا اللسان نعمة من نعم الله: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ﴾ [البلد:٨ - ٩] وربما شاهدت في حياتك معوقاً لا يتكلم، أو عنده تأتأة أو عجمة لا يتكلم، فإذا أراد أن يتكلم لا يستطيع، وأنت لسانك سهل على الأغاني واللعن والسب والشتم، والغيبة والنميمة، ولو شاء الله لعطل لسانك، لكنه أطلق لك اللسان من أجل أن تقرأ القرآن، وتتعلم السنة، وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتدعو إلى الله، وتذكر الله بهذا اللسان؛ لأن اللسان وسيلة هدم سلبية، ووسيلة بناء إيجابية، به يدخل الإنسان النار وبه يدخل الجنة، يقول ﵊ والحديث في صحيح البخاري: (من يضمن لي ما بين لحييه وما بين فخذيه أضمن له الجنة) ويقول: (أكثر ما يدخل الناس النار: الفم والفرج) ويقول ﵊: (إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً يهوي بها في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب).
стр. 2289
حال الناس مع ألسنتهم
كثير من الناس الآن في مجالسهم وفي سمراتهم يتكئون على الأرائك، ويأكلون من النعم، ثم يخوضون في أوامر الله، يغلطون العلماء ويسبونهم، ويتكلمون في أعراضهم ويستهزئون بهم، ويضحكون عليهم، ثم ربما يكون له ولد صالح في بيته فيستهزئ بولده، عنده أربعة أو خمسة (مخنفسين) وواحد مؤمن مهتد طيب، لكن النكتة واللذعة والسخرية بهذا، أنت يا مطوع! تعال يا مطوع! يضحكون عليه، قالوا: هذا مسكين معقد، ولدنا هذا والله إننا خائفون عليه، لأنه مسكين مخرف، كان اجتماعياً، كان مرحاً منبسطاً أليفاً، أما اليوم فمسكين مع المطاوعة يقرأ ويقعد ويذهب في غرفته لوحده، مسكين عقدوه! والله أنت المسكين! والله أنت الضائع.
حتى أن بعض الناس يقول: أنا والله لا أريد أن يصبح ولدي متديناً، لماذا؟ قال: أريد أن يصبح متديناً مثلي، وما هو دينك أنت؟ ألك دين عند الله؟ دينك ودينه من عند الله على كتاب الله وسنة رسول الله، وما هو دينك؟ قال: ديني أنا سهل، أنا أصلي في البيت، صحيح أننا نحب الحرام؛ لكن والله قلوبنا طاهرة، نسمع الأغاني التي ليس فيها شيء يا شيخ! ولو سمعناها والله ما كأنها شيء، وننظر إلى النساء ونجلس سوياً، لكن قلوبنا طاهرة، وأيضاً الله غفور رحيم، يريد واحد متفلت من دين الله بحجج شيطانية، وبأمانٍ باطلة، وبغرور ومكر من قبل الشيطان والعياذ بالله.
стр. 2290
من تحكيم أمر الله في اللسان عدم الخوض في الباطل
لسانك هذا انتبه منه، لا تخض به في أعراض العلماء، فإن لحوم العلماء والدعاة مسمومة، وعادة الله في الذين ينالون منهم معلومة، انتبه كل شيء إلا هؤلاء، فإن لهم حصانة شرعية، حصانة ربانية، من نال منهم ناله الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ * وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلاءِ لَضَالُّونَ * وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ * فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين:٢٩ - ٣٤] ذاك في طباق جهنم يتقلب مثل الفحمة السوداء، وذاك في درجات الجنة يضحك عليه، وما أتى بك؟: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾ [المدثر:٤٢ - ٤٥] هكذا الخوض وهو: الحركة الغير متزنة، والمضطربة، يخوض أكثر الناس الآن حياته مثل الثور في الحلبة، إن جلس مع الطيبين خاض معهم، وإن جلس مع السيئين خاض معهم، ومن حيث يفتح المجلس له القدم السابقة فيه.
يا أخي! كن متميزاً بإيمانك، احفظ لسانك فلا تطلقه إلا فيما يحبه الله ﵎ ويرضاه، واحذر فإن الرجل كما جاء في حديث بلال بن الحارث عند مسلم: (أن رجلاً جاء إلى أخٍ له ينصحه -الرجل هذا صالح وأخوه فاسد- فوجده على معصية، وجاءه مرة أخرى فوجده على معصية فنصحه، ثم جاءه الثالثة فوجده على المعصية فنصحه -لكن رغم أن البواعث حسنة، وأن المقاصد طيبة، وأنه يريد أن يغير منكراً لكن تجاوز الحد- فقال: كل يوم آتيك وأنت على المعاصي، والله لا يغفر الله لك -حلف أن الله لا يغفر لأخيه العاصي، وهذا نوعٌ من التجاوز والتدخل في صلاحيات الله- قال الله : من هذا الذي يتألى علي؟ قد غفرت له وأحبطت عملك) إذا كان هذا الرجل الصالح تجاوز الحد رغم أن نيته طيبة وقصده حسن فهذا لا يشفع له، فكيف بمن يتجاوز الحد في حرمات الله، وفي أعراض المسلمين ونيته فاسدة وعمله فاسد؟! يأكل لحوم الناس.
كثير من كبار السن الآن أراحهم الله في هذه الحياة، ما عاد معه قليب ولا بئر ولا زبير ولا غنم ولا مزرعة، وإنما يأتيه راتب التقاعد عند سن معين، يقولون: شكر الله لك، خدمت الدولة وقمت بالواجب، وأديت الدور، فالآن خذ راتبك واقعد، تفرغ لعبادة خالقك ومولاك، واقطف آخر ثمرات حياتك فيما يرضي الله، لكن من الناس من يتفرغ للمعاصي، تجده يؤذي أهل بيته، يقعد مثل (الرادار) على امرأته وأطفاله، كلما انكسر فنجان أو انفتح باب، أو أضيئت لمبة، أو انفك صنبور، قام يضارب، لطم المرأة، وضرب الولد، وصاح، قالوا: الله أكبر عليك، يوم كنت في الوظيفة كنا لا نراك إلا ضيفاً، أما الآن نكدت علينا، فمن يوم تقاعدت ما عاد معك أوامر إلا علينا؛ لأنه يمكن كان آمراً أو مسئولاً أو ضابطاً أو غيره، وكان يأمر وينهى، الآن لا يأمر وينهى إلا المرأة والأولاد.
وبعضهم تخصص في الغيبة، يجلس باستمرار من بيت فلان إلى فلان، ويفعل له متكأً على بابه: وتعال يا فلان! نجلس قليلاً، وجلس هو وإياه، ماذا قال فلان؟ وماذا فعل فلان؟ فلان طويل وفلان عريض وفلان متين وفلان سخيف وفلان مسواك وفلان شبرين وفلان أبو أرجل طويلة وفلان الأعور وجلس يأكل ويشرح ويقطع ويحضر من لحوم المسلمين.
وبعضهم يغتاب وينم ويكذب -والعياذ بالله- وقال لي شخص: إن رجلاً بلغ من العمر ستين سنة، وأحيل قبل عشر سنوات ولكنه الآن متخصص، يقول: والله ما معه عمل منذ أن يخرج من غرفته إلا على الفيديو والدخان، حتى -والعياذ بالله- ساءت صحته من كثرة التدخين، وحتى نشفت عيونه، يقول ولده: والله إني أقوم أصلي صلاة الفجر، وإني أمر عليه في غرفته وهو لا يزال ساهراً على الأفلام، وأرجع من الصلاة وقد حط رأسه لينام إلى المغرب، وهكذا لا إله إلا الله! فيا عبد الله: اتقِ الله في لسانك وحكم شريعة الله فيه، لا تتكلم بكلمة إلا بعد أن تزنها بميزان الشرع، فإن كانت ترضي الله فقلها، وإن كانت تغضب الله فردها، وماذا عليك؟ لماذا تُخرج شيئاً يضرك، أما تعلم أن المرء مخبوءٌ تحت لسانه (لسانك حصانك إن صنته صانك وإن أهنته أهانك) يقول:
احذر لسانك أيها الإنسان لا يلدغنك إنه ثعبانُ
كم في المقابر من قتيل لسانه كانت تهاب لقاءه الأقرانُ
وفي الحديث: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت).
стр. 2291
تحكيم أمر الله في الفرج
стр. 2292
الفرج وسيلة تدمير وتعمير
الفرج وسيلة من وسائل التدمير، أو من وسائل التعمير، إن استغلها الإنسان في الحلال، وصرف هذه الشهوة فيما يرضي الله، في زوجةٍ حلال؛ كان هذا العمل طاعة لله، قال ﵊: (وفي بضع أحدكم صدقة، قالوا: أيأتي أحدنا شهوته ويكون له عليها أجر؟ قال: نعم.
أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر، كذلك إذا وضعها في حلال كان له أجر) فلك أجر إذا أتيت زوجتك، وحصنتها وعفيتها، وحصنت نفسك، وعفيت نفسك، وابتغيت الولد، وحصل النسل الذي يكاثر بهم النبي ﷺ يوم القيامة، ولكن إذا عطلت الزواج وذهبت في الزنا والحرام -والعياذ بالله- أهلكت نفسك وأفسدت حياتك؛ لأن الزنا موبقة وكبيرة، يقول الله : ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً﴾ [الإسراء:٣٢] ويقول في الحديث: (ما عصي الله بذنبٍ بعد الشرك أعظم من نطفة يضعها الرجل في فرجٍ لا يحل له) وفي الأثر: (من زنى بامرأة في الدنيا كان عليه وعليها في القبر نصف عذاب هذه الأمة) وفي الحديث: (أن الزناة والزواني يعذبون في النار في تنور أعلاه ضيق وأسفله واسع) والحديث في البخاري من حديث سمرة بن جندب ﵁ وأيضاً ورد في الأثر: (أن الزناة والزواني يعلقون في النار بفروجهم يوم القيامة) موطن لذة وبسطة الآن، لكن تعلق بكلوب بفرجك أيها الزاني! إلى السماء والعياذ بالله.
وجاء في الأثر: (إن الزاني يوقف بين يدي الله يوم القيامة فيقول الله له: أزنيت؟ قال: لا يا ربِّ) -وينكر يظن أنه عند الهيئة أو عند القاضي، ما علم أنه عند ملك الملوك وجبار السماوات والأرض، عند من لا تخفى عليه خافية- فيقول الله: (ألا يرضيك أن نقيم عليك عشرة شهود: قال: بلى يا رب! رضيت، فيختم الله على لسانه وتبدأ الجوارح تشهد، فيقول اللسان: أنا للحرام نطقت، والعين تقول: وأنا نظرت، والأذن تقول: وأنا سمعت، واليد تقول: وأنا بطشت، والرجل يقول: وأنا سعيت، والفخذ يقول: وأنا حضرت، والفرج يقول: وأنا عملت، والأرض تقول: وأنا حملت، والملائكة تقول: وأنا اطلعت، والله يقول: وأنا سترت) سترناك لعلك تتوب، وأمهلناك لكن لا زال كثير من الناس يتمادى.
стр. 2293
من تحكيم أمر الله: منع الفرج عن الحرام
بعض كبار السن يأتي الشيطان ليقبله في جبينه، ويقول: فديت وجهاً لا يفلح أبداً، شيخ كبير في السن ويقطع تذكرة ويخرج خارج المملكة ويترك زوجته وأولاده ويذهب إلى بانكوك وغيرها من الدول من أجل أن يأتي من هناك بنمرة واستمارة على جهنم والعياذ بالله! قد توج نفسه بغضب الله ولعنته وسخطه في الدنيا الآخرة، الزنا موبقة، الزنا مهلكة -والعياذ بالله- اتق الله يا عبد الله! اتق الله في فرجك، فلا تزن به، ولا تمارس به جريمة أخرى أعظم من الزنا وهي جريمة اللواط التي يقول الله فيها: ﴿مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف:٨٠] لا يوجد أحد يعملها حتى الحمير والكلاب والقردة والخنازير لا تفعلها، ما رأينا في حياتنا كلباً يركب كلباً، ولا حماراً يركب حماراً، ولا قرداً يركب قرداً، إنما تمارس هذه الأشياء في الذكور والإناث أما الحيوانات البشرية إذا تمردت على الله، وتحكم فيها الشيطان رأينا من يفعل هذا -والعياذ بالله- ولهذا عاقب الله أمة عملت هذا العمل بأن أرسل عليهم الملائكة، فغرس جبريل جناحه حتى بلغت تخوم الأرض، ثم قلب الأرض كلها، أربع مدن، وكل مدينة فيها (مائة ألف نسمة) بجبالهم وأشجارهم وبيوتهم ودوابهم حتى سمعت الملائكة في السماء عواء كلابهم ومواء قططهم، قال الله: ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾ [الحجر:٧٤] ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ * مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود:٨٢ - ٨٣].
كذلك شهوة الفرج يقحمك الشيطان في جريمة أخرى وهي جريمة العادة السرية المسماة عند الناس بهذا الاسم، واسمها في الشرع باسم: نكاح اليد، ونكاح اليد محرم؛ لأن الله يقول: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون:٥ - ٦] أي: الأمة المملوكة ﴿فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون:٦ - ٧] وفي الحديث في الصحيحين يقول ﵊: (يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للطرف وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء) ولم يقل: فعليه بيده، يقول بعض أهل العلم: إن نكاح اليد والعادة السرية أشد حرمة من الزنا واللواط؛ لأن الزنا واللواط قد لا يتيسر للإنسان، أما يده التي يعمل بها فإنها معه في كل وقت، وبعض الناس ما شغلته إلا يده والعياذ بالله، فيعطل حياته ويغضب ربه، خلقك الله إنساناً سوياً فأصبحت كالحيوان البهيمي.
شهوة الفرج شهوة عارمة طاغية، وعليك أن تتقي الله، وأن تعتصم بالله، لا تنظر إلى الحرام، لا تسمع الحرام، لا تقرأ القصص الغرامية، لا تعاكس في الهاتف، لا تجر على نفسك شيئاً يشعل فيك هذه الشهوة، بل اقرأ كلام الله وسنة رسول الله، قم في الليل وصل، اذكر الله، اعتصم بالله: ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [آل عمران:١٠١].
стр. 2294
تحكيم أمر الله في البطن
شهوة البطن أوجدها الله في الإنسان لبقاء الجنس، من أجل أن يعيش الناس، إذ لو لم يأكل لمات، ولكن الشيطان أوقع الناس في الشرور والآثام عن طريق الأكل الحرام، كثير من الناس يريد أن يكون صاحب ثراء وملك وأرض ومزرعة وسيارة عن طريق الحرام، فيأكل الحرام إما بالرشوة، أو الربا، أو السرقة، أو الكذب، أو الاحتيال والعياذ بالله، حتى يكون ثرياً ولكن من الحرام، يثري هنا، ويرفع أرصدته هنا، ولكنه يخسر هناك، وينقص رصيده عند الله حتى يكون مغضوباً عليه في نار جهنم.
فيا عبد الله: اقنع بالحلال، والله لدرهم حلال أعظم من مليون حرام؛ لأن: (كل جسمٍ نبت من سحت فالنار أولى به) والشيطان إذا رأى الشاب يتعبد قال لأعوانه وزبانيته من الجن: انظروا مطعمه ومشربه، فإن كان مطعم سوء أو مشرب سوء فدعوه فقد كفاكم شر نفسه، يقول: دعوه يصلي ويصوم ما دام يأكل حراماً، والحديث -كما تعرفون- في الصحيح، يقول ﵊: (رب رجل أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء وهو في سفر: يا رب! يا رب! يا رب! ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يُستجاب له؟!) كيف يستجيب الله لك ورصيدك مرتفع في البنوك الربوية؟ كيف يستجيب الله لك وأنت تأكل راتبك حراماً؛ لأنك لا تعمل، لا تأتي الدوام إلا الساعة التاسعة، وتخرج الساعة واحدة، وجالس على الطاولة في مكالمات وقراءة الصحف والشاي والفطور والحكايات، وأعمال العباد متراكمة على طاولتك، ومصالح المسلمين عندك، وكلما جاء مراجع، قال: تعال لي غداً، (غداً) عندك سهلة لكنها عند المراجع كأنها سنة، خاصة عندما يأتي والمكان بعيد.
فيا أخي! اتق الله وكُلْ حلالاً، يجب أن تكون محافظاً على الدوام، ولا تتأخر إلا بعذر شرعي، وبإذنٍ من ولي أمرك، من المسئول عنك، رئيس قسمك، أو مديرك أو رئيس وحدتك، أو قائدك، يجب أن تلتزم حتى يكون لمالك طعماً تأكله ويكون فيه بركة، اتق الله في هذه الأمور، وحكِّمْ شريعة الله في هذه الأمور: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤].
ألا وصلوا على خير خلق الله محمد بن عبد الله، فقد أمركم بذلك مولاكم فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، اللهم انصر الإسلام والمسلمين، ودمر اليهود والكفرة والملحدين وأعداء الدين، اللهم أنزل عليهم بأسك الشديد، وعذابك الأكيد، فإنهم لا يعجزونك، اللهم آمنا في دورنا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل اللهم ولايتنا في عهد من خافك واتقاك واتبع رضاك برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم احفظ علينا أمننا ونعمتنا وطمأنينتنا واستقرارنا، اللهم من أرادنا في هذه الديار، أو في غيرها من ديار المسلمين بسوءٍ أو شرٍ أو كيدٍ أو مكرٍ فاجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره في تدميره، وأنزل عليه بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين.
اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، اللهم نوَّر على أهل القبور قبورهم، اللهم اغفر للأحياء ويسر لهم أمورهم، اللهم فرج هم المكروبين، اللهم اشف مرضى المسلمين، واقض الدين عن المدينين، وعاف جميع المسلمين وسهل عودة المغتربين والغائبين برحمتك يا أرحم الراحمين! عباد الله: إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي؛ يعضكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
стр. 2295
الأعداء الأربعة
إن الإنسان في هذه الدنيا في صراع دائم ومعاناة وابتلاء، ولعل أهم أبواب هذا الصراع: صراعه مع أربعة أعداء، فأولهم وأكبرهم وأشدهم عليه الشيطان الرجيم، الذي تتمثل وظيفته في الحياة في إضلال الإنسان بأساليبه المختلفة، ثم تأتي بعد ذلك الدنيا وما فيها من البلايا التي قد تضل الكثير، ثم النفس التي بين الجنبين النفس الأمّارة بالسوء والتي لا تدل على خير أبداً، ورابع أعداء الإنسان الهوى، وما أدراك ما الهوى! نسأل الله أن ينصرنا على أعدائنا
стр. 2296
الإنسان وصراعه في الحياة
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: أيها الأحبة في الله! يعيش الإنسان في هذه الحياة في صراع دائم، وفي معركة مستمرة، وفي معاناة، وفي تعب، يقول ربنا : ﴿يَا أَيُّهَا الإنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ﴾ [الانشقاق:٦].
ويقول : ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ [البلد:٤] أي: تعب، ونكد، ومعاناة.
وهذا الصراع والمعترك هو مقتضى الابتلاء الذي يمحص الله به بين المؤمنين والمنافقين، وبين الصادقين والكاذبين، وبين المدعين للدعوة التي لا تثبتها أدلة ولا براهين، وبين الصادقين الذين يدعون ويبرهنون على صدق دعواهم، فجاءت هذه الامتحانات، وجاء هذا الصراع، وجاءت هذه المعارك.
وفَهْمُ الإنسان لهذه الحقائق يجعله يستشعر أهمية دوره في الصراع، ويهيئ نفسه للمواجهة، ويعرف أنه مطلوب منه ألا يقف مكتوف الأيدي أمام أولئك الأعداء، بل ينبغي له أن يواجه ويثبت ويصبر ويرابط، حتى تأتي ساعة النصر وهي ساعة دخول الجنة، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من المنتصرين فيها.
يقول ربنا : ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران:١٨٥] هذا هو الفوز، وهذا هو النصر: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران:١٨٥] إذا دعيت باسمك، ويسمعك أهل الموقف، ويقال لك: ألا إن فلان بن فلان قد سَعُد سعادة لا يشقى بعدها أبداً؛ سيَبْيَضُّ وجهُك؛ وتأخذ كتابك بيمينك؛ وتباهي بهذه الشهادة الربانية وبهذا الكتاب المليء بالحسنات، وتقول لأهل الموقف: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة:١٩ - ٢٠] ويقول الله : ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ [الحاقة:٢١] بدلاً عن عيشة الدنيا التي هي عيشة تعب ومعاناة ومكابدة وبلاء، وعيشة صبر على طاعة الله وعن معصية الله وعلى أقدار الله، يقول الله مخبراً عن أهل الجنة: ﴿إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ * فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ * إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور:٢٦ - ٢٨].
فأهل الإيمان وأهل التصديق الذين خافوا الله في هذه الحياة، والذين رابطوا على حدود الشرع، والذين واجهوا الأعداء المتربصين بالنفس البشرية، وقاموا بالمرابطة عليها حتى ماتوا، يوم القيامة توضع عنهم هذه الأحمال، ويقول الإنسان: ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٠].
فيقول الله: ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة:٢١ - ٢٤]، جزاءُ بدلٍ وتعويض، أتضيع أعمالك هنا؟! أتريدها أن تضيع؟! لا والله، وذاك المضيِّع المتسيِّب، الضال الضائع الذي انغمس في شهواته وسيطرت عليه شبهاته هل يضيع؟! لا، لا بد له من يوم، يقول الله : ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ * وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [الجاثية:٢١ - ٢٢].
فهذه المعارك الضارية والصراعات الطاحنة تدور في عدة جبهات مع النفس والإنسان؛ ولكن أبرز هذه المعارك تدور مع أربعة أعداء، جاء خبرهم في كتاب الله ، وإلا فالأعداء كثيرون؛ لكنهم يندرجون في النهاية تحت هؤلاء الأعداء الأربعة:
стр. 2297
العدو الأول: الشيطان
أول عدو وأبرز وأشر عدو: الشيطان أعاذنا الله وإياكم منه: أخبرنا الله عن عداوته في القرآن الكريم: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً﴾ [النساء:١٢٢] ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً﴾ [النساء:٨٧]؟! يقول الله : ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً﴾ [فاطر:٦] لماذا؟! قال: ﴿إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر:٦].
ويقول الله : ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [يس:٦٠].
ويقول لآدم: ﴿إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ﴾ [طه:١١٧] انتبه! ﴿إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ [طه:١١٧] وحصل ما حذر الله آدمَ منه؛ لأن إبليس وسوس وأخرج أبانا آدم من الجنة، وحصل له الشقاء؛ لكنه تاب وعاد فتاب الله عليه وهداه.
стр. 2298
عداوة الشيطان للإنسان قديمة قِدَم الحياة
هذا العدو اللدود عداوته قديمة قِدَم الحياة، فمنذ بدء الخليقة قص الله في القرآن الكريم خبر إبليس وآدم ﵇، وقصها في عدة مواضع من السور، وجاءت بأشكال وبعدة نماذج في العروض، وكل خبر يأتي بصيغة، من أجل التنويع والترغيب والتشويق في قضية سماع هذه الأخبار؛ لكن في سورة الأعراف جاءت القصة كاملة مستكملة للخبر من أول ما حصل إلى آخر شيء.
وقص الله علينا خبراً بأنه اقتضت حكمته خَلْق آدم، وقال للملائكة: ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [ص:٧١ - ٧٢].
فالملائكة استجابوا لأمر الله وسجدوا؛ ولكن إبليس رفض أمر الله واعترض عليه وقال: لِمَ أسجد لهذا وأنا أفضل منه؟! ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف:١٢] وظن إبليس أن النار أفضل من الطين، وهذا ظن خاطئ وزعم كاذب؛ فإن النار وسيلة إحراق وتدمير، والطين وسيلة حياة وتعمير، فالطين أفضل بملايين المرات من النار، فطينة آدم أفضل من طينة الشيطان؛ فقال الشيطان: ﴿أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً﴾ [الإسراء:٦١] ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [ص:٧٦].
فالله قال له: ﴿فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ [ص:٧٧ - ٧٨].
стр. 2299
أثر الذنوب والمعاصي على الإنسان
يقول ابن القيم ﵀: يا قليل العزم! أُخْرِجَ أبوك آدم من الجنة بذنب، وطُرِدَ إبليس ولُعِنَ بذنب، وأنت عند الباب، وما زلت في الخلاء ومعك مائة ذنب، فكيف تريد أن تصل؟! لا إله إلا الله! ويقول: يا قليل العقل والعزم! الطريق شاق، ناحَ فيه نوح، وذُبِحَ فيه يحيى، وأُلْقِي في النار إبراهيم، وشُجَّ فيه وجه المصطفى ﷺ ، وقُتِل فيه الشهداء، وأنت تريد الجنة وأنت راقد على فراشك بدون تعب! ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا﴾ [البقرة:٢١٤] حتى الرسول نفسه كاد أن يشك: ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة:٢١٤].
هذا ابتلاء، والذي يظن أنه يمكن له أن يتجاوز الطريق من غير ابتلاء فظنه خاطئ، يقول الله تعالى: ﴿الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت:١ - ٢] أي: أيظن الناس أن يتركوا لهذه الدعوة دون امتحان؟! فهذا مناهض لسنة الله: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت:٣] أما تدري أن الأوامر الشرعية جزء من الابتلاء؟! اختبرنا الله بالأوامر الشرعية، وقد ابتلاك الله بخمس صلوات، ومنها صلاة في أحسن وقت للنوم؛ وقت الفجر، ابتلاك الله لكي يعلم هل أنت صادق فتقوم لتصلي، أم كاذب فتنام، ولهذا كانت صلاة الفجر أثقل الصلوات على المنافقين.
ويقول أحد العلماء: إن صلاة الفجر هي مقياس الإيمان، فإذا أردت أن تعرف درجة إيمانك فاسأل نفسك عن صلاة الفجر، فإن كنت من أهلها بانتظام والتزام فاعلم أنك مؤمن، وإن كنت بعيداً نائماًَ عن صلاة الفجر، فاعلم أنك منافق والحديث في الصحيحين.
منافق لماذا؟! لأنه ما وجد عنده صدق مع الله، وقد يدَّعي أنه سهران، أو أنه تعبان، أو لا يستطيع القيام، كل هذه أعذار واهية؛ لكن لو قيل له: يوزع في المسجد ألف ريال يومياً في الصباح، ومن صلى جماعة في المسجد فله ألف ريال، والله لتقاتلوا على مائة، أما الألف فهي كثيرة، ولو قيل: صدر أمر أن من صلى الجماعة في المسجد كان له مائة ريال، سواءً كان كبيراً أو صغيراً، ذكراً أو أنثى، فوالله ليناموا في المساجد، وليأتين بعضهم في نصف الليل، ولتقاتلوا على الصف الأول، لماذا؟! لأنها مائة ريال، أيْقَنَّا بقيمة المال، ودخل حب المال في قلوب الناس، فيأتون من أجله؛ لكن يوم أن يسمعوا النبي ﷺ يقول: (بشر المشائين في الظُّلَم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة) فإنه لن يأتي إلا أهل الإيمان -اللهم اجعلنا وإياكم منهم- أما الذي في قلبه مرض ما الذي سيوقظه؟! إيمانه ضعيف ومريض لا يستطيع أن يقوم لصلاة الفجر؛ لأن الشيطان يبول في أذنيه.
فالأوامر الشرعية جزء من الابتلاء، ابتلانا الله بالصلوات والصيام: وهو حبس النفس عن الشهوات في أيام رمضان، وبالحج والزكاة: وهي الاستعلاء على المال وإخراجه.
وبالجهاد في سبيل الله، هذه كلها ابتلاءات وامتحانات.
ابتلانا الله بالنواهي والمحرمات رغم أنها محببة إلى النفوس، حرم الزنا، والنفس تميل إليه، حرم الخمر والربا، حرم جميع المنكرات، ابتلاء واختبار لنا.
ابتلاك الله بالأقدار، فالقدر خيره وشره كله من الله ، وقد يبدو القدر شراً عندك، لكنه عند الله خيراً: ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً﴾ [النساء:١٩].
هذا البلاء هو سنة الله في الكون، قال تعالى: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً﴾ [الأحزاب:٦٢].
стр. 2300
أساليب الشيطان في إضلال الإنسان
تبدأ الصراعات مع العدو اللدود، العدو الأول: الشيطان.
وسوف أذكر لكم الآيات التي وردت في سورة الأعراف كاملة ليتبين لك وجه عداوة الشيطان! وكيف يأتيكَ! وما هو أسلوبه في إضلال الإنسان! يقول ربنا : ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾ [الأعراف:١١].
ولهذا انظروا إلى الطائعين وانظروا إلى العصاة، فالملائكة كلهم أطاعوا وسجدوا فماذا حصل لهم بطاعتهم؟! مكثوا ملائكة مقربين يسبحون له الليل والنهار لا يفترون.
إبليس كان من طائفة من طوائف الملائكة اسمها: طائفة الجن، لم يسجد، وعصى، ماذا حصل له؟! الطرد والإبعاد، واللعنة والعذاب، والدمار إلى أبد الآبدين.
وهكذا الطائع في الدنيا من بني آدم له القربى والزلفى، والحب والتوفيق، والهداية والولاية، وكل خير في الدنيا والآخرة.
والعاصي ماذا يجد؟! الغضب والطرد، واللعن والتدمير في الدنيا والآخرة.
فعاقبة الطاعة في صالح الإنسان على كل الاتجاهات، وعاقبة المعصية ضدك أيها الإنسان في كل الأحوال، يقول الله : ﴿فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾ [الأعراف:١١].
يقول المفسرون: إن الله لم يطرد إبليس لمجرد أنه لم يسجد، فعندما قال له: اسجد، فأبى لم يطرده مباشرة وقال: اخرج؛ لأنك ما سجدت؛ ولكن الله سأله وهو يعلم ليقرره على فعله: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف:١٢] ما الذي منعك من السجود مع الملائكة؟ ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف:١٢]، يقول العلماء: إن هذا -كما يسمونه- الكفر الإبليسي، وهو تخطئة الرب، وتصويب العبد، أي: كأن إبليس يقول: إن أمرك يا رب أمر غير صحيح؛ لأنك تأمرني وأنا الفاضل بالسجود للمفضول.
وهذا غلط، فالله لما خطأه إبليس؛ قال له : ﴿فَاهْبِطْ مِنْهَا﴾ [الأعراف:١٣] مباشرةً: ﴿فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ [الأعراف:١٣].
﴿قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾ [الأعراف:١٤ - ١٥] انظروا الانتقام والعداوة والحسد: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ [الأعراف:١٦] يقول: ما دمت أغويتني وأخرجتني من الجنة، وكتبت عليَّ اللعنة، من أجل هذا سأريك في ذرية آدم: ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الأعراف:١٦] يقول: أنا سأخرج؛ ولكن سأقعد لهم على الطريق، أي: على طريق الإسلام والدين، وما قال: سأقعد لهم على طريق الضلال، لا؛ لأن أهل الضلال قد أصبحوا صَحْبَه معه، مقيدين له، ولهذا الذي يزني، هل يأتيه الشيطان ويقول له: لا تزنِ، هذا عيب عليك وحرام؟! لا.
بل يقول: امشِ يا رجل! اليوم دنيا وغداً آخرة، كذلك الذي يشرب الخمر، والذي يعمل أي جريمة، لا يأتي الشيطان إليه ليحاول أن يرده عنها؛ لكن الذي يصلي يثقل الشيطان عليه الصلاة، والذي يزكي يعظم عليه الزكاة، والذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر يخوفه الشيطان، لماذا؟! لأن هذا من أعمال أهل صراط الله المستقيم، والشيطان قاعد عليه: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ﴾ [الأعراف:١٦ - ١٧] انظروا من أين يأتي الشيطان! أعوذ بالله! ﴿لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾ [الأعراف:١٧] أي: من الأمام ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾ [الأعراف:١٧] محاصَرة من جميع الطرق والاتجاهات، من أمامك الشيطان يوسوس، ومن ورائك الشيطان يوسوس ويدفع، وعن يمينك شيطان، وعن يسارك شيطان، إذاً أين تذهب؟! إلى الله، وما قال إبليس: ومن فوقهم؟! لا يستطيع، ولهذا قال الله: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ [الذاريات:٥٠] أي: إذا حاربك الشيطان من كل اتجاه وما استطعت عليه ففر إلى الله، يقول الله في شأن الشيطان: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر:٤٢].
وقال : ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل:٩٩ - ١٠٠].
فبين الله أن الشيطان قال: ﴿لَآتِيَنَّهُمْ﴾ [الأعراف:١٧]، وهذا الكلام مؤكد بعدة مؤكدات: بلام التوكيد وبنون التوكيد المثقلة المشدودة.
﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف:١٧] يقول: يا ربِّ! هؤلاء الذين أخرجتني بسببهم سوف أضلهم، وأستحوذ على أكثرهم، ولن تجد أكثرهم من الشاكرين، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ [سبأ:٢٠] أي: أنهم صدقوا ظن إبليس فيهم: ﴿فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ:٢٠].
قال الله : ﴿اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءوماً مَدْحُوراً لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأعراف:١٨] كأنه يتحدى الله ويقول: سوف أُرِيك فيهم! قال: اخرج، والذي يتبعك أنت وهم: ﴿لَأَمْلَأَنَّ﴾ [الأعراف:١٨] آخذكم كلكم في جهنم، الشيطان ومن تبعه، ليس هناك تحدٍّ، اذهب فأنا سأرسل لهم وسأنبههم وأخبرهم، ولكن إذا لم يريدوا إلا أن يتبعوا الشيطان فجهنم مستودع ومثوى الجميع من الشياطين وأتباعهم، وانظروا مبدأ التحدي هنا، يقول الله لإبليس حين قال: ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ﴾ [الأعراف:١٦]، و ﴿لَآتِيَنَّهُمْ﴾ [الأعراف:١٧]، قال : ﴿اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُوماً مَدْحُوراً لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأعراف:١٨].
стр. 2301
أسلوب الشيطان في وسوسته لآدم في الجنة
ثم جاءت وسائل الحماية لآدم والرحمة، واتجه الله بالخطاب إلى آدم فقال له: ﴿وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف:١٩]، وفي هذا إيحاء وتلميح كأنه يقول: يا آدم! إذا كنت تريد أن تخرج من الجنة من أجل الطمع، فما تطمع فيه وترغبه موجود في الجنة: ﴿وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف:١٩].
﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ﴾ [الأعراف:٢٠] جاء الشيطان إليهما من الباب الذي يعرف أنه سوف يصطادهما؛ ولأن آدم ليس من أهل الجنة بالأصالة وإنما هو بالتبعية، وليس مخلوقاً من الجنة، بل هو مخلوق من الطين من الأرض، والله وضعه في الجنة، فخاف آدم أن يخرج من الجنة؛ لأنه ليس من أهلها، فجاء الشيطان من هذا الطريق وقال له: ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ﴾ [الأعراف:٢٠] أي: من الملائكة، ﴿أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾ [الأعراف:٢٠] تريد أن تكون من الملائكة يا آدم! وتريد أن تكون من الناس الذين هم مخلدون في الجنة؟! قال: نعم.
قال: إذاًَ السبب هذه الشجرة، لو أكلت منها ستصير من الملائكة ومن المخلدين.
وهل صدق إبليس في هذا الكلام؟! هذه الشجرة من أكل منها يخرج من الجنة، يقول: ﴿هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى﴾ [طه:١٢٠] وهي شجرة الخروج من الجنة، ولهذا إبليس يزين الباطل للناس، ويقدمه في صورة حق، يجعل الباطلَ حَقَّاً، ويجعل الأسودَ أبيض، ويجعل الظلامَ نوراً، والكفرَ تَحَرُّراً، ويجعل العُرْيَ والتَّفَسُّخَ انطلاقاً، ويجعل الغناء فنَّاً، ويجعل الخمرَ مشروباتٍ روحيةً، ويجعل الربا فوائدَ وعوائدَ بنكيةً، يغير القضايا والمسميات، ويقدم الشرور بقوالب حتى تنطلي على الناس، هذا وحي إبليس، ولهذا الشيطان لو جاء إلى آدم وقال له: يا آدم! إذا أكلت من هذه الشجرة ستخرج من الجنة معي، فهل يأكل منها آدمُ؟! لا؛ لكنه جاءه من طريق الإضلال، قال : ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾ [الأعراف:٢٠] وبعد ذلك دعَّم هذا بقسمٍ فقال: ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأعراف:٢١] وكذب والله من أنه ناصح، ويحلف بالله، ولهذا دائماً الذي يريد أن يضلك تراه يضحك عليك ويكذب ويحلف جيداًَ ويقول: إني والله في مصلحتك، دعنا نروِّج المخدرات، صفقة واحدة من المخدرات تغنيك طيلة حياتك عن وظيفتك، ويحلف بالله أنه في مصلحتك، وتُقِرُّ وإذا برأسك قد أصبح يرفرف! هذه هي مصلحتك! أي مصلحة بعدما يُقْطَعُ رأسُك أيها الإنسان إذا هرَّبتَ أو روَّجت؟! هذه مصيبة؛ لكن من الذي يضل الناس بهذه الأساليب؟ الشيطان وأتباع الشيطان من الإنس والجن: ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأعراف:٢١] ثم قال : ﴿فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ﴾ [الأعراف:٢٢] أي: أسقطهما وأوقعهما في أكل الشجرة بالغرور، أي: بالكيد والمكر: ﴿فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ﴾ [الأعراف:٢٢] وكلُّ شجرِ الجنة ما يأكله الإنسانُ منها ليس له فضلات إلا العرق، إلا هذه الشجرة من يأكلها لا بد أن يخرج فضلات، والجنة ليس فيها مكان للفضلات، ليس هناك حمامات في الجنة، فلما أكلا من الشجرة مباشرة خلق الله لهما السوأتان، ولما خُلِقَت السوأة كان لا بد أن يستتروا! أين يذهبون ليستتروا؟! لا يوجد شيء يستتروا به، رجعوا إلى أوراق الجنة، قال : ﴿فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا﴾ [الأعراف:٢٢] أي: قاما مباشرة واستعجلا: ﴿يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف:٢٢] وفي هذه اللحظات ناداهما الله: ﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ * قَالا﴾ [الأعراف:٢٢ - ٢٣] هذه هي الكلمات التي يقول الله عنها: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة:٣٧] هذه هي الكلمات التي تلقاها من الله: ﴿قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾ [الأعراف:٢٣].
أما إبليس ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي﴾ [الحجر:٣٦] يتحدى، عندما قال الله: ﴿فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ﴾ [الحجر:٣٤] قال: أنْظِرْنِي إذاًَ، ولا تمتني ﴿قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾ [الحجر:٣٧].
أما آدم ﵇ فلا، لما أخرجه الله قال: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾ [الأعراف:٢٣].
ولهذا أنت إذا عصيتَ وأخطأتَ وقصرتَ قل: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾ [الأعراف:١٥١] لكن أن تعصي وتذنب، وتقول: لا.
أنا طيب، وأحسن من غيري.
فهذه مقالة إبليس، لا بد أن تصلح وضعك مع ربك، ولا تعصيه؛ لأن الله يقول: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ [النساء:١١٥] أي: نتركه ﴿وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ [النساء:١١٥].
فآدم ﵇ قال: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾ [الأعراف:٢٣] أي: خالفنا أمرك، ووقعنا في معصيتك: ﴿ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ [الأعراف:٢٣ - ٢٤].
ثم قال الله : ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ [فاطر:٦] إلى آخر الآية.
стр. 2302
كيف تجعل من نفسك عدواً للشيطان
إن مقتضى العداوة مع الشيطان ما دُمْنا عرفنا هذا التاريخ الحافل بالمكر والدهاء، فلا نطيع الشيطان؛ لأنه عدوك هل تتصور أنه يدلك إلى الخير؟ إذا تصورت أن عدوك من الممكن أن يدلك إلى الخير أو يدعوك إلى الخير فأنت لا عقل لك أبداً؛ لأن هذا عدوك، والعدو يكيد المكائد، ويبرم الحبال، ويخطط لتدميرك، عدوٌّ هذا، كيف تتصور أنه يدلك على خير؟! فإذا اتخذت الشيطان صديقاً وهو عدو دمَّرَك، ولهذا يقول الله : ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً﴾ [الكهف:٥٠] كيف تتخذ الشيطان صديقاً واللهُ قد حذرك من عداوته؟! قد يقول قائل: متى اتخذتُه صديقاً؟! أنا لستُ صديقاً للشيطان! نقول له: المعيار في يدك، لتعلم أنك صديق للشيطان أو عدو له؛ فإذا أطعته فأنت صديقه، وإذا عصيته فأنت عدوه، وكيف تعرف هذا؟ تعرف أن أوامر الله هي مكاره الشيطان، ونواهي الله هي محاب الشيطان، أي: كل أمر لله عكسه نهي للشيطان، وكل نهي لله أمر للشيطان.
نهاك الله عن الزنا، والشيطان يأمر بالزنا ويأمر بالفحشاء.
نهاك الله عن الخمر والشيطان يأمرك به.
أمرك الله بالصلاة، والصلاة لا يريدها الشيطان.
أمرك الله بالقرآن، والقرآن لا يريده الشيطان.
أمرك الله بالجهاد، والشيطان لا يريد الجهاد.
إذاً: كل أمر لله إذا قمتَ به، وكل نهي لله إذا انتهيتَ عنه فاعلم أنك اتخذت الشيطان عدواً.
أما إذا ضيعت أوامر الله ووقعت فيما حرم الله، فاعلم أنك اتخذت الشيطان ولياً من دون الله؛ لأنك أطعته وعصيت الله: يأمرك الله فلا تطيعه، ويأمرك الشيطان فتطيعه! يأمرك الله بالقرآن فلا تسمعه، ويأمرك الشيطان بالأغاني فتسمعها! يأمرك الله بالصلاة فلا تقوم، ويأمرك الشيطان بالمنام فتنام! يأمرك الله بالبيع الحلال فلا ترضى به، ويأمرك الشيطان بالربا فترضى به.
يأمرك الله بالزواج فلا تتزوج، ويأمرك الشيطان بالزنا فتقع فيه.
هذه أوامر الله، وتلك أوامر الشيطان أين أنت؟ وفي أي ميدان أنت؟ هل أنت مع أوامر الله وعند نواهيه فلا تعمل شيئاً؟ إذاً: فأنت اتخذت الشيطان عدواًَ، وهذه سمة وكرامة لك أن تكون عدواً للشيطان.
أما إذا وقعت في الأخرى؛ أوامر الله ضيعتَها -أيها الإنسان- والنواهي وقعت فيها، فالبعيد صديق الشيطان وهو لا يدري، بل عبد للشيطان وهو لا يدري، يقول تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [يس:٦٠].
إذاً مقتضى العداوة أن تجند نفسك لمحاربة الشيطان.
قد يقول قائل من الناس: وما أدراني أن الشيطان هو الذي يأمرني أو ينهاني؟! نعطيك مثالاً من الشرع، يقول ﵊: (إن للملَك لَمَّة، وإن للشيطان لَمَّة -أي: إيعاز، أمر- فلَمَّة الشيطان إيعاز بالشر، وتوهين عن الخير -تضعيف وتخذيل- ولَمَّة الملك إيعاز بالخير، وتخذيل عن الشر) فأي إيحاء تشعر به في نفسك، وأن فيه معصية لله فإنه مِن الشيطان.
مثلاً: أذن المؤذن وأنت نائم على الفراش، فسمعتَ المؤذن، ولِمَن يؤذن المؤذن؟! للبقر، أم للحيوانات، أم للجبال؟! يؤذن لك: حي على الصلاة، أي: أنت يا مسلم قم فصلِّ، في تلك اللحظات يحصل صراع في داخل نفسك بين أن تقوم أو تنام، فإن نمت فهذا مِمَّن؟! مِن الشيطان، والقيام من الله.
فمع من أنت؟! فإن كنتَ قلتَ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، واستعذت بالله، وقمت، فقد أعانك الله.
وإن قلتَ: لا يزال الوقت متسعاً، فقد أطعت الشيطان، وركب الشيطان على رقبتك، وقال: نَمْ، عليك ليل طويل، إلى أن تفوت الصلاة، فإذا فاتت الصلاة بال الشيطان في أذنك.
(سئل النبي ﷺ : عن رجل ينام الليل ولا يقوم لصلاة الفجر، قال: ذاك رجل بال الشيطان في أذنيه) وقس على هذا كل أوامر الله، أي شيء تريد أن تنفذه من أوامر الله، وتجد في نفسك تردداً عنه فاعلم أن الشيطان هو الذي ردَّدك، وأي شيء من المحرمات والمعاصي تجد في نفسك تشويقاً ودفعاً إليها فاعلم أنه من الشيطان.
إذاً ماذا تفعل؟! عامله بنقيض قصده: إذا خذَّلك عن الصلاة، قُمْ فصَلِّ.
إذا قال: لا تقرأ القرآن، اقرأ القرآن.
إذا قال: لا تذهب إلى حلقة العلم، اذهب إلى حلقة العلم.
إذا قال: لا تتصَدَّق، تصَدَّق.
إذا قال: لا تزُرْ الرحم، اذهب فزُر الرحم.
إذا قال: لا تأمُرْ ولا تَنْهَ، فمُرْ وانْهَ.
إذا قال: غَنِّ، لا تُغَنِّ.
فقط اجعل من نفسك عدواً للشيطان، حتى ييئس منك؛ لأنه إذا جرَّب معك المرة الأولى والثانية والثالثة والرابعة، عرف أنك متحرر منه وضده، فيقول: هذا لا تتعبوا معه، فليس فيه حيلة.
أما بعض الناس فقد أصبح حماراً للشيطان يركب على غاربه، ويلعب به كما يلعب الطفل بالكرة، يأخذ به يميناً وشمالاً، لا يملك من أمره شيئاً، تقول له: هيا إلى المسجد.
يقول: والله لا أقدر أن آتي الآن.
لماذا؟! لأن الشيطان ركب على عاتقه.
لكن إذا قلت له: هيا إلى الملعب.
يقول لك: طيب! هيا.
أو قلت له: هيا إلى المنتزه وإلى التمشية والفيلم، أو هيا إلى أي شيء في طاعة الشيطان.
يقول لك: هيا.
أما الشيء الذي في طاعة الله، فلا! لماذا؟! لأن الشيطان يقوده من فوق رأسه، يلف به على الشمال دائماً، وإذا قيل له: لف يميناً.
قال: لا.
اليمين ليس جيداً.
هذا عبد للشيطان: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [يس:٦٠].
стр. 2303
عاقبة طاعة الشيطان
وحذارِ يا أخي أن تحسن الظن بالشيطان! ولا تتصور أن الشيطان يأمرك بخير أبداً؛ لأنه عدو لك، وإذا أحسنت الظن بالشيطان كان مصيرك كمصير رجل يذكر أهل العلم قصته: رجل كان يحمِّل مسئولية الإضلال على الناس، ويدافع عن الشيطان، ويقول: أنتم تعصون وتعملون المعاصي وتقولون: الشيطان، أنتم الذين تعصون، والشيطان لم يعمل شيئاًَ.
فانبسط الشيطان من هذا المنصف، وجاء إليه في المنام وقال له: جزاك الله خيراً، ما أنصفني أحدٌ إلا أنت، أنت الذي تدافع عني فجزاك الله خيراً، أنا لا أعمل شراً، ولا أدعو إلى الشر، فالناس هم الذين يعملون الشر ويحملونني المسئولية، وأنا مسكين لا أعمل شيئاً! بل أنا أعمل الخير، وأبرهن لك على عمل الخير بأن أحملك الآن، وأوصلك لتعتمر عمرة هذه الليلة.
وهو في المنام فوق الفراش.
قال: جزاك الله خيراًَ، ولكن كيف تذهب بي؟! قال: اركب على ظهري.
فأركبه على ظهره، وطار به، يريد أن يأخذه في عمرة إلى مكة في الليل، وفي الطريق وهما في الصحراء أراد هذا الرجل أن يخرج إلى الخلاء فدقَّ رأس الشيطان، قال: يا شيطان! قال: نعم.
قال: أريد الخلاء، قف بي، دعني أذهب إلى الخلاء.
قال: لا عليك، ضعها في مكانك، لا يهمك، ضعها على ظهري.
قال: كيف أضع الأذى والنجاسة على ظهرك؟ قال: لا يهمك، والله لن أدعك تنزل إلى الأرض، أنت رجل مخلص، ورجل مُدافعٌ عني، أَوَأَدَعُك تنزل إلى الأرض؟! والله لا تنزل.
فصبر ذاك وصبر، فغلبته بطنه، فما كان منه إلا أن وضعها على ظهره، وإذا به يضعها على الفراش.
قال: لعنك الله يا شيطان! نعوذ بالله منك يا شيطان! لعنك الله يا شيطان! فالشيطان يلعب عليك -يا أيها الإنسان- ونهاية هذا المكر وهذه اللعبة أنك يوم القيامة -أيها البعيد- يتخلى عنك الشيطان، يقول الله في سورة إبراهيم في الخطبة التي يلقيها الشيطان على أتباعه في النار، إذا استقر أهل النار في النار وكبيرهم إبليس، فهو قائد المجرمين، يجتمع بهم ويقول لهم كما قال الله: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ﴾ [إبراهيم:٢٢] اعتراف، يقول: وعدكم الله وعد الحق على ألسنة رسله، وفي كتبه بالجنة، ونهاكم عن النار؛ لكني وعدتكم فأخلفتكم: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [إبراهيم:٢٢] يقول: ما لي قوة عليكم: ﴿إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [إبراهيم:٢٢] لا إله إلا الله! يقول المفسرون: إن هذا الكلام على أهل النار أعظم من كل عذاب، فعذاب النار عذاب مادي إحراق؛ لكن عذاب الكلام عذاب معنوي، عذاب نفسي؛ شخصٌ يدخلك في مصيبة إلى مسامعك، ثم يقول: أنت الذي أخطأت، أنا ما قلت لك، أنت الذي أطعتني! كيف سيكون ألمك وألم هذا الكلام عليك؟! فهذا الشيطان يقول للناس: ﴿فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ﴾ [إبراهيم:٢٢] أي: لن أفزع لكم، ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ﴾ [إبراهيم:٢٢] لن تفزعوا لي: ﴿إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [إبراهيم:٢٢].
وأهل الإيمان قال الله فيهم: ﴿وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ﴾ [إبراهيم:٢٣] نسأل الله وإياكم من فضله.
стр. 2304
كيفية تحصين النفس من الشيطان
فيا أخي! جنِّد نفسك من الآن لمحاربة الشيطان، وستستمر في الصراع مع الشيطان فترة طويلة كل العمر؛ ولكن لن تبقى الضراوة والحدة والقوة على درجة واحدة، الآن باعتبار أن الشيطان مسيطر على قيادة الإنسان وفي توجيه الإنسان سيجد صعوبة في البداية؛ لكن إذا فك هذه الرُّبُط والقيود منه وتركه وصارعه وَهَنَتْ وضعفت إلى أن تأتي لحظة من اللحظات لا يستطيع الشيطان فيها أن يضلك أبداً بأي ضلال، كما أخبر النبي ﷺ عن عمر ﵁، قال: (إيه يا ابن الخطاب! والذي نفسي بيده ما سَلَكْتَ فجَّاً إلا سَلَكَ الشيطان فجَّاً آخر).
لم يستطع الشيطان أن يمشي في الطريق الذي يمشي فيه عمر فضلاً عن أن يوسوس له أو يضله، لماذا؟ لأنه تحرر نهائياً من رِبْقة الشيطان.
وكذلك كل مؤمن إذا التحق بالله وأيقن بالله، وأخلص العبودية له فإن الله يَحميه، كما قال الله : ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر:٤٢].
وكما قال : ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل:٩٩ - ١٠٠].
فمقتضى العداوة أن تجنِّد نفسك للصراع على مخالفة أوامر الشيطان والوقوع في نواهيه بالإتيان بأوامر الله، وترك نواهيه.
стр. 2305
العدو الثاني: النفس
العدو الثاني، والجبهة الثانية: هي جبهة النفس: نفسك أنت.
نفسي ضدي؟! نعم.
لا إله إلا الله! إذاًَ من هو الذي معي! ما دام أن الشيطان ضدي، ونفسي ضدي؟! أي: أنك أنت ضد نفسك! يقول الشاعر:
إبليس والدنيا ونفسي والهوى ما حيلتي وجميعهم أعدائي
لك حيلة مع نفسك! أن تتحرر وتتمرد على نفسك.
النفس البشرية خالقها هو الله، يقول الله : ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾ [الشمس:٧] أي: وما خَلَقَها وفَطَرَها وأَوْدَعَها، ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس:٨ - ١٠].
نفسك هذه التي يُتَحَدَّث عنها أعظم حديث، الذي يتحدث عنها هو خالقها ﵎؛ لأنه أعرف بصنعها: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ [الملك:١٤].
هو صانعها.
الجهاز مَن يعرف مشاكله وعطله، ويعرف إصلاحه إلا شركته الصانعة أليس كذلك؟! وإذا خرب أعطيناه للذي صنعه؛ لكنه إذا خرب وأعطيناه لغير صانعه أفسده.
وإذا خرب المسجل وأعطيناه لمهندس السيارة، وقلنا: أصلحه، فقام وشحَّمه ونفخه هواءً.
ما رأيكم؟! يصلح المسجل أم يخرب؟! يخرب؛ لأنه ليس هو الذي صنعه.
وإذا خربت ساعتك وأعطيتها للنجار، فقام وأدخل فيها مسماراً في الوسط، فإنه يفسدها.
كذلك النفس البشرية، مَن الذي خلقها؟! الله.
ومَن الذي يعالجها ويصلحها؟! الله.
وإذا أعطيناها لغير الله، ماذا يحصل؟! تفسد.
ولهذا النفس البشرية اليوم فَسَدَت؛ لأنها عُوْلِجَت عند غير خالقها.
стр. 2306
الذين أفسدوا النفس البشرية
يوجد علم قائم الآن يسمى: علم النفس، يسميه بعض المشايخ: (علم العَفْس والرَّفْس) لأن علماء النفس هؤلاء أجهل الناس بالنفس، ولا يعرفون النفس البشرية؛ لأنهم كفار لا يعرفون هدى الله.
شخصٌ اسمه: فروبل، من علماء النفس، يقول: إن الحياة قائمة على اللعب.
يقول: دع الناس يلعبون؛ لأنه يحب اللعب.
وشخص ثانٍ اسمه: فرويد، هذا أنجس عالم على وجه الأرض، يقول: إن الحياة قائمة على الجنس.
لأنه مُرَكَّبٌ مِن جِنْس مِن رأسه إلى قدميه.
وآخر اسمه: دوركهايم عالم من علماء النفس في فن الاجتماع، يقول: إنه لا يحكم الحياةَ الدينُ ولا المبادئُ؛ وإنما يحكمها العقل الجماعي.
يقول: إذا الناس اتفقوا على شيء أو أمر، فهم يسيرون فيه.
يقول: ألا ترى قطيع الغنم تمشي في طريق، ويتقدمها أحدها فيه ميزات، فيمشي شِمالاً فتمشي كل الغنم وراءه، ألا ترى مجموعة الطيور في السماء أحدها يمشي أمامها، وكلها تمشي وراءه.
يقول: والناس كذلك.
ومن قال لك يا هذا أننا قطيع من الغنم أو من البقر؟! هذه هي نظرته للبشرية، على أنهم قطيع من قطعان الحياة.
وآخر اسمه: ماركس، هذا الذي سقطت نظريته المادية الشيوعية.
هؤلاء الذين تحدثوا عن النفس البشرية من غير عِلْم، فأفسدوا الحياة، وفسدت النفس البشرية بنظرياتهم الباهتة.
стр. 2307
صفات النفس
والحديث عن النفس البشرية أصدق حديث عنها إذا جاء عن الله؛ لأنه هو الذي خلقها ويعرف أسرارها، وقد ذكر الله النفس البشرية في القرآن وبيَّن أن لها ثلاث صفات: ١/ نفس أمارة بالسوء.
٢/ نفس لوامة.
٣/ نفس مطمئنة.
فالنفس الأمارة بالسوء هي: طبيعة النفس، ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف:٥٣] ليست آمرة، بل أمَّارة، صيغة مبالغة، أي: لا تأمر إلا بالسوء، ولا تحب إلا الشر، تكره القيود، وتحب الدَّعة والتفلُّت والنوم، تريد الاسترخاء والضياع والضلال واللعب، ألا ترى أنك عندما تصلي التراويح في المسجد في رمضان مع إمام يطيل الصلاة، وأطول صلاة الآن لا تستغرق نصف ساعة، أو ساعة إلا ربع، أو ساعة على الأكثر، كم تحس فيها مِن التعب مِن نفسك؟! وهي تتعبك في رجليك وركبتيك ونفسك، وتنظر فتقول: يا ألله يا ربِّ! وتنظر في الساعة، وتقول: طوَّل الإمام، إلى أن تخرج وقد تَمَلَّخْتَ، وإذا خرجت من المسجد وذهبت إلى السوق لتتقضَّى فإنك تمر في السوق أربع ساعات متنقلاً من معرض إلى معرض، ومن دكان إلى دكان، وترجع إلى البيت كأنك تمشي على ورد، ولا تحس بتعب، مَن تعَّبك في المسجد، وريَّحك في السوق؟! إنها النفس الأمارة بالسوء.
لماذا؟! لأنها تعرف أن جلوسك في المسجد فيه خير، وجلوسك في السوق فيه سوء، وضياع لحياتك، نظرة، خطرة، غفلة، مشكلة، معصية، إذاً هي ترغِّبك في الشر وتبعدك عن الخير، ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف:٥٣].
هذه أصل طبيعة النفس، كل نفس بشرية أمارة بالسوء، لكن يتدخل الشرع وتأت أوامر الدين على هذه النفس فتغير من طبيعتها، وتجعلها أمارة بالخير، فتقاومُ النفس وتقول: لا.
لن آمر بالخير، سأبقى آمر بالشر؛ لكن يُعَيِّي الإنسان أن يأمرها بالخير إلا غصباً، ثم بعد ذلك تحصل مرحلة ثانية، فتصير هذه النفس لوامة.
ما معنى لوامة؟! قال العلماء: تدعو إلى الباطل، ثم تلوم عليه، تدعوك إلى الباطل، فإذا فعلتَه جاءت النفس وقالت لك: أين إيمانك؟! أين دينك؟! أين أنت؟! ألست مؤمناً؟! ألست متديناً؟! تزني؟! تسكر؟! تكذب؟! أين خوف الله؟! هذه هي اللوامة، وهذه مرتبة جيدة، أحسن من النفس الأمارة؛ لأنها تلومك قليلاً؛ ولكنها ترتقي بالمجاهدة، وبالعسف لهذه النفس، وبالتدريب، وبالمعاندة لها، إلى أن ترتقي إلى النفس المطمئنة؛ وهي النفس التي اطمأنت إلى الله، وسكنت إليه، اطمأنت إليه عقيدةً، واطمأنت إليه عبادةً، فاطمأنت إليه، فانتقلت من الجهل إلى العلم، ومن الظلام إلى النور، ومن المعصية إلى الطاعة، ومن الكذب إلى الصدق، ومن الشك إلى اليقين، ومن حياة اللعب والفوضى إلى حياة الجد والانتظام، سكنت نفسك، اطمأنت، هذه النفس إذا اطمأنت يقال لها عند الموت: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي﴾ [الفجر:٢٧ - ٢٨] فقد أديتِ واجبكِ، وقمتِ بمسئوليتكِ ﴿ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ﴾ [الفجر:٢٨] إلى فاطرك وخالقك، إلى الذي استجبتي لأمره، وانتهيتي عن نهيه، ﴿ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً﴾ [الفجر:٢٨] في حقيقتها ﴿مَرْضِيَّةً﴾ [الفجر:٢٨] أي: مرضي عنها من قبل خالقها وفاطرها، ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر:٢٩ - ٣٠] نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من هذه النفوس.
لكن متى تكون نفسك مطمئنة؟! تحتاج منك إلى جهد وجهاد، تحتاج منك إلى تدريب هذه النفس، ومخالفة لهوى النفس، يقول الله : ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ [النازعات:٤٠] نهاها.
النفس كالطفل إن تهمله شب على حب الرضاع وإن تفطمه ينفطمِ
الآن الشباب الذين نسميهم: الشباب الملتزم؛ شباب الصحوة، هؤلاء أناس كانوا عاديين، يسمعون الأغاني، ويفعلون المنكرات، ويتكاسلون عن الصلوات، وربما يتركونها، إي نعم؛ لكن حصل عندهم يقين، ويقظة في القلب، وشعور، وعرفوا أن الطريق الصحيح ليس هذا، وأن الطريق الصحيح هو الإسلام، فقرروا التوبة، وفَطَمُوا نفوسهم عن المعاصي، ما الذي حصل؟! لا شيء، كان الشخص منهم ينظر إلى الحرام، فقال: والله لن أنظر.
كان يسمع الغناء، فقال: والله لن أسمع.
كان ينام عن الصلاة، فقال: والله لن أنام، سأقوم لأصلي.
ماذا حصل؟! هل حصل شيء؟! لا.
النفس عندما رأت الجد منه استكانت؛ لأن النفس -كما يقول ابن القيم - كالفرس، إن وجدت خيَّالاً ماهراً مشت واستسلمت وأذعنت، وإن وجدت خيَّالاً عاثراً ولا يعرف، رَفَسَتْه، وأسقطته، وداست على بطنه ومشت عليه.
لماذا؟! لأنه ليس بماهر.
وكذلك أنت كن ماهراً مع هذه النفس، زُمَّ خطامها، ولذلك جاء في الحديث عند أحمد والترمذي: يقول ﵊: (الكيِّس -العاقل صاحب اللب- مَن دان نفسه -أي: أدانها، دائماً هي المدينة أمامه- وعمل لما بعد الموت، والعاجز مَن أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني).
النفس العدوة ينبغي لك أن تنصِّب نفسك لمجاهدتها، أي: تحارب نفسك، أنت تحارب نفسك، تحاربها على طاعة الله، تحاربها ضد معصية الله، تلزمها إلزاماً، تضربها بسوطِ التخويف بالنار، تشدها بشوقِ الترغيب في الجنة، مَنِّها بما في الجنة، خوِّفها بما في النار، ستجدها تمشي معك، وإذا مشت استرحت؛ لأن مِن الناس مَن هو حمارُ نفسه، تهدبه نفسُه في كل مكان، ومِن الناس مَن نفسُه حماراً له، يمشِّيها كيفما يريد.
هذه هي النفس، وهذه أقسامها، ثلاثة أقسام: ١/ نفس أمارة بالسوء: وهي نفس الفاجر.
٢/ نفس لوَّامة: وهي نفس المسلم الضعيف.
٣/ نفس مطمئنة: وهي نفس المؤمن القوي، الذي نسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يجعلنا وإياكم من أهل هذه النفوس.
стр. 2308
العدو الثالث: الدنيا
العدو الثالث، والميدان الثالث من ميادين الصراع: ميدان الدنيا:- هذه الحياة الدنيا بما فيها من مغريات وشبهات وشهوات وملهيات، هذه عدو لك، وأبرز أعداء الدنيا: المال والبنون، يقول الله: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن:١٥] ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [الأنفال:٢٨] مالك عدوك وأنت تجمعه، وولدك الذي من صلبك عدوك، الدنيا كلها عدوك، لماذا؟ لأن هذه الدنيا تريد أن تصرفك عن الحقيقة التي خُلِقت من أجلها، فتعيش بعيداً عن ميادين الجدية، تعيش لاهياً وعابثاً وعاجزاً، تتفانى وتتصارع على الشهوات، وتغرق في شهوات البطون، وتستمتع بشهوات الفروج، فتقضي حياتك في غير طاعة الله فتخسر.
стр. 2309
حقيقة الدنيا
هذه الدنيا حذرنا الله منها، ومثَّلها العلماء، يقول ابن القيم: إن الدنيا كامرأة عجوز شوهاء.
الدنيا مَثَلُها مَثَل عجوز، نحن الآن في آخر عمر الدنيا، تحسبونها جديدة؟! انتهت، الآن لم يعد منها إلا أيامٌ يعلمها الله، فالنبي آخر نبي ﷺ ، والكتاب آخر كتاب، والأمة المحمدية آخر الأمم، وما بقي إلا الساعة، حتى قال ﵊: (أنا نبي الساعة).
وقال: (بُعِثْتُ أنا والساعة كهاتين، وكادت أن تسبقني) فالدنيا عمرها طويل.
فشبَّهها العلماء: كامرأة عجوز مُسِنَّة قد عميت عيناها، وسقطت أسنانها، وانحنى جسمها، وتجعد وجهها، وانحنى ظهرها، وشاب رأسها؛ ولكنها لا زالت تحب التصابي.
فهي عجوز ليس معها سن، ولا معها شعرة سوداء في رأسها، وظهرها مُعْوَج، وحالتها تُشْكَى إلى الله، ومع هذا تعطَّرت، وتخضَّبت -تَحَنَّت- ولبست الذهب، ثم تَحَجَّبت، حتى لا يراها الخُطَّاب، فلو رأوها على حقيقتها فلن يلاحقها أحد، فأخذت لها غطاءً وحجاباً، وجاءت إلى هؤلاء الذين لا يعرفونها وقالت لهم: هكذا يرفع الشيخ حاجبَيه مِرَاراً، من تحت العباية، فيقتربون منها وإذا بها معطرة وإذا بصوت الذهب، فكلما اقتربوا منها أفلحت قليلاً، تفلح قليلاً، ولا أحد يدرك هذه الدنيا إلا عند نقطة الموت، فإذا صارت عند الموت قالت: انظروا إلي! فتكشف وجهها.
فيقولون: الله أكبر عليكِ! ظهرتِ أنك بهذا السن في الحياة ونحن نطاردك؟! والله لو علمنا ما طاردناك، ولهذا يقولون عند الموت: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون:٩٩] يقول: رب أرجعني، لماذا؟! قال: ﴿لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً﴾ [المؤمنون:١٠٠] لأن هذه الدنيا غرَّته، ضيعته العجوز الخبيثة هذه، لم يعلم بسِنِّها، ولا بوجهها، ولا بشكلها، غرَّته رائحتها، خدعته زينتها، خدعته إشارتها؛ لكنه لو عرف حقيقتها ولو علم بشكلها والله لن يتبعها.
ولهذا يقول أصحاب قارون لما خرج في زينته وهم لا يعرفون حقيقة الدنيا: ﴿قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [القصص:٧٩]؛ لكن أهل العلم ماذا قالوا؟! ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾ [القصص:٨٠] فأهل العلم بالحقيقة، أهل العلم بالدنيا، هؤلاء يعرفون أنها غدارة، خداعة، مكارة، ترضع؛ ولكنها تفطم، تعطي؛ ولكنها تمنع، تحيي؛ لكنها تميت، انظروا إلى عملها بأهلها! تجد الشخص بينما هو في عزته ومَنَعَته وسلطته وشغلته وإذا به يقال له: انزل، تفضل، هذا القبر الآن، وهو في قوته وإذا به يموت بين أولاده، وإذا به يخرج من قصره فيرجع إلى قبره، في نوره فيخرج إلى ظلامه.
يقال في كتب العلم: إن ملكاً من ملوك الدنيا كان يمشي في خيله ورَجِله وموكبه، فجاءه ملك الموت في هيئة رجل ذو أسمال بالية وثياب مقطعة، فاعترض الموكب وأمسك بخطام الحصان وقال للملك: انزل، ادنُ مني.
قال: مَن أنت حتى تجرؤ على هذا؟! قال: أنا ملك الموت.
قال: أمهلني.
قال: لا أمهلك حتى لحظة.
فقبض روحه، وخرَّ بين قوائم فرسه، هذا عمل الدنيا بالناس، تمهلهم؛ لكن تأتي بهم من قريب، وليس معنى ترك الدنيا أو معاداة الدنيا أننا لا نعمل فيها! لا.
هذا الفهم ليس فهماً شرعياً، ومعنى عداءك للدنيا، أي: عداءك للدنيا التي تضلك عن الله، أما الدنيا التي تعينك على طاعة الله فهي ليست دنيا إنها دين، وإذا توظفت وقبضت المال من حلال، واستعنت به على طاعة الله، فوظيفتك هذه وظيفة دينية؛ لأنك تخدم بلدك، وتساهم في بناء مجتمعك، وتسد ثغرةً من ثغرات المسلمين، وتؤدي واجباً من واجبات الأمة، وفي نفس الوقت استعنت بهذا المال على طاعة الله؛ أنفقت منه على زوجتك وعلى أبنائك، وأكرمت منه ضيفك، وأعطيت الفقير منه، وقمت بالواجبات، وأخرجت الحقوق والزكوات، هذا المال وهذه الوظيفة تعتبر دِيناً.
إذا كنت تاجراً وصدقت في تجارتك، ولم تكذب، ولم تغش، ولم تخدع، وأوردت للناس أي: لم تحتكر البضائع على الناس، فتجارتك هذه دِيناً.
إذا كنت مزارعاً وجلبت الأرزاق للناس، فزراعتك هذه دِيناً.
إذاًَ: الدنيا التي نحذر الناس منها هي: الدنيا الصادَّة عن الله، التي تصرفك عن طاعة الله، الدنيا التي تستخدمها وتستعين بها على معصية الله، أما دنيا تسخرها في طاعة الله فنِعْمَ المال الصالح في يد العبد الصالح، يقول ﵊ لـ عثمان بعد أن جهز جيش العسرة: (ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم) جهز ثلاثمائة بعير بأحلاسها وأقتابها، ولما قَدِمَت على المدينة قافلته وتجارته، وقام التجار يرابحون فيها، وأعطوه في الريال ريالاً، أي: الربح - (١٠٠ %) - قال: قد جاءني أكثر، قالوا: نعطيك في الريال ريالين -أي الربح: (٢٠٠ %) - قال: جاءني أكثر، فما زالوا به حتى أوصلوها إلى خمسة ريالات، -أي الربح: (٥٠٠ %) قال: قد جاءني أكثر، فاجتمعوا وقالوا: مَن ذا الذي أعطاه أكثر، وهو لا يكذب؛ ها نحن تجار المدينة، هل أحدٌ منا أعطاه أكثر من خمسة؟ قالوا: لا.
فجاءوا إليه، فقالوا: من ذا الذي أعطاك أكثر؟! لا يوجد أحد منا أعطاك أكثر! من الذي أعطاك؟! قال: أعطاني ربي، الحسنة بعشر أمثالها، هي لله -ثلاثمائة بعير محملة بالبر والطحين بأحلاسها وأقتابها كلها لله- قال ﵊: (ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم).
إذاًَ: هذه الدنيا ما رأيكم فيها؟! دنيا أم دين؟ دين.
وطريق مجاهدة الدنيا ومصارعتها أن تنظر إليها بالمنظار الرباني، فتأخذ منها ما أحله الله، وتستعين بها على ما يحبه الله، وتتوقى وأنت تسير فيها، فلا تضع قدمك إلا في أمر يحبه الله، ولا تنظر بعينك إلا في أمر يحبه الله، ولا تسمع بأذنك إلا ما يحبه الله، ولا تتكلم بلسانك إلا فيما أحله الله، حتى تسلم من آفة الدنيا.
стр. 2310
وقفة مع قوله تعالى: (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ)
والله قد أنبأنا عن حقيقة الدنيا على صيغة العلم، يقول ربنا في سورة الحديد: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ [الحديد:٢٠] هذه حقيقة الدنيا، الله يتحدث عنها وهو أعلم بها.
﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلادِ﴾ [الحديد:٢٠].
لعب؛ أكثر الناس يحب أن يلعب.
لَهْو.
زينة؛ تغيير ملابس، تغيير سيارة، تغيير مفارش، تغيير موكيت، فقط زينة.
تفاخر؛ أنا في رتبة كذا، أنا في مكان كذا، أنا عندي سيارة أحسن، أنا عندي كذا، أنا عندي رصيد، هذه هي الحياة الدنيا.
وما مَثَلُها؟! قال الله ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ﴾ [الحديد:٢٠] أي: نبات ﴿أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ﴾ [الحديد:٢٠] وهل هناك غيث في الدنيا يستمر أخضر؟! لا، بل لا بد لكل أخضر أن يغْبَر ﴿ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرَّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً﴾ [الحديد:٢٠] هذا مَثَل الحياة للإنسان، غيث في فترة الشباب، ثم فترة الكهولة والشيخوخة، وهي مصَفِّر، ثم تصير حطاماً، ثم تموت، ﴿وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ [الحديد:٢٠] لمن؟! لمن لم يعرف أمر الله ولم يسِر على طريق الله ﴿وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ﴾ [الحديد:٢٠] لأهل الإيمان ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ * سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد:٢٠ - ٢١].
هذا هو العدو الثالث؛ الدنيا، فانتبه منها! فلا تخدعك، فتجمع المال من الحرام، وترفع أرصدتك؛ لكن في النار، وتدخل عليك دخولاً من نار، انتبه! لا تأكل إلا طيباً، ولا تكنِز إلا طيباً، ولا تقع بقدمك إلا في طيب، حتى تسلم، أما الحرام فإنه لا يورِّث إلا الناراً -والعياذ بالله-، يقول ﵊: (كل لحم نَبَتَ من سحت فالنار أولى به).
стр. 2311
العدو الرابع: الهوى
الميدان الرابع والأخير عدو لدود: الهوى أي: المزاج والكيف، كما يقول بعض الناس: أنا على كيفي! أنت على كيفك؟! لا.
أنت عبد، هل علمتم بعبد يمشي على كيفه؟! أم إنه يمشي على كيف سيده؟! ما رأيكم؟! العبد المملوك يمشي على كيفه وهواه، أم على كيف سيده؟! على كيف سيده.
وأنت ماذا أنت؟! عبد، نعم عبد.
عبد لِمَن؟ لمن خلقك، فلا ينبغي أن تكون على هواك، يجب أن تكون على مراد مولاك؛ لأنك إذا سرت على هواك ضللت، وإذا سرت على أمر مولاك هُدِيت، ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية:٢٣] الذي اتخذ إلهه مولاه، ماذا حصل؟! قال الله: ﴿وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الجاثية:٢٣] لما اتخذ إلهه هواه أضله الله على علم ﴿وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً﴾ [الجاثية:٢٣] كيف سيرى، القلب مختوم، والسمع مختوم، والبصر عليه غشاوة، وهذا على علم، يعصي الله على علم، قال الله: ﴿فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [الجاثية:٢٣].
انتبه! أخطر الأشياء عليك الهوى، المزاج، يجب أن يكون هواك ومزاجك موافق للشرع، ولهذا جاء في الحديث: يقول ﵊: (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئتُ به) أي: يكون مرادك وهواك ومزاجك موافقاً ومتبعاً لشرع الله ولما جاء به رسول الله ﷺ ، هذا الإيمان، أما أن يكون هواك ضد الشرع، ومزاجك ضد تكاليف الأمر والنهي، فهذا هوى شيطاني.
стр. 2312
النهي عن اتباع الهوى في القرآن
لقد حذرنا الله من اتباع الهوى في القرآن العظيم في آيات كثيرة: يقول الله عن بلعام بن باعوراء -رجل من بني إسرائيل كان من عباد الله الصالحين، أوتي العلم، لكن ما اتبع مولاه، بل اتبع هواه- فالله ضرب به مثلاً كالكلب، يقول الله: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف:١٧٥] أي: على أمتك، أخبرهم بنبأ ذاك ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا﴾ [الأعراف:١٧٥] أي: الدالة علينا، فماذا حصل؟! ﴿فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾ [الأعراف:١٧٥] ما قال الله: فتَرَكها، لا.
بل ﴿فَانْسَلَخَ﴾ [الأعراف:١٧٥] والانسلاخ من الشيء أي: تركه إلى الأبد، الآن إذا ذبحت لك شاةً وسلخت جلدها، ما معنى سَلْخِ جلدِها؟ معناه: لن يعود عليها أبداً بأي حال من الأحوال، ما قلتُ: أنا وضعتُ ثوبها، وأنت إذا خلعت ثوبك هل تقول: أنا سلختُ ثوبي؟! لا.
بل تقول: خلعتُ، بمعنى: أنه قابل لأن أغسله وأرده؛ لكن إذا سلختَ جلد الشاة فلن يرجع عليها.
وكذلك هذا الرجل انسلخ من الدين بقصد ألا يعود إليه، قال الله : ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾ [الأعراف:١٧٥] فماذا حصل؟! ﴿فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ﴾ [الأعراف:١٧٥] لما انسلخ من آيات الله تسلط عليه الشيطان، ما كان يستطيع الشيطان عليه وهو معتصم بالله؛ لكن لما انسلخ عن آيات الله قال الله: ﴿فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾ [الأعراف:١٧٤ - ١٧٥] وماذا؟! ﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ [الأعراف:١٧٦] بئس مثل القوم والعياذ بالله.
стр. 2313
الحذر من اتباع الهوى
احذر -يا أخي- من اتباع الهوى! اجعل هواك دائماً ومزاجك وفق شرع الله، قبل أن تتصرف لا تقل: يا هواي ماذا تريد؟! لا.
بل قل: يا ربَّ ماذا تريد؟ ماذا قال الرسول في هذه المسألة؟ ماذا قال الشرع في هذا الأمر؟ فإن قال شيئاً، فقل: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [البقرة:٢٨٥] ولا يسعك أمام أمر الله وأمام أمر رسول الله إلا أن تقول: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [البقرة:٢٨٥] ﴿وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة:٢٨٥] هكذا المؤمن، لكن المنافق يقول: سمعنا، ولا يقول: وعصينا، الكافر هو الذي يقول: ﴿سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ [البقرة:٩٣].
تقول له: حجب زوجتك.
يقول: صحيح؛ لكن قلوبنا نظيفة.
تقول: اعفِ لحيتك.
يقول: صدقتَ؛ لكن الإيمان في القلوب، وليس في اللحى.
تقول: لا تسمع الأغاني.
يقول: هذا والله صحيح؛ لكن والله إني أسمعها من هنا وتخرج من هنا.
ضيَّعتَ الشرع بـ (لكن) هذه، كل شيء يعمله بـ (لكن)، فإذا جئت إلى النار قل: لكن في ذلك اليوم، لم تعد معك (لكن)، فالله يقول: ﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ * اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور:١٥ - ١٦].
فاحذر -يا أخي- من اتباع هواك! يقول الله : ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾ [الكهف:٢٨] إذا اتبع العبدُ مولاه انتظم أمرُه، وإذا اتبع العبدُ هواه انفرط، وعَبَّر الله عن أمره بأنه فُرُط، أي: غير مجموع، مشتت، مثل المسبحة إذا انفرط حبلها، كيف تكون؟! أتظل معك في يدك، أم أين تذهب؟! تتشتت، وتذهب كل حبة في أرض، وترى شيئاً، وتضيِّع شيئاً.
كذلك إذا كنتَ مجتمعاً على الشرع والدين، منتظماً مع الله، عينك وأذنك ولسانك وقلبك مع الله، رجلك تمشي في طاعة الله، يدك تبطش في طاعة الله، مع المسجد، مع الكتاب، ستمشي منضبطاً؛ لكن إذا لم يكن معك دين، وليس ثَمَّ إلا الهوى، فلا تدري من هو الذي أنت معه! مرة مع الشيطان، ومرة مع الشرق، ومرة مع الغرب، ومرة مع الأبالسة، ومرة مع المغنين، ومرة مع الشياطين، بمعنى: أنك لا تدري.
لماذا؟! لأن الأمرَ فُرُطٌ، ﴿وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾ [الكهف:٢٨].
ويقول : ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ [القصص:٥٠] أي: لا أضلَّ على وجه الأرض ممن اتبع هواه ﴿بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص:٥٠] ظالم وأي ظالم! وضال وأي ضال! مَن يتبع هواه، ويترك أمر مولاه.
стр. 2314
وقفة أخيرة مع الأعداء الأربعة
هؤلاء هم الأعداء الأربعة: ١/ إبليس.
٢/ النفس الأمارة بالسوء.
٣/ الدنيا.
٤/ الهوى.
جنِّد نفسك -يا أخي- إن كنت تريد النجاة، وليس بينك وبين أن تضع عن كاهلك السلاح وأن تُلْقِي عن نفسك الصراع إلا أن تموت! وما أقرب أن تموت! فقد تموت هذه الساعة، وقد تموت الليلة، وقد تموت غداً، وقد تموت بعد شهر أو بعد سنة أو بعد سنوات، المهم أنك ستموت، ففترة الصراع محدودة؛ لكن فترة العذاب غير محدودة، فالذي يقول: والله لا أقدر أن أصارع! هذه صراعات صعبة! أظل أصارع الشيطان، وأصارع النفس؟! لا والله، أتركهم، أتركهم أمامي كلهم، فهذا صحيحٌ أنه ينبسط؛ لكنه يعذب عذاباً لا يُعَذَّبُ به أحداً من العالمين.
ففترة الصراع محدودة ثم تنتهي، أما فترة العذاب فغير محدودة، ويتمنى الإنسان في الآخرة أنه يرجع، كما قال الله : ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُؤُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة:١٢].
أسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يزكي نفوسنا، وأن يقبل صالح أعمالنا، وأن يتجاوز عن تقصيرنا، وأن يهدينا إلى كل سبل الخير، وأن ينصر دينه، وأن يعلي كلمته، وأن يوفق المسلمين وحكامهم إلى كل خير، وأن يصرفهم عن كل شر، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
والله أعلم.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 2315
الضعف والتراخي في حياة الملتزمين
إن الإنسان الملتزم كغيره، يعتريه الفتور والضعف، إذ أن هناك الكثير من المؤثرات التي تحدد مسار ونمط حياته، ومن هذه المؤثرات ما هو خارجي يتعلق بالمجتمع المحيط، ومنها ما هو متعلق بشخص الملتزم.
لذلك فإن الملتزم إذا لم تزدد حصيلة التزامه؛ فإنها ولابد ستتناقض، وهذا التناقض والفتور من الأدواء التي لابد لها من علاج، وهو ما يتناوله الشيخ حفظه الله في هذه المادة بالتفصيل والبيان.
следующие страницы →