← Джавами‘

Джавами‘ · id 7736

دروس للشيخ سعيد بن مسفر

سعيد بن مسفر

Полный текст (2 982 стр.). Показаны 2731–2770 · переход к 2736.

стр. 2731

تقديم عطاء لمناجاة الله على مناجاة الملوك كان عطاء بن أبي رباح ﵁؛ وهو تابعي وإمام من أئمة العلم دلته أمه على العلم وكان ذميم الخِلقة، قصير القامة، أسود البشرة، بحث عن عمل فلم يجد، وكلما عمل في عمل لم يوفق فيه، رجع إلى أمه، قال: يا أماه! ما أراني إلا قد شقيت ما لقيت عملاً دليني على مهنة، قالت: ألا أدلك على عمل إن عملته هابتك الملوك وانقاد لك به الصعلوك؟ قال عمل تهابني به الملوك، قالت: نعم. قال: ما هو؟ قالت: عليك بالعلم، فأخذ محبرته وصحيفته وذهب إلى مكة وطلب العلم، فحفظ القرآن الكريم ثم حفظ السنة المطهرة، ثم فتح الله عليه حتى أصبح لا يقال في الأرض قولاً إلا بعد قول عطاء، إذا نوزع في مسألة، قالوا: ماذا قال عطاء عالم مكة ﵁ وأرضاه. وقد حج أحد الخلفاء إلى مكة ولما ذكر في مجلسه مسألة قال لهم: ماذا قال فيها عطاء، قالوا: لا ندري! قال: أرسلوا له، فأرسلوا لـ عطاء فرد عليه وكتب له ورقة، قائلاً: ليس لنا حاجة فيما عندك فنأتيك، وإن كان لك حاجة فيما عندنا فتعال عندنا، قال: أنصف والله عطاء، فأخذ نفسه وذهب إليه، ولما طرق الباب عليه كان يصلي فأطال في الصلاة، نزل الولد ورأى الخليفة عند الباب فرجع إلى أبيه وأخبره، فلم يقطع صلاته، وبعد أن أكملها أذن له ودخل الخليفة غاضباً وقال: ما هذا الجفاء يا عطاء! قال: أي جفاء تعني؟ قال: دعوناك فلم تأتنا، واستأذناك فلم تأذن لنا، قال: أما دعوتك لي فقد أخبرتك، وأما استئذانك فإنك استأذنت وأنا بين يدي ملك الملوك فكرهت أن أقطع مناجاته لمناجاتك، قال: ما تقول في المسألة، فأعطاه الجواب، ولما خرج ترك له صرة بها عشرة آلاف دينار، فأرسل بها ولده وقال: ردها له، ندله على النجاة ويدلنا على الهلاك، ما لنا بها حاجة. هذا عطاء بن أبي رباح ﵁ وأرضاه. كان بعدما كبر وضعف يقوم إلى الصلاة ويقرأ مائتي آية من سورة البقرة، وهو ضعيف وكبير في السن ويقرأ مائتي آية من سورة البقرة وهو قائم لا يزول ولا يحول ولا يتحرك حركة واحدة.

стр. 2732

صور لعباد يخشون ربهم من فوقهم وعن ميمون بن مهران قال: نظر رجل من المهاجرين إلى رجل يصلي وكان يسرع فيها فعاتبه، قال: إني ذكرت ضيعة لي، يعني: مزرعتي ذكرتها، قال: ضيعته الضيعة من صلاته؛ لأنه استعجل فيها. وكان أبو وائل إذا صلى في بيته يسمع له نشيج، وكان يقول وهو ساجد: اللهم اغفر لي، رب اعف عني، إن تعفو عني ففضلاً من فضلك، وإن تعذبني غير ظالم لي ولا مسبوق، ثم يبكي حتى يسمع نحيبه وراء المسجد. وكان إبراهيم التيمي إذا سجد تأتي العصافير وتستقر على ظهره كأنه حائط. وكان أحد السلف في مسجد من البصرة انهدم المسجد واحترق وهو في طرف المسجد فلم يشعر، وجاءوا وأطفأوا النار، ولما أكمل صلاته قال: ماذا هناك؟ فقد كان قلبه بين يدي الله. وهذا عروة بن الزبير أصابته الآكلة التي يسمونها في الطب (الغرغرينا)، فأوصاه الأطباء بقطع رجله، فقطعوا رجله بدون تخدير، قالوا: نخدرك، قال: لا. والله لا أشرب مسكراً، تريدونني أغفل عن ذكر الله، ولكن إذا دخلت في الصلاة فاقطعوا رجلي، ولما دخل في الصلاة جاءوا إلى رجله وقطعوا اللحم ثم نشروا العظم ثم أحضروا الدهن المحمي، ثم وضعوا رجله فيه حتى يكف الدم وبعد ذلك سلم. وبعد ذلك دخل على عبد الملك بن مروان أو أحد السلف، فلما دخل عليه وإذا بذلك الرجل العبسي فيأتي من بلاده وقد عميت عيناه وليس معه شيء، قال: ما شأنك؟ قال: أمسيت وما في عبس أعظم غنىً مني، كان لي وادٍ مملوء بالغنم والإبل والأولاد والأهل، فجاء سيل على غير مطر لا أدري من أين جاء، يقول: فحمل جميع مالي وأهلي وما أبقى لي إلا طفلاً رضيعاً في شجرة معلق وبعير. يقول: فأخذت الطفل وتركت البعير أريد أقطعه، يقول: فنفخني برجله فأذهب عيناي، يقول: فعدت إلى الطفل أن آخذه؛ لأنه قد أخذه من الشجرة ووضعه في الأرض، يقول: فوجدت الذئب قد لقطه، فأصبحت بغير ولد ولا عين ولا امرأة ولا مال، وما أصبح في الأرض أشقى مني، فدعا بـ عروة، وقال: تعال يا عروة! لتعلم أن في الأرض من هو أعظم مصيبة منك. كذلك كان سعيد بن جبير يردد إذا قرأ قول الله : ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٨١]، وكان إذا أتى على قول الله : ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ * إِذْ الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ * فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ [غافر:٧٠ - ٧٢]، قال: كان يرددها مرتين أو ثلاثاً ثم يبكي. هذه بعض قصص السلف ونحن نذكرها ونشكو أمرنا إلى الله، ولكن يا إخواني! هذه وصية والله ما اخترتها إلا لحاجتي إليها فأنا من أشد عباد الله غفلة في الصلاة، وأسأل الله أن يتوب عليَّ وأن يأخذ بي إلى ساحل النجاة، قلت: أعظ نفسي أولاً ثم أعظكم، وأرجو أن ينفعني الله بها وينفعكم بها في صلواتنا والحمد لله، فقد عزمنا على أن نكون عباداً الله، ولكن ما دمنا نصلي فلماذا لا نجاهد أنفسنا حتى نكون في جهاد وصلاة، أو نكون مقربين، أو مثابين. أسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يعيننا وإياكم على شكره وذكره وحسن عبادته إنه ولي ذلك والقادر عليه. والله أعلم. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 2733

سلسلة اليوم الآخر: علامات الساعة المستمرة [الحلقة الأولى] في هذه المادة تحدث الشيخ حفظه الله عن يوم البعث وأنه يوم عظيم تشيب من هوله الولدان، لشدة ما يرون من تغيرات هائلة في الكون، كما تحدث عن علامات الساعة المستمرة وذكر منها: انشقاق القمر، وظهور الفتن، وخروج الدجالين الذين يدعون النبوة وغيرها من العلامات التي أخبر بها الرسول ﷺ .

стр. 2734

من أهوال يوم القيامة السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: أيها الإخوة في الله: نبأ البعث وخبر الساعة نبأ عظيم، وخبر جليل؛ لأنه يحدث تغيرات هائلة في الكون، السماء تتشقق وتتفطر، والقبور تبعثر، والجبال تُسيَّر، والنجوم تُنثر وتكدَّر، والشمس تكوَّر، والبحار تسجَّر، هذه الأحداث ليست بالأمر الهين السهل في حياة البشر، وأنتم ترون كيف تضطرب قلوب الناس إذا حدث حدثٌ بسيط من ريح عاتية، أو أمواج متلاطمة، أو أمطار غزيرة، كيف يهرع الناس ويخافون وتتقطع قلوبهم من أشياء بسيطة، فكيف إذا حدثت تلك الأحداث الضخمة التي تجعل الوليد شيبة! الوليد الذي لا يعرف شيئاً يشيب رأسه، يقول الله : ﴿يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيباً﴾ [المزمل:١٧]. في ذلك اليوم: ((تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ)) [الحج:٢]، وهذا شيء لا يكون أبداً في الدنيا، يمكن أن تذهل المرأة عن كل شيء إلا عن رضيعها؛ لأنه قرة عينها، وفلذة كبدها، وتود أن تفتديه بحياتها، ولذا تذهل عن نفسها ولا تذهل عن رضيعها؛ لكن في ذلك اليوم تذهل عنه: ﴿وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج:٢]، في ذلك اليوم يحصل رعب عظيم لا يتصوره العقل، يقول الله فيه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ [الحج:١]، خافوا من الله، راقبوا الله، ارجعوا إلى الله، ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾ [الحج:١ - ٢]، لكن شدة العذاب، ضخامة الأحداث شيءٌ لا يتصوره العقل، يجعل الإنسان مثل السكران، ﴿وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج:٢]. في هذا اليوم الرهيب الصعب نقف جميعاً كلنا في عرصات القيامة، لا يستطيع أحدٌ أن يختفي، ولا يستطيع أحدٌ أن يفر أو يهرب، أو يلجأ إلى مكان آخر، قال تعالى: ﴿يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ﴾ [القيامة:٦] هذا الكافر الآن يقول: أين هو يوم القيامة؟! يسأل، يستبعد، ﴿أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ﴾ [القيامة:٦]، والله يبتدئ السورة بأنه لا يقسم بيوم القيامة فقط، ولا يقسم بالنفس اللوامة فحسب، بل يقسم بكل ما يُقسَم به، وله ﵎ أن يقسم بما شاء من عباده: ﴿أَيَحْسَبُ الإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ﴾ [القيامة:٣] أيقيس الإنسان قدرة الله على قدرته العاجزة، الذي لا يستطيع أن يخلق ذباباً، ولا يستطيع أن يخلق شعيرة، ولا يستطيع أن يجلب لنفسه نفعاً ولا ضراً، ويريد أن يكون الله مثله، ولهذا لما صعُب عليه أمر البعث يستبعده على الله، قال الله: ﴿أَيَحْسَبُ الإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ * بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ [القيامة:٣ - ٤]، والبنان إلى بداية القرن التاسع عشر الميلادي ما كان الناس يعرفون شيئاًَ عن سر الإعجاز والخلق العظيم في البنان. وبعد ذلك اكتشفوا أن كل بشر له في إبهامه اليُسرى تعرجات، وتعوجات دائرية، تختلف هذه التشكيلة في كل إصبع عن الأخرى من كل البشر، ولو جئت الآن بمن على ظهر الأرض، وهم قرابة أربعة آلاف مليون نسمة، لو جئت بهم وصففتهم وأخذت بصمة إبهامهم، لما وجدتَ اثنين سواءً في الإبهام، وبعد ذلك ليس هذا فقط، لو جئت بالذي قبل مائة سنة؛ لأن قبل مائة سنة ما على وجه الأرض أحد من هؤلاء الموجودين الآن إلا النادر، والنادر لا حكم له، ربما واحد في العشرة ملايين، لو بُعث من في القبور من مات قبل مائة سنة، وجئنا نصُفهم مع الموجودين الآن وأخذنا بصماتهم ما وجدنا اثنين يتساويان في الإبهام من الأولين ولا من الآخرين، ولو أتينا بكل من خلقه الله من آدم إلى يومنا هذا، إلى يوم يفني الله الأرض ومن عليها، لا نجد اثنين سواءً في الإبهام، من يعمل هذا؟! لا إله إلا الله!

стр. 2735

تفسير آيات من سورة القيامة يقول الله : ﴿بَلْ يُرِيدُ الإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾ [القيامة:٥]، الإنسان حينما تهزمه الشهوات، وتطغى عليه الملذات والمنكرات، ويصبح عبداً ذليلاً أمام أحقر شيء فيه؛ أمام سيجارة، أمام أغنية، أمام نظرة من فاتنة زانية داعرة، أمام مجلة هابطة، أمام دنياً محتقرة يفجر وينسى الله، وتطغى عليه الذنوب، حتى تتراكم على قلبه، ثم يسود قلبه، ثم ينتكس، فلا يعرف معروفاً، ولا ينكر منكراً إلا ما أُشْرِبَه من هواه، وهذا معنى حديث النبي ﷺ ، والحديث في صحيح مسلم، يقول: (تُعرض الذنوب على القلوب عوداً عوداً كالحصير، فأي قلب أُشْرِبَها -يعني: قَبِلَها، أحبها، رغبها- فأي قلب أُشْرِبَها نُكِتَت فيه نكتة سوداء -بكل ذنب نكتة سوداء- وأي قلبٍ أنكرها -من حين أن يرى المنكر يرده، يخاف من الله- نُكِتَت فيه نكتة بيضاء، حتى تصير القلوب على قلبين -لكثرة هذه المؤثرات، تنقسم قلوب البشر إلى قلبين- قلبٌ أسود مرباد -يعني: ليس سواداً سطحياً فقط، بل سواداً متراكماً، يعني: طبقات من السواد- مرباد كالكوز مجخياً -يعني: كالكوب أو الإناء المقلوب المنكوس- لا يعرف معروفاً، ولا ينكر منكراً، إلا ما أُشْرِبَه هواه)، بل تنقلب عنده الموازين، فيعرف المعروف، ويجعله منكراً، ويعرف المنكر، فيجعله معروفاً، إذا رأى امرأة ينفتح قلبه، وإذا سمع أغنية يرقص، يلعب بعضهم إلى أن يصل إلى الملعب، الآن في السمرات إذا سمع الزير وبينه وبينه عشرة كيلو، وما لقي سيارة، جاء يمشي، وإذا قرب وسمع ضربات الزير أخذ يلعب وهو يسير، وهو لم يصل إلى الملعب بعد. لماذا؟ أُشْرِبَه هواه -والعياذ بالله-، وإذا سمع القرآن قفز وضاق وحَرِجَ، كأنه في سجن؛ لأن القلب منكوس، والقلب أسود، فأصبحت الرؤية عنده غير واضحة. ثم قال: (وقلب أبيض -اللهم إني أسألك من فضلك وإخواني المسلمين- وقلب أبيض كالصفا -أبيض ناصع كالصفا- لا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض) عنده صَدَّامات قوية، يضرب في أي فتنة فلا تؤثر فيه، لا يمكن أن يدخل فيه شيء، لماذا؟ لأنه أبيض، ويقول العلماء: إن سواد القلوب وبياض القلوب في الدنيا يترتب عليه سواد الوجوه وبياض الوجوه يوم القيامة: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران:١٠٦] تَبْيَضُّ وجوه أهل الإيمان -جعلنا الله وإياكم منهم- وتَسْوَدُّ وجوه أهل الكفر والفسوق والعصيان -أجارنا الله وإياكم من طريقتهم-. في هذا اليوم العظيم لا يستطيع أحد أن يهرب فيه من قبضة الله، والإنسان -كما قال الله- يقول في تلك اللحظات: ﴿أَيْنَ الْمَفَرُّ﴾ [القيامة:١٠] أين المهرب، ﴿كَلَّا لا وَزَرَ * إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ * يُنَبَّأُ الإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ [القيامة:١١ - ١٣] يُخْبَر الإنسان وتُطْلَع أعماله عليه، فيرى فيها كل ما عمل من دقيق أو جليل، أو كبير أو صغير، في ليل أو نهار، كل شيء، حتى إن الواحد يقول -كما قال الله-: ﴿وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ [الكهف:٤٩] يقولون: ما به؟ قد نسينا، وهذا ما نسي؟! يقول الله : ﴿أَحْصَاهُ اللَّهُ﴾ [المجادلة:٦] وماذا؟ ﴿وَنَسُوهُ﴾ [المجادلة:٦] يقول: قد نسوا، الإنسان نسيَ، وكان الإنسان نسياً، أنت الآن في هذا اليوم ١٩/ ٢/١٤١٠هـ هل تذكر ١٩/ ١/١٤١٠هـ قبل شهر ما هو يومه؟ هل هو السبت أم الأحد أم الإثنين؟ لا تذكر، هل تذكر أنك صليت في المسجد أم لا؟ هل تذكر ما تغديت ذاك اليوم؟ هل تذكر مَن زرتَ ذلك اليوم؟ هل تذكر ماذا صنعتَ ذلك اليوم؟ لا تذكر؛ لكن الله يذكر ذلك، يقول الله: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ﴾ [المجادلة:٦]. ﴿يُنَبَّأُ الإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ [القيامة:١٣] ثم يقول الله: ﴿بَلِ الإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ [القيامة:١٤] أنت أبصر بنفسك، تريد أن تجد طيباً اعمل، الذي يريد بُراً يزرع بُراًَ؛ لكن من يزرع شوكاً ماذا تتصورون أن يجني؟ شوكاً، والذي يزرع حسنات وعملاً صالحاً وإيماناً خيراً يلقاه، يقول الله : ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ * وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ [النمل:٨٩ - ٩٠] ماذا تتصورون أن يُعطى هذا؟! أيُعطى حسنة على السيئة؟! لا. ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾ [النمل:٩٠] من جاء، المسألة منك، القضية والمبادرة من عندك، تستطيع أن تأتي بالطيب والخبيث، تستطيع أن تأتي بالعمل الصالح وبالعمل السيئ، والله لا يظلم أحداً شيئاًَ، هذا شغلك أنت، بضاعتك، الآن في السوق أناس يورِّدون بضاعة طيبة فيبيعونها، وأناس يورِّدون بضاعة خبيثة فيردونها، لا يشتريها منهم أحد، وكذلك أنت، الحياة هذه سوق، وأنت وردت إليها، فما تصدر منها؟ ومن الناس من يصدر بلعنة الله، ومن الناس من يصدر برضوان الله، من الذي يصدر بلعنة الله؟ الذي تعرض لسخط الله، ومن الذي يصدر برضوان الله؟ الذي تعرض لمراضاة الله، وليس في الناس إلا أحد رجلين: رجلٌ قضى حياته وقطع مراحل عمره متزوداً بالمراضي، متنقلاً بين الأوامر ومبتعداً عن النواهي، يحب الله، ويحب رسوله، ويحب كتاب الله، ويحب بيوت الله، ويحب عباد الله المؤمنين، ويسير وفق محبة الله ورسوله، هذا هنيئاًَ له، هنيئاً له، ثم هنيئاًَ له. وآخر -والعياذ بالله- يعيش حياته ويقطع مراحل عمره متزوداً بمساخط الله -والعياذ بالله-، يبغض الله، ويبغض كتاب الله، وبيوت الله، وأولياء الله، هذا -والعياذ بالله- ويل له، ثم ويل له، ثم ويل له: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الزمر:٢٢]. ﴿بَلِ الإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ [القيامة:١٤] أنت أبصر بمصلحتك، الآن والرجل منا يأتي مسرعاً، يفاجأ وهو يسير في الطريق بأن إشارة المرور أضاءت اللون الأحمر، يعني ماذا؟ يعني: قف، أليس كذلك؟ وإذا ما وقفت ماذا يصير؟ مخالفة، وتترتب على المخالفة ماذا؟ أن رجل المرور يطاردك بالسيارة، أو بالدراجة النارية، ويقول: على جنب يا صاحب السيارة، وبعد ذلك تنزل ووجهك خجلاً وحالتك ضعيفة، ثم يقول لك: هات الرخصة، ينزرك نزراً لماذا؟ لأن مركزك ضعيف، نقطة الضعف عندك أنك قطعت الإشارة، أنك خالفت التعليمات، ما احترمت النظام، ولهذا فإن نقطة الضعف هذه جعلتك ضعيفاً في الدنيا أمام جندي ربما هو مسكين، وربما أنك مدير أو في وضع اجتماعي كبير؛ لكن غلطتك جعلتك تقف هذا الموقف المخزي أمام هذا الرجل، يقول: هات الرخصة، هات الاستمارة، فينظر فيها، يريد أن يرى عليك ثغرة، إن كان ما عندك رخصة يا ويلَك! وإن كان عندك استمارة ومطوِّلة يا ويلَك! وإن كان عندك رخصة لكن المدة منتهية يا ويلَك! فإذا ما رأى عليك شيئاً وأنك تمشي برخصة واستمارة، قال: لماذا تقطع الإشارة؟ ماذا عندك من عذر؟ أتقول: مستعجل؟! حسن والناس هؤلاء أما هم مستعجلون؟! أرواح العباد، ممتلكات العباد، أما ينبغي أن تُحترم، ويبدأ يهزئك، وأنت لا تقول له إلا: حاضر، آسف، أعتذر، هذه آخر مرة، وكفى، أنا مستعجل، أنا ما قطعتها إلا لأني مستعجل، فيقول: مستعجل؛ لكن الآن نروضك، لو أنك تأخرت نصف دقيقة أو دقيقة كنتَ مشيتَ بسلام؛ لكن عجلتك أخذتك إلى هذا الموقف، خذ، هذه قسيمة -ثلاثمائة ريال- وبعضهم يخاف من أن يكتب القسيمة، ويظل يسلم على رأس العسكري، وبعضهم يرمي غترته عند العسكري، وقد كان لك من هذا فكاً لو أنك وقفت عند الإشارة حتى تكون خضراء ثم تسير آمناً. هذا في الدنيا الآن، طَيِّبٌ! والذي لا يقف عند إشارة الرب ﵎؟! هناك أيضاً في الأوامر إشارات حمراء، وهي: المحرمات. وإشارات خضراء، وهي: الطاعات. والمؤمن يقف عند الإشارة الحمراء، لا يمكن أبداً أن يعمل شيئاً، لماذا؟ يخاف، ليس من جندي المرور، بل يخاف من رب السماوات والأرض، ويخاف من الجندي الذي يطلبه حق الطلب، من هو؟ إنه ملك الموت، الذي لا يعرف أحداً، لا يمتنع منه مانع أبداً، يقتحم الأسوار، يدخل القصور، يأخذ أصحاب الأموال، وأصحاب الملك، وأصحاب العضلات، مَن يمتنع مِن الموت؟! لا أحد، هذا الجندي يأتي بك. وبعد ذلك تحاسب يوم القيامة على ضوء قطع إشاراتك الربانية التي قطعتها، وتطلب: يا رب! كما قال الله: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون:٩٩] ردُّوني ولكن لماذا؟ قال: ﴿أَعْمَلُ صَالِحاً﴾ [المؤمنون:١٠٠]، لن أقطع الإشارات يا رب، ﴿أَعْمَلُ صَالِحاً﴾ [المؤمنون:١٠٠]، قال الرب : ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٠ - ١٠١]. وأمر البعث -أيها الإخوة- سبق الكلام عليه في عدة دروس، باعتباره ركناً من أركان الإيمان. وقد بدأنا الدروس في أبها منذ سنة تقريباً في العقيدة بأركان الإيمان: الركن الأول: الإيمان بالله. الركن الثاني: الإيمان بالملائكة. الركن الثالث: الإيمان بالكتب. الركن الرابع: الإيمان بالرسل. الركن الخامس: الإيمان بالقدر خيره وشره من الله تعالى. ووصلنا إلى الركن السادس وهو: الإيمان بالبعث بعد الموت. ودرس هذه الليلة سيكون عن علامات الساعة المستمرة. وقد قلنا في الماضي: إن هناك فوائد من دراسة علامات الساعة: منها: الاستعداد. ومنها: قوة ا

стр. 2736

انشقاق القمر علامة حدثت وانقضت ومن ضمن ما ذكرنا في الدرس الماضي: علامة اقتراب الساعة بانشقاق القمر: التي قرأ علينا الإمام أوائل سورتها في الركعة الأولى من صلاة المغرب. وهذه علامة، مع الإشارة إلى اقتراب الساعة، فالله يقول: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر:١]، وانشقاق القمر دليل على قربها، وقد حدث انشقاق القمر في عهد رسول الله ﷺ ، كآية من آيات الله، وعلامة من علامات صدق رسول الله حين طلب المشركون منه أن يشق القمر، فدعا الله فانشق القمر، صارت فلقة وراء جبل أبي قبيس، وفلقة وراء الجبل الثاني، ورآها أهل الأرض كلهم، ليسوا فقط أهل مكة، وتناقل الركبان والمسافرون وأهل الطرق وأهل البُرُد تناقلوا أنه حصل انشقاق في ليلة من الليالي، كانت تلك الليلة؛ ولكن الكفار لما انشق القمر ما آمنوا، قالوا: سحرنا، قال الله : ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ * وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ * وَكَذَّبُوا﴾ [القمر:١ - ٣] المكذب ما فيه حيلة، الآن لو قلت لرجل: هذا (ميكرفون) قال: لا. هذه عصا، تقول: يا أخي! (ميكرفون) قال: هذه عصا، هذه من عصي البدو. تقول له: يابن الحلال، انظر! فيه سلك، وفيه ضغط، قال: أبداً، والله إنها عصا. أتستطيع أن تقنعه؟! إنه مكذب، لا يريد أن يصدقك أصلاً، فهؤلاء يأتي لهم الرسول ﷺ بجميع الآيات الدالة على عظمة الله ﵎، وعلى صدق رسالته، ومع ذلك يكذبون، قال الله: ﴿وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ * وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾ [القمر:٣ - ٤] جاءهم من الأنباء، ومن الآيات والدلالات ما يكفي: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ * حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ * فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ [القمر:٤ - ٦] اتركهم، ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ * خُشَّعاً أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ [القمر:٦ - ٧] الأجداث: القبور، والتشبيه بالجراد: لأن الجراد أضعف شيء، والجرادة ترونها إذا خرجت وطاردها أحد كيف تقف وتقع وترمي نفسها في النار، ولهذا يخرجون من قبورهم مساكين كالجراد، ﴿كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ * مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ﴾ [القمر:٧ - ٨] لم يعد هناك رفعة رأس، لم يعد هناك تكبر في ذلك اليوم، كثير من الناس الآن عندما تقول له: اتقِ الله، يقول: اذهب يا شيخ، فُكَّنا منك، أنت مطوِّع، قال الله فيه: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْأِثْمِ﴾ [البقرة:٢٠٦] نَفَخَ إبليس، قال الله: ﴿فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ﴾ [البقرة:٢٠٦] تكفيه جهنم، والله إنها كافية، ﴿وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [البقرة:٢٠٦]، ذاك اليوم لم يعد فيه تكبر، لا يتكبر الإنسان بماله، ولا بجاهه، ولا بمنصبه، ولا بوضعه الاجتماعي وطبقته، ولا يتكبر الإنسان بأي شيء من الدنيا؛ لأنه فقير من كل شيء في الدنيا، يخرج من الدنيا عارياً، ما معه منها، إلا خرقة الكفن، مثل ما مع الفقير، ولهذا ما الذي يتكبر به؟! يقول: أنا صاحب عَظَمة؟! أنا صاحب سعادة؟! أنا صاحب فخامة؟! أنا صاحب وجاهة؟! ما عنده شيء، الملِك والمملوك، والكبير والصغير، والأمير والمأمور، كلهم يخرجون سواء، ما رأينا أحداً دُفن في القبر ببدلته، ولا برتبه، ولا بتيجانه، ولا رأينا أحداً دُفن بعقاله وبشته، ولا رأينا أحداً دُفن بأمواله وشيكاته، وإنما يقول الله: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾ [الأنعام:٩٤] خولناكم مناصب وأموالاً وأولاداً؛ لكي تشكروا الله عليها، وتستخدمونها في طاعة الله، فأبيتم ذلك: ﴿وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام:٩٤]. ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ * حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ * فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ * خُشَّعاً أَبْصَارُهُمْ﴾ [القمر:٤ - ٧] خُشَّعاً: لا يرفع أحد منهم عينه طرفة، الآن الذي يخرج إلى القصاص وهو مكتف، وينزل من السيارة، وتراه يتلفت في الناس هكذا، يرى صفة العسكر، ويرى وراءهم الرجال والناس، ما رأيكم؟ كيف يكون وضعه، وكيف تكون نفسيته، وكيف يكون بصره، خاشع، خاضع، مسكين، في وضع لا يعلمه إلا الله، الناس الذين يشاهدون يفعلون هكذا (يرتجفون)، كل شخص منهم ترتجف ركبتاه، وهو يشاهد، مع أنه لن يذبح، ولن يضرب بالسيف، فكيف بالذي وسط الحلقة؟! وإذا أجلسوه وهو يسمع الميكروفون يعطي بياناً من وزارة الداخلية: أقدم فلانٌ -وهو يعرف أنه هو- على قتل فلان، وقد صدر الحكم الشرعي بقتله، وهاهو الآن أمامكم يُنَفَّذ فيه حكم الإعدام، كم مرارةً يجدها؟! وكم ألماً يتجرعه؟! وكم حسرة يعيش فيها؟! وهي كلها لحظات، من ساعة أن ينزل من السيارة إلى أن يُضرب، كلها خمس دقائق أو عشر دقائق، وينتظر البندقية وهي تخترق ظهره وتخرج كبده أمامه، ثم بعد ذلك يموت. لكن يوم القيامة ليس لحظات، بل خمسون ألف سنة، ليس بهذا الوضع، لا. في وضع أعظم من هذا بملايين المرات، يقول الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْأِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ * قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [غافر:١٠ - ١١] أتوجد فَكَّة من هذه النار؟! ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ * مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُوسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾ [إبراهيم:٤٢ - ٤٣] يقول المفسرون: الفؤاد هواء: يعني: فراغ من الخوف، لم يعد فؤاده في مكانه، أصبح فؤاده في حنجرته، ﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ﴾ [الأحزاب:١٠] ماذا؟ ﴿الْحَنَاجِرَ﴾ [الأحزاب:١٠] أنت الآن في الطائرة إذا ذهبت في رحلة، ثم حصل مطب هوائي، ما الذي يحصل؟ يصعد نَفَسك إلى هنا، ولهذا يقولون: اربط الحزام لكي تجهز نفسك، ستموت إذا جاءك مطب، هذا من أجل مطب هوائي، وربما يكون سبباً في سقوط الطائرة ونزول مترين أو عشرة أمتار أو مائة متر؛ لكن كيف يوم القيامة؟! يقول: ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ [القمر:٨] والله يوم صعب.

стр. 2737

من علامات الساعة التي ظهرت ولا زالت تتابع

стр. 2738

خروج الدجالين الذين يدعون النبوة من العلامات المستمرة -أيها الإخوة! -: خروج الدجالين الذين يدعون النبوة: وقد أخبر النبي ﷺ بأنه سيخرج في هذه الأمة دجالون كثيرون يدَّعون أنهم أنبياء، وأن عددهم ثلاثون، وحددهم في بعض الأحاديث بسبعة وعشرين. والمراد بالأدعياء: الذي يدعي منهم ويثير فتنة في الناس، وينشر المحن في الناس، ويتبعه الناس، وهم يعرفون أنه على باطل -والعياذ بالله-. عند البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تقوم الساعة حتى يُبعث دجَّالون كذَّابون قريب من ثلاثين، كل يزعم أنه رسول الله، ولا رسول بعد رسول الله، ولا نبي بعدي) لأنه نبي الساعة. وكل أحد يأتي بعد رسول الله يقول: إنه نبي، فهو كذاب، ومباشرة يُقطع رأسه، وإذا تُبِع فمن تبعه فقد كفر بالله ورسوله. وقد خرج منذ وفاة النبي ﷺ إلى يومنا هذا دجَّالون كذَّابون يزعمون أنهم أنبياء، وفي خروجهم تصديق لرسول الله ﷺ ، فإن الأحداث التي حدثت من أمور الساعة كلها تؤكد وتصدق لنا أخبار رسول الله ﷺ ، فقد خرج مسيلمة الكذاب في اليمامة، وادعى أنه نبي، وكتب للنبي ﷺ كتاباً قال: من مسيلمة رسول الله -لاحظوا الدجَّال- إلى محمد رسول الله. أما بعد: فإنا قد أُشْرِكنا معك في الأمر، فلك نصف الأرض، ولي نصفها. يظن أن المسألة قسمة؛ لكن انظروا الرد العظيم من الرسول الصحيح: قال: (من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب أما بعد: فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده) لا لك نصف، ولا لي نصف، الأرض لله، يا دجَّال يا كذَّاب. وخرجت امرأة في زمانه أيضاً اسمها سُجاح بنت الحارث، هذه كاهنة، ودجلت على الناس بالكهانة والشعوذة، وادَّعت أنها نبية، وبعد ذلك تبعها أهل العقول الضالة، ودَرَتْ هي أنه يوجد كذَّاب مثلها اسمه: مسيلمة، فذهبت إليه، وأمسى معها، النبي مع النبية، وفي الصباح قالت: تشاورنا -تقول: إنه شاور رَبْعها- تشاورنا أنا ومسيلمة فوضعنا عنكم صلاة الفجر والعشاء؛ لأنها أثقل الصلوات على المنافقين، قالت: مسموحون من صلاة الفجر وصلاة العشاء، قالت: أما الظهر والعصر والمغرب فصلوها؛ لكن العشاء والفجر فهاتان فيهما كلفة، ونحن بعد المشاورات وبعد التداول مع النبي الكذَّاب وضعنا عنكم هذا. ومنهم أيضاً كذَّاب ظهر في اليمن اسمه: الأسود العنسي، ادعى أنه نبي. وفي عهد التابعين خرج رجل اسمه: المختار الثقفي، ادعى النبوة، وهو كذَّاب. ومنذ أكثر من مائة سنة ادعى رجل اسمه: حسين بن علي ميرزا، ادعى أنه نبي في إيران، كذَّاب. وقبل خمسين أو ستين سنة ادَّعى رجل قادياني اسمه: غلام، أنه نبي، وظهرت له جماعة موجودون إلى الآن اسمهم: القاديانيون؛ وهم كفار، وقد أجمع أهل العلم، وأصدرت فيهم هيئة كبار العلماء ومجمع البحوث الإسلامية فتوى أنهم فئة كافرة مارقة خارجة من دين الإسلام. وبعد ذلك ظهر آخر قبل سنين، وأُعدم، واسمه: محمود محمد طه، ظهر في السودان، وادَّعى أنه نبي، وحاكمته الحكومة السودانية، وحكمت عليه بالإعدام، وأُعدم، وقُطعت رقبته، إلى جهنم وبئس المصير، لعنة الله عليه وعلى من سار على منهجه، وعلى كل كذَّاب ودجَّال يدَّعي أنه نبي؛ إذ لا نبي بعد رسول الله ﷺ . والسلسلة باقية، لكن ما هو موقفك أيها المؤمن؟ موقفك ألا تؤمن بأن بعد رسول الله رسول؛ إذ أنه خاتم النبيين، وإمام المرسلين، ولا نبي بعده، صلوات الله وسلامه عليه.

стр. 2739

ظهور الفتن من علامات الساعة التي أخبر بها النبي ﷺ والتي وقعت ولا تزال تقع بشكل مستمر: الفتن: والإنسان الصالح المستقيم على الإيمان والدين، والأمة التي تأخذ منهجها من كتاب الله الكريم، هذا الإنسان وهذه الأمة تُبتلى ويُبتلون، وقد يثور البلاء من داخل الأمة، بسبب الأهواء والخصام والفرقة، وقد يتمثل هذا البلاء في عدو حاقدٍ من غير الأمة الإسلامية يجتاحها ويستذلها، وقد يصل الخصام والفتنة إلى حد القتال وامتشاق السيوف، وإزهاق الأرواح، وهناك تسيل دماء، وتُسلب الأموال، وتُنتهك الحرمات، وقد أطلع الله رسوله ﷺ على كثير من البلايا والفتن التي ستقع في مقتبل الزمان في هذه الأمة. ولذلك أطال ﷺ وأسهب وأكثر في تحذير الصحابة وتحديثهم من الفتن. يقول أبو زيد عمرو بن أخطب ﵁ -والحديث في صحيح مسلم - يقول: (صلى بنا رسول الله ﷺ الفجر يوماً، ثم صعد المنبر فخطبنا حتى أذن الظهر -انظروا مدة الخطبة يا إخواني، ما قالوا: أطلت علينا، وأزهقتنا، لا. من الفجر إلى الظهر وهو يخطب بهم- يقول: ثم نزل، فصلى بهم الظهر، ثم صعد المنبر، فخطبنا، حتى دخل وقت العصر، ثم صعد المنبر -بعد صلاة العصر- فخطبنا حتى غربت الشمس -من الفجر إلى المغرب، وهم جلوس وهو يخطب عليهم ﷺ فأخبرنا بما هو كائن إلى يوم القيامة، وأعلمنا أحفظُنا) يقول: أعلمنا الذي حفظ الكلام؛ لأنه لا توجد مسجلات، ولا يوجد أحد يكتب، وإنما كانت قلوب الصحابة أوعية لهذا الدين حفظوه عن رسول الله ﷺ . وهذا المقام نفسه يُذكر ويُنقل؛ لكن من طريق حذيفة بن اليمان ﵁، والحديث أيضاً في صحيح مسلم، يقول حذيفة: (قام فينا رسول الله ﷺ خطيباً، ما ترك شيئاً يكون في مقامه ذلك إلى قيام الساعة إلا حدَّث به، حفِظه مَن حفِظه ونسيَه مَن نسيَه، ثم قال: إنه يكون منه الشيء قد نسيته، فأراه فأذكره كما يذكر الرجل وجه الرجل إذا غاب عنه، ثم لقيه فعرفه بعد أن يراه). وقد بلغ من شدة هذه الفتن أن أخبر ﷺ أنها كقطع الليل المظلم، والحديث في صحيح الجامع، ذكره السيوطي أنه صحيح، يقول ﵊: (بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم، يصبح المرء مؤمناً، ويمسي كافراً) لا إله إلا الله! كيف يسهل على الناس تغيير عقائدهم وغسل أدمغتهم من كثرة الفتن، وهذا واقع الآن، من الشباب من يجلس خمس دقائق مع مجرم ملحد، يُسْمِعه شريطاً أو ينقش في قلبه شبهةً -والعياذ بالله- فيسلخه ويقوم، وإذا به لم يعد يصلي، فيكفر بالله. (بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم، يصبح المرء مؤمناً ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً) بعد سمرة فقط، على ورق، أو على بلُّوت، أو على فيلم، لم يعد يصلي الفجر، وينتهي (يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل) والحديث رواه أحمد والترمذي، وهو صحيح. وفي حديث أنس أيضاً قال: (يكون بين يدي الساعة فتن كقطع الليل المظلم يصبح المرء مؤمناً ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً يبيع أقوام دينهم بعرض من الدنيا) ذكره الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.

стр. 2740

تمني الناس للموت ويبلغ من شدة هذه الفتن، ومن ضغطها على الإنسان، ومن الحرج الذي يعاني منها الإنسان، أن الإنسان يتمنى الموت ولا يبقى على الحياة، والحديث رواه الإمام البخاري ومسلم، يقول: (لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل، ويقول: يا ليتني مكانه). ويقول: (لا تذهب الدنيا -والذي نفسي بيده- حتى يمر الرجل على القبر فيتمرغ عليه -يتمرغ بجلده وجسده على القبر- ويقول: يا ليتني كنتُ مكان صاحب هذا القبر، وليس به إلا البلاء) بلاء وفتن، وهذا لاحظوا أنه موجود في بعض بلاد الأرض، يوجد في بعض دول الأرض (الشرق) مثل روسيا، ومثل المؤمنين الذين يعذبون، الأتراك الذين أخرجوهم من بلغاريا، ومثل بعض الدول يجد المسلم فيها ضيقاً لا يتصوره العقل؛ لدرجة أنه إذا جاء له ولد وسماه علياً أو عبد الله أو محمداً أو شيئاً من هذا يُحكم عليه بالسجن خمسة وعشرين سنة؛ لأنه سمى ولده باسم مسلم، أما إذا كان يصلي فالإعدام، أو يقرأ القرآن أو يعرف شيئاً من القرآن يُقَدَّم له الخمر في رمضان ويقولون له: خذ اشرب، يقول: لا. أنا لا أريد الخمر، لكن لا يستطيع أن يقول: أنا صائم، لو قال: أنا صائم ذبحوه، هذا موجود في بعض دول الأرض، ونحن في نعمة ليس بعدها نعمة في بلاد الإسلام، الحمد لله على نعمة الإسلام.

стр. 2741

رفع العلم وأعظم أسباب وقوع الناس في الفتن: الجهل، وعدم العلم: يكون الإنسان عنده إيمان؛ لكن ليس عنده علم، يقرأ حديثاً أو يطلع على آية، أو يسمع كلاماً، ولا يدري ما هو مفهومه، ولا معناه، ويسأل من هو أجهل منه، فمن أعظم ما يوقع الناس في البلاء: الجهل، وقلة العلم، وكثرة الذنوب والمعاصي، وكثرة انتهاك المحارم، يقول البخاري ومسلم في صحيحيهما: عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن بين يدي الساعة أياماً ينزل فيها الجهل، ويُرفع فيها العلم، ويكثر الهرج، قالوا: ما الهرج؟ قال: القتل). وعن أنس ﵁ -والحديث في مشكاة المصابيح - يقول أنس: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن من أشراط الساعة: أن يُرفع العلم). ونعني بالعلم: علم الكتاب والسنة. العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة هم أولو العرفان العلم الشرعي، أما العلم المادي لا يُرفع، بل يزيد؛ لكن لا ينفع، العلم المادي يدلك على صلاح الجسد؛ لكن العلم الشرعي يدلك على صلاح الروح، وأنت إنسان بالروح لا بالجسد. أنت بالروح لا بالجسم إنسانُ العلم الشرعي يدلك على صلاح أعظم مولِّد فيك، ما رأيكم في سيارة جديدة، كل شيء فيها جديد؛ لكن ليس فيها محرك، هل تمشي؟ لا تمشي، ولو كانت أحدث موديل؛ لأنها ليس فيها روح تجعلها تمشي. كذلك أيها الإخوة! روحك، دينك، عقيدتك، إيمانك، صلتك بمولاك وخالقك، من يدلك على هذا؟ الهندسة والطب؟! لا. يدلك على هذا الكتاب والسنة، فلا بد من الاهتمام بعلم الكتاب والسنة.

стр. 2742

انتشار الزنا (إن من أشراط الساعة: أن يُرفع العلم، ويكثر الجهل، ويكثر الزنا)، والزنا لا يكثر إلا في بلد ارتفع منه الإيمان والعلم والدين، وسبب وجود الزنا: إخراج المرأة، والنصارى واليهود والملاحدة يعرفون كيف يصطادون الأمة الإسلامية، فيأتون إلينا من باب المرأة؛ لأن المرأة نقطة ضعف أو نقطة قوة، نقطة قوة إذا صلحت، ونقطة ضعف إذا فسدت، فإذا خرجت من حجابها وتبرجت واختلطت وأفسدت وغزت المجتمع ماذا يحصل؟ يحصل الفساد؛ لكن إذا تحجبت وبقيت في عليائها وعزتها وكرامتها ودينها قضينا على الفساد. يكثر الزنا، وأنتم ترون الآن البيئات التي أخرجت المرأة من عرشها ومن منزلها وكرامتها وهتكت حجابها وتبرجت وتبذلت، وأصبحت عارضة أزياء ومغنية ومضيفة وسكرتيرة وبائعة، كيف وصلت المجتمعات الآن في الفساد؟! وصلت حداً لا يتصوره العقل، مجتمعات مسلمة؛ لكن ترى فيها ما يُدمي قلبك ويؤلمه، حينما ترى المرأة المسلمة وهي ممسوخة -والعياذ بالله- أصبحت في أقذر صورة، وفي أخس موقع؛ لأنها أهينت وسبب ذلك: عدم العلم، وكثرة الجهل، وانتشار المعاصي والزنا. (ويكثر شرب الخمور، ويقل الرجال، وتكثر النساء، حتى يكون لخمسين امرأة رجل أو قيم واحد) الحديث رواه البخاري ومسلم.

стр. 2743

إخبار النبي ﷺ بفتنة مقتل عثمان وعمر ووقوعها من الفتن التي وقعت: مقتل الخليفة الراشد الثالث عليه من الله أعظم الرضوان عثمان بن عفان ﵁: قتله كان خبراً يصدِّق خبر النبي ﷺ ، فإنه ورد حديث في الصحيحين: عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: (خرج رسول الله ﷺ يوماً من المسجد فدخل بئر أريس -يعني: حائط بستان- قال: ثم قال لي: يا أبا موسى! لا تأذن لأحد إلا بعد أن تشعرني -يقول: لا تدع أحداً يدخل إلا بإذني- قال: فقلتُ: لأكونن اليوم بواب رسول الله ﷺ -وكانوا يتشرفون بخدمته صلوات الله وسلامه عليه- يقول: فدخل وجلس على طرف البئر، ودلى رجليه فيها، ثم طرق طارق الباب، فنظرتُ فإذا هو أبو بكر فقلت: يا رسول الله! هذا أبو بكر، قال: ائذن له، وبشره بالجنة، قال: ففتحتُ له، وبشرتُه بالجنة -اللهم إني أسألك من فضلك- يقول: فجاء وجلس بجوار رسول الله ودلَّى رجليه في البئر، وبعد قليل: إذا بطارق يطرق، فإذا هو عمر، قلت: عمر يا رسول الله! قال: ائذن له، وبشره بالجنة، قال: فأذنتُ له، وبشرته بالجنة، قال: وبعد لحظات قلتُ في نفسي: ويل أم فلان) أخوه يقول: يا ليته يأتي، يظن أن كل من جاء دخل الجنة، ولا يعلم أنه لا يصل إليها إلا من وفقه الله -اللهم إنا نسألك من فضلك يا رب العالمين- قال: (وإذا بالباب يُطرق، قلتُ: مَن؟ قال: عثمان، قلت: هذا عثمان يا رسول الله! قال: ائذن له، وبشره بالجنة مع بلوى تصيبه)، فتنة ومحنة حصلت على عثمان ﵁، ذُبح بالسيف من رقبته والمصحف بين يديه، وكان عنده بعض غلمانه وهم أربعمائة عبد، كلٌ سيفه في يده، مستعدون أن يقاتلوا إلى آخر لحظة؛ لكن قال لهم: [من وضع سيفه فهو حر لوجه الله] يقول: دعوني حتى ألقى ما وعدني ربي، ودخلوا عليه وذبحوه ﵁ وأرضاه. ولما قال له أبو موسى قال (بشرك رسول الله بالجنة، مع بلوى تصيبك، قال عثمان: الله المستعان) لا إله إلا الله. وقد أخبر رسول الله بتلك الفتنة التي أدت إلى مقتل عثمان، وإلى فرقة الأمة الإسلامية، وقد سُل السيف من ذلك اليوم، وسالت الدماء الطاهرة الطيبة بين المسلمين، بين الصحابة المتخاصمين، وكانت هذه الفتنة تموج كموج البحر. وهناك أيضاً حديث في صحيح البخاري، يقول حذيفة: [كنت جالساً عند عمر بن الخطاب إذ قال: أيكم يحفظ قول النبي ﷺ في الفتنة -هذه- قال حذيفة: فتنة الرجل في أهله وماله وولده يا أمير المؤمنين تكفرها الصلاة، والصدقة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال: ليس عن هذا أسألك، ولكن التي تموج كموج البحر، قال: ليس عليك منها بأس يا أمير المؤمنين! إن بينك وبينها باباً مغلقاً، قال عمر: أيُكسر الباب، أم يُفتح؟ قال: بل يُكسر، قال عمر: إذاً لا يُغلق أبداً، قلت: أجل، لا يُغلق أبداً، فقيل: قلنا لـ حذيفة: أكان عمر يعلم الباب؟ قال: نعم. كما يعلم أنه دون غدٍ الليلة، وذلك أني حدثته حديثاً ليس بالأغاليط، فهبنا أن نسأله عن الباب، فأمرنا مسروقاً فسأله، قال: الباب عمر] وفعلاً كُسر الباب، يعني: قُتل عمر. ومنذ مقتل عمر بدأت الفتنة، دخلت الأصابع اليهودية والمنافقة، والطابور الخامس ليزعزع الأمة الإسلامية من الداخل بقيادة عبد الله بن سبأ اليهودي، الذي أعلن إسلامه وهو كذَّاب، يريد نسف الأمة من الداخل، وثارت الفتنة وأخبر بها ووقعت كما أخبر بها رسول الله ﷺ .

стр. 2744

من الأشياء التي أخبر بها النبي ﷺ ووقعت: ظهور الخوارج مما أخبر به النبي ﷺ : خروج طائفة اسمهم: الخوارج، واسمهم: الحروريون، نسبة إلى موقع في الشام اسمه: حروراء: وهؤلاء أخبر ﷺ بخروجهم، ولهم دور عظيم في الفرقة التي وقعت في الأمة الإسلامية في ذلك الزمان، وربما يكون لهم دور في كل زمان، إذا ساروا على نفس المنهج الذي ابتكره الشيطان وأغراهم وأقنعهم به. وهم يدَّعون العلم، ويُجهدون أنفسهم في العبادة، ويدعون إلى كتاب الله؛ ولكنهم أجهل الناس بأحكام كتاب الله، وهذا هو الخطر فيهم، أن أمرهم ينطلي على البسطاء، وأنه يخدع الجهلاء، حينما يرى الجاهل فيهم كثرة العبادة، وكثرة الانقطاع في الدين، والغيرة على الإسلام، والحماس، والتمسك لدرجة أن أصغر صغيرة من الذنوب عندهم كفر، أي: في معتقدهم أنه إذا عمل مسلم صغيرة فقط، ماذا يصير في حكمهم؟ يصير كافراً، وهذا ضد معتقد أهل السنة والجماعة أن الكبائر لا يخرج الإنسان بها من الدين، المسلم مؤمن بإيمانه، فاسقٌ بعصيانه، تحت مشيئة الله في الدار الآخرة، إن شاء غفر له، وإن شاء أدخله النار، ليعذبه بقدر خطيئته ومعصيته، ثم نهايته إلى الجنة، ما دام أنه يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، ويصوم رمضان، ويحج البيت الحرام، ويؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، وبالبعث بعد الموت، وبالقدر خيره وشره من الله، ويؤمن بجميع القضايا الإيمانية المعروفة من الدين بالضرورة، هذا مؤمن ومسلم؛ لكنه إذا وقع في معصية فهو عاصٍ، وهذه المعصية تحت مشيئة الله، إذا مات هذا الإنسان وهو مصر عليها، إذا تاب منها تاب الله عليه، وإذا مات وهو مصر عليها فهو تحت المشيئة، إما أن يُعذَّب بقدرها، وإما أن يُغفر له. لكن هؤلاء الخوارج والحروريون عقيدتهم: أن الإنسان إذا عمل معصية ولو كانت صغيرة فإنه يكفر -والعياذ بالله-. هؤلاء أحكامهم جائرة، وآراؤهم قاصرة، يسفكون دماء المخالفين لهم من المسلمين، إذا خالفهم أحد من المسلمين يستبيحون دمه وعرضه، ويجهِّلون الصحابة والعلماء، إذا جئت عنده، قال: اترك العالم الفلاني، أنا أعلم في هذا الحديث. وهو لا يفهم في الحديث؛ لأنه ينظر له من منظار ضيق، ويطلع عليه من زاوية ضيقة، لا يعرف منه شيئاً، ليس عنده إحاطة بدين الله، نظراً لحداثة سنه وجهله، وعدم انشراح صدره، وعدم وجود النور الذي يقذفه الله في قلبه؛ لأن الإيمان نور يقذفه الله في قلب من يشاء من عباده. وفي الحديث الصحيح عند البخاري ومسلم عن علي قال: قال رسول الله ﷺ : (سيخرج في آخر الزمان قوم أحداث الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من قول خير البرية -يعني: يقولون كلام الرسول ﷺ يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم -يقرأ؛ لكن من هنا إلى فوق، لا يدخل حرف واحد والعياذ بالله- يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، إذا لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجر عند الله يوم القيامة لمن قتلهم) هذا الحديث رواه البخاري ومسلم. وأيضاً يخبر رسول الله ﷺ ، والحديث في صحيح الجامع للسيوطي، قال: (سيكون في أمتي اختلاف وفرقة: قوم يحسنون القيل -يعني: الكلام- ويسيئون الفعل -يعني: الاتباع والاقتداء بالرسول ﷺ يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم -التراقي هي: العظم الذي في الرقبة- يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية، لا يرجعون حتى يرتد السهم إلى الرمية -وهذا لا يرجع- هم شرار الخلق والخليقة، طوبى لمن قتلهم وقتلوه، يدعون إلى كتاب الله وليسوا منه بشيء، من قاتلهم كان أولى بالله منهم). هؤلاء هم الخوارج، وربما يتكررون، فقد خرجوا في عهد علي ﵁، وقاتلهم علي، وفاوضهم ابن عباس ﵁، وكذبوا الصحابة، وربما يتكرر خروجهم إذا وُجد من يتبنى فكرهم. وطريق السلامة من الوقوع في هذه المزالق: أن تكون متبعاً لا مبتدعاً، مقتدياً مهتدياً بهدي رسول الله ﷺ وأصحابه، والقرون المفضلة؛ لأن رسول الله ﷺ أخبر: (أن اليهود افترقت على إحدى وسبعين فرقة، وأن النصارى افترقت على اثنتين وسبعين فرقة، وأن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، قالوا: مَن يا رسول الله؟ قال: مَن كان على مثلما أنا عليه وأصحابي). والحمد لله أننا نعيش في هذا الزمن والأمة متمسكة بمذهب أهل السنة والجماعة، فالحمد لله، وعلماء السنة هم الظاهرون في الأرض، وهم الموثوق في كلامهم، وهم الذين ينزل كلامهم كالثلج على القلوب. ولذا نقول للشباب: إذا اهتديت لا تأخذ الدين من رأسك، خذ الدين من العلماء الموثوق في علمهم، وإذا أشكل عليك شيء فارجع؛ لأن الذي يأخذ الدين من الكتاب يخطئ. هل سمعتم بأن طبيباًَ تعلم الطب من الكتب بدون كلية؟! ما رأيكم؟! ممكن؟! ولو جاء رجل وقال: والله أنا قرأت كتب الطب كلها، وأريد أن أعمل عمليات، أنصدقه؟! نتركه يفتِّح البطون؟! نقول: لا. الطبيب لا يأخذ العلم من الكتب لوحدها؛ لا بد من دكاترة يتعلم على أيديهم، ولا بد من دروس عملية، ومن ممارسة وتطبيق واختبارات ومختبرات، لكي يعرف الإنسان كيف يعالج الجسد. لكن من الناس من يريد أن يعالج أرواح العباد التي هي أهم من أجسادهم، وهو ما جلس إلى عالم، ولا اتصل بعالم، وإنما يقرأ الكتاب هكذا، ويأخذ الدليل ويحكم عليه وهو لا يدرى عنه. وقد جاءني مرة -وقد ذكرتُ هذا الكلام- جاءني أهل قرية وإذا بهم يصيحون، يقولون: يوجد أحد الشباب عندنا كتب لوحة في المسجد، وقال: لا تجوز الصلاة في هذا المسجد، ومن صلى في هذا المسجد فصلاته باطلة. يقولون: نحن نصلي في هذا المسجد من يوم أن عرفنا أعمارنا، وأجدادنا، وأجداد أجدادنا، من مئات السنين، يصلون فيه جمعة وجماعة، وهذا الرجل يقول: ليس لكم صلاة، فجاءوني في البيت وهو معهم. قلتُ له: أنت قلتَ هذا؟ قال: نعم. قلت: وما هو دليلك؟ قال: إن الرسول ﷺ قال: (لا تجوز الصلاة في المسجد الذي فيه قبر). قلتُ: وهل في هذا المسجد قبر؟ قال: يقولون. قلت: رأيت قبراً بعينك؟ قال: لا. قلت: حفرتَ في الأرض، ولقيتَ شيئاًَ بعينك؟ قال: لا. قلت: هناك شيء موجود؟ ضريح على طرف المسجد هنا أو هناك؟ قال: لا. قلت: فما الذي أعطاك الدليل؟ قال: يقولون: إنه قبل مدة طويلة كان فيه قبر. قلت: سبحان الله! نبني أحكام الشرع على يقولون، هذه أحكام جائرة ما يجوز، تفسد عبادة المسلمين من أجل (يقولون)؟! المسجد الذي لا تجوز الصلاة فيه هو: المسجد الذي فيه قبر يُقدَّس ويدعَى وينذَر ويطاف به، ضريح موجود ومبني، إنما أرض كان فيها قبر أو لم يكن، ثم انتهى عنها حكم القبر، ونُقل القبر، أو انطمس القبر، أو اندثر القبر فالأرض كلها قبور يا إخوان، يقول الناظم: ما أظن أديم هذه الأرض إلا من هذه الأجسادِِ يقول: طِر إن استطعت في السماء رويداً لا اختيالاً على رفاة العبادِ لا تمشِ على رفاة الناس، الأرض كلها مملوءة من البشر، والذين ماتوا، والذين أكلهم التراب؛ لكن الشرع حرَّم الصلاة في مسجد فيه قبر ظاهر يُقدَّس ويعظَّم؛ لأنه سيُعبد من دون الله. أقول للإخوة الشباب: ألا يتسرعوا في إصدار الأحكام، ولا في اقتباسها من الكتب، إنما لا بد من الرجوع إلى العلماء، والاستقصاء، والثقة في أهل العلم؛ حتى نعبد الله على بصيرة، ولا نشذ من السير، ويختطفنا إبليس من طريق السنة والجماعة إلى مثل هذه الطرق التي هي طريق الخوارج الذين قال فيهم الرسول: (إنكم تحقرون عبادتكم إلى عبادتهم -يقرءون القرآن، ويقومون بالعبادة، ويكفرون بالمعصية- لكنهم يخرجون من الدين كما يخرج السهم من الرمية). ولا يعني هذا أن يُتهم كل شاب مسلم بمثل هذا، فإن من الجهلة من يسمع هذا الكلام، فيتصور أن كل شاب مؤمن ومهتدٍ وملتزم أنه ربما يكون من هؤلاء، لا. من تصور فقد افترى؛ لأنك تنسب مؤمناً إلى فرقة كافرة، وهذا -والعياذ بالله- خطر على عقيدتك؛ إنما من اعتقد عقيدة الخوارج، والحمد لله أنه ليس في مجتمعاتنا أحد منهم. نسأل الله ﵎ أن يبصرنا وإياكم بالدين، وأن يزينا وإياكم بالإيمان، إنه على كل شيء قدير. والله أعلم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 2745

الأسئلة

стр. 2746

حكم زواج الرجل بأخت أخيه من الرضاعة السؤال هل يجوز لأخي أن يتزوج أختي من الرضاعة؟ الجواب إذا كنتَ أنت رضعت من أمها أصبحت أخاً لها من الرضاعة، ولجميع إخوانها الكبير منهم والصغير، ولكل من مص من هذا الثدي، أو خرج من صلب الرجل صاحب اللبن، ولو من أم ثانية، مفهوم هذا يا إخوان؟ يعني: رجل عنده أربع نساء، واحدة منهن في الخميس، وواحدة في أبها، وواحدة في الرياض، وواحدة في مكة، وفي الخميس أرضعت زوجتُه ولداً أصبح هذا الولد أخاً لعيالها، وأخاً لجميع أولاد زوجها من التي في أبها، ومن التي في الرياض، ومن التي في مكة، فهذه البنت التي رضعتَ أنت من أمها، أصبحَت أختك من الرضاع، هي وجميع إخوانها، ولا يجوز لك أن تتزوج بها. أما أخوك الذي ما رضع من أمها فيجوز له أن يتزوجها؛ لكن على شرط: ألا تكون هي رضعت من أمك؛ وإذا كنت أنت رضعت من أمها، الرضاع فقط من جهة واحدة، كان المحرم عليك أنت فقط، وأخوك يجوز له أنه يتزوجها، أما إذا كانت هي رضعتْ من أمك وأنت رضعتَ من أمها أصبحتَ أنت أخاً لجميع أولادها، وأصبحَت هي أخت لك، وجميع إخوانك، ومن ضمنهم أخوك، وبالتالي لا يجوز، هذا إذا كان الرضاع متبادلاً. أما إذا كان الرضاع من جهة واحدة فالحرمة تتعلق بالراضع فقط.

стр. 2747

كيفية التخلص من الخوف عند إمامة الناس السؤال مشكلتي رغم أني أجيد قراءة القرآن إلا أنني إذا تقدمتُ بالجماعة في المسجد خارت قواي، واضطرب قلبي، وتغيَّر صوتي، وتعرق جبيني، فهل هذا نقص في إيماني؟ الجواب لا. شيء طبيعي، يقولون في المثل: (مقابلة السيوف، ولا مقابلة الصفوف)، لكن يذهب هذا العرق والخجل والاضطراب بالتعود؛ لأنك إذا ما تقدمت أنت وأنت تجيد القرآن فمن يتقدم بالناس؟! تقدم واستمر، واستعذ بالله من الشيطان، وما هي إلا فترة قصيرة إن شاء الله ثم تتعود وتواجه الناس، ولا تشعر بإذن الله بأي خجل، ولا يخرج منك أي عرق إن شاء الله.

стр. 2748

حكم دعاء الاستفتاح في صلاة الجنازة السؤال هل في الصلاة على الجنازة دعاء استفتاح؟ الجواب لا. ليس لها دعاء استفتاح، وإنما يكبر الإنسان التكبيرة الأولى ويقرأ الفاتحة، ثم يكبر الثانية ويصلي على النبي ﷺ ، ثم يكبر الثالثة ويدعو للميت ولجميع أموات المسلمين، ثم يكبر الرابعة ولا يقول بعدها شيئاً، ثم يسلم تسليمة واحدة عن اليمين.

стр. 2749

الواجب على من تاب عن السرقة السؤال أنا شاب كنتُ ضالاً وأرافق رفقاء السوء، وكنا نذهب إلى السوق، وندخل الأسواق، ونسرق بعض الأشياء الخفيفة، ثم تبتُ؛ ولكنني محتار، كيف أرد للناس حقوقهم، مع أنني لا أستطيع لظروفي المالية، ولا يعرف أحد عن ذلك؟ الجواب يلزمك -ما دمتَ تبتَ- أن ترجع الحقوق إلى أصحابها -كل ما أخذته- ولو كان قلماً؛ لا بد أن ترجعه، وإذا كنتَ لا تعرف أصحابها، فتنفق قيمة هذا الشيء الذي أخذته في سبيل الله على نية أصحابه. وهذا الأمر يستدعي أن نلفت أنظار أصحاب المحلات التجارية إلى الانتباه، وعدم ترك الأمور هكذا سائبة، فإن من الناس من لا دين له، ولا خوف عنده من الله، يدخل المعارض ويقلِّب البضائع، وخاصة الأشياء الثمينة؛ الذهب، أو الساعات، أو الأقلام، ثم يستغل غفلة صاحب المحل ويسرقها ويخرج، اجعل عينك هكذا مثل هؤلاء، وإذا رأيت واحداً فامسكه ولا تتركه إلا في يد العدالة، حتى تقطع يده ويصير عبرة لغيره، لا يجوز أن يُخوَّف المسلمون في بلاد المسلمين.

стр. 2750

كيفية تغيير المنكر السؤال أعرف أن من لا ينكر المنكر في بيته فهو ديوث، وأخاف أن أكون من هذا الصنف، ولكن إذا كان من يفعل المنكر يعرف أنه منكر فهل يجب عليَّ أن أنكر عليه؟ الجواب ليس كل من يعرف المنكر في بيته يكون ديوثاًَ؛ فإن المنكر يختلف من درجة إلى درجة، والبيوت فيها منكرات لا شك، لكن الديوث من يقر منكر الفاحشة في أهله، يعلم الفاحشة في زوجته أو أهله ويسكت، هذا ديوث، والجنة محرمة عليه -والعياذ بالله-. أما إذا رأيت في بيتك منكراً فيجب عليك أن تغيره؛ لأن بإمكانك تغيير المنكر في بيتك، أما خارج بيتك فيجب أن تغيره بلسانك، فإن لم تستطع فبقلبك.

стр. 2751

طلب نصيحة في اقتناء أشرطة السؤال انصحني باقتناء خمسة أشرطة لأهديها للدعوة إلى الله . الجواب ما أستطيع أن أنصحك؛ لأنني ما أعرف أشرطة لغيري من الإخوة الدعاة والعلماء؛ نظراً لأني ما عندي وقت أسمع حقيقةً. أما أشرطتي أنا فلا أستطيع أن أدلك عليها؛ لأن هذا جزء من الدعاية للنفس، وهذا لا يجوز في الشرع، ولكن اسأل غيري، وسيدلك غيري على ذلك.

стр. 2752

التخول في الموعظة السؤال سمعتُ أن من يكتم العلم يُلجمه الله يوم القيامة بلجام من نار، وأخذت أعمل، وأحدث الناس في كل مكان، حتى زهقوا مني، وطالبوني بالسكوت، فماذا أفعل؟ الجواب يا أخي الكريم! هذا الحديث في مَن سُئل عن علم، وأنت ربما لم يسألك أحد أن تتكلم، حتى زهَّقت الناس؛ لأن الدعوة -أيها الإخوة- مثل الطعام، تقدمه للناس حينما يحتاجونه. ما رأيك بشخص عشَّيْتَه، وعندما شبع قال: الله ينعم عليك. قلت: لا والله، لا بد أن تأكل. قال: يابن الحلال شبعتُ. قلت: لا. والله لتُكْمِلَنَّ الذي في الصحن، وأن تأكل جفنة العصيدة هذه، وأن تكمل الخروف. قال: يابن الحلال بطني امتلأت. قلت: لا. وأخيراً قام عليك بالعصا، وأكلك غصباً عنك. أهذا كرمٌ؟! سيقول: الله أكبر عليك وعلى كرمك. كذلك من الناس من يحدثك إلى أن تشبع، ثم يعيي، ويقول: زِدْ، زِدْ، زِدْ إلى أن يجعلك غير راغب في الحديث. وابن مسعود يقول: [كان ﷺ يتخَوَّلنا في الموعظة، مخافة السآمة علينا]. فأنت تقدم العلم والموعظة حينما ترى لها قبولاً، فإذا رأيت الناس صاروا يُدَنِّقون أو صاروا يرقدون أو صاروا يتكلمون فَقِفْ، لماذا؟ لأنك كأنك تكره الناس في الكلام الجيد بإصرارك على أن تقدم شيئاً في غير مناسبته أو في غير وقته.

стр. 2753

حكم الجمعية التعاونية بين الموظفين السؤال ما حكم الجمعية التعاونية التي يقوم بها بعض الموظفين في كل شهر؟ الجواب هذا كثر الكلام حوله يا إخواني! وقد سئل عنها الشيخ/ صالح بن فوزان في أبها، فأفتى بحرمتها، وقابلتُ بعده الشيخ/ عبد العزيز بن باز، وناقشته أنا والشيخ/ عائض القرني في هذا الموضوع فأفتى بحرمتها؛ مستدلاً بالحديث الذي معناه صحيح، والأمة مجمعة على معناه رغم أن في سنده ضعف؛ وهو (أن كل قرض جر نفعاً فهو ربا) وهذه الجمعيات قروض تجر نفعاً، قرضٌ مشروط بقرض، كأن أقرضك ألفين الآن على شرط أنكم إذا جاء دوري تقرضوني كلكم عشرين ألفاً إذا كنا عشرة أشخاص. ولهذا (كل قرض جر نفعاً فهو ربا) ولكن الشيخ/ عبد العزيز بن باز قال لنا، وقد سمعتُه بأذني قال: إن هذه المسألة لا تزال موضع نقاش، وهي معروضة الآن على هيئة كبار العلماء، وسوف تصدر فيها فتوى بإذن الله قريباً، فنقول للناس: الذي وقع فيها يتوقف حتى يصدر فيها الحكم.

стр. 2754

كيفية غض البصر السؤال ما هي الطريقة التي أغض بها بصري؟ الجواب الطريقة التي تغض بها بصرك: استشعار عظمة الله، والشعور بأن الله ينظر إليك، وأنت تنظر إلى محارمه، يقول الحسن البصري وقد سألوه قالوا: [كيف نستعين على غض البصر؟ قال: بعلمك بأن نظر الله إليك أسرع من نظرك إلى المنظور إليه]. هل تستطيع أن تنظر إلى فتاة وأبوها يراك؟! هل تستطيع أن تنظر إلى امرأة وزوجها يراك؟! تستحي، تخاف. فكيف تنظر إلى امرأة والله يراك؟! والله أغير على محارمه، ومن غيرته: حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن.

стр. 2755

حكم زيارة الأقارب المقصرين في حق الله تعالى السؤال لي أقارب يدخنون، ويسمعون الأغاني، ويحلقون لحاهم، فهل أصلهم؟ الجواب نعم. تصلهم، فهل تقطعهم، وتجلس في برج عالي، أنت الجيد وهم السيئين؟! لا. صلهم، واصبر على أذاهم، واهدهم، وادعهم إلى الله، وابتسم في وجوههم، لا تدخل عابساً؛ لأنهم عاصون أو فيهم معاصٍِ، كيف تدعهم وأنت مُخاصِمُهم؟! إذا تكلمتَ معهم أو دعوتهم وأنت مخاصم لهم فلن يقبلوا دعوتك، لكن تحبب إليهم، اهدِ لهم، اجلس معهم، اسكت على المنكرات التي تراها أول الأمر، إلى أن تغزو قلوبهم بحبك، وسماع دعوتك؛ لأنك إذا أردت أن تقبل فيجب أن تكون محبوباً عندهم، أما إذا جئت بالأوامر والنواهي: افعلوا، اعملوا، قالوا: لا ردك الله، انقلع، وكرهوك، وكرهوا الدين الذي تمثله أنت، بسببك أنت، ولهذا يقول الله : ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ * فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [آل عمران:١٥٨ - ١٥٩]. فالقول اللين والسماح مطلوبان من كل داعية إلى الله؛ لكن متى تجب المفاصلة، والبغض في الله؟ إذا حدد العاصي موقفاً منه، أما أن تبدأ تعطيه الدعوة والنصيحة ويقول: جزاك الله خيراً، والله يبارك فيك، وأسأل الله الذي هداك أن يهدينا، فهذا فيه أمل، لكن إذا جئت عند شخص وقلت: يا أخي! اتق الله، صلِّ في المسجد، أو لا تسمع الأغاني، وقال لك: انظر، أنت آذيتني، كل يوم وأنت عندي، أغاني، وثوب طويل، أرجوك لا تعد تتكلم معي في هذا الموضوع. فماذا يلزمك؟ يلزمك أن تبغضه في الله. لماذا؟ لأنه لم يعد ينفع، مثل المريض الذي عَيَّ ولن يتعالج، المريض الآن في المستشفى إذا دخل الطبيب عليه وأعطاه حبوباً، هو ينتظر في اليوم الثاني أن يأتي متعافياً، أو يخرجه؟! ما رأيكم في طبيب أعطى مريضاً حبة، وعندما جاء في اليوم الثاني قال: ما بك أنت؟ ما زلت جالساً هنا؟ أما تعافيت؟ ألم نعطك بالأمس حبة؟ هيا أخرجوه، هذا ما فيه خير، أخرجوه. هل هذا طبيبٌ؟! لا. بل يعطيه حبة ثانية، ويعطيه حبة ثالثة، وبعد ذلك إذا ما نفعت الحبوب قال: غيروا له حبوباً أخرى، غيروا له علاجاً آخر، وينوع له العلاج حتى يعافيه الله، ولا يخرجه. لكن متى يخرجه؟ إذا جاء الممرضون وقالوا: هذا رفض الحبوب، والأشعة، والعلاجات كلها، ويريد أن يقعد في المستشفى راقداً. ماذا يقول الطبيب؟ يقول: خروج، ما دام أنه لا يقبل الدواء فلا يقعد في المستشفى. وكذلك الذي لا يقبل علاج السنة لا نحبه في الله.

стр. 2756

حكم التيمم إذا كان البرد شديداً مع وجود الماء السؤال هل يجوز لي أن أتيمم إذا كان الجو بارداً؟ الجواب لا. لا تتيمم إلا إذا عُدم الماء، أو خيف الضرر من استعماله، بحيث إذا استعملته تموت، أما كونك تَبْرُد فالناس كلهم يَبْرُدون، ماذا يحصل إذا بَرَدْتَ قليلاً فقط وإذا أنت جيد؟!!

стр. 2757

حكم مخالفة الأنظمة التي يضعها ولي الأمر السؤال إنسان عنده سجل تجاري، وآخر يرغب في فتح محل باسمه مقابل مبلغ مقطوع من المال في كل سنة، هل هذا المبلغ جائز، أم لا؟ الجواب هذا حرام لا يجوز؛ لأنه أكل لمال الغير بغير حق، ومخالفة للنظام السائد في البلد؛ لأن الأنظمة التي يضعها ولي الأمر يلزم المسلمين العمل بها، ما لم تكن حراماً؛ لأنها أنظمة تسن قيوداً على مصالح البشر، ولهذا سماها العلماء المصالح المرسلة، وهي التي أرسل الشرع أمرها لولي الأمر، مثل: نظام المرور الآن، إذا قطعت الإشارة فإنك تعصي الله وتعصي ولي الأمر؛ لأن الله يقول: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٥٩]. فكذلك الأنظمة ينبغي أن تحترم، ما لم يكن النظام هذا يحل حراماً أو يحرم حلالاً، فإذا جئت تأخذ من مسلم مبلغاً بغير حق نتيجة إعطائه اسمك مقابل مبلغ مقطوع، هذا تستُّر، ولا يجوز، وإذا اكتُشِفت في الدنيا ربما تؤاخذ، ويترتب على هذا ضرر عليك في الدنيا وفي الآخرة.

стр. 2758

حكم دفع المال لأخذ الحق السؤال بعض الناس الذين لهم معاوَض، لا يستلمونها حتى يدفعوا مالاً، فهل يعتبر هذا رشوة؟ الجواب نعم. رشوة، إذا كان لك معاوَض فينبغي أن تأخذه بالطريق الرسمي، وبالمطالبة الرسمية والشرعية، عن طريق المرافعة لولاة الأمر، أما أن تستحل الحرام، وتذهب تعطي المهندس أو المسئول أو المدير أو الموظف لكي يكثر لك التقدير، ولكي يمشِّي المعاملة، فإنما تأكل ناراً وهو يأكل ناراً -والعياذ بالله-، والحديث: (لعن الله الراشي والمرتشي -الراشي: الذي أعطى، والمرتشي: الذي أخذ- والرائش -يعني: الواسطة-).

стр. 2759

حكم مقاطعة الزوجة لأهلها لخوفها منهم السؤال أنا مسلمة تزوجتُ وحصلتُ على المكان المناسب عند زوجٍ مؤمن بالله، ملتزم بشريعة الله، ولكن أبي وأمي وأخي يريدون أن يأخذوني منه مرة ثانية، من أجل أن أتزوج بمبلغ آخر -يريدون أن يتاجروا بهذه الضعيفة- ولم أساعدهم على ذلك، وبعد أيام ذهبتُ لزيارتهم، فأخذوا ذهبي، والآن لي ست سنوات لم أذهب إليهم خوفاً منهم، فهل أنا آثمة؟ أم أبقى على حالي؟ الجواب لا. لستِ آثمة، وإنما أنتِ غانمة؛ لأن ذهابك إلى هؤلاء، ولو كانوا أباً أو أماً وهم يريدون إفسادك على زوجك، فهؤلاء مفسدون، وليس لهم حق، وعليهم أن يتوبوا إلى الله، وبقاؤك في بيت الزوجية، بيت الطاعة مع الزوج الصالح، هو الوضع الصحيح الذي ينبغي أن تستمري عليه. ولكن إذا استطعتِ أن تصلي أهلك مع أمن العودة فلا بأس، يعني: تستطيعين أن تزورينهم في عيد، أو في مرض، أو في مناسبة، لكن تقدرين أن ترجعي. أما إذا علمتِ أنك إن دخلتِ عليهم قفَّلوا الأبواب، أو سجنوكِ، أو قيدوكِ، وما عدتِ تقدرين أن ترجعي، فلا يجوز لك أن ترجعي إليهم، ولا أن تذهبي إليهم. أسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يوفقنا وإياكم لما يحبه ويرضاه. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 2760

للذين استجابوا ابتدأ الشيخ حفظه الله الخطبة بذكر الحكمة الإلهية من خلق الإنسان، وهي: العبادة، وبيّن أن من امتثل الأمر فأطاع واستجاب؛ فهو ناج من عذاب الآخرة، وأن من عصى وتكبر ورفض الاستجابة لربه فقد سبب لنفسه الشقاء في الدنيا والأخرى. وقد ذكر حفظه الله أنواع الظلم، وبين أنها ثلاثة أنواع: ظلم العبد لربه، ولنفسه، ولغيره. ثم ذكر عاقبة الظلم. ثم خلص بعد ذكره لما تقدم إلى أن الاستجابة هي الخيار الأمثل بل هي الخيار الوحيد، وتحدث عن حال الرافض للاستجابة عند الموت وما بعد ذلك، وختم خطبته ببشرى لمن استجاب لربه تعالى.

стр. 2761

الحكمة من خلق الإنسان إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله وصفيه وخليله، صلوات الله عليه وعلى آله وصحبه، ومن سار على هديه واقتفى أثره إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فيا عباد الله: لقد خلقنا الله لعبادته لم يخلقنا عبثاً، ولم يتركنا هملاً، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ﴾ [الأنبياء:١٦]، وقال سبحانه: ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ [ص:٢٧]، وقال ﷻ : ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصفْحَ الْجَمِيلَ﴾ [الحجر:٨٥]، وقال : ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ * بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء:١٧ - ١٨] وقال جل وعلا: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون:١١٥ - ١١٦]. لم يخلقنا ربنا ليتكثر بنا من قلة، ولا ليتعزز بنا من ذلة، ولكن خلقنا وأوجدنا لرسالة سامية، ولغاية نبيلة، ولهدفٍ جليل بيَّنه الله في كتابه، وقال فيه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات:٥٦ - ٥٨]. خلقنا وأمرنا بطاعته، وبين لنا أن سبيل السعادة والفوز في الدنيا والآخرة هو سبيل الطاعة، فقال : ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [آل عمران:١٣٢]، وقال : ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧١]، وقال: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً﴾ [النساء:٦٩]. خلقنا الله لعبادته وطاعته ونهانا عن معصيته، ومخالفة أمره، والتمرد على شرعه ودينه، وتوعدنا إن نحن عصيناه بالنار، وأخبرنا أننا لا نستطيع أن نفلت من قبضته، ولن يمنعنا منه أحد، فإنه يمنع من كل شيء، ولا يُمنع منه شيء ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ * وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ * يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ * فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ * وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا﴾ [هود:١٠٢ - ١٠٨] نسأل الله بفضله أن يجعلنا من الذين سعدوا بطاعة الله، سعدوا، وبالاستجابة لأوامره، وبالسير على منهجه؛ فكان جزاؤهم: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ * فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلاءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ﴾ [هود:١٠٨ - ١٠٩]. أما من يضل وينحرف ويرفض السير على الطريق المستقيم؛ فلا تحزن عليه، ﴿وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ [النحل:١٢٧]، ويقول رب العزة والجلال: ﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [فاطر:٨]، فإنهم مراقبون وتحت الرصد الرباني، وسوف يُقبض عليهم، ولن يفلتوا من قبضة الله. وهناك ﴿وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ﴾ [هود:١٠٩]. نهى الله عن معصيته فهو لا يحب أن يعصى، يقول ابن القيم في كتابه الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، وهو ينقل أثراً قُدسياً، يقول الله : (إني إذا أُطعت رضيت، وإذا رضيت باركت، وليس لبركتي نهاية، وإني إذا عُصيت غضبت، وإذا غضبت لعنت، ولعنتي تبلغ السابع من الولد) غضب الله لا يقوم له شيء. ففي يوم القيامة حين يدمر الله هذا الكون ويغير معالمه من أجل فصل القضاء بين العباد يقول الله: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ * وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ * وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ * وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ [الانفطار:١ - ٤] ويقول سبحانه: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ﴾ [التكوير:١ - ٢]، ويقول : ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق:١]. هذه العوالم كلها تتغير عن طبيعتها، ويُبعث من في القبور يقولون: ﴿مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا﴾ [يس:٥٢] أي: من أيقظنا من رقدتنا الطويلة هذه؟ فيقول أهل الإيمان: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ * إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ [يس:٥٢ - ٥٣]. في تلك اللحظات يبلغ الكرب مبلغه بالناس، والشمس تدنو من الرءوس حتى تغلي منها أدمغة العباد كما يغلي اللحم في القدور، وليست هناك عمارات ولا سيارات ولا مظلات، إلا مظلة واحدة: مظلة الرحمن يظل بها سبعة فئات، سبعة أصناف من الأمة، والبقية في عرصات القيامة؛ الشمس تصهرهم صهراً، وتغلي منها أدمغتهم، ويسيل منهم العرق حتى يلجمهم العرق إلجاماً، والناس في كربٍ عظيم، واليوم طويل، مقداره خمسون ألف سنة. أنت إذا وقفت في طابور تنتظر إجراء معاملة، أو قطع تذكرة، وقفت عشر دقائق، أو ربع ساعة، أو نصف ساعة أو أكثر تعجز، لكن في يوم القيامة تقف خمسين ألف سنة، وكيف يكون هذا الوقوف؟ يقول الله عن هذا الوقوف: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ [إبراهيم:٤٢].

стр. 2762

أنواع الظلم وعواقبه الظلم كلمة عامة يحملها الناس على محمل ونوع واحد، لكن الظلم ثلاثة أصناف: ظلم العبد لربه، وظلم العبد لنفسه، وظلم العبد لغيره.

стр. 2763

ظلم العبد لربه ظلم العبد لربه بأن يشرك به؛ لأن الله يقول: ﴿يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣]، والظلم: وضع الشيء في غير موضعه، ومعناه هنا: أن تجعل العبادة لغير ربك الذي خلقك، أو أن تصرف شيئاً من أنواع العبادة لغير الله، أو أن تجعل لله نداً وهو خلقك، أو أن تخاف، أو أن ترجو، أو أن تدعو، أو تستغيث، أو تلجأ، أو تقدم نوعاً من أنواع العبادة من ذبحٍ أو قربى لغير الله، هذا كله شرك حتى لو كان لنبي أو ولي أو ملك. لا تفعل كما يفعل بعض الناس في غير هذه البلاد يطوف بالقبر، ويزور الولي، ويقدم له النذور والقربات، ويقول: يا سيد العارفين -ومعلوم أن العارف لا يُعرَّف، والشكوى على أهل البصيرة عيب- أنت تعلم ما في نفسي. -يقول هذا لصاحب القبر الذي لا يعلم شيئاً كأنما يخاطب الله . هذا شرك أكبر مخرج من الملة لا ينفع معه صوم ولا حج ولا صلاة ولا عبادة؛ لأن الله يقول: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾ [الفرقان:٢٣] الشرك عظيم ولا يغفره الله شرك الدعاء والرجاء والاستعانة والاستغاثة والتوكل والنذر والذبح، وأي نوع من أنواع العبادة لا تصرف إلا لله، يقول الله للقبوريين الذين يطوفون بالقبور، ويقدمون لها النذور ويعبدونها من دون الله، يقول الله لهم: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر:١٤] فالظلم: أن تصرف شيئاً من أنواع العبادة لغير الله.

стр. 2764

ظلم العبد لنفسه ظلم العبد لنفسه: أن يرد بها المعاصي، ويتعدى بها الحدود؛ والله يقول: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق:١] إذا تعديت حدود الله ببصرك فنظرت به إلى الحرام فقد ظلمت نفسك، وإذا تعديت حدود الله بأذنك فسمعت بها الحرام من الغناء أو الكذب أو الغيبة أو النميمة فقد تعديت حدود الله وظلمت نفسك، وإذا تكلمت بلسانك كلاماً يسخط الله فقد ظلمت نفسك، وإذا بطشت بيدك أو مددتها على ما لا يحل فقد ظلمت نفسك. وقد تقول كيف ظلمت نفسي؟ أقول لك: إن هذه الجوارح التي هي ملك يمينك، وفي قبضتك، ورهن طاعتك؛ في يوم القيامة تشهد عليك، يقول الله : ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ [فصلت:١٩] عجيبةٌ هذه الكلمة! فهي تهز نياط القلوب، تأمل كيف يصف الله هؤلاء الناس بأنهم أعداؤه! ومن كان عدواً لله فويل له ثم ويل له من عداوة الله، من ينصره على الله، وهو الذي بيده مقاليد كل شيء؟ خلقك، ورزقك، ودبَّرك، ثم كلَّفك، ثم أمهلك، ثم هو يدعوك ليقبضك، فكيف ترد عليه وهو عدوك؟ إذا وردت على عدو قادر عليك فكيف يكون وضعك؟! قال الله: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ [فصلت:١٩] أي: يجمع أولهم على آخرهم، كما تجمع الغنم إذا أدخلتها في زريبتها. ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ﴾ [فصلت:٢٠] أذنك التي تَسرها بالأغاني تشهد عليك يوم القيامة، ﴿شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ﴾ [فصلت:٢٠] عينك هذه التي تمتعها بالنظر إلى الجميلات تعذبك يوم القيامة وتكون ضدك ﴿وَجُلُودُهُمْ﴾ [فصلت:٢٠] يعني: تشهد عليك جميع جوارحك ﴿بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [فصلت:٢٠]. فيستغرب أعداء الله في هذا الموقف، ويستنكرون هذا التصرف من جوارحهم، ويقولون لها: ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا﴾ [فصلت:٢١]، نحن مارسنا الذنوب، وسرنا في المعاصي من أجلكم، ومن أجل تلبية رغباتكم سمعت الغناء لأمتعك أيتها الأذن! ونظرتُ إلى الحرام لأمتعك أيتها العين، وسرت في الزنا لأمتعك أيها الفرج! فلم شهدتم علينا؟ والجوارح مأمورة لا تملك شيئاً، فمن أنطق هذه اللحمة ينطق هذه الشحمة، قال : ﴿قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [فصلت:٢١] لا نملك من أمرنا شيئاً، ﴿أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ﴾ [فصلت:٢١ - ٢٢] أي: ما كنتم تستطيعون أن تمارسوا العظائم والذنوب والمعاصي مستترين عن جوارحكم هل يستطيع الإنسان أن يعصي وينظر إلى الحرام بغير عينه؟ لا. وهل يسمع الحرام بغير أذنه؟ لا. هل يستطيع أن يعصي بجسم آخر؟ لا. فهم شهود عدول حضروا الواقعة ليس فيهم جرح أبداً ﴿وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [فصلت:٢٢] هذا هو السبب. غابت عنكم مراقبة الله وكنتم تستخفون من الناس ولا تستخفون من الله، تخجلون من الناس ولا تخجلون من الله، إن الزاني إذا انفرد بالزانية ثم علم أن هناك طفلاً عمره سنتان ينظر إليه لا تجرأ على الزنا يستحي ويخاف من مخلوق وينسى الله ونظره إليه، وظن بالله أنه لا يعلم بحاله وأفعاله، قال الله: ﴿وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ * وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ﴾ [فصلت:٢٢ - ٢٣] هذه العقيدة الفاسدة، وهذا التصور الممسوخ أنك لست تحت رقابة إلهية ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ * فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ [فصلت:٢٣ - ٢٤] ظلمك لنفسك أن توردها المعاصي، فلا تظلم نفسك بل انجُ بنفسك، وتذكر أن عينك اليوم هي عينك لكنها غداً عدوك، وأذنك اليوم هي أذنك ولكنها غداً تبرز هناك تشهد عليك وتكون عدوك. هل الأسلم لك أن تنجو بنفسك من عذاب الله، أو أن تستمر كالدابة التي تساق إلى حتفها بظلفها وهي لا تدري؟ تهلك نفسك بسماع الغناء، والنظر إلى الحرام وأكله، والبطش بالحرام والسعي إليه، وترك الطاعات، ثم تندم ولكن حين لا ينفع الندم. هذا هو الظلم الثاني.

стр. 2765

ظلم العبد لغيره الظلم الثالث هو: ظلم العبد لغيره، لا تظلم مسلماً بهتك عرضٍ، أو بأكل مالٍ، أو بعدوانٍ، أو بأي صورةٍ من صور الظلم، والظلم ظلمات يوم القيامة، وهو يشمل المجتمع من القمة إلى القاعدة، كل واحد في الدنيا مسئول، فأنت في بيتك مسئول عن زوجتك وأولادك، وفي رئاستك مسئول عن رعيتك. فلا تظلم زوجتك فتوردها موارد الهلكة فتوفر لها المعاصي والذنوب لا تظلمها فتأمرها بالتبرج والتكشف والخروج بلا حجاب على غير محارمها لا تظلمها فتمارس عليها ضغوطاً نفسية وقهرية؛ لأنك في مركز قويٍ. بعض الناس يقول أنا رجل وهذه امرأتي، وماذا في ذلك؟ فيعاملها معاملة الدواب!! كيف والله يقول: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة:٢٢٨] وهذه الدرجة هي القوامة والمسئولية، أما الحقوق فمتساوية كل بحسبه، لكن الزوجة في نظر الدين شريك، ولا بد لكل شركة من مدير، هل سمعتم بأن شركة لها مديران؟ ستخرب الشركة مباشرة. فالبيت والحياة الزوجية شركة ولا بد لها من مسئول! ومن المسئول فيها؟ الرجل أو المرأة؟ إن الله أعطى المسئولية للرجل، ليس تفضيلاً ولا تكريماً ولا استبزازاً ولا تسلطاً، فقد تكون المرأة أفضل عند الله من الرجل بألف درجة، لكن زيادة عهدة وتكليف، قال الله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النساء:٣٤] فهذا تفضيل في أصل التكوين، فالرجل قوي شجاع يواجه الصعاب، وهذه كلها مميزات يجب أن تكون في القائد والمسئول، ثم ﴿وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء:٣٤] والرجل يدفع المهر والنفقات. أما الحقوق والواجبات فلها حقوق وعليها حقوق، فلا تظلمها انتبه! لا تظلم من لا يجد عليك ناصراً إلا الله؛ لأن بعض الناس كالدجاجة والفأر في جميع ميادين الحياة، أما أمام زوجته فإنه أسد، إذا دخل يستعمل كافة الصلاحيات أمام الضعيف، فيضربها، وينهرها، ويزجرها، ويمارس معها كل أساليب الضغط؛ لأن الناس خارج البيت يضغطون عليه، ولا قدرة له عليهم، فيولد انفجاراته على هذه الضعيفة، وهي مسكينة ما عندها حول ولا طول، فماذا تصنع؟ تدعو الله عليه، فينصرها الله ولو بعد حين، فلا تظلم زوجتك، ولا أولادك، ولا جارك، ولا أباك بمعصيته، ولا أمك بعصيانك لها، ولا أي مسلم أبداً. هذا في محيطك الأسري، وفي محيطك العملي أيضاً أنت مسئول، ولو كنت كاتب استيراد وتصدير، لا بد أن تكون عادلاً لا تظلم، وإذا كنت مسئولاً مسئولية أكبر لا تظلم، كما لو كنت رئيس قسم، انتبه! عندك موظفون في القسم، يجب أن تكون عادلاً بينهم، في توزيع العمل، وإتاحة الفرص، والترقية، والدورة أو البعثة أو الانتداب أو أي شيء، كن عادلاً، لا تحب شخصاً دون غيره، لا تحب زميل اللهو واللعب وتكره زميل المسجد والطاعة، تقول: هذا (مطوع)، والله لا يذهب في دورة ولا بعثة ولا يأخذ ترقية؛ هذا مُعقد! هذا سيعطيه الله حقه كاملاًً من ظهرك يوم القيامة، وإذا كنت مدير إدارة أيضاً فلا تظلم، وإذا كنت ضابطاً عندك جنود لا تظلمهم. أي موقع أنت فيه فاتق الله فيه؛ لأن الظلم ظلمات، والله يقول في الحديث القدسي في حديث أبي ذر الغفاري ﵁ -وهو صحيح-: (يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا).

стр. 2766

ما أعده الله للظالمين من عذاب أليم يقول الله : ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ [إبراهيم:٤٢]، إن الله لا يغفل عنك، وأنت غافل عنه! أنت مغرور بكرسيك، بجاهك، بمالك، بقوتك وعضلاتك، لكن الله ليس بغافل عنك، ولكن ماذا سيصنع بك؟ قال: ﴿إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ * مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُوسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾ [إبراهيم:٤٢ - ٤٣] الفؤاد: فارغ، والقلب: ارتفع إلى الحنجرة، عندما تكون أنت في الطائرة، ويأتي مطب هوائي تحس أن قلبك ارتفع من مكانه؛ ولهذا تربط نفسك بحزام الأمان من أجل أن تشد على قلبك ﴿وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ [إبراهيم:٤٤] يقولون: أعطنا فرصة يا رب! ومهلة وإمكانية نجب دعوتك نرفع المظالم، ونعدل مع الناس، ومعك يا رب في أن نوحدك، ومع أنفسنا فلا نعصيك. ﴿نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ﴾ [إبراهيم:٤٤] لكن انتهت فرصة هذا التافه، قال الله : ﴿أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ * وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ * وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ * فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ * يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ [إبراهيم:٤٤ - ٤٨] هذا الشاهد من الآيات: تبدل الأرض غير الأرض والسماوات تبدل غير السماوات ﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ * وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ﴾ [إبراهيم:٤٨ - ٤٩] في السلاسل والأغلال، يقرنون كما تقرن البقر في الأضماد: كل اثنين، كل ثلاثة، كل عشرة مقرنون، ليزداد عليهم النكال والعذاب. ﴿سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ * لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ * هَذَا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [إبراهيم:٥٠ - ٥٢].

стр. 2767

أهمية الاستجابة لله قبل فوات الأوان إن الله حذرك من معصيته وتوعدك بناره إن عصيته، وأنت بالخيار في ذلك، وعليك أن تختار الأفضل والبديل الأمثل الذي يسعدك في الدنيا والآخرة وهو: أن تستجيب لله، أما المعصية فهي خيار سيئ، والكفر بديل خسيس مرهق متعب في الدنيا والآخرة، ولكن ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَأٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ﴾ [الشورى:٤٧] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال:٢٤]، إن الحياة الحقيقية إنما تنبع من مقدار استجابتنا لله ولرسوله، فمن كان مستجيباً فهو حي، ومن كان غير مستجيب فهو ميت، ولو كان يأكل ويشرب، فالحمير، والبقر، والكلاب، والخنازير، تأكل وتشرب لكن ليس لها حياة الأرواح، كما قال الله : ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ﴾ [محمد:١٢]. ويتمنى الكافر والفاجر يوم القيامة إذا رأى الحمير والبقر تحولت إلى تراب أن يكون مثلهم فيقول: ﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَاباً﴾ [النبأ:٤٠] ليته كان ثوراً وله ذيل وقرون، لكن (يا ليت) لا تبني بيتاً، ولا تنفع يوم القيامة. فالحياة الصحيحة عندما تستجيب لله، يقول الله : ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ [فاطر:١٩] الأعمى أي: الكافر الفاجر، والبصير يعني: المؤمن الطائع، ﴿وَلا الظُّلُمَاتُ وَلا النُّورُ﴾ [فاطر:٢٠] الظلمات: الكفر، والنور: الإيمان، ﴿وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ﴾ [فاطر:٢١] الحرور: الكفر، والظل: الإيمان، ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلا الْأَمْوَاتُ﴾ [فاطر:٢٢] الأحياء: أهل الإيمان، والأموات: أهل الكفر والنفاق والمعاصي، ثم قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ * إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ [فاطر:٢٢ - ٢٣] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال:٢٤]. يا رب! ما جزاء من يستجيب؟ وما عقوبة من لا يستجيب؟ هذا ما سنذكره في الخطبة الثانية. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين، فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 2768

الاستجابة لداعي الله في الأرض الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشانه، ونشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وإخوانه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فالمستجيب لله لا يتردد، بل يكفيه داعٍ واحد فقط، وهذا شأن الصحابة عندما سمعوا داعي الله، حتى كان الرجل يدخل في الإسلام فيتغير كل شيء في حياته من نفس اللحظة التي دخل فيها للإسلام. لما بعث رسول الله ﷺ مصعب بن عمير كسفير له وداعية إلى المدينة قبل الهجرة، فكان أول سفير في الإسلام يرسل لتمهيد العلاقات الدينية هو مصعب بن عمير، ومصعب هذا شاب من شباب الإسلام، كانت أمه من أثرياء مكة، وكان له منها عطاء وهبات، وكان إذا مشى في طريق يعرف الناس أن هذا الطريق مشى فيه مصعب بسبب الرائحة التي فيه، ولما أسلم عارضته أمه، وقطعت عنه الهبات فأصبح فقيراً حتى أنه لما قتل في غزوة أحد وجاء الرسول ﷺ ليدفنه، ما وجد لديه إلا قطعة ثوب إن غطي بها رأسه انكشفت قدماه، وإن غطيت بها قدماه انكشف رأسه، فأمر النبي ﷺ فغُطي بها رأسه ووُضع على رجله من شجر الإذخر، وقال: (لقد كنت أرى مصعباً وهو أنعم شاب في مكة) لكن هنيئاً له الجنة. مصعب عندما قدم المدينة وجلس يعلم الناس، وعلم سعد بن معاذ بالخبر، أرسل إليه أسيد بن حضير، وقال: أسكت هذا الرجل، وإذا أبى فأت برأسه. فلما جاء أسيد قال له: اسكت، فقال مصعب: اسمع ما نقول فإن أعجبك وإلا سكتنا، فجلس عنده، فقرأ عليه من القرآن، فدخل الإيمان في قلبه مباشرة، قال: ماذا يقول من أراد أن يدخل معكم في دينكم؟ قال: يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فشهد شهادة الحق، ثم قال لـ مصعب: ذاك الجالس زعيم قومه -أي: سعد بن معاذ - اصدق الله فيه يا مصعب. فرجع أسيد، فقال سعد: والله إن أسيداً رجع بوجه غير الوجه الذي ذهب به. فهو ذهب بوجه كافر، وعاد بوجه مسلم، تغيرت ملامحه من أول لحظه رغم أنه لم يعمل شيئاً إلا شهادة الحق، فلما جاء إلى سعد قال له: ما لك لم تسكته؟ قال: اذهب أنت أسكته، يريده أن يذهب هو حتى يسمع الكلام، فأخذ رمحه، وقام مغضباً، وركب جواده، وجاء إلى مصعب وقال له: اسكت، قال له: اجلس واسمع ما نقول، فإن أعجبك وإلا كففنا عنك، قال: لقد أنصفت، فقرأ عليه القرآن -والذي يقرأ بإخلاص، ويدعو بإخلاص؛ يرجو بعمله وجه الله؛ يجعل الله في عمله بركة وخيراً- فما إن دخلت هذه الآيات أذن سعد إلا وأعلن شهادة الحق ودخل في دين الله، وهو زعيم الأوس ورئيسهم، ولما رجع قال لقومه: ما أنا فيكم؟ قالوا: أنت سيدنا، وابن سيدنا، وخيرنا وابن خيرنا، قال: فإن طعامكم، وكلامكم، وشرابكم علي حرام إن لم تؤمنوا بمثل ما آمنت به، فآمنوا كلهم فما بقي بيت من بني عبد الأشهل إلا دخله الإسلام تلك الليلة، تأمل! تجد لديهم استسلاماً واستجابة فورية.

стр. 2769

عاقبة المصر على ذنبه الرافض للاستجابة المصيبة في هذا الزمان أن كثيراً من الناس ما استجاب رغم أنه يدعى منذ زمن، كم سمع من المواعظ والخطب وقرأ القرآن وهو يُمني نفسه ويسوف به الشيطان؟ يحضر كل جمعة الخطبة، ويسمع بصريح العبارة بياناً من الله: أن الغناء حرام ولكنه مصر على الغناء، فبيته مليء بالغناء، وكأنه يعاند الله، الله يقول: ﴿اسْتَجِيبُوا﴾ [الأنفال:٢٤] وهو يقول: أنا مستجيب، لكن هذه لا. يسمع كل يوم أن النظر للنساء لا يجوز، وهو مصر على النظر، ما استجاب لله في هذه الأوامر، وأن الله حرم عليه الربا، وهو مُصر على الربا، وأن الله حرم الزنا وهو يتوق إلى الزنا، وأن الله أمره بالصلوات الخمس في المسجد مع الجماعة من غير تأخير ولا تعللات، -خصوصاً العشاء والفجر- وهو لا يأتي إلا صلاة الجمعة مرة في الأسبوع، أو الظهر لأنه في الدوام، يريد أن يأخذ نصف ساعة من الدوام باسم الصلاة، ولكنه يوم الخميس لا يذهب للجماعة لأنه في البيت، أو المغرب لأنه أتى من التمشية، لكن العشاء والفجر، هنا الاختبارات الربانية لا يصمد فيها إلا أهل الإيمان، أما أهل النفاق فإن فشلهم يظهر فيها، كما جاء في الحديث -وهو صحيح- قال ﵊: (أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء والفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبواً) والله لو يدري المنافق ما في الفجر والعشاء ثم ما استطاع أن يأتي إلا حبواً على قدميه وركبتيه ويديه والله ما تأخر، لكن لا يدري المسكين ما هو أجر أدائها جماعة، ولا يدري ما هو إثم التخلف عنها! لكنه سيدري عندما يدخل القبر في غرفة التحقيق، هناك يقول: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون:٩٩] يقول الحسن البصري: فتقول الملائكة: لَمَ ترجع؟ فيقول: ﴿لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون:١٠٠]، لكي أصلي الفجر، وأصوم، وأعمل الصالحات، فتقول الملائكة: كذبت! أنت من هناك أتيت، أنت من سبعين سنة وأنت على المعاصي والمنكرات وقاطع صلاة، ولما ضرب رأسك في القبر تقول: ردوني، أنت كذاب. قال الله : ﴿كَلَّا﴾ [المؤمنون:١٠٠] وهي أداة ردع وزجر وتوبيخ لهذا الكذاب المتلاعب، الذي يعيش ليله ونهاره بعيداً عن الله، وعند دخول القبر يقول: ردوني أعمل صالحاً، قال الله: ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * فَإِذَا نُفِخَ فِي الصورِ فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ * فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٠ - ١٠٢] أي: بالإيمان والعمل الصالح فأولئك هم المفلحون، نسأل الله من فضله ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾ [المؤمنون:١٠٣] أي: ليس لديه شيء من الحسنات فهو مسكين مفلس، وإن كان عنده في الدنيا عمارة أو وظيفة، أو رصيد، أو منصب، لكن ما عنده شيء في الآخرة، ولما انتقل إلى الآخرة لم يتزود بشيء من الدنيا، فهو لا ينزل قبره بملابسه، ولا سيارته، ولا عمارته ولا أي شيء، لا ينزل القبر بالبدلة الرسمية الموحدة عند الناس كلهم: الكفن، هل هناك تمييز بين الناس في الكفن؟ لا. الأمير والمأمور، والملك، والمملوك، والغني والفقير، والقوي والضعيف، كلهم يُدخل القبر بزي موحد، قال الله: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾ [الأنعام:٩٤]، أين عماراتكم ومتاعكم وأولادكم؟ لأن الكفار قالوا للنبي ﷺ : ﴿وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالاً وَأَوْلاداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [سبأ:٣٥] يقولون: نحن عندنا مال ورجال، نمتنع بالمال، وندفع بالرجال، نحن أصحاب ثراء، أصحاب رءوس أموال، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى﴾ [سبأ:٣٧] والله لا تنفعكم أموالكم شيئاً إلا من كان عنده شيء آخر غير هذا المتاع الزائف، يقول : ﴿إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾ [سبأ:٣٧]. يقول فرعون لأهل مصر: (أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ * أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف:٥١ - ٥٢]، كان فرعون يرى موسى في أقل درجة، وكان يقول: أنا ربكم الأعلى، لكن أين هو الآن؟ قال الله: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ * وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيباً مِنَ النَّارِ﴾ [غافر:٤٦ - ٤٧] لكن ما تنفع هذه المحاجّة. فيا عبد الله -يا مسلم- يقول الله : ﴿فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً﴾ [الكهف:١٠٥] ليس لهم قيمة، ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾ [المؤمنون:١٠٢ - ١٠٣] ما عنده شيء مما ينفع في الآخرة. الآن لو دخل علينا في هذا المجلس ملك الموت -ألسنا على يقين بأننا سنموت كلنا- وقال: يا جماعة! يا أهل هذا المسجد! أنا مأمور بقبض أرواحكم كلكم، وكل واحد يخبرني بما عنده من زاد، وكلكم سيتكلم: أحدكم سيقول: أنا عندي صلاة، وآخر سيقول: أنا عندي قرآن، وثالث يقول: أنا عندي عمارة على الشارع العام، سيقول له: اسكت ما تنفع هذه، ويقول الرابع: أنا مدير، فيرد عليه: لا تنفعك إدارتك، الخامس يقول: أنا عندي أربعة أولاد، وعندي زوجتان، وعندي سيارة، وعندي، فيقول: كلها لا تنفع، أين أصحاب الصلاة والزكاة؟ فيقومون. أين أهل الحج والعمرة؟ فيقومون. أين أهل القرآن والذكر والعبادة؟ هؤلاء هم الذين سينتفعون بما قدموا، أما من كان عنده شيء من الدنيا فلا. قال: ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ * أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ [المؤمنون:١٠٣ - ١٠٥] يا من تصر على سماع الغناء، والنظر إلى الحرام، والزنا والمعاصي وأنت تسمع آيات الله تتلى عليك، أين عقلك؟ يقول الله: ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٥]، والتكذيب هنا تكذيب عملي؛ لأن التكذيب القولي للكفار والتكذيب العملي للمنافقين الذين يسمعون أمر الله ويرفضونه، قال الله : ﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَالِّينَ * رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٦ - ١٠٧]، يقولون: أخرجنا لترى كيف نصنع، لترى منا العمل والعبادة؟! أيها الأخوة! أسألكم بالله، هل من المنطق والمعقول أن يسوف الإنسان بالمعاصي والذنوب حتى يدخل النار، ثم يقول رب أرجعني؟ فلم لا تعمل من الآن، أم تريد أن تجلس حتى تصل إلى ذلك المصير، ثم تطلب الرجوع ولا تجاب؟ أين عقلك؟! لا إله إلا الله!! فيكون الرد عليهم: ﴿قَالَ اخْسَأُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٨] هناك تُمنع المراجعة، ﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ * فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيّاً حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٩ - ١١٠]، تتفكهون بهم، وتسخرون منهم، فإذا رأيتم شاباً ملتزماً أطلق لحيته ورفع ثوبه، قلتم: معقد أبله، وإذا رأيتم من يسحب ثوبه ويكنس الشوارع كالمرأة، قلتم: فلان رجل اجتماعي. ﴿وَكُنتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ﴾ [المؤمنون:١١٠] قال الله: ﴿إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [المؤمنون:١١١].

стр. 2770

أهمية المسارعة إلى الاستجابة والصبر عن المعاصي هذه الدعوة لك يا أخي المؤمن أن تصبر على وعورة الطريق، واستهزاء المستهزئين، وآلام ومعاناة ترك المعاصي، إذا أردت أن تترك الغناء لن تكون هذه الخطوة سهلة عليك، ستحس برغبة وشوق إلى سماع أشياء قد تعودتها، لكن قل لنفسك: أريد أن أسمع كلام الله في الجنة، أريد أن أسمع خطاب الحور العين في الجنة، أريد أن يسلم علي الله، ويقول: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد:٢٤] أنا أضحي بالأغاني هذه في سبيل تلك الدار الخالدة، ولما أجري مقارنة أجد أن الفرق شاسع والبون عظيم، لكن يحتاج إلى صبر، قال : ﴿إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [المؤمنون:١١١]، ثم يُخاطب أهل النار، فيقال لهم: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ [المؤمنون:١١٢] كم بقيتم في الدنيا حتى ضيعتم طاعة الله، وطال عليكم الأمد، لأنكم تقيسون الآخرة على الدنيا، يوم الآخرة خمسون ألف سنة، والدنيا ستون سنة فهي أقل بكثير من يوم: ﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [المؤمنون:١١٣] يقولون: نحن لسنا متأكدين فهل مكثنا يوماً أو بعض يوم: ﴿فاسْأَلِ الْعَادِّينَ﴾ [المؤمنون:١١٣] أي: الذين عندهم تسجيل وعدد، فيقول الله لهم: ﴿إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلاً﴾ [المؤمنون:١١٤] والله ما نلبث في هذه الحياة إلا قليلاً قياساً على الآخرة ﴿لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ * وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ * وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾ [المؤمنون:١١٤ - ١١٨]. لا بد يا أخي أن تستجيب لأمر الله؛ فقد سمعت الكثير، وقامت عليك الحجة، ما بقي عليك إلا أن تقول: إليك يا رب! تائباً مستسلماً منيباً، لا تتردد ولا تؤجل؛ لأنك ربما تموت اليوم، بعض الناس يقول: أنا ما زلت شباباً، يا أخي! كم مات من الشباب مثلك، آلاف من الشباب ماتوا، فهل عندك ورقة أنك لن تموت إلا بعد عشرين سنة، فإذا كان عندك صك بهذا فنقول لك: ما عندنا مانع، ونقول: أخِّر التوبة وقبل الموت بيوم أو يومين تهيأ واستعد، أما ما دام عندك علم بأنك ستموت والموعد مجهول، ما تدري متى الموت فكن دائماً على أهبة الاستعداد، فإن مد الله في أجلك كان لك بكل يوم تعيشه درجة في الجنة، وإن فاجأك القضاء والقدر فإنك لن تتأسف ولن تندم ولن تقول: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون:٩٩ - ١٠٠]. فتب يا أخي من الآن وصحح المسار، ومن تاب من الذين قد هداهم الله في الماضي والتزموا بدين الله فعليهم الثبات، إذا عرفت الهداية فلا تلتفت عنها لأنك قد ترجع، الآن سلكت الطريق إلى الله، والله يقول: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام:١٥٣] فلا تلتفت يميناً ولا شمالاً ولا تتوقف؛ لأنك إذا توقفت لحقك إبليسُ وردك، ولكن سِرْ إلى الله بالليل والنهار، بالسر والجهر، حرصاً على طاعة الله، ومحافظة على فرائض الله، وتلاوة دائمة لكتاب الله، وملازمة للذكر، ومتابعة لحلق العلم، وأمراً بالمعروف، ونهياً عن المنكر، ودعوة إلى الله، وحباً في الله، وبغضاً في الله، وطاعة للوالدين.
следующие страницы →