← Джавами‘

Джавами‘ · id 7736

دروس للشيخ سعيد بن مسفر

سعيد بن مسفر

Полный текст (2 982 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

موقف من يأمره أبوه بترك مخالطة الصالحين السؤال أنا ملتزم والحمد لله، ولكني لا أسمع كلام والدي، خصوصاً إذا كان الكلام يتعلق بإخواني الطيبين ولقاءاتهم، فأرجو منكم النصيحة لي ولأمثالي من الشباب؟ الجواب يا أخي الكريم! ما دمت لا تسمع كلام والدك فأنت غير ملتزم بل عاق، كيف لا تسمع كلام أبيك؟!! أما فيما يتعلق بكلام أبيك بإخوانك الطيبين ولقاءاتهم فأطع أباك، فإذا كان يقول لك: لا تذهب مع هؤلاء ولو كانوا طيبين، قل له: طيب. ولا تذهب، وعاود اللقاءات مع الطيبين بسماع الشريط، وبقراءة الكتاب، حتى تطع والديك، وتجمع بين الخير وتحصيله وطاعة أبيك، لكن تذهب وتجتمع مع إخوانك في الله وتعق والدك، مثل من ينفق ريالاً ويخسر (مائة) تصدقت بريال وخسرت (مائة ريال)، فالله لا يسألك يوم القيامة: لماذا لم تجلس مع إخوانك في الله؟ ولكن يسألك: لماذا لم تطع أباك؟ طاعة الوالد مقدمة على الذهاب والجلوس مع الإخوان في الله.

стр. 632

حكم من دخل وقت الصلاة وهو في علاج مرضي السؤال رجل مصاب بفشل كلوي ويغسل في وحدة الغسيل ثلاث ساعات، وأحياناً يبدأ الغسل الساعة السادسة قبل المغرب وينتهي بعد العشاء، فكيف يصلي المغرب إذا كانت الصلاة في وقت الغسيل؟ الجواب أولاً: نسأل الله له ولأمثاله ولجميع المرضى الشفاء والأجر والثواب في الآخرة على هذا. ثانياً: يجب أن نذكر هذه النعمة التي نحن فيها الآن؛ الذي عنده كليتين معافى وفي نعمة لا يعرفها ولا يقدرها إلا الذي فشلت كلاه، أحد إخواننا نعرفه مصاب بفشل كلوي، يقول: ما عرفنا نعمة الكلى إلا لما ضيعناها، ثم أجريت له عملية زرع كلية، وعادت إليه الحياة الأولى ومارس خروجه للخلاء وخرج منه البول -أكرمكم الله- قال: ما شعرت بأني في نعمة إلا لما خرج هذا البول، فالذي عنده فشل كلوي لا يبول؛ لأنه ما عنده كلية تخرج البول، فيخرج هذا عن طريق الآلة. أنت الآن في ظهرك كليتين، كل كلية قدر قبضة اليد، في كل كلية (ثلاثة ملايين) وحدة تنقية، هذه الآلة الآن التي مثل (الدولاب) فيها (٥٠ ألف) وحدة تنقي من الدم (١٠%) من السموم فقط، لكن الكلية التي في ظهرك تنقي (١٠٠%)، ولا تدري أنت بهذه النعمة فاحمد الله على هذه النعمة! واستخدمها في طاعة الله . ثالثاً: أما السائل الكريم: فإذا حان وقت الصلاة وخشي أن يستمر الوقت حتى يخرج وقتها، جاز له أن يصلي وهو مستلق على قفاه على السرير؛ يصلي إيماءً ويدخل إلى الغرفة وهو متوضئ، ثم إذا جلس وأدخلوا فيه الإبرة وبدأوا يسحبون الدم وذهب إلى الكلية الصناعية وعاد إليه وقد أصبح منقى! وكل يومين يفعل هذا ولا يموت، فلا إله إلا الله! نكتفي بهذا -أيها الإخوة- ونسأل الله لنا ولكم التوفيق. والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 633

الخسران المبين إن خسران الدنيا هين لأنه ينتهي، ولكن المصيبة والخسارة الحقيقية هي: مصيبة الإنسان في دينه، فهي تعود عليه بخسارة في الدنيا؛ لأنه يعيش فيها عيش الهمل، فضلاً عما ينتظره في الآخرة من العذاب المقيم في جهنم، فقد ذكر الله الخاسرين وما لهم في الآخرة في آيات كثيرة من كتابه، وحذرنا أن نكون منهم، وبين طريق السعادة لنسلكه.

стр. 634

الخسارة الحقيقية في الدنيا والآخرة الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: اللهم لك الحمد بكل نعمة أنعمت بها علينا من قديم أو حديثٍ، أو شاهدٍ أو غائبٍ، أو حي أو ميت، لك الحمد بالإسلام، ولك الحمد بالإيمان، ولك الحمد بالقرآن، لك الحمد في كل حال، ولك الحمد حتى ترضى، ولك الحمد إذا رضيت، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. بعد أن زالت الغمة، وماتت الفتنة، وهدأت العاصفة التي اقتلعت جذور العدوان، وألقته إلى غير رجعة في مزبلة التاريخ، وخسر البعث الكافر، وخسر صدام الطاغية، والغربان الناعقة، والشعارات الفارغة، والطبول المجوفة، وأم المهازل، والشجعان وأصحاب المنازلات بعد هذا الخسران، ماذا عساه أن يكون؟! إن خسران الدنيا هين؛ لأنه ينتهي وله أمد، ولكن هناك خسران عظيم مبين واضح يشمل هؤلاء الخاسرين؛ لأنهم بغوا، وعلى الباغي تدور الدوائر: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [يونس:٢٣] ويشملهم لأنهم معتدون، والله يصب كيده على المعتدي، ويشملهم لأنهم خونة، والله لا يهدي كيد الخائنين، ولكن يشمل معهم كل من لم يسر على منهجه، وكل من لم يسر على كتابه، ويتبع هدي رسوله، هذا خاسر ولو ظن أنه رابح؛ لأن مقاييس الربح والخسارة ليست مقاييس الدنيا، ما الدنيا بالنسبة للآخرة إلا كقطرة من بحر ﴿يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ [الروم:٥٥] يوم القيامة طوله خمسين ألف سنة من أيام الآخرة، واليوم من أيام الآخرة كألف سنة مما نعد، اضرب (١٠٠٠× ٥٠.٠٠٠) هذا يوم القيامة وبعده ماذا؟ ﴿لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَاباً﴾ [النبأ:٢٣] ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [هود:١٠٧].

стр. 635

مقاييس الربح والخسران مقاييس الربح والخسران ليست في الدنيا فقط، فكم من رابح في الدنيا وهو خاسر يوم القيامة ﴿أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الزمر:١٥] وكم من خاسر في نظر الناس في الدنيا ولكنه يربح عند الله الربح العظيم يوم يدخل الجنة، يقول الله : ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران:١٨٥] والناس بحكم ضعف إيمانهم، وتعلق قلوبهم بالمادة والدنيا والحياة، ونسيان معظمهم لأمر الآخرة يقيسون الربح والخسارة على هذه الدنيا، فإذا اشترى رجلٌ سيارة وانقلبت قال: خسارة، وإذا تزوج زوجة وطلقها قال: يا خسارة، وإذا فصل من وظيفته قال: خسارة، وإذا انهدم بيته قال: خسارة، لكن إذا هدمت عقيدته، أو ضيع صلاته، أو خان أمانته، أو نظر بعينه إلى الحرام، أو سمع بأذنه الحرام، هل يعتبر نفسه خاسراً؟! لا. لماذا؟ لأن مصيبة الناس في دنياهم أعظم من مصيبتهم في دينهم؛ لعظم وشأن وقيمة وأهمية الدنيا، أما الدين فهو بسيط في قلوب أكثر الناس إلا من رحم الله. أبني إن من الرجال بهيمة يعني: بقرة، في صورة الرجل السميع المبصر، عيون ورأس آدمي لكن عقليته ونفسيته وأفكاره أفكار البهائم. أبني إن من الرجال بهيمة في صورة الرجل السميع المبصر فطن لكل مصيبة في ماله وإذا أصيب بدينه لم يشعر ولذا الناس لما هدأت الأمور أمنوا، فلما أمنوا عادوا إلى ما كانوا عليه من المعاصي والذنوب رغم أنهم في مصيبة من قبل ومن بعد، فالذي لا يصلي في المسجد هذا في مصيبة وينتظره عذاب الله الأكيد، ومن يسمع الحرام ويتكلم بالحرام وينظر بعينه إلى الحرام ويأكل الربا والحرام ويقع في الزنا واللواط ويمد يده إلى الحرام ويسير بقدمه إلى الحرام هؤلاء كلهم أصحاب مصائب لكن لا يشعرون بها، يشعرون بمصيبة البطون إذا جاعت كما تشعر البهائم بمصيبتها إذا جاعت، ويشعرون بمصيبة البيوت والأمن إذا اختل، لكن لا يشعرون بمصيبة الدين إذا اختل.

стр. 636

الخسارة الحقيقية هي المصيبة في الدين إن المصيبة الحقيقية هي مصيبة الإنسان في دينه، ولهذا كان من دعاء النبي ﷺ أنه كان يقول: (اللهم لا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا) لأن كل مصيبة دون مصيبة الدين فهي هينة، لها نهاية ومخرج، لكن مصيبة الدين لا مخرج منها؛ لأن نهايتها النار -والعياذ بالله- فالخسارة الحقيقية هي التي ينبغي أن نراجع أنفسنا معها وأن نعرف فيها ربحنا. صحيح ربحنا الحق؛ لأننا على الحق؛ ولأننا أصحاب قضية عادلة، نناصر المعتدى عليه، ونناصر المظلوم، ونقف مع المغلوب، لكن يجب علينا أيضاً مع هذا أن نراجع أنفسنا، كيف نحن مع الله؟ هل نحن رابحون معه أم خاسرون؟

стр. 637

مآل الخاسرين في الآخرة من هو الرابح مع الله، ومن هو الخاسر؟ اسمعوا ماذا يقول الله : ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر:١٥] هذا هو الخاسر، ليس الخاسر الذي ضاعت عمارته أو انقلبت سيارته، بل الخاسر الذي إذا مات خسر نفسه وأهله ودخل النار ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ * لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ [الزمر:١٥ - ١٦] هذه الخسارة يوم يكون الظلال ناراً، ومن تحتك نار، وأنت بين ناري السماء والأرض ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ [الأعراف:٤١] هذه الخسارة الحقيقية. أما الدنيا فأعظم ما في الدنيا أنك تموت، وإذا مت تخلصت نفسك من هذه المصائب كلها، لكن النار ليس فيها موت، فالموت أعظم أمنية عند أهل النار، ينادون وهم في شعابها بكياً من ترادف عذابها، ينادون: يا مالك! قد نضجت منا الجلود، يا مالك! قد تقطعت منا الكبود، يا مالك! قد أثقلنا الحديد، يا مالك! أخرجنا منها فإنا لا نعود، فلا يجيبهم، بعد ذلك يدعون مالكاً في الهلاك يقولون: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف:٧٧] يعني: أمتنا ﴿قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ * لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ [الزخرف:٧٧ - ٧٨] فالله يقول: إن الخاسرين الحقيقيين هم الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة، ألا ذلك هو الخسران المبين، ما هو الخسران؟ قال: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾ [الزمر:١٦] أي: اتقوا عذابي، هذا كلام الله، أخوفكم يا عبادي! من عذابي فاتقوا عذابي، اتقوا عذابي بماذا؟ بفعل طاعة الله وترك معصيته، هذه هي التقوى، اجعل بينك وبين عذاب الله وقاية، يعني: حاجزاً ساتراً، وما هذا الواقي لك؟ فعل طاعة الله وترك معصية الله، إذا فعلت الأمر، وتركت النهي، وخضعت للشريعة، وأسلمت نفسك لله، وجعلت بينك وبين عذاب الله وقاية، فلست من أهل هذا الوعيد، ليس لك ظلل، بل أنت في غرف من فوقها غرف مبينة تجري من تحتك الأنهار في جنات النعيم، لماذا؟ لأنك رابح ربحت الدنيا وربحت الآخرة، حتى ولو أنك في الدنيا كنت تمشي حافي القدم، عاري البدن، خاوي البطن، تنام على الرصيف وليس عندك رصيد ولا راتب ولا بيت ولا زوجة، ولكن معك الإيمان والدين والعقيدة والصلة بالله والخوف من الله، أنت رابح. لكن إذا كان العبد يفقد ويفتقد هذه الأشياء والله لو ملك الدنيا بأسرها، هل سيملك أحد مثل ملك فرعون؟ كان فرعون ملك مصر، وكان يدعي أنه الرب، وكان يقول: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤] وكان يقول لبني إسرائيل: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ * أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ﴾ [الزخرف:٥١ - ٥٢] يعني: موسى ﴿وَلا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف:٥٢] أين فرعون الآن؟ في خسران، يقول الله فيه: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ * وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيباً مِنَ النَّارِ * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ﴾ [غافر:٤٦ - ٤٨] الكبير والصغير في جهنم. فمهما كان ملك الإنسان وليس معه إيمان ولا عقيدة فهو خاسر، ومهما كان مال الإنسان وليس معه إيمان، ولا عقيدة، ولا دين فهو خاسر، هل سيجمع أحد أموالاً مثل قارون؟ قارون الذي كانت له مخازن الذهب الأحمر والفضة البيضاء ومفاتيحها لا تحملها العصبة من الرجال، ويقول الله فيه: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً﴾ [القصص:٧٨] أين هو الآن؟ أين أمواله؟ هل حجزته أمواله من عذاب الله؟ إنه الآن يتجلجل في بطن الأرض إلى يوم القيامة، قال الله: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾ [القصص:٨١] ابتلعته الأرض، أوحى الله إلى الأرض أن تفتح فتحة بمقدار قصوره وأمواله ومخازنه وأولاده وحشمه وخدمه وما عنده، فانفتحت ثم انطبقت فهو الآن في بطنها إلى يوم القيامة: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ * وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ * تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص:٨١ - ٨٣] اللهم اجعلنا من هؤلاء المتقين الذين اتقوك يا رب! وجعلوا مخافتك بين أعينهم فلم يقدموا على معصيتك ولم يتأخروا عن طاعتك، هؤلاء لهم العلو ولهم السيادة، والفوز والنجاح يوم تبيض وجوه وتسود وجوه، هنالك يعلم الذين ظلموا أي منقلبٍ ينقلبون ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [غافر:٥٢] هؤلاء خاسرون لماذا؟ لأنهم ضيعوا دين الله، ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر:١٥].

стр. 638

خسارة من لم يصدق عمله دعواه

стр. 639

أسباب الخسارة في الآخرة هل هناك خاسرون آخرون؟

стр. 640

التكذيب بلقاء الله يقول الله: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [الأنعام:٣١] كيف كذبوا بلقاء الله؟ قد يقول شخص: أنا مصدق بلقاء الله، نقول: فتش عن عملك فالصادق يظهر تصديقه على عمله، والكذاب يظهر تكذيبه في عمله، أما الكلام فلا ينفع، لا ينفع أنك صادق بدون دليل أو برهان، هل ينفع الكلام عند الناس بدون دليل؟ هل ينفع أنك تذهب الآن في أي مكتب عقار وتقول: عندي عمارة وأريد أن أبيعها، فيقول لك صاحب العقار: أين؟ فتقول: في حي من أحياء جدة، على شارعين وأربعة أدوار، وفيها ثمان شقق ومحلات تجارية ودخلها مائتا ألف، فقال: أين هي؟ وكم سعرها فتقول: فقط خمسمائة ألف، فإذا جاء إليها صاحب العقار وطلب منه ما يثبت له أن هذه العمارة هي له قال: لا يوجد، فلا يقبل صاحب العقار كلامه لأنه ليس عنده حجة، فيتهمه صاحب العقار بالجنون ثم يشتمه لأنه أتعبه!! ما رأيكم في هذا، عمارة على شارعين، أرضيتها (٢٠ × ٢٠) لا يمكن أن تحصل عليها إلا بصك شرعي إنه إيمان وعمل صالح ولقاء الله، ثم تقول: إنك مصدق به وليس عندك دليل عليه، هات الدليل؟ والله ليس عندي دليل فقط بقلبي، العمارة هذه لي بقلبي، والإيمان بقلبي لا ينفع، لا بد من عمل. بين الله ﵎ في القرآن أن الكاذبين يحلفون يوم القيامة مثل ما كانوا يحلفون في الدنيا، كانوا في الدنيا يحلفون بالكذب ويدعون الدعاوى ويريدون أن يدخلوا الجنة بالكذب وباليمين، قال الله : ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ * اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المجادلة:١٨ - ١٩] لأنهم يريدون الجنة بالكذب وبالأيمان الكاذبة. فهذا الذي يكذب بلقاء الله تظهر آثار التكذيب في تصرفاته، والذي لا يصلي جماعة في المسجد هذا لا يعد صادقاً في إيمانه، هذا منافق؛ لأنه لو كان يعرف حقيقة قيمة الصلاة، وأهمية الصلاة في المسجد، وأن الذي لا يأتي إلى الفجر والعشاء منافق، لأتى المسجد، ولو يعلم أن في المسجد أموالاً تقسم على كل صلاة عشرة ريالات يعني خمس صلوات يومياً بخمسين ريالاً، لكن الفجر عليها عشرين من أجل أنها في وقت نوم، هل سيدع أحد الصلاة في المسجد؟ والله لن تتسع لهم مساجد جدة، ويأتي الرجال والشيوخ والبنات والنساء والأولاد وتمتلئ الشوارع، ويصفون من نصف الليل في الصف الأول، من أجل أن يستلم ويمشي، لماذا؟ من أجل عشرة ريال، لكن لما يقال له: إن صلاتك في المسجد تفضل صلاتك في بيتك بسبع وعشرين درجة، يقول: أريد درجة واحدة، وليس له درجة، الحديث في الصحيحين: (صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفذ بسبعٍ وعشرين درجة) لكن مع العذر، يعني: أنت معذور نمت أو مرضت أو غلبت أو نسيت وما تعمدت، وفاتتك الجماعة، وتقطع قلبك عليها، وتندمت كأنك خسرت شيئاً كبيراً، ورجعت إلى بيتك تصلي فلك درجة، أما أن تسمع المؤذن وتقول: لا. سأصلي هنا، فمالك إلا الوعيد من لعنة وغضب، لماذا؟ لأن العلماء يقولون: لا مفاضلة بين ما هو واجب -وهي صلاة الجماعة- وبين ما هو محرم -وهو ترك الصلاة في المسجد- ليس هناك مفاضلة بين الواجب والمحرم، المفاضلة في الحكم الواحد، فهي واجبة، أما محرم تفاضل بينه وبين واجب!! لا. ولهذا عَدَّ شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في كتابه الاختيارات الفقهية حضور الجماعة شرطاً في صحة الصلاة، ولا تقبل الصلاة إلا بالجماعة إلا بعذر، لحديث: (من سمع المنادي فلم يمنعه من اتباعه عذر لم تقبل منه الصلاة التي صلاها) ولحديث في الصحيحين أنه ﷺ قال: (لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلاً فيصلي بالناس، ثم أنقلب معي رجالٌ معهم حزمٌ من حطب، فأحرق على قومٍ بيوتهم لا يشهدون الصلاة، لولا ما فيها من النساء والذراري) لماذا يحرق عليهم؟ أعلى ترك سنة أم على ترك واجب وارتكاب محرم فهذا الذي لا يصلي في الجماعة، ولا في المسجد ليس مصدقاً بكلام الله، بل عنده تشكيك، ووالله لو كان مصدقاً وجازماً بلقاء الله لما ترك صلاة الجماعة الآن الذين عندهم تصديق في قلوبهم لا يمكن أن يصلوا إلا في بيوت الله قلبه مربوط بالمسجد، في مكتبه وقلبه في المسجد، في فراشه يتقلب طوال الليل وعينه في الساعة متى يأتي الأذان؟ بل قبل الأذان وهو في بيعه وشرائه وسوقه وعينه على وقت الصلاة متى يأتي لماذا؟ لأنه مصدق بلقاء الله، أما ذاك لا، بل حتى لو ذكرته فإنه لا يريد، لماذا؟ ليس عنده يقين، لم يحصل عنده الإيمان والتصديق الكامل بلقاء الله .

стр. 641

الجمع بين الأعمال الصالحة والمعاصي إن الذي يسمع الأغاني ويعرف أنها حرام، ولكن يعلل ويتعذر ويقول: قلوبنا نظيفة، وهذه بسيطة، وليت ما عندنا إلا هي، هذا مسكين مضلل، هذا معاند لله ومشاق لرسول الله ﷺ ، فنقول له: (من سمع الأغاني صب الله في أذنيه الآنك -الرصاص المذاب- يوم القيامة) ونقول له: (صوتان ملعونان في الدنيا والآخرة) ونقول: إن الغناء ينبت النفاق في القلب، والآيات والأحاديث كلها تدل على تحريم هذا الشر المستطير الذي ينخر القلوب، ويسوس الإيمان، وينزع الدين من القلوب، ويهيج الجريمة، ويحرض على الفساد، وينسي عبادة الله، ويذكي الشيطان في النفس، وتقول لي: إن قلبك نظيف، وإن هذا الأمر هين، لا! وعليك أن تنزه نفسك عن هذا، نزه هذا السمع فلا تسمع به إلا كلام الله، ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ [الإسراء:٣٦] إذا كان النبي ﷺ يضع إصبعيه في صماخي الأذن ومعه ابن عمر الغلام الصغير ومروا على راعٍ ومعه بوق، لو سمعته فإنك ستهرب منه، لكن يسد أذنيه ويقول للغلام: أتسمع؟ حتى إذا قال الولد: لا أسمع؛ أبعد يديه صلوات الله وسلامه عليه، كيف بمن يسمع الموسيقى الآن، والآلات الحديثة التي تنخر القلب نخراً، وتهز الإنسان وتسلب عقله وتجعله يرقص بدون قصد شيء مرعب، ما يبقى أبداً للإيمان في القلب شيء. يقول ابن القيم: حب الكتاب وحب ألحان الغنا في قلب عبدٍ ليس يجتمعان لا يجتمع الضدان ولا يلتقي النقيضان، ما تجمع النار والبارود، ولا تجمع الطيب والعذرة، والقلب إناء تضع فيه قليلاً من كلام الله وقليلاً من كلام الشياطين فيصعد كلام الله، أو كما يقول بعض الجهلة: (ساعة لربك وساعة لقلبك)، ليس في هذا شرك، الساعات كلها لله، الله يقول: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣] لا يوجد ساعة لقلبي وساعة لربي، ساعة أصلي وساعة أرقص وأغني، لا. ساعتي لله، ليلي ونهاري، وسري وجهاري وحياتي وموتي، في بيتي ومكتبي، وسوقي ومع أهلي، كل حياتي مع الله في كل حين، مع الله في كل وقت وآن، لماذا؟ لأنك عبد لله ﵎، هذا معنى الإسلام؛ ولأن الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة:٢٠٨] يعني: بالكلية، لا يوجد دخول جزئي، أدخل قليلاً وأخرج قليلاً، مثل القطة كل حين وهي في طريق، لا. دين دين، الزم نفسك، وليس معنى هذا أنك لا تعصي الله، لا. قد تعصيه، لكن تعصي ويندم قلبك، وترجع وتتوب إلى الله، فيغفر الله ذنبك، ويقبل الله توبتك، ويبيض وجهك، وتشعر بلذة؛ لأن الله غفور رحيم للمذنبين أمثالي وأمثالكم، فنحن نذنب ونلم، ولكن لا نصر ولا نداوم وإنما عرض، لهذا سماه الله: لمم، قال الله : ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْأِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ [النجم:٣٢] يعني: الذي يتعرض للذنب فقط، ليس دائماً في الشارع وينظر إلى النساء ينظر إليها من رأسها إلى قدميها، هذا ليس لمماً، لكن من يغض بصره ثم في لحظة من اللحظات نظر دون قصد وإذا به تقع عينه على امرأة فغض بصره، هذه معصية لكنه ما تعمدها ثم استغفر الله، فهذه ربي يغفرها له، أما أن يظل ينظر إليها ويقول: هذه بسيطة، هذه أحرقت قلبه ولا حول ولا قوة إلا بالله.

стр. 642

صور من التكذيب بلقاء الله يقول : ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ﴾ [الأنعام:٣١] وظهر طبعاً هذا التكذيب في عباداتهم الميتة أو المنعدمة والمفقودة، وفي سلوكهم المنحرف، وأخلاقهم السيئة، وعقائدهم الفاسدة، وحياتهم كلها التي يحكمها الشيطان. كثير من البشر الآن محكومين بمنهج الشيطان؛ لأنه إما ولي لله أو ولي للشيطان، وقد جاء هذا في القرآن الكريم، يقول : ﴿وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيّاً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُبِيناً * يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُوراً﴾ [النساء:١١٩ - ١٢٠] لا يوجد في الدنيا إلا منهج الله أو منهج الشيطان حزب الله أو حزب الشيطان أولياء الله أو أولياء الشيطان، أين أنت؟ ومع أي حزب؟ المعركة قائمة بين جند الله وجند الشيطان، بين حزب الله وحزب الشيطان، بين أولياء الله وأولياء الشيطان، والحبل ممدود وكل واحد يمسك من طرف، أين أنت ومع من تسحب؟ اسأل نفسك هي مع من؟ إن كانت مع النساء والنظر إليهن وإلى الأفلام والمسلسلات والخلاعات؛ فأنت تسحب مع الشيطان، تجر نفسك بعينك إلى النار، إن كانت أذنك تسمع الأغاني؛ فأنت تسحب نفسك بأذنك إلى النار، ولهذا يوم القيامة يقولون لآذانهم ولأبصارهم ولجلودهم: ﴿لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا﴾ [فصلت:٢١]؟! أي: لماذا فضحتمونا في هذا اليوم الذي نريد فيه النجاح؟ ﴿قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [فصلت:٢١] الذي أنطق هذه اللحمة -اللسان- ينطق الجلد لماذا تستغرب أن الله أنطق هذه؟! وقل للسانك: لماذا تكلمت؟ كيف تكلم لسانك، من الذي أنطق لسانك؟ ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد:٨ - ١٠] الذي أنطق هذه اللحمة يجعل تلك اللحمة تنطق يوم القيامة، بل أنطق الله الآن الحديد، ترفع السماعة فتتلكم بها، حديد يتكلم معك! أسلاك من أرض وفي أرض، مسجل يسمع الصوت فيسجله وبعد عشر سنوات تفتحه وإذا به هو، كيف؟ سألت مهندساً قلت: كيف تسجلون هذا الصوت؟ قال: هذه ذبذبات تلتقطها هذه الأجهزة، ثم ترصدها في ذلك الشريط، ثم بعد ذلك تعاد مرة ثانية، قلت: ما هي الذبذبات علمني؟ قال: لا أعلم، الله أنطق هذه الآلات. آية ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت:٥٣] فالذين يصدقون بلقاء الله يحكمهم منهج الله.

стр. 643

التفريط في الدين إن الله ﵎ أكرمك بأن جعلك وليه، وتولى ﵎ تسديدك وتوفيقك وتوجيهك في كل جزئية من جزئيات حياتك، حتى علمك في الشريعة أن تأكل بيمينك، يقول النبي ﷺ للغلام: (يا غلام - عمرو بن سلمة - سَمِّ الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك) ثلاث كلمات فيها آداب الطعام كله، أولاً: سم الله؛ لأن معنى اسم الله أولاً: حجز للشيطان أن يأكل معك، ثانياً: ذكر الله، تذكر الله باسمه، وأن هذه النعمة من الله. ثانياً: كل بيمينك تخصيص؛ لأن الأجهزة يمين وشمال وكل واحد له وظيفة، يمينك غير شمالك، شمالك لها وظيفة في التنظيف والاستنجاء وإزالة القذر منك، يمينك لها وظيفة في مدها إلى الرجال، وأكل الطعام، والتصدق بها في كل عمل طيب، اليمين هذه تستخدم في أكل الطعام، لكن غير هذا النهج كان يمينك مع شمالك، وشمالك مع يمينك، مرة تأكل بالشمال ومرة باليمين، ومرة تضع يمينك في عورتك، ومرة تضعها في فمك، من يعلمك أن هذه حلال وأن هذه حرام؟ كثير من الكفار الآن يغسل عورته بيمينه، وإذا جاء يأكل يأكل بيمينه وقد غسلها، صحيح ليس فيها قذارات، لكن تستقذر معنوياً أن تضع شيئاً في عورتك وبعدها في فمك، ولو عقمته وغسلته لكنه مستقذر، فالإسلام جاء لينظم حياتك في كل جزئية من جزئياتك حتى في هذه الحالة. ثالثاً: وكل مما يليك، أدب إسلامي، لا تكن شرهاً فتقتحم على الآخرين طعامهم، تنظر في اللحمة التي عند ذاك، وتنظر في الشيء الذي من هناك، وتمد يدك إليها، هذه قسمة من ربي، اجلس عند أي صحن، واجلس على أي لحمة؛ لأن بعضهم منذ أن يدخل على السفرة ينظر أين اللحم الجيد، ويقعد بعضهم هنا، يقال له: تعال هنا، قال: أريد هنا، هذا (جيولوجي) يعرف مكان اللحم الجيد والأرز الجيد، لا يصلح يا أخي! اجلس في أي مكان، وبعد ذلك هب أنك أكلت لحمة جيدة، وذاك هناك ما رأى إلا شحمة أو عظمة أو رأساً أو كرشة وشبعت ماذا سوف يطلع لك أنت بعد ذلك، هل اللحمة تكون في ظهرك سنام؟ أو هل ستصبح سميناً؟ والله الذي يأكل لحمة والذي يأكل الفول كلهم سواء، وبعد ذلك الذي يخرج منك مثل الذي يخرج من ذاك، ما تكون أنت ذهب أصلي وذاك ليس بأصلي. اعلم أن هذه الدنيا لا تزن عند الله جناح بعوضة، فالإسلام يقول: وكل مما يليك، كل مما قسم الله لك، وارض بما قسم الله لك، إن كان طيباً فحظك، وإن كان قليلاً فحظك، وهذا أدب من آداب الإسلام. أي تكريم أيها الإخوة أعظم من هذا التكريم، أن يتولى الله ﵎ بنفسه توجيهك في مثل هذه الأمور، حتى كيف تدخل الخلاء وكيف تقضي حاجتك؟ جاء عن الرسول ﷺ ، أنك تدخل بالشمال، وتستعيذ بالله من الشيطان، ومن الرجس النجس ومن الخبث والخبائث، وتسمي الله ثم تدخل، وحين تنتهي تخرج وقد أخرج الله منك الأذى، فلو بقي الأذى فيك، فمن يخارجك منه؟ احمد الله أن الله أذهب عنك أذاك وأبقى لك ما ينفعك، وخلصك من هذه القذارات التي تحملها -أيها الإنسان- وتستغفر الله لأنك جلست فترة من الوقت لم تذكر الله داخل الحمام، فتخرج وتقول: غفرانك، ورد في الحديث أنه إذا خرج يقدم رجله اليمنى ويقول: (الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني، غفرانك) غفرانك يا رب من اللحظات التي قضيتها في الحمام ولم أذكرك فيها؛ لأنه ممنوع أن تذكر الله في الحمام. ما ظنكم فيمن حياته كلها مثل الحمام، لا يذكر الله من الصباح إلى الليل، إذا كنت تستغفر من جلوسك في الحمام دقيقتين أو ثلاثاً؛ لأنك لم تذكر الله، فكيف بمن يقضي يومه وليله وشهره وسنته لا يذكر الله، ولا يعرف الله ، هذا مسكين، عبد وولي الشيطان، اتخذه ولياً من دون الله؛ فالشيطان إذا وجد ولياً من أوليائه يشغله، يعدهم المواعيد ويمنيهم الأماني ولكن: ﴿وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُوراً﴾ [النساء:١٢٠] يركب على ظهورهم، ويتنقل على رقابهم، ويقضي حاجته عليهم، ويؤزهم ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً﴾ [مريم:٨٣] ترجه رجاً ﴿فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً﴾ [مريم:٨٤] هي أيام وليالي ثم يجدون جزاء أعمالهم عند الله ﵎. يقول الله: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ﴾ [الأنعام:٣١] من المكذب بلقاء الله؟ الذي لا يعمل الواجبات ولا ينتهي عن المحرمات، ويرتكب المحرمات ويترك المأمورات هذا مكذب بلقاء الله، ولو قال إنه مصدق فلا نصدقه؛ لأن الله قد كذبه، الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم قال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة:٨ - ٩] وقال: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيراً * إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً * وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُوراً * لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً وَاحِداً وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً﴾ [الفرقان:٨ - ١٤] ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ﴾ [الأنعام:٣١] الساعة المقصودة هنا ساعة الموت، يعني: لكل واحد منا ساعة معلومة عند الله مجهولة عندنا، إلزامية إجبارية، وإذا جاءتهم الساعة أتتكم بغتة، لا بموعد. فكل البشر لا يعرف أحد منهم متى يموت، يقول الله : ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان:٣٤] بالعلم بالمال بالجاه أريد أن أعرف أريد أن أطمئن! أنا الآن قلق لا أدري متى أموت، وأريد أن أدري متى أموت؛ من أجل أن أنام وأرتاح وقبلها بأسبوع أو بأسبوعين أتجهز وأصلي، لكن لا يدري أحد، حتى الأنبياء! حتى الأولياء والصالحون! ليس هناك شخص يَسلم، من أجل أن تبقى دائماً مستعداً محزماً فراشك على ظهرك من حين يدعوك الداعي وإذا بك إلى الجنة، أما أن تنام وما تدري متى يدعوك الداعي تقول: آه اصبروا، دعوني أصلي وأصوم، لعلي أعمل، قالوا: لا. فات الأوان ما صليت ستين سنة وأنت قاعد وتريد أن تصلي الآن، ماذا غرك من قبل؟ وما الذي ضيعك عن دينك من قبل؟ قال الله : ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون:٩٩] لماذا؟ قال: ﴿لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون:١٠٠] قال الله: ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٠]. ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً﴾ [الأنعام:٣١] الله أكبر! ماذا يحصل للإنسان من اليقين عند الموت؟ تنكشف الحجب، وتزول الحواجز، ويرى الأمر رأي العين كما أراكم الآن وتروني، يقول ﵊: (والذي نفس محمد ٍ بيده إن أحدكم ليرى منزله من الجنة أو النار وهو في بيت أهله) لا يزال على السرير فينظر الجنة أو هناك أمامه، فيحصل عنده يقين لو قسم على الدنيا لكفى، لكن لا ينفع.

стр. 644

التفريط في جنب الله =٦٠٠٠٨١٩>حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً﴾ [الأنعام:٣١] وقد كذبوا بلقاء الله، وضيعوا فرائض الله، وانتهكوا محارم الله ﴿قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا﴾ [الأنعام:٣١] تتقطع قلوبهم حسرات وتذوب أفئدتهم في أجوافهم ندماً على ضياع فرصة العمر، فرصة وحيدة ليس هناك غيرها، كل خسارة غير خسارة الإيمان والدين هينة، أما هذه الفرصة التي لا تعوض والخسارة التي ليس فيها ربح أبداً ﴿يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا﴾ [الأنعام:٣١]. والتفريط هو: تضييع الشيء لغير حساب، يعني: معك مسبحة ثم انقطعت وتطايرت حباتها وضاعت، ماذا تقول؟ تقول: انفرطت علي، تقطع واحدة وتذهب منك عشر، هذا المفرط فرط في دينه، فضاع عليه إيمانه وعقيدته، وإخلاصه، وعبادته، فهو مفرط في كل شيء، تحاول أن تجمع له من هنا وهنا فلا تجد شيئاً، لماذا؟ لأنه منفرط عليه أمره ﴿وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾ [الكهف:٢٨] قال إنهم يقولون: ﴿يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا﴾ [الأنعام:٣١]. ثم ليتهم جاءوا وليس عليهم شيء، بل أتوا بالمعاصي فوق ظهورهم، قال : ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ﴾ [الأنعام:٣١] طول حياته بارك للمعاصي مثل (صبيح) المعاصي؛ تعرفون (الصبيح) عند أهل البادية الصبيح يعني: الثور، يقولون في المثل: (ما غبر صبيح فعلى قرنه)، يأتي الثور ويركز قرنه في الطين وبعد ذلك يرفعه إلى أعلى يظن أنه يرش التراب وهو يرش قرنه على رقبته، ثم يردها بعد ذلك ويخرج وهو ممتلئ غباراً، من أين؟ من قرنه، كذلك صبيح المعاصي الذي غبر على نفسه، ويحمل على ظهرك، تنظر إلى الحرام معصية سجلت عليك، سمعت أغاني، تكلمت بالزور، كل شيء عليك، بالعكس غضيت بصرك، صنت سمعك، تكلمت بالخير، أديت الفريضة لك، إما لك وإما عليك قال يوم القيامة: ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [الأنعام:٣١] ساءت حياتهم، ومصيرهم، وأوزارهم، وأحمالهم، بماذا أتيت؟ ماذا غنمت من هذه الحياة؟ قال: عندي عشرة ملايين، قالوا: أين هي؟ قال: وراء ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ [النبأ:٤٠] قالوا: ابحث عنها، الذي وراء لا نريده، عندك شيء هنا؟ عندي عمارات، قالوا: أين هي؟ قال: وراء، قالوا: ابعث لها وراء، ماذا عندك الآن؟ عندي منصب، جاه، أولاد، قالوا: هذه كلها هناك نفعتك، يوم كنت حياً نفعك المال ونفعك الأولاد ونفعك المنصب، لكن يوم مت ما أحد دخل معك في القبر، ولا وضعوا معك رصيداً، أو كرسيك أو الدجلة أو الثوب في القبر، من وضعوا معك في القبر؟ وضعوا معك أوزارك وعملك وما اقترفت من المعاصي، فتحملها فوق ظهرك ﴿أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [الأنعام:٣١]. هل عندك صلاة؟ أو صيام أو حج أو عمرة أو تلاوة أو أمر بالمعروف أو نهي عن منكر أو حب في الله أو بغض لله أو طلب علم؟ هذا ما ينفعك يوم القيامة، هل عندك ترك للحرام؟ هذا ينفعك، لكن ما عندك من هذا شيء، ما عندك إلا الذنوب قال : ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُون﴾ [الأنعام:٣١] نعوذ بالله وإياكم من هذا النداء، (ألا) هنا أداة استهلال وتنبيه أنه ساء حملهم وساءت معاصيهم عند الله يوم خرجوا من الدنيا متوجين بغضب الله ولعنته والعياذ بالله.

стр. 645

الاستمرار في العيش على الباطل ومظاهر الخسارة وصور الخسران كثيرة، فإن المبطلين يوم القيامة يخسرون، قال : ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ﴾ [الجاثية:٢٧] والدنيا ليس فيها إلا رجلان: رجل محق، ورجل مبطل، فالمحق من عاش على الحق ممثلاً في كتاب الله وسنة رسوله، والمبطل من عاش على الباطل ممثلاً في مناهج الشياطين والفسقة والمنافقين، فيوم القيامة ينجح أهل الحق ويزحزحون عن النيران ويدخلون الجنة، ويخسر المبطلون: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ * وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ * وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنْتُمْ قَوْماً مُجْرِمِينَ * وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنَّاً وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ * وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الجاثية:٢٧ - ٣٣] نعوذ بالله وإياكم من الخسارة، فالخسران للمبطل، وأنت أعرف بنفسك؛ لأنه واضح. أيها الإخوة: لا يقول شخص: والله ما أعلم أنا محق أو مبطل، لا. الباطل واضح والحق واضح، والذي على الحق يعرف، والذي على الباطل يعرف، ممثل فيك كل تصرف من تصرفاتك، من نظرك، وسمعك، ولسانك، ويدك، ورجلك، وفرجك، وبيتك، وتعاملك مع زوجتك، وتربيتك لأولادك، ومشاهداتك، وأفلامك، وشريطك، وكتابك، وزملائك، وأسلوب حياتك تعرف أنك على باطل أو على حق، فالذي على حق يكون مصبوغاً بصبغة الإيمان، والذي على باطل يكون على باطل، والذي عمله مخلوط، فهذا لا يصلح، أنت الآن عندما تقدم لك زوجتك طعاماً مخلوطاً من رز، وإدام. ومحلبية وتفاح وبرتقال وخضرة، ثم ذهبت إلى المطبخ وخلطتها كلها (عباس على دباس) وأعطتك إياها في السفرة هل تستطيع أن تأكل؟ تقول: (الله أكبر عليك) لماذا جعلتِها هكذا؟ لماذا لم تجعلي كل شيء لوحده؟ قالت: لأنه يختلط في البطن وأنا أخلطه أمامك، تقول: لا. أريد، أخلطه أنا بنفسي في بطني بعدما أمضغه في فمي، وكذلك: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة:١٠٢]. لماذا تقعد تحت عسى؟! يمكن أن يأخذك الله ثم لا تصبر على جمرة في النار؛ لأن بعض الناس يقول: أنا والحمد لله أحتفظ بالإيمان، وبالعقيدة وبالتوحيد وأقيم أركان الإسلام، وإذا كنت مقصراً فالمعاصي هذه لا تضر، وهي تحت رحمة الله في الدار الآخرة إن شاء عذب بها وإن شاء غفرها، وهذا صحيح، ولكن لماذا تجعل نفسك تحت المشيئة؟ لماذا تقعد تحت الخطر؟ لم لا تمشي في الأمان؟ الأمان أنك تمشي صح (١٠٠%)، وإذا زلّت بك القدم تتوب إلى الله ، أما أن تقعد في المعاصي تحت خطر المشيئة هذا خطر، افرض أنك أتيت يوم القيامة والله لم يغفر لك، أخذك بالحساب وحاسبك على النظرة: (من ملأ عينيه من الحرام ملأهما الله من نار جهنم) (من استمع إلى مغنّ أو مغنية صب الله في أذنيه الرصاص المذاب) إذا عامل بالربا: (الربا بضعٌ وسبعون باباً أدناه ذنباً كأن ينكح الرجل أمه) (درهم تأخذه من الربا أعظم من ست وثلاثين زنية في الإسلام) (شاهد الزور لا تزول قدمه من مجلس الحكم حتى تجب له النار) اليمين الغموس تحلف بالله كاذباً لازم غمسة في جهنم، اسمها غموس؛ لأنها تغمسك في النار، الغيبة في مجالسنا، وهي تحويل حسناتك إلى الآخرين، وتحويل سيئاتهم على ظهرك، أنت تصلي لهم وهم يعصون لك، الآن الذين تغتابهم هم يعصون الله لكن في ظهرك؛ لأنك تغتابهم وتأخذ سيئاتهم، وأنت تصلي وتصوم لكن لهم؛ لأنك تغتابهم وتحول حسناتك لهم، فلماذا تعطي الناس حسناتك وتأخذ سيئاتهم؟ اجعل سيئاتهم لهم وحسناتك لك، واشتغل بعيوب نفسك، عيوبك أكثر من عيوب الناس، وإذا بدأت تطلع على عيوب الناس، فاعلم أن عيوبك أكثر وأنت أعمى لا تراها: لسانك لا تذكر به عورة امرئ فكلك عورات وللناس ألسن وعينك إن أبدت إليك معايباً فصنها وقل: يا عين للناس أعين لا تتصور أن الناس ما ينظرون الذي عندك؛ لأن اشتغالك بعيب غيرك ينسيك عيب نفسك، أما اشتغالك بعيب نفسك يجعلك تصلحها باستمرار، ولكن إذا نسيت نفسك، وبدأت تشتغل بالآخرين ضيعت نفسك في الدنيا والآخرة -والعياذ بالله- فالمبطل مبطل والمحق محق ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ﴾ [الجاثية:٢٧].

стр. 646

عدم الإكثار من الأعمال الصالحة هناك صور للخسارة وهي: خسارة نقص الأعمال؛ لأن الأعمال يوم القيامة هي الموازين، فالله ينصب موازين تزن وترجح بالخردلة، يقول الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً﴾ [النساء:٤٠] ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء:٤٧] وبعد ذلك يصير ترجيح في الأعمال ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ [المؤمنون:١٠٢] وخفت سيئاته، وثقلت موازين أعماله، قال : ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾ [المؤمنون:١٠٢ - ١٠٣] جاء بكفة ميزانه في السيئات كثيرة جداً حتى طاشت الكفة الأخرى كفة الحسنات ورجحت كفة السيئات قال: ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ * أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ * قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَالِّينَ * رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ * قَالَ اخْسَئوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٣ - ١٠٨] تنتهي المراجعات عند هذه الكلمة، فلا ينبس أحدهم ببنت شفة، وما هو إلا الشهيق والزفير، لماذا؟ قال : ﴿اخْسَئوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٨] نعوذ بالله من عذاب الله .

стр. 647

تضييع العلم وعدم العمل به والدعوة إليه من صور الخسران يوم القيامة ما ذكره الله في سورة العصر؛ وسورة العصر هذه من أعظم السور في القرآن الكريم، يقول فيها الإمام الشافعي: لو لم ينزل الله على الخلق حجة إلا هذه السورة لكفتهم. وهي قوله : ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر:١ - ٢] يقسم الله بالعصر وهو الدهر والزمن، ولله أن يقسم بما شاء من مخلوقاته، وليس للعبد أن يقسم إلا بالله وحده، أما الله فيقسم بما شاء، يقسم بالليل فقال: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ [الليل:١] ويقسم بالنهار قال: ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ [الليل:٢] ويقسم بالشمس قال: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ [الشمس:١] ويقسم بالقمر قال: ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا﴾ [الشمس:٢] ويقسم بالعصر، ويقسم بالقيامة، ويقسم بكل شيء؛ لأنه خلقه فمن حقه أن يقسم بما شاء، أما أنت فليس من حقك أن تقسم إلا بالله (من كان حالفاً فلا يحلف إلا بالله) فالله يقسم بالعصر قسماً، والمقسم عليه الإنسان أنت وأنا وكل من على وجه البسيطة، والألف واللام هنا للجنس، أن جنس الإنسان لفي خسر، أنا في خسر، وأنت في خسر، وكل من على وجه الأرض في خسر، إلا من توفرت فيه أربع صفات: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:٣] فهؤلاء ليسوا بخاسرين، وقد استخرج منها شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ أربع قواعد مفيدة درسناها في الابتدائي بعنوان: اعلم رحمك الله أنه يجب على كل مسلمٍ ومسلمة تعلم أربع مسائل: العلم. العمل به. الدعوة إليه. الصبر على الأذى فيه. أخذ هذه الأربع من الآية نفسها، العلم من الإيمان، والعمل من العمل الصالح، والدعوة من تواصوا بالحق، والصبر من و (تواصوا بالصبر)، هذا الذي آمن وأيقن ثم ترجم هذا الإيمان في عمل وصدق لا إيمان وعمل باطل، إيمان والدخان في الجيب، واللحية محلوقة، والأغاني عند رأسه، ويقول: مؤمن، مؤمن بالباطل! ما آمنت بالحق، مؤمن ولا يصلي في المسجد، وزوجته متبرجة، وينظر إلى الحرام، ويأكل الحرام: (إلا الذين آمنوا) ثم ماذا؟ (وعملوا الصالحات) هناك تلازم -أيها الإخوة- بين الإيمان والعمل، ليس هناك انفصال، والذي يدعي أنه مؤمن بغير عمل كذاب، لا بد من أن تصدق إيمانك؛ لأن الإيمان كلام، والكلام سهل، ولهذا قال الله : ﴿مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾ [المائدة:٤١] لأن الإيمان إذا كان من اللسان لا يتجاوز إلى العمل، ولهذا بعض الشباب الذين يلتزمون وكانوا من قبل مؤمنين لكن منذ أن حصلت القناعة في قلبه قال: التزمت ما معنى التزمت؟ يعني: دخل اليقين في قلبي وأقنعني أنه ما في الدنيا طريق إلا طريق الدين، هذا أنا أمسك فيه التزمت وتمسكت، ولما التزمت كان المغني يغني وحين أسمعه قال: لا أريد، لماذا؟ قال: حرام، رغم أنه شاب وعنده دافع، وشهوة، ومثل ما عند ذاك الذي يغني ويقطع قلبه الأغاني، لكن حب الله أعظم من الأغاني، كان ينظر إلى الحرام وعندما التزم حين يرى امرأة مباشرة يغض بصره، كان يأكل الربا والآن لو يموت جوعاً ما يعمل بالربا، أو يعمل في مكان فيه ربا، أو يأكل ربا، كان يعتدي على لحيته وكان يخجل من أن يطيل لحيته، وإذا به يتركها قال: أقعد بلحيتي بين الناس يقولون لي: خبث، الآن يربي لحيته وإذا أحد قال له شيئاً قال: هذه سنة النبي ﷺ أفخر بها، إذا فخر الناس باتباع الشياطين، فأنا أفخر باتباع أفضل الخلق أجمعين عليه صلوات الله وسلامه، القضية ما هي قضية شعر -أيها الإخوة- قضية انتماء، وحب، وفخر واعتزاز بهذا النبي الذي أمرنا بهذه السنة، فنحن نبقيها بوجوهنا لا (ديكوراً) ولا شكلاً ولا جمالاً، وإنما اتباعاً لهدي النبي صلوات الله وسلامه عليه، هذا الملتزم الذي التزم بدين الله حصل عنده القناعة، هذا معنى العمل ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾ [العصر:٣] خرجوا من نطاق النفس إلى دائرة المجتمع القريب وهم الأهل، والبعيد وهو المجتمع كله، وبدأ يتواصى بالحق وينصح، يلقى هذا فينصحه ويجلس مع هذا فينصحه، ويجلس مع ذاك فيقول له: لماذا؟ يريد أن ينجح ويخرج من هذه الخسارة. وتواصوا بعدها بالصبر؛ الصبر على ماذا؟ أول شيء الصبر على المدعو، لا تتصور أن تدعوه وأنه مباشرة سيجيبك، لا. قد يرفض هنا برئت ذمتك فاصبر، يقول الله: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾ [الأحقاف:٣٥] الهداية بيد الله، تدعو الإنسان مرة ومرتين وعشراً وعشرين ومائة ولا يهديه الله؛ لأن الهادي هو الله ليست أنت، ولكن إذا أذن الله بالهداية كنت أنت السبب فيه، أما أنك تريد أن تدعو وهو يستجيب على الفور فهذا لا يكون. إن الله له حكمته وهو أعلم بمن يهدي، يقول الله: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص:٥٦] ويقول: ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾ [النحل:٣٧] الهداية ليست بيدك، عليك الدلالة والإرشاد، ولهذا تحتاج إلى صبر، ومن الناس من ليس عنده صبر، عنده زميل في المكتب وما عنده صبر عليه، ولهذا دعاه أول يوم وثاني يوم وثالث يوم وبعد ذلك ما صبر عليه، بعد ذلك ضاقت نفسه منه وقطعه وهجره وحوله إلى عدو له، هذه ليست دعوة، يا أخي! متى تحوله إلى عدو؟ إذا هو عاداك، أما إذا نصحته وقال: طيب جزاك الله خيراً، برئت ذمتك، واصبر مدة وذكره وأعطه موضوعاً آخر، لكن متى تهجره؟ إذا قلت له: يا أخي! هذا أمر، قال: اسكت لا أمر ولا نهي ولا تكلمني في هذا الموضوع، وأمر الدين هذا لا تناقش فيه، هذا عدو لله مباشرة تقطع علاقتك معه؛ لأن الله يقول عن إبراهيم: ﴿إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة:٤] أما ما دام يستجيب منك ويأخذ كلامك ويقول: جزاك الله خيراً، ووفقنا الله وإياك، وهدانا الله كما هداكم، استمر واصبر، وما هو شرط في هذه السنة الهداية، بعض الناس ما اهتدى إلا بعد سنوات طويلة، وبعد ذلك أنت تضرب، وهذا الضرب في هذا المكان له أثر، ولكن متى يكون المؤثر به؟ بعد ذلك بعلم الله ﵎، فلا بد من الصبر ولذا الداعية الذي لا يصبر لا ينجح، شج وجه النبي ﷺ ، وضرب وأدميت عقبيه الشريفة، وكسرت رباعيته، وذهب إلى أهل الطائف فطردوه، ورجع وفي الطريق قال له ملك الجبال: (إن شئت أطبقت عليهم الأخشبين) لو كان مستعجلاً لقال: نعم. دمرهم، لكن قال: (إني أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده) نظرة بعيدة، أمل عريض في دين الله، يقول: إذا هؤلاء قد قسيت رءوسهم فإن أملي في الله أن يبقوا أحياء؛ حتى يخرج من أصلابهم من يعبد الله، وهذا الآن حاصل، كثير من كبار السن الذين تربوا قديماً في أيام الجفوة يخرج الآن من أصلابهم شباب الصحوة، من البيوت الجاهلية الآن هناك شباب مسلمون طيبون، والآن كانت المعارك في الماضي تدور بين الأولاد والآباء الأب يريد الدين والابن لا يريد الدين، الآن المعارك بين الآباء والأولاد، الولد يريد الدين والوالد لا يريده، بعض الآباء لا يريد الدين بالمرة، وبعضهم يريد بعض الدين، يقول: لا. مرة هب لنا على كيفنا، يعني: فصل لنا دين على قدرنا، نصلي لكن نغني، حجاب على البعيدين لكن أما الأقارب أخوك وولد عمك لا تغير علينا يا ولدي، سفرة هنا وسفرة هنا وكلما دخلت أقعد هنا وأقعد هنا، يعني: تغيير هذا! دين الله تغيير، شريعة الله تضييق عليك، الله أكبر! كيف تضيق نفسك من أمر الله، والله إذا ضاقت نفسك من أمر الله ما آمنت، يقول الله: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء:٦٥] هل حكمت شريعة الله في الحجاب؟ صعب عليك أنك تضع صحن أرز للنساء وصحن أرز للرجال، صعب هذا على أمر الله!! لكن يريدون ديناً مفصلاً مهذباً على هواهم، هذا ما يصلح لا بد من أخذ الدين جملة واحدة، ولا بد من الصبر، وهذه الأربع يسميها بعض العلماء: إطارات عربة النجاة، النجاة لا تكون إلا على عربة لها أربع إطارات: الإطار الأول: (إلا الذين آمنوا). الإطار الثاني: (وعملوا الصالحات). الإطار الثالث: (وتواصوا بالحق). الإطار الرابع: (وتواصوا بالصبر). الذي يمشي هكذا هو الرابح، لكن إذا أنقص إطاراً لا يستقيم، عنده إيمان لكن ما عنده عمل صالح، عنده إيمان وعمل صالح لكن ما يدعو إلى الله، ولا يحب في الله، ولا يصبر على طاعة الله، يمشي بنصف عربة النجاة لكن يمشي على فلان ما ينفع لا بد أن تمشي بعربتك الإيمانية على أربعة إطارات من الإيمان، والعمل الصالح، والدعوة إلى الله، والصبر على الأذى في الله؛ لأن لقمان يقول لابنه: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾ [لقمان:١٧] تغيير عادات ومألوفات الناس لا يقابل باستحسانٍ منك، شيء ألفه الناس ما يقابلونه باستحسان، لا بد يغيرون عليك ويرفضونه ويعيبون كلامك، ويقفون في وجهك، منهم زوجتك وحليلتك لما تأتي وتقول لها: تحجبي وهي طول حياتها ما عرفت الحجاب ما تقول: شكراً، بل تقول: لماذا هذا؟ يعني: ما تثق فيَّ، القضية ما هي قضية ثقة، لو أني ما أثق فيك ما كنت زوجة لي، أثق فيك لكن هذا أمر ربي، الآن شخص نقول له: صلِّ، قال: ماذا يعني: ما تثقون أني مؤمن، أنا مؤمن ولو ما صليت. جاء رمضان ودخل رمضان وجاء شخص في الظهر

стр. 648

الإشراك بالله وابتغاء منهج غير الإسلام وهناك مظهر من مظاهر الخسارة وهو: أن يبتغي الإنسان منهجاً أو ديناً في هذه الدنيا غير الإسلام قال : ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:٨٥]. ومن مظاهر الخسران العظيم وأختم به المجلس هو: الشرك بالله؛ خسارة ليس بعدها ربح، كل خسارة في المعاصي تتعوض بالتوبة أو بالمغفرة أو بالتهذيب أو بالتنقية في النار، أما الشرك فلا يغفره الله إلا إذا تاب الإنسان منه قبل الموت؛ وإذا مات مشركاً فإن الله قد حكم على أهله بالخسارة، قال : ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر:٦٥] سبحان الله! أوحي إلى الرسول وإلى الذين من قبله من الرسل شريعة عامة من أول الرسل إلى آخرهم محمد، أوحي إليهم فبلغوا ونبهوا وأكد عليهم وكرر عليهم أن الشرك عظيم، وأنه إذا أشرك الرجل ولو كان نبياً ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر:٦٥].

стр. 649

حقيقة الخسارة ومفهومها فهذه مظاهر الخسارة التي تحصل للإنسان إذا ابتعد عن دين الله ، أما ما هي الخسارة؟ فسوف أتحدث عنها إن شاء الله باختصار. بغير الدين تكون خسارة الدنيا؛ قلق واضطراب وحيرة وضيق وهم وأمراض خذ ما شئت في الدنيا، وعند الموت يخرج خاسراً لا يستطيع أن يقول: لا إله إلا الله، نعم إذا خرج من الدنيا ما يقدر يقول: لا إله إلا الله. هذا خسران؛ لأن علامات حسن الخاتمة أن يقول الشخص: لا إله إلا الله، وعلامات سوء الخاتمة ألا يقول: لا إله إلا الله، لحديث النبي ﷺ : (من كان آخر كلامه في الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة) وهذه لا أحد يستطيع أن يقولها إلا الذين عاشوا عليها، من صبغ حياته بلا إله إلا الله، وعجن نفسه حتى صارت لا إله إلا الله تسير في عروقه وتتردد مع أنفاسه، وعينه محكومة بلا إله إلا الله، وأذنه ويده محكومة بلا إله إلا الله، ولا إله إلا الله تهيمن عليه، عند الموت يقول: لا إله إلا الله، ما يحتاج من يذكره، لماذا؟ أصبحت لا إله إلا الله متكاملة فيه، لكن من عاش على غير لا إله إلا الله فإنه لا يستطيع أن يقولها عند الموت، وإذا خرج بغير لا إله إلا الله هذه علامة سوء الخاتمة والعياذ بالله. كثير من الناس يموتون ويلهمون لا إله إلا الله، وقد أخبرني رجل من إخواننا في الله عن رجلٍ صالح مات وهو مؤذن كان يشتغل مؤذناً وحصلت له وعكة، وأصيب بغيبوبة وفقد شعوره أسبوعاً كاملاً، لا يعرف ليلاً ولا نهاراً ولا صلاة ولا شيئاً، يقول ولده: وكنت عند رأسه أشرف على تمريضه، وبعد منتصف الليل وأنا نائم عنده وهو في الغيبوبة، ولا يأكل ولا يشرب حتى أذاه لا يعرف ما يخرج منه، يقول: وإذا به يوقظني وجلس واستقبل القبلة وقال: أشهد أن لا إله إلا الله ثم وضع جنبه على الأرض ومات، ختم له بخير، من الذي علمه؟ من الذي ثبته؟ من الذي لقنه؟ هذا عمله ثبته هنا ليخرج متوجاً بلا إله إلا الله، يخرج يحمل بطاقة ورخصة مرور إلى الجنة اسمها لا إله إلا الله، جواز سفر يقدمه لرضوان ويدخل الجنة، هذا الجواز الذي ينفع. وناس ما قالوا لا إله إلا الله، شخص يخبرني عن رجل كان يبيع ويشتري في العقارات، ولكن بغير الطريق الشرعي، وإلا فالبيع والشراء في العقار ليس فيه شيء إذا راعى الإنسان أوامر الشرع وخاف الله، صدق وبين ولا دلس على أحد ولا كذب، أما إذا خان فقد غدر والله لا يهدي كيد الخائنين، كان هذا الرجل -والعياذ بالله- سيئ في معاملاته، ولم يكن يراعي أمر الله، كان يضيع صلاته ودينه من أجل العقار، ولما جاءه الموت قالوا له: قل لا إله إلا الله! قال: على شارعين، ما يعرف لا إله إلا الله، يعرف أرضية على شارعين، قالوا: قل لا إله إلا الله قال: رخصة بلدية، ومات على شارعين جهة على جهنم وجهة على لظى، لماذا؟ لأنه عاش عليها، ومن عاش على شيء مات عليه، ومن مات على شيء بعث عليه. رجل كان يعمل في حراج السيارات، وطوال الليل وهو يصيح على الميكرفون، ولما جاءه الموت قالوا: قل لا إله إلا الله قال: (خربان تربان)، قل لا إله إلا الله قال: (سكر في موية كومة حديد)، ومات. وشخص كان يغني ومات وهو في السيارة، وعصر (الدركسون) بطنه ومات وكان يغني مع المغنية، وأتوا عليه ميتاً ومنتكساً وفي آخر لفظ من حياته والمسجل شغال على الأغنية وهو يردد بعدها ويقول: (هل رأى الحب سكارى مثلنا)، يغنى مع (أم كل شوم) (هل رأى الحب سكارى مثلنا)، لا والله ما رأى أفشل منك، نعم الآن كمل السكرة هناك لا حول ولا قوة إلا بالله. من الآيات التي تلوتها في المحاضرة في سورة المجادلة قوله : ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ * اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المجادلة:١٨ - ١٩]. ومن سورة الفرقان يقول : ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً﴾ [الفرقان:١٢] الله أكبر! تشهق وفي الحديث: (والذي نفس محمدٍ بيده! إن النار لتشهق على صاحبها كما تشهق البغلة على الشعير) تغيظاً وزفيراً عليه ﴿وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيراً * إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً * وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ﴾ [الفرقان:١١ - ١٣] نار وضيق، نعوذ بالله من النار والضيق، ومقرنين يقرنون في الأصفاد كما تقرن البقرة في الأضماد في يديها مع رجليها ورقبتها ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُوراً * لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً وَاحِداً وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً﴾ [الفرقان:١٣ - ١٤]. خسارة عند الخروج من الدنيا حين يخرج ولا يقول: لا إله إلا الله، والله عيب أن تعيش -يا أخي- ستين أو سبعين سنة وتخرج من الدنيا وليس معك من الدنيا حتى لا إله إلا الله، أين تضعها؟ تسجلها في ورقة من أجل أن يلقنونك إياها عند الموت؟ تضعها في مسجل؟ ليس لك إلا أن تثبت عليها من الآن، تثبت عليها يثبتك الله عليها؛ لأن الله يقول: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [إبراهيم:٢٧] يعني الآن ﴿وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم:٢٧] يعني في القبر، حينما تسأل في قبرك من ربك؟ ومن دينك؟ وما نبيك؟ فتقول: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد. تثبيت، من يثبت الله؟ الذين آمنوا ﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ﴾ [إبراهيم:٢٧] يضله الله عن لا إله إلا الله ما يقولها؛ حتى أن شخصاً مدخناً قالوا له: قل لا إله إلا الله، قال: أعطوني دخاناً! يريد أن يكيف حتى في القبر، لا يوجد دخان لا يوجد إلا عذاب الآن، قل لا إله إلا الله، قال: والله ما أقولها أنا بريء منها، ثقلت على لسانه وما استطاع أن يقول لا إله إلا الله، مصيبة وخسارة ﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم:٢٧] وفي القبر يضله الله فلا يقول ربي الله، يقول: هاه لا أعلم. وفي القبر ربح لأهل الإيمان، يكون قبرك روضة من رياض الجنة، يُفتح لك باب من عند رأسك إلى الجنة وأرجلك إلى الجنة، وعن يمينك ويسارك إلى الجنة، ويأتيك من روحها وطيبها ونعيمها، ويأتيك عملك على أحسن هيئة ويقول: أبشر بالذي يسرك، قال: من أنت فوجهك الذي يأتي بالخير، قال: أنا عملك الصالح حفظتني فحفظك الله، اللهم اجعلنا منهم يا رب العالمين. وبعد ذلك يوم القيامة تبعث من قبرك لا خوف عليك؛ لأنك ناجح ورابح، يقول الله : ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران:١٨٥]. ويظلك الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله، وتشرب من حوض النبي شربة لا تظمأ بعدها أبداً، ينقطع الظمأ عند تلك الشربة وتأخذ كتابك بيمينك، ثم توزن فيرجح ميزانك ثم يقال لك: ادخل الجنة ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ * يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الزخرف:٧٠ - ٧١] هذا فوز عظيم في كل مراحل الحياة في الدنيا، والموت، والقبر، وعرصات القيامة، والجنة دار السعداء -نسأل الله من فضله- التي فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، أما بغير الإيمان وبغير الدين خسارة في الدنيا ولو معك مال فهي خسارة، وخسارة في الدنيا ولو معك منصب وعندك دنيا وكل شيء لكن لا يوجد الدين خسارة، تخسر الأمن، والراحة القلبية، وتعيش في قلق وفي حيرة واضطراب، ثم عند الموت تخرج وقد خسرت لا إله إلا الله، وفي القبر خسر البعيد من ربه وما دينه ومن نبيه، ويوم القيامة يخسر خسارة ما بعدها خسارة، يطرد عن الحوض طرداً، يأتي يريد أن يشرب فتذوده الملائكة بسياط من نار، اذهب لا تشرب من هنا، من زمهرير، من الغسلين، اشرب من الحميم والغساق، لماذا؟ لأنك كنت تشرب من المعاصي في الدنيا، ما كنت تشرب من السنة والقرآن والدين، كان مشربك معكراً خطأ من أوله إلى آخره، هناك ﴿وَلا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ * لا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ﴾ [الحاقة:٣٦ - ٣٧]. ويوزن فيخف ميزانه؛ لأنه تافه رخيص لا وزن له لا قيمة له، ماذا عند العاصي إلا المعاصي، لكن الطائع عنده وزن وعنده إيمان. وأيضاً يأخذ كتابه بشماله؛ لأنه كان يمشي خطأ، كان يمشي على الشمال، ما كان يمشي مع الله، ما كان يمشي بالاتجاه الصحيح، كان اتجاهه دائماً خطأ في خطأ، ولهذا يأخذ كتابه بشماله ويقول: ﴿يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ﴾ [الحاقة:٢٥ - ٢٧] ثم بعد ذلك لا يظله الله في ظل عرشه، ويسحب على وجهه في النار -أعوذ بالله من النار- يسحب على وجهه يقول الله: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ [القمر:٤٨]. هذا -أيها الإخوة- هو الخسران المبين، فلنراجع حساباتنا مع الله، ولنصحح أوضاعنا، ومن كان مذنباً فليستغفر.

стр. 650

فضائل شهر رمضان قد أظلنا -أيها الإخوة- شهر الرحمة والغفران، جاءنا شهر رمضان، اللهم بارك لنا في رجب وشعبان وبلغنا رمضان، بعد يوم أو يومين يدخل علينا رمضان، شهر أوله رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار، شهر تفتح فيه أبواب الجنان فلا يغلق منها باب والحديث في الصحيحين، وتغلق فيه أبواب النيران فلا يفتح منها باب، وتغل فيه مردة الشياطين، وينادي منادٍ: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر. يغفر الله فيه للأولين والآخرين من أهل هذه القبلة، التائبين المنيبين المذنبين الراجعين إلى الله ، شهر عظيم يقول فيه النبي ﵊: (من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه) هذا في البخاري ومسلم. وفي الصحيحين أيضاً: (من قام رمضان -يعني: التراويح والقيام- إيماناً -يعني: تصديقاً- واحتساباً -طلباً للمثوبة عند الله غفر الله له ما تقدم من ذنبه) تخرج من آخر رمضان مغسولاً كيوم ولدتك أمك ما بقي عليك ذنب واحد. في الحديث الصحيح يقول ﵊: (رغم أنف من أدرك رمضان ولم يغفر له) إذا لم يغفر لك في رمضان متى إذن يغفر لك؟!! الحسنة بعشر أمثالها إلى مائة إلى ألف حسنة، متى إذن يغفر لك؟ تغل فيه الشياطين ولا يوجد فيه شيطان، لا يوجد إلا شياطين الإنس، ولهذا الذي لا يهتدي في رمضان ليس معه قرين من الجن يضله هو نفسه شيطان؛ لأنه إضلال في غير رمضان عن طريق الوسواس، ولكن في رمضان الوسواس حقك مربوط هناك، ولكنك شيطان البعيد حتى في رمضان، ولذا ترون المؤمنين الذين حبست شياطينهم طيبين، فإذا جاء ليلة العيد فك الله الشياطين فجاء اليوم الثاني فلم يصل في المسجد، ركبه إبليس ورده ينام مع زوجته، فلا يصلي في المسجد، لماذا؟ ركب عليه كما كان يركبه في شعبان، لكن لما انحبس في رمضان جاء يصلي وجاء يقرأ القرآن، بدأ يذكر الله، وبدأ عنده خير، هذا خير لعل الله أن ينفعه به ويتوب عليه إذا واظب والتزم وواصل واستمر في عبادة الله بعد رمضان كما كان في رمضان.

стр. 651

استغلال الفرص في الرجوع إلى الله أيها الإخوة! من رحمة الله أن أتاح الله لنا مثل هذه الفرص وأعطانا مثل هذه المناسبات من أجل أن نقبل عليه، ومن أجل أن نزداد ولهذا ينادي: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر، ولكن وللأسف الشديد فقد فهم الناس من رمضان غير ما يريده الشرع منهم، فهموا أن رمضان شهر الأكل فقط، ولهذا من الآن يعددون الأكلات وكل امرأة تقدم لزوجها قائمة بيان (كرتون محلبية) و (كرتون موز)، و (كرتون لوز)، من كل شيء (كرتون)، وكم تأكلون؟ كم نأكل وجبات في رمضان؟ نأكل فيه وجبتين، فطور وسحور، وفي غير رمضان فطور وغداء وعشاء، إذن مصروفنا الذي في رمضان أقل من مصروفنا في غير رمضان، لكن بالعكس بدل ما تأكل وجبة فيها شكل أو شكلين لابد أن تكون عشرين شكلاً، يخرج من الصباح إلى الظهر يقضي الحاجات، وهي من الظهر إلى المغرب تطبخ، ولهذا بعض النساء ما تقرأ من القرآن آية واحدة لماذا؟ مشغولة بالطبخ، شهر تلاوة وعبادة وتراويح وقرآن وذكر، لا. حولناه شهر أكل و (دحس)، (يدحس) الشخص بطنه من المغرب إلى العشاء، ثم يقوم محملاً لا يستطيع أن يقوم، وبعد ذلك يريد أن يصلي التراويح، لا يستطيع لصلاة العشاء ويبدأ بالتراويح وإذا به يذم نفسه متى يصل ثم يبحث له عن إمام يصليها في أربع دقائق، وإذا لقي شخصاً يصلي صلاة جيدة قال والله: (أفتان أنت يا معاذ) هذا طول علينا، هذا نفر الناس من الصلاة، وإذا نظر شخص الله أكبر الله أكبر قال: (الله يذكره بالخير ذاك المطوع خفيف الدم، صلاته جيدة مثل الحلاوة) يعني: مثل (قدر الضغط) يطبخها ويرجع إليها بعد خمس دقائق، لا حول ولا قوة إلا بالله، لماذا؟ لأنه ما عرف من رمضان إلا الأكل، هو مستعجل من أجل أن يرجع (يدحس) الباقي ويملأ بطنه من المغرب إلى الفجر، ثم ينام من الفجر إلى العصر وقام من أجل أن يملأ، شغلته أكل فقط، أو يذهب إلى السوق المركزي ويأتي أو يذهب الأسواق ويأتي بفواكه ويحمل السيارات. سبحان الله!! الله شرع الصوم لنجوع أو لنأكل؟ شرعه لنجوع ولنحس بألم الجوع، ونعرف أن هناك من الفقراء من يعيشون جائعين صائمين طوال الزمان، فالله أمرنا أن نجوع شهراً من أجل أن تحرقنا بطوننا فنشعر بألم الجوع لمن يجوع طوال العام ونعطيه، ولهذا نقول: رمضان كريم، ما معنى كريم؟ يعني: أن نصير نحن كرماء، ليس كريم من أجل أن نأكل، تجده يجمع الأكل ماذا فيك؟ قال: يا هذا رمضان كريم دعنا نكون كرماء، وليس معنى هذا أنك ما تعطي أهلك، أعطهم ليس هناك بأس لكن بمقدار، ويأكلون أما أن تقضي على عشرة أشكال أو خمسة عشر شكلاً أو عشرين شكلاً ثم تأكل من كل شكل قليلاً والباقي يسكب في الزبالة هذا حرام يا عباد الله. كثير الآن يفتح الحبة البرتقال ويأكل جزءاً منها، ويفتح الموزة ويأكل رأسها، ويأكل تفاحة يأخذ منها حبة أو جزءاً منها، و (المحلبية) يأخذ له ملعقتين أو ثلاثاً والباقي يرميه، والعيش يكسره ويأخذ كسرة منه والباقي يرميه، والأرز يأكلون من طرفه والباقي يرمى به، كل شيء يرمونه لماذا؟! هذا هو الإسراف، إن الله غيور على النعمة -أيها الإخوان- إذا لم نرعها ونحاول أن نقلل ونقتصد في الطبخ والزايد نرسله لمن يجوع الآن من إخواننا المجاهدين في الأفغان وهذه رسالة من الشيخ المشرف على جمع التبرعات الشيخ/ محمود محمد باحاذق في جدة يطلب أن يحث الناس على هذا الإنفاق -أيها الإخوان- هناك من الأسر الفقيرة من إخوانكم الأفغان من يموتون جوعاً، بعض المجاهدين يبيع سلاحه من أجل أن يشتري لأولاده عيشاً، العيش الذي يأكلونه ليس مثل عيشكم، أنت لما تأتي إلى الفرن وتجد القرص موجوداً تقول: لا أريد هذا، لماذا؟ قال: أريد حاراً، هو حار وما تأكله إلا وقد برد، لكن من زيادة البطر، هذا لا أريده؛ لأنك أخرجته من قبل دقيقتين أريد واحداً حاراً، وبعد ذلك يبرد وآكله، حسناً هذا بارد كله من الآن قال: لا. هل تدرون ما هو طعام الإخوان هناك؟ أكياس من العيش الناشف له عدة شهور تأتي عندهم فيطحنونه على الماء ثم يأكلونه. تموت الأسد في الغابات جوعاً ولحم الضأن تأكله الكلاب نرمي لحم الضأن للكلاب عندنا والأسود يموتون جوعاً، فإنا الله وإنا إليه راجعون!

стр. 652

تعليم الناس وتذكيرهم بفضائل هذا الشهر وما يجب عليهم فيه فنريد -أيها الإخوة- أن نفهم زوجاتنا وأولادنا في بداية شهر رمضان لما تقدم لك كشف الحساب فإن قلت: نأتي بشربة فقل: آتي علبة أعطنا مكرونة أعطيكم علبة، أما أن أعطيكم كرتون شربة، شخص طلبت منه امرأته كرتون قطر الموز؛ قطر الموز العلبة الواحدة تكفي شهرين، لأنها قطرة ريحة على المحلبية، لكن تريد كرتون الدنيا كلها تكرتنت لا حول ولا قوة إلا بالله، وجاءك (الكرتون) هذا الزوج، وذهب يملأ كراتين وامتلأت الدنيا وضاع ديننا وضيعننا أموالنا في شهوات بطوننا، وما عرفنا إلا أن شهر الصوم شهر الأكل فقط، لا قل لها هذه ثلاثة آلاف ريال أو ألفين مصروف البيت لكن نريد أن نبقي شيئاً لله ، فنريد أن نفطر إخواننا المجاهدين الأفغان، وهناك مشروع عند الإخوان هنا إنه إفطار الأسرة في الأفغان ثلاثين يوماً بثلاثمائة ريالٍ، كل يوم بعشرة ريالات، نصف دجاجة بخمسة ريالات، وكيلو أرز بريال ونصف، وكيلو دقيق بريال ونصف المهم عشرة ريالات، اعملي وجبة كاملة فطور وسحور لأسرة مكونة من خمسة أو ستة أفراد في أفغانستان بثلاثمائة ريال كل يوم عشرة ريالات، هل تريد أن تفطر أسرة وتنال أجرها، ومن فطر صائماً كان له مثل أجره دون أن ينقص من أجره شيئاً، أي نعم، قل: أريد أن أفطر عشر أسر أو خمس أسر هذه ثلاثة آلاف ريال ألف وخمسمائة نأكلها، وألف وخمسمائة نفطر بها إخواننا المجاهدين ونأكلها بين يدي الله يوم القيامة، هذا أعظم عمل، هذه واحدة. أيضاً فهم الناس من شهر رمضان أنه شهر السهر وشهر اللعب، فبمجرد دخول الشهر يبدءون في تنظيم (البشكات)، وتسجيل وإقامة الحلقات، حلقات (البلوت) والسهر على الأرصفة، والمقاهي، والكرنيش، من أجل أن يسهر يقول: نريد أن نسهر في رمضان، فيسهر على غير طاعة الله وعلى غير ذكر الله ، بينما كان المفروض عليه أن يسهر في قيام وذكر، وعبادة، وبقية النهار يشتغل في أمور حياته، لا تقل الليل سهر والنهار نوم فمتى نحس بالصوم؟ وهذه مصيبة لا حول ولا قوة إلا بالله.

стр. 653

دعوة الغارقين في الدنيا للرجوع إلى الله أيضاً هناك مسئولية على إخواننا الدعاة الطيبين الملتزمين أمثالكم تجاه إخواننا الذين يجلسون في الأرصفة، والكرنيش، والمقاهي أن نحمل لهم الدعوة يعني: لما تنظر إلى مجموعة من الشباب أربعة أو خمسة وهم جالسون يدخنون أو (يعزفون على العود) أو معهم طبل، أو جهاز، أو يسمعون أغانٍ، أو يلعبون ورقة وأنت معرض، مر على أي مكتبة إسلامية واشتر لك أربعة أو خمسة أشرطة على عددهم وبعد ذلك وزعها عليهم، وإذا كان لا يوجد معك نقود قف عليهم وقل: السلام عليكم، طبعاً يقولوا: وعليكم السلام، بعد ذلك ربما يقولوا: ماذا تريد؟ ويظنون أنك تتغير عليهم أو تأتي تشتكيهم أو تريد أن تأخذهم إلى (الهيئة) أو غير ذلك، أي نعم أنت من حين تقف قل: السلام عليكم، واضحك لهم، مثل الطبيب الذي يضحك للمريض، هم سوف يقولون: وعليك السلام، ماذا تريد؟ قل: لا شيء أنا زميلكم وأخوكم في الإسلام مررت وأريد أن أجلس معكم أتسمحون لي أن أجلس معكم، سوف يقولوا: تفضل، لماذا؟ لأنك أتيتهم بأدب من حين ما تجلس معهم قل لهم: كيف حال الإخوان طيبون ماذا تعملون والله نلعب، جيد! أنا أريد أن ألعب معكم ما رأيكم؟ أنا أريد ألعب ماذا تلعبون؟ بلوت؟ أوه! أنا حريف في البلوت، ها ألعب معكم؟ قالوا: إيه تلعب معنا، ينبسطون لك، قل: حسناً قبل اللعبة عندي كلام ممكن كلمتين فقط، يقولون: تفضل تعطيهم وتقول: يا إخواني! ما هذه الحياة؟ ولماذا نعيش؟ على ظهرها؟ ولماذا خلقنا الله؟ وكيف مصيرنا يوم نموت ونلقى الله؟ هذا الكلام لما تدخله في قلوبهم ما سمعوه وما سمعوا شريطاً وما حضروا محاضرة، مساكين مضللين، يدخل الكلام في قلوبهم يقومون معك إن شاء الله، بعد ذلك بعد ما تنتهي قل: أريد أن ألعب لكن لا أستطيع يا إخوان، تسمحوا لي أن أنصرف، فيقولوا: تفضل، أنت أقمت عليهم الحجة، يأتي آخر بعدك ويقعد معهم ويعطيهم كلمتين، ويأتي الثالث يقولون: طيب الناس كلهم كذا ونحن نلعب والناس على الدين، والإيمان، والعمل الصالح، لماذا لا نكون مثلهم، والله هذا كلامهم صحيح، يبدءون يشترون شريطاً يسمعون كلاماً طيباً ويحضرون المحاضرات ويذهبون إلى المسجد. هذه -أيها الإخوان- مسئوليتنا تجاه هؤلاء، وليس بالضرورة أن يهتدي كلهم على يديك لو الجلسة فيها خمسة أشخاص وواحد استمع منك طيب، وإذا لم يستمع إليك أحد فقد برئت ذمتك وأعذرت إلى الله .

стр. 654

التوسع في تهذيب الأخلاق في رمضان شيء أختم به المجلس وهي قضية التوسع في الأخلاق في رمضان، رمضان شهر تهذيب الأخلاق، والانتصار على النفس، والتمرد على الشهوات والمباحات، والحلال فضلاً عن الحرام، ولذا جاء في الحديث وهو في الصحيحين قال: (فإن سابه أحد فليقل: إني صائم) أخلاقك هادئة، وأعصابك باردة، ولا أحد يستثيرك أبداً، وإذا أغضبك شخص واستثارك لا تغضب عليه ولا تنفر منه؛ لأنك صائم، وإنما تقول: جزاك الله خيراً، سامحك الله -يا أخي- أنا صائم ولا أستطيع أن أقول شيئاً، لماذا؟ لأنك متمرد على الشهوات، فكيف تقع في هذا، لكن الواقع الآن والذي يحصل أن الناس كلهم غاضبون في رمضان، لا تقرب منه سيذبحك، يا ويلك إن دخلت على مدير إدارة أو موظف تراجع بعد الظهر، حتى الفراش يقول: لا تدخل عليه الآن؛ لأنه صائم ورمضان كريم، فيضع عمامته على فمه، وإذا أتيت تنظر إليه وتسلم عليه ما يرد السلام، لماذا؟ قال: رمضان كريم، اذهب عنا، رمضان كريم يعني تضارب الناس، من أجل أن بطنك خاوية، يعني: الذي يتحكم في أخلاقك ومشاعرك بطنك، إذا كانت بطنك ممتلئة أنت مبسوط، وإذا بطنك ليس فيها شيء فأعوذ بالله. رمضان كريم يعني أخلاقك كريمة، مراجع غضبان من مراجعته، ودخل عليك وأنت جالس في المكتب وقال: أنت مقصر وأنا كل يوم آتي ما ألقاك والله أشتكيك، وأنت صائم ماذا تقول له؟ تقول له: جزاك الله خيراً، صدقت أنا مقصر، وأنا فعلاً عندي ظروف، وأنا صائم الآن لا أستطيع أن أرد عليك، أين معاملتك يا أخي؟ معاملتي عندك يا شيخ! أنت الذي أخرتها، أنجزها الآن أين هي؟ وأذهب لمتابعتها حتى أنجزها له، لماذا؟ لأني صائم ما أنتقم منه، لكن عندما أكون شكلاً آخر أين معاملتك؟ عندي. طيب تعال غداً وذهب يبحث لها ومزقها، وذهب لصاحب الوارد قال المعاملة رقم كذا أتتني كذا استلمتها أنا، قال: نعم استلمتها توقيعك عليها، قال: لا ليس توقيعي هذا، هذا مقلد عليه، ما رأيتها وهو قد مزقها، فإذا جاء المراجع من غده قال له: المعاملة عندك. قال: ليست عندي. قال: موقع عليها، قال: ذهبت أمس أبحث عنها أو انظر توقيعي فإذا هو ليس بتوقيعي، شخص ضيعها وزور التوقيع، لماذا؟ وهو يقول: إنه صائم هذا الكذاب، يمزق معاملات المسلمين ويعمل غشاً على الناس ويكذب على الله، لماذا؟ لأنه ما عرف الصيام حقيقة. فنريد -أيها الإخوة- أن نفهم من الصيام أنه تهذيب للأخلاق ورفعة للنفس وإعطاء وبذل، وفي الحديث: (كان رسول الله ﷺ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان، فلهو أجود بالخير من الريح المرسلة). هذه -أيها الإخوة- بعض المعاني عن رمضان الكريم.

стр. 655

نصيحة للمدخنين في استغلال شهر رمضان بترك التدخين نصيحة لإخواننا الصالحين الذين نحبهم في الله، والذين هم مبتلون بالدخان أو الشيشة إلا أن معهم الآن فرصة للتوبة إلى الله منها في رمضان، فكما استطاع أن يمسك عنها من السحور إلى الإفطار كم ساعة؟ أربعة عشر ساعة، ونفسه ماشية مثل الحمار لا تقول كلمة، لماذا؟ لأنه قهرها، هل يستطيع في الظهر أن يأخذ له سيجارة؟ لا يستطيع ولو نفسه توسوس لا يستطيع يوسوس لماذا؟ لأنه منتصر عليها، لكن إذا أفطر أتت إليه وقالت: هيا أفطرت، لا قل: الذي حرمها وأنا صائم يحرمها وأنا مفطر، إلى متى، والله ما أشربها، واليوم الثالث أو الرابع يأتيك صداع وزكام خذ لك حبة نعناع في جيبك، ومسواك وادع الله، وسلمت من عذاب الله ووفرت صحتك ووفرت مالك وأرضيت ربك، وكنت قدوة صالحة لأولادك، وكنت قدوة صالحة لمجتمعك، وصرت رجلاً ربانياً طيباً، أما دخان تدخن على من؟ تحرق ريالك وتغضب ربك، وتخرب جوفك، وتقوي مصانع الأعداء؛ لأن أكثر مصانعهم دخان؛ لأنهم خبثاء ما عندهم إلا خبث -والعياذ بالله- وتكون قدوة سيئة لأولادك ودينك كل هذا خسارة عليك سواء شيشة أو دخاناً؛ لأن بعضهم يقول: أبشرك تركت الدخان لكن وقعت في الشيشة، هذه ألعن من تلك -والعياذ بالله- وكلها خبيثة والله حرم الخبائث وقال: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف:١٥٧]. - وفي الختام -أيها الإخوة- هذا كتاب جاءنا من فضيلة الشيخ شيخنا وحبيبنا الشيخ/ سعيد بن عبد الله الدعجاني حفظه الله، ومتعنا بحياته، وبارك في عمره، وهو مشرف الآن على مشاريع خيرية في هذا البلد، ومن ضمنها المشروع الخيري لإعانة الشباب المتزوجين، وهذا المشروع -أيها الإخوة- سبق أن تكلمت معكم فيه وقلت: إنه من أهم المشاريع الخيرية التي ينبغي أن نساهم فيها، وأن يكون لنا دور في دعمه، وأن يكون لنا ولو لبنة واحدة في بناء أسرة مسلمة؛ لأن الشاب الذي يريد أن يعف نفسه ويكمل دينه وليس له مال، ثم يأتي الصندوق فيمده بقرض، أو يعطيه إعانة ولك منها عشرة ريالات، أو خمسة، أو خمسون، هذه لبنة في بناء أسرة إسلامية قامت على دين الله لك ثوابها إلى يوم القيامة، فنرجو منكم المساهمة وهناك صناديق ستكون عند الأبواب للمجاهدين الأفغان ولهذا المشروع. وأسأل الله أن يتقبل منا ومنكم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

стр. 656

قوارب النجاة إن كثيراً من الناس اليوم يبحثون عن قوارب النجاة في هذه الحياة الدنيا التي هي دار فناء، فمنهم من يريد أن يؤمن مستقبله، ومنهم من يريد أن يؤمن عيشة أولاده إلى غير ذلك، ولكن القليل منهم من يبحث عن قوارب النجاة التي توصله إلى الآخرة القارب الذي ينجي العبد من ساحل جهنم ويدخله إلى جنة الله سبحانه، وإن من أعظم القوارب المنجية تلاوة القرآن الكريم وتدبره، وإقامة الصلاة كما شرعها الله سبحانه، وذكره سبحانه في كل وقت.

стр. 657

سبيل النجاة في الدنيا والآخرة الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أولاً: أشكر رئيس نادي الوديعة وهيئة الإدارة على إتاحة هذه الفرصة المباركة؛ لنلتقي في هذه الليلة المباركة في سمر إيماني رمضاني نصل فيه عبادة الصيام بعبادة التراويح والقيام، بعبادة السمر الإيماني في روضة من رياض الجنة تحفنا فيها الملائكة، وتغشانا الرحمة، وتنزل علينا السكينة، ويذكرنا الله فيمن عنده؛ لأن التكامل في حياة المسلم مطلوب، وهو يعيش في هذا الشهر العظيم حياة روحية عظيمة يقضي يومه في الصيام، ثم يقضي جزءاً من ليله في التراويح والصلاة والقيام، وهو أيضاً مطالبٌ بأن يقضي سمراً مفيداً نافعاً له في دينه ودنياه، فجزى الله الإخوة القائمين على أمر النادي خيراً. وفي الحقيقة هذا هو الوضع الطبيعي للأندية، وهذه هي الوظيفة الرئيسية لرعاية الشباب؛ لأن النادي مركز تربوي يهتم برعاية الشباب اهتماماً متكاملاً في جميع مناحي الحياة، لا يغلب جانباً على جانب، يهتم بأرواح الشباب وبعقائدهم وبدينهم وبإيمانهم وبثقافتهم، كما يهتم بأجسادهم وأجسامهم، والناس يفهمون رسالة الأندية فهماً خاطئاً، ولذا يقصرونها في الجانب المادي، وأن النادي فقط مركز لتربية الأجساد، ولا يظنون أن من واجبه أيضاً حماية الأرواح؛ لأن الجسم لا قيمة له إلا في ظل صلاح الروح. يا خادم الجسم كم تسعى لخدمته أتطلب الربح مما فيه خسران أقبل على الروح واستكمل فضائلها فأنت بالروح لا بالجسم إنسانُ الروح راكب، والجسد مركوب، والإكرام دائماً للراكب، فإذا أكرمت المركوبة وأهين الراكب كان هذا قلباً للحقائق، فلو كنت ضيفاً وجئت إلى مضيفك كان الناس في الماضي على الحمير والجمال والبغال، فمن إكرام الضيف: إكرام دابته، لكن إكرام الضيف بما يليق به، وإكرام الدابة بما يليق بها، لكن ما ظنكم لو أن ضيفاً أتى على دابته إلى مضيفه فأدخل الدابة في المجلس، وأخذ بيدك وأدخلك في الصالة وربطك برجلك ووضع لك علفاً، وأخذ الحمار وأدخله المجلس وأعطاه الرز واللحم، هل هذا عرف حقيقة الأمر؟ ولو ادعى وقال: يا أخي! أنا أكرمك، تقول: صحيح أنت تكرمني لكن لا تعطيه كرامتي، أكرمه بما يليق به، وأكرمني بما يليق بي. وكذلك هذا البدن مركوب، والراكب الروح، فإذا أكرمنا ونعمنا وريضنا وعالجنا وحفظنا الجسد، ثم أهملنا الروح، بل ليتنا أهملناها فقط، وإنما سممناها، وقتلناها ونحرناها وعذبناها، عاش الإنسان في قلب للموازين، يعيش في عذاب بروحه مهما تنعم جسده، وهاهي البشرية تعيش هذا العذاب، يقول الله : ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً﴾ [طه:١٢٤] وإن سكن العمارات، وامتطى أحدث الموديلات، وتزوج أجمل الزوجات، وامتلك ملايين الريالات؛ لأنه إنما يرفه بهذه الإمكانيات عن كائنه الجسدي، أما كائنه الروحي وهو أهم شيء في عنصريه فلن يجد سعادة إلا في ظل الدين والإيمان الذي إذا فقده فقد السعادة. وها هي البشرية اليوم تفقد سعادتها وهي تعيش في أوج قمتها المادية، حطمت المادة وسخرتها وفجرتها، واستخدمتها أعظم استخدام، وحققت من الإعجاز والإنجاز العلمي ما يبهر العقول، ولكن على حساب الروح، المادة في تطور والروح في تأخر، فماذا حققت؟ حققت الشقاء والعذاب، وها هم في أوروبا وأمريكا والدول المتطورة يعيشون حياة القلق، حتى يقول علماؤهم ومفكريهم بأنهم لا ينامون إلا بفعل الحبوب المخدرة، لا يوجد نوم، قلق مستمر وعذاب، وهذا وعد الله حين يقول: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه:١٢٤]. فبناء الشباب في الجزئيتين المتكاملتين: بناء روحه عن طريق الثقافة الإسلامية، والمحاضرات الإيمانية، وإقامة الشعائر الدينية، هذا مطلوب في النادي كمركز تربوي، إلى جانب حماية جسده عن طريق الألعاب الرياضية التي لا تتعارض مع مبدئها الأصلي الذي هو عقيدته ودينه وإسلامه، هذا هو واجب الأندية، والحمد لله أننا نلمس هذا الاتجاه بشكل واضح في جميع الأندية الموجودة في المملكة مما يدل على اهتمام القائمين على أمرها، فبارك الله فيهم وفي جهودهم، ونسأل الله أن يحقق الخير لأبناء المسلمين على أيديهم إنه على كل شيء قدير. أما محاضرة هذه الليلة؛ فهي بعنوان: "قوارب النجاة" هذه الحياة -أيها الإخوة- بحر هائج ومحيط متلاطم ينزله الإنسان؛ فإما أن يسبح فيه وينجو، وإما أن يهلك فيه ويغرق، ولا خيار للإنسان حينما جاء إليها، يقول أحدهم: جئت لا أدري من أين ولكني أتيت ولقد أبصرت قدامي طريقاً فمشيت وسأبقى سائراً إن شئت هذا أم أبيت كيف جئت؟ كيف أبصرت طريقي؟ لست أدري ولماذا لست أدري؟ لست أدري جاء إلى هذه الحياة وهو لا يدري لماذا جاء إليها، ولا إلى أين سيذهب بعد أن يؤدي دوره على مسرحها؛ فتولد عن هذا الجهل العذاب والشقاء والضلال والحيرة والقلق والاضطراب، مثل من يعيش في صحراء لا يدري إلى أين يتجه، هذه الحياة -أيها الإخوة- جئنا إليها، ونحن على يقين أننا سننتقل منها، ونحن مسافرون منذ أن وطئت أقدامنا على ظهر هذه الحياة، وما من يوم يمر ولا ساعة ولا شهر ولا سنة تدور إلا ونحن نقطع مرحلة من مراحل أعمارنا على هذه الحياة، ونقترب من المصير المحتوم الذي سنفاجأ به في نهاية المطاف وهو الموت، وهناك ننزل من مسرح الدنيا ونعامل في الآخرة على ضوء سلوكنا في هذه الدار، إما إلى الجنة وإما إلى النار. الموت باب وكل الناس داخله يا ليت شعري بعد الباب ما الدار وقال الآخر: الدار جنة عدن إن عملت بما يرضي الإله وإن خالفت فالنار هما محلان ما للمرء غيرهما فاختر لنفسك أي الدار تختار ليس هناك في الآخرة من دار إلا الجنة أو النار، وأنت في هذه الدنيا تسير، وسيرك فيها يجب أن يكون فيه نوع من التوقي والحماية؛ لأنك معرض فيها لمعاطب ومشاكل، والله أوجدك على ظهرها وجعل لك هذه المعاطب، وأمرك بالتوقي وبالتقوى حتى تصل سالماً إلى جدار الموت، أما إذا لم تتوق ووقعت في حفرها وأشواكها وحبائلها وزجاجاتها ومعاطبها؛ فإنك سوف تعطب، وسوف تنالك هذه الجروح، ولكن لن تشعر بها إلا إذا وقفت عند الموت تريد النزول وإذا بك معطل من كل جانب، عينك وأذنك ويدك ورجلك معطلة ومسمومة بالحرام، وإذا بك مدمر في كل جزئياتك، وهناك تطلب الرجعة من أجل التصحيح، فلا يستجاب إلى طلبك، كما قال : ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون:٩٩] يطلب الرجعة ليصحح الوضع مع الله وليتق الله، لكنه فوت الفرصة فلا مجال له، قال : ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون:١٠١]. هذه الحياة يشبهها العلماء بالبحر المتلاطم، وليس من وسيلة للنجاة فيها إلا عن طريق قوارب النجاة، والقوارب موجودة ومتوفرة، وبإمكان كل من أراد أن ينجو من محيط هذه الحياة وبلياتها ومصائبها أن ينجو، وإذا تعلق وركب في القوارب نجا، وإذا أهمل الأسباب وعطل الوسائل وعاش معتمداً على الأماني هلك، والطالب في الجامعة أو المرحلة الثانوية أو المتوسطة أو الابتدائية يهتم بالدراسة من أول العام، ويحصل ويجتهد، ويحل الواجبات، ويحضر المحاضرات، ويلخص الدروس، ويراجعها أولاً بأول، ويستعد للمذاكرة، حتى إذا جاءت ساعة الصفر ودخل صالة الامتحان كان معبأً بالمعلومات التي اكتسبها خلال عامه الدراسي، فيجيب على الأسئلة، ويقدم الورقة مملوءة بالإجابة الصحيحة، ويتوقع النجاح والتقدم في درجات العلم، هذا هو المنطق؛ لأنه أخذ بالأسباب، وركب في قوارب النجاة من الامتحان. لكن ما ظنكم في طالب بليد مهمل لم يحضر درساً، ولم يتابع محاضرة، ولم يحل واجباً، وإنما اكتفى بالأماني واللعب والفوضى والبلادة وعدم المتابعة، وفي آخر العام حينما علق الجدول قيل له: هذا الجدول علق، انتبه، قرب الامتحان، قال: دعونا من التعقيدات ودعونا نعيش فقط، إذا جاء الامتحان يفرجها الله، وأخذ الجدول ومزقه، وفي أول يوم من أيام الامتحان أخذ قلمه وذهب إلى الامتحان وعقله فارغ من المعلومات ودخل إلى الصالة، وحينما قعد على الطاولة وسلم ورقة الأسئلة وقرأها، وإذا به لا يعرف جواباً ولا حرفاً واحداً، فما كان منه إلا أن رفع إصبعه ودعا رئيس اللجنة، وقال: من فضلك أريد أن تعطيني ساعة أخرج إلى الخارج أنظر في الإجابة وآتيك، ما رأيكم هل يطيعونه في الدنيا؟ ما سمعنا بهذا، ما رأيكم لو أطاعوه؟ لو أن رئيس اللجنة أخذته الرحمة، وقال: ما دام أنك تعبان ولا تعرف فلا مانع، هذه الورقة ولك ساعة واحدة، خذ الدفتر وأجب على الأسئلة وتعال بها، هل تبقى هناك قيمة للامتحانات؟ السنة الثانية الطلاب جميعهم لن يذاكرو، ويقولوا: سنفعل مثل زميلنا هذا، ونأتي في آخر السنة ونطلب من الأستاذ ونخرج فنجيب على الأسئلة لماذا نتعب طوال العام؟ وبالتالي تتحطم العلوم والمعارف، ولا يبقى علم أبداً في الأرض، لماذا؟ لأن الناس سيكونوا جهلة، يحملون شهادات فارغة من المضمون؛ لأنهم ما ذاكروا ولا درسوا، وإنما يجلسون يلعبون إلى آخر السنة، ومن ثم ينقلون الأسئلة من كتاب الإجابة ويحضرونه وهم لا يفهمون ما فيه، هذا لا يصير أبداً في عرف الناس، فكيف يمكن أن يصير عند الله ؟ كيف تتصور أن تعيش عبداً لشهواتك، وملبياً لرغباتك، ومعانداً لمولاك، وقاطعاً لبيوت ربك، هاجراً لكتاب ربك، ثم تتمنى الأماني وتقول: الآخرة إن شاء الله يحلها حلال، مثلك كمثل هذا الطالب البليد الذي لن يجاب إلى ما يطلب، كما قال الله عنهم أنهم يقولون إذا دخلوا ال

стр. 658

حال فريق اليمين والشمال يوم القيامة لا تظنن أنك مضيع، والله ما من كلمة ولا خطوة ولا عمل تعمله إلا وهو مسجل عند الله ، يقول الله : ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ﴾ [المجادلة:٦] أنت نسيت كل شيء في حياتك، هل تذكر شيئاً مما تم خلال ذلك اليوم من أعمالك؟ هل تذكر المعاملات التي مرت عليك؟ هل تذكر ماذا تسحرت أو أفطرت، ومن قابلت أو زرت وزارك؟ لا، بل تنسى، هل تذكر قبل شهر أو قبل سنة أو قبل سنواتك كلها؟ لا. لكن الله لم ينس شيئاً: ﴿فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ﴾ [المجادلة:٦] نسيت لكن الله لا ينسى: ﴿فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى﴾ [طه:٥٢] كل شيء مسجل ستجده بين يديك في يوم القيامة؛ فإما أن ترفع رأسك: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً﴾ [آل عمران:٣٠] وتأخذ كتابك بيمينك وتقول: ﴿هَاؤُمُ اقْرَأوا كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة:١٩] مثل الطالب المجد الذي يأخذ شهادته ويرفعها وهو في الطريق، بعض الطلاب وهو يمشي في الطريق لا يعرف أحداً لكن يري الناس وهم لا يعرفوه، يقول: أنا ناجح، ونحن ما علينا منك ولو أنك ناجح، أنا أذكر مرة إنى كنت سائراً في الشارع وإذا بأولاد خرجوا من المدرسة يبشروني وأنا لا أعرفهم وهم لا يعرفوني، لكن من شدة فرحتهم بالنجاح كل واحد يقول: أنا ناجح، قلت: مبروك. فيقول الإنسان يوم القيامة: ﴿هَاؤُمُ اقْرَأوا كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٠] هذه شهادتي: ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٠] فعملت صالحاً: ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة:٢١ - ٢٤] ليس كلوا واشربوا بما فكرتم، أو جمعتم، أو أخذتم من مناصب، أو وفرتم من جاه، لا. هذه لا تنفع عند الله يوم القيامة ولا تسقي صاحبها ماء، جاهك ومنصبك ونسبك ومالك وأولادك ومنزلتك وسمعتك، دعاية الناس لك، وثناء الناس عليك، ومحبتهم لك لا ينفع عند الله شيء إلا العمل الصالح. والعمل السيئ يضر، فيقولون: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ بالأرصدة التي عملتموها في أيامكم الخالية. ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ﴾ [الحاقة:٢٥] أخذ الشهادة باليسار، فلا يري الناس، مثل الطالب الذي يأخذ شهادته، وإذا بها مملوءة بالدوائر الحمراء، راسب! ما رأيكم يذهب يريها أهله؟ لا. يأخذها ويضعها في جيبه، وإذا ذهب إلى البيت، قالوا: بشرنا، عساك ناجح، قال: لم تظهر النتيجة، وهو يعرف أنها ظهرت، لكن يريد يمهد للفشل، وذهب اليوم الثاني ورجع إليهم، هاه؟ قال: ظهرت، قالوا: بشر، قال: يقولون إنهم سمعوا اسمي، قالوا: إن شاء الله خير غداً تتأكد، وذهب غداً وأهله ليسوا فرحين عرفوا أن فيها شيئاً، من يوم أتى بالخبر من أول يوم لا يوجد خبر صحيح، جاء في اليوم الثالث، هاه؟ قال: الحمد لله أبشركم كلها تمام ما عدا مادتين فقط، الحمد لله، يحمد الله على الفشل الغبي، ولكن والده نظر وإذا بها ثمان! ما المقصود بالمادتين؟ قال: المادتان صعبة أما البقية فهي يسيرة، هذا البليد في الدنيا يخجل من الناس ومن أبيه وأمه؛ لأنه سقط، وسقطة الدنيا يسيرة، مثل الذي يسقط من على الطاولة إلى الأرض، هناك دور ثانٍ، وإذا لم يكن هناك دور ثانٍ فهناك سنة ثانية، وإذا لم يكن هناك سنة ثانية فالدراسة ليست ضرورية، أذهب وأتوظف ولو حتى في حجر وطين. لكن سقطة الآخرة سقطة من الدرجات العلى إلى دركات النار، سقطة ما بعدها سقطة، ليس هناك درجة ثانية ولا دور ثانٍ ولا غرفة ثانية، وإنما نار وعذاب أبدي نعوذ بالله من النار. فهذا الذي يأخذ شهادته بشماله وكتابه الذي عبأه ولطخه بالجرائم والمنكرات والمعاصي والسيئات، فإذا رآه، قال: ﴿يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٥] يتمنى أنه ما رأى هذه الشهادة: ﴿وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٦] يقول: ليتني لم أعلم عن هذا الحساب، ولا نوقشت إياه، ولا اطلعت عليه: ﴿يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ﴾ [الحاقة:٢٧] يتمنى أنه قضي عليه ولم يبعث: ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٨] يتذكر ما الذي كان يشغله في الدنيا عن الدين وإذا به المال، أو السلطة والوظيفة والمنصب: ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٩] يقول: ذهب مني المال ولم يغن عني، وهلك عني السلطان ولم ينفعني، فيقول الله للزبانية: خذوا هذا الدجال الكذاب الذي كان يلعب على الحبلين، يلعب في الدنيا ويريد الآخرة بدون عمل: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ﴾ [الحاقة:٣٠] والغل هو: وضع القيد في الرقبة واليدين والرجلين، يقول الله: ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ﴾ [الرحمن:٤١] أي: تربط ناصيته في قدمه، ثم يوضع في قيد واحد برقبته: ﴿ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ [الحاقة:٣١] أي: أوصلوه في النار: ﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ﴾ [الحاقة:٣٢] السلك هو: إدخالها من فمه وإخراجها من دبره، من أجل أن يشتوي في النار، وكأن قائلاً يقول: يا رب! ما فعل هذا؟ فقال : ﴿إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ﴾ [الحاقة:٣٣] ما عنده تصديق بلقاء الله، الذي لا يعمل صالحاً ما آمن بالله، والذي يعمل المعاصي والمنكرات ما آمن بالله، لماذا؟ لأنه لو آمن وصدق لعمل وانتهى. الآن الموظف عندما يؤمن بصرامة المدير ومراقبته على الدوام وأنه دقيق، من السابعة والنصف ليس هناك أحد يوقع إلا من عنده، تجد كل الموظفين يأتون الساعة السابعة والنصف، لكن إذا عرفوا أن المدير يأتي الساعة التاسعة، يأتون هم الساعة التاسعة إلا خمس، ويوقعون الساعة السابعة والنصف؛ لأن المدير يأتي الساعة التاسعة، لكن لو أن المدير يأتي الساعة السابعة ونصف، ويقول: يا فلان ادخل أحضر الكشف، ويقول: التوقيع من على طاولتي، لا أحد يوقع من عند السكرتير، وكل موظف يأتي ينظر إليه كم الساعة يا فلان؟ ثمانية، ضع ثمانية، ثم يفرغ جدول الموظفين هؤلاء في ورقة صغيرة، ويقول: على شئون الموظفين اعتماد الحسم على التالية أسماؤهم: فلان الفلاني يوم كامل ويعطيه، ما رأيك في شعور الموظفين، من غد هل يأتون من الساعة السابعة والنصف؟ وربما من السابعة تجده على الطاولة، لماذا؟ آمن بالعقوبة، وعرف أن هناك حسم وأنه يوجد مدير حازم، لكن إذا كانت الأمور تمشي بتساهل تجد نصف الدوائر الآن يأتون الساعة التاسعة والتاسعة والنصف والعاشرة، ما أتى الفراش ليفتح فضلاً عن الموظف أو المدير، لماذا؟ أمنوا العقوبة فأساءوا العمل. وكذلك الذي يأمن العقوبة في الآخرة يسيئ العمل، لا يعمل صالحاً ولا ينتهي عن محرم؛ لأنه ما آمن حقيقة فيقول الله: ﴿إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ * وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ * فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ * وَلا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ * لا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ﴾ [الحاقة:٣٣ - ٣٧]. - قوارب النجاة في الحياة الدنيا: فإذا أردت النجاة فعليك بقوارب النجاة، هذه القوارب الثلاثة أخذتها من آية من كتاب الله في سورة العنكبوت الآية رقم (٤٥) يقول الله موجهاً الأمر للرسول ﷺ الذي بعثه الله رحمة للعالمين، وما وجه له من الأوامر فهو موجه بالتالي لأتباعه، يقول الله له: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [العنكبوت:٤٥] هذا القارب الأول ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت:٤٥] هذه هي قوارب النجاة الثلاثة، تلاوة الكتاب الكريم، وإقامة الصلاة، وذكر الله .

стр. 659

من قوارب النجاة تلاوة القرآن الكريم وتدبره أما تلاوة القرآن فللآتي:

стр. 660

سبب كون القرآن من قوارب النجاة لأن الكتاب هو الذي ربط الأرض بالسماء، فبعد نزول القرآن على النبي ﷺ أصلح الله الأرض، قال الله عز جل: ﴿وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا﴾ [الأعراف:٥٦] بم أصلحت الأرض؟ أصلحت بالرسالة، وبتعاليم السماء، والتوجيهات الربانية، كانت الأرض عبارة عن غابة، شريعة الغاب هي التي تحكمها، القوي يأكل الضعيف، سلب وقتل ونهب، وزنا وخمور وفجور، وجور وميسر وقمار كل ما شئت من المعاصي موجود في الأرض، لماذا؟ لأنه لا توجد شريعة تحكم، ولا توجيهات توجه من الله. حتى بعث الرسول ﷺ ونزل عليه الكتاب الكريم، فأصلح الله الأرض بتعليمات السماء، وضبط مسارات الناس، وجعل لكل واحد مساراً، عينك لها مسار تنظر بها في مساراتها، لا تنظر بها إلى شيء آخر، عينك هذه أمانة في رأسك، يقول الله : ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد:٨ - ١٠] مادامت العين لله وليست لك، ولا ركبتها أنت في رأسك، ولا اشتريتها من السوق، بل هي من الله، فالله هو مالكها وآمرها، أمرك الله بأمر ونهاك عن نهي ما هو؟ أمرك أن تنظر بعينك هذه في ملكوت السماوات والأرض، قال : ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [يونس:١٠١] ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾ [ق:٦]، وأمرك بأن تنظر بها في مصالحك، وأن تنظر بها في كتاب ربك وفي سنة نبيك وفي هديك وتعاليم إسلامك، ونهاك أن تنظر بهذه العين إلى ما حرم عليك، لا تنظر بها إلى محارمه؛ لأن الله يغار على محارمه، ومحارمه أن تأتي ما حرم، لا يجوز لك أن تطلق عينك في امرأة لا تحل لك، لماذا؟ لأنك تعذب قلبك. والمرء ما دام ذا عين يقلبها في أعين الغير موقوفاً على الخطر يسر ناظره ما ضر خاطره لا مرحباً بسرور عاد بالخطر فأنت إذا فتحت عينك على النساء رأيت أشكالاً وألواناً وموديلات جديدة، ومن ثم لا تقدر عليها ولا تصبر عنها، وبالتالي تنعكس على قلبك الهموم والمشاكل وتعيش معذباً، وأكثر الذين يفتحون عيونهم في الحرام الآن يعيشون في عذاب، يخرج من بيته وليس في قلبه هوىً واحداً، لكن يذهب إلى السوق أو المعرض ويرى واحدة فترميه بعينها ويرميها بعينه، فيرجع إلى البيت وهو مريض، لا يتعشى ولا ينام ولا يفعل شيئاً، ما بالك؟ قال: آه، الله المستعان! ماذا حصل؟ ما الذي احترق في الدنيا؟ احترق قلبه، ما الذي أحرق قلبه؟ النظرة المحرمة: كم نظرة فعلت في قلب ناظرها فعل السهام بلا قوس ولا وتر وأنت إن أرسلت طرفك رائداً لقلبك يوماً أتعبتك المناظر رأيت الذي لا كله أنت قادر عليه ولا عن بعضه أنت صابر ويقول الآخر: وأنا الذي جلب المنية طرفه فمن المطالب والقتيل القاتل فالله من أجل أن يحميك أنت ويحمي حرمات الناس حرم عليك النظر، وقال: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور:٣٠] وقد يأتي شخص ويقول: لماذا؟ قال الله: ﴿ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾ [النور:٣٠] والذي يعيش في تعليمات هذه الآية ويغض بصره ولا ينظر إلى الحرام يعيش في سعادة وفي راحة عظيمة ليس بعدها راحة. ولكن قد يقول قائل من الشباب: ماذا أعمل أنا؟ كيف أعمل بغرائزي؟ وماذا أفعل بإمكاناتي؟ أنا شاب وأحب الجمال، وأريد النساء وأريد أن ألتفت؟ نقول له: تلفت، لكن متى؟ أخِر النظر إلى أن تتزوج، فإذا تزوجت ودخلت عليك زوجتك في غرفتك وأقفلت الباب، ابلعها بعيونك، لماذا؟ لأنك تنظر إلى شيء بيدك، وفي إمكانك أن تصل إليه، ولكن عندما تلتفت إلى شيء بيد الناس، مثل واحد يموت جوعاً والناس معهم طعام في قدورهم، وهو جالس يشم، ما رأيكم هل الشم يغذيه ويشبعه؟ بل يقطع قلبه، ماذا نقول له؟ نقول له: قل: باعدوا قدوركم هذه منا، دعونا على خبزتنا وكسرتنا؛ فإن هذه الروائح قطعت قلبي، وما شبعت من الرائحة. ونحن نقول للناس: ذلك أزكى لكم، أن تغضوا أبصاركم عن الحرام؛ فإن من ملأ عينيه من الحرام ملأهما الله من جمر جهنم غضوا أبصاركم، واحفظوا فروجكم، وصونوا أسماعكم، ذلك أزكى لكم. فالله حينما أنزل القرآن ربط الأرض بتعليمات السماء، وأصبح الناس وهم في الأرض يعيشون، لكنهم يعيشون وهم معلقون بالله، عيونهم في الأرض لكنها عيون ربانية لا تنظر إلى حرام، أسماعهم في الأرض لكنها أسماع ربانية لا تستمع الحرام: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ [الإسراء:٣٦] ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصَاراً وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصَارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ [الأحقاف:٢٦] ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل:٧٨]. فبتلاوة الكتاب، وبالارتباط بالله عن طريق القرآن تنجو، لماذا؟ لأنك تصبح عبداً ربانياً لست عبداً شهوانياً شيطانياً تحكمك شهواتك، وتسيطر عليك غرائزك، وتسيرك نفسك، ويمشيك شيطانك، الآن الذي ينفلت شيء واقع ما للواحد خيار فيه، إما أن تلتزم بدين الله فتكن مع الله، أو تنفلت عن الدين فتكن مع الشيطان، كبديل لا بد منه، لا يوجد شخص يقول: لا والله أنا لا أريد أن ألتزم بدين الله، وأيضاً أنا أريد أن أبقى حراً من الشيطان، لا. ما من أمر لله إلا ويقابله أمر للشيطان، فلمن تكون؟ خير لك أن تكون لربك أم لعدوك؟ لخالقك أم لمخرجك من الجنة؛ الذي أقسم عليك أن يردك إلى النار، وقال: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص:٨٢]؟

стр. 661

التمسك بالقرآن الكريم نجاة يوم القيامة القرآن إذا تمسكت به وبتعليماته نجوت، يقول الله : ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى:٥٢] سمى الله القرآن روحاً ينفخ الله به الحياة في قلوب الناس: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ﴾ [الشورى:٥٢] أي: القرآن ﴿وَلا الْأِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ [الشورى:٥٢ - ٥٣] ويقول في القرآن الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [يونس:٥٧] أي: القرآن ﴿وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ﴾ [يونس:٥٧] في قلبك شيء من الأمراض علاجها في القرآن الكريم، الأمراض المعنوية، مرض الزنا والغناء والنوم خصوصاً نوم الصبح الذي يتغنى به الناس، لا يوجد في الشرع نوم الصبح، يوجد استيقاظ (بارك الله لأمتي في بكورها) لكن اليوم الناس يتغنون بنومة الصبح! حتى يقول بعضهم: نومة الصبح تسوى ملك كسرى وعداً يوه على وزن قصيدة: بالله عليك يا موزع شي معاكم بريد يوه كنت أسمع هذه القصيدة وأغني بها في السابق، والآن أفكر أقول: ما معنى كلمة يوه؟ لكن نسمع الأغاني ونردد كلماتها كالببغاء، ما موقعها من الإعراب (يوه)؟! فقال الثاني على وزنها: نومة الصبح تسوى ملك كسرى وعداً يوه لا والله ما عند المؤمن نومة الصبح، نومة الصبح هذه هي نومة الشيطان، يبول فيها الشيطان في أذن النائمين عن صلاة الفجر، ويقول لهم: نم عليك ليل طويل. إذا كان عندك في قلبك مرض من هذه الأمراض، مرض نومة الصبح والنظر إلى الحرام، واستماع الحرام، وحب الزنا، والربا، والرشوة، وشهادة الزور، وعقوق الوالدين فإن الشفاء في كتاب الله ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ * قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ﴾ [يونس:٥٧ - ٥٨] أي: القرآن ﴿وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس:٥٨] إذا فرح الناس بالمال فافرح أنت بالقرآن، وإذا فرح الناس بالوظائف والمناصب فافرح أنت بكتاب الله، إذا فرح الناس بالزوجات والأولاد فافرح أنت بالقرآن، وإذا فرحوا بالعمارات والسيارات فافرح أنت بالقرآن؛ لأن الله يقول: ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس:٥٨]. اتل القرآن ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [العنكبوت:٤٥] يقول الله في القرآن الكريم: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤] ويقول: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ [النساء:٨٢]. فأول وأهم قارب تسعد به في الدنيا والآخرة هو هذا القرآن، يقول الله فيه: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً﴾ [الفرقان:٣٢]. فإذا أردت أن تنجو عليك بكتاب الله، ووالله الذي لا إله إلا هو ما يعاني الناس اليوم من جفاف في الأرواح ومن فقر في القلوب والإيمان ما هو إلا نتيجة لبعدهم عن القرآن، وانظروا اليوم حينما يدخل رمضان ويتوجه الناس إلى المصاحف ويشترونها من المكتبات ويأتون المساجد ويقرءون كيف تتحول أخلاقهم، وتهدأ نفوسهم، وتنمو أرواحهم بأسباب قراءة القرآن، هل تتصورون شخصاً شريراً والقرآن في جيبه؟! هل تتصورون شخصاً عاصياً وهو يقرأ القرآن؟! لا. لكن إذا ترك الشخص القرآن تسلط عليه الشيطان. كالعيس في البيداء يقتلها الظما والماء فوق ظهورها محمول

стр. 662

كيفية توثيق الصلة بالقرآن كقارب نجاة إذا كنا نقرأ القرآن ونهجره ولا نعمل به فهذه مصيبة، فأول قارب ينبغي لك يا من تريد النجاة هو أن تُحكِم وتوثق صلتك بكتاب الله عن طريق خمسة أشياء. أولاً: تلاوة القرآن: لأن الله يقول: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً﴾ [المزمل:٤] والترتيل: هو قراءة القرآن بمعرفة الوقوف ومخارج الحروف، لا تقرؤه كما تقرأ جريدة أو تقرأ مجلة أو كتاباً، لا. هذا كلام الله يختلف عن كلام البشر، يقول الله: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر:١٧] تقرؤه كما أنزل، وتتلقاه كما ورد عن طريق عالم، وإذا لم تستطع فعن طريق المصحف المعلم، هناك أشرطة المصحف المعلم تضع الشريط والمصحف أمامك ويقرأ الشريط وتردد بعده، وتعرف بعد فترة -إن شاء الله- كيف تقرأ القرآن تلاوة. وليكن لك ورد يومي ليس أقل من جزء في كل يوم، إذ لا ينبغي لمسلم أن يمر عليه شهر دون أن يختم كتاب الله مرة واحدة، ومن لم يختم القرآن في الشهر مرة فهو هاجر لكلام الله والهاجر لكتاب الله سيكون عرضة للشكوى التي ستقدم فيه يوم القيامة من رسول الله ﷺ ، وقد ذكرها الله في سورة الفرقان، قال الله : ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً﴾ [الفرقان:٣٠] يجب أن يكون لك ورد يومي لا يقل عن جزء، وأحسن وقت للتلاوة بعد صلاة الفجر، وبعد صلاة العشاء، وبعد صلاة المغرب، وقبيل الصلوات الخمس، عندك فرص بفضل الله متاحة لك، إذا كنت في الدوام بمجرد أن يؤذن المؤذن أوقف كل عمل، حتى القلم الذي بيدك والمعاملة التي أمامك إذا سمعت الله أكبر، الله أكبر من كل شيء، إذا كنت في اجتماع قل: انتهى الاجتماع، بعض المدراء لا يعقدون الاجتماع إلا وقت الصلاة، فلا يوفق هذا الاجتماع؛ لأنه اجتماع عصي الله فيه بتضييع فريضة الله، لا. إذا دعاك الله لا تؤخر أمره؛ لأنه إذا دعاك المدير أو الأمير أو الوزير وأنت عندك اجتماع ما رأيك؟ تقول: أكمل الاجتماع وآتيك، أم تقول: عن إذنكم! عندي مكالمة من المسئول الأعلى؟ لا تستطيع أن تتأخر، دعاك الله، أمر الله عندك أهون من أمر غيره، ما عرفت الله ولا قدرته ، دعاك الله: الله أكبر، أغلق الكتب وضع القلم، وقم وتوضأ واذهب إلى المسجد وفي الصف الأول واقرأ، ستقرأ بين الأذان والإقامة ربع جزء، وفي العصر مثلها، وفي المغرب مثلها، وفي العشاء مثلها، يمكن يمضي عليك اليوم وأنت قد قرأت جزءاً، هذا أول شيء، واجعل هذا وردك. يقول بعض الإخوة: أحسن طريقة أن تجعل لك في اليوم الجزء الذي يوافق اليوم من الشهر، بالطبع رمضان يختلف، رمضان يجب أن تختم فيه أقل شيء في كل ثلاثة أيام مرة، يكون وردك في كل يوم عشرة أجزاء؛ لأن هذا شهر القرآن، كيف تفعل وأنت في شهر القرآن؟ اتل الكتاب وسبح فيه مجتهداً فإنه شهر تسبيح وقرآن ليس هناك شغل في رمضان إلا كتاب الله والصيام والقراءة؛ لأنه في يوم القيامة يشفع لك الصيام والقرآن، لكن في غير رمضان تبدأ من أول يوم في الجزء الأول، اليوم الثاني في الجزء الثاني، وفي اليوم الثالث وهكذا، تقرأ في ثلاثين يوماً ثلاثين جزءاً، لماذا؟ لأنه يسهل عليك الحساب، وتعرف أنك اليوم في أربعة عشر يوماً فتقول: إذاً أنا اليوم في الجزء الرابع عشر، المصحف الذي بجيبي أقرأ فيه، فإن لم يكن بجيبي أقرأ في المسجد في الجزء الرابع عشر، ليس في المسجد فقط في السيارة أو المكتب، أو أي مكان أقرأ وردي، هذا أول شيء تلاوة القرآن، إذا أردت أن تنجو، قد يقول شخص من الناس: أنا لا أستطيع، نقول: على راحتك لا تستطيع، لكن ستعض على أصابع الندم، وتقول: يا ليتني أطعت الله وأطعت الرسول، يا ليتني أخذت هذا القرآن، يا ليتني عملت به، لكن (يا ليتني) لا تنفعك يوم القيامة أبداً. ثانياً: تدبر كتاب الله. والتدبر بأن تتدبر من القرآن في كل يوم صفحة واحدة، أي: تقرأ الصفحة وتنظر تفسيرها من تفسير ابن كثير أو من كتاب أيسر التفاسير للجزائري، وأما أن تقرأ القرآن ولا تفهمه فما أنزل الله القرآن من أجل ألا يفهمه الناس، هل توقع على معاملة بدون أن تفهمها؟ وإذا وقعت عليها بماذا يصفك الناس؟ بأنك مجنون، إذ كيف تقرأ كلام الله ولا تفهمه؛ لأنك مخاطب به، وفيه أوامر ونواهي وأخبار وأحداث وقصص، كتاب فصلت آياته ثم أحكمت، لا بد أن تعرف كتاب ربك تدبراً. ثالثاً: العمل. قرأت وتدبرت ومن ثَم تعمل، مررت على آية: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور:٣٠] تقول: فتغض بصرك، مررت على: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ﴾ [الإسراء:٣٦] لا تسمع الحرام، مررت على: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الإسراء:٣٣] ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً﴾ [الإسراء:٣٢] ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام:١٥٢] انتهينا، أقيموا الصلاة تمتثل آتوا الزكاة. لا بد، لماذا؟ تعمل بتعليمات ربانية وأنت عبد مؤمن، تصدق كتاب ربك وتعمل بكتابه، أجل تلوت وتدبرت وعملت. الرابع: تدعو إلى كتاب ربك. لا تجلس في مجلس إلا وأنت تبشر بهذا القرآن، تقول لزميلك: يا أخي! لماذا لا ترتل القرآن؟ لماذا أنت معزول عن الله؟ كيف تعيش بدون كتاب الله؟ كم وردك من القرآن؟ تدعو إليه حتى تكون من أهله. الخامس: الاستشفاء بالقرآن الكريم؛ لأنه شفاء لما في الصدور، يقول الله : ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء:٨٢] سواءٌ من الأمراض الحسية أو المعنوية، فهو مجرب، الفاتحة شفاء، وآية الكرسي شفاء، المعوذتان شفاء، لكن لا يترتب الشفاء إلا بأمرين: أولاً: صلاح ويقين المستشفي أي: القارئ. ثانياً: صلاح الموضع والمحل الذي يقرأ عليه الإنسان. أما إذا انتفى صلاح الفاعل أو المفعول به لا تحصل العافية. هذا التفصيل الموجز والمختصر حول المركب والقارب الأول من قوارب النجاة وهو قارب: تلاوة كتاب الله .

стр. 663

من قوارب النجاة إقامة الصلاة القارب الثاني: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت:٤٥] أقم الصلاة، والتبرير بعدها يفسر أهميتها؛ لأن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، والصلاة صلة بين العبد وبين الله، الصلاة رابطة وحبل ممدود من السماء إلى الأرض، والذي معه رابطة بالله ومستمسك بحبل الله لا يمكن أن يفعل فحشاء أو منكراً؛ لأنه يشعر بأنه مع الله، كيف يعمل الفحشاء في الصباح وهو يعرف أنه سيأتي بعد قليل يقف بين يدي الله في الظهر؟ كيف يفعل الفحشاء بعد الظهر وهو يعلم أنه سيقف بين يدي الله في العصر؟ لا يمكن أبداً؛ لأنه يستحيي. ولذا يلحظ المتدبر والمتأمل لحكمة تشريع الصلاة أنها العبادة الوحيدة التي تلازم الإنسان على مدار حياته في كل أحواله، الصوم شهر في السنة، أحد عشر شهراً لا يوجد فيها صوم إلا نافلة، الزكاة مرة في العام، وإذا كان هناك مال ودار عليه الحول وبلغ النصاب، الحج مرة في العمر، وجميع الفرائض محددة بأزمان وهيئات إلا الصلاة فليست مرة في العمر، ولا العام، ولا الشهر، ولا اليوم، بل كل يوم خمس مرات، أول ما تفتح عينك قبل أن تأكل وتشرب تصلي، هل يمكن لشخص أن يعمل أو يأكل قبل الفجر؟ لا. تفتح عينك على الصلاة، ومن ثم تمشي بيومك إلى أن ينتصف النهار تأتي صلاة الظهر، فإذا أوشك النهار على الانصراف صليت العصر، فإذا انصرم النهار ودخل الليل صليت المغرب، فإذا أردت أن تودع الليل والنهار بالنوم تصلي العشاء، فتنام بعد صلاة، وتستيقظ على صلاة، وتنتصف في نهارك في صلاة، وتصلي العصر والمغرب: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء:٧٨] أي: في زوالها ﴿إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً﴾ [الإسراء:٧٨] لأنها حبل. يقول أحد العلماء: (الترمومتر) الإيماني الذي تقيس به إيمانك موجود معك وهو الصلاة، لا يمكن أن يكون (ترمومتر) الإيمان صيام رمضان؛ لأنك قد تصوم رمضان وترتفع عندك نسبة الإيمان فترفع درجته بـ (الترمومتر) الإيماني إلى أعلى درجاته، لكن الصوم ينتهي ويأتي شوال وذو القعدة وذو الحجة ينزل، فنأتي لنقيسك فليس هناك مقياس مثل المقياس في رمضان، وفي الحج يمكن أن تصفو روحك، وتتوب إلى الله، ومن ثم تنزل لا نستطيع نقيسك، وكذلك الزكاة، قالوا: المقياس الثابت هو الصلاة. إذا أردت أن تعرف نسبة الإيمان ودرجته عندك فقسه على المقياس الثابت الملازم لك طوال الليل والنهار وهو الصلاة.

стр. 664

قدر الصلاة ومكانتها في الإسلام الصلاة هي الفرق ما بين المسلم والكافر، يقول ﵊ والحديث في صحيح مسلم: (بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة) ويقول كما في سنن أبي داود وهو صحيح: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر) وأجمعت الأمة على أنه ليس عمل تركه في الإسلام كفر إلا الصلاة؛ لأنه يقطع صلته بالله، ويهدم إسلامه؛ ولأنها عمود الإسلام، وفي سنن الترمذي وسنن أبي داود حديث معاذ بن جبل ﵁ -وهو حديث صحيح- حينما سأل النبي ﷺ : عن عمل يدخله الجنة ويباعده عن النار؟ قال له: (ألا أدلك على رأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟ قال: رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة) ولا يمكن أن يقوم إسلام لعبد وهو لا يصلي، إذ أنها آخر موقع يخسرها الإنسان في دينه، أول ما تفقدون من دينكم الأمانة، وآخر ما تفقدون من دينكم الصلاة، فمن ترك الصلاة فلا دين له ولا أمانة، يقول عمر: [أما إنه لا حظ في الإسلام لمن أضاع الصلاة] وكان ﷺ يوصي في آخر حياته ويقول للأمة: (الله الله بالصلاة، الله الله بالصلاة، الله الله بالصلاة وما ملكت إيمانكم) والله يقول: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً﴾ [مريم:٥٩]. والذي يترك الصلاة يكفر بالله، وإذا كفر بالله انتفت عنه حقوق المسلمين وانتهى، هو مسلم بالصلاة؛ فإذا تركها تنتفي عنه كل حقوق المسلم، لا يؤاكل ولا يشارب، ولا يجالس ولا يسلم عليه، ولا يشمت إذا عطس، ولا تجاب دعوته إذا دعا، وإذا مات لا تشهد جنازته ولا يغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه، حرام عليك إذا كان عندك ولد أو أخ وتعرف أنه لا يصلي حرام عليك إذا مات أن تأتي للناس وتقول: تعالوا خذوه وصلوا عليه وأدخلوه مع المسلمين، وإذا غدرتهم وخنتهم فإنك خائن لأمانة الله؛ لأنك قبرت كافراً بين مسلمين، وجعلت المسلمين يصلون على كافر، وغسلته وهو كافر، وإنما قال العلماء: يسحب برجله، وتحفر له حفرة، ويكب على وجهه، ولا يوجه، ولا يوضع على القبلة؛ لأنه ليس من أهل القبلة. ومن ثم تحرم عليه زوجته، إذا كان متزوجاً فبمجرد ترك الصلاة ينفسخ العقد، ولا يحتاج الأمر إلى طلاق؛ لأن الطلاق للمسلم، أما الكافر فإن عقدة يصبح فاسداً وباطلاً، ولا يجوز للمرأة المسلمة أن تمكن نفسها من كافر لا يصلي، وإذا جلست في بيته وهو لا يصلي وتعرف أنه لا يصلي، ويمر عليه الوقت ولا يصلي؛ فإنه إذا مكنته من نفسها فإنما يزني بها زنا، وأولادها منه أولاد حرام وسفاح -والعياذ بالله- وإذا علم أبوها أو أخوها أن زوجها لا يصلي وأنها معه؛ فإنما يرضون بأن تأتي ابنتهم الفاحشة والزنا وهم ينظرون؛ لأنهم إنما زوجوها بالإسلام، فلو أن عندك بنتاً أو أختاً وجاءك يهودي أتزوجه؟ هل هناك مسلم يزوج يهودياً؟ لو أعطاك عشرة ملايين ريال وهو يهودي اسمه شارون أو شامير أتعطيه ابنتك؟ والله لا تعطيه حمارك، إذاً ما الفرق بين اليهودي والذي لا يصلي؟ لا شيء، عندما زوجته زوجته باسم الإسلام؛ لأنه مسلم، وأعطيته ابنتك بكلمة الإسلام، وبخطبة الإسلام، وبآيات الإسلام؛ فإذا ترك عمود الإسلام حرمت عليه الزوجة، وإذا رضيت أن تقعد معه وأنت تعرف أنه لا يصلي فإنا لله وإنا إليه راجعون.

стр. 665

أهمية إقامة الصلاة جماعة قال : ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ﴾ [هود:١١٤] والتعبير بـ (أقم) فيه دلالة، ما قال الله: وصل؛ لأن إقامتها غير صلاتها وأدائها، أقم: أي أدها كما شرع الله، أولاً: في بيوت الله مع جماعة المسلمين؛ لأنه لا تقبل الصلاة كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية، وقد قرأت هذا الكلام أخيراً في كتابه العظيم الاختيارات الفقهية، يقول: إن الجماعة في المسجد شرط في صحة الصلاة إلا من عذر. أي شخص صحيح البدن ويصلي في البيت وليس مريضاً ولا خائفاً، يقول: أنا أصلي هنا وهي مقبولة، صلاته غير صحيحة، من سمع المنادي فلم يمنعه من اتباعه عذرٌ لم تقبل منه صلاة صلاها. ولهذا نقول للناس الذين هم صحيحوا البدن ولا يصلون في المسجد: لا تتعبوا أنفسكم، لماذا تخدعونها؟ بالله هل سمعتم بدوام في البيوت؟ ما رأيكم في موظف يقول: أنا لا أريد أن أداوم في الإدارة، وسوف آخذ طاولتي والمعاملة ترسلوها إلي، وأنا سأجلس أداوم في البيت من أجل تكون زوجتي عندي والفراش والشاي، وإذا نمت نمت، ما رأيكم. هل يعطونه راتباً؟ يقولون: لا. دوام الحكومة في دوائر الحكومة، فإذا أردت أن تداوم في بيتك خذ الراتب من عند زوجتك. وكذلك هذا الذي يصلي نقول له: صلاة الله في بيوته، والذي يريد أن يصلي في بيته يأخذ الراتب من زوجته، ليس له أجر على صلاته هذه إلا من عذر، وما العذر؟ خوف أو مرض، إذا خرجت خفت أن تقتل، أو مرض إذا دخل عليك الدب الأسود من غرفتك ما قمت تصلي. أما وأنت معافى وآمن، فلا تصح فالنبي ﷺ لم يرخص للأعمى الذي كانت تحيط به ظروف قاسية جداً، جاء إلى الرسول ﷺ وقال: (يا رسول الله! إني رجل أعمى، ضرير البصر) وتصور لو أنك أعمى وطلب منك الآن أن تخرج من هذه الصالة، تغمض عينيك دقيقة فقط ولا تزيد، كيف تتحول الحياة في نظرك؟ من يسوق سيارتك؟ وإذا رجعت إلى بيتك كيف ترى بيتك؟ وكيف تعرف جمال زوجتك؟ وكيف تعرف جمال غرفة نومك وجمال أولادك؟ كيف تعرف السماوات؟ كيف تعرف موديلات السيارات؟ كيف تعرف أشكال العمارات؟ كيف تعرف اتساع الشوارع؟ من الذي يعطيك تعبيراً وتفسيراً لكل هذه الدنيا وجمالها، ولهذا من صبر على فقد عينيه كان له عند الله الجنة. فهذا الرجل ضرير البصر أعمى، يقول: إنني أعمى، بعيد الدار، يقولون: كان بينه وبين المسجد أكثر من أربعة كيلو مترات، والمدينة كثيرة الهوام، ليست الشوارع مزفلتة ولا مضاءة، لكن حفر وأشواك ووديان وهوام، وحيَّات وعقارب وسباع، ومن ثم قال: (وليس معي قائد يقودني). يقول: ما معي واحد على مدة أربع وعشرين ساعة باستمرار، قد أجد شخصاً مرة ولا أجد الثانية، ومن يدلني على المسجد؟ وكيف أتخبط يا رسول الله! وأنا أعمى وبعيد الدار؟ وكيف أفعل؟ قال: (أتسمع النداء؟ قال: نعم. قال: فأجب. لا أجد لك رخصة). إذاً: فما رأيك أنت يا من ترى ألك رخصة؟ احكم على نفسك بنفسك! ما رأيك أنت يا من أنت قريب من المسجد ألك رخصة؟ ما رأيك يا من تربطك بالمسجد شوارع مزفلتة ومضاءة؟ بل بعضهم لديه سيارة عند بابه، يشغلها إذا كان بعيداً ويمشي إلى المسجد ويصلي، يقوم من غرفة نومه لا يخرج إلى الخلاء كما كان الناس في الماضي، كانوا يخرجون من بيوتهم إلى الخارج يأخذون من القربة ماء، فتلفحهم الرياح الباردة في الظلام الدامس، ويتوضئون في الخلاء، ومن ثم تتشقق أقدامهم ووجوههم من البرد والماء البارد، اليوم لا. تخرج من غرفة نومك إلى الحمام الخاص بغرفتك، حتى ما تخرج إلى غرفة أخرى، كل موديلات البيوت الآن غرفة نوم وحمام داخلي، ومن ثم تدخل وتفتح الصنبور فينزل عليك الماء حاراً، تريد أن تعدله تفتح الصنبور الثاني فيصبح من أحسن ما يمكن. وقد أخبرتكم أن شخصاً من تهامة جاء مرة عندي، ففتحت له الصنبور يريد أن يتوضأ، فنزل عليه الماء وإذا به حار، قال: أوه! قلت: ماذا بك؟! قال: ماء حار نزل من الجدر علي، لم ير (طباخة) ولا (دافوراً)، قلت: ماء حار من عندنا، قال: الحمد لله. هذه نعمة -يا إخوان- تفتح وتتوضأ بالماء الحار، وأنت واقف والمنشفة أمامك تمسح، وتدخل غرفة نومك تلبس ملابسك الداخلية، ثم تلبس ملابس الصلاة، ثم تخرج تذكر الله في شوارع مضاءة ومزفلتة: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ [النور:٣٦ - ٣٧]. هل لك عذر بعد هذا؟ ليس لك عذر والله، فأقم الصلاة في المسجد، وبكامل الطهارة في البدن والثوب والمكان، ومن ثم بكامل حضور القلب والخشوع.

стр. 666

أهمية الخشوع في الصلاة لا تأت تصلي وأنت تخطط لمزرعتك وعمارتك ودروسك، ولتجارتك ومشاغلك، بعض الناس يدخل في الصلاة ويقول: الله أكبر، ثم يسلم ولم يعرف ما قرأ الإمام، هذا ما صلى حقيقة؛ لأنه يكتب للعبد من صلاته ما حضر فيها قلبه، حضرت ربعها لك ربعها، حضرت نصفها لك نصفها، لم تحضر ما لك شيء، فلا بد أن تحضر قلبك -يا أخي- لا توسوس وتستسلم للشيطان، ومن ثم إذا انتهت الصلاة -ومدتها عشر دقائق- اقعد ووسوس إلى الفجر. يأتي بعض الناس صلاة العشاء، كم صلاة العشاء؟ أطول صلاة للعشاء عشر دقائق، فمن بداية دخوله للصلاة وهو يوسوس، وبعد أن ينتهي من الصلاة ينتهي الوسواس، إذا أحضروا له سفرة الطعام الأرز، واللحم، والشربة، والإدام، والحلوى، والفواكه؛ لا يوسوس في شيء إلا في الصحن هذا، من أين يأكل؟ ومن أين يأتي؟ وبقي هذه، وبقي قسمنا هناك، لكن في الصلاة تأتيه الأفكار، وإن كان عنده عمارة جاءه الشيطان قال: ما رأيك في العمارة؟ المخطط ليس سليماً، و (البرندة) الفلانية ما تستفيد منها، والدرج ليس موقعه جيداً، وذلك الجانب تشكيلته ليست جيدة، فيعطيه أفكاراً؛ فإذا انتهى من الصلاة شطب على المخطط ونسيها، فلا صلى ولا خطط. من أين تأتي الأفكار للناس؟ من الشيطان في الصلاة، فلابد من حضور قلبك؛ لأنك إذا لم يحضر قلبك فلا صلاة لك، يقول العلماء: إن الصلاة جسد والخشوع روح، ولا قيمة للجسد إلا بوجود الروح، إذا مات الميت الآن ما الذي يخرج منه؟ الروح، إذا خرجت الروح هل بقي شيء من الجسد؟ الجهاز الهضمي والسمعي والبصري والتنفسي والعظمي والدموي كل شيء موجود، لكن ذهبت الروح، فماذا يسمونه؟ يقولون: الجنازة، أو المرحوم، أو الهالك، لكن إذا ردت الروح إليه تصبح له قيمة، ولو ذهبت عينه أو يده، أو تقطع قطعة قطعة وبقيت روحه له قيمة، وكذلك الصلاة لا قيمة لها إلا بالخشوع وبروحها، فإذا حضر القلب في الصلاة لها قيمة، فلا بد من حضور قلبك في الصلاة. ومن ثم حتى تكون مقيماً للصلاة لا بد أن يكون لها أثر في حياتك؛ لأنه إذا كان هناك انفصال بين سلوكك وصلاتك فكأنك ما صليت؛ لأن الله يقول: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت:٤٥] فكونك تصلي وتخرج من باب المسجد تنظر إلى النساء فما صليت حقيقة، بعضهم يخطط للمعاصي في الصلاة، أين أسهر الآن؟ وأين أذهب أتلفت؟ ومن أكلم في الليل؟ ومن أطلع له؟ ومن أكتب له؟ ومن أمشي معه؟ وهو يصلي، يخطط لمحاربة الله في الصلاة، ما رأيكم في صلاته هذه؟! أعوذ بالله من الشيطان الرجيم! ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَر﴾ [العنكبوت:٤٥] فوالله -يا أخي- ما دمت متمسكاً بالصلاة؛ فإن الله يريد بك خيراً؛ لأنك مع الله، كلما دعوت الله أجابك، بينك وبين الله اتصال. يقول العلماء: إن الصلاة صلة بين العبد وبين الله، بإمكانك أن تتصل إلى الله في كل حين، لكن إذا قطعت الحرارة وقطعت الصلاة واتصلت على الله لا يجيب؛ لماذا؟ لأنه ليس بينك وبين الله رابطة، الحرارة مقطوعة، ما سددت فواتير الهاتف، ما ذهبت إلى المسجد تصلي، مقطوع عن الله، وقولوا لي بربكم: أي قيمة لإنسان يعيش في هذه الحياة وهو مقطوع عن الله؟!! أي وزن له وأي معنىً له؟!! والله لا معنى للإنسان بغير دين ولا صلاة، مثله كمثل الحيوان، بل أشد وأنكى عند الله، يقول الله : ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ﴾ [محمد:١٢]. هذا القارب الثاني وفيه صعوبة، لا تتصورون أن المسألة فيها يسر، فيها صعوبة كونك تلزم نفسك بالصلوات الخمس في أول الأمر تجد صعوبة، شأنك في هذا شأن أي شخص يمارس أي عمل جديد، الطفل الصغير إذا وقف ويراد منه أن يمشي يجد أن المشي من أصعب المشقات عليه، تراه واقفاً وأبوه يجلس بعيداً عنه ويقول: تعال تعال! فأحياناً يقع وأحياناً يسير، ومن ثم في اليوم الثاني يمشي مرة خطوة، ومرة خطوتين، وبعد أسبوع يمشي، وبعد أسبوع لا يدع مكاناً في البيت، يذهب يكسر، حتى أمه تقول: يا الله يمشي، فإذا مشى قالت: الله أكبر عليك، وبعدها تربط رجله في الباب، أليس كذلك؟ فكل عمل يمارسه الناس في أول الأمر يصير فيه صعوبة، لكن بعد الاستمرار فيه يصير سهلاً. أنت الآن عندما تأتي في عملك وتسلم عملاً جديداً عليك، وترى التعليمات والنظم واللوائح والتعاميم، تقول: والله هذا لا أقدر عليه، أظن أني سأفشل فيه، لكن ما إن يمر فيه شهر أو شهران أو ثلاثة، وتراجع معاملاتك، وتمر عليك حالات جديدة وتعالج، وتستشير هذا، وتأخذ رأي هذا، وتأتي بمعلومات من هذا، بعد سنة وإذا بك عندك خبرة كاملة، ولذا يعتد ويعتبر بالخبرة الآن في حياة الناس، إذا كنت تريد أن توظف مهندساً جديداً عندك، شخص تخرج منذ فترة قليلة وشخص تخرج قبل خمس سنوات، وأتاك أحدهما تقول له: كم مدة خبرتك؟ يقول: خمس سنوات، تعطيه أفضلية في التعيين، لماذا؟ لأن خبرته زودته بإمكانيات لتسيير عمله، لكن الجديد هذا يجلس سنتين يجرب ويتعلم. فكذلك أنت إذا جئت ودخلت من باب الإيمان، لتركب إلى ساحل النجاة وقارب نجاة الصلاة، سوف تجد صعوبة في أن تستيقظ لصلاة الفجر كل يوم؛ لأنك متعود طيلة حياتك أنك تنام هذه النومة، لكن اجبر نفسك، تجد صعوبة أنك كل يوم خمس مرات آت ذاهب إلى المسجد، لكن بعد أيام يصبح خلقك الصلاة في المسجد، شخص من الناس كان جارنا يسكن في بيته ومن ثم لم يأت ليصلي، فجاء إليّ جيرانه، وقالوا: يا إمام! الرجل هذا لا يصلى معنا، قلت: هيا نزوره، فزرناه، وقدم لنا شاياً، وقلنا: جزاك الله خيراً، أنت ضيف جديد على الحي والمسجد قريب منك، ونريد منك إن شاء الله أن تصلي معنا؛ لأنك مسلم، ونحن إخوة نحبك في الله ونريد لك الخير مثلما نحب لأنفسنا، قال: جزاكم الله خيراً، وإن شاء الله أصلي، فودعناه وشكرناه وخرجنا، جاء وصلى فريضة واحدة، وبعدما صلى فرحنا، وانقطع أسبوعاً أو أسبوعين ولم نعد نراه، جاء جماعته، قالوا لي: يا إمام! الرجل صلى معنا مرة ومن ثم لم نعد نراه، قلت: نذهب إليه، ذهبنا لزيارته، قلنا: جزاك الله خيراً زرناك قبل هذه المرة، وقلنا لك عن الصلاة، وأتيت صليت، قال: نعم الحمد لله صليت، قلنا: كم صليت؟ قال: مرة، قلنا: لا. ليست مرة، قال: كيف؟ قلنا: كل يوم خمس مرات، قال: الله! كل يوم خمس مرات! قال: خمس مرات ذاهب وخمس مرات راجع؟!! قلنا: خمس مرات ذاهب وخمس مرات راجع، قال: والله هذه صعبة! يقول: قلت: وما ظنك؟ قال: أنتم قلتم لي صل، يعني: صلاة واحدة فقط، يظن أنها صلاة واحدة، ويريد أن يدخل الجنة بصلاة واحدة، وهو يدرس (١٢) أو (١٦) سنة، حتى وجد له وظيفة بألفي ريال، وهو يريد أن يدخل الجنة بركعتين صلاها في المسجد، وقال: صليت، سبحان الله ما أجهل الناس! قلنا: لا يا أخي! لا بد أن تصلي كل يوم خمس مرات، في الفجر الساعة كذا وفي الظهر وهكذا، قال: حاضر، وفي اليوم الثاني أخبرني الجيران أنه ذهب وأحضر سيارة وخرج من البيت، قال: والله ما تخارجني هذه الشغلة! فلا بد أنك تصبر في بداية الأمر، وفي فترة التدريب، ومن ثم بعد أسبوعين شهرين ثلاثة شهر تصبح خلقك ومزيتك الصلاة.

стр. 667

من قوارب النجاة ملازمة ذكر الله القارب الثالث من قوارب النجاة: ذكر الله . وذكر الله من أعظم ما ينجو به العبد من عذاب الله في الحديث يقول ﵊: (ألا أدلكم على أفضل الأعمال عند مليككم، وأزكاها لكم عند ربكم، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا رقابهم ويضربوا رقابكم، وخير لكم من إنفاق الذهب والفضة؟ قلنا: بلى يا رسول الله! قال: ذكر الله . وقال ﵊ فيما يحكيه عن ربه : (أنا مع عبدي ما ذكرني أو تحركت بي شفتاه، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم، وإن تقرب إليَّ شبراً تقربت إليه ذراعاً، وإن تقرب إليَّ ذراعاً تقربت إليه باعاً، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة، وكنت إليه بكل خير أسرع) حول (الموجة) على الله وسترى أن ربي يقبلك ولا يردك، لكن إذا أعرضت عنه وزغت عن طريقه لا يرجعك؛ لأنه غني عنك، قال الله: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف:٥] وقال: ﴿انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [التوبة:١٢٧] والعياذ بالله. فانتبه لئلا تزيغ، ولا تنصرف عن الله، ولا تولي وجهك عن ربك وإنما ولِّ وجهك إلى الله، ومن ثَم أبشر ستتوجه لك كل خيرات الدنيا والآخرة إذا وجهت وجهك إلى الله: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الذاريات:٥٠]. ذكر الله من أعظم القربات، يقول فيه النبي ﷺ : (مثل الذي يذكر الله والذي لا يذكر الله كمثل الحي والميت) ويقول الله : ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة:١٥٢] ويقول: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ [الأحزاب:٢١] وأثنى الله على عباده المؤمنين والمؤمنات فقال: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٣٥]. وذكر الله مطلوب من العبد في كل أحواله، حتى قال الله في آخر سورة آل عمران: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران:١٩٠] من هم؟ قال: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران:١٩١] وهذه هي الحالات الثلاث التي لا يكون العبد إلا فيها، إما قائماً أو قاعداً أو نائماً؛ فهو يذكر الله قائماً وقاعداً ونائماً، قال: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران:١٩١] فذكر الله مطلوب منك أيها المسلم.

стр. 668

أقسام ذكر الله الذكر له خمسة أقسام أذكرها لكم بسرعة: القسم الأول: ذكر الله عند ورود أمره. إذا ورد عليك أمر الله بالصلاة أو بالصوم أو بالحج، فإنك تذكر الله بتلبية الأمر؛ لأن الله يقول: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه:١٤] لو أنك نائم في الفراش وسمعت المؤذن ورددت معه، ثم استعذت بالله من الشيطان وقمت تصلي، هذا هو الذكر، أنت ذاكر ذكراً عملياً، لكن لو أن شخصاً ردد مع المؤذن ووضع البطانية تحت رأسه وجلس يقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، ولم يقم يصلي، ما رأيكم في ذكر هذا؟ هذا ذكر كذاب، إنما الذكر ما أقامه إلى الصلاة. القسم الثاني: ذكر الله عند ورود نهيه. أنت تمشي في الشارع ومرت عليك امرأة متبرجة وجميلة، ودعاك الشيطان والهوى إلى النظر، ولكنك ذكرت أن الله ينظر إليك ويراك، فصرفت بصرك، ما الذي جعلك تصرف بصرك؟ ذكر الله، ليس ذكر الله الكلامي، ذكر الله العملي، ذكرت أن الله يراك، فغضضت بصرك، أنت ذاكر لله أعظم ذكر. القسم الثالث: ذكر الأحوال والمناسبات. ذكر الصباح والمساء، والأكل والشرب، والنكاح، ودخول المنزل والخروج منه، ولباس الثوب؛ لأن ما من حركةٍ من حركات المسلم ولا سكنة من سكناته إلا وعليها أمر وشرع وهدي من أمر الرسول ﷺ ، كل شيء، إذا أتيت لتنام فهناك ذكر، تقول: باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه، ففرق بينك وبين من يأتي ينام، فيضع يده على الراديو ويبحث إلى أن يجد إذاعة فيها أغنية ومن ثم ينام -والعياذ بالله- فتأتي الملائكة ترى هذا الجيفة الذي لا يستحق أنه يحرس فتتركه، فيأتي الشيطان ويسيطر عليه -والعياذ بالله- أما إذا قلت: باسمك ربي وضعت جنبي، وبك أرفعه، إن أمسكت نفسي فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين، هرب الشيطان وتولى الملك حراستك، حتى يوقظك لصلاة الفجر، فتنام على ذكر الله. إذا انقلبت من النوم كلما انقلبت من جنب إلى جنب قل: لا إله إلا الله، سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله. في الحديث والحديث صحيح (من تعارَّ من الليل -أي: من انقلب أو انتبه في الليل- فقال: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، ثم صلى ودعا الله إلا استجيب له). ومن ثم إذا استيقظت أول ما تفتح عينك وأنت جالس تقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، الحمد لله الذي أحياني بعد ما أماتني وإليه النشور، اللهم ابعثني إلى كل خير، أصبحت على فطرة الإسلام، وكلمة الإخلاص، ودين نبينا محمد، وملة أبينا إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين. ثم تستعيذ من الشيطان، وتقوم تتوضأ. قبل أن تدخل الحمام هناك تقدم رجلك الشمال وتقول: باسم الله، اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث، ومن الرجس النجس الشيطان الرجيم. ومن ثم إذا قضيت حاجتك وخرجت، عندما تخرج تقدم رجلك اليمنى وتقول: باسم الله، الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني، غفرانك، ثم تتوضأ فتقول: باسم الله، انتهيت من الوضوء تستقبل القبلة، وتقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين. ومن ثم إذا لبست ثيابك ففيه ذكر، وإذا نظرت إلى المرآة أمامك فيه ذكر. إذا خرجت من بيتك إلى الخارج تقول: باسم الله، توكلت على الله، آمنت بالله، اعتصمت بالله، لا حول ولا قوة إلا بالله! اللهم إني أعوذ بك أن أضل أو أضل، أو أظلم أو أظلم، أو أزل أو أُزل، أو أجهل أو يجهل علي، اللهم اجعل في قلبي نوراً، وفي بصري نوراً، وفي سمعي نوراً، وفي قلبي نوراً، ومن أمامي نوراً، ومن خلفي نوراً، وعن يميني نوراً، وعن شمالي نوراً، ومن فوقي نوراً، ومن تحتي نوراً، اللهم أعظم لي نوراً. ما رأيك في هذا الكلام؟ هل ربك يتركك وأنت على هذا الذكر. تدخل المسجد تقدم رجلك اليمنى، وتقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، باسم الله، اللهم افتح لي أبواب رحمتك واغفر لي ذنوبي، ومن ثم تصلي، وتنتهي من الصلاة وتخرج، ومن ثم تلبس ثوبك، وتأكل الطعام، وتأتي زوجتك، تسمع الرياح تهب، ينزل المطر، تأكل من الثمار، كل حياتك فيها ذكر، من أين تتعلمها هذه؟ من كتب العلم، وهناك كتاب أدلكم عليه اسمه: " الوابل الصيب من الكلم الطيب " الذي ليس موجوداً عنده فليشتره ولو من هذه الليلة، ثمنه عشرة ريالات قيمة كيلو عنب، كيلو عنب تأكله، ولكن هذا الكتاب يظل معك إلى أن تموت، وإذا مت تورثه لأهلك، وهذا الذكر الثالث اسمه ذكر الأحوال والمناسبات. القسم الرابع: الذكر العددي، الذي طلب الشرع من المكلف فعله بعدد معين، مثل حديث رواه البخاري عن ابن عمر قال: قال ﵊: (من قال في يوم مائة مرة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير؛ كتب الله له مائة حسنة، ومحا عنه مائة سيئة، وكانت حرزاً له من الشيطان يومه ذلك، وكان كمن أعتق عشر رقاب، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به، إلا رجل قال مثلما قال أو زاد) في صحيح مسلم يقول ﵊: (من قال في يوم مائة مرة: سبحان الله وبحمده غفر الله له ذنوبه ولو كانت عدد رمل عالج، أو زبد البحر) وفي صحيح مسلم: (من قال عقب كل صلاة: سبحان الله ثلاثاً وثلاثين، والحمد لله ثلاثاً وثلاثين، والله أكبر ثلاثاً وثلاثين، غفر الله له ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر) وبعدها يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. هذا هو النوع الرابع، اسمه: الأذكار العددية التي حددها الشرع بعدد معين؛ لأن العدد مقصود ومراد لذاته، فينبغي أن تعده كما تعد الذهب. القسم الخامس والأخير هو: الذكر المطلق في كل أحوالك. في طريقك وفي سيارتك وعلى فراشك تقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر؛ لأنهن الباقيات الصالحات، يقول فيهن النبي ﷺ والحديث صحيح: (لأن أقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، خير وأحب إليّ مما طلعت على الشمس) هذا قارب وستر ونجاة كبيرة من النار ومن عذاب الله ألا وهو ذكر الله عز جل. فيا من تريد النجاة تمسك واركب في هذه القوارب، اركب معنا ولا تكن مع الكافرين، ولا تكن كما قال ابن نوح: ﴿سَآوي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ﴾ [هود:٤٣] لأنه لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم، حتى لا يحول الموت بينك وبين قوارب النجاة فتكون من المغرقين الهالكين، هناك تندم وتقول: ﴿يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولاً﴾ [الفرقان:٢٧ - ٢٩]. أسأل الله الذي لا إله إلا هو أن ينجينا وإياكم من عذابه، وأن يعيننا وإياكم جمعياً على سلوك هذا الطريق، وركوب هذه القوارب، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

стр. 669

الأسئلة

стр. 670

ضرورة التوازن بين الاهتمام بالجانب الروحي والجانب الجسدي السؤال ذكرتم يا فضيلة الشيخ! أن الإنسان لا بد أن يوازن بين الجانب الروحي والجانب الجسدي، ولكن الشباب الملتزمون يهتمون بالجانب الروحي ويهملون الجانب البدني، ظناً منهم أن ذلك لا يليق بالمسلم، فهل هذا صحيح؟ الجواب لا. ليس صحيحاً، لكن الاهتمام بالجانب الجسدي ليس كما نتصوره نحن فقط هو الاهتمام بالرياضة، الاهتمام بالجسد يشمل الرياضة، وحفظ الصحة، والغذاء الصحي المناسب، ويشمل الكساء والفراش والبيت، كل هذه اسمها حقوق الجسد، ليس حقوق الجسد فقط محصورة في مزاولة التمارين أو الجري أو لعب الكرة أو غيرها، هذا جانب، فكون الشاب لا يمارس الرياضة المتعارف عليها، لا يعني أنه لا يهتم بجسده، لا. ولكن إذا تصور هو أن ممارسة الرياضة تتنافى مع التزامه فهو مخطئ، أبداً، ليس في ممارسة الرياضة البريئة التي تمارس وفق الشرع، ولا تصد عن ذكر الله، ولا عن الصلاة، ولا تكشف فيها عورة، ولا يلتقي فيها بإخوان سوء يعملون منكراً أو يعينون على منكر ليس فيها شيء، بل ربما تكون وسيلة دعوة إن شاء الله، أعرف أنه يوجد من الشباب من التزم واحتك بزملاء آخرين عن طريق الرياضة وأثر فيهم وقادهم إلى ساحل النجاة والدعوة إلى الله .
следующие страницы →