← Джавами‘

Джавами‘ · id 7736

دروس للشيخ سعيد بن مسفر

سعيد بن مسفر

Полный текст (2 982 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

استعراض القرآن لنتائج الأعمال ثم استعرض بعد ذلك كلام الله فيما يتعلق بالأعمال، من أول البقرة إلى آخر الناس، تجد باستمرار أنه ليس هناك شيء يحصل إلا بالعمل، قال الله من أول البقرة: ﴿آلم ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة:٢ - ٥] فبماذا كانوا على هدىً من ربهم ومفلحين؟ بست خصال: يؤمنون بالغيب، ويقيمون الصلاة، وينفقون، ويؤمنون بما أنزل إليك، ويؤمنون بما أنزل من قبلك ويوقنون بالآخرة، فهذه خصالهم التي استحقوا بها أن يكونوا من أهل الهدى والفلاح في الدنيا والآخرة. ثم انتقل بعدهم إلى الكفار، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ ءأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة:٦] لماذا؟ ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [البقرة:٧] لماذا ختم الله عليهم؟ قال: لأنك لو أنذرتهم أو لم تنذرهم لا يؤمنون، فلا ينفع فيهم، قلوبهم مقفلة ومنكوسة -والعياذ بالله-. ثم جاء على المنافقين، وهم: الذين يلعبون على الحبلين، فيأخذون من الكفر أعماله، ويأخذون من الدين أقواله، والقول لا ينفع من دون عمل، قال الله: ﴿وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ * فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمْ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [البقرة:٨ - ١٠]. ثم استمر في العرض، فتأتي بأول سورة الأنفال، يقول الله : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال:٢ - ٤] ويقول الله : ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ﴾ [التوبة:٧١] فانظروا متى جاءت الرحمة؟ جاءت بعد هذه الأعمال الخمسة: يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ويقيمون الصلاة، ويؤتون الزكاة، ويطيعون الله ورسوله، أولئك سيرحمهم الله. ويقول في أول سورة المؤمنون: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون:١] بماذا أفلحوا؟ ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ [المؤمنون:٢ - ٥] إلى آخر الآيات. المهم، لو استعرضت معكم كل القرآن على هذا النحو، نرى أن الله يرتب الجزاء على فعل العبد.

стр. 282

استعراض السنة لنتائج الأعمال نأتي إلى السنة، وهي الوحي الثاني، التي قال فيها النبي ﷺ : (عليكم بسنتي) وقال: (تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبداً: كتاب الله وسنتي) وقال: (تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك: كتاب الله وسنتي) وقال: (ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه) أي: السنة، فهذه السنة تأتي فيها فتجد الأحاديث فيها شاملة، وملفتة للنظر، فكل شيء مرتب على الإيمان والعمل الصالح، فأحياناً يكون العمل واحداً لكن القصد يختلف؛ فتختلف النتيجة. في الصحيحين من حديث عمر ﵁، لما هاجر الصحابة إلى المدينة هاجر أناس لهم أغراض، فشخص هاجر من أجل أن يتزوج أم قيس، وشخص هاجر من أجل تجارة، قال: الناس ذهبوا وأنا سوف أذهب أبيع وأشتري معهم، وهم في الظاهر مهاجرون. ولكنهم في الباطن مختلفين، قال النبي ﷺ : (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه) فهذا ذهب يريد أن يتزوج؛ فيقال له: تزوج، ولكن ليس لك شيء عند الله، وهذا ذهب يتاجر؛ فيقال له: تاجر، لكن ليس له شيء عند الله. لكن هذا ترك ماله وخرج من بيته مهاجراً إلى الله، هذا له الشيء العظيم عند الله . وهكذا كل الأحاديث على هذا النحو. وأذكر لكم حديثاً واحداً فيه عبر، وهو حديث في الصحيحين، قال ﵊ وهو يحكي لنا خبر من كان قبلنا من الأمم، قال: (كان فيمن كان قبلكم من الأمم ثلاثة، خرجوا في سفر، فآواهم المبيت إلى جبل، فدخلوا في غار ليبيتوا، وحينما ناموا، انطبقت عليهم صخرة من الجبل فسدت عليهم باب الغار، فلا يستطيعون الخروج) ولا يوجد هاتف ولا دفاع مدني، ولا يوجد إلا صخرة لا يزحزحها إلا مئات الرجال، فما يفعل لها ثلاثة نفر؟ لا يقدرون على شيء، فكان أحدهم عاقلاً فقال: (إنه لا ينجيكم مما أنتم فيه إلا الله، فادعوا الله بصالح أعمالكم) الله أكبر! لو تقال هذه الكلمة لنا -أيها الإخوة- أو لو يحصل هذا لي أو لكم -ولا ننفي الخير عن العباد، ولكن هذا حال معظمنا- ماذا نقول لله ؟ وبإي شيء ندعو الله؟ لا إله إلا الله! فالأول وقف، وسأل الله، قائلاً: (اللهم إنه كان لي ابنة عم وكنت أحبها كأشد ما يحب الرجال النساء، وراودتها مراراً وكانت تمتنع عليَّ وآوتها الحاجة يوماً إلى الاقتراض مني، فقلت لها: لا أعطيك حتى تخلي بيني وبين نفسك، فأطاعته مضطرة لا مختارة، يقول: فلما قعدت منها مقعد الرجل من زوجته، قالت لي: يا هذا! اتق الله) الله أكبر! هذه الكلمة ما أعظمها في القلوب المؤمنة، هذه الكلمة تهز القلوب من الداخل، كان عمر إذا قيل له: اتق الله يمرض أسبوعاً، لكن من الناس من تقول له: اتق الله، فكأنك نفخته ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْأِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [البقرة:٢٠٦] فهذا المنتفخ تكفيه جهنم، قالت له: (يا هذا! اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه، قال: فقمت وتركتها) وطبيعي أن هذه القضية -أيها الإخوة- سهلة في الذهن، ولكن في التطبيق العملي لا يعملها إلا من كان عنده من الإيمان مثل الجبال الراسيات؛ لأنه في تلك اللحظات يضيع العقل، ويعمى البصر، وتطغىالشهوة على الإنسان، وينسى حتى النار، وينسى الله، ولا يستحضر أن الله يراه. لكن هذا مؤمن، لما سمع كلمة اتق الله، غلبت عليه مخافة الله وطغت على شهوته، وألغى حبه، ورغبته في ممارسة الجريمة، قال: (اللهم إن كنت تعلم أني تركتها من أجلك فارفع عنا ما نحن فيه، فتحركت الصخرة) من الذي حركها؟ الله، وذلك بسبب العمل، لكنهم لا يستطيعون الخروج، فرأوا النور ولكن الفتحة صغيرة فلا يستطيع أحد أن يخرج. فقام الثاني وقال: (اللهم إنه كان لي أبوين كبيرين في السن، وكنت لا أغبق قبلهما زوجة ولا ولداً -أي: ما أعطي لبناً ولا عشاء لأحد قبلهم- ورعيت يوماً إبلي فنأى بي المرعى بعيداً -يعني: ما وجدت مرعىً إلا في مكان بعيد- يقول: ثم عدت آخر الليل وقد ناما، فحلبت غبوقهما -أي: اللبن- وكرهت أن أوقظهما، وجلست واقفاً على قدمي والقدح في يدي، وحولي صبية يتضاغون من الجوع -أولاده يبكون من الجوع- فقلت: والله لا أغبقكم إلا بعدهما، حتى برق الفجر) لا إله إلا الله! طول يومه وهو على رجله يرعى؛ لأن الرعي ليس سهلاً، وأشق مهنة هي: مهنة الرعي، فلا يجلس لحظة إلا ويطرد ويحد ويعد، وحين رجع لم ينم، بل ظل واقفاً، ولو أيقظهما للعشاء لما أزعجهما، لكنه حساس، وله قلب عظيم، وعنده تقوى، وبر، فيقول: لا أيقظهما من النوم، ولا أعطي أولادي قبلهما، فترك امرأته وأولاده جياعاً إلى أن جاء الفجر- قال: (اللهم إن كنت تعلم أني فعلت ذلك من أجلك فارفع عنا ما نحن فيه، فتحركت الصخرة) أين أبناؤنا وبناتنا من هذا الحديث؟ أين هم؟ كيف يفرطون في باب وطريق موصل إلى الجنة عن طريق الوالدين، فإذا كان عندك أم أو أب أو الاثنين معاً فاسلك إلى الجنة عن طريق برهما؛ لأن البر من أعظم القربات، والعقوق من أكبر الكبائر. ورد في الصحيحين من حديث أبي بكر ﵁، قال: قال النبي ﷺ : (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر، قلنا: بلى يا رسول الله! قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين) فقرن الله عقوق الوالدين بالشرك، وقرن برهما بطاعته، فقال: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان:١٤] وقال : ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ [النساء:٣٦] وقال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ [الإسراء:٢٣] فلا تضيع هذا الباب وتصرخ في أبيك أو أمك. ويقول بعض الشباب: أبي سيئ، أو ليس جيداً. عجيب! إذن تذهب إلى أي معرض ونبدل أباك ونعطيك واحداً وفق هواك. ليس معك إلا أبوك، وليس لك طريق إلى الجنة إلا عن طريقه، حتى ولو كان كافراً! ولو كان كافراً أما أمر الله بطاعة الأب وإن كان كافراً؟ قال الله : ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا﴾ [لقمان:١٥] أي: بالشرك، ثم قال: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً﴾ [لقمان:١٥] فإذا كان لك أب مشرك أو كافر وأمرك بالكفر فلا تطعه، ولكن صاحبه بالمعروف، وأنفق عليه، واعمل له كل شيء، لماذا؟ لأنه سبب وجودك في هذه الحياة. وبعد ذلك فالجزاء لك من جنس عملك مع أبيك، فكما تكيل لأبيك يكيل لك ولدك ويزيد، وفي الحديث: (بروا آباءكم تبركم أبناؤكم) وكما تدين تدان. (فقام الثالث وقال: اللهم إنه كان لي أجراء -أي: عمال عملوا عندي بأجر- فأعطيت كل واحد أجره، إلا واحداً ترك أجره وذهب، فنميته، حتى صار وادياً من الإبل ووادياً من البقر ووادياً من الغنم، ثم جاءني بعد زمن, فقال: إني كنت قد عملت عندك قبل سنوات، وتركت أجري عندك، وأنا الآن بحاجة إليه؛ فأعطني أجرتي، فقلت له: إن ما ترى من هذه الأودية المملوءة بالمواشي والأنعام هي لك، قال: أتهزأ بي، قال: لا والله لا أهزأ بك ولكنها لك، فقد نميت لك أجرتك، وبارك الله فيها، قال: فاقتداها واستاقها فلم يترك منها شعرة واحدة. اللهم إن كنت تعلم أنني صنعت ذلك خوفاً منك فافرج عنا ما نحن فيه، فتحركت الصخرة، وخرجوا يمشون). ونقول لأصحاب المؤسسات، والشركات، والأعمال الذين يستأجرون ويستعملون العمال، ويعطلون حقوقهم، ويؤخرون أجورهم، ففي بعض المؤسسات تمر الأشهر ولا تدفع أجور العمال، لماذا؟ حتى يتركها في البنك فتزيد، ثم يدفع لهم فيما بعد من أرباحها الربوية، وإذا اشتكى العامل في مكتب العمل؛ يأتي به صاحب العمل ويقول: هذا خروج نهائي بدون عودة؛ لأنك مشاغب، فسترى ما سنفعل بك. أقول: أنت ستريه لكن الله سيريك ما سيفعل بك. إذا استطعت على الناس فاعلم أن الله يستطيع عليك، فهذا العامل مسكين، له زوجة، وأولاد، وطموحات، وآمال، ويريد أرضية في بلده، ويريد أن يبني له بيتاً، وعنده مثلما عندك، لماذا تستغله وتمتهنه وتحتقره وتمارس عليه ضغطاً؟ وتؤخر أجره؟ لماذا تلزمه نهاية كل شهر أو عندما تجدد إقامته تأخذ منه خمسة أو ثلاثة آلاف؟ بأي حق؟ قال رسول الله ﷺ : (كل المسلم على المسلم حرام: دمه، وماله، وعرضه) فما هذه الممارسات؟ وما تجارة الرقيق هذه؟ لماذا تتاجر في أحرار؟ ألأن الله جعل يدك العليا؟ ألأن الله جعلك صاحب المؤسسة؟ كان بالإمكان أن تكون أنت عاملاً عنده في بلده، وكان بالإمكان أن تكون أنت الفقير وهو الغني، لكن الله فضلك، أفيليق بك وقد فضلك الله أن تعامل الله بهذا الأسلوب، في امتهان عباد الله واحتقارهم؟ إنه لا يجوز ذلك لك، يقول الله: (يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا) فالظلم ظلمات يوم القيامة، والله يقتص يوم القيامة للشاة الجلحاء من ذات القرن، والحديث في الصحيحين، فإن الله يخلق الشاة ومعها قرن، ويخلق الشاة الأخرى وليس معها قرون، فتأتي ذات القرن وتنطح الأخرى والقرن ليس منها، فمن أعطاها القرن؟ هل هي اشترته من السوق؟ فهذا القرن من الله، تأتي التي ليس عندها قرن وتنطحها في بطنها. فهذه النطحة عند الله، ويوم القيامة يقتص لها، والحديث كما يقول العلماء: إن فيه إشارة إلى أن من الناس من يستعمل قرنه مثل الشاة، فهو ليس معه قرن ولكن معه مال، فيستعمل المال لينطح به من ليس عندهم مال. وهو إنسان لكن معه منصب، فق

стр. 283

الحذر من المغالطات والفهم الخاطئ لبعض الأمور أنا قلت لكم: لا بد من أمرين: الأمر الأول: أن نتأمل كتاب الله وسنة رسول الله، لنعرف كيف رتب الله الجزاء في الدنيا والآخرة على العمل. الأمر الثاني: أن يحذر العبد من بعض المغالطات، والخدع، والأماني، والأوهام، التي يزينها الشيطان ليخدعك بها؛ من أجل أن تعتمد على هذه الخدع وتترك العمل، فيغمسك إلى أذنيك في النار. والله قد بين كما سمعتم، والرسول بين، أنه لا ينفع إلا العمل، واسمعوا آية في سورة آل عمران يقول الله فيها: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ﴾ [آل عمران:٣٠] أي: من معاصٍ محضرة، لكن ماذا؟ ﴿تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً﴾ [آل عمران:٣٠] أي: إذا جاء يوم القيامة والمعاصي أمامه يتمنى أن بينه وبينها أمداً بعيداً، لكنها ملاصقة له، بل على ظهره وكتفه، يقول الله: ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ﴾ [الأنعام:٣١] أي: ذنوبهم. أين يحملونها؟ ﴿عَلَى ظُهُورِهِمْ﴾ [الأنعام:٣١] ﴿وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [النحل:٢٥] أي: إذا كان هو داعية ضلال فيحمل أوزاره وأوزار كل من أضله فإذا كان مغنٍ؛ فيحمل وزر الغناء، وكل من ضل عن طريق الله بالغناء فأوزارهم على ظهره. وإذا كان يبيع اسطوانات وأشرطة، فيحمل وزره ويحمل وزر كل من اشترى شريطاً من هذا الدكان. وإذا كان يبيع أفلام الفيديو؛ فيحمل وزره ووزر كل من ضل بسبب أي شريط بيع من هذا الدكان. وإذا كان يبيع الدخان؛ فيحمل وزر الدخان وكل من شرب (سيجارة) واحدة من هذا الدخان، يقول الله: ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ﴾ [الأنعام:٣١] وإذا كان يؤجر دكانه على صالون حلاقة، أو هو نفسه فتح مؤسسة واستورد الحلاقين، ونحن لا تنقصنا المعاصي حتى نأتي بشخص يجلد لحى المسلمين، ويسميه: صالون جنة النعيم، ورأيت مرة في أحد الإعلانات: صالون اللحية الغانمة، والله ما هي بغانمة، لحية تحت رجل الحلاق ما هي بغانمة، ولحية يكنسها الحلاق ما هي بغانمة، ولحية يضعها في صندوق القمامة ويدعو عامل البلدية ويقول له: اكنس هذه اللحى، ما هي بغانمة، أين اللحية الغانمة؟ هي التي تكون في وجهك، أما حين تحلقها عند الحلاق أو في الحمام وتذهب مع مياه التصريف فهذه ما هي بغانمة، ثم يقول: نعيماً. الله لا ينعم عليك، نعيماً على ماذا؟ تحلق لحيتي وتأخذ مالي وتقول: نعيماً، لا. إنه عذاب أليم -والعياذ بالله-. فإذا فتحت دكان حلاقة أو أجرت على حلاق؛ فما من لحية تحلق هنا إلا وعليك إثم حلقها إلى يوم القيامة، ولو لحيتك ملء وجهك، ولكنك حلقت لحى المسلمين، وفتحت قلعة لمحاربة سنة النبي ﷺ . فانتبه! ولا تعتمد إلا على العمل، يقول الله: ﴿وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً﴾ [آل عمران:٣٠] فهي فوق ظهره وهو يقول: يا ليت المعاصي ليست معي، لكن لا والله، فقد كانت معك في الدنيا فهي معك في الآخرة، ولو أنك ابتعدت عنها هنا؛ لأبعدها الله عنك في الآخرة. لكن ما دامت معك هنا فكيف تريدها أن تبتعد عنك هناك؟ لا. فرفيقك رفيقك، وعملك عملك، إن كان عملاً صالحاً فهو معك، وإن كان سيئاً فهو معك، قال الله : ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران:٣٠]. والمغالطات -أيها الإخوة- كثيرة، سوف أذكرها لكم باختصار:

стр. 284

المغالطة الأولى: الاعتماد على سعة رحمة الله ومغفرة الله بدون عمل تأتي عند العاصي المقيم على المعاصي إلى رأسه، وتقول له: اتق الله! يقول لك: ربنا غفور رحيم، هذا مستهزئ بالله، وعاجز، ومغرور ومخادع، فالله غفور رحيم لمن تاب وأناب ورجع إلى الله، يقول الله : ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣] ثم قال: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ﴾ [الزمر:٥٤] أي: إن كنتم تريدون أن يغفر الله لكم؛ فأنيبوا إلى الله، ثم قال: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الزمر:٥٥] ويقول: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ﴾ [طه:٨٢] فليس غفاراً لمن داوم على المعاصي، ويقول: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ [الحجر:٤٩ - ٥٠] قال العلماء: غفور رحيم لمن تاب، وعذاب أليم لمن استمر على المعاصي، ويقول : ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف:١٥٦] قال الشيطان: أدخل في الرحمة هذه، وقال اليهود والنصارى: ونحن كذلك، قال الله: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا﴾ [الأعراف:١٥٦] فالرحمة واسعة ولكني أكتبها لمن تتوفر فيه أربعة عشر شرطاً: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف:١٥٦] * ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف:١٥٧] فهذه أربعة عشر شرطاً -لا نقدر عليها إلا أن يشاء الله- من أجل أن ندخل في رحمة الله. أما أن نقيم على المعاصي ونقول: رحمة الله، فلا يجوز ولا يمكن أبداً، فلا تعتمد على رحمة الله إلا إذا عملت؛ لأن العمل مؤهل، لكن القبول برحمة الله، والعمل مؤهل لكن دخول الجنة برحمة الله، قالوا: يا رسول الله! وهو يقول لهم: (لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته) الرسول ﷺ يطمع في رحمة الله، وهل هناك في الدنيا أعبد من الرسول؟! كان يقوم الليل حتى تتشقق قدماه، وبعد ذلك يطمع في رحمة الله، وأنت وأنا نطمع في رحمة الله ونحن مقيمون على الذنوب والمعاصي، لا. فأول مغالطة: اعتماد الناس على رحمة الله وسعة عفوه ومغفرته وهم مقيمون على الذنوب، هذه مغالطة، إذا أردت المغفرة والرحمة، فأقلع عن الذنب، فهذه أول واحدة.

стр. 285

المغالطة الثانية: الاعتماد على حسن الظن بالله ارتكاب المعاصي لحديث صحيح، وهو حديث قدسي: (أنا عند حسن ظن عبدي بي، فليظن بي عبدي ما شاء) قال العلماء: حسن الظن يقتضي حسن العمل، فالمؤمن يحسن الظن بأن الله لن يضيع عمله؛ فيعمل صالحاً، لكن أن يحسن الظن بالله ويرتكب المعاصي، فهذا سوء ظن بالله. الآن أنا أضرب لكم مثالاً: الموظف الذي يحسن الظن بمديره أن يرقيه ويتيح له فرصاً من انتدابات، ودورات، وترقيات، ما الذي يلزمه؟ يلزمه حسن العمل، دوام مبكر، انصراف متأخر، تواجد مستمر، أداء متميز، طاعة مطلقة، أي: يلزمه أن يكون موظفاً مثالياً، وبعد ذلك لو جاءت أي فرصة فيحسن الظن بالمدير. لكن أن يكون موظفاً فاشلاً، لا يداوم إلا الساعة العاشرة، وإذا دخل والأوراق على الطاولة أدخلها في الأدراج، وقال: يا ولد! هات قهوة وهات شاهي، وذهب وأتى بفول وطعمية، وقال: أغلق الباب واتركنا نفطر. فيفطر وكأنه قد عمل إلى أن تعب، وهو ما قد أنجز ولا معاملة، ثم أخذ (السيجارة) وأشعلها، ثم يكلم زميله في الهاتف قائلاً: أين سمرت البارحة؟ وأين ذهبت؟ وبعد ذلك دعا السكرتير قائلاً: أين (الجرائد)؟ وما هي أخبار المباريات أمس؟ وما هي أخبار الأفلام والفن؟ إلى أن يؤذن الظهر وهو لم ينجز ولا معاملة، وآخر اليوم إذا أذن الظهر صلينا، وركب سيارته وذهب. فالمدير لا يعرف هذا الموظف الفاشل، ما رأيك حين تأتي عنده يقول: أنا أحسن الظن بالمدير أنه سيرقيني، فهل هذا وارد؟ وإذا رقاه المدير، ماذا يكون هذا المدير؟ فاشل مثله. فالمدير لا يرقي إلا الموظف المجتهد، أما الموظف البطال فلا. -ولله المثل الأعلى- فحسن الظن بالله، أنك إذا أحسنت ظنك بالله في أن يغفر لك، فاعمل عملاً صالحاً من أجل أن يغفر الله لك، يقول الحسن البصري: [إن قوماً غرهم حسن الظن بالله حتى خرجوا من الدنيا ولا حسنة لهم، يقولون: نحسن الظن بالله، كذبوا. والله لو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل!]. أما إحسان الظن بالله مع المعاصي، فهذا يسميه العلماء: عجز، والعاجز قد أخبر به النبي ﷺ والحديث في سنن الترمذي، يقول ﵊: (الكيس -العاقل الفطن الأريب- من دان نفسه) دانها أي: جعلها مدينة له، واستعلى عليها وانتصر عليها. فإن كانت نفسه تحب الأغاني، يقول: لا. وإن كانت تحب النظر إلى الحرام، يقول: لا. وإن كانت تحب النوم عن صلاة الفجر، يقول: لا. فدان نفسه حتى أصبحت مثل الدابة الذلول، لكن بعض الناس حمار نفسه، يريد أن يقوم ليصلي، فتقول نفسه: نم، قال: حسناً، وركبت عليه، وبال الشيطان في أذنيه. أو يريد أن يترك سماع الأغاني، فتقول نفسه: يا شيخ! اسمع، قال: حاضر، فهذا حمار نفسه (الكيس -العاقل- من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني). إذن فمن المغالطات: أولاً: مغالطة الاعتماد على الرحمة بدون التوبة. ثانياً: الاعتماد على حسن الظن بالله مع إساءة العمل.

стр. 286

المغالطة الثالثة: الاعتماد على مكفرات الصغائر ثالثاً: الاعتماد على بعض النصوص التي ورد فيها: أن بعض الأعمال إذا عملها الإنسان كفَّر الله بها خطاياه، مثل: حديث في صحيح مسلم: (أن من صام يوم عاشوراء كفَّر الله عنه ذنوب سنة ماضية) أو حديث في الصحيحين: (أن من صام يوم عرفة كفَّر الله عنه ذنوب سنتين: سنة ماضية، وسنة مقبلة) أو (من قال في يوم مائة مرة: سبحان الله وبحمده، كفر الله خطاياه ولو كانت مثل زبد البحر). فهذه النصوص صحيحة ولكنها تكفِّر الذنوب الصغيرة التي يلم بها العبد إلماماً من غير إصرار، أما الكبائر فلا يكفرها إلا أحد أمرين: إما التوبة، وإما النار، وأنت -أيها الإنسان- المقيم على الكبيرة بالخيار، ما هو الأفضل والأخف: التوبة أو النار؟ التوبة، كبائر الذنوب إذا أصر عليها الإنسان فلا كفارة لها إلا أن يتوب قبل أن يموت، أو يعذب بها بعد الموت، ونحن نقول: إن الخيار الأفضل أن يتوب؛ لأن التوبة أسهل، صحيح أن التوبة فيها صعوبة ومعاناة، فإذا كان الشخص يدخن ويريد أن يتوب فإنه يدوخ، لكن هذه الدوخة أخف أو النار؟ ترك الزنا فيه صعوبة على الذي قد استمرأه، ترك شرب الخمر فيه صعوبة لمن تعوده، لكن صعوبة ترك الذنب أخف مليون مرة من العذاب على الذنب، فهذه النصوص الشرعية الثابتة إنما تدل على تكفير السيئات التي يلم بها العبد من صغائر الذنوب دون كبائرها.

стр. 287

المغالطة الرابعة: الاعتماد على الاستغفار مع المداومة على الذنب وهذا كما ورد: (المستغفر من الذنب وهو مقيم عليه كالمستهزئ بالله) وأضرب لكم على هذا مثالاً: لو كنت واقفاً بسيارتك في ميدان، وجاء شخص من الناس وهو راجع إلى الوراء وصدم سيارتك من غير قصد، ونزل وأبدى أسفه واعتذاره، وتحمله لمسئولية خطئه، وقال: سامحني أنا والله لم أعلم ولم أر، ولم أقدر المسافة، فأنت بحكم أنك صاحب حق، بالخيار: إما أنك تعفو عنه، أو أن تطلب منه شيئاً من المال مقابل الخطأ الذي حصل منه، والأولى أن تعفو؛ لأنه غير متعمد. لكن بعدما صدمك وتحركت أنت بسيارتك لحقك، وحين توقفت وعينه في عينك جاء صدمك في الباب الذي عندك، وبعد ذلك نزل إليك وقال: آسف يا أخي! أنا صدمتك هناك لكن -يا أخي- لحقتك وصدمتك. هل تسامحه؟ بل تقول: لا والله أما هذه فلا أسامحك فيها. ولكن يمكن أن تكون كريم أخلاق وتفوتها له أيضاً. فإذا بك تمشي، ولما وقفت عند بيتك إذا به وراءك ويصدمك مرة ثالثة، فهل تنزل تضاربه؟ أم تقول له: شكراً؟ بل تنزل وتأخذ العصا من تحت المقعد وتضربه حتى يموت، وتقول: أنت قاعد ورائي صدمتني هناك، وصدمتني في السوق، وعند بيتي، تريد أن تذبحني يا عدو الله! لماذا؟ لأنها ثلاث مرات -ولله المثل الأعلى- فواحد يستغفر ويقول: أستغفر الله العظيم من الدخان ويمصها، فهل هذا مستغفر؟ هذا كذاب ومخادع، ومستهزئ بالله، لا بد أن يصحب الاستغفار الندم والإقلاع وترك الذنب والمعصية، أما المداومة على الذنب والاستغفار، وتقول: أنا أستغفر الله، وسوف أزني وأستغفر الله، وسوف أشرب الخمر وأستغفر الله، وسوف آكل الربا وأستغفر الله، فكيف يكون ذلك؟! فأقلع عن الذنب واستغفر الله من الذنب الماضي وداوم على الطاعة، هذا هو الاستغفار الحقيقي.

стр. 288

المغالطة الخامسة: أن يعتمد الإنسان على صلاح أبويه فإن كان أبوه شيخاً أو داعية أو رجلاً صالحاً، يقول: الحمد لله سيشفع في أبي، وإن شاء الله أبي فيه خير ويأتيني خيره، لا. فأبوك خيره له وأنت شرك عليك؛ لأن الله يقول: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم:٣٩] دع أباك ولا تأخذ منه شيئاً ﴿وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى * ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى * وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾ [النجم:٤٠ - ٤٢] فلا تعتمد على صلاح أبيك، لم ينفع ولد نوح صلاح أبيه، فالأب نبي وولده كافر فما نفعه والده. البعض يعتمد على أنه موجود في دار مقدسة، كأن يكون من أهل مكة أو المدينة، فيقول: نحن ربنا راضٍ عنا، فنحن جيران بيت الله، وجيران رسول الله ﷺ . فنقول: ما ينفعك هذا الجوار، إن لم تكن أهلاً له. أما أن تعتمد على أنك من أهل مكة، فلا. فإذا أسأت فمصيبتك أكبر، ليس من يعصي في مكة كمن يعصي في غيرها، فكما تضاعف فيها الحسنات تضاعف فيها السيئات وتكبر لفضيلة الزمان والمكان.

стр. 289

المغالطة السادسة: الاعتماد على محبة الصالحين من الناس من يعتمد على المغالطة السادسة وهي: مغالطة محبة الصالحين، يقول: والله يا شيخ! أنا أرتاح للصالحين وأنا أحب الصالحين، لكنها محبة جوفاء، ومحبة صورية كاذبة، إذ أنه لا ينتفع بالصالحين، ولا يقلدهم، ولا يعمل عملهم، فأعماله أعمال السيئين، ولسانه يحب الصالحين، فهذا كذاب، يقول الإمام الشافعي: أحب الصالحين ولستُ منهم وأرجو أن أنال بهم شفاعة فمن يقول هذا؟ الشافعي وهو من الصالحين، بل من أئمة الصالحين ﵁ وأرضاه، يقول: من اشتغل عن العلم بشراء بصلة لم يتعلم. وكان إذا أراد أن يحفظ وضع المسطرة على السطر الثاني من أجل ألا تنتقل عينه للسطر الثاني فيحفظه قبل الأول، حفظ موطأ مالك في ستة أيام، وهو أعقد كتاب من كتب الحديث، ولما رآه مالكاً قال: ما أرى إلا أن الله قد نور قلبك بالإيمان فلا تطفئه بظلمة المعاصي. وخرج يوماً يريد أن يشتري سلعة، فمرت امرأة وكشفت الريح عن عقبها؛ لأن عباءتها طويلة والرياح هبت عليها فكشفت طرف رجلها، فنظر النظرة الأولى المسموح بها، وغض بصره، ولما رجع إلى البيت، أراد أن يقرأ ويحفظ، فإذا به لا يحفظ، فذهب إلى شيخه وكيع بن الجراح، وقال له: يا شيخ! حفظي ما عاد كالسابق، قال: أين ذهبت؟ قال: إلى السوق، قال: وماذا رأيت؟ قال: لا شيء، إلا امرأة مرت وهبت الريح فكشفت عن ساقها فرأيتها، قال: لو أنك كررتها ما حفظت حرفاً، مثل بعض طلبة العلم الآن يقول: أنا لا أحفظ القرآن. كيف تحفظ القرآن وأنت كل يوم في سوق النساء؟ كيف تحفظ القرآن وأنت تتسمع الأغاني؟ فلا تجتمع الأغاني مع القرآن، فقال ﵁: شكوت إلى وكيع سوء حفظي فأرشدني إلى ترك المعاصي وأخبرني بأن العلم نور ونور الله لا يؤتاه عاصي كان يقول: أحب الصالحين ولست منهم لعلي أن أنال بهم شفاعة قال له الثاني ورد عليه: تحب الصالحين وأنت منهم وحب القوم يلحق بالجماعة قال: وأكره من تجارته المعاصي وإن كنا سواءً في البضاعة والشافعي الذي يقول هذا القول! يقول: أحب الصالحين ولست منهم وأرجو أن أنال بهم شفاعة وأكره من تجارته المعاصي وإن كنا سواءً في البضاعة وما عنده من المعاصي مثلما عندنا ﵁ ورحمه، فعليك ألا تعمل سوءاً ثم تحب الصالحين وتقول: أنا أجلس مع الصالحين، من جلس مع قوم يقال: (قوموا مغفوراً لكم). فمغفور لكم أي: للصالحين للتائبين، أما المقيمون على الذنب فلا؛ لأن عندك موانع.

стр. 290

المغالطة السابعة: الاعتماد على الإرجاء من المغالطات: الاعتماد على الإرجاء، بأن يقول: إنه لا يضر مع الإيمان ذنب، وما دمنا مؤمنين ونقول: لا إله إلا الله قال ﷺ : (من قال لا إله إلا الله دخل الجنة) فلا إله إلا الله مفتاح له أسنان، وأسنانه الفرائض والعبادات والعمل الصالح، فلا تنفعك لا إله إلا الله إلا إذا عملت بها، وطبقت شروطها السبعة. أما أن تكون كلمة مجردة فلا تنفع.

стр. 291

المغالطة الثامنة: الاعتماد على القدر ثامناً: الاعتماد على القدر؛ بأن يأتي الشخص ويعصي، وإذا قلت له: لماذا تعصي الله؟ قال: ربما أني شقي، فيقول: ربما أنك سعيد، وما يدريك أنك شقي؟ هل اطلعت على اللوح المحفوظ؟ هل قرأت الكتاب الذي في الأزل؟ لماذا تحتمل أنك شقي ولم تحتمل أنك سعيد، إلا لانهزامك أمام شهوتك، ونفسك الأمارة بالسوء، وتحمل مسئولية سلوكك على قدر ربك، لا. فليس لك علاقة بما كتب في الأزل، بل لك علاقة بالعمل، فأنت عبد خلقك الله للعمل الصالح، وبإمكانك أن تعمل العمل الصالح، وعندك يقين أن الله لا يظلم مثقال ذرة، فاعمل صالحاً والله لا يظلمك، أما أن تعمل السيئات وتحتج بالقدر، وتقول: ربما أن ربي كتبني شقياً، إذن اصفعه على وجهه، فإذا صفعته، وقال: ما لك تصفعني؟ فقل: ربما أن ربي قد قدر عليَّ ذلك، فسيرفض، ويقول: لا. ما قدر الله الصفعة أنت الذي فعلتها، فقل: فلماذا لا ترضى بالصفعة، وترضى بالمعاصي التي تقول: إن الله قدرها عليك؟! فالإيمان بالقضاء والقدر ركن من أركان الإيمان، لكن يجب أن نؤمن بالقدر ونعمل بما أمرنا الله به، ونفر من قدر المعاصي إلى قدر الطاعات، ومن قدر الجوع إلى قدر الشبع، ومن قدر الظمأ إلى قدر الري، ومن قدر المرض إلى قدر العلاج، وهكذا، نفر من قدر إلى قدر. لما دخل عمر بن الخطاب الشام ومعه أبو عبيدة بن الجراح ومجموعة من الصحابة، وذهبوا إلى عمواس، وجدوا الطاعون أمامهم، فقال عمر: [لا ندخل، فقال أبو عبيدة: أفراراً من قدر الله يا أمير المؤمنين! -أي: أتفر من قدر الله وهو المرض من أجل أنك تخاف على نفسك- قال: لو قالها غيرك يا أبا عبيدة! نفر من قدر الله إلى قدر الله] فهذا هو الفهم الصحيح للإسلام. أترون هذا المؤمن الذي يقع في المعاصي ويحتج بالقدر مثله مثل: مدرس في فصل فيه ثلاثون طالباً، ودخل عليه المدير والموجه وقالوا له: كم تقدر نسبة النجاح عندك من خلال معرفتك بالطلاب؟ فقال المدرس؛ لأنه يعرف الطلاب ويعرف الفروق الفردية بينهم، قال: أتوقع أن ينجح ثمانية وعشرون طالباً، إلا طالبين لن ينجحا، فهو يعرف أن في الفصل طالبان لا يحضران درساً، ولا يصغيان لشرح، ولا يتجاوبان مع المدرس، فقام أحد الطلاب الثلاثين ووضع الدروس ولم يحضر درساً، وحين جاء آخر السنة وطلعت شهادته ساقط، وعليها عشرون دائرة حمراء قال له أبوه: لماذا سقطت؟ قال: إن الأستاذ في أول السنة حين دخل علينا المدير والموجه، قال: سوف يسقط طالبان، فربما أني أحدهما، فما رأيكم في هذا العذر؟ أهذا ينفع؟ لا ينفع عند المدير ولا عند الأب، فكيف ينفع عند الله؟! أتعمل المعاصي وتقول: ربما أن الله قدر عليَّ؟ لماذا لا تحتمل أن يكون القدر أحسن؟ أما قضية القدر فليست لك أنت، فالله هو المقدر وأنت المقدر عليك أن تسير في أمر الله. إذا أذن المؤذن فهل تملك قدرة على الصلاة؟ نعم. أما إذا قدر الله عليك وأصابك حادث مروري وتقطعت رجلاك، فهل يكلفك الله أن تصلي في المسجد، أم يعفيك؟ بل يعفيك، ويجوز لك عندها أن تصلي في البيت، وإذا مرضت فلم تستطع أن تقوم لتصلي، فصل قاعداً. لكن أن تكون عندك القدرة على أن تصلي وتقعد، وعندك القدرة على أن تصلي وتنام، فعندها أنت مؤاخذ؛ لأنك تملك الوسيلة التي تستطيع أن تعمل بها العمل الصالح. هذه أيها الإخوة! بعض المغالطات التي يغالط بعض الناس أنفسهم بها، والمغالط لنفسه هو أضيع الناس، يمكنك أن تغالط الناس لكن أن تغالط نفسك، فلحساب من؟ لحساب الشيطان الرجيم. فيا إخوتي في الله! عوداً على بدء، أكرر وأقول: لا بد من الإيمان والعمل الصالح، كمؤهلات نعتمد عليها لترشيحنا إلى أن ننال رحمة الله ، ولن ندخل الجنة بالعمل؛ لأنه لا قيمة لعمل أمام جزاء لا يعلمه إلا الله، أي: مهما عملت من عمل فهل يساوي شيئاً مما في الجنة مما أعده الله لك؟ لا. لكنه مؤهل وسبب، وإلا فالدخول برحمة الله . فلنحذر -أيها الإخوان- من الاتكال على المغالطات، ولنتق الله في أنفسنا، ونتوب إلى الله من الذنوب صغيرها وكبيرها، ودقيقها وجليلها، وأن نحافظ على الطاعات، وأن نصبر -أيها الإخوة- فإنما هي أيام معدودة، وساعات محدودة، وسنين معينة، وسوف ننتقل منها إلى الدار الآخرة، وهناك سيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون. ووصية أقولها للإخوة الذين يسألون ويقولون: وكيف نواجه المعاصي؟ كيف نواجه هذه الشهوات العارمة، وهذه السيول الجارفة من الذنوب؟ أقول واجهوها بأمرين: الأمر الأول: الصبر. والأمر الثاني: اليقين. فتصبر عن الزنا وعندك يقين أن الله سيعوضك في الجنة بالحور العين، وتصبر عن الغناء وعندك يقين أن الله سيعوضك بأن تسمع غناء الحور في الجنة، وتسمع خطاب رب العالمين، وتصبر عن النظر المحرم في الدنيا وعندك يقين أن الله سوف يمتعك بالنظر إلى وجهه الكريم في الدار الآخرة، وتصبر على الصلاة، والطاعة وعندك يقين أن الله سيثيبك، يقول الله : ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة:٢٤] يقول ابن تيمية ﵀: لا تنال الإمامة في الدين إلا بالصبر واليقين. هذا وأسأل الله في الختام أن يوفقني وإياكم إلى ما يحبه ويرضاه.

стр. 292

الأسئلة

стр. 293

نصيحة لأصحاب الدشوش السؤال يتسابق الناس في هذه الأيام لتركيب هوائيات الإرسال المباشر مما يمكنهم من استقبال عشرات المحطات العالمية بما فيها من شرور، فما نصيحتكم؟ الجواب قبل أن أنصح أقول: هذه الهوائيات أو هذه الصحون، هي صحن الشيطان، وهذه مائدة إبليس، فالدش يصب ماء على رأسك وأنت تغتسل، لكن هذا يصب ناراً ويصب شراً وعذاباً ولظى على رأسك وأنت تركبه فوق بيتك، من أجل أن يصب كل ما هب ودب على أسرتك وعلى أولادك، فأسأل كل من ركبه: هل تجلب هذه الهوائيات خيراً أو شراً؟ بل شراً محضاً، وهل ينقصنا الشر حتى نقوي أجهزة الشر من أجل أن نجلب لنا مزيداً من الشر؟ هل هناك عاقل يركب فوق رأسه شيء يصب عليه الشر؟ ففيها أفلام جنسية، ومن أين تأتي هذه الأفلام الجنسية؟ من بلاد كافرة، بلاد لا أخلاق لها ولا دين ولا مبادئ ولا عقائد، يعيشون كما تعيش البهائم، يتسافدون كما تتسافد الحمر، يركب الرجل الأنثى في الشارع، وينقلون هذا في أفلام وتنشر عبر الهوائيات، وأنت تركب هذا الهوائي من أجل أن يربي ولدك وابنتك، تربية جنسية. وهناك إذاعات تنصير تبث مبادئ التنصير باللغة العربية عبر الأقمار، من أجل أن تعرف دين النصارى وتفكر في أن تغير دينك، وتزعزع عقيدة التوحيد في قلبك. وهناك أفلام جرائم، تعلم الولد كيف يحترف الجريمة، وأفلام بوليسية سيئة. فيذهب الرجل ويستدين المال إن لم يكن عنده ويركب هذا الهوائي فوق بيته، وقيل: إن هناك من يركب هوائيين، وشخص قال: إنه رأى ستة هوائيات، حتى لا يترك في الأجواء موجة شر إلا وحولها على بيته. فهل يعمل هذا عاقل أيها الإخوان؟! أنا أقول: لا تبرأ ذمتك -أيها الإنسان- بهذا العمل، إنك تدمر دينك ونفسك وعقيدتك، وأسرتك وأولادك، وسوف تعض أصابع الندم: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [غافر:٥٢] إن كنت قد فعلت ذلك فسارع الآن وأزله، وإن كنت لم تعمل فاسأل الله أن يحفظك وأن يثبتك، واعتصم بكتاب الله، يقول الله: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلونَ﴾ [الزخرف:٤٣ - ٤٤].

стр. 294

حكم السفر إلى بلاد الكفار للسياحة السؤال في هذه الأيام، أيام العطلة يسافر الكثير إلى بلاد الكفر، فهل من كلمة لمن أراد السفر؟ الجواب العطلة نعمة، يقول ﵊: (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ) فنحن مغبونون في هذه النعمة: عافية، وشباب، ومدرسون، وطلاب، وثانويات، وجامعات، وصحة، وفراغ ثلاثة أشهر، كيف تقضي هذه الأشهر الثلاثة؟ تقضيها بما يرضي الله، إما أن تلتحق بالمراكز الصيفية حتى تنتفع بما يلقى فيها من خير، تمارس فيها أنشطة، وأعمالاً صالحة، أو تذهب إلى الحج والعمرة، أو تزور رحمك إذا كان في الجنوب أو الشمال أو الرياض أو أي منطقة، أو تمارس بعض الأعمال السياحية المباحة، كزيارة بعض المناطق الطيبة والجميلة في بلادك، أما أن تحجز وتسافر من أجل أن تفسد خارج البلد، وترجع وقد ضيعت دينك فهذه مصيبة. فنحن نحذر كل إنسان من أن يسافر، فهناك فتن صانك الله منها فلماذا تراها؟ ولماذا تترك ولدك وامرأتك وابنتك يرونها، وتحجز لأهلك كلهم؟ فإذا كان عندك أربعين أو خمسين ألفاً فأرسلها لإخوانك في البوسنة والهرسك الذين يموتون جوعاً الآن، أو أرسلها إلى إخوانك المجاهدين الأفغان الذين يحتاجون إلى كل ريال بعد قيام دولة الإسلام عندهم، أو استأجر لك شقة عند الحرم واجلس صلِّ الصلوات الخمس في الحرم، فالشقة لمدة عشرة أيام أو عشرين يوماً تأخذها بخمسة آلاف أو ستة آلاف ريال، وأدرك كل تكبيرة في الحرم، وفي الصف الأول، أو الصف الثاني، فهي لك بمائة ألف تكبيرة، وهذا أحسن من أن تكون على شواطئ، وأنهار، و (بلاجات) ومسارح، ومراقص، ومخامر وفساد، فلا ترجع إلا وقد صب الله عليك من الغضب مثل الجبال الرواسي، الله ينعم عليك وأنت تحارب الله بنعمه، يقول الله في الحديث القدسي: (إني أنا والجن والإنس في خبر عظيم، أخلقهم ويعبدون غيري، وأرزقهم ويشكرون سواي، خيري إليهم نازل، وشرهم إليَّ صاعد، أتحبب إليهم بالنعم، ويتبغضون إليَّ بالمعاصي). أترون أن النعمة التي نحن فيها تستمر مع المعاصي؟ والله لا تستمر، وعندي من التاريخ شاهد على هذا اليمين، وعندي من القرآن شاهد، يقول الله : ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم:٧] ويقول في قصة سبأ: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَأٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ﴾ [سبأ:١٥] يقول لهم الناصحون: ﴿كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ [سبأ:١٥] ونحن نقول لأهل هذه البلاد: كلوا من رزق ربكم واشكروا له. تدخل السوق فتملأ سيارتك، من كل ثمار الدنيا، وتدخل (السوبر ماركت) تملأ العربية من كل ثمار وملذات ومتاع الدنيا، وتعطيه ورقة، كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة، هل في الدنيا بلد أطيب من هذه البلاد؟ ورب غفور يغفر الذنب العظيم، قال الله: ﴿فَأَعْرَضُوا﴾ [سبأ:١٦] أي: رفضوا وركبوا رءوسهم، حجز وسافر، وزنا، وسكر، ﴿فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ﴾ [سبأ:١٦] فاكتسحهم واقتلع بلادهم وحروثهم وزراعتهم من أرضها، ثم قال: ﴿وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ﴾ [سبأ:١٦] بدل الجنان الوارفة والثمار الدانية جنتين، ماذا فيهما؟ ﴿ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ [سبأ:١٦] (خمط) أي: الشوك، (وأثل) وهو الشجر الذي ترونه فليس له ثمر، (وشيءٍ من سدر قليل) أي: النبق، فهذا هو الفاكهة، فليس عندنا برتقال أبو سرة، ولا تفاح أبو لمعة، ولا موز أبو نقطة، والله لا نعرف هذه، إلا فيما بعد حين فتح الله الخير عندنا. والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 295

عالم الروح بدأ الشيخ محاضرته بالكلام عن الأعمال الصالحة وأنها سبب لاكتساب النور في الآخرة. ثم تحدث عن أحوال الموتى، وحقيقة شعور الأحياء بأحوالهم في القبور، وكذلك ظهور أمارات العذاب على الميت بعد الموت وعند الدفن. وكذلك حقيقة تزاور الأموات بأرواحهم مع أرواح الأحياء، مبيناً حقيقة استئناس الميت بالأحياء.

стр. 296

العمل الصالح سبب اكتساب النور في الآخرة الحمد لله على كل حال، ونعوذ بالله من حال أهل النار، ونعوذ بالله من صباح إلى النار، ومن ليلةٍ إلى النار، أو في النار، أو ساعة في النار، أو لحظة في النار؛ فإن أجسامنا لا تقوى على النار، وأحوالنا لا تتحمل ظلمات النار ولا ظلمة القبور، انظروا كيف ضاقت أخلاقنا، وكيف تعطلت جوارحنا حينما انطفأت عنا (الكهرباء) لحظةً واحدة، ونحن نعلم يقيناً أنها ستعود؛ لأن ظاهرة الانطفاءات ظاهرة طبيعية في كل مناسبة، وأيضاً على يقين أنه إن لم تشعل (الكهرباء) فلدينا وسائل وبدائل كثيرة نستطيع بواسطتها أن نرى وأن نستفيد من حياتنا. لكن ما ظنكم فيمن يوضع في القبر وتحتويه الظلمات من كل جانب ولا يعلم من أين يأتيه النور؟ لأن نور القبور إنما يكتسب من سلوك العبد في هذه الدنيا، فمن كان في هذه الدنيا على النور مكنه الله من العيش في القبر على النور، قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور:٤٠] وقال : ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ﴾ [الحديد:١٢] لأنهم مؤمنون وأهل عقيدة، ودين، والتزام، وانتماء، وهداية، وانتظام في سلك المؤمنين، قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ [الحديد:١٢] فما هو النور الذي يسعى معهم؟ إنه نور العمل الصالح، والإيمان والهداية يسعى أمامهم وعن أيمانهم فتقول لهم الملائكة: ﴿بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ﴾ [الحديد:١٢ - ١٣] أي: أهل الظلمة الذين عاشوا في الدنيا في ظلمة الكفر، والنفاق، والأهواء، والشهوات، والفتن، عاشوا بعيداً عن الهدى وبعيداً عن الرسالات، فعاشوا مع الشيطان في ظلماته؛ لأن الله يقول: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة:٢٥٧] فوحد النور وجمع الظلمات وفي أول سورة الأنعام يقول ربنا : ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام:١] فالظلمات متعددة والنور واحد، وهو نور الله، ونور الإيمان واحد يعيش عليه المؤمن. أما إذا حرم نفسه من النور؛ فلن يعيش في ظلمة واحدة، بل تتوارد عليه الظلمات وتحتويه من كل جانب: ﴿إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ [النور:٤٠] كما مثل الله بذلك المثل في سورة النور فقال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ * أَوْ كَظُلُمَاتٍ﴾ [النور:٣٩ - ٤٠] أي: أعمالهم إما أن تكون كالسراب وهو العمل السيئ الذي كانوا يتصورون أنه صالح في أذهانهم لكن لما لم يكن خالصاً لله قدموا على الله فلم يجدوا شيئاً: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ﴾ [النور:٣٩] وهناك أعمال سيئة أخرى من الكفر قال: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ﴾ [النور:٤٠] أي: هذا العمل إما كسراب أو كظلماتٍ ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾ [النور:٤٠] والبحر اللجي: هو البحر العميق، والمحيطات الكبيرة التي تزيد أعماقها على ثلاثة آلاف متر. هذه الحقيقة العلمية التي تحدث عنها رسول الله ﷺ في القرآن لم تثبت للناس إلا في هذا الزمن بعد صنع الغواصات الذرية التي تستطيع أن تغوص في أعماق المحيطات، فاكتشف بواسطة الأجهزة التي رصدت حركة الموج أن في تلك المحيطات العميقة أمواجاً، وليس موجاً واحداً. فقد كان الناس يتصورون أنه لا يوجد في البحر إلا الموج الذي على سطح البحر والذي يتكون نتيجة تأثر البحر وسطحه بالعوامل الجوية. لكن اكتشف أن في أعماق المحيطات أمواجاً ما كانت تعلم قبل هذا الزمان، والذي تحدث عنها رسول الله ﷺ بوحي من ربه بالرغم من أنه لم يركب البحر، ولم يعرف البحر صلوات الله وسلامه عليه، ولكنه يتحدث عن أخص القوانين وأدق النظم التي تجري في البحار العظيمة وكأنه قد عايشها صلوات الله وسلامه عليه: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾ [النور:٤٠] يعني: عميق ﴿يَغْشَاهُ مَوْجٌ﴾ [النور:٤٠] أي: هذا البحر يغشاه موج ﴿مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ﴾ [النور:٤٠] وهذه الأمواج تكون موانع لاختراق الأضواء: ﴿مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ﴾ [النور:٤٠] يحول بين الشمس وبين البحر: ﴿مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور:٤٠]. فمن أراد النور في هذه الدنيا والآخرة فعليه بالإيمان والعمل الصالح، ومن عاش في نور مادي، وظلمة معنوية وروحية كافرة والعياذ بالله؛ فإنه وإن تمتع بهذا النور المادي فسوف يشقى -والعياذ بالله- بظلمة القلب والوجه في الدنيا، ثم ظلمة القبر، ثم ظلمة الصراط، ثم في دار الظلمات أجارنا الله وإياكم منها وجميع إخواننا المؤمنين إنه على كل شيءٍ قدير.

стр. 297

حقيقة شعور الأحياء بحال الأموات سبق الكلام أيها الإخوة! عن عذاب القبر وهل يعرفه أحد من البشر وقلنا: إن الله قد أعطى لرسوله ﷺ قدرةً على سماع المعذبين في قبورهم وثبت ذلك بالأحاديث الصحيحة التي سقناها في الليلة الماضية، لكن هناك أسئلة، منها: هل يسمع عذاب أو نعيم القبر أحدٌ من الناس غير الأنبياء والرسل؟ هذا ما تحدث عنه أهل العلم في كتبهم فيقول شيخ الإسلام ابن تيمية في المجلد الرابع والعشرين من فتاواه وفي المجلد الخامس من الفتاوى يقول: لم يزل الناس يتحدثون عن سماعهم أو رؤيتهم للمعذبين في قبورهم. يعني في حالة اليقظة يتحدثون عن سماعهم وعن رؤيتهم للذين يعذبون في قبورهم أو ينعمون في قبورهم، ومن هؤلاء ثقاة أعلام لا مطعن في دينهم ولا شك في أمانتهم، ثم يقول: قد يكشف لكثيرٍ من أبناء زماننا هذا العذاب أو هذا النعيم في اليقظة وفي المنام ويعلمون ذلك ويتحققون منه وعندنا من ذلك أمور كثيرة. يقول ﵀: عنده من الأخبار والمشاهدات التي نقلت عن الثقاة الذين لا يشك في دينهم وأمانتهم عنده من ذلك أخبارٌ كثيرة، وهذا حق فإنه في كل زمانٍ وفي كل مكان يكشف الله ﵎ لأفرادٍ من الأمة شيئاً مما يحدث لأصحاب القبور من نعيم أو عذاب للزيادة في إقامة الحجة ولهداية، من شاء الله هدايته: ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال:٤٢] وقد سبق أن ذكرت في مناسبة في غير هذا المسجد قصتين مما كشف لأصحاب هذه الدنيا من عذاب القبر ومن نعيمه، وهاتان القصتان سمعتهما بأذني ممن حضرهما وهو ثبتٌ صادق لا أشك في دينه وأمانته، وأعرفه باسمه وعمله ودراسته وقد حضر القصة وعاصرها: فالأول هو الشيخ صالح الراجحي وكان يعمل مع شركة ابن لادن، وكان الرجل صاحب القصة -وهو عم الشاب- يعمل عنده سائق جرافه، وكان طالب علم مستفيد، وكان يحضر معنا كل الندوات. والقصة لشابٍ أكرمه الله بالجنة ورضي عنه وأدخله في رحمته، وحدثت في القصيم والذي يحدثني بها هو الذي حضر القصة وشم الرائحة بأنفه، وكان مقيماً في أثناء الحادث وملخص القصة: أن أحد الشباب الذين هداهم الله ونشئوا في طاعة الله، فلا يعرف إلا الله والقرآن والمسجد والصلاة، حتى ذكر عنه أنه لم يُر مرةً واحدة يلعب مع صبيٍ في الشارع، وإنما كان طريقه من المسجد إلى البيت، وشاء الله أن يبلغ مبلغ الرجال وأن يكون قد حفظ أكثر كتب أهل العلم بعد حفظه لكتاب الله ، وبعد ذلك مرض، وأشرف عمه -لأن والده متوفى- على تمريضه، ومكث مريضاً أسبوعاً ثم بعد ذلك توفي وقدم إلى رحمة الله، وكانت وفاته قبل صلاة الظهر، وأراد عمه أن يدعو الناس للمشاركة في دفنه ولكن الجو كان حاراً والناس غير مجتمعين في مكان معين، فرأى أن من الأنسب أن يؤجل الدفن حتى يجتمع الناس لصلاة الظهر ثم يخبرهم، فغطى الولد بغطاء، ونام عند رأسه من أجل أن يستريح؛ لأنه كان قد تعب خلال تمريضه في ساعات المرض، ويحدث عن نفسه فيقول: بينما هو في المنام إذ أقبل عليه مجموعة من النساء علم من رؤيتهن ومن جمالهن وشكلهن أنهن لسن من نساء الدنيا، وإذا بهن يسلمن عليه قائلات: السلام عليك ورحمة الله وبركاته، فرد عليهن السلام، فقلن له: نسألك بالله يا شيخ! إلا عجلت علينا بهذا الشاب، فقال: من أنتن؟ قلن: نحن زوجاته من الحور العين في الجنة، ونحن في انتظاره على أحر من الجمر وأنت تنام! ففزع الرجل من نومه وقام فرحاً؛ لأنه اعتقد أن من هؤلاء الحور في انتظاره فما مات، بل هو يزف ولكن لا يزف إلى زوجةٍ من نساء الدنيا وإنما يزف إلى زوجاتٍ من الحور العين اللائي قال الله فيهن: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً * عُرُباً أَتْرَاباً * لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ [الواقعة:٣٥ - ٣٨] نسأل الله وإياكم من فضله. فقام الرجل ودعا الناس وسارع في تشييع الجنازة ودفنها، وكل من دخل الغرفة من الناس يقول: يا شيخ! عندك رائحة غريبة، رائحة كأطيب ريح وجد على وجه الأرض، ريح العود لكن ليس ريح الدنيا، فكان يسكت ولا يحدث إلى أن مرت عليه قرابة الشهرين فحدث بالخبر فانقطعت الرائحة من ذلك المكان. فهذه قصة لأهل الإيمان اللهم اجعلنا منهم وثبتنا على الإيمان حتى نلقاك. أما القصة الأخرى فهي لشابٍ مات على الكفر والضلال والعياذ بالله بشهادة أهله ووالده، وينقلها لنا أحد الإخوة الذين أعرفهم وزاملتهم في شركة كهرباء الجنوب، واسمه المهندس علي غرم الشهري. يقول: كنا في خروج للدعوة في مدينة الزرقاء في الأردن، وصلينا الجمعة في أحد مساجدها، وبعد صلاة الجمعة كان معنا مجموعة من طلبة العلم منهم عالم من الكويت، وبينما نحن في المسجد وقد انصرف الناس إذا بالناس يدخلون من أبواب المسجد بشكلٍ غير طبيعي وهم يصيحون أين الشيخ؟ أين الشيخ؟ ثم جاءوا إلى الشيخ الكويتي فقالوا له: يا شيخ! يوجد شاب توفي صباح هذا اليوم عن طريق حادث مروري دهسته سيارة من سيارات الشحن، ولما حضرنا قبره وجئنا ووضعناه في القبر فوجئنا بوجود ثعبان عظيم في القبر، فنحن الآن لم نضع الشاب ولا ندري كيف نتصرف، يقول الأخ علي: فقام الشيخ وقمنا كلنا معه، وذهبنا إلى المقبرة ووجدنا هذا الثعبان في وسط القبر، فقلت له: كم حجمه، قال: كان حجمه في غلظ الماسورة بوصتان وهو متلوٍ ورأسه من الداخل، وذنبه من الخارج، رافعاً رأسه وفاتحاً فمه مخرجاً لسانه وعينه بارزة وينظر في الناس، يقول: فقال الشيخ: دعوه واحفروا في مكان آخر، يقول: فذهبنا إلى مكانٍ آخر على بعد مائتين متر فحفرنا قبراً، وبينما نحن في نهايته إذا بالثعبان يخرج من القبر الثاني، فقال الشيخ: انظروا المكان الأول، فذهبنا للأول فلم نجده هناك فقد اخترق الأرض وطلع من القبر الثاني، فقال الشيخ: لو حفرنا ثالثاً ورابعاً فسيخرج منه فلا حيلة إلا أن نخرجه -فحاولوا إخراجه- يقول: فجئنا بعصي وأسياخ وحملناه وأخرجناه من القبر، فجلس على شفير القبر، يقول: والناس كلهم ينظرون، وأصيب أكثر الناس بإغماء وحملتهم سيارات الإسعاف، وحضر رجال الأمن ومنعوا الاقتراب من القبر إلا العلماء وذوي الميت، يقول: وبينما جيء بالجنازة وأدخلت في القبر ووضعت من قبل أهل الميت ونحن واقفون إذا بذلك الثعبان يتحرك حركةً عظيمة، ثار على إثرها الغبار وملأ أرجاء المكان، يقول: ثم دخل من أسفل القبر ولما تحرك فرَّ كل من حول القبر، والذين بداخل القبر صعدوا وفروا من الخوف، يقول: فالتوى عليه بدءاً من أرجله حتى وصل إلى رأسه، ثم اشتد عليه فحطمه يقول: والله إننا كنا نسمع تحطيم عظامه كما تحطم حزمة الكراث، يقول: ثم لما هدأت الغبرة وسكن الأمر جئنا ننظر، وإذا به على هذا الوضع متلو عليه، يقول: فما استطعنا أن نفعل شيئاً قال الشيخ: ادفنوه، قال: فوضعنا اللبنات ودفناه وذهبنا عنه وعدنا إلى المسجد ثم ذهبنا إلى بيت العزاء لنعزي ونسأل عن حاله؟ فسألنا والد الشاب، قلنا: كيف كان ولدك، وماذا عمل؟! قال: كان طيباً وطائعاً وولداً جيداً، لكنه كان لا يصلي، مطلقاً. فهذا والعياذ بالله مصيره المحتوم؛ لأنه كما تعرفون أن ترك الصلاة كفرٌ والعياذ بالله. فهذه الآيات حدثت في زماننا هذا وأدركناها وفي كل بيئة وفي كل بقعة تقع آيات ودلالات لتدعيم قضية الإيمان بعذاب القبر؛ حتى يهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة.

стр. 298

حقيقة ظهور أمارات العذاب على الميت قال الإمام ابن تيمية في مكان آخر في المجلد الخامس وهو يريد أن يدلل على إمكانية رؤية الناس لعذاب القبر ولو لم يكونوا أنبياء ولا رسلاً، يقول: إذا علم وعرف أن النائم يكون نائماً وتقعد روحه وتقوم وتمشي وتذهب وتتكلم وتفعل أفعالاً وأموراً بباطن بدنه مع روحه ويحصل لبدنه ولروحه نعيمٌ أو عذاب مع أن جسده مضطجع وعينيه مغمضتان وفمه مطبق وأعضاؤه ساكنة، وقد يتحرك لقوة الحركة الداخلية في روحه وقد يقوم ويمشي -بعض النائمين يقوم ويمشي ويذهب يفتح الباب ويفعل حركات وهو لا يدري؛ لأن روحه في حلم فتستعمل جسده، فتجده يمد يديه، وما الذي يمده وهو نائم؟ قوة الحركة الداخلية لروحه أثرت حتى على حركات ظاهره- فيصيح وربما يتكلم لقوة الأمر الباطني في روحه، فكان هذا مما يعتبر به في أمر الميت في قبره، فإن روح الميت تقعد وتسأل وتنعم أو تعذب وتصيح وذلك متصلٌ ببدنه مع كونه مضطجعاً في قبره وقد يقوى ذلك حتى يظهر ذلك في بدنه وقد يرى خارجاً من قبره، وقد رئي كثير من الأموات استطاع أن يخرج من قبره وأوصى بوصايا ورجع ودخل في قبره، وقد يرى خارجاً من قبره والعذاب مشتعل به، وملائكة العذاب توثقه فيتحرك بدنه ويمشي ويخرج من قبره، وقد سمع غير واحدٍ أصوات المعذبين في قبورهم، وقد شوهد من يخرج من قبره وهو معذب ومن يقعد بدنه أيضاً إذا قوي الأمر، لكن ليس هذا لازماً في حق كل ميت كما أن قعود بدن النائم لمن يراه ليس لازماً في كل نائم، يعني: ليس كل ميت يعذب، يراه الناس، كما أنه ليس كل نائم يرى رؤيا نعيم أو عذاب، يسمعه الناس، إنما يكون ذلك بقوة التأثير. وقد ذكر الشيخ حمود بن عبد الله التويجري في كتابه الدلائل الواضحات في تحريم المسكرات والمفترات كثيراً من القصص الثابتة عنده بسندها القوي، حتى أنه شوهد وحتى أصبح كالمتواتر أن كثيراً ممن يموت وهو مدمن للدخان تلف رقبته ويُلْفَتُ وجهه عن القبلة إلى الخلف، وبينما هم يردونه ترى رأسه يُلْفَتُ عن القبلة ثانية، وذكر قصصاً كثيرة جداً من هذا الجانب ممن يعرف، وأذكر أنه حدثنا أحد الإخوة وهو الشيخ أحمد بن سامر رحمة الله تعالى عليه، وهو من الدعاة إلى الله وقد توفي في حادث مروري في خميس مشيط غفر الله له وأسكنه فسيح جناته، يحدثنا هو بنفسه يقول: حضرت جنازة رجل في تهامة يقول: فلما وضعناه في القبر وكان من المصلين، لكنه كان مبتلى بالدخان وبالشمة، يقول: فمنذ أن وضعناه في القبر كشفنا عن وجهه وإذا برأسه يلتف مستدبراً القبلة، يقول: فأرجعته فلما أطلقته عاد كما كان، ثم أرجعته فالتف، يقول: فما استطعت أن أفعل شيئاً، فتركناه والعياذ بالله على هذا الوضع. وذكر الشيخ التويجري قصة ثبتت عنده، وحصلت في نجد يقول: إن مجموعة ممن كانوا مستعملين على أمر الزكاة، أي: استعملهم ولي الأمر للذهاب والتطواف على البادية من أجل أن يأخذوا زكاة المواشي، يقول: وفي طريقهم حصل لواحد منهم مرض وتوفي وكان هذا المسكين المتوفى مبتلى بالدخان ولكنه لم يكن يشرب مع الجماعة؛ لأنهم كانوا ينكرونه، وقد كان في الماضي أكبر منكر في نجد فلا أحد كان يستطيع أن يشرب الدخان، فهذا الرجل كان يستخفي به ولكن بعضهم كان يعلم أنه يدخن، رغم أنه لم يكن يعلن بالدخان أمامهم، فلما توفي أرادوا أن يدفنوه، ولكن لم يكن معهم ما يحفرون به إلا عصيهم فجاءوا إلى رجلٍ من البادية وقالوا: توفي أخونا وليس عندنا شيء نحفر به، فنريد منك أن تعطينا معولاً أو فأساً نحفر به ونرجعه، قال لهم: أنا ما عندي إلا فأسي وهذا الفأس غالٍ جداً فأنا أقطع به حطبي وأعلف به لإبلي، وأنا أخاف أن أعطيكم إياه فتضيعونه عليَّ وأنا لست في المدينة لأذهب وأشتري بدله، قالوا: لن نضيعه أبداً، قال: أريد أن تعطوني رهناً، فرهنوا عنده بندقية، قال: إن بندقيتكم هذه لن تقطع لي حطبي ولن تنفعني، فقط أريدها رهناً لكي تعيدوا لي الفأس، قالوا: أبشر، فذهبوا وحفروا القبر تحت حجر ولما جاءوا إلى اللحد أرادوا أن يلحدوا فما استطاعوا أن يلحدوا والفأس في العصا، فنزعوا العصا من الفأس وبدءوا يحفرون بالفأس بدون عصا حتى انتهوا من القبر، فلما انتهوا -والإنسان بطبعه إذا انتهت حاجته إلى شيء نسيه، مثلك الآن إذا حصل لسيارتك مشكلة؛ تأخذ المفك لتصلحها فإذا زالت نسيت المفك؛ لأنك كنت تهتم بالمفك حين كنت محتاجاً إليه، لكن لما انتهت حاجتك نسيته، فهؤلاء لما انتهت حاجتهم نسوا الفأس في القبر ودفنوا صاحبهم- ولما وقفوا وإذا بالعصا ما فيها فأس، فقالوا لبعضهم: ماذا نصنع؟ قال بعضهم: نفتح القبر ونخرجه فالبدوي لا يريد إلا فأسه، قال بعضهم: الفأس قيمته عشرة ريالات فلماذا نفتح على أخينا في قبره وهو مستور فيه الآن ولا ندري ماذا يجري عليه. فأخذوا أنفسهم وراحوا إلى البدوي وحين نظر إلى العصا وليس فيها فأس -وتعرفون أن الأعراب جفاة ومن بدا جفا- تصور أنهم يمكرون به، وأنهم يخدعونه فما تردد في أن يقوم ويأخذ البندقية وينتصب لهم قائلاً: أعلام تريدون أن تخدعوني، فوالله لا يكون ذلك، فإما فأس وإلا رءوسكم، قالوا: لا حاجة لك برءوسنا وفأسك موجود ولكن نحن نسيناه في وسط القبر، فدفن مع الميت، قال: ليس لي شأن. يقول: فذهبوا من عنده وجاءوا واضطروا إلى فتح القبر وفتحوا القبر وهالهم ما رأوا إذ وجدوا أن صاحبهم هذا قد غُلّت يداه ورجلاه وعنقه في حلقة الفأس ورأس الفأس من عند فمه، وقد وسعت الحلقة حتى انتظمت رجليه ويديه ورقبته فلما رأوه راعهم ذلك وجاءوا بالبدوي، وقالوا: تعال انظر فأسك، ولما رأى فأسه قال: آمنت بالله! هيا اذهبوا، فأعطاهم بندقيتهم ودفنوا القبر وذهبوا. فهذه القصة ذكرها الشيخ حمود التويجري في كتابه الدلائل الواضحات في تحريم المسكرات والمفترات، وغير ذلك كثير، يقول: لكن لا يلزم أن يكون هذا الأمر بحق كل ميت، كما لا يلزم أن يكون القعود والحركة والاستيقاظ في حق بدن كل نائم، بل هو بحسب قوة الأمر ودواعيه.

стр. 299

حقيقة تزاور أرواح الموتى، ومعرفتهم بأحوال الأحياء هل يمكن أن يسمع الإنسان في اليقظة أو يرى نعيماً أو عذاباً؟ سمعتم ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية، أما السؤال الثاني، فهل تتلاقى أرواح الأموات ويتزاورون في قبورهم؟ أو يعرفون هم في قبورهم شيئاً مما يدور في هذه الدنيا بعد وفاتهم؟ تكلم أهل العلم في هذا كثيراً جداً يقول: ابن عبد البر ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: (ما من مسلمٍ يمر على قبر أخيه كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا رد الله عليه روحه حتى يرد ﵇ فهذا نصٌ واضحٌ في أنه يعرف من يعرفه في الدنيا ويرد ﵇. وثبت في الصحيحين عن رسول الله ﷺ من وجوهٍ متعددة أنه أمر بقتلى بدر بعد انتهاء المعركة فألقوا في قليب -أي: في حفرة- ثم جاء حتى وقف على رءوسهم وناداهم بأسمائهم: (يا فلان بن فلان! يا فلان بن فلان! يا فلان بن فلان! -والصحابة واقفون- هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقاً؟ فإني وجدت ما وعدني ربي حقاً) قال له عمر: (يا رسول الله! أتخاطب أقواماً قد جيفوا؟ -أي: صاروا جيفاً قد انتفخت- فقال ﵊: والذي بعثني بالحق ما أنتم أسمع لما أقول منهم) يقول هم يسمعون أكثر منكم: (والذي بعثني بالحق ما أنتم أسمع لما أقول منهم ولكنهم لا يستطيعون جوابا) فهذا نصٌ صريحٌ صحيح في أنهم يسمعون في قبورهم ما يدور في هذه الحياة الدنيا. وثبت أيضاً أن رسول الله ﷺ أخبر أن الميت يسمع قرع نعال المشيعين إذا انصرفوا عنه، وقد شرع لنا رسول الله ﷺ إذا مررنا على القبور أن نسلم على أهلها سلام من نخاطب فيقول: (قولوا: السلام عليكم دار قومٍ مؤمنين) وهذا خطابٌ لمن يسمع ويعقل، إذ لو كانوا لا يسمعون؛ لما كنا نستطيع أن نقول: السلام عليكم وهم لا يسمعون، ولولا ذلك لكان هذا الخطاب بمنزلة مخاطبة المعدوم أو مخاطبة الجماد، وهذا محال والسلف كلهم مجمعون على هذا وقد تواترت الآثار عنهم بأن الميت يعرف زيارة الحي ويستبشر به. يقول ابن القيم ﵀: حدثنا محمد بن الحسين قال حدثني رجل من آل عاصم الجحدري - عاصم الجحدري تابعي من الصالحين- قال: رأيت عاصماً الجحدري في منامي بعد موته بسنتين، فقلت له: أليس قد مت؟! قال: بلى، قال: فأين أنت؟! قال: أنا والله في روضة من رياض الجنة، أنا ونفر من أصحابي نجتمع كل ليلة جمعة وصبيحتها إلى أبي بكر المزني فنتلقى أخباركم، قال: قلت: أجسادكم أم أرواحكم؟! قال: هيهات بليت الأجساد وإنما تتلاقى الأرواح، قال: قلت: فهل تعلمون بزيارتنا إياكم؟! قال: نعم. نعلم بها عشية الجمعة كله، ويوم السبت في الليل إلى طلوع الشمس قال: قلت: فكيف ذلك من بين سائر الأيام؟! قال: بفضل يوم الجمعة وعظمته عند الله . وحدثنا محمد بن الحسين أيضاً عن حسن القصاب قال: كنت أغدو مع محمد بن واسع، ومحمد بن واسع رحمة الله تعالى عليه من أعلام التابعين، عالم ربانيٌ حدث عن أنس أي: أدرك أنساً وحدث عنه، وهو ثقة وعابد وصالح، لم يُر ولم يعلم أخشع لله منه، وكان الناس إذا وجدوا في قلوبهم قسوةً جاءوا إليه فنظروا إلى وجهه فتلين قلوبهم لذكر الله، فالرجل تذكر رؤيته بالله من خشوعه وخضوعه وخوفه من الله ، أوصى رجلاً فقال: [كن ملكاً في الدنيا وملكاً في الآخرة، قال: كيف ذلك؟! قال: ازهد في الدنيا، تكن ملكاً من ملوك الدنيا وأيضاً من ملوك الآخرة]، وكان من كثرة عبادته متواضعاً ومزرياً بنفسه يقول لأصحابه: [والله لو أن للذنوب ريحاً ما جلس إلي أحد]، فمع كثرة عبادته كان يحتقر نفسه، يقول: والله لو أن للذنوب ريحاً ما جلس بجواري أحد؛ لكن نحن اليوم لا إله إلا الله!! الإنسان منا مركب من رأسه إلى قدميه ذنوباً ويقول: أنا أحسن من غيري! فيزكي نفسه، وهذا هو الموت والبلاء. فهذا من أعبد الناس ويحتقر نفسه ويقول: لو أن هذه الذنوب لها رائحة ما كان يستطيع أحد أن يجلس إليه. وكان يقول: [إذا أقبل العبد بقلبه على الله أقبل الله بقلوب العباد عليه] وكان يقول: [يكفي من الدعاء مع الخوف والورع العمل اليسير]، يعني: عملك لو كان يسيراً، ولكن عندك ورع وخوف وزهد وأيضاً عندك دعاء ولجوء، فيكفي هذا ليكون سبباً من أسباب النجاة. وكان شجاعاً واشترك في معركة مع قتيبة بن مسلم في قتال الروم ولما سأل عنه قتيبة قال: ما صنع محمد بن واسع؟ قيل: هو ذاك رافع إصبعه إلى السماء يدعو الله، الناس يقاتلون بقوتهم وهو يقاتل بقوتين، فيقاتل بقوته المادية، وبقوة الله العظيمة، فقال قتيبة بن مسلم: والذي نفسي بيده لتلك الإصبع أعظم عندي من مائة ألف سيف شهير وشاب طرير، يعني: أن هذه الإصبع سبب للنصر بإذن الله أكثر من يد مائة ألف شاب طرير ومائة ألف سيف شهير، وهذا من تمام اعتمادهم ﵃ على قوة الله ؛ لأنهم يعلمون حقيقةً أن النصر إنما يكون من الله . قيل لـ محمد بن واسع يوماً: كيف أصبحت؟ قال: [أصبحت قريباً أجلي، بعيداً أملي، سيئاً عملي]. يقول: قريباً أجلي أي: سأموت قريباً، بعيداً أملي، أي أن آمالي طويلة عريضة. سيئاً عملي، فهذا شعوره وهو يقوم الليل كله، ويكثر من صيام الدهر، لكن إذا سُئلنا نحن كيف أصبحنا؟ نقول: إننا أحسن من غيرنا! طيبة أعمالنا، قريبة آمالنا، بعيدة آجالنا، أي: العكس ولا حول ولا قوة إلا بالله! قال له الملك ابن المنذر: وقد ولاه القضاء، فاعتذر ثم كرر عليه يريد أن يوليه القضاء فاعتذر قال: والله لتلين الأمر -أي: القضاء- أو لأجلدنك ثلاثمائة سوط، قال: [افعل فإن ذل الدنيا خير من ذل الآخرة]، يقول: اضربني فأنا بالضرب أصير ذليلاً لكن ذلي في الدنيا أهون من أن أكون ذليلاً في الآخرة إذا وليت القضاء ثم لم أعدل؛ لأن القضاة ثلاثة: اثنان في النار وواحد في الجنة، فالغالبية في النار، أي: من كل ثلاثة اثنان في النار وواحد في الجنة، فمن هو الذي إلى الجنة؟ قاضٍ عرف الحق فحكم به، فهذا الذي إلى الجنة، وقاضٍ عرف الحق ولم يحكم به فإلى النار، وقاضٍ لم يعرف الحق فحكم بغير حق ففي النار ولا حول ولا قوة إلا بالله! فيقول ابن القيم حدثنا محمد بن الحسين عن حسن القصاب قال: كنت أغدو مع محمد بن واسع في كل غداة سبت إلى المقبرة فنقف على القبور ونسلم على أهلها وندعو لهم ثم ننصرف، فقلت ذات يومٍ: لو صيرت هذا اليوم -يوم الإثنين- قال: [بلغني أن الموتى يعلمون بزوارهم يوم الجمعة ويوماً قبلها ويوماً بعدها]، وحدثني يقول محمد بن عبد العزيز بن أبان قال حدثنا سفيان الثوري قال: بلغني عن الضحاك أنه قال: من زار قبراً يوم السبت قبل طلوع الشمس علم الميت بزيارته، فقيل له وكيف ذلك؟ قال: بفضل يوم الجمعة، هذا عن من؟ عن سفيان الثوري، وسفيان الثوري هذا إمام من أئمة الدين وتابعيٌ جليل، وإمام من الحفاظ، وسيد من سادات المسلمين، طلب العلم وأكثر منه حتى طلبه على أكثر من ستمائة شيخ، ليس على واحد أو اثنين! طلب العلم وكان لا يذكر له عالِم عنده علمٌ ليس عنده إلا ضرب الأرض إليه وأخذ عنه، وأخذ عنه هو من العلماء أكثر من ألف راوٍ وكان شديد الفطنة، عظيم الذكاء، عظيم الحفظ، يقول: ما استودعت قلبي شيئاً فخانني، أي: ما استودعت في قلبي شيئاً من العلوم ثم احتجت إليه فخانني، بل بمجرد ما أطلبه يأتي به القلب؛ لأنه كالمسجل، وكان عابداً زاهداً ورعاً تقياً، يقول عنه سفيان بن عيينة: ما رأيت رجلاً أعلم بالحلال والحرام من سفيان الثوري ﵀. وقال عنه الإمام أحمد: سفيان هو الإمام الذي لا يتقدمه أحدٌ في قلبي، وأحمد بن حنبل وسفيان بن عيينة حين يزكيان رجلاً فهو الرجل، يقول أحمد: سفيان هو الإمام الذي لا يتقدمه أحدٌ في قلبي، ويقول عنه يوسف بن أسباط: قال لي سفيان بعد صلاة العشاء: ناولني المطهرة لأتوضأ وأنام، قال: فناولته المطهرة فأخذها بيمينه ثم وضع يساره على خده، ثم نمت واستيقظت بعد طلوع الفجر -يقوله يوسف بن أسباط - يقول: وإذا بالمطهرة في يده وهو كما هو منذ أن نمت أول الليل، فقلت له: يا إمام قد طلع الفجر قال لم أزل على هذا الوضع منذ ناولتني المطهرة؛ لأنني تذكرت الآخرة. يقول: إنه تذكر الآخرة فما أتاه النوم، فجلس وكأن عقله قد سلب منه من قوة التأثر بذكر الله ، وذكر الدار الآخرة. يقول سفيان الثوري: من زار قبراً يوم السبت قبل طلوع الشمس علم الميت بزيارته، ويقول: حدثنا بشر بن منصور قال: لما كان زمن الطاعون كان رجل يختلف إلى الجبال، يعني: إلى المقابر، فيشهد الصلاة على الجنائز فإذا أمسى وقف على باب المقابر ثم دعا لهم وقال: آنس الله وحشتكم، ورحم غربتكم، وتجاوز عن مسيئكم وقبل من محسنكم، ولا يزيد على هذه الكلمات، قال: فأمسيت ذات ليلة وانصرفت إلى أهلي -يقول هذا الرجل- ولم آتِ المقابر فأدعو لهم كما كنت أدعو قال: فبينما أنا نائمٌ إذا بخلقٍ كثيرٍ قد جاءوني فقلت من أنتم؟ وما حاجتكم؟ قالوا: نحن أهل المقبرة، قلت: ما حاجتكم؟ قالوا: إنك قد عودتنا منك هدية عند انصرافك إلى أهلك، فقلت: وما هي؟ قالوا: الدعوات التي كنت تدعو بها، قال: قلت فإني أعود ل

стр. 300

حقيقة استئناس الميت بمن حوله من الأحياء لقد ثبت في الصحيح أن الميت يستأنس بالمشيعين لجنازته بعد موته، فقد روى مسلم في صحيحه من حديث عبد الرحمن بن شماسة المهري قال: حضرنا عند عمرو بن العاص قبل وفاته ﵁ وأرضاه وهو في سياق الموت، فبكى طويلاً وحول وجهه إلى الجدار، وجعل ابنه يقول: (ما يبكيك يا أبتاه! أما بشرك رسول الله ﷺ بكذا وكذا؟ فأقبل بوجهه علينا وقال: إن أفضل ما أعد شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإني كنت على ثلاث درجات، فلقد رأيتني وما أحد أشد بغضاً مني لرسول الله ﷺ -لأنه أسلم متأخراً هو وخالد ومجموعة من كبار الصحابة- ولا أحب إلا أن أكون قد تمكنت منه فأقتله فلو مت على هذه الحال لكنت من أهل النار، فلما أنعم الله علي بالإسلام لقيت رسول الله ﷺ فقلت له: ابسط يدك لأبايعك، فبسط يمينه، قال: فقبضت يدي، قال مالك يا عمرو! قال: أشترط يا رسول الله! قال: ما تشترط؟ قال: قلت أشترط على ربي أن يغفر لي، قال: أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأن الحج يهدم ما كان قبله وما كان أحد أحب إليَّ من رسول الله ﷺ ، ولا أجلَّ في عيني منه، وما كنت أطيق النظر إليه إجلالاً وإعظاماً ولو سئلتُ أن أصفه ما أطقت؛ لأني لم أكن أملأ عيني منه، ووددت لو أنني مت على تلك الحال لرجوت الله أن أكون من أهل الجنة، ثم مات رسول الله وولينا أشياءً بعده لا أدري ما حالتي فيها فإذا أنا مت فلا تصحبني نائحةٌ ولا نار، فإذا دفنتموني فسنوا عليَّ التراب سناً، ثم أقيموا حول قبري قدر ما تنحر جزور وتقسم لحمها حتى أستأنس بكم، وأنظر ماذا أراجع به رسل ربي) فدل ذلك على أن الميت يستأنس بالحاضرين عند قبره ويسر بهم. هذا عمرو بن العاص ﵁ داهية العرب ودهات العرب أربعة: عمرو بن العاص ومعاوية بن أبي سفيان والمغيرة بن شعبة وزياد بن أبيه، وكل منهم انفرد بالدهاء في جانب، وكان عمرو بن العاص داهية العرب في الحزم والقوه والشدة والبأس، وكان معاوية داهية في الحلم والأناة، وكان المغيرة بن شعبة داهية في سرعة البديهة، وقد كان أميراً على البحرين في خلافة عمر بن الخطاب، فلما قدم الحجاج من البحرين، وكان عمر شأنه محاسبة الولاة عن طريق سؤال رعاياهم، فكان إذا حج جمع الوفود من كل بلد وسألهم: كيف أميركم؟ فإن أثنوا عليه خيراً مكنه وإن أثنوا عليه شراً حاسبه، فلما علم أهل البحرين بهذا الأمر أرادوا أن يقعوا في المغيرة فكادوا له مكيدة وجمعوا مائة ألف درهم من بعضهم وجاءوا بها إلى عمر وقالوا لما سألهم: كيف أميركم؟ قالوا: يا أمير المؤمنين! جاءنا صعلوكاً -يعني: ما عنده مال- ولما أردنا أن نأتي إلى الحج وهو معنا استودع عند بعضنا مائة ألف درهم فعرفنا أنها من بيت مال المسلمين فجئنا بها إليك يا أمير المؤمنين! -يظنون أنه يقول: ما شاء الله! وكثر الله خيركم- فقام عمر ﵁؛ لأنه يقول: [لا تحكم على الخصم حتى يحضر]- فإنه وإن كان الخصم الذي جاءك يشتكي قد فقئت عينه، فربما الآخر قد فقئت عيناه فلا تتعجل بالحكم. وقد عاتب الله داود؛ لأنه تعجل بالحكم، فقال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ [ص:٢٦] ومقتضى الحق أنك لا تحكم حتى تستمع الدعوى والإجابة من الطرفين، أما أن تحكم مباشرةً فمعناه أنك لست حاكماً عدلاً، وأرسل الله على داود اختباراً في هذا فجاءه اثنان من الملائكة وتسورا المحراب وقال أحدهما: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ [ص:٢٣] فما صبر داود وما سأل الخصم وإنما حكم مباشرة: ﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ﴾ [ص:٢٤] ثم علل وقال: ﴿وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [ص:٢٤] قال الله ﴿وَظَنَّ دَاوُدُ﴾ [ص:٢٤] أي: اعتقد وعلم ﴿أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾ [ص:٢٤] يعني أننا اختبرناه بهذين الخصمين ﴿وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ﴾ [ص:٢٤]. وما يدار في كتب الإسرائيليات من أن داود ﵇ كان له تسع وستعون زوجة، وأنه رأى امرأة في بيتها، فأرسل زوجها إلى الغزو، ثم أخذها وتزوج بها، فهذا كله كذب وافتراء وقدح في مقام النبوة، فمعاذ الله أن يفعل هذا وهو نبي مجتبىً مختار، فهذا الفعل لا يفعله إنسان عادي بأن يكون عنده تسعة وتسعين امرأة ناهيك عن أن يأخذ تلك، كما أنها امرأة لرجل آخر، والإنسان لا يطمح عادة إلا إلى البكر أما امرأة رجل آخر فلا يعقل ذلك! لكن هذه من الإسرائيليات التي تردها أدلة الشرع في عصمة الأنبياء وجلالة قدرهم ولا ينبغي القول بها كما ذكر ذلك المحققون-. فكان عمر بن الخطاب شأنه ألا يترك الأمر معلقاً، فقال: هاتوا لي المغيرة؛ فلما جاء المغيرة، قال: ما هذا يا مغيرة؟ قال: ما هو يا أمير المؤمنين؟! قال: إن هؤلاء زعموا أنك جئتهم صعلوكاً وأنك أخذت من مال المسلمين بغير حق فلما قدمت إلى الحج استودعتهم مائة ألف درهم، فمن أين أتيت بها؟! قال: اصبر يا أمير المؤمنين! أولاً: أنا ما استودعتهم مائة ألف بل مئتي ألف -انظروا إلى الدهاء وسرعة البديهة- فمرهم أن يأتوا بها أولاً- فهم ما عندهم إلا مائة ألف وقد بحثوا عنها بكل وسيلة وهذه حجة عليهم- قال لهم أمير المؤمنين: هاتوا المائة الثانية، فـ المغيرة لا يكذب أبداً، فلما عرفوا أنهم وقعوا في ورطة قالوا: يا أمير المؤمنين! والله ما أعطانا لا مائة ولا مائتين -فكذبوا أنفسهم- ولكنا كرهنا الرجل قال: وما تكرهون فيه؟! قالوا: كرهناه دينه وعدله فأردنا المكر به فأوقعنا الله في مكرنا، فقال: الحمد لله الذي لم يخيب فراستي في المغيرة ورده والياً على البحرين. فهذا من دهائه ﵁. وكان عمرو بن العاص داهية العرب، ورجل العالم الذي دوخ الدنيا يضرب به المثل في الحزم والدهاء فتح مصر واستعمله عمر عليها. وكان أهل مصر يأتون كل سنة بفتاة جميلة عذراء ويلبسونها أحسن الثياب ثم يدفعونها في النيل، وإذا لم يفعلوا ذلك فإن النيل لا يجري، فلما جاء عمرو أنكر عليهم وكتب إلى عمر قائلاً: إن أهل مصر يدفعون إلى نيلهم كل سنة فتاةً من فتياتهم، قال عمر: امنعهم من ذلك وألق كتابي هذا في النيل، وكان عمر قد كتب: [من أمير المؤمنين عمر إلى نيل مصر إن كنت تجري بأمر الله؛ فإن الله سيجريك، وإن كنت إنما تجري بأمر الشيطان فلا أجراك الله]- عمر يخاطب النيل! انظروا إلى قوة الإيمان- فأخذ عمرو بن العاص الكتاب ورمى به في النيل، يقول: فجرى النيل ذلك العام كما لم يجر من قبل وذلك بأمر الله ، وانقطعت تلك العادة الشيطانية التي كان الشيطان قد أوحى بها إلى الناس. هاجر عمرو متأخراً سنة ثمانٍ للهجرة، وكان ذلك قبل موت النبي ﷺ بحوالي ثلاث أو أربع سنوات، وهاجر معه خالد بن الوليد، وفرح بهم النبي ﷺ ، وأمَّره عمر على بعض الجيش وجهزه للغزوات، وله أكثر من أربعين حديثاً منها ثمانية في صحيح البخاري، وكان واضحاً لا يعرف النفاق، يقول عنه قبيصة بن جابر: [ما رأيت رجلاً أبين رأياً، ولا أكرم جليساً ولا أشبه سريرة بعلانية من عمرو بن العاص ﵁] وكان ذا رأيٍ وشجاعةٍ ودربةٍ في أمور الحرب ﵁.

стр. 301

حقيقة تلاقي أرواح الأموات وأرواح الأحياء المسألة الثالثة: من المسائل التي يمكن أن نسأل عنها ونناقش فيها: هل تتلاقى أرواح الأموات وأرواح الأحياء؟ فالسؤال الأول هل يعرف الأحياء ما يجري من نعيم أو عذاب في القبور؟ وقد أجبنا عليه. والثاني: هل تتزاور أرواح الأموات مع بعضها في القبور؟ وقد أجبنا عليه. أما الثالث: فهل تتزاور أرواح الأموات مع الأحياء الذين على ظهر الأرض؟ وفي هذا يقول ابن القيم ﵀: هذه مسألة شريفةٌ عظيمة القدر وجوابها: أن الأرواح في عالم البرزخ على قسمين: أرواح معذبة وأرواح منعمة، فالمعذبة في شغلٍ شاغلٍ بما هي فيه من العذاب عن التزاور والتلاقي، ولهذا فالمعذب لا يزور أحداً في الدنيا. فالذي يزور هو من يكون في نعيم، أما الذي يكوى ويحرق بالنار، بالليل والنهار فليس عنده وقت ليزور أحداً، وإنما هو في شغلٍ شاغلٍ بما سلط عليه من عذاب القبر والعياذ بالله. قال: وأما الأرواح المنعمة فهي تتلاقى وتتزاور وتتذاكر ما كان منها في الدنيا وما يكون من أهل الدنيا، فتكون كل روح مع رفيقها الذي هو على مثل عملها وروح نبينا محمد ﷺ في الرفيق الأعلى قال : ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً﴾ [النساء:٦٩] وهذه المعية ثابتةٌ في الثلاث الدور، الدنيا، ودار البرزخ، ودار الجزاء، والمرء مع من أحب في هذه الدور نسأل الله الذي لا إله إلا هو إن يحشرنا في زمرته؟ وأن يجعلنا ممن يعيش معه ويراه صلوات الله وسلامه عليه. يقول الإمام الشعبي: جاء رجل من الأنصار إلى رسول الله ﷺ يبكي ويقول: (يا رسول الله! يا نبي الله! والله الذي لا إله إلا هو إني لأحبك أكثر من نفسي وأهلي ومالي، وإني أكون في أهلي فأذكرك فلا تهدأ نفسي حتى آتي إليك فأنظر إلى وجهك يا رسول الله! وإني ذكرت يا رسول الله! أنك ستموت وأنني سأموت فعرفت أنني لن أكون معك في الدار الآخرة، وأنك ستكون في منزلة النبيين، وأنني إن دخلتُ الجنة كنت في منزل أدنى من منزلتك، فلم يرد عليه النبي ﷺ -فانظروا إلى نظرة الرجل البعيدة، يقول: إنك ستموت وأنت مع النبيين وأنا إن دخلتُ الجنة لن أكون مع النبيين ولن أراك، فماذا أفعل؟ قال:- فلم يرد عليه النبي فنزل قول الله : ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً﴾ [النساء:٦٩]). هذا نصٌ في ذلك وقد أخبر الله عن الأحياء أنهم يرزقون عند ربهم وأنهم يفرحون ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم، وهذا دليلٌ على تلاقيهم في عالم البرزخ من وجوه ثلاثة: الأول: أنهم عند ربهم يرزقون. والثاني: أنهم يستبشرون بإخوانهم لقدومهم عليهم من بعدهم. والثالث: أن لفظ الاستبشار يفيد أنه يبشر بعضهم بعضاً فهم يتباشرون بذلك بالآخرة كما كانوا يتباشرون بالبشرى في الدنيا. وقد تواترت الروايات فيما يتعلق بتلاقي أرواح الصالحين في الآخرة مع أرواح الصالحين في الدنيا كثيراً جداً ومنها: ما روى صخر بن راشد قال: رأيت عبد الله بن المبارك -هذا الذي ذكرنا قصته- بعد موته فقلتُ له: ألست قد مِتَّ؟ قال: بلى، قلت: فما صنع الله بك؟ قال: غفر لي مغفرةً أحاطت بكل ذنبٍ، قلت: فأين سفيان الثوري؟ قال: بخٍ بخٍ ذاك: ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً﴾ [النساء:٦٩]. وقال أبو عبد الله بن مندة: حدثنا أحمد بن محمد بن إبراهيم عن مطرف عن جعفر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله : ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ [الزمر:٤٢] قال: [بلغني أن أرواح الأحياء والأموات تلتقي في المنام فيتساءلون بينهم فيمسك الله أرواح الأموات ويرسل أرواح الأحياء إلى أجسادها]. وقد دل على التقاء أرواح الأموات والأحياء أن الحي يرى الميت في منامه فيستخبره فيخبره الميت بما لا يعلم الحي فيصادف خبره كما أخبر. وأبلغ من هذا أنه يخبره بما عمله من عمل ولم يطلع عليه أحداً غيره. يقول ابن القيم ﵀ قال سعيد بن المسيب -وهو من أئمة التابعين-: [التقى عبد الله بن سلام -وهو صحابي من اليهود أسلم على عهد النبي ﷺ وسلمان الفارسي فقال أحدهما للآخر: إن مت قبلي فالقني في المنام -انظروا إلى يقينهم بقضية الموت- قال: إن مت قبلي فالقني في المنام وأخبرني بما لقيت عند الله، وإن أنا مت قبلك فسوف ألقاك فأخبرك، فقال الآخر: وهل تلتقي الأموات والأحياء؟ قال: نعم. أرواحهم في الجنة تذهب حيث تشاء، قال: فمات أحدهم فلقي الآخر في المنام، فقال له: ماذا أصنع؟ قال: توكل على الله وأبشر فلم أر مثل التوكل]. قال العباس بن عبد المطلب: [كنت أشتهي أن أرى عمر في المنام فما رأيته إلا بعد حولٍ من موته فرأيته يمسح العرق عن جبينه وهو يقول: هذا أوان فراغي إن كاد عرشي ليهد لولا أني لقيت رءوفاً رحيماً] ولما حضرت شريح العابد الوفاة دخل عليه عبيد بن الحارث وهو يجود بنفسه فقال: يا أبا الحجاج إن قدرت أن تأتينا بعد الموت لتخبرنا بما لقيت من ربك فافعل -وكانت كلمة مقبولة عند أهل العلم وأهل الفقه في الدين- فمكث زماناً بعد موته لم يره ثم رآه في المنام فقال له: كيف حالك؟ قال: تجاوز ربي عن الذنوب فلم يهلك منا أحداً، قلت: إلا من؟ قال: إلا الأعيان، قلت: ومن هم؟ قال: الذين يشار إليهم بالأصابع. يقول هؤلاء رسبوا في الامتحانات. وقال عبد الله بن عمر بن عبد العزيز: رأيت أبي في النوم بعد موته كأنه في حديقة فدفع إليَّ تفاحات، فأولتهن الولد فقلت: أي الأعمال وجدت يا أبتِ؟ قال: الاستغفار يا بني. فالاستغفار من أعظم الأعمال؛ لأن الله جعله أماناً من العذاب في حياة رسول الله ﷺ ، وبعد موته قال الله : ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال:٣٣]. نسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يغفر لنا وإياكم ذنوبنا وأوزارنا، وسيئات أعمالنا، وأن يتقبلنا في عباده الصالحين إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 302

الأسئلة هنا بعض الأسئلة من الأسبوع الماضي سوف أبدأ في إجابتها، والأسئلة التي أتت اليوم إن شاء الله في المستقبل.

стр. 303

مصير النمام الذي مات على التوحيد السؤال ما معنى قول النبي ﷺ : (لا يدخل الجنة نمام)؟ وهل معناه أن الذي يموت نماماً لا يدخلها ولو مات على الإيمان أو التوحيد؟ الجواب هذه الأحاديث أيها الإخوة! كما يقول العلماء: أحاديث الوعيد التي خرجت مخرج التهديد والترهيب من فعل بعض الأشياء لا تؤخذ لوحدها وإنما تؤخذ مع عموم الأدلة مثل حديث الرسول ﷺ (من صلى البردين دخل الجنة) وهذا حديث في صحيح البخاري وصحيح مسلم و (البردان) يعني العصر والفجر، فلا يأتي واحد يصلي الفجر والعصر ويترك المغرب والظهر والعشاء ويقول: مادام أنه من صلّى البردين دخل الجنة فأنا أدخل الجنة، فنقول: لا (من صلى البردين دخل الجنة) ولكن لابد من الصلوات الخمس بأدلة أخرى. فهنا دلت الأدلة الشرعية الثابتة في كتاب الله ، وعن رسول الله ﷺ أن من مات على التوحيد لا يخلد في النار وأن مصيره إلى الجنة في آخر الأمر، إذ يخرج من النار من في قلبه مثقال ذرةٍ من إيمان، وإنما المقصود أنه لا يدخل الجنة نمام أي: لا يدخلها ابتداءً، يعني: لابد من دخوله النار ليعذب على قدر الأقذار التي علقت به؛ لأنه إذا مات الإنسان وهو نظيف بالتوحيد، ونظيف من المعاصي والذنوب فإنه طيب في الظاهر والباطن فيدخل دار الطيبين، أما إذا مات وبه قذر أو به لطوخ من المعاصي فإنه لا يدخل الجنة الطيبة إلا بعد التعقيم في النار، والمكث في التعقيم يكون بحسب كثرة الأوساخ فالذي أوساخه قليلة يكون مكثه قليلاً، والذي أوساخه كبيرة ومتأصلة يكون مكثه طويلاً، وقد يدخل الجنة ابتداءً بدون تعقيم، وإنما تعقمه رحمة الله كما قال الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]. فأما الشرك فلا يغفره الله؛ لأن المشرك كالخنزير كما يقول ابن القيم: الخنزير لو أدخلته من طرف البحر -تريد أن تغسله- وأخرجته من الطرف الآخر طلع عليك خنزيراً فلا ينظفه ماء البحر، لكن المسلم الذي يموت موحداً وعليه أقذار، فإنه يمحص بقدرها، وكلما كانت ذنوبه أكثر كان مكثه أكثر، فالنمام لا شك أن عمله كبير، ومن كبائر الذنوب، وهو يعذب صاحبه في القبر ويعذبه في البرزخ، ولكن إذا كان موحداً -مات على التوحيد- ولا يشرك بالله، فإنه بتوحيده ستكون نهايته إلى الجنة بإذن الله .

стр. 304

مصير المتقلب بين التوبة والمعاصي السؤال أنا شابٌ التزمت في أول حياتي ثم عدت إلى حياة اللهو، واليوم تبت إلى الله من قلبٍ صادقٍ فهل تقبل توبتي؟ الجواب نعم. يا أخي الشاب! تقبل توبتك ويقلب الله سيئاتك التي عملتها حسنات، ولكن اثبت يا أخي المسلم! فإن التذبذب والصعود والهبوط والجد مرة والكسل مرة والمحافظة على الصلاة مرة وتركها مرة هذه ظاهرة خطيرة لحياة الشاب؛ لأنه قد يأتيه الموت وهو في النزول، فمن يرجعه؟ أو قد ينزل نزلة لا يصعد بعدها إلى يوم القيامة، بعض الشباب يقول: أنا الآن اهتديت لكن ضيقت على نفسي! فلماذا لا أفعل مثل هؤلاء العابثين وأشبع نفسي بالمعاصي والذنوب، ثم أتوب؟! فينزل فإذا نزل عاش هذه الحياة العابثة، فإما أن يموت قبل أن يتوب، أو يستمرئ هذه الأمور والعياذ بالله فيألفها ولا يستطيع أن يتوب، فيموت خاسراً والعياذ بالله لأن الله هو الذي يحبب الإيمان ويزينه في القلوب قال الله: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْأِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ [الحجرات:٧] فنسأل الله أن يحبب إلينا الإيمان ويزينه في قلوبنا، وأن يكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، فاثبت يا أخي! على دين الله ولا تتذبذب فإن هذا خطر؛ لأن القلب هو مجال هذا التذبذب، وهذا القلب جهاز عجيب يتقلب. وما سمي الإنسان إلا لنسيه ولا القلب إلا أنه يتقلب وهو بين إصبعين من أصابع الرحمن، ولذا كان النبي ﷺ يسأل الله ويقول: (اللهم يا مقلب القلوب! ثبت قلبي على دينك) فكان يسأل وهو المعلم لهذه الأمة ويقول: اللهم ثبت قلبي على دينك وعلى هداك، فاسأل الله التثبيت واثبت على دين الله واتبع وسائل الثبات وهي: تلاوة القرآن الكريم، وفعل ما أمر الله به من أوامر وفي مقدمتها التوحيد، والصلوات الخمس، والزكاة؛ لأن الذي لا يصلي في المسجد وتوحيده فيه خلل فإن الله لا يثبته، يقول الله : ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ﴾ [النساء:٦٦] أي ما أمر الله به: ﴿لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً﴾ [النساء:٦٦] فأعظم شيء يثبتك على الدين فلا تزيغ ولا تهلك هو أن تتمسك بطاعة الله، وتعض عليها بنواجذك وتحرص عليها بكل قواك وتجاهد نفسك بقوة وعنف أن تكون الأول في دين الله. لكن أن تتكاسل في الصلاة وتأتي مرة في الصف الأول، ومرة في الثاني، ومرة في الأخير، ومرة تصلي في البيت، ومرة في المسجد، ومرة تضيعها، وتريد أن تثبت على الدين، فهذه بداية انحدار والعياذ بالله والذي يعمل هذا لا ترده إلا جهنم والعياذ بالله، لكن الذي يجاهد نفسه باستمرار فما إن يسمع الأذان حتى يقوم إليها فهذا يثبته الله ، ويحبب له الإيمان، فلا يمضي عليه سوى فترة بسيطة من الزمن وإذا بهذه الأعمال والطاعات تصبح صفة لازمة وثابتة فيه، ولا يمكن أن يتركها في أيِّ حال من الأحوال؛ لأن الله ثبته قال الله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [إبراهيم:٢٧] يعني: هنا ﴿وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم:٢٧].

стр. 305

حكم صلاة الركعتين بعد الإحرام السؤال كنت قاصداً العمرة ولما أحرمت من الميقات كان وصولي وقت صلاة من الصلوات الخمس فصليت ثم اكتفيت بها فقيل لي لابد من صلاة ركعتين فهل هذا صحيح؟ الجواب لا، ليس بصحيح، والصحيح أن رسول الله ﷺ أهل محرماً بعد أن أدى الفريضة فهذا هديه، فإذا صليت فريضةً في ميقاتٍ من المواقيت فإنك تحرم بعده، أما إذا أتيت على غير فريضة، فقد اختلف أهل العلم في حكم صلاة الركعتين فمنهم من قال: لا أصل لها، فإذا أتيت في غير الفريضة فتحرم من الميقات ولا تصل ركعتين؛ لأن الرسول ﷺ لم يفعلها وإنما صلى الفريضة، فإما أن تصلي الفريضة إن كنت جئت في وقتها، فإن لم يكن فلا تصل. ومن أهل العلم -وهم الجمهور- من قال: يصلي ركعتين قياساً على صلاة الفرض فإن النبي ﷺ لما صادف وقت فرضٍ أحرم بعده ولما لم يصادف الإنسان وقت فرضٍ فليصلِ نفلاً تشبهاً برسول الله ﷺ ، وهذا يرجحه الشيخ عبد العزيز بن باز والكثير من العلماء المحققين أنه يصلي بعد إحرامه. لكن أن تصلي فريضة وبعدها تصلي نافلة فهذا خطأ ولم يقل به أحد من العلماء.

стр. 306

الحرص على تسوية الصفوف في الصلاة السؤال أرى أن يوجه الإخوة المصلون إلى تسوية الصفوف أثناء قيام الصلاة حيث وأن الصفوف أحياناً تكون منقطعة ومتقطعة ومخلخلة وغير مستوية؟ الجواب هذا تنبيه جيد جداً وهو مهم؛ لأن تسوية الصفوف أيها الإخوة! كما تعرفون من تمام الصلاة، والرسول ﷺ قال لأصحابه: (ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها قالوا: كيف تصف؟ قال: كانوا يتمون الصفوف الأول فالأول ويتراصون في الصفوف) فتسوية الصفوف جزءٌ من تسوية القلوب، فإذا استوت الصفوف استوت القلوب، وإذا اختلفت الصفوف اختلفت القلوب فلا بد من المراصة، وكان النبي ﷺ يهتم بهذا الجانب وكان السلف من بعده يهتمون بأمر الصلاة، وكان عمر يضرب الناس بالدرة -بالعصا- أثناء تسوية الصفوف؛ لأن استواء الصفوف مطلوب وشيء من متطلبات الفريضة، فينبغي للمسلم أن يحرص على هذا وأن ينظر عن يمينه وعن شماله، وأن يجر إليه من بجانبه، وأن يتقدم أو يتأخر حتى يستقيم الصف ولا يبقى فيه اعوجاج، وأن يتم الصف الأول فالأول، وأن لا يبدأ صفاً من الوسط حتى ينتهي الصف الذي قبله من طرفيه؛ لأنه غالباً ما يبدأ الناس الصفوف من عند الباب وتجد بعض الصفوف ناقصة باستمرار؛ لأن الشخص إذا سلم يريد أن يختصر الطريق إلى الباب وينصرف من هناك.

стр. 307

طلب العلم بين فرض العين وفرض الكفاية السؤال نجحت من الثانوية وحمدت الله ثم بعد ذلك طلب مني أهلي أن أدرس فحرمت الدراسة على نفسي كما حرمت الجنة على الشيطان -لا حول ولا قوة إلا بالله- ثم تذكرت أنه ليس لي بد من الدراسة فسجلت في الجامعة وقبلت، ثم إنه واجهتني الكثير من الصعاب في الدراسة -يعني كأنه يتصور أن هذا اليمين هو الذي سبب له هذه الصعاب- هل عليَّ إثم في تحريم الدراسة على نفسي؟ وهل عليَّ في تحريمها كفارة؟ الجواب أولاً: أنت مخطئ في تحريم الدراسة؛ لأننا أمة العلم، فالجهل ما بنينا به مجداً، وأول آية نزلت علينا في كتابنا قول الله : ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق:١] فلن نبلغ شأواً ولا مجداً إلا بعلمنا وبإنتاجنا وبحضارتنا في شتى الميادين، سواء كانت هذه العلوم التي ندرسها علوماً شرعيةً أو علوماً دنيوية، لكن طبعاً العلوم الشرعية لابد منها؛ لأنها فرض عين على كل مسلم فلابد لطالب الطب أن يكون فقيهاً في الدين، ولطالب الهندسة لابد أن يكون فقيهاً في الدين، والطالب في كلية التربية لا بد أن يكون فقيهاً في الدين، فليست العلوم الشرعية مقصورة على طلاب الشريعة وطلاب العلوم الدينية. فنريد الطالب مزوداً بالدين في كل جامعة وفي كل ميدان، ولكن طالب الشريعة يزداد تخصصاً، فيعرف في الدين ما لا يعرفه في أمور تخصصية نادرة تعتبر من فروض الكفاية. فأنت يا أخي! قد أخطأت كثيراً حينما حرمت الدراسة على نفسك، والله قد قال للنبي ﷺ ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾ [التحريم:١] وقال: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم:٢] فينبغي لك أن تقف عند هذا اليمين ولا تحرم ما أحل الله، وعليك أن تواصل دراستك وأن تستعين بالله، ولتعلم أن هذه المصاعب التي تواجهك في دراستك الجامعية شيء طبيعي في حياة كل شاب جامعي، لكن مع الاستمرار لابد أن تدك هذه العقبة إن شاء الله وتبلغ إن شاء الله المرتبة الطيبة والمنزلة الرفيعة لتنصر دينك من منصبٍ أقوى ومن مكان أفضل بإذن الله. ويلزمك كفارة يمين أن تطعم عشرة مساكين كل مسكين كيلو ونصف أو اثنين كيلو رز من أوسط ما تطعم أهلك إن شاء الله، وأسأل الله أن يتوب عليَّ وعليك.

стр. 308

فضل المخيمات الصيفية في حفظ الشباب السؤال أرجو أن تقدموا نصيحة للآباء الذين يرفضون تمكين أبنائهم من الذهاب إلى الرحلات المدرسية والمعسكرات والمخيمات الدينية؛ لأن فيها منفعة للشباب؟ الجواب أقول يا إخواني! بالنسبة للآباء فإن الشاب لا يمكن أن يتعايش مع الإسلام وأن يفهم الدين فهماً عملياً بواقع التجربة إلا عن طريق التعايش مع إخوته في الله في المخيمات والمعسكرات الإسلامية؛ لأن هذا الكلام الذي نقوله في الندوات الآن شيء نظري، ويمكن أن يثبت ويمكن أن يذهب لكن إذا طبق في مجال العمل فإنه يثبت ويستقر، ولذا تجد الشاب إذا عاش يوماً أو يومين أو ثلاثة في مخيم إسلامي؛ فإنه يرجع بنفسيات مختلفة اختلافاً كبيراً أكثر من سماعه للمواعظ والمحاضرات في ثلاث سنوات؛ لأنه هنا يسمع عن القيام للصلاة، لكن هناك يسمع كلمة قم للصلاة، ويسمع الخشوع، ويسمع قيام الليل، ويسمع كل هذه الأشياء المهمة جداً. وعليك أيها الأخ المسلم! إذا أردت أن يهتدي ولدك وأن يثبت على دين الله أن تسمح له في كل فرصة تسنح للذهاب مع إخوانه في رحلة أو في مخيم إسلامي، لكن بشرط أن تعرف من المسئول، ومن القائم على المخيم الإسلامي، وأن يعرف أنه رجل موثوق في دينه وفي عقيدته وفي حسن إشرافه ودرايته، أما غير ذلك فلا؛ لأني سمعت في يوم من الأيام أنه يوجد مخيم اسمه مخيم إسلامي وأنهم في الساعة التاسعة صباحاً يقومون في وقت الفطور ويشغلون الميكرفون والمسجل على أم كلثوم تغنيهم: يا صباح الخير يا اللي معانا، بعد الفطور قاموا يلعبون إلى الظهر ورجعوا يقولون: مخيم ديني وإسلامي، أي إسلامي؟! بل هذا مخيم شيطاني. وأذكر مرة من المرات قبل حوالي عشر سنوات أقامت إدارة التعليم مخيماً إسلامياً بطلائع الشباب الطيبين من الثانويات في المناطق المجاورة بـ أبها وجيزان ونجران وبيشه والباحة، فجاء من كل منطقة عشرون طالباً، فكان مجموعهم مائة طالب، والمخيم مدته أسبوعاً وكان في القرعا، وكنت أنا مسئولاً عن هذا المخيم ولما جاء الطلاب إلى البيت اجتمعوا من أجل أن نبدأ المخيم، وكان أكثرهم قد أتى معه بالكاميرا والمسجل وبعضهم أحضر الورقة في جيبه والثاني أحضر معه (الضومنة) وقالوا رحلة في السودة أو في القرعا مدة عشرة أيام، فلما جاءوا وجلسوا أول جلسة تكلمنا معهم وأعطيناهم لمحة عن المخيمات الإسلامية، وذكرنا لهم برامج المخيمات، وكان برنامجنا يبدأ عند الساعة الثالثة والنصف صباحاً، يعني: قبل الفجر بحوالي ساعة، فيبدأ بصلاة التهجد، يقول لي واحد من طلاب نجران لما صار ملتزماً واهتدى: والله ما سمعت بصلاة التهجد إلا منكم، لما قلتم صلاة التهجد يقول: قلت: ما هي التهجد؟! إلا أن معنى التهجد النوم، فما فهمت أن صلاة التهجد يعني قيام الليل. فكانوا يقومون الساعة الثالثة والنصف إلى الساعة الرابعة والنصف صلاة تهجد، وبعد الساعة الرابعة والنصف يقرءون القرآن ويصلون الفجر وبعد صلاة الفجر نقسمهم عشر حلقات كل عشرة طلاب مع مدرس من المدرسين الذين كانوا يشرفون على المخيم، يقرءون القرآن ويتعلمون القرآن، وكان هناك طلاب في الثانويات لا يعرفون حتى قراءة الفاتحة، يعني: كما أنزلها الله بل يقرءون ويلحنون فيها، وبعد الإشراق نصلي ركعتين ثم يذهب الطلاب في حركات رياضية وكنت أنا الذي أدرسهم الرياضة؛ لأن عندي خلفية فيها بعد ذلك نرجع ونفطر، ثم فترة راحة من الساعة الثامنة إلى الساعة العاشرة، ومن الساعة العاشرة إلى الساعة الثانية عشرة محاضرات نستضيف فيها بعض العلماء ليلقوا دروساً على الطلاب، وبعد الظهر هناك غداء وراحة إلى العصر، وبعد العصر زيارة للأماكن المحيطة بالبيئة وأيضاً بعض الحركات والألعاب الرياضية، ومن المغرب إلى العشاء حفل سمر، ومن بعد العشاء بساعة هناك عشاء ثم بعدها النوم مبكراً، فهذا هو البرنامج، فالشباب أول ما أتوا تضايقوا قليلاً منه لكن في آخر الأمر وبعد أسبوع طلبوا تمديده، فاستأذنا من المسئولين في دار التعليم ومددناه عشرة أيام؛ لأن عندنا وفر في الإمكانية والميزانيات، بعد ذلك والله كنا نودعهم في آخر يوم وهم يبكون، وأن أحد الطلاب كتب لي وهو من نجران يقول لي: أكتب لك هذه الرسالة بمداد قلمي ودمع عيني، يقول: والله رجعت إلى بيتي وأنا غريب عن أمي وأبي وأبنائي وإخواني، يقول: غريب ما عرفت هذه العيشة الزكية عيشة الدين. فإذا وجدت يا أخي المسلم! مخيماً إسلامياً أو معسكراً أو رحلة فيها أناس طيبون يربون لك ولدك ويهدونه إلى الصراط المستقيم، خير لك يا أخي! من أن تترك ولدك لعبة أو طعمة يمكن أن يخطفه شيطان يعلمه الشر أو يعلمه المخدرات، ويعلمه الفساد ثم تندم وتعض على أصابع الندم، صحيح أنك تحرص عليه وهذا طيب من الطيبات، لكن بعض الآباء يمنع ولده حتى من الخير. فامنع ولدك من الشر وأطلقه في الخير أما أن تمنعه من الخير والشر فإنه لن يبقى هكذا، بل سيكون فريسة للشر يوماً من الأيام حين يتحرر منك. أما الآن فسيطيعك؛ لأنه مضطر لذلك، لكن حين يكبر فلن يطيعك، وأنت قد منعته من الخير الذي يحفظه، فسيتقبل الشر وينحرف والعياذ بالله. أسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يوفقنا وإياكم.

стр. 309

حكم تخطي رقاب المصلين السؤال أكثر الشباب الملتزم الطيب يأتي إلى الندوة والمجلس والمحاضرة متأخراً ثم يتخطى رقاب الناس، فهل هذا جائز؟ الجواب تخطي الرقاب لا يجوز وينبغي التفسح؛ لأن تخطي الرقاب يؤذي المسلم إلا إذا رأى الإنسان فرجة خالية أمامه ليس فيها أحد، ولم يتقدم أحد ليقعد فيها؛ فإن من حقه أن يأتي ويقعد فيها ولا يقعد عند الباب.

стр. 310

سؤال في أحكام الرضاع السؤال أخت أخي من الرضاعة هل تكون أختاً لي؟ الجواب لا. من أين صارت أختك؟ أخت أخي من الرضاعة يعني: أن أخاك رضع من امرأة وأصبح أخاً لجميع البنات والأولاد الذين رضعوا من هذه الأم، والذين خرجوا من صلب زوج هذه المرأة من غيرها، هم أخوة له، أما أنت فلست أخاهم، فيقول: أخت أخي من الرضاعة هي أختي، ويريد أن يسلم عليها، فلا يجوز ذلك. والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 311

نعمة الإيمان والدين الإيمان أعظم نعمة في هذا الوجود؛ لأنه بغير الإيمان يخسر المرء الدنيا والآخرة، وقد يكون خسران الدنيا سهلاً، لكن خسارة الآخرة لا تعدلها خسارة؛ لأنها خسارة أبدية، كما أن الفوز فيها هو الفوز، فالعاقل من أدرك ذلك، والموفق من رزق نعمة الإيمان، والخاسر المغبون من حاد عن ذلك، وطاوع الشيطان الرجيم.

стр. 312

أهمية الإيمان إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله وصفيه وخليله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، ومن سار على دربه واقتفى أثره، وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد:

стр. 313

الإيمان أعظم نعمة على الإطلاق أيها الإخوة في الله! من أعظم النعم التي يمن الله بها على الإنسان في هذه الحياة، نعمة الإيمان والدين، ومن أعظم وأجل النكبات وأخطر العقوبات التي يُعاقب بها الإنسان في هذه الحياة، هي عقوبة الحرمان من نعمة الإيمان والدين، فمن أكرمه الله بنعمة الهداية فقد أُكرم وأُنعم عليه بأعظم نعمة، ومن حُرم هذه النعمة فقد عُوقب بأعظم عقوبةٍ ينالها في الدنيا والآخرة. ذلك -يا عباد الله- لأن النعم إنما تعرف بآثارها ونتائجها؛ فكلما كان أثر النعمة كبيراً كان قدرها كبيراً، وأثر نعمة الإيمان لا ينحصر في هذه الدار، إنه أثرٌ يرافقك أيها الإنسان! عبر رحلتك الطويلة التي تقطعها منذ أن تُولد حتى تستقر قدمك إما في الجنة وإما في النار، الإنسان في سفر وفي رحلة وفي مراحل، رحلة الحياة، ثم رحلة الموت، ثم رحلة الحياة البرزخية في القبر، ثم رحلة الحياة يوم القيامة، ثم آخر محطة يقف فيها الإنسان خلودٌ في الجنة لأهل الإيمان -جعلنا الله وإياكم منهم- أو خلودٌ في النار لمن حُرم نعمة الإيمان -أعاذنا الله وإياكم منهم-. فنعمة الإيمان معك في الحياة، وعند الموت، وفي القبر، وفي الحشر، ومعك إلى أن تدخل الجنة، وعقوبة الحرمان من نعمة الإيمان لعناتٌ في الدنيا، وغضبٌ من الله عند الموت، وعذابٌ في القبر، وفي الحشر، وفي النار، أعاذنا الله وإياكم من النار. لذا كان حريَّاً بالعقلاء أن يكون تركيزهم على الحصول على نعمة الإيمان والدين، لا تفكر كثيراً ولا تشتغل كثيراً بغير هذه النعمة، فإنك بالإيمان تكسب كل شيء، ولا تخسر شيئاً، تكسب الدنيا والآخرة، وبغير الإيمان والدين تخسر كل شيء، ولا تكسب شيئاً، ما الذي يكسبه البعيد عن الله، ما الذي يكسبه المجرم والكافر والفاجر يكسب الغضب والسخط واللعنات والبعد عن الله ومخالفة أوامر الله .

стр. 314

الإيمان أعظم نعمة امتن الله بها على رسوله وعلى عباده الإيمان نعمة امتن الله بها على رسوله ﷺ ، وامتن الله بها على الأمة إلى يوم القيامة، يقول الله للرسول ﷺ : ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ [الفتح:١ - ٢] أي: يتم دينه وإيمانه عليك. ويقول : ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ * وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى:١٠ - ١١] أي: بدين الله وامتن الله بهذه النعمة على الصحابة، فقال في آخر ما نزل في حجة الوداع ورسول الله ﷺ واقفٌ بـ عرفة يقول الله له: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً﴾ [المائدة:٣]. ما هي النعمة التي أتمها الله على الصحابة في عهدهم؟ هل هي النعمة التي نتصورها الآن؟! لقد انقلبت مفاهيم أكثر الناس، فظنوا أن النعم هي النعم البهيمية، ملء البطون وانتفاخ الجيوب، وشهوات الفروج وعمارات وسيارات، هذه نعم يعطيها الله للكافر ويعطيها الله للمسلم. لكن النعمة الحقيقة التي أرادها الله، والتي ينعم بها الله على من أحب به من عباده، هي نعمة الإيمان والدين، يقول الله : ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً * ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء:٦٩ - ٧٠]. أي: هذه النعمة من الله، نعمة الطاعة من يطع الله والرسول هو الذي أنعم الله عليه، أما شخص شبع من الملايين لكنه عاصٍ، لا يأتي إلى المسجد، هل هذا مُنعم عليه؟! لا. والله! هذا معاقب عقوبة ليس بعدها عقوبة؛ لأنه حرم من نعمة الصلاة، حرم من نعمة الهداية، حرم من نعمة القرآن، وعنده مال! المال مع اليهود ومع الكفار! عنده عمارة! العمارات مع الكفار، عنده سيارة! السيارات مع الكفار؛ أجل النعمة التي يختص الله بها من يشاء: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة:١٠٥] ما هي؟ الدين. فإذا أعطاك الله الإيمان وجعل قلبك حياً، وجعل لك نوراً في قلبك، فهذه هي النعمة التي اختصك الله بها. يقول الله فيها: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْأِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ * فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً﴾ [الحجرات:٨]. فضلاً من الله ونعمةً أن يحبب إليك الإيمان ويزينه في قلبك، لذا كل شيء بغير الإيمان ليس بجيد، يحبب الله إليك الصلاة فلا تعيش إلا بها، يحبب الله إليك القرآن؛ فلا تستأنس إلا بتلاوة كتاب الله، يحبب الله إليك العلماء والدعاة والمساجد والحج والعمرة والصيام، وتفرح بكل عمل ٍيحبه الله ويرضاه، وأيضاً يزينه في قلبك، ويكره إليك المعاصي! أكره شيء عندك أن تعصي الله، إذا رأيت امرأةً متبرجةً فإنك تغض بصرك، إذا سمعت أغنيةً فكأنما دخلت رصاصة في أذنك، إذا عُرض عليك ريال من حرام تضطرب ولا تقدر أن تأكل، لماذا؟ لأن الله كرّه إليك الكفر والفسوق والعصيان: ﴿فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً﴾ [الحجرات:٨] هذه هي النعمة الحقيقية؛ لأن من الناس من انقلبت موازينهم؛ فحبب إليهم الكفر والفسوق والعصيان، وكره إليهم الإيمان، أكره شيء عنده عندما يسمع الله أكبر، أو أن يرى داعيةً إلى الله، أو أن يقال له: قم إلى طاعة الله، لكن يحب كل شيء غير الله، يقول الله : ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الزمر:٤٥]. إذا ذكرت المباريات والحفلات والطار والطبل والزير، تذكر السهرات، مثل الخيط ينقطع عليها، لكن إذا ذكرت الندوات ذكر العلم وذكر الدعاء، ذكر الصلوات آه اشمأز قلبه! لماذا؟ لم يكن مؤمناً بالله، لم يرُزق نعمة الإيمان، حُرم من نعمة الإيمان، أجل! يا أخي في الله النعمة الكبرى التي تستطيع أن تسعد بها في الدنيا والآخرة، هي نعمة الإيمان والدين.

стр. 315

من آثار نعمة الإيمان قد يقول قائل أو يسأل سائل: ما أثر هذه النعمة؟ قد يتصور بعض الناس أن أثرها فقط في الآخرة، أما الدنيا فإنها تمنع الشهوات، وتقيد الإنسان وتمنعه عما يريد، وهذا فهمٌ خاطئ واعتقادٌ باطل؛ إذ أن أثر نعمة الإيمان معك في الدنيا ومعك في الآخرة، يقول الله : ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [النساء:١٣٤]. إذا أردت ثواب الدنيا العاجلة تجده عند الله، وفي دين الله، لكن إذا ما أخذت الدين ضيعت الدنيا وضيعت الآخرة، خاسر من ليس له دين، وقد يقول قائل: كيف خاسر؟ نقول: الله يقول في القرآن: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ﴾ [العصر:١ - ٢] من الإنسان؟ أنا وأنت وكل إنسان على وجه الأرض، يقسم الله بالعصر وهو الدهر والزمن: ﴿وَالْعَصْرِ﴾ [العصر:١] ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر:٢] كيف هو في خسر؟ خسران وأنا صاحب عمارة، خسران وأنا صاحب وظيفة، خسران وأنا في منصب، نعم خسران! كيف؟! الآن الخسارة في معروف الناس هو أن يمتلك الإنسان شيئاً ثم يفقده، هذه تسمى خسارة، بنى عمارة وانهدمت هذه خسارة، أو اشترى سيارة وانصدمت! خسارة، أو حفر بئراً وطاحت! خسارة، تزوج بزوجة وماتت! خسارة، المهم توظف في وظيفة وفصل منها! خسارة، هذه الخسارة في الدنيا. إذاً عند الموت ما الذي يحصل للإنسان؛ إذا كان موظفاً يخرج من وظيفته، وإذا كان في عمارة ينكس من عمارته، وإذا كان معه ملايين يخرج من ملايينه، هل يبقى معه شيء عند الموت؟ أليس هذا بخاسر؟ خاسر. الملك عند الموت وهو في آخر لحظة من حياته قبل أن يموت، هل يستطيع أن يشكل الوزراء، أو يقيم الحروف، أو يعمل أي شيء بعد الموت؟ لا شيء، انتقل المُلك لغيره، كل إنسان عند الموت خاسر. ﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [العصر:٣] الذين آمنوا بعد الموت يربحون الآخرة، ولذا إذا أردت أن تكون رابحاً فعليك بالإيمان، حتى لا تموت وليس لك عمل، إذا كنت تخسر الدنيا؛ لأنك تموت منها، تخرج منها كما تخرج الشعرة من العجين؛ فلا تخرج من الدنيا خاسراً بحيث تخسر الدنيا وتخسر الآخرة، كن رابحاً عند خروجك من الدنيا، فإذا خسرت الدنيا تربح الآخرة. إذا أودعوك في الحفرة المظلمة، وتخلوا عنك، ورفضك أولادك وأهلك، وأموالك تقتسم من بعدك، وما معك من الدنيا شيء وإذا بالجنة تستقبلك، وإذا بالعمل الصالح يمهد لك، وإذا بقبرك يصير روضة من رياض الجنة، وإذا بالملائكة تستقبلك وتفرش لك فراشاً من فراش الجنة، لماذا؟ لأنك من الذين آمنوا وعملوا الصالحات.

стр. 316

أثار نعمة الإيمان في الدنيا أما آثار نعمة الإيمان ففي الدنيا وفي الآخرة:

стр. 317

الإيمان والدين يفسران الحياة التفسير الحقيقي أما في الدنيا: فهي أولاً أن الإيمان والدين يُقدم للإنسان التفسير الحقيقي لهذه الحياة، ما هي هذه الحياة؟ من يستطيع أن يعرفها؟ ما حقيقتها؟ من أين جاء إليها الإنسان؟ ولماذا جاء إليها؟ وإلى أين بعد أن يموت الإنسان؟ أسئلةٌ محيرة!! حارت في فهمها العقول في القديم والحديث، وعجزت كل الفلسفات والأفكار والنظريات أن تجيب على هذه الأسئلة، وعاش الإنسان في عذاب، وعاش في شقاء وهو يعيش ولا يدري لماذا يعيش! حتى قال شاعرهم: جئت لا أعلم من أين؟! ولكني أتيت! ولقد أبصرت قدامي طريقاً فمشيتُ! وسأبقى سائراً إن شئت هذا أم أبيتُ! كيف جئت؟! كيف سرت؟! كيف أبصرت طريقي؟! لست أدري! ولماذا لست أدري؟! لستُ أدري؟! لا يدري لماذا يعيش!! ولهذا يعيش الإنسان في عذاب؛ لأنه لا يدري لماذا يعيش، من الذي يقدم لك التفسير الحقيقي؟ إنه الإيمان بالله إنه الدين

стр. 318

بالإيمان والدين ينشرح الصدر ويطمئن القلب إذا عرفت أنك تعيش لعبادة الله، وأنك عبدٌ من عباد الله، وأنك تعمل صالحاً لتلقى الجزاء عند الله، وتترك السيئات لتلقى الأجر عند الله، فإن قلبك يطمئن، وإذا حصل هذا لك انشرح صدرك، وهذا أثر من آثار نعمة الإيمان وهو انشراح الصدر، يقول الله فيه: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل:٩٧] حياةً طيبة. هو في الأساس كان حياً، لكن بالإيمان والعمل الصالح الله يحييه حياة أخرى، غير حياة البهائم، حياةً طيبة، هذا في الدنيا: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل:٩٧]. قال العلماء: الحياة الطيبة هي: هدوء النفس واستقرار القلب والطمأنينة والسكينة، التي قال الله فيها: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ * الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ﴾ [الرعد:٢٨ - ٢٩]. لماذا يحصل في القلب الأمن والطمأنينة بالإيمان؟ لأن الإنسان عرف لماذا يعيش، استقر قلبه على أنه يعيش لغرضٍ معين فسكنت جوارحه، فالله يطمئنه في حياته، الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بماذا؟ بذكر الله، أي: بدين الله، لا يطمئن القلب بالمال، ولا يطمئن القلب بالزوجات، ولا يطمئن القلب بالوظائف والعمارات، إنما تطمئن الأجساد بهذا. أما القلب فلا يطمئن إلا بالإيمان بالله، فإذا لم يحصل له هذا، عاش عيشةً ضنكاً، كما قال الله : ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى * وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾ [طه:١٢٤ - ١٢٧]. فهذا أثر عاجل لك في الدنيا، أن تعيش في أمن، وهل للإنسان مطلب غير أن يعيش سعيداً آمناً. الآن التكالب على الدنيا والتنافس والتناحر عليها من أجل السعادة، ولكن والله لا توجد السعادة إلا في الإيمان بالله. ولست أرى السعادة جمع مال ولكن التقي هو السعيد السعادة ليست في أكل ولا في شرب ولا أن تسكن في عمارة، ولا أن تملك ملايين ولا أن تركب سيارة، ولا أن تتزوج زوجة هذه سعادة مادية. السعادة الحقيقية: هي أن تكون على صلةٍ بالله، السعادة واللذة في ركعةٍ لله خاشعة، في تلاوةٍ لكتاب الله، في صيام يومٍ من أجل الله، في انتصارك على شهواتك، في استقامتك على دينك، هذه هي السعادة، والذي ذاقها لا يتخلى عنها ولو قطع قطعة قطعة. يقول ﵊ والحديث في الصحيحين، عن أنس ﵁ قال: (ثلاثٌ من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان -ومن ضمنها قال:- أن يكره أن يعود إلى الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار). لو خُيِّر بين أن يرتد عن الدين أو يقذف في النار؛ لاختار أن يقذف في النار ولا يرجع إلى الكفر، لماذا؟ ذاق حلاوة الإيمان، ذاق طعم الإيمان وقد رضي بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد ﷺ نبياً ورسولاً. ومن آثار نعمة الإيمان أن تعرف لماذا خلقت. ومن الآثار أن الله يرزقك الأمن والطمأنينة في قلبك.

стр. 319

حصول الولاية من الله لأهل الإيمان أما الأثر الثالث: أن الله يتولاك: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة:٢٥٧] ومن كان الله وليه، فلا يخاف ظلماً ولا هضماً، يتولاك الله؛ فيسددك وييسر أمرك، ويرزقك من حيث لا تحتسب، وكل أمرٍ تسير فيه تجد أمامك نوراً، لماذا؟ لأن الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ [الحديد:٢٨] كفلان: يعني نصيبان من رحمته نصيبٌ في الدنيا، ونصيبٌ في الآخرة. ويجعل لكم نوراً: أي فرقاناً، أين يجعل النور؟ في نظرك، وفي قلبك، تنظر به الطريق فترى كل ما أمامك بوحيٍ من الله، بنورٍ وهدى من الله ، ويغفر لك إذا أخطأت أو زللت لأنك بشر؛ فإن الله يغفر ذنبك ويرفع كربك لماذا؟ لأنك مع الله، وهل هذا شيءٌ سهل أيها الإخوة! إنه من أعظم النعم على الإنسان أن يكون على نورٍ من الله .

стр. 320

الإيمان يضبط السلوك والأفعال من آثار نعمة الإيمان أن الإيمان يضبط سلوك المكلف، المكلف بغير دين وبغير إيمان، لا يدري أين يتجه، ولكن بالدين والإيمان تراه، متجهاً اتجاهاً واحداً، ولذا كل أمرٍ يُسخط الله يمتنع عنه، كل أمرٍ يرضي الله يسير فيه، يُعرض عليه. الزنا يقول: معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي، يُدعى إلى ممارسة أي شيءٍ من المحرمات؛ فيقول: لا، يستثار إلى القتل فلا يقتل، يستثار إلى السرقة فلا يسرق، ولذا يعيش آمناً منضبطاً، من بيته إلى عمله إلى مسجده إلى مصالحه، ولا يقع في جريمة ولا يقع في مشكلة، فيعيش آمناً مطمئناً، ولو جئنا إلى أصحاب السجون، الذين ينتظرون الأحكام الشرعية، وسألنا كل واحد منهم عن قضاياهم، لوجدنا أن الشيطان هو الذي أوقعهم في هذه المشاكل. تأتي إلى السارق فتقول له: لماذا سرقت؟ فيقول: الشيطان، وأنت ما هي قضيتك؟ قال: أنا قاتل، منتظر للسيف كل جمعة! لماذا تقتل؟ قال: الشيطان، وأنت؟ قال: أنا روجت أو هربت المخدرات لماذا تهربها؟ قال: الشيطان، تسلط عليهم الشيطان، عندما تركوا الإيمان، يقول الله : ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل:٩٩ - ١٠٠]. فإذا أصبح عندك إيمان فقد أصبح عندك حصانة ووقاية، يأتيك الشيطان يوسوس لك في أمر تقول: لا، معاذ الله، يعرض عليك جريمة، تقول: معاذ الله، فتعيش آمناً لا تدخل سجناً ولا يقام عليك حد، ولا تقف في موقف شر، لماذا؟ لأن الله حفظك. الآن هناك بشر في هذا اليوم، أنتم الآن ستخرجون من هذه الجمعة بإذن الله، وتذهبون إلى بيوتكم، وتتناولون الغداء مع أزواجكم ومع أولادكم، وليس في قلوبكم إلا الأمن والطمأنينة، فاحمدوا الله على هذه النعمة. لكن من الناس الآن من ينتظر أن يُدعى ويقال له: اكتب وصيتك واغتسل آخر غسله في الحياة، ماذا فيه؟! قالوا: اليوم إعدامك، وتسمعون كل يوم جمعة بعد الساعة الثانية والنصف الأخبار بيانات من وزارة الداخلية عن تنفيذ أحكام الله في المجرمين. وهذه من نعم الله علينا في هذه البلاد، علينا أن نشكر الله على هذه النعم يا إخواني، فإن إقامة الحدود في الأرض تطهيرٌ لها، والله الذي لا إله إلا هو لو لم تُطبق شريعة الله في هذه الأرض لأكل الناس بعضهم بعضاً، ولكن نشعر بالأمن، تنام قرير العين بابك مفتوح وسيارتك مفتوحة، وتمشي السيارة من أقصى الجنوب إلى أقصى الشمال، محملة بمئات الآلاف ليس فيها إلا السائق وحده لا يخاف على شيء، لماذا؟ طبقت شريعة الله، وقف كل إنسانٍ عند حده، فلنحمد الله على هذه النعم أيها الإخوة! ولنحمد الله على نعمة الستر أنك مستور، هل تعرف مقدار المعاناة التي يعاني منها ذلك الذي يخرج للقتل؟! لو استطعنا أن نصل إلى نفسيته ونأخذ شريحة من شرائح نفسه، ونحللها أي حالٍ حالته أيها الإخوان؟! وهو يرى العساكر مصطفين حوله، ويرى السياف وهو منتظر من أجل يقطع رقبته بالسيف أو بالبندقية تنفض ظهره وتخرج كبده أمامه! كيف حالته أيها الإخوان؟! حالة ما بعدها حالة، نعوذ بالله وإياكم أن نقف مثل هذه الحالات، ما الذي أوقعه في هذه الورطة، نزغة شيطان، نزغة شيطان بينه وبين أخيه المسلم يتضاربان ويتقاتلان على كلمة، ويقتل بعضهم بعضاً على متر من الأرض، ويقتل بعضهم بعضاً على مبلغ من المال، لكن لو كان عندك إيمان ودين فلا تستطيع أن تقتل، لماذا؟ لأنك تعرف ما بعد القتل. كابني آدم قابيل وهابيل في القرآن قص الله قصتهما علينا، وهو أنهما قربا قرباناً أي: قدما شيئاً لله، فتقبل الله من أحدهما، ولم يتقبل من الآخر؛ لأن الله يعرف من المخلص منهما، فهذا الذي رفض قربانه قال لأخيه الذي قبل قربانه: لأقتلنك، قال: إنما يتقبل الله من المتقين، لماذا تقتلني، أنا وأنت تقدمنا بقربة لله والله قبل مني ولم يقبل منك، ماذا أفعل لك إذا كان الله لم يقبل منك، قال: لأقتلنك، قال: إنما يتقبل الله من المتقين، قال: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ﴾ [المائدة:٢٨] يقول: إذا أنت تريد أن تقتلني فأنا والله ما أقتلك لماذا؟ قال العلماء: كان أقوى وأقدر على الانتقام والبطش؛ لكن منعه خوف الله، قال: ﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ * إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ [المائدة:٢٨ - ٢٩] وبعد ذلك قال: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [المائدة:٣٠] والعياذ بالله. فيا أخي المسلم! نعمةٌ عليك من الله أن تعيش آمناً، لا تعرف السجون، ولا تعرف القضايا، لماذا؟ لأنك تمضي على الطريق المستقيم، كلما دعاك شخص إلى جريمة أو خطيئة تقول: لا، لا أسير إلا في طريق الحق. أحد الناس أعرف قصته، كان نائماً في بيته وقد خلع ملابسه ولبس ثياب النوم، واستسلم للنوم ويأتيه زميل له ويناديه من عند الباب، فتستجيب الأم، تقول: من؟ قال: أنا فلان، من فلان؟ قال: زميل فلان، زميل ولدها أريده، قالت: قد نام، قال: أيقظيه، قالت: يا ولدي قد نام الساعة الثانية عشرة من الليل ماذا تريد منه الآن؟ قال: أريده أيقظيه الأمر مهم، فمسكينة ذهبت وأيقظت ولدها وليتها ما أيقظته، قالت لولدها: فلان يريدك، هو بمجرد أن سمع كلمة فلان قفز مثل الحصان، أما لو أنها أنهضته للصلاة لا ينهض، أو انهضته ليجيب والده فإنه لا ينهض، أو أنهضته لأي غرض فإنه لا ينهض. لكن عندما إذا أيقظته لزميله آه فإنه يقوم، فقام واقتحم ونزل عليه، فقال له زميله عند الباب: أريدك تأتي معي، قال له: أين؟! قال: عندي موعد لدي صيد -يصطادون أعراض المسلمين- وأريد أن تأتي معي تحميني، قال له: أبشر. ثم رجع وخلع ثوب النوم، ولبس ثوبه وأخذ مسدسه في جيبه، ومشى معه إلى عند البيت الذي يصطادون فيه أعراض المسلمين، ثم قال له: اجلس هنا؛ أجلسه عند شجرة ودخل هذا الخبيث واقتحم البيت، قفز من على السور ونزل على المرأة التي قد واعدها، ولما دخل أحس به صاحب البيت، وعرف أن شخصاً دخل بيته، فأخذ مشعابه وفتح الباب، فلما سمع هذا فتح الباب وهرب، وصاحب البيت خرج من الباب واتجه جهة الذي يحميه، فرآه فلما رآه طرده ظناً منه أنه هو الذي دخل البيت، وذلك قد هرب. فلحقه ولما أدركه وضربه بالعصا، أخرج الولد هذا الذي كان قد نام في فراشه المسدس وقتل صاحب البيت، وعندها قبض عليه ولما جاءوا به إلى السجن حققوا معه؛ اعترف قال: أنا القاتل: قالوا: لماذا قتلت؟ قال: أنا كنت نائماً، وكانوا قد جاءوا بالذي دعاه، قال: أبداً لم أدعه ولا أعرفه ولا يعرفني، قال: كيف ما دعوتني؟! قال: أبداً أنا عندي الشهود والثبوت أنني في الليلة الفلانية من أولها إلى آخرها كنت في القرية الفلانية، وأتى بشهود يشهدون لله عن خلق الله، أنه موجود طوال الليل في القرية الفلانية، وجلس أياماً وليالي وأخرجوه، وهذا جلس في السجون سنوات ثم أخرجوه وقطعوا رقبته، لماذا؟ ما الذي أخرجه؟ لو أنه يخاف الله؟ لو كان عنده إيمان ودين ودعاه صاحب السوء، وقال له: أنا ذاهب إلى الحرام، لقال له: اتقِ الله يا عدو الله! تغزو على بيوت المسلمين، تصطاد محارم الله، ورجع إلى فراشه، لكن جره إلى الشر لأنه خبيث، وليس عنده إيمانٌ بالله . فالإيمان يا عباد الله حصن لك أيها الإنسان! وحماية لك، يحميك من الشر، ويحميك من الزلل، هذه آثار نعمة الإيمان في الدنيا قبل الآخرة.
следующие страницы →