← Джавами‘

Джавами‘ · id 7736

دروس للشيخ سعيد بن مسفر

سعيد بن مسفر

Полный текст (2 982 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.

стр. 2311

العدو الرابع: الهوى الميدان الرابع والأخير عدو لدود: الهوى أي: المزاج والكيف، كما يقول بعض الناس: أنا على كيفي! أنت على كيفك؟! لا. أنت عبد، هل علمتم بعبد يمشي على كيفه؟! أم إنه يمشي على كيف سيده؟! ما رأيكم؟! العبد المملوك يمشي على كيفه وهواه، أم على كيف سيده؟! على كيف سيده. وأنت ماذا أنت؟! عبد، نعم عبد. عبد لِمَن؟ لمن خلقك، فلا ينبغي أن تكون على هواك، يجب أن تكون على مراد مولاك؛ لأنك إذا سرت على هواك ضللت، وإذا سرت على أمر مولاك هُدِيت، ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية:٢٣] الذي اتخذ إلهه مولاه، ماذا حصل؟! قال الله: ﴿وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الجاثية:٢٣] لما اتخذ إلهه هواه أضله الله على علم ﴿وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً﴾ [الجاثية:٢٣] كيف سيرى، القلب مختوم، والسمع مختوم، والبصر عليه غشاوة، وهذا على علم، يعصي الله على علم، قال الله: ﴿فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [الجاثية:٢٣]. انتبه! أخطر الأشياء عليك الهوى، المزاج، يجب أن يكون هواك ومزاجك موافق للشرع، ولهذا جاء في الحديث: يقول ﵊: (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئتُ به) أي: يكون مرادك وهواك ومزاجك موافقاً ومتبعاً لشرع الله ولما جاء به رسول الله ﷺ ، هذا الإيمان، أما أن يكون هواك ضد الشرع، ومزاجك ضد تكاليف الأمر والنهي، فهذا هوى شيطاني.

стр. 2312

النهي عن اتباع الهوى في القرآن لقد حذرنا الله من اتباع الهوى في القرآن العظيم في آيات كثيرة: يقول الله عن بلعام بن باعوراء -رجل من بني إسرائيل كان من عباد الله الصالحين، أوتي العلم، لكن ما اتبع مولاه، بل اتبع هواه- فالله ضرب به مثلاً كالكلب، يقول الله: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف:١٧٥] أي: على أمتك، أخبرهم بنبأ ذاك ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا﴾ [الأعراف:١٧٥] أي: الدالة علينا، فماذا حصل؟! ﴿فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾ [الأعراف:١٧٥] ما قال الله: فتَرَكها، لا. بل ﴿فَانْسَلَخَ﴾ [الأعراف:١٧٥] والانسلاخ من الشيء أي: تركه إلى الأبد، الآن إذا ذبحت لك شاةً وسلخت جلدها، ما معنى سَلْخِ جلدِها؟ معناه: لن يعود عليها أبداً بأي حال من الأحوال، ما قلتُ: أنا وضعتُ ثوبها، وأنت إذا خلعت ثوبك هل تقول: أنا سلختُ ثوبي؟! لا. بل تقول: خلعتُ، بمعنى: أنه قابل لأن أغسله وأرده؛ لكن إذا سلختَ جلد الشاة فلن يرجع عليها. وكذلك هذا الرجل انسلخ من الدين بقصد ألا يعود إليه، قال الله : ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾ [الأعراف:١٧٥] فماذا حصل؟! ﴿فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ﴾ [الأعراف:١٧٥] لما انسلخ من آيات الله تسلط عليه الشيطان، ما كان يستطيع الشيطان عليه وهو معتصم بالله؛ لكن لما انسلخ عن آيات الله قال الله: ﴿فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾ [الأعراف:١٧٤ - ١٧٥] وماذا؟! ﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ [الأعراف:١٧٦] بئس مثل القوم والعياذ بالله.

стр. 2313

الحذر من اتباع الهوى احذر -يا أخي- من اتباع الهوى! اجعل هواك دائماً ومزاجك وفق شرع الله، قبل أن تتصرف لا تقل: يا هواي ماذا تريد؟! لا. بل قل: يا ربَّ ماذا تريد؟ ماذا قال الرسول في هذه المسألة؟ ماذا قال الشرع في هذا الأمر؟ فإن قال شيئاً، فقل: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [البقرة:٢٨٥] ولا يسعك أمام أمر الله وأمام أمر رسول الله إلا أن تقول: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [البقرة:٢٨٥] ﴿وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة:٢٨٥] هكذا المؤمن، لكن المنافق يقول: سمعنا، ولا يقول: وعصينا، الكافر هو الذي يقول: ﴿سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ [البقرة:٩٣]. تقول له: حجب زوجتك. يقول: صحيح؛ لكن قلوبنا نظيفة. تقول: اعفِ لحيتك. يقول: صدقتَ؛ لكن الإيمان في القلوب، وليس في اللحى. تقول: لا تسمع الأغاني. يقول: هذا والله صحيح؛ لكن والله إني أسمعها من هنا وتخرج من هنا. ضيَّعتَ الشرع بـ (لكن) هذه، كل شيء يعمله بـ (لكن)، فإذا جئت إلى النار قل: لكن في ذلك اليوم، لم تعد معك (لكن)، فالله يقول: ﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ * اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور:١٥ - ١٦]. فاحذر -يا أخي- من اتباع هواك! يقول الله : ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾ [الكهف:٢٨] إذا اتبع العبدُ مولاه انتظم أمرُه، وإذا اتبع العبدُ هواه انفرط، وعَبَّر الله عن أمره بأنه فُرُط، أي: غير مجموع، مشتت، مثل المسبحة إذا انفرط حبلها، كيف تكون؟! أتظل معك في يدك، أم أين تذهب؟! تتشتت، وتذهب كل حبة في أرض، وترى شيئاً، وتضيِّع شيئاً. كذلك إذا كنتَ مجتمعاً على الشرع والدين، منتظماً مع الله، عينك وأذنك ولسانك وقلبك مع الله، رجلك تمشي في طاعة الله، يدك تبطش في طاعة الله، مع المسجد، مع الكتاب، ستمشي منضبطاً؛ لكن إذا لم يكن معك دين، وليس ثَمَّ إلا الهوى، فلا تدري من هو الذي أنت معه! مرة مع الشيطان، ومرة مع الشرق، ومرة مع الغرب، ومرة مع الأبالسة، ومرة مع المغنين، ومرة مع الشياطين، بمعنى: أنك لا تدري. لماذا؟! لأن الأمرَ فُرُطٌ، ﴿وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾ [الكهف:٢٨]. ويقول : ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ [القصص:٥٠] أي: لا أضلَّ على وجه الأرض ممن اتبع هواه ﴿بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص:٥٠] ظالم وأي ظالم! وضال وأي ضال! مَن يتبع هواه، ويترك أمر مولاه.

стр. 2314

وقفة أخيرة مع الأعداء الأربعة هؤلاء هم الأعداء الأربعة: ١/ إبليس. ٢/ النفس الأمارة بالسوء. ٣/ الدنيا. ٤/ الهوى. جنِّد نفسك -يا أخي- إن كنت تريد النجاة، وليس بينك وبين أن تضع عن كاهلك السلاح وأن تُلْقِي عن نفسك الصراع إلا أن تموت! وما أقرب أن تموت! فقد تموت هذه الساعة، وقد تموت الليلة، وقد تموت غداً، وقد تموت بعد شهر أو بعد سنة أو بعد سنوات، المهم أنك ستموت، ففترة الصراع محدودة؛ لكن فترة العذاب غير محدودة، فالذي يقول: والله لا أقدر أن أصارع! هذه صراعات صعبة! أظل أصارع الشيطان، وأصارع النفس؟! لا والله، أتركهم، أتركهم أمامي كلهم، فهذا صحيحٌ أنه ينبسط؛ لكنه يعذب عذاباً لا يُعَذَّبُ به أحداً من العالمين. ففترة الصراع محدودة ثم تنتهي، أما فترة العذاب فغير محدودة، ويتمنى الإنسان في الآخرة أنه يرجع، كما قال الله : ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُؤُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة:١٢]. أسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يزكي نفوسنا، وأن يقبل صالح أعمالنا، وأن يتجاوز عن تقصيرنا، وأن يهدينا إلى كل سبل الخير، وأن ينصر دينه، وأن يعلي كلمته، وأن يوفق المسلمين وحكامهم إلى كل خير، وأن يصرفهم عن كل شر، إنه ولي ذلك والقادر عليه. والله أعلم. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 2315

الضعف والتراخي في حياة الملتزمين إن الإنسان الملتزم كغيره، يعتريه الفتور والضعف، إذ أن هناك الكثير من المؤثرات التي تحدد مسار ونمط حياته، ومن هذه المؤثرات ما هو خارجي يتعلق بالمجتمع المحيط، ومنها ما هو متعلق بشخص الملتزم. لذلك فإن الملتزم إذا لم تزدد حصيلة التزامه؛ فإنها ولابد ستتناقض، وهذا التناقض والفتور من الأدواء التي لابد لها من علاج، وهو ما يتناوله الشيخ حفظه الله في هذه المادة بالتفصيل والبيان.

стр. 2316

النعمة الحقيقية في الدنيا هي نعمة الدين الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: أيها الإخوة في الله: من أعظم ما يمن الله به على الإنسان نعمة الطاعة ونعمة الدين ونعمة الإيمان، ومن أعظم العقوبات التي يعاقب بها الإنسان حرمانه من هذه النعمة، ووقوعه في مصيبة المعصية، وفي مصيبة المخالفة، والناس يفهمون من النعمة أنها المال، والعافية، والمنصب، والولد والزوجة، والسيارة والعمارة كل هذه نعم، لكنها نعم تزول. أما النعمة الحقيقية التي امتن الله بها على عباده المؤمنين فهي نعمة الإيمان، يقول : ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [النساء:٦٩] (أنعم الله عليهم) من هم؟ ﴿مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً﴾ [النساء:٦٩] من بقي بعد هؤلاء؟ النبيين والصديقين والشهداء والصالحين؟ ما بقي بعدهم إلا كل فاسد وسيئ، والعياذ بالله! فينعم الله على النبيين بنعمة الدين برغم أنهم يعيشون ويموتون وهم في فقر حتى رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، سيد البشر، وخير من وطئ الأرض، وصاحب اللواء يوم العرض، وأول من يدخل الجنة، وصاحب الشفاعة الكبرى يوم القيامة، عاش صلوات الله وسلامه عليه عيشة بسيطة لدرجة أنه ينام على الحصير، ويقوم وقد أثر الحصير على جنبه الشريف، وما شبع من طعام بر ثلاث ليال متوالية، ومات ودرعه مرهون في ثلاثين صاعاً من شعير، وتقول عائشة: [كان يمر الهلال والهلال والهلال ولا يوقد في بيت آل محمد نار. فقال عبد الله بن الزبير: فما طعامكم يا أماه؟ قالت: كان طعامنا الأسودان: التمر والماء] ومع هذا فهم في نعمة ليست نعمة البطون، فكم من الناس من بطنه ممتلئ لكن بالحرام ممتلئ بالربا، وكم من الناس جسمه سمين لكن إلى النار، يتسمن لجهنم، وكم في الناس من سيارته فارهة لكن تقوده إلى جهنم، وكم من الناس من عنده منصب لكن منصب سوف يورده إلى النار، والعياذ بالله! فما هي النعمة الحقيقية؟ إنها نعمة الدين، والذي يبدل هذه النعمة يستحق العذاب، إذا جاء الدين والإيمان فأمسكه وتشبث به، أعظم من تشبث صاحب المال بماله، إذا أعطي شخص مليون ريال أو مليونين كتعويض في أرض أو في مزرعة أو في عمارة فماذا يصنع بها؟ تراه يستلمها في الصباح، فانظر إليه وهو يصلي الظهر، لا يعرف كم صلى، ولا يعرف كم يصلي في المغرب، وكم يصلي في العشاء، ولو سألته يقول: والله مدهوش لماذا؟ إنها مليونا ريال أين يذهب بها؟ فلا ينام الليل، لكن ما رأيكم لو أن شخصاً استلم مليوني ريال وعند باب البنك أو عند باب المؤسسة بدأ يمزقها ويرمي بها ماذا يقال لهذا الإنسان؟! مجنون، فالناس عقلاء مع الدنيا، يعرفون قدر نعمة المال فلا يصرفون منه ولا يضيعون ريالاً إلا بحقه، ويعرفون قيمة النعم كلها ويقدرونها، لكن لا يعرف كثير من الناس قدر نعمة الإيمان، فإذا أعطاه الله الإيمان تراخى فيه وشتته، لا حفظه ولا نماه يقول الله فيه: ﴿وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [البقرة:٢١١] إذا أعطاك الله نعمة الإيمان وبدلتها بعدما جاءتك النعمة وذقت طعم الإيمان فإن الله شديد العقاب. وما أعظم من مصيبة الحرمان من الطاعة والخذلان بالمعصية يقول الله: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً﴾ [الأحزاب:٣٦].

стр. 2317

صفات طالب الآخرة طالب الآخرة كما يقول ابن القيم ﵀: طالب الدار الآخرة لا يستقيم له سيره، ولا يمكن أن يحصل على مقصوده إلا بأمرين رئيسيين: الأمر الأول: حبس نفسه على طاعة الله. والثاني: حبس نفسه عن معصية الله، فإن الطاعة فيها تعب وفيها مشقة، ولكن تحتاج إلى صبر، والمعصية لها طعم ولها ملذة، ولكنها ملغمة من الداخل بالحسرة والعذاب، ملغمة بالوعيد الشديد والعذاب الأكيد، وهي مزينة ومغلفة من الخارج بشيء ينطلي على أصحاب العقول السقيمة وأصحاب النفوس المريضة. أما أهل الإيمان فإنهم ينظرون بعين البصيرة لا بعين الطبيعة؛ لأن عين البصيرة تريك السم قبل أن ترى ما عليه من حلاوة. أما عين الطبيعة فإنها تنخدع ولا تنتبه إلا والإنسان في طباق جهنم، والعياذ بالله!

стр. 2318

من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه لا بد من حبسين: حبس على طاعة الله، وحبس عن معصية الله، وستعيش في هذين الحبسين في نوع من المعاناة والتعب، ولكن اصبر وصابر ورابط واتق الله لعلك تفلح هذه وصية الله، يقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:٢٠٠] تصبر على ماذا. على النوم، تصبر على الرز واللحم، على الأغاني والطرب؟ لا. بل تصبر على المر، أين المر؟ في معاناة الطاعات، كونك تقوم نصف الليل، تقوم آخر الليل لصلاة الفجر، كونك تخرج زكاة مالك، كونك تبر والديك، وتصل رحمك، وتدعو إلى الله، وتريق دمك في سبيل الله، تصبر على دين الله، وأيضاً تصبر عن المعصية، تصبر على المخالفة، تغض بصرك وقلبك يتقطع عن النظر، لكن تقول: والله لا أنظر لو يتقطع قلبي، تصد وتصون سمعك عن الأغاني وقلبك يتقطع على أغنية كنت قد عرفتها من الماضي وكنت تعيش معها لكن لما آمنت واستقمت والتزمت والله لا أسمع، تصون وتحفظ بطنك عن الحرام ولو تأكل من الطين لكن لا تقدر أن تأكل الحرام، ريال حرام لا تستطيع أن تأكله (ومن ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه). يذكر أهل العلم أن رجلاً حج بيت الله الحرام من بلاد مصر في الزمن القديم قبل حوالي مائة سنة، وفي مكة انتهت مادته، وبحث عن عمل يقتات منه فلم يجد، ومرت عليه أيام وليال ما ذاق طعم العيش، حتى صفر جلده من الجوع، وخرج من بيت الله الحرام في ظهر يوم وإذا به يجد أمامه منديلاً أخضر ساقطاً في الأرض، ضالة، فحمله وفتحه وإذا بداخله عقد من اللؤلؤ ثمنه مائة ألف درهم -وهو يكاد يموت جوعاً- فربطه، وقال في نفسه: والله إن فرحتي به لا تعدل حزن صاحبه عليه. ثم أدخله في جيبه، وإذا بذلك الرجل يصيح على باب المسجد وفي الساحات المحيطة: من وجد منديلاً قال: تعال، كيف هو؟ قال: أخضر. قال: ما بداخله؟ قال: عقد لؤلؤ. قال: أهو هذا؟ قال: نعم. قال: خذه بارك الله لك. فقام ذاك وأخرج من جيبه ألف درهم وأعطاه قال: هذه مني لك هدية. قال: والله ما كنت لآخذها منك وقد رفضتها، ولكن لا آخذها إلا من الله. لا العقد ولا الألف وهو يكاد يموت جوعاً! وتركها لله. ومرت الأيام والليالي ووجد عملاً بسيطاً وحصل منه على دخل بسيط، ثم رحل إلى جدة وركب البحر وذهب إلى أرضه، وفي وسط البحر هاجت الريح وزمجرت، وتلاطمت الأمواج وتحطمت السفينة، وغرق كل من في السفينة، ونجّى الله هذا الرجل على خشبة تشبث بها وهو يذكر الله بالليل والنهار، وجلس في البحر أياماً، ثم قذفته الأمواج على شاطئ البحر وجلس يمشي، ثم دخل قرية من القرى فوجد فيها قوماً فيهم دين وفيهم خير -وكان صاحب علم عنده قرآن وعنده دين- فجلس عندهم أياماً، ثم قدموه فصلى بهم، ثم أحبوه وألفوه فعرضوا عليه أن يقيم عندهم فوافق على الإقامة عندهم، وعقد لهم الحلقات والدروس في الصباح وفي المساء للأطفال والكبار، وبعد فترة قالوا له: يا شيخ! أنت أصبحت واحداً منا، نريد أن نزوجك فهل تقبل؟ قال: نعم. ولكن ليس عندي شيء. قالوا: كل شيء موجود: البيت موجود، والمهر موجود، والزوجة موجودة، لكن عليك أن توافق. قال: موافق، بارك الله فيكم. فوافق، وبعد صلاة العشاء عقد في المسجد على الزواج ثم دخل بيته -بيت الزواج المهيأ- وحينما دخل البيت ودخل غرفة النوم وإذا بتلك الفتاة الجميلة التي ليس لها مثيل تقف أمامه، وإذا في صدرها ذلك العقد الذي رآه في مكة، عقد اللؤلؤ معلق في رقبتها! فلما رآه رجع قال: أين أبو البنت؟ قالوا: موجود، فجاء وسلم عليه، وقد مرت سنين، قال: يا شيخ أسألك بالله أنت حججت؟ قال: نعم. قال: حصل لك شيء في الحج؟ قال: نعم. قال: ما هو؟ قال: أنا رجل ثري وعندي مال ولا أملك في هذه الدنيا إلا هذه البنت، وحججت بيت الله الحرام وأخذت لها هدية هذا العقد، وبعد ذلك وقع مني على باب الحرم وبحثت عنه، وبعدها لقيته عند شخص من أهل الخير الله يذكره بالخير ويجزيه عني خيراً، ورده لي وأعطيته ألف درهم فرفضه، وبعد ذلك عقدت العزم ونذرت أني إن لقيته زوجته بهذه البنت، ولكن انتظرت ولم ألقه فزوجتها بك أنت، ولو لقيته قبلك لزوجته قبلك. قال: أنا ذلك الرجل، تذكره وإذا به يعرفه فتسالما وتعانقا، وقال: أنا ذلك الرجل. (من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه).

стр. 2319

الصبر على طاعة الله وعن معصية الله فالصبر على طاعة الله والصبر عن معصية الله حبسين، تحبس نفسك، ولا تزال في المعاناة والحبس إلى أن تموت، وعند الموت يطلق قيدك، وتخرج من حبسك، وترى منزلك من الجنة، ويقال لك: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر:٢٧ - ٣٠]؛ لأن الناس إذا قيدوا أنفسهم في الدنيا بطاعة الله أطلق الله لهم العنان في الجنة يسرحون ويمرحون، ويتنعمون بكل ما لذ وطاب. أما الذي انفلت هنا، وأعرض عن القيد الرباني، وعبد شهوته، يعيش على مزاجه وهواه هذا خاسر حقاً، ينام كما يشاء، ويأكل ما يشاء، وينكح ما يشاء، ويتصرف كما يشاء، وليس لله عليه أمر ولا نهي، لا يعرف لله أمراً، ولا يتقيد ولا يقف لله عند نهي، ولكن سوف يقبض عليه عند الموت، فالناس عند الموت رجلان: رجل مطلق ومفكوك من القيد وداخل الجنة وهو المؤمن. ورجل موثوق مقبوض عليه ومدخل إلى النار وهو الفاجر والعياذ بالله! يقول الرسول ﷺ : إن الملائكة تقول له: (يا أيتها النفس الخبيثة -كانت في الجسد الخبيث- اخرجي إلى سخط من الله وغضب) ويقول الله: ﴿كَلَّا لا وَزَرَ * إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ * يُنَبَّأُ الْأِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ [القيامة:١١ - ١٣] وقبلها ﴿يَقُولُ الْأِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ﴾ [القيامة:١٠] أين المفر؟ ما لك مفر من الله؛ لأن الله يمنعك من كل شيء ولا يمنعك من الله شيء. وجدير بالعاقل -كما قلت لكم- إذا أنعم الله عليه بنعمة الإيمان أن يصبر عليها ولو أن فيها معاناة؛ لأن زماننا هذا، زمن المشقة في المحافظة على الدين (يأتي على الناس زمان يكون فيه القابض على دينه كالقابض على الجمر) الذي يقبض على الجمرة لا يضحك، ولا ينام، الذي يقبض على الجمر تتقطع يداه، تراه يبكي، يتلوى، لكن لا يفكها أبداً، لا يفك دينه، ولو تقطع، ولو حرق، ولو تفتت لا يمكن أبداً لماذا؟ لقد ذاق طعم الإيمان، والحديث في الصحيحين: (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان منها وأن يكره أن يعود إلى الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار) وفي مسلم يقول ﷺ : (ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد ﷺ نبياً). ولكن نرى ونلمس ونلاحظ ضعفاً وتراخياً وفتوراً، بل تراجعاً وانهزاماً، بل رأينا سقوطاً وردة في صفوف قوم ساروا على الطريق ثم ما رابطوا، وما صبروا ولا صابروا، وما اتقوا الله حتى يفلحوا، وإنما رأوا المسافة بعيدة، وهم ضعاف، والعقبة كئود، وهم هزال، والثمن غال وهم بخلاء، فرجعوا عن طريق الله وباعوا أنفسهم للشيطان، صعب عليهم الصعود في عقبات الإيمان، وسهل عليهم التردي في دركات الكفر والنفاق والمعاصي والشهوات والملذات، ولكن غاب عن أذهانهم عاقبة تلك وعاقبة تلك، عاقبة الصعود: الجنة، وعاقبة الهبوط: النار ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ [الشمس:٩] زكاها: رفعها إلى فوق ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس:١٠] أنزلها إلى تحت، النزول سهل والطلوع صعب، لكن تالية الطلوع عزة، ترون الآن الذي يدرس ست سنوات ابتدائي وست سنوات ثانوي، وثلاث أو أربع جامعة، وبعدها ماجستير، وبعدها دكتوراه، وبعدها يتعب ويعاني لكن تراه وقد صار في منصب، وفي مرتبة عالية ومكانة سامقة. وذاك الذي ترك الدراسة من أول ابتدائي عندما دخل وضربوه قال: والله ليس لي حاجة في هذه الدروس، أريد أن أبقى مع أهلي، وهذا مسكين جلس يعاني من آلام الجهل والذل إلى أن يموت فالمؤمن يصبر، يصبر على المر والذي أمر منه حتى يلقى الله، وذاك الذي نزل وما صبر سوف يلعق المرارة، يلعقها في النار؛ لأنه ما صبر على طاعة بسيطة، وقد ورد في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: (يؤتى يوم القيامة برجل من أقل أهل النار عذاباً من له نعلان من نار يغلي منهما دماغه، ويعيش في ضحضاح من النار -وهو أبو طالب - ولا يرى أن في النار أشد عذاباً منه) وفعلاً يا أخي! والله ما نتحمل كوب الشاي الحار، والله ما نتحمل حرارة الجو إلا بمكيف، ما نتحمل حرارة أي شيء، لأننا ضعفاء، إن أجسامكم على النار لا تقوى قال: (فيؤتى بالرجل فيقال له: أتود أن تفتدي مما أنت فيه من العذاب بملء الأرض ذهباً؟ قال: نعم يا رب) لو أن له مثل الأرض وملء الأرض بجبالها وصحاريها وعماراتها ذهباً أحمر لو كان له ذلك لفدى بها نفسه من النار. (قال الله له: قد طلبت منك ما هو أهون من ذلك: تعبدني ولا تشرك بي شيئاً، وتطيعني ولا تعصيني) فهل هذا أسهل أو ملء الأرض ذهباً؟ إن طاعة الله أسهل، لكن يحرم المخذول من هذا العمل والعياذ بالله فيندم ندامة ليس بعدها ندامة. يسير كثير من الناس في الطريق، ثم يتساقطون ويتراجعون ويضعفون، وخوفاً من أن يكون هذا الضعف موتاً فسنتحدث عن هذا الموضوع وقد سبقنا إليه كثير من أهل العلم، فقد تحدث عنه شيخ الإسلام ابن تيمية كظاهرة مرضية يتعرض لها المسلم، وتكلم عنه الشيخ ابن القيم ﵀ في مجمع كتبه، وتكلم عنه في هذا الزمن اثنان من العلماء الأول: الدكتور محمد بن نوح في كتاب له اسمه: (آفات على الطريق) والشيخ الآخر هو عالم من الكويت اسمه الشيخ جاسم بن مهلهل في كتاب له اسمه: (الفتور صوره وأسبابه وعلاجه) وقد أجادا في عرض الموضوع، وقد اقتبست بعض العناصر من هذين الكتابين ومن كتب شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم، وأضفت عليها ما فتح الله به عليَّ؛ من أجل التحذير والتنبيه لإخواننا المؤمنين المسلمين الذين فتح الله قلوبهم وشرح صدورهم ونور أبصارهم، ودلهم على الطريق، فعليهم أن يتمسكوا بالطريق ولا يرجعوا ولا يتراخوا ولا يضعفوا ولا يتركوا التمسك بالطريق حتى يقفوا عند باب الجنة، ويقال لهم: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر:٧٣] هناك يقولون: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [الزمر:٧٤].

стр. 2320

أسباب الحديث عن الضعف والتراخي في حياة الملتزمين إن اختياري لهذا الموضوع نابع من حديث في صحيح البخاري عن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: (كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة الوقوع فيه). هذا كان صاحب سر رسول الله ﷺ ، يسمونه صاحب الوضوح والكلمة الصادقة، ولهذا كان النبي ﷺ يستأمنه على السر، وهذا الرجل هو الذي جاء بالخبر أيام ليلة الأحزاب، لما تحزب المشركون قال الرسول ﷺ : (من يأتيني بخبر القوم) فسكتوا جميعاً؛ لأن الضعف البشري ينتاب كل إنسان، والظروف التي كانت تحيط بالصحابة تلك الليلة ظروف صعبة لا تتحملها الجبال: خوف، وفقر، وبرد، ومطر، ورياح عاتية، وجوع، قال الرسول ﷺ : (من يأتيني بخبر القوم وله الجنة) فلم يقم أحد، وهم كلهم يريدون الجنة لكنهم لا يستطيعون القيام، فقواهم انتهت، وإمكانياتهم البشرية تعطلت، لا يستطيع أحد أن يقوم، يقول: (فكررها فما قام أحد، فقال: قم يا حذيفة) اختار الرسول لهذه المهمة الصعبة حذيفة، يقول: (والله لولا أنه نص علي ما قمت) لكن قد قال: قم، ما بقي لي إلا أن أقوم. يقول: (فقمت، فدعا لي، قال: اللهم احفظه من بين يديه ومن خلفه يقول: فأذهب الله ما بي من الجوع، وأذهب الله ما بي من البرد، وأذهب الله ما بي من الخوف، فذهبت) والرسول ﷺ يعرف الرجال ويعرف من يختار (يقول: فجئت، قال الرسول ﷺ : اذهب إليهم وأتني بخبرهم ولا تحدث شيئاً، فذهبت في الليل، ودخلت في صفوف المشركين، ولما دخلت لاحت لي فرصة لقتل أبي سفيان ولكن تذكرت قول الرسول: لا تحدث شيئاً فما فعلت شيئاً، فلما جلسنا قام أبو سفيان وألقى خطبة فيهم وقال: ليعرف كل صاحبه فإن المجالس مدخولة). يقول لهم: كل منكم ينظر من بجانبه، من هو، لئلا يكون هناك غريب يسمع كلامنا، ويأخذ أخبارنا، فماذا صنع حذيفة؟ قال للذي بجانبه: من أنت؟ من أجل ألا يقول له ذلك: من أنت؟ قال: (أتغدى به قبل أن يتعشاني) انظروا كيف الذكاء، فقام أبو سفيان وخطب فيهم وقال: هلك الخف والكراع والحافر. الخف: يعني الإبل، والكراع: يعني الغنم، والحافر: يعني الخيول، يقول: والرياح عاتية، والقدور مقلوبة، والأمطار شديدة، والخلخلة قد حصلت بعدما تخلى اليهود وتخلى بعض القبائل عنهم، ما أرى إلا أن نرحل، فأشار عليهم بهذا الرأي فوافقوا ورحلوا، ورجع حذيفة بن اليمان إلى الرسول ﷺ ليخبره بخبر رحيلهم ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ [الأحزاب:٢٥] قال الله: ﴿وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [التوبة:٢٦]. هذا حذيفة يقول: (كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله! إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم. فقلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: نعم، وفيه دخن. قلت: وما دخنه؟ قال: قوم يهتدون بغير هديي تعرف منهم وتنكر، قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: نعم، دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها. قلت: يا رسول الله! صفهم لنا؟ قال: هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا. فقلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك الزمان؟ قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم. قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام. قال: فاعتزل تلك الفرق كلها لو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك) من هذا الحديث ومن سؤال حذيفة عن الشر نتكلم عن هذا من أجل الذي في نفسه ضعف يقوي نفسه، ومن كان قوياً فأسأل الله أن يقويه حتى يلقى الله.

стр. 2321

خطورة الضعف الديني على المسلم الضعف أيها الإخوة! والهزال -الهزال الديني- داء ومرض خطير جداً على المسلم؛ لأنه يخشى عليه أن يموت من ورائه؛ يموت إيمانه، وإذا تساهل به ولم يسع إلى علاجه أدى به إلى الانتكاس والانحراف والضلال، ومن الضروري أن يحرص المسلم على الثبات؛ لأنه مهم أن تهتدي ولكن أهم من الهداية أن تثبت لماذا؟ لأنك كلما سرت في طريق الإيمان شرح الله صدرك ونور بصيرتك، وحبب إليك الإيمان، وزينه في قلبك، وجعلك من الراشدين، وكره إليك الكفر والفسوق والعصيان، واكتسبت خبرة وتجربة في طريق الإيمان، فكيف يجوز لك أن ترجع عن الطريق؟ هذا خطأ، فكلما مشى الإنسان في طريق زادت رغبته فيه، أما رجوعك هذا فهو معارض للمعقول، فليس معقولاً أن ترجع وقد ذقت طعم الإيمان وسرت في طريق الإيمان. يقول الله وهو يأمر المؤمن بالثبات والأمر موجه للنبي ﷺ وهو عام للأمة كلها: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩] ويخبر الله أن عباده يقولون: ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران:٨] هذه دعوتهم، و (رحمة): يعني ثبات ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران:٨] وكان رسول الله ﷺ يقول فيما أثر عنه في السنن: (يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلبي على طاعتك وعلى دينك). وكان يقول في دعائه -وهو في السنن أيضاً-: (اللهم اجعل خير عمري آخره، وخير عملي خواتمه، وخير أيامي يوم ألقاك). وفي الترمذي حديث حسن يقول فيه النبي ﷺ : (إذا أراد الله بعبده خيراً استعمله. قالوا: كيف يستعمله يا رسول الله؟ قال: يوفقه إلى عمل صالح ثم يقبضه عليه) هذا معنى استعماله، أن الله يسددك على الدين، ثم يثبتك عليه حتى تموت وأنت على العمل الصالح؛ لأن العبرة بالخواتيم. ولما مرض عبد الله بن مسعود ﵁ -مرض الموت- بكى ﵁، قيل له: [ما يبكيك؟ قال: والله ما أبكي إلا أن الموت قد أتاني على فترة وكنت أود أن يأتيني في حال اجتهاد] قال: جاءني وأنا متعب وكنت أود أنه جاءني يوم أنا في أحسن درجات الإيمان وأحسن درجات الجد والاجتهاد والجهاد في سبيل الله ﵎، لكن نود أن يفهم الناس شيئاً وهو: أنه من الطبيعي في حياة البشر أن يحصل ضعف، ويحصل نوع من الكسل والفتور؛ لأن الإنسان لا يبقى على درجة واحدة، فالإنسان جهاز عجيب فما هو مكينة تضبطه على معيار واحد لا. وما سمي الإنسان إنساناً إلا لنسيانه، ولا القلب إلا أنه يتقلب، وإن هذه القلوب لها إقبال ولها إدبار، وصعود وهبوط، ومد وجزر، تقوى وتضعف هذه حالات القلوب. ولهذا جاء في الحديث -والحديث في مسند أحمد - يقول ﵊: (إن لكل عمل شرة) كل عمل تسير فيه له قوة، وحرارة، ورغبة، فأنت عندما تبدأ في الوظيفة تبدأ بنشاط ولكن بعد شهرين أو ثلاثة يضعف ذلك النشاط. إذا اشتريت سيارة فإنك تحبها، وكل يوم وأنت تنظر إليها، وتمسحها في الغداة والعشي، وبعضهم ينفخ المفتاح قبل أن يدخله في المغلقة، من أجل ألا يكون عليه غبار، وينظفها، ولكن بعد شهرين أو ثلاثة تكون وسخة؛ لأنه ليس لديه وقت ليمسحها. وإذا تزوج شخص لا تسأله عن أيام الزواج، لكن بعد أسبوع أو أسبوعين إذ بالمشاكل قائمة فكل عمل في الدنيا له شرة، وله حدة، وله قوة (ولكل شرة فترة) وهذا حديث في مسند أحمد (إن لكل عمل شرة، ولكل شرة فترة، فمن كانت فترته إلى سنتي فقد هدي، ومن كانت فترته إلى غير ذلك فقد هلك) يعني: هناك مستوى أدنى، السنة المستوى الأدنى فيها، والسنة المستوى الأعلى فيها وأنت بين المستويين تصعد إلى المستوى الأعلى في السنة، وإياك أن تطلع، لأنك إذا طلعت قفزت من المستوى الأعلى في الدين، وتنزل إلى المستوى الأدنى في السنة، ولكن لا تنزل، فإذا نزلت خرجت من الدين، وأن تتراوح حينما تنشط وتأتي بالفرائض، وتأتي بالرواتب، وتأتي بالنوافل، وتأتي بقيام الليل، تأتي بركعتي الضحى، وإذا ضعفت مرة تخليت عن ركعتي الظهر، وإذا ضعفت مرة كسلت عن قيام الليل، لكن لا يمكن أن تترك الرواتب ولا الفرائض؛ لأنها آخر خطوط الدفاع عندك، آخر خط للدفاع عندك الفريضة والراتبة، بعدها انتبه! إذا تركت الفريضة والراتبة كفرت، وإذا تركت الراتبة ضعفت وهزلت؛ لأنه من ترك الراتبة فإنه يوشك أن يترك الفريضة، فكثير من الناس الآن يصلي الفرائض ثم يخرج ماذا بك؟ قال: يا شيخ! قد صليت المكتوبات. حسناً وهذه من الذي سنها؟ إنه رسول الله ﷺ فقد قال: (عليكم بسنتي) إن هذه هي خط الدفاع من أجل أن تأتي يوم القيامة إذا حوسبت ونقصت فرائضك قال الله: انظروا هل لعبدي من نوافل، هل تضمن أنك صليت العشاء أربع ركعات وما وسوست فيها لحظة واحدة؟ لا. فقد لا يحسب لك إلا ركعة واحدة وثلاث ركعات في الخلاء، ويمكن أن لك اثنتين واثنتين في البيت، فاجعل لك رواتب، فأنت إذا نزلت في مستوى فإنك لا تغادر هذا المستوى إلى النزول إذ ليس من المعقول أن تكون فترتك إلى غير ذلك. روى مسلم عن حنظلة بن الربيع الأسيدي -هذا كاتب الوحي، غير حنظلة بن عامر الأسدي غسيل الملائكة، شهيد يوم أحد. أما هذا فاسمه حنظلة بن الربيع الأسيدي، وهو كاتب وحي النبي ﷺ وهذا في مسلم - يقول: خرجت يوماً فلقيت أبا بكر الصديق فقلت له: يا أبا بكر! نافق حنظلة، نافق حنظلة، قال: وما ذاك؟ قال: نكون مع رسول الله يحدثنا بالجنة والنار حتى لكأننا نراها رأي العين، فإذا خرجنا منه عاسفنا الأزواج والأولاد والضيعات، فنكون على وضع آخر غير الوضع الأول! فقال أبو بكر ﵁ وأرضاه -وكان عنده إيمان مثل الجبال ما قال: إنك معقد لا- قال: وأنا والله مثلك، هيا إلى رسول الله، فذهبا إلى النبي ﷺ ، فلما أخبراه قال: (يا حنظلة! لو أنكم تبقون كما تكونون عندي لصافحتكم الملائكة في الطرقات، ولكن ساعة وساعة يا حنظلة) يعني: يرتفع إيمانك إلى أعلى درجات؛ لأن تكون من الملائكة بحيث تصافحك الملائكة في الطرقات، وينزل إلى أن تكون محافظاً على الطاعات، محافظاً على الفرائض، لكن مبتعداً عن المعاصي وعن الكبائر والمنكرات هذا معنى الضعف والتراخي البسيط الذي هو من طبيعة البشر. قد تنشط في الصوم فتصوم أياماً، لكن تأتي عليك فترة من الفترات فتقول: والله ما استطعت أن أصوم، لكن الفريضة لا تتركها، قد تنشط في النفقات والزكاة والإخراج والإعطاء، لكن يأتي يوم من الأيام ليست عندك شيء فلا تنفقه، ولكن لا يمكن أن تترك الزكاة إذا كان عندك نصابها وتحققت عندك شروطها. فقد تنشط في قراءة القرآن فتقرأ في كل يوم عشرة أجزاء، بعد كل فريضة جزئين، وفي اليوم الواحد عشرة أجزاء، يعني في الثلاثة أيام تختم القرآن، لكن يأتيك شغل، ويأتيك ضعف، وسيأتيك فتور فتقرأ في كل يوم جزءاً واحداً، بمعنى أنك في الحد الأدنى؛ لأن الذي لا يختم في كل يوم جزءاً هاجر للقرآن الكريم، أريد من إخواننا أن يعلموا هذا المستوى، لا بد أن تختم في كل يوم جزءاً بمعنى أنك تختم القرآن في كل شهر مرة؛ لأنه من مرت عليه ثلاثون ليلة وما ختم فيها كتاب الله فهو هاجر لكتاب الله ، وهذا ليس صعباً، بل هو سهل جداً تأخذه في ثلث ساعة أو في نصف ساعة مع التدبر والتأمل والتجويد، لكن الشيطان يضيع أوقاتنا -والعياذ بالله- حتى نخرج من أربع وعشرين ساعة وما قرأنا فيها جزءاً من كتاب الله ثم نقول: لم تقسوا قلوبنا؟ تقسوا قلوبنا لأننا أعرضنا عن مادتها وحياتها وعن سبب لينها وهو كتاب الله ﵎.

стр. 2322

مظاهر الضعف الديني لعل سائلاً يسأل ويقول: ما مظاهر الضعف؟ نريد أشكاله؟ كيف أعرف أنني ضعيف أو لا؟ مظاهره كثيرة من ضمن ذلك:-

стр. 2323

سوء الترتيب في أولويات العمل في الدين من مظاهر الضعف: سوء الترتيب في أولويات العمل في الدين، فترى الواحد يتحرز تحرزاً كبيراً من النجاسة، ولكنه لا يتحرز من الغيبة والنميمة والبهتان، إذا شعر بأن جزئية بسيطة من النجاسة في ثوبه جاءه قلق وهذا طيب، لكن تراه يجلس في المجلس من حين يجلس إلى أن يقوم وهو يغتاب ويأكل ويبهت وخصوصاً في العلماء؛ فبعض طلبة العلم هداهم الله مجالسهم مشرحة فيها لحوم العلماء، وهذا من أكبر الأخطاء على من ينال من العلماء؛ لأن العالم أو الداعية بشر يمكن أن يخطئ والخطأ يرد عليه، ولكن إذا أخطأ بعد اجتهاد فله أجر، وإذا أصاب بعد اجتهاد فله أجران، ولكن أنت يوم أن أردت أن تشرح لحمه وأن تأكل عرضه حصل عليك الإثم؛ لأن لحوم العلماء مسمومة، ودماؤهم مصونة، وعادة الله في الذين ينالون منهم معلومة. فأنت عندما لا تتحرز من البسيط ثم تقع في الكبير، هذا يدل على ضعف في إيمانك، هذه ظاهرة تدل على أن عندك ضعفاً، إذ لو أن عندك قوة في دينك وإيمانك ما تحرزت من الصغير ووقعت في الكبير، بل حرصت على عدم الوقوع في الكبير أولاً والصغير ثانياً. وتراه يكثر من الصدقة لكن أمواله في البنوك في الربا، والله طيب لا يقبل إلا طيباً، يقول الناظم: أمطعمة الأيتام من كسب فرجها لك الويل لا تزني ولا تتصدقي أمواله حرام ويبني مسجداً أمواله حرام ويتصدق على الفقراء والمساكين. يا أخي: الله طيب لا يقبل إلا طيباً، ريال حلال تنفقه والله إنه أعظم عند الله من مليون حرام؛ لأن الله يقبل منك الريال الحلال ويربيه كما يربي أحدنا فلوة حتى يكون كالجبل. وأما الحرام فإن الله يقول: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾ [الفرقان:٢٣]. أيضاً: تجده يتصدق ولكن لا يبالي بتحليل لقمة العيش في عمله الوظيفي، يجيء الساعة التاسعة والنصف ويخرج الساعة الواحدة، يضيع ساعتين من الدوام في أولها وساعة ونصف في آخر الدوام ماذا بك؟ قال: ما عندي عمل!! هذا مسكين، هذا أكل راتباً حراماً، فلابد أن تحضر في أول دقيقة وتنصرف في آخر دقيقة إذا كنت تخاف الله، ولا تتذرع بأنه ما عندك عمل، فإن هذه الوظيفة مرابطة إن كان عندك عمل فاعمل، وإن كان ليس عندك عمل فاستعد للعمل، أما أن تتذرع بأنه ليس عندك عمل لا. فأنت مستأجر سبع ساعات، أجير عند الدولة، تأخذ راتبها في آخر الشهر، إلا إذا كنت تتأخر وتأتي آخر الشهر تحسب ساعات العمل وتقول: هذه لي والباقي لكم. لكن من الذي يعملها الآن؟؟ لو خصموا عليه عشرة ريالات أرغى وأزبد وأقام الدنيا وأقعدها، لكن كل يوم يخصم ساعتين أو ثلاث من الدوام ويضيعها من مصالح المسلمين، والذي ترونه الآن من تراكم المعاملات وضياع حقوق الناس كلها بسبب عدم قيام الموظفين بالدوام الرسمي، والله لو أن الموظفين يحضرون أول الدوام وينصرفون آخره، ما تتأخر معاملة عند شخص يوماً واحداً، لكن بعض المعاملات تقعد في مكتب الموظف أسبوعاً أو شهراً أو شهرين لماذا؟ لأنه يأتي متأخراً، وبعدما يأتي يقول: هات الشاي يا ولد، ثم يأتون إليه بالفطور نصف ساعة فطور وكلام! وبعدها يقرأ الجرائد وبعدها قال: أذن الظهر، وخرج يصلي، وبعد صلاة الظهر يأتي المراجعون قال: يا جماعة بعد الظهر ماذا تريدوني أن أعمل؟ أنا مكينة؟! أنا تعبت يا جماعة، تعالوا غداً، ويؤخر معاملات الناس، لكن لو جاء مبكراً هل يظل جالساً إلى أن يأتيه النوم؟ لا. أنا أعرف بعض الموظفين الطيبين يعملون سبع ساعات تماماً، سبعة ونص وهو على الطاولة يقول: والله إني أفرح بالمراجع إذا جاء، وأفرح بالسكرتير عندما يأتيني بالمعاملات، وأفرح بالكاتب الوارد عندما يحضر المعاملات، لماذا؟ يقول: من أجل أن أتسلى على الأقل، فأقرؤها من أساسها، أقرأ الورقة الأولى والثانية والشروحات ودورة المعاملة وأخرج بنتيجة وأعطيه إجراء ولا تعود عليَّ، لكن ذاك الذي يمررها لا يقرأ آخر كلمة ويقول: لإجراء اللازم. وبعض الموظفين يكون مسئولاً أو مديراً أو رئيس قسم يقول للسكرتير: اشرحها من عندك، واعطني أوقع فيها، والله ما درس فيها ولا شيء لماذا هذا؟ لأنه ما صرف وقت دوامه في خدمة المسلمين وبالتالي ترتب على هذا أكله للحرام، وتراه ينفق ويتصدق وهذا من ضعف دينه، إذ لو أن في دينه صلابة وقوة لحرص على أن تكون لقمة عيشه حلالاً. وأيضاً ترى بعض الناس يتهجد طوال الليل لكن ينام عن صلاة الفجر، يقوم مثلاً الساعة الثالثة والنصف أو الرابعة ويصلي، فإذا بقي على الفجر نصف ساعة جاءه الشيطان قال: باقي نصف ساعة نم قليلاً، ونام ومنها إلى الساعة السادسة والنصف أو السابعة هذا مسكين والله لو صلى الدهر كله وما صلى الفجر في المسجد فما له من عمله إلا الخيبة؛ لأن صلاة الفجر في المسجد علامة الإيمان، وعدم الصلاة للفجر في المسجد علامة النفاق والحديث في الصحيحين تعرفونه: (أثقل الصلاة على المنافقين صلاتي العشاء والفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبواً) وتراه يبالغ في رفع ثوبه وتقصيره ولكن لا يهتم بنظافة عينه، ثوبه قصير لكن عينه خربة ينظر إلى النساء، هذا أيضاً هزيل في دينه، إذا رأى امرأة نظر إليها ويعرف أن الله يراه. وتراه يبالغ في تسريح لحيته وتنظيفها ولا يهتم بتنظيف قلبه من الحقد والحسد والغيظ والغضب والأمراض الخطيرة التي تحرق الدين والإيمان، يغضب على فلان، ويحسد فلاناً ويسب فلاناً. يا أخي! اللحية هذه مظهر من مظاهر الرجولة وسنة من سنن النبوة لكنها يتبعها أشياء أخرى، يتبعها أشياء في القلب، فإذا تممت باطنك بصلاح ظاهرك كان أفضل، لكن إذا كان الظاهر صالحاً والباطن سيئاً -والعياذ بالله- هذا يدل على أنه ما عرف الحقيقة، وأنه هزيل في إيمانه، وضعيف في دينه؛ وبالتالي يخشى عليه إذ لا تغني عنه هذه المظاهر شيئاً. ومثل هؤلاء مثل إخوة يوسف ﵇ لما رجعوا بعدما رموا أخاهم يوسف في الجب رجعوا إلى مصر، وكانت تمر إبلهم في المزارع، والمزارع من هنا ومن هنا، وعندهم دقة لا يريدون الجمل أن يأكل من المزرعة فكانوا يكممون أفواه الإبل -نسميها فدامة- وهي قطعة من الخيش من أجل ألا يأكل لماذا؟ قال: حرام يأكل من هذا! وقذف يوسف في الجب حرام أم حلال؟! ومثل بعض الذين قتلوا الحسين كانوا يسألون ويستفتون عن حكم دم البعوضة ولا يستفتون عن حكم دم الحسين وإراقته هذا من سوء الترتيب في العمل الإسلامي.

стр. 2324

الجدل والمراء والتعصب للرأي أيضاً: من صوره: الحوار والجدل والمراء والنقاش والتعصب، إذا وجدت إنساناً وهو جالس في مجلس من المجالس وهو طالب علم وجالس يتحفز إذا تكلم كأنه يضارب، ما بقي إلا أن يأخذ العصا ويضرب به فاعلم أنه مسكين ضعيف لماذا؟ لأن الحوار والنقاش إذا كان لله فإنه يكون -أولاً- بحثاً عن الحق لا انتصاراً للنفس؛ لأن الحكمة ضالة المؤمن، وهو أولى الناس بها إذا وجدها، إذا ضاع عليك بعير ولقيه شخص لك ماذا تقول له؟ تقول له: جزاك الله خيراً أو تقول له: مالك ولبعيري؟ كان عليك أن تتركه. شخص تباحثت أنت وهو فجاء الحق على لسانه ماذا تقول؟ تقول: جزاك الله خيراً، إنني أبحث والله عن الحق وما دام أنك وجدته قبلي الله يجزيك الخير، أنا أبحث عن الحق، والحق ضالتي، أنا أبحث عنها. لكن إذا كان النقاش لغير الله تولدت الحساسات، وتولدت الخصومات، وتحفز الواحد، وانتفخت أوداجه، وبرزت عيونه، وارتفع صوته وقام، وما بقي إلا أن يضارب، تقول له: بالدليل يقول: لا. هذه الآية الكريمة معناها كذا. هذا الحديث. قال: ما هو بصحيح، قال العلماء فيه غير ذلك؛ لأن هدفه الانتصار لنفسه لا الانتصار للحق. وما موقفك أنت من هذا؟ إذا وجدت مجلساً مثل هذا فقم، وقل السلام عليكم، يقول المسلم: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [القصص:٥٥] وبعد ذلك: هناك ثواب لك، يقول ﷺ : (أنا كفيل ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقاً) والمجادلة يقول الله فيها: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل:١٢٥] ويقول: ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت:٤٦] بالتي هي أفضل ليس بالمضاربة، والشافعي يقول: ما ناقشني عالم إلا غلبته، ولا ناقشني جاهل إلا غلبني. قالوا: كيف؟ قال: العالم يناقشني بالدليل فأغلبه بالدليل، والجاهل يناقشني بالصميل وما عندي صميل؛ لأن ذلك لا يريد أن يغلبك غصباً فهذا من أسباب الضعف أن ترى الحوارات، وإذا رأيت واحداً ما بقي إلا أن يفتري على الله أوقفه؛ لأن الله نهى عن سب آلهة الكفار رغم أن سبها طاعة لله، لكن حتى لا يسب الكفار إله النبي ﷺ فقال الله: ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام:١٠٨] فأنت لا توصلها مع هذا إلى درجة تجعله يمكن أن يكفر فيرد آية أو حديثاً، وإنما قل: شكراً، جزاك الله خيراً وأنت على حق، ونسأل الله أن يهدينا وإياك إلى سواء السبيل، وقم.

стр. 2325

الترف العلمي من مظاهر الضعف الديني: المراء والجدل العقيم والترف العلمي، فما هو الترف العلمي؟ أن يملأ الإنسان مجلسه بالأشياء التي لا تنفعه، شخص يسأل ويقول: هل الملائكة ترى الله؟ قلت: يا أخي! ليس هذا من شأنك ترى الله أو ما ترى الله، هل تتعبد إلى الله بهذا؟! شخص من الناس سألني قال: هل خلقت الجبال قبل الأرض أو الأرض قبل الجبال؟ قلت: كم أركان الإسلام؟ قال: لا أدري؟ قلت: اسألني هذا السؤال يا أخي! أما الجبال قبل أو الأرض كلها من آيات الله، والله تعالى ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣] فهذا من الترف العلمي: أن يخوض الناس في قضايا لا تنفعهم، يسمونه العلم الفضلة، الذي العلم يكون به لا ينفع والجهل به لا يضر، لماذا تتعلمه؟ تعلم ما ينفعك في دينك وآخرتك إذا كنت من أهل الإيمان القوي إن شاء الله.

стр. 2326

التجاوز والتبذير في المباحات أيضاً: من مظاهر الضعف: الإسراف والإغراق والتجاوز والتبذير في المباحات، فلا يكفيه ثوب بستين ريالاً، لابد من ثوب بثلاثمائة، ولا يكفيه (كوت) يأخذه من البالات بخمسة عشر أو بعشرين بل يريد (كوتاً) بأربعمائة لماذا؟ قال: تفصيل!! وبدل أن يأخذ أحذية بخمسة وعشرين أو بثلاثين يأخذ أحذية بأربعمائة لماذا؟ قال: هذا لماع. لا يا أخي! يجب أن تتواضع وأن تكون معتدلاً، لا نقول لك أن تلبس كيساً بل البس ثوباً أبيض، والبس غترة حسنة، والبس ملابس طيبة لكن كن معتدلاً، والزيادة التي عندك صرفها وأرسلها إلى إخوانك الذين يموتون جوعاً. تذكر الصحف اليوم أن المجاهدين في شمال أفغانستان يبيعون أسلحتهم ليشتروا طعاماً لأبنائهم، ونحن نرمي الطعام في الزبالات، الله أكبر! تموت الأسد في الغابات جوعاً ولحم الضأن تأكله الكلاب الكلاب الآن لا تأكل الرز إلا مطبوخاً ولا تقول شكراً لا نريد، الكلاب شبعت والأسود في غابات الأفغان تموت جوعاً ويبيع الواحد سلاحه من أجل ألا تموت زوجته وأطفاله أين نحن -أيها الإخوان- من إخواننا؟! ألا إنا لله وإنا إليه راجعون! هنا وهناك عليكم بالتبرع والمساهمة لإخواننا -أيها الإخوة- لا نغفل عن إخواننا؛ لأننا إن غفلنا برهنا على أننا لسنا كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى سائر الجسد بالسهر والحمى (المؤمن للمؤمن كالبيان يشد بعضه بعضاً) كيف -يا أخي- تنام، وكيف تشبع، وكيف يضيمك بطنك من الأكل، وأخوك يموت من الجوع ويبيع سلاحه من أجل أن يعشي ابنته أو ولده؟! هناك مائتا طفل يموتون يومياً من الجوع! ونحن نموت من الشبع، تفقعت بطوننا! لا إله إلا الله فالإسراف والإغراق في المباحات كلها مظاهر بعض الناس اليوم يهتم بشكله ويمكث أمام المرآة ساعة، يتزين ويجمل نفسه. يا أخي!! والله لو تمكث تتزين فإن جمالك ليس هو بهذا الشكل، جمالك في مروءتك وفي دينك وقوتك ويقينك وزهدك وورعك، أنتم ترون بعض العلماء الآن مثل الشيخ عبد العزيز بن باز -الله يمتعنا بحياته- لا يهتم بشكله، ثوبه قد رأيتموه، وغترته، وبشته، لكن ما رأيكم فيه؟ لا أحد يراه إلا يمتلئ قلبه حباً في الله ﵎، لماذا؟ لأن المظهر ليس كل شيء، وعلى الإنسان أن يهتم بمظهره ولكن في حدود المعقول، بحيث لا يصبح المظهر شغله الشاغل، فلا تسرف ولا تكثر ولا تغرق في المباحات.

стр. 2327

قسوة القلب وتحجره أيضاً من مظاهر الضعف والتراخي: قسوة القلب وتحجره، وعدم تأثره بالقرآن، وعدم تأثره بالموت، وعدم زيارته للقبور هذا ضعف من القلب، يقول الله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٢٢]. وعلامة لين القلب أو قسوته الطاعات، فالذي يقوم بالطاعات ويترك المعاصي هذا قلبه لين، والذي قلبه متحجر يؤثر تحجر قلبه في الطاعات فلا يأتي بها، ويؤثر تحجر قلبه في المعاصي فيمارسها.

стр. 2328

عدم الجدية في تلقي أمر الله أيضاً من مظاهر الضعف والتراخي: عدم الجدية في تلقي أمر الله، فينهار إيمانه ويتآكل لماذا؟ لا يأخذ الأمر بجدية، فيسمع المؤذن ويقوم يصلي، لكن ليس جدياً أن هذا أمر الله، وأن هذه فريضة الله ويقوم بسرعة، يسمع أن العادة السرية حرام بأدلة من الكتاب والسنة لكن ما هو جدي في رفضها وإنما تجده مرة يترك ومرة يقع، ما عنده قوة، يسمع أن النظر إلى المحرمات حرام ولكنه ينظر، يسمع أن الأغاني حرام ولكن يحاول أن يسمع، ما هو جدي، إذ يجب أن تأخذ الدين بقوة؛ لأن الله يقول: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً﴾ [المزمل:٥] هذا دين ثمنه الجنة، وليس بلعب، لا تأخذه وأنت تمشي وتعرج لا، بل خذه بقوة، يقول الله: ﴿وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الأعراف:١٤٥] يجب أن تبادر إلى ترك ما هو حرام مثل الأغاني فتقول: لا أسمعها، ولا أنظر إلى ما حرم الله، وسأبادر إلى الصلاة في المسجد هذا معنى القوة في الدين، لكن الضعف والتذبذب والتراخي هذا يجعلك ترتج، والمرجوج دائماً سهل أنك ترمي به، وإذا جئت إلى شخص ثابت فإنك تراه ثابتاً، والشيطان واقف لك بالمرصاد، فإن رآك ثابتاً رجع، وإن رآك متذبذباً جعلك تسقط وإذا بك في جهنم ولا حول ولا قوة إلا بالله! هذه بعض مظاهر الضعف.

стр. 2329

أسباب الضعف والتراخي في التدين أما أسبابه فكثيرة، منها وأهمها وأخطرها:- من أسباب الضعف: الغلو والتشدد وعدم الاعتدال والسير في الطريق الذي رسمه النبي ﷺ ، ويؤدي عدم الاعتدال إلى الانقطاع؛ لأن المْنْبَتَّ لا ظهراً أبقى ولا أرضاً قطع، من هو المْنْبَتَّ؟ المنبت: هو الذي يريد أن يسافر -مثلاً- من هنا إلى جدة على الجمال، ومعه جمل، وكانوا يأخذونه على مرحلتين، لكنه قال: سآخذها في مرحلة واحدة ومشى وفي نصف المرحلة إذا بجمله يموت ومات هو جوعاً، فلو أنه قعد يستريح ويتعشى وصل، ولهذا قالوا: المنبت (يعني الذي يتجاوز الحد) لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى، لا هو قطع الطريق ولا هو أبقى لنفسه ولا جمله وإنما قطع ظهره وما قطع المسافة. فالمتشدد الغالي الجافي، الذي يتنطع ويتجاوز السنة، ولا يُفهم -أيها الإخوة- التشدد أنه السنة، بعض الناس الذي هو ضعيف متسيب تارك للدين إذا رأى أهل السنة قال: هؤلاء متنطعون، فأهل السنة الذين يقيمون أوامر الله هؤلاء ليسوا بمتنطعين، لكن من هو المتشدد؟ المتشدد له صور، ولكن قبل الصور نبين الأدلة على التحذير من التشدد، يقول ﵊ فيما أخرج الإمام أحمد: (إياكم والغلو، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو) ويقول ﷺ : (هلك المتنطعون) رواه مسلم وفي البخاري يقول ﵊: (إن هذا الدين يسر، ولم يشاد الدين أحد إلا غلبه). وصور أو مظاهر التشدد ما ثبت في البخاري، عن عثمان بن مضعون: أن ثلاثة من النفر سألوا عن عبادة رسول الله ﷺ ، فجاءوا إلى بيت الرسول وسألوا عن عبادته، فلما أخبروا بها كأنهم تقالوها، فقالوا: وأين نحن من رسول الله ﷺ ، لقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فقال أحدهم: أما أنا فلا أنام الليل أبداً، والثاني قال: وأما أنا فلا أتزوج النساء أبداً، وأما الثالث فقال: وأما أنا فلا أفطر الدهر أبداً -أصوم دائماً-. فلما سمع النبي ﷺ هذا الخبر عرف أن هذا يتعارض مع منهج النبوة، ومع طبيعة الإسلام والدين، وأن هذا دين النصارى الرهبانية؛ فناداهم وقال: (ما بال أقوام يعملون ويقولون كذا وكذا، أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، ولكني أصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وأتزوج النساء وآكل اللحم، فمن رغب عن سنتي فليس مني) فمظاهر التشدد أنك تصوم الدهر كله وهذا مظهر لا ينبغي لك فعله، ومن مظاهر التشدد أنك تقوم الليل كله وهذا لا ينبغي لك، فلنفسك حق ولأهلك حق ولعملك حق ولهذا الذي يقوم الليل كله من العشاء إلى الفجر بعد ذلك يترك القيام كلياً، لكن لو قام نصف ساعة فصلى ركعتين أو أربعاً أو ستاً أو ثمان أو أحد عشر وهي أعلى شيء وهو الهدي النبوي! ما أعظم من ذلك! لأن الدين وسط، والله يقول: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً﴾ [البقرة:١٤٣] والوسطية تعني الاعتدال في بعض مفاهيمها. أيضاً: من صور الغلو ما نسمع، حيث سمعنا وما ندري هذا الكلام صحيح أن هناك أناساً يقولون: لا نستخدم الكهرباء في بيوتنا! لماذا؟! قال: لأن الكهرباء هذه آلة تشغل عليها آلات الباطل، والهواء الذي نستنشقه أنت أليس أهل الباطل يستنشقونه؟ والماء الذي أنت تشربه أليس أهل الباطل يشربونه؟ والأرض التي تسير عليها أليس أهل الباطل يسيرون عليها؟ هذا منكر وهذا لا يجوز يا أخي! فالكهرباء نعمة من نعم الله يمكن أن تستخدمها في طاعة الله، ويمكن أن تستخدمها في معصية الله، مثل الماء يمكن أن تستخدمه في طاعة الله فتشربه وتستعين به على الطاعة، ويمكن أن تشربه وتستعين به على المعصية، ومثل الزاد الذي تأكله، فالمؤمن يأكل من نعم الله ويقوم بها في طاعة الله، والفاجر يأكل من نعم الله ويقوم بها في معصية الله، كل النعم في الدنيا سلاح ذو حدين إن استعملتها في الخير فهي خير، وإن استعملتها في الشر فهي شر. يقول لي أحد الأشخاص: بأنه جاء إلى مسجد والناس يكادون يموتون من الحر في مدينة من المدن التي فيها جو حار يقول: والمكيف مقفل، والمراوح مقفلة، والإمام يصلي بهم وعرقهم يصب وهم في حالة من التعب لا يعلمها إلا الله! يقول: صلى معهم ركعتين في التراويح ولما سلم قال لهم: شغلوا المكيف والمروحة فقال له الإمام بعد أن تلفت فيه قال: من أين جئت أنت؟ قال: جئت من الأرض أريد أن أصلي معكم. قال: لا. المكيف ما نشغله. قلت: لماذا؟ قال: لأنه يفسد علينا خشوعنا سبحان الله العظيم! هذا من التشدد في الدين، بل على العكس الذي يفسد عليك خشوعك الحر، فإذا كيفت الجو وصار الجو بارداً وجميلاً فإنك تخشع في قلبك، لكن عندما تكون كأنك في فرن كيف تخشع؟ تريد أن تنفك من الصلاة بأي وسيلة فهذا من مظاهر الغلو والتشدد. ومن مظاهر الغلو والتشدد: الغلو في رفع الثوب، من الشباب من يقصر ثوبه؛ لأن إسبال الثوب حرام، فما تحت الكعبين ففي النار، والإسبال من المخيلة (وثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: المسبل إزاره، والمنان، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب). وفي الحديث: (نعم الرجل خريم الأسدي لولا طول ذمته وإسبال إزاره) ومعك مجال من نصف الساق إلى فوق الكعب فبإمكانك أن ترخي ثوبك إلى فوق كعبك، لكن من الناس من يغلو ويرفع ثوبه إلى ركبته، فقد رأيت أحد الشباب ثوبه إلى ركبته كأنه (فنيلة) وليس ثوباً! قلت له: يا أخي تعال تعال ماذا بك؟ قال: هذه السنة. قلت: لا. ليست السنة، أين السنة؟ هل السنة إلى نصف الساق؟ قال: نعم. قلت: تعال، فلما قمت بقياس ما بين كعبه إلى ركبته، وإذا به بقي شبر بينه وبينها، قلت له: ليست السنة هكذا يا أخي؟ لماذا تريد أن تظهر أمام الناس أنك متدين؟ هذا رياء، تريد أن تلبس ثوب شهرة؟ (من لبس ثوب شهرة ألبسه الله ثوب مذلة) لماذا يا أخي! نضع على أنفسنا علامة استفهام بين الناس؟ عندما نشعر الناس بأننا جنس غيرهم؟ نحن من المسلمين، ونحن يجب أن نتعايش في حدود ما يسمح به الإسلام والدين، فإذا أباح الإسلام لي أني أنزل ثوبي إلى الكعب فمن حقي أن أنزل ثوبي إلى فوق الكعب، أما أن أرفعه إلى الركبة فهذا تشدد ما أنزل الله به من سلطان، وراقبوا هذا الذي ثوبه إلى الركبة سنتين أو ثلاثاً وتعالوا وانظروا وإذا بثوبه تحت رجله وقد ترك الدين بالكلية لماذا؟ لأنه غلا، ومن تجاوز الحد انقلب إلى الضد. ومن مظاهر التشدد: المبالغة في رفع اليدين ووضعها على الصدر، فقد ورد حديث في البخاري عن وائل بن حجر ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ يضع يده اليمنى على اليسرى) وفي الزيادة: (على صدره) في صحيح ابن خزيمة، زيادة على شرط البخاري (على صدره) والصدر يبدأ من عظام القفص الصدري إلى نهايتها، لكن لماذا تجعلها على عنقك؟ هذا غلو، أم تريد أن تشعر الناس أنك من أهل السنة؟ فهذا رياء، بل سر في الوسط؛ لأنك وسط. أيضاً: من مظاهر التشدد ما نلمسه عند بعض الإخوان في المراصة في الصفوف، إذا جاء في الصفوف الأصل في السنة أنك تقف وبعد ذلك تقترب من الذي بجانبك مما يلي الإمام، وذاك يقترب من الذي بجانبه مما يلي الإمام، بحيث يتراصون ويتقاربون ولا يبدون ولا يبقون فرجة، فإن الفُرَج إذا بقيت بين الصفوف دخل منها الشيطان كالحذف يعني: كالبهمة الصغيرة، هذا الأصل، لكن بعض الناس لا يريدك أن تقترب منه، فإذا قربت منه ابتعد عنك، فتضطر أن تصلح خطأه فتفتح رجليك ثم يبتعد منك فتفتح رجليك انفتاحاً شديداً. وهذا لا ينبغي بل على كل مسلم أن يكون قريباً من أخيه المسلم. أيضاً من التشدد والمبالغة: ما نلمس عند بعض الإخوة وهو يسجد، المجافاة سنة، أن تجافي بين عضديك وجنبيك، وبين بطنك وفخذيك فهذا من السنة، لكن بعض الإخوة يبالغ ويمتد كأنه سينام، وبعضهم يربض كما تربض الشاة، فكلا الأمرين خطأ سواء كان تساهلاً أو تشدداً.

стр. 2330

عدم إعداد النفس وترويضها السبب الثاني: عدم إعداد النفس وترويضها على معوقات الطريق، أي: أَشْعِر نفسك وأنت تهتدي أنه لا بد لك من صبر؛ لأن الطريق صعبة، يقول ابن القيم: يا قليل العزم إن الطريق شاق، والعقبة كئود، ناح فيها نوح، وألقي فيها في النار إبراهيم، وذبح فيها إسماعيل، وشج فيها وجه النبي ﷺ ، وقتل فيها عمر وطعن، وضرب فيها عثمان وذبح، وضرب فيها علي وذبح، وجماجم الشهداء إلى يوم القيامة لو جمعت لكانت مثل الجبال. فالإيمان لابد له من جهد، فعليك أن تعود نفسك وتروضها وتعدها ابتداءً لهذه المسائل، ولذا نلمس ونجد في القرآن الكريم التأكيد على هذه الناحية، يقول الله : ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [الأنفال:٢٨] ويقول: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [آل عمران:١٧٩] يعني: بالبلاء، ويقول: ﴿الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت:١ - ٣] ويقول : ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد:٣] فلا بد من الابتلاء، فقد تبتلى بزوجة سيئة، أو تبتلى بأب عنيد، أو بأم عنيدة، أو ببلاء، أو بمدير، أو بزميل، تبتلى بمجتمع لا بد أن تصبر حتى إذا فاجأتك العقبات في الطريق وإذا عندك استعداد على أن تثبت حتى تلقى الله .

стр. 2331

الاستهانة بالذنوب من أسباب الضعف: الاستهانة بالذنوب خصوصاً الصغائر حتى يسقط العبد من عين الله، ويسود قلبه، يروي الإمام مسلم حديثاً صحيحاً يقول ﵊: (تعرض الذنوب على القلوب عوداً عوداً كالحصير، فأيما قلب أنكرها صقل، وأيما قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء، حتى تصير القلوب على قلبين: على أسود مرباد كالكوز مجخياً، لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً إلا ما أشرب من هواه، وعلى أبيض كالصفا لا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض) انظروا كيف ترد الذنوب على القلب كالعود، كالحصير عوداً عوداً، وأي قلب يرد الذنب ويعرض عنه يصقل، وأي قلب يقبل الذنب ينقط نقطة واثنتين وثلاث وأربع إلى أن يسود قلبك، وذاك تمسحه حتى يظل قلبك مثل الصفا لا تضرك فتنة ما دامت السماوات والأرض. وفي الحديث الآخر في مسند أحمد يقول ﵊: (إياكم ومحقرات الذنوب فإنها تجتمع على المرء حتى تهلكه).

стр. 2332

التفريط في الواجبات من أسباب الضعف: التفريط في الواجبات وفي عمل اليوم والليلة، كالنوم عن الصلاة خصوصاً صلاة الفجر، أو ترك السنن الراتبة، وعدم المحافظة على أذكار الصباح والمساء، وهذه من أعظم ما يحفظ الله به المؤمن: الاستدامة على الذكر، أذكار الصباح والمساء وأذكار الأحوال والمناسبات هذه من كثرة ذكر الله؛ لأنك ما دمت ذاكراً فالله معك، يقول الله: (أنا مع عبدي ما ذكرني أو تحركت بي شفتاه) والله يقول: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة:١٥٢] وما دمت تذكر الله فالله يذكرك، وإذا ذكرك الله لا يستطيع الشيطان عليك، فالتفريط في أذكار الصباح والمساء وترك الأذكار سبب من أسباب الضعف.

стр. 2333

عدم تنظيم الأوقات أيضاً: عدم تنظيم الأوقات، أوقات لقائه بإخوانه في الله، وإضاعتها في جدالات، وكلام، والنيل من الناس هذا كله خطأ، فإذا اجتمعت بإخوانك في الله فلابد من التنظيم، ولا تكثر وتجعلها كل ليلة، (زُرْ غِباً تزدد حباً) اجعلها ليلة في الأسبوع أو ليلتين في الأسبوع، وبعد ذلك من حين يدخلون تحضر القهوة وبعدها تبدأ بالقرآن ويقرأ سورة ثم تفسيرها ثم البخاري نقرأ حديثاً ونحفظه ونراجع شرحه في فتح الباري ثم نقرأ سيرة صحابي ونأخذ مسألة فقهية، ثم ينتهي اللقاء، السلام عليكم، بأمان الله! ولا نضيع الوقت في غيبة ونميمة وندعي بأننا طلبة علم بل هؤلاء طلبة جهل، ويعيشون على هذا الوضع سنين طوالاً وتسأل بعضهم في أبسط جزئية من مسائل العلم لا يعرفها لماذا؟ لأنه أضاع حياته في النيل من الناس وبالكلام، وفي فلان طويل وفلان عريض فهذا لا ينبغي أيها الإخوان! هذا يؤدي بالتالي إلى الضعف والتراخي.

стр. 2334

تغلب هموم الدنيا على هموم الآخرة أيضاً من أسبابه: غلبة هموم الدنيا على هموم الآخرة؛ فهموم الدنيا شيء طبيعي أنك تهتم بوظيفتك، وتهتم بزوجتك، وتهتم بأولادك، لكن يجب أن يكون اهتمامك بآخرتك أعظم، ففي الحديث يقول ﵊: (من أصبح والدنيا همه فرق الله عليه شمله، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له، ومن أصبح والآخرة همه جمع الله له شمله، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة).

стр. 2335

سوء البداية ومن أسباب الضعف والنكوس والتراجع: سوء البداية، فإن حسن البدايات تؤدي إلى حسن النهايات، فالذي يبتدئ هدايته بسبب مادي لغرض، يريد أن يتزوج وما أحد يزوجه إلا إذا كان متديناً فيتدين ومن حين يتزوج يضع الدين، يقول: صلى وصام لأمر كان يقصده لما انتهى الأمر لا صلى ولا صام يجب عليك أن يكون قصدك في هدايتك وبدايتك ما عند الله ﵎؛ لأن ما عند الله يبقى، وما عند الناس يفنى.

стр. 2336

عدم استشعار المسئولية التاريخية عن هذا الدين أيضاً: عدم استشعار المسئولية التاريخية عن هذا الدين، وأنه المنقذ للبشرية، المنقذ للناس هم فيه، فهو دين الله، وعليك ما دام أن الله ثبتك عليه وهداك إليه أن تشعر بمسئوليتك، ودورك في إنقاذ من شاء الله إنقاذه، فتنقذ نفسك، وتنقذ زوجتك، وأولادك، ووالديك، وجيرانك، وإخوانك، وزملاءك، وتحمل هموم الدين، وتعيش لهذا الدين، وتموت في سبيل الدين، هذا يجعل الله يثبتك على الدين، لكن عندما لا تشعر بدورك ولا تشعر بمسئوليتك، وترى أنك متورط بهذا الدين فإنه ينقلب عليك إبليس والعياذ بالله. هذه أيها الإخوة بعض الأسباب.

стр. 2337

العلاج أما العلاج فيكمن في عشرة أشياء، سوف أوردها باختصار لضيق الوقت:-

стр. 2338

استشعار المسئولية في حمل هذا الدين أولاً: يجب أن نعمق مفهوم المسئولية في هذا الدين، فمسئوليتنا تنحصر في العمل وليس في النتيجة، فإن الله سيسألنا: لماذا لم نعمل لكن لن يسألنا: لماذا لم ننجح؟ لأن الله يقول: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة:١٠٥] ولو لم يستجب لك أحد فليس ذلك عليك، فقد دعا نوح ألف سنة إلا خمسين عاماً وما استجاب له إلا اثنا عشر رجلاً، ومارس كل أساليب الدعوة، فعليك أن تستشعر المسئولية في أن مسئوليتك فقط في العمل؛ لأن بعض الناس يدعو فإذا لم يستجب له أحد قال: لن أدعو إلى الله، فقد دعيت ولم يستجب لي أحد. يا أخي: ليس عليك الاستجابة، عليك أن تدع على الله النجاح، مثل المزارع يبذر وعلى الله الزرع، أما أن تدعو وتريد رؤية النتيجة أو تترك فهذا خطأ.

стр. 2339

إيجاد روح الجدية في قلب المؤمن ثانياً: إحياء روح الجدية في قلب الإنسان المؤمن، فليس الأمر بالهزل، والقضية ليست سهلة، إنها قضية جنة أو نار، يقول الإمام أحمد وقد سئل متى يجد المسلم طعم الراحة فقال: إذا وضع قدمه اليمنى في الجنة. إذا وضعت رجلك في الجنة فهناك الراحة، أما قبلها لا ترتاح أبداً، لا ترتاح بأي شيء، وهذا الشعور يصرف ويدفع المسلم إلى أن يبذل كل جهد وأن يستغل كل فرصة، وأن ينتهز كل مناسبة من أجل العمل الصالح وما ينفعه بين يدي الله.

стр. 2340

تنظيم الأوقات وترتيب البرامج وتنويع النشاطات ثالثاً: تنظيم الأوقات، وترتيب البرامج، وتنويع النشاطات، ومواعيد العبادة، ومواعيد الزيارة، والالتزام بها بشكل دقيق، فمثلاً: بعد المغرب زيارات إلى العشاء لإخوانك في الله تزورهم أو يزورونك، أما بعد العشاء فلا يزرك أحد ولا تزر أحداً إنما لزوجتك ولأمك ولأبيك ولأهلك ولنفسك ثم تقرأ وتصلي وتتعبد، ثم تنام، وبعد الفجر في المسجد، من الصباح إلى الدوام، وبعد العصر لأهلك تمشيهم، وتفرجهم، وتباسطهم، وتنزل معهم مستشفى، أو تذهب معهم إلى نزهة إلى مكان ليس فيه منكر هذا البرنامج الجيد، لكن بعض الناس تجده يزور أخاه في الله الساعة الثانية عشرة من الليل! يطرق الباب نعم، قال: والله ما جاءني النوم أريد أن أسهر معك. ما شأني منك؟ ما أتاك النوم اذهب ونم أو اقعد، لماذا تأتي تسهرني؛ لأنه ما جاك النوم؟! إنك ما زرتني في الله، بل أزعجتني في الله والعياذ بالله! لا بد من تنظيم البرامج، ولا بد من الالتزام وترتيب الأوقات، فوقت الحفظ حفظ، ووقت السنة سنة، ووقت الزيارة زيارة، وقت النوم نوم. فما رأيكم الآن في المدارس لو أتوا في أول السنة وقالوا للمدرسين: يا مدرسين! لا يحتاج الأمر إلى برنامج ولا جدول دراسي ولا مناهج، كل منكم يأخذ له مجموعة من الأطفال ويعلمهم إلى آخر السنة كيف يكون التعليم؟ فوضى، لكن من أول السنة كل مدرس يقسم له برنامج منظم ومقسم على أشهر السنة، ثم يتابع ذلك البرنامج حتى تنتظم العلوم. فالبرامج وترتيبها شيء مهم، والمسلم مرتب، إن الذي ينظم متاعه لا يتعب، إذا رتبت كتبك فإذا أردت كتاباً تلقاه، لكن بعض الناس لا يدري في أي مكان وضع الكتاب، وإذا أراد أن يبحث لا يجد الكتاب فيترك البحث. لماذا؟ لأنه ليس مرتباً. تجد المرأة التي لا تعرف أن تدبر منزلها إذا دخلت مطبخها فإن الأدوات ليست مرتبة، فإذا سألها زوجها: أريد ملعقة؟ ذهبت تبحث عنها بين القدور. أريد سكيناً. ذهبت تبحث عنه بين الأكواب، لكن لو أنها منظمة ووضعت كل شيء في مكانه، تفتح كل درج وتنظر كل شيء في مكانه؛ فترتاح. فنحن مأمورون -أيها الإخوة- بالترتيب في حياتنا.

стр. 2341

البعد والحذر من المعاصي والذنوب أيضاً: البعد والحذر من المعاصي والذنوب، كبيرها وصغيرها، وخصوصاً قرناء السوء، فإنه -والله- ما من شر يقودك إليه أحد إلا قرين السوء عن المرء لا تسل وسل عن قرينه فكل قرين بالمقارن يقتدي إذا ما صحبت القوم فاصحب خيارهم ولا تصحب الأردى فتردى مع الردي

стр. 2342

الحرص على الطاعات وقرناء الخير خامساً: الحرص على الطاعات، والمواظبة على الأذكار، إنها محرِّك إيماني، ومنشط ديني ينشطك، والحرص على قرناء الخير وزملاء الإيمان، الذين يزيدك مجلسهم طاعة لله وقربة إلى الله .

стр. 2343

الاعتدال والتوسط والحرص على السنة سادساً: الاعتدال والتوسط والحرص على السنة، يقول ﵊: (تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك) سواء الزيغ بالتقصير أو بالتجاوز، لا تتجاوز ولا تقصر وإنما (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، فإنه من يعش منكم فنسيرى اختلافاً كثيراً، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار).

стр. 2344

التدرج في الدعوة سابعاً: من وسائل العلاج: التدرج في الدعوة وتقديم الأهم على المهم، والمداراة، ومراعاة مصلحة الدعوة وأنت تدعو، فإذا أتيت إلى شخص يدخن لكن لا يصلي، فلا تقل له: لا تدخن يا أخي؛ لأنه لو ما دخن وهو لا يصلي أو ما دخن كله سواء، لكن إذا صلى أول شيء، فتبدأ بالأهم، لا نقول لك: اسكت عن الدخان لكن أجله فقط، قضية تقديم الأهم على المهم، فإذا صلى قل له: عليك أن تترك الدخان، أنت تصلي عليك أن تعفي لحيتك، أنت تصلي عليك أن تغض بصرك، لكن تكلمه في الدخان وفي حلق اللحية وهو لا يصلي! وافرض أنه أعفى لحيته وهو لا يصلي ماذا نقضي به؟ إنه كافر ولو عنده لحية مثل لحية أبي جهل. فالإيمان له أساسيات، نبدأ بالأساسيات حتى إذا ضمناها بدأنا في الأشياء الثانية التي تأتي من دين الله ، تقول عائشة ﵂ -والحديث في البخاري - تقول: [إنما نزل أول ما نزل من القرآن سور فيها الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام، ودخلوا في دين الله، نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول ما نزل لا تشربوا الخمر، لا تزنوا، لقال الناس: لا ندع الزنا، ولا ندع الخمر] أول ما نزل: تقوية الإيمان، ذكر الجنة، وذكر النار، وأخبار الرسل، واليوم الآخر كل هذه جاءت في أول القرآن، وبعد ذلك لما حيت القلوب، وثاب الناس إلى الدين وآمنوا بالله، نزل الأمر مباشرة، ونزل النهي مباشرة لماذا؟ لأنهم آمنوا بالله الذي لا إله إلا هو.

стр. 2345

الإكثار من ذكر الموت وبعد ذلك من وسائل علاج الفترة: الإكثار من ذكر الموت وزيارة القبور -أيها الإخوة- وتوقع وقوع الموت في كل الأحوال، اركب السيارة وأنت تشغلها قل: قد لا أنزل منها، اخرج من البيت إلى الدوام وقل: قد لا أرجع إليه، وضع رأسك على الفراش وقل: ربما لا أستيقظ منه. فعلى الإنسان المداومة على هذه الفكرة، والإكثار من ذكر الموت، فإن النبي ﷺ كان قد نهى عن زيارة القبور ثم أمر فقال: (إني كنت قد نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها فإنها تذكركم بالآخرة) والحديث رواه الإمام أحمد في مسنده. وكان ل ابن السماك -وهو إمام من أئمة العلم- كان له قبر في بيته، إذا قسا قلبه نزل فيه، ثم يقفل عليه، ثم يدعو أولاده يقول: رب ارجعون رب ارجعون فيفتح له الأولاد، فيقوم ويقول: يا ابن السماك اعمل صالحاً قبل أن تقول: رب ارجعون فلا يفتح لك أحد. يقول الله: ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٠].

стр. 2346

الاهتمام بالرقائق والقصص والأحداث تاسعاً: الاهتمام بالرقائق والقصص والنكت والأحداث، هذه منثورة في كتب العلم، وموجودة في كتب شيخ الإسلام ابن تيمية، وفي كتب شيخ الإسلام ابن القيم، وفي كتب ابن الجوزي؛ لأنها تحرك القلوب، وتؤثر فيها وتدفعها، وفي السير: سير أعلام النبلاء للذهبي من أعظم ما ألف، أيضاً هناك كتب صغيرة اسمها صور من حياة الصحابة للدكتور عبد الرحمن رأفت الباشا، وصور من حياة التابعين هذه من أعظم ما ألف في السيرة؛ لأن كل كتاب يحتوي على ثمان أو سبع سير للصحابة، أو ثمان أو سبع سير للتابعين، تأخذ الكتاب وأنت تريد أن تنام في الليل تقرأ سيرة أحد الصحابة كيف عاش في الإسلام، هذه الملح والطرائف والرقائق تقوي الإيمان وتثبت وتعالج ما فيك من ضعف.

стр. 2347

النظر والاعتبار بأخبار الذين انحرفوا بعد الهداية أيضاً: أن تتعرف بالرجوع بالذاكرة إلى الوراء على تاريخ الذين هداهم الله ثم تراجعوا وسقطوا، كيف كانت نهايتهم، وكيف أصبحوا في وضع لا يحسدون عليه، وكيف هانوا على الله وعلى الناس لهوانهم على أنفسهم، وكيف تأخذ منهم العبرة؟ مثل شخص كان مؤمناً وديناً وطيباً ثم انسلخ وفسد ووقع في المخدرات وقبض عليه، والآن زوجته ضائعة، وأولاده ضالون، وهو مسجون وينتظر القتل كل يوم، ولو أنه استقام على الدين ما كان في هذا الوضع الذي لا يحسد عليه، فتأخذ أنت من نفسك عبرة وتقول: الحمد لله الذي جعل لي منه عبرة ولم يجعلني أنا للناس عبرة. هذه أيها الإخوة! مجمل الأسباب التي يمكن للمؤمن أن يأخذها، وأنا أرجو من إخواني الكرام ألا تمر هذه المحاضرة مر الكرام عليهم، بل لا بد من مراجعتها، وسماعها، والوقوف عند كل جزئية منها، ومراجعة النفس ومحاسبتها عليها، فإذا وجد الإنسان خللاً أو تقصيراً أو فتوراً فليصلحه، وإذا وجد قوة وثباتاً فليزد فيه، وأسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يزيدنا وإياكم ثباتاً على دينه. اللهم يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلوبنا على دينك، اللهم يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلوبنا على دينك، اللهم يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلوبنا على دينك، ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب، ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب، ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب، اللهم اجعل خير أعمارنا آخرها، وخير أعمالنا خواتمها، وخير أيامنا يوم نلقاك، اللهم اجعل خير أعمارنا آخرها وخير أعمالنا خواتمها وخير أيامنا يوم نلقاك، اللهم اجعل خير أعمارنا آخرها وخير أعمالنا خواتمها وخير أيامنا يوم نلقاك، اللهم احفظ علينا أمننا وطمأنينتنا ونعمتنا واستقرارنا، اللهم من أرادنا في هذه الديار أو غيرنا من ديار المسلمين بسوء أو شر أو كيد أو مكر فاجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره في تدميره، وأنزل عليه بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين. اللهم آمنا في دورنا، واحفظ أئمتنا وولاة أمورنا، ووفقهم لما تحبه وترضاه، واجعلهم هداة مهتدين، غير ضالين ولا مضلين برحمتك يا أرحم الراحمين. وأسأل الله لي ولكم التوفيق في الدنيا والآخرة، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 2348

الأسئلة

стр. 2349

حكم عمل النساء بمهنة التمريض السؤال يسأل الأخ عن مهنة التمريض: هل هي جائزة بالنسبة للنساء؟ الجواب مهنة التمريض من المهن التي تحتاجها الأمة؛ لأن المرأة المسلمة تتعرض للمرض وتدخل المستشفى وتحتاج لمن يقوم بخدمتها في عملية التمريض، وإذا تركت المرأة لتمرض وتعالج من قبل الرجال ترتب على هذا مفسدة، لذا لزم أن يوجد من النساء من يقمن بهذه المهنة ولكن بشروطها: الحجاب، وعدم الاختلاط بالرجال، وعدم النظر أو الكشف عليهم حتى ولو كان طبيباً، إذا دخل الطبيب ليعالج المريضة والممرضة موجودة لزمها أن تحتجب وأن تنتقب ولا يرى منها شيئاً، إذا خرج الطبيب أو عمال النظافة أو الزوار أو الأقارب للمريضة هذه فإنها تكشف، وقد رأينا والحمد لله الآن بعض الفتيات الملتزمات مارسن مهنة التمريض واستطعن أن يقمن بها وهن ملتزمات بالدين ولا يكشف عليهن أحد، والحمد لله، ونسأل الله أن يوفقهن.

стр. 2350

حكم زيارة الرحم الذي لا يصلي السؤال يقول: زيارة الأرحام واجبة، ولكن حينما يكون رب الأسرة من الأرحام لا يصلي فهل يجوز زيارتهم خاصة أن الذي لا يصلي كافر ولا تأكل ذبيحته؟ الجواب الذي لا يصلي من الأرحام بعد نصيحته، وبعد دعوته، وبعد تبصيره، وإصراره على المخالفة وترك الصلاة، ينبغي هجره في الله، وبغضه في الله، فإن البغض في الله والحب في الله من أوثق عرى الإيمان ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْأِيمَانَ﴾ [المجادلة:٢٢] فإذا كان هذا القريب فاجراً كافراً لا يصلي مثل هذا -والعياذ بالله- فلا ينبغي لك أن تزوره، إنما ينبغي لك أن تدعوه أولاً، وأن تبصره وأن تعطيه أشرطة، وأن تدعوه فإذا قرر واتخذ موقفاً منك وقال: ليس لك دخل في هذه المواضيع. فاقطعه، كما قال إبراهيم: ﴿كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة:٤] ولكن إذا كان عنده أقارب لك أنت في بيته فلا تقطعهم أنت بقطيعته وإنما تزورهم في الأوقات التي لا يكون فيها موجوداً مثلاً: عمك أخو أبيك، وعنده أيضاً عمتك أخت أبيك ساكنة معه فزيارتها طيبة، لكن متى؟ في الأوقات التي لا تلتقي بها مع هذا الرجل، فتسلم عليها وتهدي لها حتى تخرج من إثم القطيعة.
следующие страницы →