Полный текст (2 982 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
تأملات قرآنية من سورة الأنعام
في البداية يحسن بنا أن نربط الآيات التي تحدثنا عنها فيما سبق مع الآيات الجديدة حتى يكون النسق مترابطاً.
стр. 247
قبسات من نور الربوبية في سورة الأنعام
يقول الله في أول السورة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ * هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ * وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام:١ - ٣].
تبدأ السورة بـ (الحمد لله)، أي: الثناء المطلق على الله؛ لأنه هو الذي يستحق الحمد والثناء على ألوهيته المتحققة والمتجلية في خلق السماوات والأرض، وما دام أنه الخالق للسماوات والأرض وما بينهما إذاً فهو المحمود وحده ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الأنعام:١] لماذا؟! لأنه ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [الأنعام:١] ثم تتصل الألوهية بالخصيصة الأولى من خصائص الربوبية وهي الخلق؛ فإنه لا خالق إلا الله.
فمن خصائص الله وصفاته: أنه الخالق، وليس هناك من يخلق غير الله ، ولهذا تحدى الله البشر بأن يخلقوا ذبابة -والذباب أضعف شيء في الدنيا- يقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ [الحج:٧٣] فالطالب الإنسان، والمطلوب الذباب، ضَعُف الإنسان والذباب، ولكن الذباب أقوى؛ لأنه يسلب، بينما الإنسان يطارد الذباب فلا يستطيع أن يأخذ الذي أخذه منه.
قال العلماء: كل الحشرات والبهائم والمخلوقات إذا أكلت الطعام فإنها تنزله إلى المعدة ثم تجري عليه عمليات الهضم، ثم يتوزع بواسطة الدم إلا الذباب، لأنه ليس لديه معدة، فينتقل الطعام من فمه إلى الدم مباشرة، ويتحلل كيماوياً، ولهذا إذا أخذ السكر، أو قطعة الحلوى، أو أي شيء من الطعام وأدخله في فمه فإنه يذوب ويتحلل بحيث لو أمسكت بالذباب وأردت أن تُخرج منه شيئاً لا تستطيع إخراجه؛ لأنه قد تحول إلى شيء آخر ﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ [الحج:٧٣].
ولو اجتمع من في الأرض كلهم على أن يخلقوا ذبابة ما استطاعوا، بل ولا حتى شعيرة، لماذا؟ لأن الخلق من خصائص الرب سبحانه ﵎.
ثم تحدث الله في سورة الأنعام عن أضخم الظواهر الكونية الناشئة عن خلق السماوات والأرض وهي: جعل الظلمات والنور، الظلمات الحسية والنور الحسي، والظلمات المعنوية والنور المعنوي، وكما ذكرت لكم في الدرس الماضي: أن النور هو نور الله، وأن هناك -كما يقول العلماء- نوران وظلمتان، لا يتم الاستفادة من أحدهما إلا بوجود الثاني، النور الأول: نور معنوي، والنور الثاني: نور مادي، وزيادة في الإيضاح: الشمس والمصباح لهما نور، لكن لا يتم الاستفادة من نور الشمس أو المصباح إلا بنور البصر.
إذاً لا تتم الاستفادة من نور الكهرباء أو الشمس أو المصباح إلا إذا وجد نور العين الذي هو نور الإبصار.
فإذا لم يكن الإنسان مبصراً فهل يرى الإنسان النور؟ لا.
أو وُجدت العين الصحيحة السليمة لكن ليس هناك نور هل يرى الإنسان في الظلام؟ لا.
لا يرى.
إذاً لا بد من النورين: نور البصر ونور الضوء.
وكذلك في الناحية المعنوية لا بد من نورين: نور القرآن ونور البصيرة، فالذي عنده نور القرآن والإيمان ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور:٣٥] فإنه يستفيد من هذا النور، وأما من عنده نور القرآن ولكن ليس عنده نور الإيمان فإنه لن يستفيد، مثله مثل المنافقين الذين كانوا في عهد النبي ﷺ ، فقد كانوا يرون الرسول بأعينهم، ويعايشون نزول الوحي من السماء حسب الوقائع والأحداث، لكن لما انعدم نور القلوب كفروا بالله ، لذلك يقول الله : ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَاناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة:١٢٤ - ١٢٥].
فإذا وجد في قلبك نور الإيمان؛ استفدت من نور القرآن ونور السنة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام والإسلام والصلاة.
وإذا لم يكن في قلب العبد نور الإيمان فلن يستفيد من نور القرآن، لماذا؟ لأن مثله كمثل الذي عنده شمس لكن ليس عنده بصر فلا يستفيد من الشمس؛ لأنه ليس لديه بصر، وكذلك لا يستفيد من نور الدين إلا من كان عنده نور بصيرة إيمانية تملأ قلبه.
إذاً: تلك وقفة مع قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام:١].
ثم قال بعد هذا: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام:١] يا لها من مفارقات بين دلائل ناطقة في الكون بخلق الله للسماوات والأرض وبين انحراف وميل الكافر عن المنهج السوي! مفارقات تعدل الأجرام الضخمة، والمسافات الواسعة بين تلك الأجرام، وتعدل الظواهر المتنقلة.
стр. 248
نظرة إلى أصل الوجود الإنساني تقرر وجود الخالق
يقول الله : ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ﴾ [الأنعام:٢] هذه نظرة إلى أصل الوجود الإنساني، وأنه مخلوق من طين، وفي هذا لمسة وإشارة إلى أن الإنسان لا ينبغي له أن يتكبر، أو يتعاظم، أو يفخر وأصله من طين، بل عليه أن يعرف أصله وأساسه، كما قال الله : ﴿فَلْيَنْظُرِ الإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ * يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ [الطارق:٥ - ٧].
قيل: إن الحسن البصري قال للمهلب: أنت الذي خرجت من موضع البول مرتين: الأولى من ذكر أبيك، والثانية من رحم أمك، خرجت من ذكر أبيك وأنت نطفة، ثم خرجت من رحم أمك وأنت طفل صغير، ثم رباك الله بالنعم، وزودك بكل هذه الإمكانيات فلا تنس أصلك.
﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُسَمّىً عِنْدَهُ﴾ [الأنعام:٢].
الأجل الأول: أجل الحياة، أجل الإنسان الذي يعيشه ثم يموت، والأجل المسمى عنده: الأجل العام، أجل تدمير الحياة كلها، وقيام الناس من قبورهم للبعث وللحساب ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:٦].
﴿ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾ [الأنعام:٢] وصف الله سبحانه الكافر في الآية الأولى بقوله ﴿يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام:١]، وهنا قال الله سبحانه: ﴿تَمْتَرُونَ﴾، والمرية هي: الشك، أي: تشكون في الله ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [إبراهيم:١٠].
ويقول الله: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات:٢١] أيبقى مجال للشك أو المرية بعد كل هذه الدلائل؟! خلق السماوات والأرض، وجعل الظلمات والنور، وخلقكم من طين، وقدَّر آجالاً مسماة عنده، وآجالاً معروفة مكشوفة للناس في عالم الحياة ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾ [الأنعام:٢]؟! ثم يقول الله: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الأَرْضِ﴾ [الأنعام:٣] لا تغيبون عنه، إنه مالك الملك عالم الغيب والشهادة ﴿يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام:٣] أي: يعلم ما تقترفون، وما تعملون من عمل، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر.
إن الذي خلق السماوات والأرض هو الله المتفرد بالألوهية، وكل مقتضيات الألوهية متحققة فيه ولا ينازعه فيها أحد، ومقتضيات الألوهية: الخلق الرزق التدبير الإحياء الإماتة النفع الضر تعاقب الليل والنهار الرفع الخفض البسط القبض الإعطاء المنع كل هذه من الله ولا ينازعه فيها أحد؛ لذا فهو الإله الحق المستحق للألوهية والعبودية.
لقد خلق الله الإنسان كما خلق السماوات والأرض وهو في تكوينه من الطين، وما رزقه الله من خصائص فهي بنعمة منه وفضل، والأليق للإنسان وهو يعرف أصله: أن يتبع سنّة الله فيما يعتقده من عقيدة، ويتصوره من تصورات، ويعيشه من حياة؛ لتستقيم حياته مع سنن الله ، ومع الحياة التي سنها الله في الكون حين تحكمها شريعة الله، ولكي لا يناقض بعضها بعضاً، ولا يصادم بعضها بعضاً، ولا يمزق بعضها بعضاً.
إن هذه الآيات -أيها الإخوة- إنما تخاطب العقل البشري بدليل الخلق، فإن العقل يقف عند هذه الدلائل موقف المسلِّم ولا يستطيع أن يناقش أو يجادل بدليل الإحياء: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ﴾ [الأنعام:٢] ثم بدليل الإيحاءات التي تقذفها هذه الآيات في النفس، فتوقظ الفطرة وتحركها في صورة التقرير لا في صورة الجدل، وبسلطان اليقين المنبعث من تقرير النفس البشرية من داخلها، ومن شهادة الفطرة الداخلية بصدق هذا التقرير الذي تراه مبثوثاً في كل معالم الكون.
فوجود السماوات والأرض وتدبيرها على هذا النسق وعلى هذا النظام، ونشأة الحياة، وحياة الإنسان كلها تواجه الفطرة بالحق وتوقع فيها اليقين بوحدانية الله، والوحدانية هي القضية التي استهدفتها السورة من أولها إلى آخرها.
إن مشركي العرب ما كانوا يجحدون وجود الله، ولهذا ليس هناك من نبي بعثه الله إلا وهو يقول للناس: أن آمنوا بوجود الله كما قال الله في القرآن: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [المائدة:١١٧] لأن قضية وجود الله فطرة في النفس لا تستطيع أن تغالطها، والذين كانوا يغالطونها تركوا المغالطة، فالدهريون الذين يقولون: (لا إله والحياة مادة) -وهم الشيوعيون في الأزمنة الماضية- رجعوا، والشعوب التي مورس ضدها الاضطهاد عن طريق قصرها على الإلحاد خرجت بعد سبعين سنة من النظام الشيوعي لتعلن أنه لا بد من إله، لأن معنى أن الإله غير موجود: أنك أنت لست موجوداً أيها الإنسان؛ لأن وجودك دليل على وجود الله، من أوجدك؟! فالبعرة تدل على البعير، وأثر القدم يدل على المسير، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، ونجوم تزهر، وبحار تزخر، أفلا تدل على السميع البصير! إن عدم إيمان الإنسان بوجود الله معناه: أنه لا يؤمن بوجود نفسه، وهل هناك إنسان عاقل يلغي وجود نفسه؟! أبداً.
فقضية وجود الله لا جدال فيها بين العقول أبداً في القديم والحديث، إنما المشكلة في قضية وحدانية الله؛ لأن النفس البشرية اتخذت آلهة، فعبدوا الحجر، والشجر، والشمس والقمر، والبقر، اتخذوا أصناماً وآلهة متعددة، فجاء الإسلام ليلغي ويبطل هذه الآلهة المزعومة، ويبين ويثبت أن الله هو الإله الحق, ولهذا كل نبي يقول لقومه: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ﴾ [نوح:٣] اعبدوا الله واتقوه وخافوه وحده، وأطيعوني في الشرع الذي بعثني الله به.
стр. 249
تكفير الله لمنكري الألوهية
إن مشركي العرب -كما قلت- ما كانوا يجحدون وجود الله، بل كانوا يؤمنون بوجوده، ويعترفون بأنه الخالق والرازق والمحيي والمميت، يقول الله : ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزمر:٣٨].
وهؤلاء المشركون في مكة، لو قلت للمشرك منهم: من خلق السماوات والأرض؟ يقول: الله، فإذا قلت له: إذا كنت مقراً بأن الله هو الذي خلق الخلق وحده فيجب أن تعبده وحده، يقول: لا.
هذا فيه نظر، أعبده وأعبد آلهة معه، ولماذا تعبد آلهة معه؟ قال: كي توصلني إليه، ولذا قال : ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣].
هذه شبهتهم في العبادة، يقولون: نحن لا نستطيع أن نصل إلى الله مباشرةً، فلا بد من وسيط وشفيع يقربنا ويزلِّفنا إلى الله: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣] فجاءت العقيدة لتبطل هذا الزعم، ولتبين أن الله يُعبد من غير واسطة، ويمكن الوصول إليه من غير شفيع، وإذا دعوته فإنه قريب: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة:١٨٦].
ولذا وصمهم الله بالشرك والكفر مع إقرارهم بوجوده ، فلم ينفعهم هذا الإقرار، إذ لم يوحدوا الله بتوحيد الألوهية.
فدليل الخلق والحياة هي من دلائل وجود الله وألوهيته، كما أنهما صالحان لمواجهة المشركين وتقرير وحدانيته أيضاً، وهما كذلك صالحان لمواجهة اللوثات الجاهلية الحديثة التي تنكر وجود الله، فهي لوثة دخيلة ومسحة تريد أن تجحد وجود الله، فنواجهها بما واجه الله به كفار قريش بدليل الخلق، فدليل الخلق قاطع ومقنع على وجود الله ﵎.
стр. 250
حرص الملاحدة على عزل الدين من حياة المسلمين
لئن فشل أعداء الله من اليهود والنصارى والصليبيين والوثنيين والملاحدة في إقناع البشر بعدم وجود الله -لأن ذلك مفطور في فطر الناس- إلا أنهم قد أفلحوا إلى حد بعيد في إقناع كثير من المسلمين بإمكانية تنحية هذا الدين من واقع حياتهم، وإيهامهم بأنه يمكن لهم أن يظلوا مؤمنين بالله حتى مع وجود أرباب أخرى تشرع لهم من دون الله؛ ويصلون بذلك إلى تدمير الإسلام، وعزل الدين عن حياة الناس، مع إيهام الناس أنهم لا يزالون على الدين.
وهذا هو غاية الخبث والشر! أن يعتقد الإنسان أنه على دين وهو ليس على دين، أنه مسلم وهو ليس بمسلم، مسلم فقط بالوراثة بالتبعية بالهوية بالمزاج أما بالاستسلام لله، وبالخضوع لشرعه وبتحكيم أحكام الله، فلا!! هذا ما حرص عليه أعداء الله من زحزحة المسلمين عن هذا المفهوم، وإقناعهم وإيهامهم أنه بالإمكان أن يبقى الإنسان مسلماً ولو لم يصل أو يزكِ بل ولو ارتكب جميع المحرمات، واقترف جميع الذنوب والمعاصي والسيئات.
هذا هو الذي استطاع أعداء الله أن يوقعوا الناس فيه؛ لأنهم يئسوا من أن يحولوا الناس إلى ملاحدة أو إلى ديانات أخرى، فلا يستطيع مسلم أن يتحول إلى يهودي أو نصراني أبداً.
نعم.
الآن عمليات التنصير منية بالفشل، ولكن عملية الدعوة إلى الإسلام ناجحة، فمئات البشر الآن بل الآلاف في كل دول الأرض يتركون دياناتهم اليهودية والنصرانية والهندوسية ويسلمون بجهود بسيطة.
إن الدعوة إلى الله نور يمشي في الأرض، وتحمله ثلة قليلة، وتدعمه إمكانيات محدودة، ومع هذا ينتشر، بينما التنصير تدعمه دول، وتوظف له إمكانيات ضخمة: قنوات فضائية، إذاعات، صحف، إرساليات، كتب، أموال طائلة ومع ذلك لا يدخل في دين النصارى إلا أحد رجلين: جائع أو مريض، فإذا شبع قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله، وإذا تعافى قال: الحمد لله الذي عافاني ورد علي عافيتي، يعني بعد عشرين سنة من التنصير يقول: اللهم صلِّ على محمد؛ لأنه مسلم، فكيف يمكن أن تمسخ فطرته؟! لا يمكن.
هو أطاعك يوم أن كان جائعاً يحتاج إلى الأكل، ولما أكل وشبع رجع إلى أصله وفطرته، وأطاعك يوم أن كان مريضاً يحتاج إلى العلاج.
لكن الآن الذين يدخلون في الدين الإسلامي هل يجدون نتائج طيبة وطريقاً مفروشاً بالورود عند دخولهم في الدين الإسلامي؟ لا.
بل إنهم يقدمون التضحيات.
стр. 251
حياة المؤمن هي بحياة روحه
الإنسان عندما يُسلم تتكالب عليه الدنيا كلها، ويضايق في رزقه، ويحارب في حياته، ولكن مع كل ذلك يصبر، ويثبت على دين الله ولا يبالي ولو مات، ولو قطع قطعة قطعة؛ لأنه وجد الدين الحق.
قابلني أحد المسلمين الجدد -من مسلمي أمريكا - في الحج، قلت له: كم عمرك؟ -وعمره أظن أنه خمس وثلاثون سنة.
قال: عمري ست سنوات.
قلت: كيف ست سنوات؟! عمرك أقل شيء خمسين أو أربعين سنة.
قال: تريد عمري الحقيقي أم عمري الوهمي؟! قلت: بل عمرك الحقيقي.
قال: عمري الحقيقي ست سنوات.
قلت: كيف ذلك؟! قال: أسلمت منذ ست سنوات، فأنا حي منذ ست سنوات، لكن قبل ست سنوات ما كنت حياً، كانت حياتي حياة بهيمية.
ثم قال لي: أنتم إذا جاءكم عجل أو جحش أو أي حيوان هل تسجلون تاريخ ميلاده؟ قلت: لا.
قال: وإذا مات هل تعملون له شهادة وفاة؟ قلت: لا.
قال: حياتنا كانت هكذا، نحن كنا كالبهائم، لا نستحق أن نُسجَل في تاريخ ميلاد أو وفاة؛ لأنه لا حياة لنا، ولكن في ظل الدين والإيمان بالله ولدت قبل ست سنوات.
ثم قال: الحمد لله الذي أحياني قبل أن يميتني.
يقول: الحمد لله الذي أحياني حياة الإيمان قبل أن أموت فألقى الله وأنا على غير الإيمان.
فذكرت قول الله : ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام:١٢٢] وذكرت قول الله : ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ * وَلا الظُّلُمَاتُ وَلا النُّورُ * وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ * وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلا الْأَمْوَاتُ﴾ [فاطر:١٩ - ٢٢] من هو الأعمى ومن البصير؟ الأعمى هو الكافر، والبصير المؤمن.
من الذي في الظل ومن الذي في الحرور؟ الذي في الظل المؤمن، والذي في الحرور الكافر.
ومن الذي في الظلمات ومن الذي في النور؟ الذي في الظلمات الكافر، والذي في النور المؤمن.
من الحي وهو الميت؟ الحي: هو المؤمن، والميت: هو الكافر، وإن كان الكافر حياً لكنه يعيش حياة الصراصير والكلاب والقردة والخنازير، وهذه ليست الحياة الحقيقية، إنما الحياة الحقيقية هي التي تنبع من استجابتك لله، ولهذا يقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال:٢٤].
ما الذي يحيينا؟ إنه الدين إن ما يحيي الماديين الآن الهواء والغذاء والماء، لكن هذا يحييك ويحيي الحمير والبقر معك، لكن الذي يحييك أنت كإنسان هو الدين والإيمان، يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال:٢٤] ثم قال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال:٢٤] يَحُولُ بينك وبين قلبك، متى؟ إذا لم تستجب، فإذا استجبت لله أصبحت حياً، وإذا لم تستجب حال بينك وبين قلبك.
وتصور من يعيش وبينه وبين قلبه حائل هل يعرف مصالحه أو حياته أو سعادته؟! لا.
هناك موانع بينه وبين قلبه، يعيش في وادٍ وقلبه في وادٍ آخر، عدو نفسه، تصرفاته كلها وبال عليه، يسمع ما يغضب الله فيصب في أذنيه الرصاص المذاب يوم القيامة، ينظر إلى ما حرم الله فتملئ العينات من جمر جهنم، يأكل الربا فيأكل النار -والعياذ بالله- يقع في الزنا فيعذب في النار، يمارس الجرائم وفي نفس الوقت يظن أنه في نعمة وعلى خير، لماذا؟ قال العلماء: لأن الله قد حال بينه وبين قلبه، وإلا لو كان معه قلب ما حدث هذا، ولهذا يقول الله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ [ق:٣٧] وليس المقصود بالقلب هنا هذه العضلة التي تضخ الدم؛ لأن هاذ الجهاز مع الثور مثله عشر مرات تجد أن قلبه يعمل وهو أبلد حيوان، ليس هذا هو المعني، إنما المقصود هو القلب الذي يفقه عن الله، ويعي أوامر الله، ونوَّره الله بالدين، هذا هو القلب، أما العضلة التي في الجسم ما هي إلا عضلة.
بل الآن يعالجون بنقل الأعضاء، إذا مات شخص يأخذون قلبه ويضعونه لمريض آخر، ثم بعد أن يتعافى تسأله: ما اسمك؟ يقول: أنا محمد، وكم عندك من الأولاد؟ قال: أربعة أولاد، كل حياته موجودة رغم أن القلب غير القلب، إذاً هذا ليس هو القلب، هذا اسمه عضلة ضخ الدم، تعارف الناس على أن اسمها قلب، مثل عضلة الكبد أو عضلة الرئة، أو أي عضلة في جسمك، إنما القلب هو الذي تسمع به القرآن، وتفقه به الدين، فالقلب سيد الجوارح (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب).
وترون الآن في عالم المشاهدة لو أن هناك شخصاً كان ضالاً، منحرفاً، قاطعاً للصلاة، مرتكباً للجرائم، ثم منَّ الله عليه بالهداية وأصلح الله قلبه وهداه، وإذا بالرجل يعزم على إصلاح حاله، أول ما يصلح في هذا الرجل قلبه، هو الذي يصمم من القلب أن يتوب، فَيَصلُحُ مع قلبه جميع جوارحه: وعينه، وأذنه، ويده، وفرجه، ورجله وبطنه وحياته كلها تصلح، لماذا صلحت حياته كلها؟ لأن القلب صلُح، لكن إذا فسد القلب فسدت العين فنظرت إلى الحرام، وفسدت الأذن فسمعت الحرام، وفسدت اللسان فتكلم بالحرام، وفسد الفرج فوقع في الحرام، وفسدت البطن فأكلت الحرام، وفسدت اليد فامتدت إلى الحرام، فتفسد الحياة كلها، لماذا؟ لأن القلب خرب ميت، لكن عندما يُنَوُر بنور الإيمان، يصلح الإنسان في هذه الدنيا والآخرة.
إن أعداء الله لما يئسوا من إدخال الناس في الإلحاد أو الديانات الباطلة، نجحوا إلى حد بعيد في تمرير هذه الخدعة على بعض المسلمين، فحالوا بينهم وبين العمل بهذا الدين، إلا أن الأمل في الله كبير، والثقة في هذا الدين عميقة: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال:٣٠] وهو الذي يقول: ﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ * فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ * يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ * وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ * سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ * لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ * هَذَا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [إبراهيم:٤٦ - ٥٢].
стр. 252
عاقبة المستهزئين كما وردت في سورة الأنعام
تكشف الآيات في سورة الأنعام بعد هذا عن طبيعة هؤلاء، وهي الإعراض والعناد رغم وضوح الآيات، فالذي ينقصهم ليس الدليل وإنما ينقصهم الاستعداد، تقول له: هذا عمود، يقول لك: لا.
هذه سيارة، كيف تقنعه؟ لا يريد أن يقتنع، تقول له: هذه شمس، يقول: لا.
هذه ليست شمساً هذه كهرباء، إذاً: هل يمكن أن تقنع هذا المعاند؟ لا.
стр. 253
معنى قوله تعالى: (وما تأتيهم من آية من آيات ربهم)
يقول الله : ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾ [الأنعام:٤].
إن أبرز مقتضيات طلب الهداية: الاستعداد النفسي، هل يصلح أن تضع حباً على صخرة من أجل أن ينبت لك؟ لا.
لا بد من الأرضية الصالحة لاستنبات الحب، فتأتي على أرض خصبة التراب، ثم تضع فيها السماد، ثم تضع البذور وتسقيها بالماء، ثم تنتظر إلى أن تخرج لك الثمار إن شاء الله، أما أن تضع البذر على أرض صخرية فإنه لا يَنْبُت لك أبداً، كذلك القلوب المتحجرة المعرضة عندما تأتيها الآيات فإنها ترفضها، ولهذا يقرر الله هذا فيقول: ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ [الأنعام:٤] وهل بقي شاهداً أعظم من القرآن يدل على صدق رسول الله ﷺ ؟!! أبداً.
يقول الله: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عليهم﴾ [العنكبوت:٥١] لو كانوا يريدون الدليل الحقيقي فالقرآن يكفيهم، كل حرف بل كل آية فيه تدل على أنه من عند الله وليس من عند بشر، ومع هذا لم يؤمنوا، لماذا؟ لأنهم معرضون.
ثم قال : ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ﴾ [الأنعام:٥] وهل جاءهم؟ نعم جاءهم، ﴿فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الأنعام:٥] تهديد من الله لهم.
стр. 254
معنى قوله تعالى: (ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن)
ثم يعرض الله ﵎، ويلفت أنظارهم إلى مصارع الأولين من الأمم السابقة، فيقول : ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عليهم مِدْرَاراً وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ﴾ [الأنعام:٦] فماذا حصل؟ استمروا في المعاصي والذنوب قال : ﴿فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ﴾ [الأنعام:٦] وهذه سنّة الله في إفناء القرون وإحيائها، يعني: اليوم يوافق في السنة (٢٩/ ٧/ ١٤١٥هـ) في يوم (٢٩/ ٧/١٥١٥هـ) بعد مائة سنة لن يكون على وجه الأرض من الموجودين أحد، إلا النادر البسيط الذين لا دور لهم في الحياة، يعني: يبدل الله وجه الأرض كل مائة سنة مرة، فإذا ولد شخص اليوم وبعد مائة سنة لا يزال موجوداً ماذا يعمل هذا الموجود بعد مائة سنة؟ هل يعمل شيئاً في الحياة؟ لا.
قطعة متاع مركونة في زاوية من الزوايا، كلٌ يقول له: نسأل الله أن يختم لك بالحسنى، يعني: نسأل الله أن يعجل بزوالك، الكل يدعون عليه، كأنه ميت.
يقول لي أحد الإخوة: أنه رأى شائباً يرضع كما يرضع الطفل الصغير، يعطونه طعامه في رضاعة، وتغير له الحفائظ كما تغير للصغير، لا يستطيع أن يمسك نفسه، كما قال الله : ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً﴾ [الروم:٥٤] وهذا هو أرذل العمر الذي كان الرسول ﷺ يستعيذ بالله منه: (وأعوذ بك أن أرد إلى أرذل العمر) فأرذل العمر ألا يكون لك قدرة على عمل أي شيء، فلا حياة ولا قدرة ولا إمكانية، ترى نفسك عاجزة -نعوذ بالله من ذلك الوقت- نسأل الله أن يحسن خاتمة الجميع.
لماذا هذا التبديل لوجه الأرض كل مائة سنة؟! من أجل الابتلاء والامتحان، قرن يعيش ويكسب أو يخسر، وقرن يأتي، وهكذا إلى أن تنتهي الحياة بإرادة الله بإفناء الناس جميعاً، وفصل الحساب، وإدخال أهل الجنة الجنة وإدخال أهل النار النار.
стр. 255
العقاب سنة الله فيمن عصاه من الأمم
إن هؤلاء الكفار يتخذون موقفاً واحداً في جميع شئونهم وهو: العناد، والإصرار، والمكابرة، والرفض، والإعراض، فقد كذبوا بالرسول ﷺ وكذبوا بالرسل من قبله: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الأنعام:٥] ويتركهم الله أمام هذا التهديد المجمل فلا يبينه، فلا يعرفون نوع التهديد ولا موعده، ويتركهم في غاية من الخوف يتوقعونه في كل لحظة من اللحظات؛ لأنهم يتأكدون من صدقه.
جاء سعد بن معاذ إلى مكة والرسول ﷺ في المدينة قبل الفتح، فجاء يطوف بالبيت على عادة العرب، فمنعته قريش؛ لأن قريشاً كانت مسيطرة على الكعبة، وتعرف أن سعد بن معاذ هو الذي أيد النبي ﷺ ، واستقبله في المدينة، فمنعوه، فدخل في جوار أمية بن الخلف، وأمية هذا من صناديد قريش، وكان صديقاً وصاحباً لـ سعد بن معاذ قبل إسلامه، فدخل عليه فعرفه، لأنه صاحبه وزميله، فقال له: أريد أن أطوف في البيت فمنعتني قريش، قال: أنت في جواري فطف بالبيت، وخرجا إلى البيت وجعل يطوف بالبيت وهو في يده، فلما رأته قريش ما استطاعوا أن يقولوا له شيئاً؛ لأن معه أمية، فجاءه أبو جهل وقال: لماذا جعلته يطوف بالبيت وهو الذي صنع ما صنع؟ وهو الذي آوى محمداً، فنظر أمية إلى سعد وقال: أجب، قال: أجب أنت فإني لا أطوف في جوارك ولكني أطوف في جوار الله، فغضب أمية، فقال له سعد: لا تغضب فإن محمداً قاتلك، قال: أوأخبرك؟ قال: نعم.
قال: متى؟ قال: لم يبين وقت ذلك، فترك يده وذهب إلى البيت، ولما دخل على امرأته قال: إن هذا الأنصاري يقول: إن محمداً قاتلي ووالله لا يكذب محمداً، -يعرفون صدق النبي وهم كفار- قالت: هل أخبرك متى أو أين؟ قال: لا.
ومرت الأيام، وتأتي قافلة قريش من الشام، ويخرج النبي ﷺ لاقتطاعها في غزوة بدر، ويرسل أبو سفيان زعيم القافلة رسولاً اسمه: ضمضم بن عمرو الغفاري إلى أهل مكة يطلب منهم الخروج لإنقاذ القافلة، فخرجت مكة بأسرها إلا أمية وكان رجلاً كبيراً -يعني: ذو هيئة- وصنديداً لا أحد مثله، ولكنه لم يخرج خوفاً من وعيد رسول الله ﷺ ، فلما علم عقبة بن أبي معيط بعدم خروجه أخذ مجمر من المجامر ووضع فيه بخوراً من بخور النساء ودخل عليه ورفع ثوبه وجعل البخور تحت ثوبه قال: ما هذا يا عقبة؟! قال: هذا مجمر النساء نبخرك فإنما أنت امرأة -أي: اجلس على المجمر مع النساء- قال: ولم؟ قال: لأنك ما خرجت مع قومك لإنقاذ القافلة، فضربه، وقال: قاتلك الله! والله لقد أقذعت في سبي، ثم حمل ثوبه ودخل بيته ولبس درعه وملابس الحرب وخرج، فلحقته امرأته، وقالت: يا أمية أما تذكر قول الأنصاري: إن محمداً سوف يقتلك؟ قال: والله إنه قاتلي لكن لا خير في الحياة مع المجمر.
وفعلاً خرج وقتله الله، وحقق الله قول النبي ﷺ بقتل هذا الرجل.
فهذا من التهديد الذي ذكره الله في القرآن الكريم بقوله : ﴿فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ * أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ [الأنعام:٥ - ٦] ألم يروا مصارع الأجيال الماضية، وقد مكنهم الله وأعطاهم من أسباب القوة والسلطان ما لم يعط قريشاً في الجزيرة، أرسل المطر عليهم مدراراً، وأخصب الأرض وأنبتها بالأشجار والأرزاق، ثم ماذا؟! ثم عصوا ربهم، فأخذهم الله بذنوبهم، وأنشأ من بعدهم أجيالاً أخرى، لتأتي وترث الأرض من بعدهم، مضوا والدنيا غير مكترثة بهم وورثها قوم آخرون! فما أهون العصاة والكفرة والمكذبين على الله، ما أهونهم على الأرض والحياة، لقد هلكوا فما أسفت عليهم الدنيا، لقد ذهبوا وجاء من يعمِّر الحياة من بعدهم.
وهي -أيها الإخوة- حقيقة ينساها البشر حينما يُمَكِّن الله لهم في الأرض، فينسون أن هذا التمكين من الله، وأن الله إنما مكنهم ليبلوهم فيما آتاهم بالعبودية له وحده، والتلقي عنه وحده؛ لأنه صاحب الملك الذي أعطاهم، إنها حقيقة ينساها الناس إلا من عصم الله، ينسون الله فيعبدون أهواءهم وشهواتهم، ثم ينحرفون عن عهد الله فتتحقق فيهم سنّة الله، ولا تتبين لهم سنته في أول الطريق، ولا يرون العقوبة في أول الأمر إنما يقع الفساد رويداً رويداً وهم ينزلقون وما يشعرون، حتى يستوفي الكتاب أجله، ويحق عليهم وعد الله وتتعدد صور الإهلاك في النهاية وتختلف: فمرة يأخذهم الله بعذاب من فوقهم أو من تحت أرجلهم، ومرةً يأخذهم بالسنين ونقص الأنفس والثمرات، ومرةً يأخذهم بأن يذيق بعضهم بأس بعض، ومرةً يأخذهم بالصيحة، ومرةً يأخذهم بالغرق، ومرةً يأخذهم بالحرق، ومرةً يأخذهم بالعواصف والتدمير والزلازل، وهي سنة الله التي لا تتبدل، لماذا؟ لأنهم خالفوا أمر الله .
وإن مما ينخدع الناس فيه: أن يروا الفجرة والمستهترين، والكفرة والملحدين ممكنين في الأرض، غير مأخوذين من قبل الله، والناس مساكين يستعجلون ولا يرون إلا أول الطريق، لا يرون نهاية الأمر، انظروا إلى فرعون والذين كانوا معه في عصره يقولون: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس:٨٨] قال الله: ﴿قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يونس:٨٩] استمر فرعون بعد دعوة موسى سنين طوال وهو في ملكه، ولكن ماذا حصل في النهاية؟ الغرق والتدمير.
وعاد وثمود، وكل الأمم التي كذبت، كان الناس في وقتهم يقولون: لماذا لا يأخذهم الله؟ فالله يأخذهم لكن لا يعجل لعجلة الناس، انظر فقط للنهايات، كذلك من يموت على الكفر ممن يعيشون معنا الآن من يمنعهم من الله؟ لا يمنعهم من الله أحد، ولكن الناس يستعجلون؛ لأنهم يرون البداية فقط ولا يرون نهاية الأمر، ونهاية الطريق لا تُرى إلا بعد أن تقع، لا تُرى إلا في مصارع الغابرين بعد أن يصبحوا أحاديث، والقرآن كله يوجه الناس إلى النظر، والتأمل، والتنبه لمصارع الغابرين، حتى لا ينخدع المخدوعون في حياتهم الفردية القصيرة المحدودة؛ فيرون أول الشيء ولا ينظرون لنهايته، وإن نهاية الشيء لا يعلمها إلا الله.
стр. 256
الذنوب مهلكة لأصحابها
هناك حقيقة أخرى تغيب عن أذهان الناس وهي: أن الذنوب تهلك أصحابها -وهو عنوان التأمل في هذه الليلة- الذنوب تدمِّر أصحابها، وأن الله يهلك المذنبين بسبب ذنوبهم، وأن هذه سنّة ماضية ولو لم يرها الإنسان في عمره القصير أو المحدود إلا أنها سنّة باقية لا تتبدل، تصير إليها جميع الأمم، وتنتهي إليها جميع الكائنات عندما تفشو الذنوب، وتنتشر المعاصي، وتقوم الحياة على المخالفات.
في هذه الحياة المحدودة يُحِقُ الله على العاصين العقوبات.
والعقوبات -كما ذكرت لكم- تتنوع؛ لأن الذنوب هي سموم وهلاك القلوب، وضرر الحياة، والله يقول: ﴿وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف:٥٦] أصلح الله الأرض بالدين والرسالات، وأفسد الناس الأرض بالمعاصي والمخالفات، فهذه المعاصي سموم تنخر في قلوب البشر، فإذا خربت القلوب دمَّرت الحياة.
رأيت الذنوب تميت القلوب وقد يورث الذل إدمانها
وترك الذنوب حياة القلوب وخير لنفسك عصيانها
وضرر المعاصي على القلوب أعظم من ضرر السموم على الأبدان، والذي يستقرئ التاريخ ويرجع إلى الوراء يرى ويلمس أنه ما من شر وقع في الأرض إلا وسببه المعاصي، يقول ابن القيم ﵀ في كتابه العظيم الذي أُوصي كل شاب بقراءته واسمه الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، لأن كثيراً من الناس اليوم يقول: ما هو الدواء لما في قلبي؟ الدواء تجده في هذا الكتاب، فقد تكلم ﵀ في هذا الكتاب عن آثار الذنوب والمعاصي.
يقول ﵀: ما الذي أخرج آدم من الجنة؟ كان آدم أفضل من الملائكة، والملائكة تسجد له، ولكن ما الذي أخرجه من الجنة؟! إنه شؤم المعصية، أمره الله بألا يأكل من الشجرة فأكل منها، فقال له الله: اخرج.
وما الذي أخرج إبليس من الجنة وطرده، وبُدِّل بعد القرب طرداً، وبعد الرحمة لعنة، كان طاوس الملائكة، وما من بقعة في الأرض ولا في السماء إلا وقد عبد الله فيها، ولكن لما عصى الله ولم يسجد لآدم، وقال: أنا خير منه، قال له الله: ﴿فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ [ص:٧٧ - ٧٨].
стр. 257
إهلاك قوم نوح
ما الذي أغرق قوم نوح حتى علا الماء رءوس الجبال، وما رحم الله منهم أحداً، حتى ولد نوح، يشفع نوح في ابنه فيقول: ﴿إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ﴾ [هود:٤٥] أنت قلت لي يا رب: ﴿فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ﴾ [المؤمنون:٢٧] وهذا من أهلي فلماذا تغرقه؟ قال الله: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [هود:٤٦] كان يتصور نوح ﵇ أن الأهل هم أسرته وأبناؤه، والله يعني بالأهل أهل العقيدة، فإذا كان ابنك كافراً فما هو منك ولا أنت منه: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود:٤٦].
حتى ذكر المفسرون: أن امرأة من قوم نوح كان معها رضيع -وهي كافرة- فلما جاء الغرق، ونزل الماء من السماء، وخرج من الأرض، يقول الله: ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ [القمر:١١ - ١٢] حتى التنور الذي توقد فيه النار خرج منه الماء، يقول الله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ﴾ [هود:٤٠] كل مكان تتوقع أن يخرج منه الماء إلا مكان النار، ومع ذلك يخرج الله من مكان النار ماء، فالتقى ماء السماء بماء الأرض حتى غرق الناس، فكانت هذه المرأة قد صعدت على رأس جبل من أجل ولدها، فلحقها الماء وهي جالسة فقامت، ووضعت ابنها على رأسها حتى علاها الماء وعلا ولدها وأغرقهما جميعاً، ما الذي أغرقهم؟ المعاصي، كذبوا نوحاً وما آمنوا برسالته.
стр. 258
إهلاك قوم عاد
ما الذي سلط الريح على قوم عاد؟ وعاد هي: ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ﴾ [الفجر:٧ - ٨] كانوا يسكنون في الأحقاف في حضرموت، وكانت قبيلة من أشد القبائل، كان الواحد منهم طوله مثل النخلة، لما بين الله مصرعهم قال: ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة:٧] كانوا ينحتون من الجبال بيوتاً بأيديهم، يده مثل (البوكلين) ينحت الجبل فيصنع منه بيتاً، وكانوا على الخمر والزنا واللهو، جاءهم هود ﵇، فدعاهم إلى الله فكذبوه، فأرسل الله عليهم الريح، فتح من جهنم قدر منخر ثور -مثل الحلقة- سماها الله (عقيم) وعقيم أي: لا تترك أي شيء وراءها: ﴿مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عليه إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾ [الذاريات:٤٢] ولهذا يقال للرجل الذي لا يلد: عقيم، يعني: إذا مات فليس بعده شيء، لأن العقيم لا يعقبه أحد، كذلك هذه الريح إذا جاءت على شيء لا تترك شيئاً، وإنما تهلك كل شيء.
فلما جاءت الريح سوداء قالوا: ﴿هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ [الأحقاف:٢٤] قالوا: هذا مطر، وهم على خمر وزنا ويريدون المطر، قال الله: ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ * تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف:٢٤ - ٢٥] استمرت عليهم ﴿سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة:٧] كانت الريح تأتي إلى الواحد منهم فتقف عنده، ثم تلتف عليه وتحمله وتأخذه إلى عنان السماء فترمي به، فيهوي من السماء إلى الأرض ويتقطع قطعة قطعة والعياذ بالله بسبب ماذا؟ الذنوب والمعاصي! وما الذي سلط على ثمود قوم صالح الصيحة؟ صاح فيهم جبريل صحية قطعت قلوبهم في أجوافهم؛ لأنهم كذبوا وطلبوا من صالح ﵇ أن يخرج لهم من صخرة عندهم ناقة، وكان غالب أنعامهم الإبل، فطلب صالح ذلك من الله، فأخرج الله لهم ناقة عشراء، قال: ﴿قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء:١٥٥] ﴿وَلا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ﴾ [هود:٦٤] تشرب يوماً وأنتم تشربون يوماً، فقاموا وتمالئوا عليها فعقروها، فلما عقروها سلط الله ﵎ عليهم الصيحة: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ﴾ [الحجر:٨٣] ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً﴾ [المؤمنون:٤١] قطعهم الله وأهلكهم والأسباب هي الذنوب والمعاصي.
стр. 259
إهلاك قوم لوط
وما هو سبب هلاك قرى قوم لوط؟ تلك القرى التي كانت تعيش في البحر الميت الذي هو الآن في الضفة الغربية، وهذا المكان ميت لا تعيش فيه الكائنات الحية؛ لأنه موطن عذاب، كانت هناك قرى اسمها قرى سدوم، ست قرى في كل قرية مائة ألف، كانوا يأتون فاحشة إتيان الذكران من العالمين، وما كان أحد يأتي بهذه الفاحشة قبلهم، ولهذا قال الله: ﴿مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف:٨٠] ولا سبقتهم إليها حتى البهائم، ما علمنا حماراً يركب حماراً ولا قرداً يركب قرداً ولا كلباً يركب كلباً أبداً، الحيوانات نفسها تعاف هذه الفعلة، لكن الحيوانات البشرية إذا ضلت عن منهج الله تفعل هذه الفعلة، ولذا أرسل الله عليهم جبريل ومعه الملائكة، فغرس جبريل جناحاً من أجنحته، ثم حمل القرى الست -قرىً فيها ستمائة ألف نسمة- بحرثهم وزروعهم وبيوتهم، حتى سمعت الملائكة في السماء أصوات الكلاب والقطط، ثم قلبها عليهم قال الله: ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾ [الحجر:٧٤] بسبب ماذا؟ المعاصي والذنوب!
стр. 260
إهلاك قوم شعيب
ما الذي أرسل الريح والسحاب والظلل على قوم شعيب؟ ﴿فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾ [الشعراء:١٨٩] تدرون ما هو عذاب يوم الظلة؟ -نعوذ بالله وإياكم من عذاب الله- كانوا يعيشون في بلادهم في مدين، فكذبوا رسولهم شعيب ﵇، فأخذهم حر في البيوت، حر ضاقت منه نفوسهم، حرارة متناهية، إذا لمست جلده فإنه يفور مثل النار، إن جلسوا في البيوت حرارة، وإن خرجوا إلى الشمس حرارة، فماذا يصنعون؟ جعل الله ﵎ في منطقة من مناطقهم ظلال، وهي سحاب في السماء من كان يجلس تحتها يأتيه برد، فاجتمعوا كلهم تحت هذه الظلة، وهذه الظلة هي ظلة العذاب: ﴿فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾ [الشعراء:١٨٩] فلما جاءوا في هذا المكان نزلت عليهم هذه السحابة بالعذاب والتدمير وأهلكهم الله عن بكرة أبيهم بأسباب المعاصي.
стр. 261
إهلاك قارون
ما الذي خسف بـ قارون؟ يقول الله: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عليهم وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ [القصص:٧٦] إذا أعطاك الله مالاً ولست على دينه فلا تفرح؛ لأن هذا استدراج، أما إذا أعطاك الله مالاً وأنت على الدين فنعم المال الصالح في يد العبد الصالح، فكان قومه يقولون له: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ * وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ * قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص:٧٦ - ٧٨].
وهذا هو شأن الجاحد لنعم الله، يقول: إنما أوتيت هذا المال على علم، وذكاء، وفطنة، وخبرة، أنا رجل صاحب عقل، أنا عقلية تجارية، فقال الله: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً وَلا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ * فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [القصص:٧٨ - ٧٩] لكن أهل الإيمان قالوا: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ * فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾ [القصص:٨٠ - ٨١].
لا إله إلا الله! ما أعظم الله! بينما هو في ملكه وزينته وخيلائه بين رجاله وكما في الحديث: (أوحى الله إلى الأرض أن ابتلعيه، فانشقت من تحت قدمه وابتلعته بكل ما عنده من قصور، وخزائن، ثم أُطبقت عليه).
قال الله: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ * وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ﴾ [القصص:٨١ - ٨٢] الذين يقولون يا ليت لنا مثل ما لـ قارون ﴿يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ * تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص:٨٢ - ٨٣] نسأل الله من فضله، وهذه النهاية دائماً لأهل التقوى.
стр. 262
آثار المعاصي على أهلها قبل العذاب
أما المعاصي فإن شأنها التدمير، يقول ابن القيم: إن للمعاصي آثاراً -أيضاً- قبل العذاب: أولاً: أنها تجرئ العبد على الله، بدلاً من أن تكون عبداً تستحي من الله، فإنك بالمعاصي تصير عندك جرأة على الله، ولا تخاف من الله، تبارز الله بالعظائم، وإذا كثرت الذنوب طبعت القلوب؛ لأن الذنوب تتراكم وتتراكم، فلا يعرف القلب بعد ذلك إلا المعصية، ولا يعرف إلا المخالفة والعياذ بالله.
ثانياً: ثم إنها تولد أمثالها، إذا عمل الشخص معصية قالت المعصية: أختي أختي، فيعمل الثانية، فتقول الثانية: أختي أختي فتدعو المعصية معصية أخرى إلى أن يغرق الشخص بالمعاصي، بينما إذا عمل طاعة قالت الطاعة: أختي أختي، فالحسنة تتبعها حسنة.
ثالثاً: أن المعصية تمحق بركة العلم، العلم الذي يدرس الآن في المدارس والجامعات، ويقال في خطب المساجد والمحاضرات علم كافٍ لإنقاذ الناس، خطبة واحدة كافية، ولكن لماذا لم تعد هناك فائدة من العلم الذي يدرس في المدارس والجامعات وغيرها؟ لأنه يسمع الإنسان الكلام فيدخل من أذن ويخرج من أخرى بسبب المعصية، لكن الذي ليس عنده معاصٍ يستقر العلم في قلبه، يقول الشافعي وقد شكا إلى وكيع:
شكوت إلى وكيع سوء حفظي فأرشدني إلى ترك المعاصي
وأخبرني بأن العلم نور ونور الله لا يؤتى لعاصي
إذا أردت أن يرزقك الله علم الخشية الذي يدلك على العمل الصالح؛ فعليك أن تتوب إلى الله من الذنوب والمعاصي.
رابعاً: المعاصي تذهب ببركة الرزق: الرزق إذا كان فيه معصية تذهب منه البركة ولو كان كثيراً، لأن العبرة في الرزق ليست بالعدد والكم، لكن العبرة بالكيف والبركة، قد تجد شخصاً فقيراً لكن عنده بركة في رزقه وقناعة، وشخصاً غنياً وقلبه فقير، إذا سألته: كيف أنت يا أخي، كيف حالك؟ قال: الدنيا صعبة هذه الأيام، والسيولة النقدية غير متوفرة، والأحوال متأزمة، والاقتصاد العالمي متضعضع، بينما تجد آخر مصلي فتقول له: كيف حالك؟ قال: الحمد لله في نعمة وفي خير، آكل شارب والحمد لله.
إذاً: من الفقير الحقيقي هذا أم ذاك؟ ذاك هو الفقير.
وآثار الذنوب كثيرة جداً ولا مجال لاستقصائها لكن نذكرها باختصار: تعسير الأمور على الإنسان: لأن الذي يطيع الله ييسر الله له أموره، يقول الله ﵎: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً﴾ [الطلاق:٤].
ومنها أيضاً: وحشة يجدها العبد العاصي بينه وبين الله، وبينه وبين الطائعين من عباد الله، وبينه وبين المساجد، وبينه وبين القرآن، وبينه وبين الذكر، يعني: يُحس بوحشة فلا يستأنس، وهذه مصيبة أن تستوحش من ربك ومن بيوته وكتابه، وعباده الصالحين، وتبقى لك ألفة بالمعاصي وأعداء الله؛ لأن الذي يستوحش من الله يألف الشياطين، والذي يستوحش من بيوت الله يألف المقاهي والمخدرات والأماكن الموبوءة الخبيثة، والذي يستوحش من الطيبين يستأنس بالخبيثين، وهذه من عقوبات المعاصي التي يشقى الإنسان بسببها والعياذ بالله.
وأيضاً: -وهي مهمة جداً- أن العاصي تسقط منزلته عند الله، وإذا سقطت منزلته عند الله سقطت منزلته في الأرض، لأن المعز والمذل هو الله، والعزة بيده : ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً إليه يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾ [فاطر:١٠] فإذا سقطت عزة وهيبة الإنسان ومكانته عند الله أسقطها الله في الأرض، وأصبح الإنسان لا قيمة له، كما قال الله: ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾ [الحج:١٨].
إن أعظم إهانة للإنسان أن يكون عبداً لشهواته، ومسخراً لتلبية نزواته، وهممه في الحياة واهتماماته محصورة بين شهوات البطون والفروج والمتع والأموال فقط، فلا يكون له أمل أكبر من هذا، إنما هو محصور في سجن الشهوة والهوى، والنفعيات فقط، لا يكون له نظرة أبعد فينظر إلى ما بعد هذه الحياة.
هذا وأسأل الله الذي لا إله إلا هو لي ولكم التوفيق في الدنيا والآخرة.
стр. 263
الأسئلة
هذا وأسأل الله الذي لا إله إلا هو لي ولكم التوفيق في الدنيا والآخرة، ونبدأ باختصار بالإجابة على بعض الأسئلة.
стр. 264
وسائل تقوية نور البصيرة والإيمان
السؤال
ما هي الوسائل التي تؤدي إلى قوة نور البصيرة؟ وما هي الوسائل التي تؤدي إلى قوة الإيمان؟
الجواب
أما نور البصيرة فيأتي بوسائل من أهمها: أولاً: تلاوة كلام الله، لأن الله سمى القرآن (نور)، فالذي يكثر من قراءة النور تتجمع هذه الأنوار في قلبه: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْأِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً﴾ [الشورى:٥٢] وقال في آية أخرى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً﴾ [النساء:١٧٤] وقال في آية أخرى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة:١٥] فتلاوة القرآن الكريم تجعل في قلبك نوراً.
ثانياً: من وسائل تقوية نور البصيرة: قراءة السنّة المطهرة التي جاءت عن الصادق المصدوق صلوات الله وسلامه عليه، فإن الله أرسله: ﴿شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً * وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً﴾ [الأحزاب:٤٥ - ٤٦] فهو سراج للأمة صلوات الله وسلامه عليه، فإذا قرأت من سنّته أضاء الله في قلبك سراج الإيمان ونور الإيمان.
ثالثاً: من وسائل تقوية نور البصيرة: المحافظة على الصلاة في المساجد، فإنها محطات النور، كما قال الله في سورة النور بعد أن ذكر آية النور قال: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ [النور:٣٦] فكأن هذه الأنوار موجودة في (بيوت) أي: في المساجد.
رابعاً: من وسائل تقوية نور البصيرة: مرافقة الصالحين الذين يحملون هذا النور؛ لأن الذي معه نور تستطيع أن تمشي معه، إذا مشيت في ليلة وليس عندك مصباح ولكن زميلك معه مصباح، فإنه يضيء لك الطريق، فترى بنوره، وكذلك الذي تعيش معه وعنده إيمان ينفعك إيمانه؛ لأنه إذا جاء وقت الصلاة قال: نذهب إلى الصلاة فتقوم تصلي معه، وإذا جاءت معصية قال: اتركها فتتركها، وإذا جاءت طاعة قال: هلم نقبل عليها فتقبل على الطاعة معه، وإذا جاء ذكر لله حثك عليه فتذكر الله، فأنت بمرافقتك للطيبين أصحاب النور الإيماني يزرع الله في قلبك النور، هذه وسائل تقوية نور البصيرة.
أما وسائل تقوية الإيمان فهي كذلك ست: أولاً: قراءة القرآن.
ثانياً: قراءة السنّة.
ثالثاً: المحافظة على الطاعات.
رابعاً: البعد عن المعاصي.
خامساً: البحث عن قرين صالح.
سادساً: الحذر من قرين السوء.
هذه ست وسائل لتقوية الإيمان، إذا عملت بها؛ فإنه بإذن الله يزداد إيمانك.
стр. 265
وصايا مفيدة لمن هدايته قريبة
السؤال
أنا شاب في بداية الطريق فما نصائحك لي جزاك الله خيراً؟
الجواب
بدايةً: أهنئك بأنك في بداية الالتزام، وأنك انتقلت من حياة العبث واللهو والباطل إلى حياة الإيمان والعمل الصالح، وأسأل الله لي ولك الثبات على هذا.
وأنصحك: أولاً: بالتوبة من جميع الذنوب صغيرها وكبيرها.
ثانياً: بالمحافظة على الطاعات كبيرها وصغيرها.
ثالثاً: طلب العلم: يلزمك أن تطلب العلم، فوسائل طلب العلم متعددة: عن طريق الكتاب والشريط الإسلامي، وعن طريق الحلقات والندوات، وعن طريق دروس العلم الموجودة في جدة، فتجعل لك برنامجاً وتطلب العلم؛ لأن العلم يزيد في إيمانك إن شاء الله .
إضافة إلى ذلك ترك قرناء السوء، والاحتكاك والجلوس مع القرناء الصالحين الذين تزداد بهم أنساً وألفةً وأنت في طريقك إلى الله ﵎.
وأدلك على شريط محاضرة جيد بعنوان: (أسباب الهداية عشرة أسباب) وشريط آخر اسمه: (وسائل الثبات على دين الله اثنا عشر سبباً) وهاتان محاضرتان ألقيتهما في الرياض.
стр. 266
أفضل كتاب تفسير للمبتدئين
السؤال
دلنا على بعض الكتب في التفسير لطالب العلم، والبعيدة عن التحريف والإسرائيليات؟
الجواب
أحسن كتاب ندل الشباب المبتدئين عليه، كتاب جديد اسمه: أيسر التفاسير، يتكون من خمسة مجلدات للشيخ: أبو بكر جابر الجزائري ألفه بأسلوب عصري حديث، ثم إن الرجل مطلعٌ على كل كتب التفسير، فيأتي بالآيات ثم يشرحها شرحاً إجمالياً، ثم يشرح المفردات، ثم يبين الأحكام المستفادة والهدايات التي دلت عليها تلك الآيات.
стр. 267
وسائل إزالة قسوة القلوب
السؤال
ما السبيل إلى إزالة قسوة القلب، وإسراع دمعة العين، والخشوع في الصلاة والخوف من الله ؟
الجواب
هناك وسائل كثيرة لا يتسع المجال لها، لكن أهم شيء منها: - قراءة القرآن بتدبر وتمعن.
- الإكثار من ذكر الموت.
- زيارة المقابر.
- التأمل في هذه الحياة وفي سرعة زوالها وانقضائها.
- أكل الحلال؛ لأن الذي يأكل الحلال يخشع قلبه لذكر الله.
- البعد عن الذنوب والمعاصي، واستحضار عظمة الله في ممارستك للصلاة والعبادة.
стр. 268
حكم من تعطرت خارج بيتها
السؤال
هذه أخت في الله تقول: إنها تعمل مُدَرسِة وتذهب مع السائق إلى باب المدرسة، ومعها زميلاتها، وعندما تدخل المدرسة تضع عطراً في أول اليوم الدراسي فما يأتي آخر اليوم إلا وقد ذهب العطر، وزوجها يمنعها من ذلك، فما الحكم في هذا؟
الجواب
لا يجوز للمرأة أن تتعطر إذا خرجت من بيتها، بل ينبغي أن يكون العطر خاص بالزوج وفي البيت في داخل الغرفة، أما إذا خرجت فلا يجوز؛ لأنها حتى إذا ركبت مع نساء فإن أثر العطر يبقى في السيارة، وحتى إذا دخلت في المدرسة فإن أثر العطر يبقى في المدرسة، وإذا جاء عمَّال النظافة ينظفون بعد العصر يشمون الرائحة، وقد تخرج الرائحة من المدرسة للمارين، فالأولى للمسلمة ألا تقرب العطر مطلقاً إلا في البيت.
وقد تقول بعض الأخوات: إن رائحتها قد تكون كريهة؟ فنقول: إذا اغتسلت المرأة وتنظفت بالصابون والماء فإنه لا يبقى عليها أي رائحة إن شاء الله، أما العطر فإنه رائحة مغرية، فالعطر يلفت انتباه الناس نحوك، وأنتِ لستِ بحاجة إلى أن تجذبي النظر إليك إلا نظر زوجك، ولهذا سميت التي تتعطر زانية: (أيما امرأة استعطرت ثم خرجت ليشم الرجال ريحها فهي زانية زانية زانية).
ونشير هنا إلى مسألة ذكرتها ولم تسأل عنها، وهي: كونها تأتي مع سائق، إن كانت تأتي مع سائق لوحدها فهذا محرم لأنه: (ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما) وإن كانت تأتي مع سائق وهناك بعض الزميلات بحيث يركبن كلهن سوياً وينزلن سوياً -فلا تركب واحدة ثم تأتي الثانية، أو ينزلن وتبقى واحدة معه- والمسافة ليست مسافة سفر، يعني: داخل المدينة، والسائق مؤتمن، والزميلات كلهن ثقات، فلا بأس، أما إذا كان السائق خائن فلا ولو كن عشر نسوة؛ لأن الخائن سوف يختلس النظر، والمرأة لا تستطيع أن تمنع عينيه من النظر، وتقول له: لا تنظر، بعضهم يرجع إلى الوراء وهو لا يحتاج أن يرجع إلى الوراء لكن من أجل أن ينظر إلى النساء، يتقحم النار والعياذ بالله.
стр. 269
نصيحة لمن ابتلي بالعادة السرية
السؤال
لي أربع سنوات في الالتزام، وأنا في حلقة من حلقات تحفيظ القرآن الكريم، ولكني مبتلى بالعادة السرية، ولا أقدر على تركها إلى الوقت الحالي فما نصيحتكم؟
الجواب
يا أخي الكريم يبدو أنك ضعيف الإرادة وشهواني، ولذا لا بد من مراجعة حسابك مع نفسك، لأن العبد الشهواني لا يصلح أن يكون عبداً لله، العبد الشهواني تغلب عليه نزواته لدرجة أن يكون طالب علم وملتزم ومن أهل القرآن، وبالرغم من هذا يصر على فعل هذه العادة الشيطانية القبيحة المحرمة، والتي صاحبها -والعياذ بالله- ملعون، والتي تأتي يده يوم القيامة حبلى له، كل حيوان منوي يخرج عن طريق الاستمناء باليد -فيما يسمونه بالعادة السرية، وما هي عادة سرية إنما هي عادة شيطانية، ويسمونها في الشرع نكاح اليد والعياذ بالله- ولكن لا يرى آثار هذا الحمل إلا يوم القيامة، وتصور أن شخصاً معه ستمائة ولد يوم القيامة يسحبهم بيده، فهذه مصيبة.
أقول لك: اتقِ الله! اتقِ الله! والرسول ﷺ قد أعطاك العلاج حين قال: (يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم) هذا هو الدواء الرباني، لم يقل فعليه بيديه؛ لأن بعض الشباب يقول: أنا لست متزوجاً، وإذا لم يكن عندك زوجة فهل تلجأ إلى الحرام؟ أين أنت من الآية الكريمة؟ ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور:٣٣] معناها: أن تكون عفيفاً، وهناك وسائل كثيرة تمنعك من قوة الشهوة: أولاً: لا تكثر من الأكلات التي تزيد في شهوة الرجل، إذ لا تزال شاباً وأنت غير متزوج، وكل من الأطعمة التي ليس فيها ما يقوي الشهوة، فالأطعمة التي تقوي الشهوة مثل: اللحوم والشحوم والبر والسمن والعسل، لكن كل من البقوليات والخضروات، أيضاً ابذل جهداً بدنياً ليستنفذ طاقتك، فإن كان أبوك تاجراً فاعمل في الدكان احمل واصعد وانزل، وإذا كان عندك مزرعة فاعمل في المزرعة، فإذا لم يكن عندك مزرعة ولا تجارة استهلكها في الرياضة، ضع لك في البيت أثقال، المهم لا تصل إلى الفراش إلا وأنت متعب؛ من أجل أن تنام مباشرة.
ثم لا تكثر من التفكير في هذه القضايا، إذا جاءك التفكير قم صلِّ ركعتين؛ لأنك بهذا تكيد الشيطان، فبعدها لا يجعلك تفكر؛ لأنه يعرف أنك إذا فكرت فسوف تصلي ركعتين.
ثانياً: إذا جئت تنام على الفراش وما جاءك النوم فاقرأ القرآن، أو السنّة، لا تأتِ الفراش وأنت لا تجد حاجة للنوم، لأن تقلب الإنسان على الفراش وهو لا يحتاج للنوم يجعله يفكر في هذه الأمور، فيعبث بيده فيحصل منه هذا الشيء والعياذ بالله.
ثالثاً: لا تنظر إلى الحرام؛ لأن النظر المحرم يذكي هذه الشهوة، فلا تشاهد الأفلام والمسلسلات التي فيها قصص غرام أو صور نساء، ولا تقرأ المجلات ولا الجرائد العارية والرخيصة.
لا تقرأ القصص الغرامية.
رابعاً: استشعر خوفك من الله، تذكر أنك عبد لله، وأن الله ما خلقك لهذه الأفعال القذرة، وأنك إنسان مفضل ومكرم، ثم اطلب من الله أن يتوب عليك.
стр. 270
أعمار أمة النبي ﷺ
السؤال
قلت: إن الإنسان بعد المائة سنة ليس له أي دور، وهذا فيه نوع من المبالغة، إننا نعرف بعض الناس قد بلغوا المائة وهم لا يزالون أقوياء، ويوجد عندنا شيخ كبير في السن يجيد إتقان أصوات القبائل الأخرى؟
الجواب
أنا قلت: إن النادر ممن يجاوز المائة، يعني: أكثر من مائة سنة ليس هناك أحد يعيش، هذا بنص حديث النبي ﷺ قال: (أعمار أمتي ما بين الستين والسبعين وقليل من يجاوزهما) والذي يقول إنه في المائة لو جئت تراجعه بالضبط لوجدت أنه أقل من ذلك؛ لأنه لم يكن في السابق تاريخ للولادة، أحد الناس يزعم أن عمره مائة وعشرون عاماً، لما جئنا نحسب تبين لنا أن عمره ثمانون سنة، وأربعون سنة من مبالغات الإنسان، فقليل الذي يصل إلى المائة، ونحن نتكلم عن العموم فقط ولا نتكلم عن التدقيق في الناس، على العموم أعمار الناس كما جاء في الحديث (ما بين الستين والسبعين وقليل من يجاوزهما).
стр. 271
طلب بتكرار الزيارة
السؤال
لا نريد أن تكون الزيارة مرة واحدة في الشهر نريد أن تكون أكثر من ذلك، وأن تتعاونوا معنا هنا في حضور الجلسات والحلقات؟
الجواب
جزاك الله خيراً، ولكني أرى أن في تكرار الزيارة مشقة عليَّ، فإن لدي التزامات كثيرة في غير مدينة جدة -في مكة والرياض والمدينة والطائف وأبها - وفي كل مدن المملكة مما يجعلني لا أستطيع حتى المجيء مرة في الشهر، ولكن أسأل الله الإعانة.
стр. 272
حكم الطعن في أعراض المسلمين
السؤال
بعض الشباب الملتزم -هداهم الله- لديهم بقايا من خراب جاهليتهم السابقة قبل التزامهم، وهذا أكثر ما يكون في اللسان، فتجده يتكلم على فلان وفلان، ويصف هذا بأنه باطل، وأن فلاناً كلامه غير صحيح؟
الجواب
هذه من الأمراض التي يشيعها الشيطان بين الناس، فإذا رأى الشاب الملتزم الذي يحفظ نفسه، ولا ينظر إلى الحرام، ولا يسمع الأغاني وغير ذلك، استعمله في طريق ثانٍ وهي: شغله بأكل لحوم العلماء والنيل من المشايخ، وتتبع سقطات الصالحين وتضخيم أخطائهم، وكأنه جندي من جنود إبليس، وهذا لا يجوز في شرع الله، غيبة المسلم حرام، وغيبة العلماء أشد حرمة، فإن لحوم العلماء مسمومة، وعادة الله في الذين ينالون منهم معلومة، وما رأينا إنساناً تتبع لحوم العلماء بالجرح والثلب والتنقص إلا نكبه الله في الدنيا قبل لآخرة والعياذ بالله، فنوصي طلبة العلم والفضلاء أن ينصرفوا إلى الدعوة، وإذا رأوا في إنسان من الصالحين أو من الطيبين خطأ أو معصية أو تقصيراً فالناس كلهم خطاءون، من ذا الذي لا يخطئ؟ فالكمال لله .
وعليك أن تنصح هذا الشخص المخطئ بالاتصال الهاتفي، أو بالرسالة البريدية، أو بالمواجهة الشفوية، وتقول: يا شيخ أنت قلت كذا -مثل هذا الأخ جزاه الله خيراً الذي كتب لي هذه الورقة وقال لي: أنت قلت كذا وكذا- وهذا حق ليس فيه شيء، ونحن نقبل النصيحة -أيها الإخوان- فالذي يريد أن يكون كاملاً كذاب، والمعصوم هو الرسول ﷺ ، والعاصم هو الله ﵎، فما ينبغي للإنسان أن يتتبع سقطات الناس، ولا أن يتخذ لحومهم غرضاً، فيتكلم فيهم في المجالس، ويضع من قدرهم بحجة أنه متدين.
إن التدين الحقيقي هو الذي يبعثك على العمل للإسلام لا على النيل من العاملين للإسلام.
نختم -أيها الإخوة- بالدعوة إلى التبرع لإخواننا في جميع ديار المسلمين، وهذه رسالة جاءتني من الندوة العالمية للشباب الإسلامي، وهي ندوة مباركة تقوم بخدمة الأمة الإسلامية في كافة أنحاء العالم بما لها من برامج دعوية، وأنشطة ووسائل توعوية، وأمور إغاثية، ومخيمات شبابية، وهي تطلب منكم مد يد العون والمساعدة لتستمر في مواصلة الخير، والعمل الصالح لخدمة الإسلام والمسلمين.
أسأل الله لي ولكم التوفيق ولهم الإعانة، والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
стр. 273
العمل الصالح وأهميته
بدأ الشيخ ببيان أن العمل في الدنيا هو الذي يحدد نوع الجزاء في الآخرة، ثم ذكر بعض الأمور المعينة على بذل أسباب النجاة في الآخرة، وذكر منها: التدبر في قصص القرآن الكريم والسنة النبوية، وأورد قصة آدم مع إبليس، وكذلك قصة نوح مع قومه، ثم حذر من الفهم الخاطئ لبعض المفاهيم الشرعية، وبين أن ذلك يؤدي إلى التقصير والتهاون في العمل لأجل نيل مرضاة الله في الآخرة.
стр. 274
مبدأ الثواب والعقاب الإلهي
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: أيها الإخوة في الله: لقد رتب الله الجزاء في الدنيا والآخرة على فعل المكلف، وجعل مدار السعادتين في الدنيا وفي الدار الآخرة نتيجة سلوك الإنسان، وزود الإنسان بالإمكانات التي تعينه على سلوك طريق الخير باختياره، أو سلوك طريق الشر باختياره، وأقام الحجة على الخلق ببعثة الرسل، وبإنزال الكتب، قال تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء:١٦٥] وفطر الإنسان على فطرة الدين، والأرض القابلة لاستنبات الدين هي: الفطرة، يقول ﵊: (كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه) ولم يقل: يمسلمانه؛ لأنه مسلم بالفطرة، وفي حديث آخر في صحيح البخاري وهو حديث قدسي، يقول الله : (إني خلقت عبادي حنفاء -أي: مستقيمين- فاجتالتهم الشياطين).
стр. 275
ترتيب الجزاء الأخروي على كسب الإنسان الدنيوي
إن المتأمل لآيات الكتاب الكريم ولأحاديث الرسول صلوات الله وسلامه عليه يجد هذا واضحاً، بل يذكر ابن القيم ﵀ في كتابه الجواب الكافي أن هذا واضح في أكثر من ألف موضع في القرآن الكريم، وهو أن الله دائماً يرتب الجزاء على فعل الإنسان.
قال : ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ [الزخرف:٥٥] فلا يحصل شيء من العبد إلا ويحصل له جزاء، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، يقول : ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم:٤١] فظهر الفساد في البر والبحر: فساد في الهواء، والماء، والثمار، وكل شيء بكسب العباد، فتتأثر جميع المخلوقات بكسب الإنسان ﴿بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ [الروم:٤١] وإلا لو أذاق الله العباد كل ما عملوا ما بقي على ظهرها من دابة، ولكن الله حليم يمهل ولا يهمل، ويقول : ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [يونس:٢٦ - ٢٧] فهذه آية توضح أن القضية قضية كسب، فاكسب خيراً؛ تربح، واعمل سيئات؛ تحسب عليك، فلا يأخذ ذنوبك غيرك، ولا يأخذ حسناتك غيرك، يقول الله : ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ [النجم:٣١] ويقول : ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * ذَوَاتَا أَفْنَانٍ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ﴾ [الرحمن:٤٦ - ٥٢] في الجنة من كل فاكهة زوجان ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ﴾ [الرحمن:٥٣ - ٥٤] جنى أي: ثمر، فثمر الجنان دان، وأنت جالس يأتيك الثمر في مجلسك، وحين تقوم يقوم معك، وحين تمشي يمشي معك، فأينما اشتهيته وجدته ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ﴾ [الرحمن:٥٥ - ٥٦] نساء الجنة قاصرات الطرف، فقد قصرت طرفها على زوجها فلا تطمع في سواه، ولم يطمثها قبله أحد، فهي نظيفة مبرأة، وبعد ذلك يقول الله في وصفهن: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن:٥٧ - ٥٨].
حورياتك في الجنة وزوجاتك -يا عبد الله- مثل الياقوت والمرجان، فتصور امرأة مثل الياقوتة، كيف يكون وضعها؟ الآن أقل قطعة من الياقوت أو المرجان قيمتها مبالغ طائلة، وحجمها لا يتعدى رأس الإصبع، فكيف تريد ياقوتاً أو مرجاناً بلا قيمة؟ لا.
ثم قال : ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ﴾ [الرحمن:٥٩ - ٦٠] وهذا الشاهد من الآيات، هل جزاء إحسانهم في الدنيا إلا إحسان الله لهم بالثواب العظيم في الجنة.
في الآية التي تلوتها عليكم يقول الله فيها: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا﴾ [يونس:٢٦] أي: أحسنوا في عقيدتههم فكانت خالصة من الشرك، وأحسنوا في عقيدتهم فكانت صافية من شوائب البدع والخرافات؛ لأن العقيدة لا بد أن تكون صافية من أمرين: ليس فيها شرك ولا بدعة ولا خرافة، وإنما خالصة: توحيد لله، واتباع لرسول الله ﷺ ، وبعد ذلك أحسنوا في عبادتهم، فيعبدون الله على أفضل صورة، وأحسنوا في سلوكهم، وأخلاقهم، وتعاملهم، فماذا يحصل لهم وهم محسنون؟ قال الله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى﴾ [يونس:٢٦] ما هي الحسنى؟ قال العلماء: الحسنى هي: الجنة، والدليل: أنها جمعت كل شيء حسن، فكل ما خطر في بالك مما يتصوره عقلك ويذهب إليه خيالك من جميع الملذات والنعم، ففي الجنة أعظم منه، ويكفيك أن الله يقول: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٧] وليس بما كانوا يلعبون، أو يسمرون، أو يضيعون، لا.
﴿بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٧] فقد قطعوا لياليهم وأيامهم في طاعة الله، فيقول الله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى﴾ [يونس:٢٦] أي: الجنة، واحدة بواحدة، لكن بقي مكسب؟ ما هو؟ قال: (وزيادة)، فما هي الزيادة؟ قال الرسول ﷺ : (إنها النظر إلى وجه الله الكريم)، وهو أعظم نعيم يحل بأهل الجنة، وهل أعظم من أن تمتع بصرك بالنظر إلى وجه ربك وخالقك؟! الآن إذا جاء ملك أو وزير أو أمير، ومر من شارع أليس يتدافع الناس ويتسابقون، ويقفون في الشوارع يريدون أن يروه إذا مر، ويريدون أن يروا وجهه إذا عرض، لماذا؟ لأنه صاحب فضل عليهم، وهل هناك صاحب فضل أعظم من فضل الله عليك؟ خلقك من العدم، ورباك بالنعم، وأوجدك من لا شيء، ثم أرسل لك رسوله، وأنزل عليك كتابه، وهيأ لك جنته، ودعاك إلى عبادته، ثم سرت في طريقه حتى أسكنك جنته، وبعد ذلك وأنت في الجنة يتم عليك نعمته بأن تنظر إليه.
اللهم أنت الله لا إله إلا أنت يا حي يا قيوم! يا فارج الهم! يا كاشف الغم! يا أرحم الراحمين! نسألك باسمك الأعظم الذي إذا سئلت به أعطيت، وإذا دعيت به أجبت، أن تمتعنا وآباءنا وأمهاتنا وإخواننا وأخواتنا وجميع إخواننا المسلمين بالنظر إلى وجهك الكريم في الدار الآخرة، وأن تعتق رقابنا من النار، إنك ولي ذلك والقادر عليه.
قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦] وهذه الزيادة تأتي بعد تطمين الله لأهل الجنة، بأنهم يمرون على النار ﴿وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ﴾ [يونس:٢٦] والقتر هو: الإحراق، فإحراق النار يأتي منه قترة وعذاب شديد ﴿وَلا ذِلَّةٌ﴾ [يونس:٢٦] والذلة هي: الخزي؛ لأن عذاب النار ينقسم إلى قسمين: عذاب مادي وهو: الإحراق، وعذاب معنوي وهو: الذلة والانكسار الذي يحصل للإنسان في النار.
والنار كلها سيئة -نعوذ بالله وإياكم من النار وما فيها من العذاب- قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [يونس:٢٦].
стр. 276
جزاء من كسب السيئات في الدنيا والآخرة
﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ﴾ [يونس:٢٧] وهل السيئات مكسب؟ قال العلماء: ليست مكسباً، ولكن من باب التهكم والسخرية، فيسخر الله منهم ويتهكم بهم.
فهؤلاء المغفلون الذين عاشوا ستين أو سبعين سنة وهم يحملون ويكسبون على رءوسهم سيئات، فيكسب أحدهم من عينه سيئات فينظر إلى ما حرم الله، ويكسب من أذنه سيئات فيستمع إلى الأغاني وما حرم الله، ويكسب من لسانه سيئات فيتكلم في الغيبة والنميمة والسب والشتم واللعن وشهادة الزور ويمين الفجور، ويكسب من بطنه سيئات فيأكل ما حرم الله، ويكسب من فرجه فيقع في الزنا واللواط وما حرم الله، ويكسب من يده فيبطش فيما حرم الله، ويكسب من رجله فيمشي إلى ما حرم الله، فهذا يكسب ويجمع، فماذا يجمع؟ يجمع سيئات.
وأين تذهب السيئات؟ أتذهب إلى غيرك أم إليك؟ بل إليك، فأنت الذي أتيت بها، فهل نعطي الجماعة وهم ما فعلوا منها شيئاً؟ لا والله، فما معك إلا الذي معك، يقول الله: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ [فصلت:٤٦] وعندنا مثل في الجنوب -ويمكن أن أكثركم من أهل الجنوب- يقول: (ما غبر صبيح فعلى قرنه)، وصبيح عندنا هو: الثور، وسمي صبيحاً؛ لأن في جبهته بياضاً، فإذا جاء صبيح هذا إلى الحقل أو الزرع جاء إلى الجثوة، والجثوة هي: الدمن، أي: السماد الطبيعي، فيأتي يغرس قرنه ويخوض معركة مع الجثوة، ويأخذ هذا السماد وينطح به في السماء، ويحسب أنه يغبر على القبيلة وهو يغبر على رأسه.
وكذلك نحن نقول لصبيح المعاصي من البشر، نقول: يا صبيح المعاصي! ما عصيت من معصية فعلى قرنك، والله ما تضر أحداً، وما تضر الدولة، ولا الجماعة، ولا أمك، ولا أبوك ولكن تضر نفسك.
فإن كنت تحب نفسك؛ فتوقف عن المعاصي، وإن كنت تكره نفسك؛ فزود، قال تعالى: ﴿بَلِ الإنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ [القيامة:١٤].
قال الله : ﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ﴾ [يونس:٢٧] فماذا نعطيهم؟ أنعطيهم حسنات؟ معقول؛ لأن الذي يعمل السيئات ويتصور أن الله سيعطيه حسنات فهذا يتهم الله بأنه لا يعرف كيف يجازي عباده، لا.
قال: ﴿جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا﴾ [يونس:٢٧] خذ سيئة وأعط سيئة فليس هناك غير ذلك، وبعدها قال تعالى: ﴿وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ﴾ [يونس:٢٧] فلا يمنعهم من الله أحد.
وقد يقول شخص: أنا صاحب سيئات، ولكن عندي من يمنعني: فعندي جاه، وسلطة، وقوة، ومال، أيمنعك ذلك من ربي؟ والله لا يمنعك من الله أحد، ولكن الله يمنعك من كل أحد؛ لأن الله غالب على أمره، والتاريخ موجود أمامنا، فهل استطاع فرعون الذي ادعى أنه الرب ويقول: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص:٣٨] هل امتنع من الله؟ أبداً.
النمرود الذي يقول لإبراهيم: ادع ربك أن يخرج لي في الميدان، أريد أن أحارب ربك، فأين هو النمرود؟ ذهب، سلط الله عليه بعوضة دخلت من أنفه واستقرت في دماغه، وصارت تنتفض حتى ضربه عبد من عبيده في رأسه فشطره إلى نصفين وسقط نصف جناح البعوضة، فقال الله لها: أتريدين دية، أم تريدين جناحك؟ قالت: أريد دية، فكم الدية؟ قال: الأرض من يوم أن خلقتها إلى يوم أن أفنيها.
قالت: لا، بل أريد جناحي.
وجاء في الحديث: (لو أن الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء).
فمن يمتنع من الله؟ لا أحد.
يقول الله: ﴿مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ﴾ [يونس:٢٧] ثم بين الله حال وجوههم يوم القيامة، فأهل الإيمان -جعلنا الله وإياكم منهم- لا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة، وجوه مبيضة، ومسفرة، ضاحكة مستبشرة، فرحة بلقاء الله، تفرح بأن الله أنجاها من النار ووعدها بالجنة.
لكن أولئك قال الله فيهم: ﴿كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً﴾ [يونس:٢٧] الله أكبر! لا إله إلا الله! كيف يكون وجهه وليس قطعة بل قطع من الليل البهيم الأسود؟ قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران:١٠٦] تبيض وجوه أهل الإيمان والعمل الصالح، وتسود وجوه أهل الكفر والنفاق والفجور والمعاصي والعمل السيئ، قال تعالى: ﴿كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [يونس:٢٧].
стр. 277
ميزان الفلاح في الآخرة
أيها الإخوة: من كان يريد السعادة والفوز والفلاح؛ فلا بد له من أن يتأمل هذه القضية، وألا يتكل على شيء، إلا على رحمة الله، ثم إيمانه وعمله الصالح.
أما الاتكالات والمغالطات -والتي سوف آتي بها إن شاء الله في هذا الدرس- فنريد أن نضعها جانباً، وأن نعمل؛ لأن الميدان ميدان عمل، يقول الله: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ﴾ [الملك:٢] أكثر أموالاً، أو أرفع رتبة، أو أكبر جسماً، أو أقوى عضلاً كل هذا لا قيمة له.
تعال إلى صاحب أكبر رتبة في الدنيا إذا مات، وقل له: كيف أنت في رتبتك؟ يقول: لا شيء.
تعال إلى أكبر تاجر في الدنيا وعنده المليارات واسأله وقد وضع في التراب، وخرج من الدنيا، وليس معه إلا قطعة قماش من ماله كله، وقل له: ماذا نفعك المال؟ سيقول: لا شيء.
تعال لصاحب العضلات، والقوة، والرياضة، إذا لف في أكفانة ووضع في التراب، واسأله: أين عضلاتك؟ يقول: لم تغن عني شيئاً، فما الذي ينفعك هناك؟ قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [الملك:٢] ويقول: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [الكهف:٧] فالقضية قضية عمل، يقول النبي ﷺ لـ فاطمة: (يا فاطمة! سليني من مالي ما شئت، لا أغني عنك من الله شيئاً، فلا يأتيني الناس بأعمالهم وتأتيني بالنسب) فلا ينفع النسب، يقول الله: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ * فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المؤمنون:١٠١ - ١٠٢] فبم تثقل الموازين يوم القيامة؟ وما هي العملة الدارجة؟ وما هي الوحدة الوزنية يوم القيامة؟ فوحدة الكيلو، ووحدة الذهب، والريالات، والعمارات، والوظائف، والزوجات، والألوان، والجنسيات، كل هذه لا تنفع، فليس هناك إلا وحدة واحدة ربانية هي: العمل، قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣] فهذا الذي يوزن به الناس.
ولو كان عبداً حبشياً كأن رأسه زبيبة! ولو كان عبداً حبشياً، فـ بلال عبد حبشي يقول فيه النبي ﷺ : (إني لأسمع قرع نعليك في الجنة يا بلال!) وأبو لهب بن عبد المطلب قرشي هاشمي، وهو عم الرسول، يقول الله فيه: ﴿تَبَّتْ﴾ [المسد:١] أي: خسرت وخابت ﴿يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد:١] لماذا؟ ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا﴾ [المسد:٢ - ٥] أي: في عنقها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ، فلماذا ارتفع بلال الحبشي إلى أن أصبح سيد الصحابة؟ يقول عمر ﵁: [أبو بكر سيدنا وأعتق بلالاً سيدنا] عمر المخزومي الهاشمي القرشي يقول: إن بلالاً سيده.
ولماذا أصبح أبو لهب واسمه عبد العزى، أي: عبد الإله الذي كان يعبده الكفار، وسمي أبا لهب تشاؤماً، أي: أبو النار، فله نصيب منها قبل أن يدخلها، ومع أنه قرشي هاشمي، فلماذا تبت يداه؟ بسبب العمل، فليس عنده شيء من مؤهلات الآخرة.
стр. 278
التدبر في القصص القرآني
الذي يريد النجاة يلزمه أن يتدبر هذه القضية، ويلزمه بعد التدبر أمران: الأمر الأول: أن يمعن النظر في القرآن الكريم وفي السنة المطهرة، وأن يستقرئ التاريخ بدءاً بخلق آدم، وأمر الملائكة بالسجود له، وطاعة الملائكة وعصيان إبليس، وما ترتب على طاعة الملائكة وما ترتب على عصيان إبليس، ونهي الله لآدم من أكل الشجرة، وما ترتب على المخالفة من خروجه من الجنة، وتوبته بعد أن نزل إلى الدنيا، وما ترتب على التوبة من رجعته إلى الجنة.
ثم خذ الرسل والأنبياء، فقصصهم تاريخ واضح أخبرنا الله به في كتابه ، تقرءوه كأنما ترى القضايا مفصلة؛ لأن العرض القصصي في القرآن عرض واضح وأخاذ وجذاب، فتجده في سورة الأعراف بشكل، وفي سورة يونس بشكل، من أجل أن يعطيك عدة مناظر للحادثة، فتخرج كأنما هي مصورة أمامك.
стр. 279
قصة آدم ﵇ مع إبليس
يقول الله للملائكة: ﴿وإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٣٠] وبعد ذلك علم آدم الأسماء كلها، وبعد ذلك أمر الملائكة بالسجود له فقال: ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ * فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ [ص:٧١ - ٧٣] والملائكة الذين سجدوا هم عباد الله الذين يطيعون الله، ويسبحونه بالليل والنهار لا يفترون، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، فبطاعتهم ظلوا ملائكة مقربين عند الله ، إلا واحداً، وهو إبليس.
ولهذا فالطائعون في الأرض قدوتهم الملائكة، والعصاة قدوتهم إبليس، فهو المدير العام للعاصين، فإذا أردت أن تصير مع المدير العام فاعص الله.
وبعد ذلك ماذا كانت معصية إبليس؟ طلب منه أن يسجد: ﴿قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ * قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ﴾ [الحجر:٣٣ - ٣٤] يقول ابن القيم: يا قليل العزم! إبليس طرد من الجنة بذنب، وأنت عند الباب وعندك ألف ذنب تريد أن تدخل، وأبوك أخرج من الجنة وهو من أهلها بذنب، وأنت خارجها وعندك ألف ذنب.
فلا يمكن ذلك.
فلا بد من المراجعة مع هذه النفس الأمارة بالسوء.
فلما رفض أن يسجد، والله لا يعصى، فهل يعصى الملك في مملكته؟ أبداً، إذا صدر أمر من أي ملك أو رئيس دولة في مملكته؛ لزم الشعب تنفيذ أمره.
وهل يعصى المدير في إدارته؟ هل يعصى الرجل في بيته؟ لا.
فهل يعصى الله في خلقه، وسماواته وأرضه؟ لا يعصى.
لكن إبليس عصى، وقال: لا أسجد.
ولماذا لا تسجد؟ ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [ص:٧٦] والنار تأكل الطين وهذا قياس فاسد؛ لأن النار وسيلة إحراق، والطين وسيلة إعمار، فقال الله له: ﴿قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ * قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الحجر:٣٤ - ٣٦] يريد أن يستوفي ﴿قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ * إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ * قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لأزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر:٣٧ - ٣٩] لا إله إلا الله! ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الحجر:٤٠] الذين تشرفوا بعبوديتهم لك، فهؤلاء لا أقدر عليهم، قال الله له: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر:٤٢] لا تقدر عليهم، فهم في جنابي، ولاذوا بحماي، فليس لك عليهم سلطان، إلا من اتبعك، والذي يأبى إلا أن يمشي وراءك، وتوسوس له بالشر فيطيعك؛ فإن جنهم موعدهم أجمعين ﴿إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر:٤٢] ﴿قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُوماً مَدْحُوراً لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأعراف:١٨] أي: ستساق أنت ومن معك إلى جهنم.
لماذا؟ لأنهم ما تشرفوا بالعبودية لله ، فلما خرج إبليس من الجنة رأى أن المسألة فيها لعنة وطرد والسبب آدم، فجاء إليه ووسوس له: ﴿وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾ [الأعراف:٢٠] وقال له: ﴿هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ﴾ [طه:١٢٠] وهي في الحقيقة شجرة الخروج لا الخلد.
لكن انظر كيف قلب الحقائق، فجعل الأبيض أسود، فشجرة الخروج يقول عنها: إنها شجرة الخلد، فمثلاً حين يأتي الشيطان إلى الشخص الهادئ الجالس، فيقول له: أتريد أن ترى الدنيا؟ فأنت مهموم وعندك وساوس وأفكار.
قال: نعم.
قال: أتريد أن تنشرح وترى الدنيا كلها؟ قال: نعم.
قال: خذ هذه الحبة، أو هذه الجرعة من (الكوكايين) أو المخدرات، فسترى الدنيا كلها.
فإذا أخذ الجرعة وإذا برأسه يدور، وبعد فترة وإذا به مروج للمخدرات، وماذا بعد ذلك؟ قبضوا عليه، وأخرجوه، ونسفوا رأسه.
فمن الذي ورطه في هذا؟ إبليس ورطه كما ورط أباه، فقال: ﴿هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى﴾ [طه:١٢٠] فمسكين آدم ﵇ أحسن الظن بالشيطان؛ لأنه حلف له.
قال الله: ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأعراف:٢١] * ﴿فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ﴾ [الأعراف:٢٢] أي: بكيد وخديعة ومكر، فما كان آدم يتصور أن أحداً يحلف بالله كاذباً، فصدق الشيطان، ولهذا لا تصدق الشياطين من الإنس، فقد يأتي ويحلف لك: والله إني أريد مصلحتك، فهذا شيطان، يريد أن يدليك كما دلى أباك -والعياذ بالله-.
وبعد ذلك رجع آدم ﵇، قال الله: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه:١٢١] * ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ [طه:١٢٢] ثم بقيت سلسلة العمل بالخير والشر ممثلة في الناس إلى يوم القيامة، وتأتي نتائج الناس وثمرات أعمالهم واضحة.
стр. 280
قصة نوح ﵇ مع قومه
هاهو التاريخ أمامنا بدءاً بنوح ﵇، والذي بدأ دعوته في أمته ومكث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً، ومارس معهم جميع وسائل وأساليب الدعوة سراً وجهاراً، ليلاً ونهاراً، وبعد ذلك ذكرهم بنعم الله، وقال: إن الله أعطاكم ومنَّ عليكم ورزقكم، فاشكروا الله : ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً * مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً * وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً * أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً * وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجاً * وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنْ الأَرْضِ نَبَاتاً * ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجاً * وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ بِسَاطاً * لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلاً فِجَاجاً﴾ [نوح:١٠ - ٢٠] وبعد مزاولات وممارسات طويلة ومتنوعة في سبيل هدايتهم، رفضوا، قال : ﴿قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلاَّ خَسَاراً﴾ [نوح:٢١] ﴿إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً﴾ [نوح:٥] * ﴿فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلاَّ فِرَاراً﴾ [نوح:٦] * ﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ [نوح:٧] فإذا جاء ووقف بينهم وهم جالسون في مجموعات، وقال: اتقوا الله، واعبدوا ربكم، قالوا: ماذا تقول؟ ويجعلون أصابعهم في آذانهم، وبعد ذلك يأخذ الواحد منهم ثوبه أو إزاره ويغطي وجهه، ويقول: لا أريد أن أراك، ولا أريد أن أسمع كلامك ﴿وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَاراً * ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَاراً * ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ﴾ [نوح:٧ - ٩] أي: دعوتهم دعوة جهرية على الملأ ﴿وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً﴾ [نوح:٩] إلى آخر الآيات.
وبعد ذلك قال وقد دعا الله: ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً﴾ [نوح:٢٦] لكن ما قالها نوح -كما يقول المفسرون-: إلا بعد ممارسة؛ لأن بعض الناس الآن يدعو إلى الله مرة واحدة، فإذا لم يجد استجابة، يقول: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنْ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً﴾ [نوح:٢٦] يقول: أخي هذا ليس فيه خير، أو أبي هذا شرير ليس فيه خير، أو زوجتي هذه ليس فيها خير، كم سنة دعوتها؟ أدعوتها سنة، أو سنتين، أو ثلاثين سنة، أو تسعمائة وخمسين سنة؟ قال: لا.
كلمتهم في الدين فرفضوني، عجباً: إنها قضية مسلمة، كيف تريد من شخص يعيش على المعاصي مدة ثلاثين سنة أن تكلمه كلمة واحدة فيرجع إلى الله؟ شخص قضى من عمره في المعاصي يحتاج منك دعوة مدة ثلاثين سنة حتى يرجع إلى الله، أما بمجرد كلمة فلا يمكن أن تغير الناس بهذه الطريقة وبهذا الأسلوب وبهذه السهولة، فلا بد من الصبر، والمعاناة، وتغيير الأساليب، والتفنن والتنويع، حتى يهديه الله ، يقول الله: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف:٣٥].
فنوح ﵇ ما قصر في دعوته، فقد مكث تسعمائة وخمسين سنة لا تشغله إلا الدعوة إلى الله، ليلاً ونهاراً، سراً وجهاراً، بكل الأساليب، وبعد بذل الأسباب، وبعد معرفةٍ وصبرٍ وخبرة في أن هذه النوعية من البشر نوعية خبيثة لا يمكن أن تهتدي، قال: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً﴾ [نوح:٢٦] لماذا؟ قال: ﴿إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ﴾ [نوح:٢٧] من هم عباده الذين أسلموا؟ وكم عدد الذين أسلموا؟ قضى من عمره تسعمائة وخمسين سنة، فكم ثمرة هذه الدعوة؟ في أصح الروايات: أنهم بلغوا اثنا عشر رجلاً، فيقول نوح وهو خائف عليهم: يا رب! إذا ما أهلكت أولئك الكفار، فإن هؤلاء الاثني عشر سيضلون؛ لأن أولئك عندهم بالليل والنهار ليضلوهم: يا رب! نجّ هؤلاء الاثني عشر، أما البقية فأغرقهم ودمرهم، ولأنه لا يتصور أنه سيأتي منهم نسل طيب، قال: ﴿وَلا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِراً كَفَّاراً﴾ [نوح:٢٧] فهم سيئون وأولادهم فجرة كفار.
عندها استجاب الله دعوته، فقال الله له: ﴿اصْنَعِ الْفُلْكَ﴾ [المؤمنون:٢٧] وكان يصنع الفلك في صحراء وليس في بحر ﴿وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ﴾ [هود:٣٨] قالوا: ما هذه يا نوح؟! قال: هذه فلك، قالوا: أين البحر يا نوح! أتصنع فلكاً في الصحراء؟ فسخروا منه، وقالوا: تعالوا وانظروا إلى نبيكم هذا، أليس مجنوناً؟ أيصنع سفينة في الصحراء؟! ولكن كان عنده ثبات على دينه وعقيدته، وكان يقول: ﴿وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ﴾ [هود:٣٨] * ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [هود:٣٩] فاضحكوا الآن، لكن فيما بعد سترونها تجري في البحر.
هكذا أهل الإيمان يثبتون على دينهم ولا يتزعزعون لمجرد سخرية أهل الباطل، فأهل الباطل يسخرون منك، إذا رأوك أعفيت لحيتك، قالوا: (أوه مطوع معه لحية) فقل: نعم.
مطيع لله، وأقتدي برسول الله ﷺ .
لكن بعض الناس إذا قيل له: (مطوع) سكت وذهب يحلقها، تقول له: ماذا بك؟ قال: يا شيخ! كل من رآني قال: (مطوع) لا إله إلا الله! ألا تصبر على كلمة مطوع؟ والصحابة حلقوا رقابهم في سبيل الله، وأنت لا تصبر على كلمة (مطوع) أتريد الجنة وأنت لا تصبر على كلمة واحدة؟ فأين الإيمان؟ لا إله إلا الله! ولما انتهى من صنع الفلك، قال الله له: ﴿فَاسْلُكْ فِيهَا﴾ [المؤمنون:٢٧] أي: أركب جماعتك، خذ معك ﴿مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [المؤمنون:٢٧] من جميع المخلوقات: من الحيوانات، والسباع، والطيور؛ لأن الأرض ستنتهي كلها.
فالحياة فنيت في عهد نوح إلا من ركب السفينة، وما بقي في الأرض أحد من الناس، والطيور والهوام والسباع والوحوش.
فأخذ معه من كل زوجين اثنين ذكر وأنثى، من أجل أن يستمر التوالد وتستمر الحياة.
وبعد ذلك قال الله : ﴿وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾ [المؤمنون:٢٧] وبعد ذلك ركبوا في السفينة، ولما استقروا فيها، قال الله : ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ [القمر:١١] * ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً﴾ [القمر:١٢] أي: فجر الله الأرض عيوناً، وحتى التنور الذي يوقد فيه النار، هل يتوقع أن يخرج منه ماء؟ فيصبح مكان النار ماءً؟ قال الله : ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ﴾ [هود:٤٠] فار التنور بالماء، قال الله : ﴿فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ [القمر:١٢] أي: فالتقى ماء السماء مع ماء الأرض على أمر قد قدره الله ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ﴾ [القمر:١٣] الدسر أي: المسامير ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾ [القمر:١٤] هذه السفينة سفينة ربانية لا تجري بالذرة، ولا بالفحم الحجري، ولا بالديزل ولا بالبنزين ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾ [القمر:١٤].
وبعد ذلك يشفق نوح وتنتابه عاطفة الأبوة، ويقول لربه : ﴿رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ [هود:٤٥] وأنت قد قلت: وأهلك، ظن نوح أن الأهلية هنا: أهلية النسب، وأنه جمع أولاده وما علم أن الأهلية هي: أهلية العقيدة والدين، فقال: ﴿إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ﴾ [هود:٤٥] وأنت وعدتني بنجاة أهلي، وولدي رفض أن يركب، وقلت له: ﴿ارْكَبْ مَعَنَا﴾ [هود:٤٢] قال: ﴿سَآوي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ﴾ [هود:٤٣] فيا رب! لا تغرقه؛ لأنه من أولادي، قال الله: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود:٤٦] فما الذي أهلكه؟ عمله الغير صالح، وما الذي نجى نوحاً والاثني عشر معه؟ العمل الصالح.
فتدمير وإغراق كامل للكون والحياة من أجل الكفر، وإعمار ونجاة لسفينة تجري بعين الله من أجل الإيمان والعمل الصالح، ثم بعد نوح خذ سلسلة الأنبياء: فرعون وما عمل الله به من إغراق، فروحه إلى النار، وجسمه إلى الغرق، فقصة هود مع قومه، وصالح مع قومه، وشعيب مع قومه، وموسى مع بني إسرائيل وفرعون، وعيسى مع قومه، ومحمد ﷺ مع الكفار في مكة، فماذا حصل لأقوامهم؟ دمر الله عليهم.
في غزوة بدر الفاصلة، وقف النبي ﷺ على القليب؛ وهو حفرة فيها مجموعة من رءوس الكفر عقبة بن أبي معيط وأبو جهل وأمية بن خلف، وهم الرءوس الكبار، فوقف عليهم وقال: (هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقاً، أما أنا فقد وجدت ما وعدني ربي حقاً، فقال الصحابة: يا رسول الله! أتخاطب قوماً قد ماتوا؟ قال: والذي نفسي بيده! إنهم لأسمع لكلامي منكم) فما الذي ذهب بهم إلى
стр. 281
استعراض القرآن لنتائج الأعمال
ثم استعرض بعد ذلك كلام الله فيما يتعلق بالأعمال، من أول البقرة إلى آخر الناس، تجد باستمرار أنه ليس هناك شيء يحصل إلا بالعمل، قال الله من أول البقرة: ﴿آلم ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة:٢ - ٥] فبماذا كانوا على هدىً من ربهم ومفلحين؟ بست خصال: يؤمنون بالغيب، ويقيمون الصلاة، وينفقون، ويؤمنون بما أنزل إليك، ويؤمنون بما أنزل من قبلك ويوقنون بالآخرة، فهذه خصالهم التي استحقوا بها أن يكونوا من أهل الهدى والفلاح في الدنيا والآخرة.
ثم انتقل بعدهم إلى الكفار، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ ءأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة:٦] لماذا؟ ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [البقرة:٧] لماذا ختم الله عليهم؟ قال: لأنك لو أنذرتهم أو لم تنذرهم لا يؤمنون، فلا ينفع فيهم، قلوبهم مقفلة ومنكوسة -والعياذ بالله-.
ثم جاء على المنافقين، وهم: الذين يلعبون على الحبلين، فيأخذون من الكفر أعماله، ويأخذون من الدين أقواله، والقول لا ينفع من دون عمل، قال الله: ﴿وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ * فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمْ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [البقرة:٨ - ١٠].
ثم استمر في العرض، فتأتي بأول سورة الأنفال، يقول الله : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال:٢ - ٤] ويقول الله : ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ﴾ [التوبة:٧١] فانظروا متى جاءت الرحمة؟ جاءت بعد هذه الأعمال الخمسة: يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ويقيمون الصلاة، ويؤتون الزكاة، ويطيعون الله ورسوله، أولئك سيرحمهم الله.
ويقول في أول سورة المؤمنون: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون:١] بماذا أفلحوا؟ ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ [المؤمنون:٢ - ٥] إلى آخر الآيات.
المهم، لو استعرضت معكم كل القرآن على هذا النحو، نرى أن الله يرتب الجزاء على فعل العبد.
стр. 282
استعراض السنة لنتائج الأعمال
نأتي إلى السنة، وهي الوحي الثاني، التي قال فيها النبي ﷺ : (عليكم بسنتي) وقال: (تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبداً: كتاب الله وسنتي) وقال: (تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك: كتاب الله وسنتي) وقال: (ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه) أي: السنة، فهذه السنة تأتي فيها فتجد الأحاديث فيها شاملة، وملفتة للنظر، فكل شيء مرتب على الإيمان والعمل الصالح، فأحياناً يكون العمل واحداً لكن القصد يختلف؛ فتختلف النتيجة.
في الصحيحين من حديث عمر ﵁، لما هاجر الصحابة إلى المدينة هاجر أناس لهم أغراض، فشخص هاجر من أجل أن يتزوج أم قيس، وشخص هاجر من أجل تجارة، قال: الناس ذهبوا وأنا سوف أذهب أبيع وأشتري معهم، وهم في الظاهر مهاجرون.
ولكنهم في الباطن مختلفين، قال النبي ﷺ : (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه) فهذا ذهب يريد أن يتزوج؛ فيقال له: تزوج، ولكن ليس لك شيء عند الله، وهذا ذهب يتاجر؛ فيقال له: تاجر، لكن ليس له شيء عند الله.
لكن هذا ترك ماله وخرج من بيته مهاجراً إلى الله، هذا له الشيء العظيم عند الله .
وهكذا كل الأحاديث على هذا النحو.
وأذكر لكم حديثاً واحداً فيه عبر، وهو حديث في الصحيحين، قال ﵊ وهو يحكي لنا خبر من كان قبلنا من الأمم، قال: (كان فيمن كان قبلكم من الأمم ثلاثة، خرجوا في سفر، فآواهم المبيت إلى جبل، فدخلوا في غار ليبيتوا، وحينما ناموا، انطبقت عليهم صخرة من الجبل فسدت عليهم باب الغار، فلا يستطيعون الخروج) ولا يوجد هاتف ولا دفاع مدني، ولا يوجد إلا صخرة لا يزحزحها إلا مئات الرجال، فما يفعل لها ثلاثة نفر؟ لا يقدرون على شيء، فكان أحدهم عاقلاً فقال: (إنه لا ينجيكم مما أنتم فيه إلا الله، فادعوا الله بصالح أعمالكم) الله أكبر! لو تقال هذه الكلمة لنا -أيها الإخوة- أو لو يحصل هذا لي أو لكم -ولا ننفي الخير عن العباد، ولكن هذا حال معظمنا- ماذا نقول لله ؟ وبإي شيء ندعو الله؟ لا إله إلا الله! فالأول وقف، وسأل الله، قائلاً: (اللهم إنه كان لي ابنة عم وكنت أحبها كأشد ما يحب الرجال النساء، وراودتها مراراً وكانت تمتنع عليَّ وآوتها الحاجة يوماً إلى الاقتراض مني، فقلت لها: لا أعطيك حتى تخلي بيني وبين نفسك، فأطاعته مضطرة لا مختارة، يقول: فلما قعدت منها مقعد الرجل من زوجته، قالت لي: يا هذا! اتق الله) الله أكبر! هذه الكلمة ما أعظمها في القلوب المؤمنة، هذه الكلمة تهز القلوب من الداخل، كان عمر إذا قيل له: اتق الله يمرض أسبوعاً، لكن من الناس من تقول له: اتق الله، فكأنك نفخته ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْأِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [البقرة:٢٠٦] فهذا المنتفخ تكفيه جهنم، قالت له: (يا هذا! اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه، قال: فقمت وتركتها) وطبيعي أن هذه القضية -أيها الإخوة- سهلة في الذهن، ولكن في التطبيق العملي لا يعملها إلا من كان عنده من الإيمان مثل الجبال الراسيات؛ لأنه في تلك اللحظات يضيع العقل، ويعمى البصر، وتطغىالشهوة على الإنسان، وينسى حتى النار، وينسى الله، ولا يستحضر أن الله يراه.
لكن هذا مؤمن، لما سمع كلمة اتق الله، غلبت عليه مخافة الله وطغت على شهوته، وألغى حبه، ورغبته في ممارسة الجريمة، قال: (اللهم إن كنت تعلم أني تركتها من أجلك فارفع عنا ما نحن فيه، فتحركت الصخرة) من الذي حركها؟ الله، وذلك بسبب العمل، لكنهم لا يستطيعون الخروج، فرأوا النور ولكن الفتحة صغيرة فلا يستطيع أحد أن يخرج.
فقام الثاني وقال: (اللهم إنه كان لي أبوين كبيرين في السن، وكنت لا أغبق قبلهما زوجة ولا ولداً -أي: ما أعطي لبناً ولا عشاء لأحد قبلهم- ورعيت يوماً إبلي فنأى بي المرعى بعيداً -يعني: ما وجدت مرعىً إلا في مكان بعيد- يقول: ثم عدت آخر الليل وقد ناما، فحلبت غبوقهما -أي: اللبن- وكرهت أن أوقظهما، وجلست واقفاً على قدمي والقدح في يدي، وحولي صبية يتضاغون من الجوع -أولاده يبكون من الجوع- فقلت: والله لا أغبقكم إلا بعدهما، حتى برق الفجر) لا إله إلا الله! طول يومه وهو على رجله يرعى؛ لأن الرعي ليس سهلاً، وأشق مهنة هي: مهنة الرعي، فلا يجلس لحظة إلا ويطرد ويحد ويعد، وحين رجع لم ينم، بل ظل واقفاً، ولو أيقظهما للعشاء لما أزعجهما، لكنه حساس، وله قلب عظيم، وعنده تقوى، وبر، فيقول: لا أيقظهما من النوم، ولا أعطي أولادي قبلهما، فترك امرأته وأولاده جياعاً إلى أن جاء الفجر- قال: (اللهم إن كنت تعلم أني فعلت ذلك من أجلك فارفع عنا ما نحن فيه، فتحركت الصخرة) أين أبناؤنا وبناتنا من هذا الحديث؟ أين هم؟ كيف يفرطون في باب وطريق موصل إلى الجنة عن طريق الوالدين، فإذا كان عندك أم أو أب أو الاثنين معاً فاسلك إلى الجنة عن طريق برهما؛ لأن البر من أعظم القربات، والعقوق من أكبر الكبائر.
ورد في الصحيحين من حديث أبي بكر ﵁، قال: قال النبي ﷺ : (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر، قلنا: بلى يا رسول الله! قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين) فقرن الله عقوق الوالدين بالشرك، وقرن برهما بطاعته، فقال: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان:١٤] وقال : ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ [النساء:٣٦] وقال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ [الإسراء:٢٣] فلا تضيع هذا الباب وتصرخ في أبيك أو أمك.
ويقول بعض الشباب: أبي سيئ، أو ليس جيداً.
عجيب! إذن تذهب إلى أي معرض ونبدل أباك ونعطيك واحداً وفق هواك.
ليس معك إلا أبوك، وليس لك طريق إلى الجنة إلا عن طريقه، حتى ولو كان كافراً! ولو كان كافراً أما أمر الله بطاعة الأب وإن كان كافراً؟ قال الله : ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا﴾ [لقمان:١٥] أي: بالشرك، ثم قال: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً﴾ [لقمان:١٥] فإذا كان لك أب مشرك أو كافر وأمرك بالكفر فلا تطعه، ولكن صاحبه بالمعروف، وأنفق عليه، واعمل له كل شيء، لماذا؟ لأنه سبب وجودك في هذه الحياة.
وبعد ذلك فالجزاء لك من جنس عملك مع أبيك، فكما تكيل لأبيك يكيل لك ولدك ويزيد، وفي الحديث: (بروا آباءكم تبركم أبناؤكم) وكما تدين تدان.
(فقام الثالث وقال: اللهم إنه كان لي أجراء -أي: عمال عملوا عندي بأجر- فأعطيت كل واحد أجره، إلا واحداً ترك أجره وذهب، فنميته، حتى صار وادياً من الإبل ووادياً من البقر ووادياً من الغنم، ثم جاءني بعد زمن, فقال: إني كنت قد عملت عندك قبل سنوات، وتركت أجري عندك، وأنا الآن بحاجة إليه؛ فأعطني أجرتي، فقلت له: إن ما ترى من هذه الأودية المملوءة بالمواشي والأنعام هي لك، قال: أتهزأ بي، قال: لا والله لا أهزأ بك ولكنها لك، فقد نميت لك أجرتك، وبارك الله فيها، قال: فاقتداها واستاقها فلم يترك منها شعرة واحدة.
اللهم إن كنت تعلم أنني صنعت ذلك خوفاً منك فافرج عنا ما نحن فيه، فتحركت الصخرة، وخرجوا يمشون).
ونقول لأصحاب المؤسسات، والشركات، والأعمال الذين يستأجرون ويستعملون العمال، ويعطلون حقوقهم، ويؤخرون أجورهم، ففي بعض المؤسسات تمر الأشهر ولا تدفع أجور العمال، لماذا؟ حتى يتركها في البنك فتزيد، ثم يدفع لهم فيما بعد من أرباحها الربوية، وإذا اشتكى العامل في مكتب العمل؛ يأتي به صاحب العمل ويقول: هذا خروج نهائي بدون عودة؛ لأنك مشاغب، فسترى ما سنفعل بك.
أقول: أنت ستريه لكن الله سيريك ما سيفعل بك.
إذا استطعت على الناس فاعلم أن الله يستطيع عليك، فهذا العامل مسكين، له زوجة، وأولاد، وطموحات، وآمال، ويريد أرضية في بلده، ويريد أن يبني له بيتاً، وعنده مثلما عندك، لماذا تستغله وتمتهنه وتحتقره وتمارس عليه ضغطاً؟ وتؤخر أجره؟ لماذا تلزمه نهاية كل شهر أو عندما تجدد إقامته تأخذ منه خمسة أو ثلاثة آلاف؟ بأي حق؟ قال رسول الله ﷺ : (كل المسلم على المسلم حرام: دمه، وماله، وعرضه) فما هذه الممارسات؟ وما تجارة الرقيق هذه؟ لماذا تتاجر في أحرار؟ ألأن الله جعل يدك العليا؟ ألأن الله جعلك صاحب المؤسسة؟ كان بالإمكان أن تكون أنت عاملاً عنده في بلده، وكان بالإمكان أن تكون أنت الفقير وهو الغني، لكن الله فضلك، أفيليق بك وقد فضلك الله أن تعامل الله بهذا الأسلوب، في امتهان عباد الله واحتقارهم؟ إنه لا يجوز ذلك لك، يقول الله: (يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا) فالظلم ظلمات يوم القيامة، والله يقتص يوم القيامة للشاة الجلحاء من ذات القرن، والحديث في الصحيحين، فإن الله يخلق الشاة ومعها قرن، ويخلق الشاة الأخرى وليس معها قرون، فتأتي ذات القرن وتنطح الأخرى والقرن ليس منها، فمن أعطاها القرن؟ هل هي اشترته من السوق؟ فهذا القرن من الله، تأتي التي ليس عندها قرن وتنطحها في بطنها.
فهذه النطحة عند الله، ويوم القيامة يقتص لها، والحديث كما يقول العلماء: إن فيه إشارة إلى أن من الناس من يستعمل قرنه مثل الشاة، فهو ليس معه قرن ولكن معه مال، فيستعمل المال لينطح به من ليس عندهم مال.
وهو إنسان لكن معه منصب، فق
стр. 283
الحذر من المغالطات والفهم الخاطئ لبعض الأمور
أنا قلت لكم: لا بد من أمرين: الأمر الأول: أن نتأمل كتاب الله وسنة رسول الله، لنعرف كيف رتب الله الجزاء في الدنيا والآخرة على العمل.
الأمر الثاني: أن يحذر العبد من بعض المغالطات، والخدع، والأماني، والأوهام، التي يزينها الشيطان ليخدعك بها؛ من أجل أن تعتمد على هذه الخدع وتترك العمل، فيغمسك إلى أذنيك في النار.
والله قد بين كما سمعتم، والرسول بين، أنه لا ينفع إلا العمل، واسمعوا آية في سورة آل عمران يقول الله فيها: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ﴾ [آل عمران:٣٠] أي: من معاصٍ محضرة، لكن ماذا؟ ﴿تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً﴾ [آل عمران:٣٠] أي: إذا جاء يوم القيامة والمعاصي أمامه يتمنى أن بينه وبينها أمداً بعيداً، لكنها ملاصقة له، بل على ظهره وكتفه، يقول الله: ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ﴾ [الأنعام:٣١] أي: ذنوبهم.
أين يحملونها؟ ﴿عَلَى ظُهُورِهِمْ﴾ [الأنعام:٣١] ﴿وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [النحل:٢٥] أي: إذا كان هو داعية ضلال فيحمل أوزاره وأوزار كل من أضله فإذا كان مغنٍ؛ فيحمل وزر الغناء، وكل من ضل عن طريق الله بالغناء فأوزارهم على ظهره.
وإذا كان يبيع اسطوانات وأشرطة، فيحمل وزره ويحمل وزر كل من اشترى شريطاً من هذا الدكان.
وإذا كان يبيع أفلام الفيديو؛ فيحمل وزره ووزر كل من ضل بسبب أي شريط بيع من هذا الدكان.
وإذا كان يبيع الدخان؛ فيحمل وزر الدخان وكل من شرب (سيجارة) واحدة من هذا الدخان، يقول الله: ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ﴾ [الأنعام:٣١] وإذا كان يؤجر دكانه على صالون حلاقة، أو هو نفسه فتح مؤسسة واستورد الحلاقين، ونحن لا تنقصنا المعاصي حتى نأتي بشخص يجلد لحى المسلمين، ويسميه: صالون جنة النعيم، ورأيت مرة في أحد الإعلانات: صالون اللحية الغانمة، والله ما هي بغانمة، لحية تحت رجل الحلاق ما هي بغانمة، ولحية يكنسها الحلاق ما هي بغانمة، ولحية يضعها في صندوق القمامة ويدعو عامل البلدية ويقول له: اكنس هذه اللحى، ما هي بغانمة، أين اللحية الغانمة؟ هي التي تكون في وجهك، أما حين تحلقها عند الحلاق أو في الحمام وتذهب مع مياه التصريف فهذه ما هي بغانمة، ثم يقول: نعيماً.
الله لا ينعم عليك، نعيماً على ماذا؟ تحلق لحيتي وتأخذ مالي وتقول: نعيماً، لا.
إنه عذاب أليم -والعياذ بالله-.
فإذا فتحت دكان حلاقة أو أجرت على حلاق؛ فما من لحية تحلق هنا إلا وعليك إثم حلقها إلى يوم القيامة، ولو لحيتك ملء وجهك، ولكنك حلقت لحى المسلمين، وفتحت قلعة لمحاربة سنة النبي ﷺ .
فانتبه! ولا تعتمد إلا على العمل، يقول الله: ﴿وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً﴾ [آل عمران:٣٠] فهي فوق ظهره وهو يقول: يا ليت المعاصي ليست معي، لكن لا والله، فقد كانت معك في الدنيا فهي معك في الآخرة، ولو أنك ابتعدت عنها هنا؛ لأبعدها الله عنك في الآخرة.
لكن ما دامت معك هنا فكيف تريدها أن تبتعد عنك هناك؟ لا.
فرفيقك رفيقك، وعملك عملك، إن كان عملاً صالحاً فهو معك، وإن كان سيئاً فهو معك، قال الله : ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران:٣٠].
والمغالطات -أيها الإخوة- كثيرة، سوف أذكرها لكم باختصار:
стр. 284
المغالطة الأولى: الاعتماد على سعة رحمة الله ومغفرة الله بدون عمل
تأتي عند العاصي المقيم على المعاصي إلى رأسه، وتقول له: اتق الله! يقول لك: ربنا غفور رحيم، هذا مستهزئ بالله، وعاجز، ومغرور ومخادع، فالله غفور رحيم لمن تاب وأناب ورجع إلى الله، يقول الله : ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣] ثم قال: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ﴾ [الزمر:٥٤] أي: إن كنتم تريدون أن يغفر الله لكم؛ فأنيبوا إلى الله، ثم قال: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الزمر:٥٥] ويقول: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ﴾ [طه:٨٢] فليس غفاراً لمن داوم على المعاصي، ويقول: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ [الحجر:٤٩ - ٥٠] قال العلماء: غفور رحيم لمن تاب، وعذاب أليم لمن استمر على المعاصي، ويقول : ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف:١٥٦] قال الشيطان: أدخل في الرحمة هذه، وقال اليهود والنصارى: ونحن كذلك، قال الله: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا﴾ [الأعراف:١٥٦] فالرحمة واسعة ولكني أكتبها لمن تتوفر فيه أربعة عشر شرطاً: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف:١٥٦] * ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف:١٥٧] فهذه أربعة عشر شرطاً -لا نقدر عليها إلا أن يشاء الله- من أجل أن ندخل في رحمة الله.
أما أن نقيم على المعاصي ونقول: رحمة الله، فلا يجوز ولا يمكن أبداً، فلا تعتمد على رحمة الله إلا إذا عملت؛ لأن العمل مؤهل، لكن القبول برحمة الله، والعمل مؤهل لكن دخول الجنة برحمة الله، قالوا: يا رسول الله! وهو يقول لهم: (لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته) الرسول ﷺ يطمع في رحمة الله، وهل هناك في الدنيا أعبد من الرسول؟! كان يقوم الليل حتى تتشقق قدماه، وبعد ذلك يطمع في رحمة الله، وأنت وأنا نطمع في رحمة الله ونحن مقيمون على الذنوب والمعاصي، لا.
فأول مغالطة: اعتماد الناس على رحمة الله وسعة عفوه ومغفرته وهم مقيمون على الذنوب، هذه مغالطة، إذا أردت المغفرة والرحمة، فأقلع عن الذنب، فهذه أول واحدة.
стр. 285
المغالطة الثانية: الاعتماد على حسن الظن بالله ارتكاب المعاصي
لحديث صحيح، وهو حديث قدسي: (أنا عند حسن ظن عبدي بي، فليظن بي عبدي ما شاء) قال العلماء: حسن الظن يقتضي حسن العمل، فالمؤمن يحسن الظن بأن الله لن يضيع عمله؛ فيعمل صالحاً، لكن أن يحسن الظن بالله ويرتكب المعاصي، فهذا سوء ظن بالله.
الآن أنا أضرب لكم مثالاً: الموظف الذي يحسن الظن بمديره أن يرقيه ويتيح له فرصاً من انتدابات، ودورات، وترقيات، ما الذي يلزمه؟ يلزمه حسن العمل، دوام مبكر، انصراف متأخر، تواجد مستمر، أداء متميز، طاعة مطلقة، أي: يلزمه أن يكون موظفاً مثالياً، وبعد ذلك لو جاءت أي فرصة فيحسن الظن بالمدير.
لكن أن يكون موظفاً فاشلاً، لا يداوم إلا الساعة العاشرة، وإذا دخل والأوراق على الطاولة أدخلها في الأدراج، وقال: يا ولد! هات قهوة وهات شاهي، وذهب وأتى بفول وطعمية، وقال: أغلق الباب واتركنا نفطر.
فيفطر وكأنه قد عمل إلى أن تعب، وهو ما قد أنجز ولا معاملة، ثم أخذ (السيجارة) وأشعلها، ثم يكلم زميله في الهاتف قائلاً: أين سمرت البارحة؟ وأين ذهبت؟ وبعد ذلك دعا السكرتير قائلاً: أين (الجرائد)؟ وما هي أخبار المباريات أمس؟ وما هي أخبار الأفلام والفن؟ إلى أن يؤذن الظهر وهو لم ينجز ولا معاملة، وآخر اليوم إذا أذن الظهر صلينا، وركب سيارته وذهب.
فالمدير لا يعرف هذا الموظف الفاشل، ما رأيك حين تأتي عنده يقول: أنا أحسن الظن بالمدير أنه سيرقيني، فهل هذا وارد؟ وإذا رقاه المدير، ماذا يكون هذا المدير؟ فاشل مثله.
فالمدير لا يرقي إلا الموظف المجتهد، أما الموظف البطال فلا.
-ولله المثل الأعلى- فحسن الظن بالله، أنك إذا أحسنت ظنك بالله في أن يغفر لك، فاعمل عملاً صالحاً من أجل أن يغفر الله لك، يقول الحسن البصري: [إن قوماً غرهم حسن الظن بالله حتى خرجوا من الدنيا ولا حسنة لهم، يقولون: نحسن الظن بالله، كذبوا.
والله لو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل!].
أما إحسان الظن بالله مع المعاصي، فهذا يسميه العلماء: عجز، والعاجز قد أخبر به النبي ﷺ والحديث في سنن الترمذي، يقول ﵊: (الكيس -العاقل الفطن الأريب- من دان نفسه) دانها أي: جعلها مدينة له، واستعلى عليها وانتصر عليها.
فإن كانت نفسه تحب الأغاني، يقول: لا.
وإن كانت تحب النظر إلى الحرام، يقول: لا.
وإن كانت تحب النوم عن صلاة الفجر، يقول: لا.
فدان نفسه حتى أصبحت مثل الدابة الذلول، لكن بعض الناس حمار نفسه، يريد أن يقوم ليصلي، فتقول نفسه: نم، قال: حسناً، وركبت عليه، وبال الشيطان في أذنيه.
أو يريد أن يترك سماع الأغاني، فتقول نفسه: يا شيخ! اسمع، قال: حاضر، فهذا حمار نفسه (الكيس -العاقل- من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني).
إذن فمن المغالطات: أولاً: مغالطة الاعتماد على الرحمة بدون التوبة.
ثانياً: الاعتماد على حسن الظن بالله مع إساءة العمل.
следующие страницы →