← Джавами‘

Джавами‘ · id 7736

دروس للشيخ سعيد بن مسفر

سعيد بن مسفر

Полный текст (2 982 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

أهمية الخشوع في الصلاة لا تأت تصلي وأنت تخطط لمزرعتك وعمارتك ودروسك، ولتجارتك ومشاغلك، بعض الناس يدخل في الصلاة ويقول: الله أكبر، ثم يسلم ولم يعرف ما قرأ الإمام، هذا ما صلى حقيقة؛ لأنه يكتب للعبد من صلاته ما حضر فيها قلبه، حضرت ربعها لك ربعها، حضرت نصفها لك نصفها، لم تحضر ما لك شيء، فلا بد أن تحضر قلبك -يا أخي- لا توسوس وتستسلم للشيطان، ومن ثم إذا انتهت الصلاة -ومدتها عشر دقائق- اقعد ووسوس إلى الفجر. يأتي بعض الناس صلاة العشاء، كم صلاة العشاء؟ أطول صلاة للعشاء عشر دقائق، فمن بداية دخوله للصلاة وهو يوسوس، وبعد أن ينتهي من الصلاة ينتهي الوسواس، إذا أحضروا له سفرة الطعام الأرز، واللحم، والشربة، والإدام، والحلوى، والفواكه؛ لا يوسوس في شيء إلا في الصحن هذا، من أين يأكل؟ ومن أين يأتي؟ وبقي هذه، وبقي قسمنا هناك، لكن في الصلاة تأتيه الأفكار، وإن كان عنده عمارة جاءه الشيطان قال: ما رأيك في العمارة؟ المخطط ليس سليماً، و (البرندة) الفلانية ما تستفيد منها، والدرج ليس موقعه جيداً، وذلك الجانب تشكيلته ليست جيدة، فيعطيه أفكاراً؛ فإذا انتهى من الصلاة شطب على المخطط ونسيها، فلا صلى ولا خطط. من أين تأتي الأفكار للناس؟ من الشيطان في الصلاة، فلابد من حضور قلبك؛ لأنك إذا لم يحضر قلبك فلا صلاة لك، يقول العلماء: إن الصلاة جسد والخشوع روح، ولا قيمة للجسد إلا بوجود الروح، إذا مات الميت الآن ما الذي يخرج منه؟ الروح، إذا خرجت الروح هل بقي شيء من الجسد؟ الجهاز الهضمي والسمعي والبصري والتنفسي والعظمي والدموي كل شيء موجود، لكن ذهبت الروح، فماذا يسمونه؟ يقولون: الجنازة، أو المرحوم، أو الهالك، لكن إذا ردت الروح إليه تصبح له قيمة، ولو ذهبت عينه أو يده، أو تقطع قطعة قطعة وبقيت روحه له قيمة، وكذلك الصلاة لا قيمة لها إلا بالخشوع وبروحها، فإذا حضر القلب في الصلاة لها قيمة، فلا بد من حضور قلبك في الصلاة. ومن ثم حتى تكون مقيماً للصلاة لا بد أن يكون لها أثر في حياتك؛ لأنه إذا كان هناك انفصال بين سلوكك وصلاتك فكأنك ما صليت؛ لأن الله يقول: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت:٤٥] فكونك تصلي وتخرج من باب المسجد تنظر إلى النساء فما صليت حقيقة، بعضهم يخطط للمعاصي في الصلاة، أين أسهر الآن؟ وأين أذهب أتلفت؟ ومن أكلم في الليل؟ ومن أطلع له؟ ومن أكتب له؟ ومن أمشي معه؟ وهو يصلي، يخطط لمحاربة الله في الصلاة، ما رأيكم في صلاته هذه؟! أعوذ بالله من الشيطان الرجيم! ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَر﴾ [العنكبوت:٤٥] فوالله -يا أخي- ما دمت متمسكاً بالصلاة؛ فإن الله يريد بك خيراً؛ لأنك مع الله، كلما دعوت الله أجابك، بينك وبين الله اتصال. يقول العلماء: إن الصلاة صلة بين العبد وبين الله، بإمكانك أن تتصل إلى الله في كل حين، لكن إذا قطعت الحرارة وقطعت الصلاة واتصلت على الله لا يجيب؛ لماذا؟ لأنه ليس بينك وبين الله رابطة، الحرارة مقطوعة، ما سددت فواتير الهاتف، ما ذهبت إلى المسجد تصلي، مقطوع عن الله، وقولوا لي بربكم: أي قيمة لإنسان يعيش في هذه الحياة وهو مقطوع عن الله؟!! أي وزن له وأي معنىً له؟!! والله لا معنى للإنسان بغير دين ولا صلاة، مثله كمثل الحيوان، بل أشد وأنكى عند الله، يقول الله : ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ﴾ [محمد:١٢]. هذا القارب الثاني وفيه صعوبة، لا تتصورون أن المسألة فيها يسر، فيها صعوبة كونك تلزم نفسك بالصلوات الخمس في أول الأمر تجد صعوبة، شأنك في هذا شأن أي شخص يمارس أي عمل جديد، الطفل الصغير إذا وقف ويراد منه أن يمشي يجد أن المشي من أصعب المشقات عليه، تراه واقفاً وأبوه يجلس بعيداً عنه ويقول: تعال تعال! فأحياناً يقع وأحياناً يسير، ومن ثم في اليوم الثاني يمشي مرة خطوة، ومرة خطوتين، وبعد أسبوع يمشي، وبعد أسبوع لا يدع مكاناً في البيت، يذهب يكسر، حتى أمه تقول: يا الله يمشي، فإذا مشى قالت: الله أكبر عليك، وبعدها تربط رجله في الباب، أليس كذلك؟ فكل عمل يمارسه الناس في أول الأمر يصير فيه صعوبة، لكن بعد الاستمرار فيه يصير سهلاً. أنت الآن عندما تأتي في عملك وتسلم عملاً جديداً عليك، وترى التعليمات والنظم واللوائح والتعاميم، تقول: والله هذا لا أقدر عليه، أظن أني سأفشل فيه، لكن ما إن يمر فيه شهر أو شهران أو ثلاثة، وتراجع معاملاتك، وتمر عليك حالات جديدة وتعالج، وتستشير هذا، وتأخذ رأي هذا، وتأتي بمعلومات من هذا، بعد سنة وإذا بك عندك خبرة كاملة، ولذا يعتد ويعتبر بالخبرة الآن في حياة الناس، إذا كنت تريد أن توظف مهندساً جديداً عندك، شخص تخرج منذ فترة قليلة وشخص تخرج قبل خمس سنوات، وأتاك أحدهما تقول له: كم مدة خبرتك؟ يقول: خمس سنوات، تعطيه أفضلية في التعيين، لماذا؟ لأن خبرته زودته بإمكانيات لتسيير عمله، لكن الجديد هذا يجلس سنتين يجرب ويتعلم. فكذلك أنت إذا جئت ودخلت من باب الإيمان، لتركب إلى ساحل النجاة وقارب نجاة الصلاة، سوف تجد صعوبة في أن تستيقظ لصلاة الفجر كل يوم؛ لأنك متعود طيلة حياتك أنك تنام هذه النومة، لكن اجبر نفسك، تجد صعوبة أنك كل يوم خمس مرات آت ذاهب إلى المسجد، لكن بعد أيام يصبح خلقك الصلاة في المسجد، شخص من الناس كان جارنا يسكن في بيته ومن ثم لم يأت ليصلي، فجاء إليّ جيرانه، وقالوا: يا إمام! الرجل هذا لا يصلى معنا، قلت: هيا نزوره، فزرناه، وقدم لنا شاياً، وقلنا: جزاك الله خيراً، أنت ضيف جديد على الحي والمسجد قريب منك، ونريد منك إن شاء الله أن تصلي معنا؛ لأنك مسلم، ونحن إخوة نحبك في الله ونريد لك الخير مثلما نحب لأنفسنا، قال: جزاكم الله خيراً، وإن شاء الله أصلي، فودعناه وشكرناه وخرجنا، جاء وصلى فريضة واحدة، وبعدما صلى فرحنا، وانقطع أسبوعاً أو أسبوعين ولم نعد نراه، جاء جماعته، قالوا لي: يا إمام! الرجل صلى معنا مرة ومن ثم لم نعد نراه، قلت: نذهب إليه، ذهبنا لزيارته، قلنا: جزاك الله خيراً زرناك قبل هذه المرة، وقلنا لك عن الصلاة، وأتيت صليت، قال: نعم الحمد لله صليت، قلنا: كم صليت؟ قال: مرة، قلنا: لا. ليست مرة، قال: كيف؟ قلنا: كل يوم خمس مرات، قال: الله! كل يوم خمس مرات! قال: خمس مرات ذاهب وخمس مرات راجع؟!! قلنا: خمس مرات ذاهب وخمس مرات راجع، قال: والله هذه صعبة! يقول: قلت: وما ظنك؟ قال: أنتم قلتم لي صل، يعني: صلاة واحدة فقط، يظن أنها صلاة واحدة، ويريد أن يدخل الجنة بصلاة واحدة، وهو يدرس (١٢) أو (١٦) سنة، حتى وجد له وظيفة بألفي ريال، وهو يريد أن يدخل الجنة بركعتين صلاها في المسجد، وقال: صليت، سبحان الله ما أجهل الناس! قلنا: لا يا أخي! لا بد أن تصلي كل يوم خمس مرات، في الفجر الساعة كذا وفي الظهر وهكذا، قال: حاضر، وفي اليوم الثاني أخبرني الجيران أنه ذهب وأحضر سيارة وخرج من البيت، قال: والله ما تخارجني هذه الشغلة! فلا بد أنك تصبر في بداية الأمر، وفي فترة التدريب، ومن ثم بعد أسبوعين شهرين ثلاثة شهر تصبح خلقك ومزيتك الصلاة.

стр. 667

من قوارب النجاة ملازمة ذكر الله القارب الثالث من قوارب النجاة: ذكر الله . وذكر الله من أعظم ما ينجو به العبد من عذاب الله في الحديث يقول ﵊: (ألا أدلكم على أفضل الأعمال عند مليككم، وأزكاها لكم عند ربكم، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا رقابهم ويضربوا رقابكم، وخير لكم من إنفاق الذهب والفضة؟ قلنا: بلى يا رسول الله! قال: ذكر الله . وقال ﵊ فيما يحكيه عن ربه : (أنا مع عبدي ما ذكرني أو تحركت بي شفتاه، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم، وإن تقرب إليَّ شبراً تقربت إليه ذراعاً، وإن تقرب إليَّ ذراعاً تقربت إليه باعاً، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة، وكنت إليه بكل خير أسرع) حول (الموجة) على الله وسترى أن ربي يقبلك ولا يردك، لكن إذا أعرضت عنه وزغت عن طريقه لا يرجعك؛ لأنه غني عنك، قال الله: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف:٥] وقال: ﴿انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [التوبة:١٢٧] والعياذ بالله. فانتبه لئلا تزيغ، ولا تنصرف عن الله، ولا تولي وجهك عن ربك وإنما ولِّ وجهك إلى الله، ومن ثَم أبشر ستتوجه لك كل خيرات الدنيا والآخرة إذا وجهت وجهك إلى الله: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الذاريات:٥٠]. ذكر الله من أعظم القربات، يقول فيه النبي ﷺ : (مثل الذي يذكر الله والذي لا يذكر الله كمثل الحي والميت) ويقول الله : ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة:١٥٢] ويقول: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ [الأحزاب:٢١] وأثنى الله على عباده المؤمنين والمؤمنات فقال: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٣٥]. وذكر الله مطلوب من العبد في كل أحواله، حتى قال الله في آخر سورة آل عمران: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران:١٩٠] من هم؟ قال: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران:١٩١] وهذه هي الحالات الثلاث التي لا يكون العبد إلا فيها، إما قائماً أو قاعداً أو نائماً؛ فهو يذكر الله قائماً وقاعداً ونائماً، قال: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران:١٩١] فذكر الله مطلوب منك أيها المسلم.

стр. 668

أقسام ذكر الله الذكر له خمسة أقسام أذكرها لكم بسرعة: القسم الأول: ذكر الله عند ورود أمره. إذا ورد عليك أمر الله بالصلاة أو بالصوم أو بالحج، فإنك تذكر الله بتلبية الأمر؛ لأن الله يقول: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه:١٤] لو أنك نائم في الفراش وسمعت المؤذن ورددت معه، ثم استعذت بالله من الشيطان وقمت تصلي، هذا هو الذكر، أنت ذاكر ذكراً عملياً، لكن لو أن شخصاً ردد مع المؤذن ووضع البطانية تحت رأسه وجلس يقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، ولم يقم يصلي، ما رأيكم في ذكر هذا؟ هذا ذكر كذاب، إنما الذكر ما أقامه إلى الصلاة. القسم الثاني: ذكر الله عند ورود نهيه. أنت تمشي في الشارع ومرت عليك امرأة متبرجة وجميلة، ودعاك الشيطان والهوى إلى النظر، ولكنك ذكرت أن الله ينظر إليك ويراك، فصرفت بصرك، ما الذي جعلك تصرف بصرك؟ ذكر الله، ليس ذكر الله الكلامي، ذكر الله العملي، ذكرت أن الله يراك، فغضضت بصرك، أنت ذاكر لله أعظم ذكر. القسم الثالث: ذكر الأحوال والمناسبات. ذكر الصباح والمساء، والأكل والشرب، والنكاح، ودخول المنزل والخروج منه، ولباس الثوب؛ لأن ما من حركةٍ من حركات المسلم ولا سكنة من سكناته إلا وعليها أمر وشرع وهدي من أمر الرسول ﷺ ، كل شيء، إذا أتيت لتنام فهناك ذكر، تقول: باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه، ففرق بينك وبين من يأتي ينام، فيضع يده على الراديو ويبحث إلى أن يجد إذاعة فيها أغنية ومن ثم ينام -والعياذ بالله- فتأتي الملائكة ترى هذا الجيفة الذي لا يستحق أنه يحرس فتتركه، فيأتي الشيطان ويسيطر عليه -والعياذ بالله- أما إذا قلت: باسمك ربي وضعت جنبي، وبك أرفعه، إن أمسكت نفسي فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين، هرب الشيطان وتولى الملك حراستك، حتى يوقظك لصلاة الفجر، فتنام على ذكر الله. إذا انقلبت من النوم كلما انقلبت من جنب إلى جنب قل: لا إله إلا الله، سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله. في الحديث والحديث صحيح (من تعارَّ من الليل -أي: من انقلب أو انتبه في الليل- فقال: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، ثم صلى ودعا الله إلا استجيب له). ومن ثم إذا استيقظت أول ما تفتح عينك وأنت جالس تقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، الحمد لله الذي أحياني بعد ما أماتني وإليه النشور، اللهم ابعثني إلى كل خير، أصبحت على فطرة الإسلام، وكلمة الإخلاص، ودين نبينا محمد، وملة أبينا إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين. ثم تستعيذ من الشيطان، وتقوم تتوضأ. قبل أن تدخل الحمام هناك تقدم رجلك الشمال وتقول: باسم الله، اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث، ومن الرجس النجس الشيطان الرجيم. ومن ثم إذا قضيت حاجتك وخرجت، عندما تخرج تقدم رجلك اليمنى وتقول: باسم الله، الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني، غفرانك، ثم تتوضأ فتقول: باسم الله، انتهيت من الوضوء تستقبل القبلة، وتقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين. ومن ثم إذا لبست ثيابك ففيه ذكر، وإذا نظرت إلى المرآة أمامك فيه ذكر. إذا خرجت من بيتك إلى الخارج تقول: باسم الله، توكلت على الله، آمنت بالله، اعتصمت بالله، لا حول ولا قوة إلا بالله! اللهم إني أعوذ بك أن أضل أو أضل، أو أظلم أو أظلم، أو أزل أو أُزل، أو أجهل أو يجهل علي، اللهم اجعل في قلبي نوراً، وفي بصري نوراً، وفي سمعي نوراً، وفي قلبي نوراً، ومن أمامي نوراً، ومن خلفي نوراً، وعن يميني نوراً، وعن شمالي نوراً، ومن فوقي نوراً، ومن تحتي نوراً، اللهم أعظم لي نوراً. ما رأيك في هذا الكلام؟ هل ربك يتركك وأنت على هذا الذكر. تدخل المسجد تقدم رجلك اليمنى، وتقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، باسم الله، اللهم افتح لي أبواب رحمتك واغفر لي ذنوبي، ومن ثم تصلي، وتنتهي من الصلاة وتخرج، ومن ثم تلبس ثوبك، وتأكل الطعام، وتأتي زوجتك، تسمع الرياح تهب، ينزل المطر، تأكل من الثمار، كل حياتك فيها ذكر، من أين تتعلمها هذه؟ من كتب العلم، وهناك كتاب أدلكم عليه اسمه: " الوابل الصيب من الكلم الطيب " الذي ليس موجوداً عنده فليشتره ولو من هذه الليلة، ثمنه عشرة ريالات قيمة كيلو عنب، كيلو عنب تأكله، ولكن هذا الكتاب يظل معك إلى أن تموت، وإذا مت تورثه لأهلك، وهذا الذكر الثالث اسمه ذكر الأحوال والمناسبات. القسم الرابع: الذكر العددي، الذي طلب الشرع من المكلف فعله بعدد معين، مثل حديث رواه البخاري عن ابن عمر قال: قال ﵊: (من قال في يوم مائة مرة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير؛ كتب الله له مائة حسنة، ومحا عنه مائة سيئة، وكانت حرزاً له من الشيطان يومه ذلك، وكان كمن أعتق عشر رقاب، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به، إلا رجل قال مثلما قال أو زاد) في صحيح مسلم يقول ﵊: (من قال في يوم مائة مرة: سبحان الله وبحمده غفر الله له ذنوبه ولو كانت عدد رمل عالج، أو زبد البحر) وفي صحيح مسلم: (من قال عقب كل صلاة: سبحان الله ثلاثاً وثلاثين، والحمد لله ثلاثاً وثلاثين، والله أكبر ثلاثاً وثلاثين، غفر الله له ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر) وبعدها يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. هذا هو النوع الرابع، اسمه: الأذكار العددية التي حددها الشرع بعدد معين؛ لأن العدد مقصود ومراد لذاته، فينبغي أن تعده كما تعد الذهب. القسم الخامس والأخير هو: الذكر المطلق في كل أحوالك. في طريقك وفي سيارتك وعلى فراشك تقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر؛ لأنهن الباقيات الصالحات، يقول فيهن النبي ﷺ والحديث صحيح: (لأن أقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، خير وأحب إليّ مما طلعت على الشمس) هذا قارب وستر ونجاة كبيرة من النار ومن عذاب الله ألا وهو ذكر الله عز جل. فيا من تريد النجاة تمسك واركب في هذه القوارب، اركب معنا ولا تكن مع الكافرين، ولا تكن كما قال ابن نوح: ﴿سَآوي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ﴾ [هود:٤٣] لأنه لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم، حتى لا يحول الموت بينك وبين قوارب النجاة فتكون من المغرقين الهالكين، هناك تندم وتقول: ﴿يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولاً﴾ [الفرقان:٢٧ - ٢٩]. أسأل الله الذي لا إله إلا هو أن ينجينا وإياكم من عذابه، وأن يعيننا وإياكم جمعياً على سلوك هذا الطريق، وركوب هذه القوارب، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

стр. 669

الأسئلة

стр. 670

ضرورة التوازن بين الاهتمام بالجانب الروحي والجانب الجسدي السؤال ذكرتم يا فضيلة الشيخ! أن الإنسان لا بد أن يوازن بين الجانب الروحي والجانب الجسدي، ولكن الشباب الملتزمون يهتمون بالجانب الروحي ويهملون الجانب البدني، ظناً منهم أن ذلك لا يليق بالمسلم، فهل هذا صحيح؟ الجواب لا. ليس صحيحاً، لكن الاهتمام بالجانب الجسدي ليس كما نتصوره نحن فقط هو الاهتمام بالرياضة، الاهتمام بالجسد يشمل الرياضة، وحفظ الصحة، والغذاء الصحي المناسب، ويشمل الكساء والفراش والبيت، كل هذه اسمها حقوق الجسد، ليس حقوق الجسد فقط محصورة في مزاولة التمارين أو الجري أو لعب الكرة أو غيرها، هذا جانب، فكون الشاب لا يمارس الرياضة المتعارف عليها، لا يعني أنه لا يهتم بجسده، لا. ولكن إذا تصور هو أن ممارسة الرياضة تتنافى مع التزامه فهو مخطئ، أبداً، ليس في ممارسة الرياضة البريئة التي تمارس وفق الشرع، ولا تصد عن ذكر الله، ولا عن الصلاة، ولا تكشف فيها عورة، ولا يلتقي فيها بإخوان سوء يعملون منكراً أو يعينون على منكر ليس فيها شيء، بل ربما تكون وسيلة دعوة إن شاء الله، أعرف أنه يوجد من الشباب من التزم واحتك بزملاء آخرين عن طريق الرياضة وأثر فيهم وقادهم إلى ساحل النجاة والدعوة إلى الله .

стр. 671

النفخ في الصور إن يوم القيامة يوم عظيم؛ ولأجل ذلك سمي بأسماء كثيرة، وهو يبدأ بالنفخ في الصور، حيث يمثل النفخ في الصور الفترة الانتقالية الفاصلة بين عالم الدنيا وعالم الآخرة، وهذا الحدث له ما بعده وله أهميته هذا هو موضوع حديث الشيخ في هذا الدرس، فقد تحدث عن النفخ في الصور، مبيناً صفته وصفة النافخ فيه، والفرق بين نفخة الصعق ونفخة البعث، ثم ذكر أن هناك أقواماً استثناهم الله تعالى من نفخة الصعق فهم لا يصعقون.

стр. 672

فضل مجالس العلم والإيمان الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين. وبعد: يحتاج المسلم وهو يسير في هذه الحياة ويقطع مراحلها ويشهد تقلباتها يحتاج إلى غذاء وزاد، وما هذه الجلسات الإيمانية والدروس العلمية التي يحرص عليها المؤمن إلا زاداً يزيد المسلم والمؤمن قوة، ويمده بتأييد وعون حتى يستطيع مواصلة السير في ثبات وقوة وأمان واستقرار؛ لأن العوائق والموانع كثيرة، والمثبطات والمؤثرات كثيرة جداً، وما لم يتولاك الله برعايته ويحميك بعنايته بعد أن تقبل عليه، وتبحث عن أسباب النجاة بين يديه، وتعود وتعاود، وتكرر الجلوس في بيوته، وإلا فإن الإنسان عرضة للانزلاق وللخطر والهلاك في هذا الزمان الذي أخبر النبي ﷺ بغربة الدين في آخر الزمان، ولكن بالمداومة على مجالس الذكر وبسماع العلم ينشط القلب ويستمر في السير؛ ولذا فإن من أهم ومن ضروريات حياة المؤمن أن يحرص على هذه المجالس، وهي لا تشكل مشكلة من فضل الله، وما هي إلا وقت بسيط ويسير بين المغرب والعشاء مرة أو مرتين أو ثلاثاً في الأسبوع، لو قست ساعات الجلوس فيها على ساعات الأسبوع كاملة لكانت النسبة ضئيلة، ولكن فيها بركة وخير تستطيع بها -إن شاء الله- أن تثبت على الطريق وأن تسير على خطا قوية ثابتة تعرف كيف تعبد الله وتسير إلى إليه وتتجنب المخاطر والمعاطب والمعوقات حتى تصل إلى الله بسلام. أسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يثبتنا وإياكم على السير في هذا الطريق، وأن يحمينا وإياكم من المعوقات حتى نلقاه وهو راض عنا إنه على كل شيء قدير.

стр. 673

عظمة يوم القيامة موضوع اليوم سيكون عن (النفخ في الصور) بعد أن تكلمنا في الأسبوع الماضي عن (أسماء يوم القيامة) وذكرنا أن لها أسماءً كثيرة استطعنا أن نتحدث عن اثنين -أو ثلاثة- وعشرين اسماً من أسمائها، وقلنا: إن تعدد الأسماء للشيء يدل على عظمته، فعظمة الساعة وشدة هولها جعلت لها مسميات كثيرة، هذه المسميات بمدلولاتها تبين جزءاً من عظمة هذه الأهوال التي تكون يوم القيامة: الحاقة الصاخة الطامة الواقعة كل هذه أسماء كثيرة جداً تقرع القلوب، وتهز النفوس، وتبين عظمة الأحداث التي سوف تكون في ذلك اليوم.

стр. 674

بداية يوم القيامة يبدأ أول حدث من أحداث يوم القيامة وهي الفترة الانتقالية الفاصلة بين عالم الدنيا وعالم الآخرة بالنفخ في الصور، ولذا فهذا الحدث له ما بعده، وله أهميته، فالكون العجيب الذي نعيش فيه يعج بالحياة والأحياء الذين نشاهدهم والذين لا نشاهدهم، فإن ما غيب الله عن أبصارنا أعظم مما أبدى لنا، ولهذا يقول الله : ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * وَمَا لا تُبْصِرُونَ * إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ * وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ * تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الحاقة:٣٨ - ٤٣] فما أبصرنا وما كشف الله لنا في عالم المشاهدة ليس إلا شيئاً يسيراً مما أخفاه الله من العوالم الأخرى التي لا نراها؛ ولذا فقد وصف الله أهل الإيمان بأن من أبرز صفاتهم ومن أهم علاماتهم الإيمان بالغيب فقال: ﴿ألم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة:١ - ٣] هذه أول صفاتهم، فما غيب الله عن أبصارنا أكثر مما أظهر لنا والعالم المشاهد ليس إلا نماذج بسيطة من العالم المغيب عن الأبصار. وهذه العوالم ما كان منها في عالم الغيب أو عالم الشهادة فإنها في حركة دائبة لا تتوقف ولا تهدأ، وستبقى على هذا الحال في حركتها إلى أن يأتي اليوم الذي يأذن الله ﵎ بفناء العالم وهلاك من على وجه الأرض حين يقول: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧] ويقول : ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨] وهذا الحدث سيكون عندما يأمر الله بالنفخ في الصور فتنتهي الحياة في الأرض وفي السماء وتنتهي جميع عوالم الأرض والسماء المشاهدة وغير المشاهدة، يقول : ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ * وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ * وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ [الزمر:٦٨ - ٧٠].

стр. 675

أقسام الناس يوم القيامة ينقسم الناس بعد الحساب وبعدما يؤتي بالكتب وبالموازين ويفصل بين العباد إلى فريقين: فريق يساق إلى النار، وفريق يساق إلى الجنة، يقول : ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً﴾ [الزمر:٧١] أي: مجموعات، كل مجموعة مع من يشاكلها، وهذا فيه زيادة للعذاب، أي: يجمع الزناة سواء، فما يأتي زان أو اثنان، بل كل الزناة على وجه الأرض منذ خلقهم الله إلى يوم القيامة يأتون كلهم في شعب واحد وتسوقهم الزبانية إلى النار قال العلماء: إن في سوق كل أهل معصية سواء فيه تيئيس من الرحمة؛ لأن الزاني إذا رأى نفسه لوحده قال: يمكن أن أدخل في رحمة الله، لكن عندما يراهم ملء الوديان والشعاب يقول -وهؤلاء كلهم مثله-: إذاً ليس هناك أمل في النجاة، فالزناة سواء، واللوطة سواء، واللصوص سواء، والقتلة سواء، والملاحدة سواء ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً﴾ [الزمر:٧١] وهذا معنى قول الله : ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً﴾ [النبأ:١٨] أي: مجموعات، يفوج الناس ويجمعون ويقسمون ويفصلون بحيث يكون كل فوج وكل مجموعة مع ما يشاكلها من العمل. ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الزمر:٧١] * ﴿قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر:٧٢] نعوذ بالله جميعاً من هذا المصير! وأما أهل الإيمان -جعلنا الله منهم- فيقول الله تعالى فيهم: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً﴾ [الزمر:٧٣] أي: مجموعات، لتبدو رحمة الله عليهم؛ الشهداء مع الشهداء، والنبيون مع النبيين، والصالحون مع الصالحين، الأولياء مع الأولياء، وأهل الصيام مع أهل الصيام، وأهل الزكاة المتخصصون الذين يبذلون أموالهم في سبيل الله سواء مع بعضهم؛ ليعرف الواحد أنه ليس لوحده في هذا المجال وليس لوحده في هذا الطريق، بل معه المجموعة الكبيرة من عباد الله، فيأنس ويفرح إن كان من هؤلاء الناجين -نسأل الله وإياكم من فضله-. ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الزمر:٧٣] الأمن والطمأنينة والسلام عليكم؛ لأنكم سلمتم من عذاب الله، فقد سالمتم الله في الدنيا، وما تعرضتم لمساخط الله، ولا اجترأتم على حرمات الله عشتم في الدنيا في سلام ومتم في سلام وبعثتم في سلام، فالسلام والأمن عليكم، ﴿طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر:٧٣]؛ لأنكم كنتم طيبين في الدنيا، طابت أعمالكم، وأخلاقكم، وسلوككم، وعقائدكم، وعبادتكم، وحياتكم، وبيوتكم، وأسماعكم، وأبصاركم، وفروجكم كنتم طيبين لا تقعون إلا في الطيب (طِبْتُمْ) أي: في الدنيا، نسأل الله من فضله ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الزمر:٧٤] يقول أهل الجنة هذه الكلمة بعد أن يبشروا بالجنة ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾ [الزمر:٧٤]؛ لأن المؤمن معه وعد من الله إلى الآن ولا يدري ماذا عليه، لا يدري هل يحقق الله له وعده بدخوله الجنة إذا سلم من الآفات، أم يردَّ عمله عليه بسبب منه وإن الله لا يظلم أحداً! الله لا يظلمك ذرة لكن قد يكون المانع منك أنت، فقد تعمل عملاً وتفسده، وقد تعمل عملاً تظن أنه صالحاً وهو غير صالح، ليس لوجه الله، ولكن اعمل واجتهد واجتنب أمرين: الشرك، وهو الرياء، فهو الذي يحبط العمل، والمخالفة لسنة النبي ﷺ ، واجعل عملك خالصاً وصواباً، وثق بأن الله لن يضيع عملك؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [آل عمران:١٩٥]. ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [الزمر:٧٤] * ﴿وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الزمر:٧٥]، نسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يجعلنا وإياكم وآباءنا وأمهاتنا وإخواننا وأخواتنا وزوجاتنا وذرياتنا وجميع إخواننا المسلمين من هذه الزمر الناجية التي تساق إلى الجنان سوق التكريم والتشريف مع عباد الله الصالحين، إنه على ذلك قدير.

стр. 676

نفخة الصعق هذه هي النفخة الأولى، قال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الزمر:٦٨] تسمى النفخة المدمرة؛ نفخة مدمرة مهلكة لا يبقى معها حياة، صعق، والصعق هو: الموت والفناء والدمار والهلاك، يصعق الناس فيموتون في لحظة واحدة مع هذه النفخة، نفخة مدمرة يسمعها المرء فلا يستطيع أن يوصي بكلمة واحدة بل يموت لتوه، ولا يقدر أن يعود إلى أهله أو بلاده أو خلانه يقول : ﴿مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ * فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ [يس:٤٩ - ٥٠]؛ لا يستطيع أن يوصي بعد النفخة، ولا يستطيع أن يعود. وفي الحديث الذي يرويه الإمام مسلم يقول ﵊: (ثم ينفخ في الصور فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتاً ورفع ليتاً) والليت: هو الرقبة؛ صفحة العنق. وأصغى، أي: أمال، فأنت عندما تريد أن تسمع كلاماً كثيراً تميل رأسك وتركز من أجل سماع الصوت، فما يسمع هذه النفخة أحد إلا أصغى ليتاً ورفع ليتاً: (وأول من يسمعه رجل يلوط حوض إبله) أي: ينظف الحوض الذي تشرب فيه الإبل، فقال: (فيصعق ويصعق الناس من بعده) وقد أخبرنا رسول الله ﷺ عن سرعة هلاك العباد فقال: (ولتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما فلا يتبايعانه ولا يطويانه) أي: شخص يشتري ثوباً فينشر الثوب لكي يراه وهو بينهما فلا يبيعانه ولا يطويانه من سرعة الأمر (ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته فلا يطعمه) أي: أخذ اللبن من الناقة فلا يذهب به إلى بيته ليطعمه (ولتقومن الساعة وهو يلوط حوض إبله فلا يسقيها، ولتقومن الساعة وقد رفع أكلته إلى فمه فلا يطعمها) والحديث رواه الإمام البخاري في صحيحه.

стр. 677

تعريف الصور وصفة النافخ فيه حسناً ما هو هذا الصور الذي ينفخ فيه؟ الصور في لغة العرب: القرن، وقد سئل الرسول ﷺ عنه ففسره بما يعرف العرب من كلامهم، وفي سنن الترمذي وأبي داود وابن ماجة ومسند أحمد ومستدرك الحاكم، وقال الحاكم: هذا الحديث صحيح الإسناد، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن رسول الله ﷺ قال لأعرابي سأله: (ما الصور؟ قال: الصور قرن ينفخ فيه، وهو حاوٍ لجميع أرواح العباد) هذا الصور ما من روح تخرج من جسد إلا وتذهب إلى هذا الصور، لها محل تستقر فيه إلى أن يأتي ذلك اليوم الذي ينفخ فيه النفخة الثانية، أما النفخة الأولى فهي نفخة الصعق، والناس لا يخرجون مع النفخة الأولى، إنما يخرجون مع النفخة الثانية، قال تعالى: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر:٦٨]. والنافخ في الصور المشهور عند أهل العلم أنه ملك من الملائكة العظام وهو إسرافيل ﵇، وقد وقع التصريح باسمه في أحاديث، منها: حديث أبي هريرة في حديث الصور الطويل الذي صححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة. وإسرافيل ملك عظيم، والملائكة كلهم ضخام غلاظ، يعني: لهم خلقة تختلف عن خلقة البشر، وما البشر بالنسبة لهم إلا كالذر بل أصغر من الذر؛ إذا كان الواحد من حملة العرش يقول فيه النبي ﷺ والحديث ذكره الإمام السيوطي في صحيح الجامع، يقول: (أذن لي أن أحدث عن ملك من حملة العرش ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام) وفي بعض روايات الحديث: (خفق الطير) أي: سرعة الطير، هذه رقبته التي هي عندنا تساوي (٥سم) أو أربع أصابع رقبتي ورقبتك! أما الملك فطول رقبته مسيرة سبعمائة عام، وفي الأحاديث الصحيحة حينما وصف النبي ﷺ جبريل شديد القوى؛ أخبر أن له ستمائة جناح، وأنه فرد اثنين منهما حين جاء بالوحي فسدَّ ما بين الخافقين، أي: ما بين المشرق والمغرب انحجب باثنين من الأجنحة، وبقي خمسمائة وثمانية وتسعون جناحاً، وأن جبريل حينما أرسله الله لتعذيب وتدمير قرى قوم لوط غرس جناحه فدخل في الأرض إلى أن استقر في الأرض السابعة، ثم حملها بقراهم ومدنهم وبكل ما معهم حتى الكلاب والقطط، إلى أن بلغ بهم عنان السماء على جناحه ثم قلبها عليهم! قال الله تعالى: ﴿مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ﴾ [التحريم:٦] وورد في بعض الآثار صفة إسرافيل هذا: (أن رجليه تحت تخوم الأرض السابعة، وركبتيه في السماء السابعة، والعرش على كاهله، ورقبته ملوية تحت العرش، وقد قدم رجلاً وأخر أخرى، وعين في الرحمن وعين في الصور ينتظر الأمر من الله بالنفخ في الصور) حتى ورد في بعض الآثار أن النبي ﷺ لما رآه ليلة الإسراء والمعراج قال: (إني ظننت من تأهبه أني ما أبلغ الأرض حتى تقوم الساعة) وذلك لاستعداده، وقال في حديث آخر: (كيف أنعم وصاحب الصور قد التقم الصور). وقد أخبر النبي ﷺ أن إسرافيل مستعد دائماً للنفخ فيه منذ أن خلقه الله ، ففي مستدرك الحاكم قال: قال رسول الله ﷺ : (إن طرف صاحب الصور منذ خلق مستعد ينظر نحو العرش مخافة أن يؤمر قبل أن يرتد إليه طرفه، كأن عينيه كوكبان دريان) العين مثل الكوكب الدري، وهو النجم الكبير! إذاً كيف الرأس؟ وكيف الجسم؟! مهما تتصور فلن تقدر على تصوره، ويقول ﵊: (إنه منذ خلقه الله ووكل بالنفخ في الصور وعينه في الله ؛ يخشى أن تغيب عينه طرفة واحدة فيؤمر بالنفخ) ولذا فهو مستعد دائماً، والحديث صحيح صححه الحاكم ووافقه الذهبي. وهذا الكلام يقوله النبي ﷺ قبل (١٤٠٠) سنة، وأما في زماننا هذا وبعد هذه السنين الطويلة الذي اقتربت فيه الساعة وحدثت فيه أشراطها وعلاماتها فقد أصبح إسرافيل أكثر استعداداً وتهيؤاً للنفخ في الصور، فقد روى ابن المبارك، والترمذي، وأبو نعيم في الحلية، وابن حبان في صحيحه، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (كيف أنعم -أي: كيف أستريح وأستقر- وقد التقم صاحب القرن القرن، وحنى جبهته، وأصغى سمعه ينتظر أن يؤمر أن ينفخ فيه فينفخ! فقال الصحابة لما سمعوا الخبر: كيف نقول يا رسول الله؟) أي: إذا نفخ في الصور ونحن موجودون معك كيف نقول؟ لأنهم تصوروا أنه من إخبار النبي ﷺ أنه يمكن أن ينفخ تلك الليلة أو غداً أو بعده -يعني: قريباً- قالوا: (كيف نقول يا رسول الله! قال: قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، توكلنا على الله، حسبنا الله ونعم الوكيل، توكلنا على الله).

стр. 678

يوم الجمعة هو يوم النفخ في الصور أما متى ينفخ؟ وما هو اليوم الذي ينفخ فيه؟ فإنه ورد في الأحاديث الصحيحة أنه ينفخ في الصور في يوم محدد من أيام الأسبوع وهو يوم الجمعة، فقد روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة؛ فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها، ولا تقوم الساعة إلا يوم الجمعة) وفي حديث آخر أخبر النبي ﷺ أن الساعة تقوم في يوم الجمعة وأنه يبعث الناس فيها، فعن أوس بن أوس قال: قال رسول الله ﷺ : (أفضل أيامكم يوم الجمعة؛ فيه خلق آدم، وفيه قبض، وفيه النفخة، وفيه الصعقة، فأكثروا عليَّ من الصلاة فيه؛ فإن صلاتكم معروضة عليَّ) صلوات الله وسلامه عليه. ولما كانت القيامة لا تقوم إلا يوم الجمعة فقد أخبر النبي ﷺ أن جميع المخلوقات في كل يوم جمعة تكون خائفة مشفقة وجلة مصيخة مذعنة إلا الجن والإنس، وهما المعنيان بالقيامة، ولكن بالرغم من هذا فهم غافلون؛ لا يتنبهون ولا يتورعون، بل يجعلون يوم الجمعة يوم الفسحة والتمشية والنزول إلى البحر وضياع صلاة الجمعة، وللأكل والشرب واللعب والسهر، يسهرون طوال الليل إلى الفجر، وبعد ذلك ينامون من بعد الفجر إلى العصر، ولا يعرفون لله أمراً ولا نهياً في هذه النزهات إلا من رحم الله. نحن لا نقول: لا يتنزه الناس، لكن لتكن النزهة في يوم الخميس، أما يوم الجمعة فيوم عبادة، وما أعطتك الدولة يوم الجمعة عطلة أسبوعية إلا لتتفرغ لعبادة الله، ولكي تبكر في يوم الجمعة من الصباح، فتغتسل وتتطهر وتتنظف وتتطيب وتلبس ملابسك وتأتي إلى الجمعة في الصفوف الأولى، وتقرأ سورة الكهف، ثم تصلي ما شاء الله لك من النوافل، ثم تقرأ العديد من الأجزاء، ثم إذا دخل الخطيب تنصت للخطبة، ثم تخرج من الصلاة وقد امتلأ قلبك إيماناً وعلماً وهداية ونوراً، فتسير في الأرض على ذكر الله، قال الله تعالى ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً﴾ [الجمعة:١٠] فقد أمر الله بذكره بعد الصلاة مع السير في الأرض، أما الذهاب وقضاء ليلة الجمعة ويومها في الغفلة فيمكن أن تقوم الساعة وأنت على معصية الله والعياذ بالله! ورد الحديث في سنن أبي داود، ومسند الإمام أحمد، وموطأ الإمام مالك، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة؛ فيه خلق آدم، وفيه هبط، وفيه تيب عليه، وفيه مات، وفيه تقوم الساعة، وما من دابة إلا وهي موصخة -أي: منتظرة وخائفة ووجلة- يوم الجمعة من حين تطلع الشمس، حتى تغرب إشفاقاً من الساعة إلا الجن والإنس).

стр. 679

الفرق بين نفخة الصعق ونفخة البعث الذي عليه العلماء في أصح قوليهم: أن النفخ مرتان: الأولى يحصل بها الصعق، والثانية يحصل بها البعث، قال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى﴾ [الزمر:٦٨] وهذه النفخة الثانية ﴿فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر:٦٨] وقد سمى الله في القرآن الكريم النفخة الأولى بالراجفة، وسمى الثانية بالرادفة قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ﴾ [النازعات:٦] أي: الأولى ﴿تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ﴾ [النازعات:٧] أي: الثانية التي يبعث الناس من قبورهم على أساسها. وفي موضع آخر سمى الأولى الصيحة، وصرح بالثانية بأنها النفخ فقال : ﴿مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ * فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ * وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ﴾ [يس:٤٩ - ٥١] أي: القبور ﴿إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ [يس:٥١] أي: يخرجون. وجاءت الأحاديث النبوية الصحيحة مصرحة بالنفختين، ففي صحيح البخاري ومسلم عن النبي ﷺ قال: (ما بين النفختين أربعون، قالوا: يا أبا هريرة! أربعون يوماً؟ قالوا: أبيت. قال: أربعون شهراً؟ قال: أبيت. قالوا: أربعون سنة؟ قال: أبيت) أي: لا أستطيع أن أقول لكم: هل هي أربعون يوماً أو شهراً أو ساعة، وقوله: أبيت، أي: لا أدري كم العدد أربعون. والحديث صحيح. وفي صحيح مسلم أن عبد الله بن عمرو بن العاص سمع النبي ﷺ يقول: (ثم ينفخ في الصور فلا يسمع أحد إلا أصغى ليتاً ورفع ليتاً، فتنفخ منه أجساد العباد -ينزل مطر بعد النفخة- ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون). وأخرج البيهقي عن ابن مسعود ﵁ موقوفاً وليس مرفوعاً إلى النبي ﷺ ، قال: [ثم يقوم ملك بين السماء والأرض فينفخ في الصور -والصور قرن- فلا يبقى خلق في السماوات ولا في الأرض إلا مات إلا ما شاء ربك، ثم يكون بين النفختين ما شاء الله أن يكون] وروى أوس بن أوس قال: إن رسول الله ﷺ قال: (إن أفضل أيامكم يوم الجمعة؛ فيه الصعقة، وفيه النفخة) فدل الحديث على أن النفخة شيء والصعقة شيء آخر، فالصعقة هي الأولى والنفخة هي الثانية، وقد رجح هذا الأمر معظم العلماء الذين استدلوا على ذلك بالآيات والأحاديث التي سقناها. وذهب بعضهم إلى أنها ثلاث نفخات: نفخة الفزع، ونفخة الصعق، ونفخة البعث. ولكن الصحيح الذي تسنده الأدلة أنها نفختان؛ للأحاديث الصحيحة الواردة في ذلك.

стр. 680

أقوام استثناهم الله من الصعق هناك أقوام لا يصعقون عندما ينفخ في الصور النفخة الأولى، يقول الله : ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الزمر:٦٨] ولكن من هم هؤلاء المستثنون الذين لا يصعقون حينما يصعق الناس كلهم؟ من هم الذين شاء الله ألا يصعقوا؟ اختلف العلماء فيهم ومن هم هؤلاء الذين قال الله فيهم: ﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الزمر:٦٨] فذهب كثير منهم وهو رأي الإمام أحمد بن حنبل وابن تيمية رحمهما الله إلى أن المراد بهم: الذين في الجنة من الحور العين والولدان، فإن هؤلاء لا يصعقون من ذلك، يقول ابن تيمية: وأما الاستثناء فهو يتناول ما في الجنة من الحور العين، فإن الجنة ليس فيها موت، فالذين في الجنة من الحور العين والولدان المخلدين ليس فيها موت حتى يموتوا، ولذا يصعق كل من على وجه الأرض، أما الذين في الجنة فإنهم لا يموتون. وقد ذهب بعض العلماء إلى مذاهب شتى في غيرهم، ولكن يقول بعض أهل العلم: الأولى بالمسلم التوقف في تعيين من استثناهم الله؛ لأنه لم يصح في ذلك نص يدل على تقسيمهم، وإنما هي فقط اجتهادات من أهل العلم. وقال بعضهم: إنهم إسرافيل وميكائيل وجبرائيل وعزرائيل ملك الموت، ثم يأمر الله ملك الموت فيقبض روح إسرافيل ويقبض روح جبرائيل ويقبض روح ميكائيل، ثم يقول الله له: من بقي؟ فيقول: ما بقي إلا أنت الحي القيوم وبقي عبدك. أي: بقي هو الذي يقبض أرواح الناس، فيقول الله له: لتذق ما أذقت الناس، لتمت. فيموت فلا يبقى أحد! فيقول الله تعالى: لمن الملك اليوم؟ لمن الملك اليوم؟ لمن الملك اليوم؟ فلا يرد عليه أحد، فيقول الله ويرد على نفسه: لله الواحد القهار. وبعدها يحيي الله إسرافيل، ثم يأمره بالنفخ فيحيا من على وجه الأرض. وهذه الأقوال وردت في كتب أهل العلم، ولكن الصحيح الذي يطمئن إليه القلب: أن يسلم المسلم ويتوقف في التعيين؛ لعدم وجود الدليل المصرح الذي ينص على المراد بهؤلاء الذين استثناهم الله. هذه الأشياء هي كل ما يتعلق بالنفخ -نفخة الصور- وما بعده من الأهوال سيكون موضع -إن شاء الله- موضوع المحاضرات أو الدروس القادمة، ونكتفي بهذا. ونسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يؤمننا وإياكم يوم الفزع الأكبر، وأن يجعلنا وإياكم ممن يظلهم في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

стр. 681

الأسئلة

стр. 682

حكم الجلوس لعزاء أهل الميت السؤال ما حكم الشرع في نصب الخيام والتجمعات للعزاء عند أهل الميت؛ مع العلم أن أهل الميت لم يكلفوا بشيء من نصب الخيام ولا الطعام الذي يقدم للناس فيها؟ الجواب هذه من الأمور التي حدثت في هذا الزمان وعمت وانتشرت وطمت، وقد صدرت الفتاوى من العلماء: بأن هذا الأمر غير جائز، وأنه منكر ومحرم، ولا ينبغي قبوله ولا السير مع الناس فيه، للأحاديث: روى الإمام أحمد في المسند حديثاً عن جرير بن عبد الله البجلي قال: [كنا نعد الجلوس للعزاء وصنع الطعام في بيت الميت جزءاً من النياحة] والنياحة هي: إظهار أي مظهر للتبرم والاعتراض على قضاء الله وقدره في الموت؛ إما بشق الجيوب، أو بلطم الخدود، أو بنتف الشعور، أو برفع الأصوات، أو بالتجمع وتعطيل الأعمال والجلوس؛ الجماعة كلهم يقعدون من أولهم إلى آخرهم، كل شخص يستأذن من عمله ويعطل دكانه ومزرعته ويجلس لماذا لم تداوم؟ قال: العزاء عند بيتي، كيف أدعهم وأذهب؟ فالجلوس هنا جزء من النياحة؛ لأن الناس في تجمهرهم وتجمعهم كأنهم يعترضون على قضاء الله وقدره، وهذا لا ينبغي، فكيف يعزى إذاً؟ قالوا: كان السلف يعزي بعضهم بعضاً في المقبرة وفي الطريق وفي المسجد وفي السوق، وحتى صاحب العزاء كان لا يجلس، بل كان يرجع من المقبرة ويذهب إلى مزرعته، ولا يقول: سوف أذهب فإن الناس سوف يأتوني، وإذا جاء أحد وسأل في البيت عن صاحب العزاء قيل له: هو في المزرعة، ثم يذهب ويعزيه في المزرعة. ولكن ما يحدث الآن من نصب الخيام، وفرش الفُرُش، وإيقاد الأنوار، وتجمعات الناس وبعد ذلك توضع قائمة للأكل: الغداء خروفان، والعشاء خروفان، والفطور خروفان هذا لم يعد عزاءً! أصبح حفلاً! وليمة! لو بعث الميت من قبره وجاء ودخل البيت ورآهم في هذه الحفلة، سيتصور أن أحداً تزوج في بيته أو أن عنده شيئاً من الأفراح، فإذا قالوا له: لا والله. ما عندنا زواجاً؛ ولكن تجمعنا لنأكل الخرفان لأنك مت، نذبح خروفين غداء وخروفين عشاء على رأسك، فماذا سيقول هذا المسكين؟ سيقول: حسبي الله ونعم الوكيل، كنت أتصور أنكم إذا مت لن تأكلوا الطعام وإذا بكم فرحتم بموتي وذبحتم الأغنام فرحاً وعيداً بموتي. فلا ينبغي هذا -يا أخي المسلم! - وإذا حصل هذا وجلسوا عندك فقل لهم: يا جماعة، لا يجوز لكم الجلوس، أنا أشكر لكم حرصكم ومواساتكم ورغبتكم في أن تقوموا باستقبال الضيوف أو المعزين، لكن سألت العلماء فقالوا: لا يجوز، فالآن أطلب من كلٍّ منكم أن يذهب إلى عمله. سوف يشكرونك ويقولون: بارك الله فيك، وجزاك الله خيراً، وكل شخص يريد الخروج، الكل يريد أن يذهب إلى عمله، لكن بعضهم يجلس خوفاً من العار، حتى أن شخصاً في قرية من القرى أخبرني أنه جاءه ضيوف في بيته وكان في العزاء فأرسلوا إليه الأولاد في العزاء قالوا: الضيوف في البيت. فأراد أن يأتي ليرحب بهم، فأتى إلى راعي العزاء وقال: جاءني ضيوف وأرسل إليَّ الأولاد، يقولون: الضيوف على الباب، هل أذهب أم لا؟ قال: والله لو تذهب خطوة واحدة فلن آتي إلى بيتك مدى الحياة والرجل مسكين، يقول: فخفت أن أقطعه وأعمل لي مشكلة فرجعت إلى أولادي وقلت لهم: قولوا لهم: الرجل في العزاء لن يأتي، وأنا والله كنت من الضيوف، ولم يأت الرجل، ثم ذهبنا. وقد حصل هذا عند كثير من الناس، أخ من الإخوة لما توفي عمه وجاء إليه الناس والجيران وعزوه، قال لهم: جزاكم الله خيراً، وبارك الله فيكم، والله يحفظكم ولا يريكم مكروهاً، لكن اعلموا أنه لا يجوز الجلوس، لا أنا سأجلس ولا أنتم ستجلسون، تفضلوا في أمان الله. فقالوا: الله يبارك فيك ويريحك، والله إننا نحمل همها؛ لأنه دائماً قيام وقعود، أي: كلما دخل شخص قالوا: أهلا بمن جاء، ثم يقومون ويقعدون، وهكذا، وبعضهم لا يأتيه المغرب إلا وقد تعبت عظامه من النهوض والقعود، مع أنها ليست في ديننا مما يثاب عليه الإنسان؛ وإنما هي عادة سنها الشيطان ولا داعي لها. فعليك إذا حصل عندك عزاء في بيتك أن تعتذر للناس، وإذا حصل عند جار لك أن تأتي إليه وتقول له: العزاء الذي عندك علي، وأنا أواسيك، وأسأل الله أن يغفر لميتك، وأنا لن أذهب لأداوم أو أذهب إلى عملي أو إلى مزرعتي من أجل أن أتركك، ولكنا سألنا العلماء عن الجلوس فقالوا: لا يجوز، فأرجو أن تعذرني وتعذر بقية الإخوان. فإن عذرك فالحمد لله، وإن أبى وقال: لا. لا أعذرك. فرب العالمين يرضى عليك، وعليك أن ترضي الله (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق). أما الطعام الذي يصنع فإن السنة أن يصنع الجيران طعاماً لأهل الميت؛ فإذا حصلت وفاة في بيت فعلى الجار أن يقول: يا إخوة: الغداء عندي اليوم، والله لا تصنعون في بيتكم شيئاً ولا تشبون ناراً، ثم يأتيهم في الظهر ويأتي لهم بنصف ذبيحة أو ذبيحة كاملة ويضعها في صحنين ويدخلها على أهل البيت: صحن للرجال وصحن للنساء، ولا يذوقه في البيت رجل من الضيوف، أو من القرية، إنما هو لأهل الميت، أما الطعام الذي يحصل الآن فإنه للجماعة، يأكلونه كلهم، وكل من أتى من هنا قالوا: هناك غداء فاذهب، هذا ليس لك! هذا هو دارك، هذه بدعة، وبعد ذلك أهل البيت ما يأتيهم شيئاً، وإن أتاهم شيئاً أتتهم العظام والصحون وغسلوا ونظفوا السفر. يقول لي أحد الإخوة -وقد توفي أخوه في قرية من القرى- يقول: والله لقد أتعبونا تعباً لا يعلم به إلا الله، يقول: نحن في عزاء وقلوبنا مكسورة وخواطرنا مسكورة -فقد مات أخوه في حادث مروري- يقول: والله ما عند الواحد منا فرصة أن يشرب كوباً من القهوة؛ فالصحون طالعة ونازلة! فقط، أكثر من (٢٥) خروفاً ذبحت في أيام العزاء! يقول: يأكلون ويقولون: نحن قلوبنا مقطعة لا نريد أن نأكل، وهم فقط يأكلون حتى الصباح. الذي يكثر من اللحم يقسو قلبه، يقول الغزالي: لا يكن قلبك أو بطنك مقبرة للحيوانات. تقبر فيه التيوس والخرفان والدجاج حتى يقسو قلبك؛ لأن الذي يأكل اللحوم من الوحوش هي من السباع المفترسة والطير أكلها الحبوب، والأنعام أكلها الحشائش والخضراوات، لكن الذي يأكل اللحوم هو الأسد والذئب؛ ولذا فالذي يكثر من اللحم يصير قلبه قاسياً جداً، فيقسو قلب الإنسان فلا يذكر الله ولا يذكر الموت وإنما يفرح؛ فكلما مات شخص قال: الحمد لله (نجلس فيها أسبوعاً نأكل). كذلك نصب الخيام لا مبرر له أصلاً، لماذا الناس ينصبون الخيام؟ ينصبونها لكي يتجمعوا، لكن لو أن كلاً في بيته، فالحمد لله كل منا الآن بيته واسع لا يحتاج إلى الخيام، وإذا جاء معزٍ لن يجلس أصلاً، سيأتي ويقول: السلام عليكم، أحسن الله عزاءكم، بلغنا وفاة فلان، ويعطيهم ويسلم ويمشي، ولكن لو جلسوا وهم ستون أو سبعون أو ثمانون رجلاً أو! أين يجلسون؟ لا بد أن يستأجروا لهم خيمة بثلاثة -أو أربعة- آلاف ويجلسون فيها، والثلاثة آلاف هذه لو أرسلت للمجاهدين الأفغان على نية الميت لكانت خيراً والله له ولهم، وثواباً يلحقهم إلى يوم القيامة. يقول الشيخ محمد بن صالح العثيمين: إنها إذا حولت إلى ذكر فإن هذا بدعة؛ لأنه إقرار للمنكر، إذا أردت أن تذكر فاذهب في غير هذا المكان، أما أن تقول: أنا أستغل التجمع هذا وأدخل عليهم وأقول لهم: يا إخوان! هذا الأمر لا يرضي الله. وامش، أما أن تجلس وتذكر فإنك بهذا تعطي شهادة بأن هذا الأمر مشروع، وتعطيهم مبرراً لهذا الموضوع، فعليك أن تخرج ولا تجلس في هذه الأماكن، وتحذر من هذا، تأتي إلى المجلس وتقول لهم: يا إخوان! هذا الأمر لا يجوز الجلوس فيه. وتمشي، فإن أطاعوك فالحمد لله، وإن لم يطيعوك فقد اكتسبت أجراً إن شاء الله.

стр. 683

حكم الاستنجاء من الريح السؤال بعض الناس ربما يفهم من كلامك في بعض الندوات عن الاستنجاء أن الريح لا ينقض الوضوء، وقد فهم بعض الناس هذا وصححت لهم فهمهم، وأخشى ألا يكون هذا الفهم عند الكثير من الناس، فأرجو التوضيح. الجواب نحن وضحنا وقلنا: إن الريح الذي يخرج من الإنسان ينقض الوضوء لكنه لا يوجب غسل القبل والدبر، أي: إذا خرج منك ريح وأردت أن تتوضأ من جديد فعليك أن: تغسل يديك ثم تتمضمض وتستنشق، ثم تغسل وجهك ويديك إلى المرفقين، ثم تمسح برأسك وتغسل رجليك، ولا تغسل موضع خروج الريح؛ لأن الريح ليس له أثر مادي حتى تغسله، لكن بعض الناس يتصور أن الاستنجاء جزء من الوضوء، وهذا خطأ، فإن الاستنجاء شيء والوضوء شيء آخر؛ الاستنجاء هو: إزالة الخارج من السبيلين بالماء، والاستجمار هو: إزالة الخارج من السبيلين بالحجارة، والوضوء هو: رفع الحدث عن طريق غسل الوجه واليدين إلى المرفقين ومسح الرأس وغسل والرجلين، يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة:٦] ولم يقل: اغسلوا تلك الأماكن، لكن بعض كبار السن وبعض الناس أصبحت عنده عادة ولو لم يخرج منه شيء، فإذا أراد أن يتوضأ ذهب واستنجى، لماذا تستنجي؟ قال: أريد أن أتوضأ، يا أخي! لا تستنج إلا عندما يخرج منك شيء، أما إذا لم يخرج منك شيء فاذهب واغسل أعضاء الوضوء فقط، وبعضهم يقول: أنا أجدد، لن أتوضأ لكن سأجدد! يسمي الوضوء مع غسل القبل والدبر وضوءاً، ويسمي الوضوء بدون غسلها تجديداً، فليس هناك تجديد، هذا هو الوضوء الشرعي، فيفهم هذا الكلام إن شاء الله.

стр. 684

حكم صرف الزكاة لصالح الدعوة السؤال ما رأيكم في من عنده زكاة واشترى بمثل هذه الزكاة -أو المبلغ الذي يريد إخراجه- أشرطة دينية ووزعها على مجموعة من الأفراد للدعوة إلى الله، فهل يعتبر هذا إخراجاً للزكاة؟ الجواب لا يعتبر إخراجاً للزكاة؛ لا يجوز أن يدعو إلى الله بمال الفقراء؟ لمن هذه الزكاة؟ يقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ [المعارج:٢٤] لمن؟ ﴿لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [المعارج:٢٥] فأخرج الزكاة وأعط الفقير يأكلها، وأخرج للدعوة من جيبك، أما أن تدعو إلى الله من حق الفقير وحقك وراء ظهرك فما أخرجت الزكاة! وكثير من الناس يريد أن يحتال على الله في هذه المواضيع! الزكاة هذه ليس لك فيها فضل أبداً ولا لك فيها تصرف؛ هي مال الله الذي آتاه لك، وهو الذي أخذه ﵎ وأمرك بصرفه في وجهته الشرعية، وليس لك أن تتدخل فيها بحيث تصرفها وفق رغباتك وتحابي بها وتجامل، أخرج مال المسكين للمسكين والفقير, وبعد ذلك إذا أردت أن تدعو فعندك -يا أخي- (٩٧. ٥%) من كل مائة، وأخرج (٢. ٥) للفقير، لكن تأخذ حق الفقير وتضعها للأشرطة و (٩٧) تجعلها وراء ظهرك فهذا لا يصح، ومن يعمل هذا فعليه أن يخرج الزكاة من ماله.

стр. 685

العدد الذي تصح به الجمعة السؤال نحن سكان قرية صغيرة جداً، وفي يوم الجمعة لا يحضر سوى عدد قليل لا يتجاوز أربعة عشر رجلاً، فهل تصح صلاتنا بهذا العدد أم لا بد من وجود أربعين شخصاً؟ الجواب لا يشترط حضور أربعين شخصاً؛ لأن من اشترط من الفقهاء وهم الحنابلة وبعض الأئمة كانت أدلتهم أدلة ظنية اجتهادية فقط، إنما الصحيح من مذاهب العلماء: أن الجمعة تنعقد بما تنعقد به صلاة الجماعة، فلا يشترط لها أربعة عشر ولا أربعون وإنما يشترط لها ما يشترط للجماعة، فإذا حضر اثنان أو ثلاثة وخطب أحدهم واستمع الاثنان فقد حصلت الجمعة بإذن الله .

стр. 686

كيفية اختيار الأخ الصالح السؤال كيف أحصل على أخ في الله وصديق صالح؟ الجواب الأخ في الله ضروري جداً من ضروريات الحياة الإيمانية، ولهذا فالنبي ﷺ لما هاجر من مكة إلى المدينة ما هاجر لوحده، بل هاجر ومعه أبو بكر الصديق ﵁ وأرضاه؛ للاحتياج؛ لأن الطريق يحتاج إلى رفيق، ولهذا كان يثبته ويعينه، وكان يمشي مرة أمامه ومرة خلفه، ومرة عن يمينه ومرة عن شماله، فيقول ﵊: (ما لك يا أبا بكر؟ قال: أذكر الطلب -أي: من ورائه- فآتي وراءك، وأذكر الرصد -أي: من قدامه- فآتي أمامك) اللهم صلِّ وسلم على رسول الله. قال: (يا أبا بكر! ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟! لا تحزن إن الله معنا) فالرحلة طويلة جداً، والمشقات والمعاطف فيها كثيرة، ولا بد من رفيق صالح تختاره. أما كيف؟ فتختاره -أولاً- من المسجد، من أهل الصلاة والإيمان. ثانياً: تعرفه من سلوكه؛ من تصرفاته، وكلامه، ونظراته، وماذا يسمع، وماذا يقرأ، ومن الملابسات التي تحصل معك أنت وهو، فإن رأيته صالحاً في كل تصرفاته فعليك أن تمسك به وتسير معه في الطريق، أما إذا رأيته يأمرك بمنكر ويحبب لك السوء ويبغض إليك الطاعة ويزين لك المعصية؛ فاعلم أنه رفيق سوء! فاحذر منه وفر منه كما تفر من الأسد.

стр. 687

الثبات على الدين السؤال أسأل الله أن يجعل لك حظاً أوفر ولي ولجميع المسلمين في الدار الآخرة أنا شاب هداني الله ثم ذهبت إلى الجهاد، ومكثت مدة طويلة وعدت إلى السعودية ورجعت إلى الدنيا وارتكبت معاصي كثيرة والله المستعان! فأرجو الدعاء لي في هذا، وأرجو إرشادي وتوجيهي لعل الله يرحمني. الجواب هذه هي المصيبة -أيها الإخوة- والنكسة! هذه مصيبة؛ كان رسول الله ﷺ يقول: (اللهم إني أعوذ بك من الحور بعد الكور) والنكسة هذه صعبة جداً جداً، وقد ينتكس الإنسان نكسة تدخله النار -والعياذ بالله- ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون:٣] وأنت -يا أخي الشاب- يا من هداك الله ثم رفعك إلى أعلى درجات الدين؛ إلى ذروة الجهاد في سبيل الله، ثم ذهبت هناك ليس لأن تتنزه تركت المعاش والفراش والأهل والنوم والأمن وذهبت لتضحي بروحك وتقدم قلبك وقالبك في سبيل الله، هذه نعمة وفضل كبير لا يناله إلا أصحاب النفوس الكبيرة والحظ الأوفر عند الله ، ثم لما عدت لماذا انتكست؟! لماذا ترجع إلى المعاصي؟! لا إله إلا الله! ما ذقت طعم الإيمان؟! ما عرفت حلاوة الدين؟! أين إيمانك وأنت تقف في الخنادق -هناك- تسمع أزيز الطائرات وانفجار القذائف والقنابل من جانبك وعن يمينك وأنت تتمنى أن واحدة تأتي إليك لتقطعك قطعة قطعة لكي تمسي تلك الليلة في الجنة؟! أحد الإخوة لما رجع من هناك قلت له: كيف وضعكم؟ نحن هنا عندما نسمع الجهاد نشعر بالخوف؟ قال: والله ما هناك خوف، يقول: لما ذهبت هناك والله إنها لتنفجر على بُعد أمتار منا، وإني عندما أراها تنفجر أتمنى أن تأتي فيَّ لكي أمسي في الجنة، يقول: ولا تأتيني، ما هناك خوف، هناك أمن كامل، يقول: كنا نخرج من المعسكر إلى الجبهات كأننا والله نخرج في نزهة، إذا خرجت أنا الآن من هنا إلى القرعة أو إلى السودة وأنا في نزهة أشعر بخوف أن يأتني حادث مروري فأموت، لكن هناك يقول: الطائرات تضرب والقذائف تنفجر ونحن في خنادق الموت ولكن لا يوجد خوف، بل نفرح بالموت! فما دام أن الله ثبتك -يا أخي- وجعلك من عباد الله المجاهدين فلم ترضى بالدنية؟ لماذا ترجع وتتمرغ في القاذورات؟ لماذا ترجع توسخ نفسك بالمعاصي؟ إن المعاصي حجاب بينك وبين الله، ويُخشى عليك -يا أخي- أن يختم على قلبك، فنسأل الله الذي لا إله إلا هو الذي هداك وقواك وأذهبك إلى الجهاد الأفغاني ثم رجعت إلى هنا أن يعيدك إلى ما كنت عليه من الثبات والإيمان والهداية، وأن يثبتك على هذا حتى تلقاه وجميع شباب المسلمين. أما الوصية التي نرشدك إليها: فعليك أولاً أن تكثر من تلاوة كتاب الله؛ لأنه أعظم مثبت، فلا يوجد مثل القرآن، والله ما من شخص ينتكس إلا بسبب ترك القرآن، فأكثر من تلاوة القرآن بالليل والنهار، واجعل المصحف في جيبك، واتل التلاوة الشرعية التي فيها تدبر، لا تترك فرصة من الفرص إلا وأنت تفتح المصحف؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً﴾ [الفرقان:٣٢] فالقرآن مثبت. ثانياً: أكثر من الطاعات الأعمال الصالحة؛ فالأعمال الصالحة كثيرة جداً جداً، منها: قيام الليل، وصيام الإثنين والخميس من كل أسبوع، والحضور إلى مجالس الذكر اجعل أوقاتك كلها مجالس ذكر، لا تترك ندوة ولا تسمع بها في الخميس أو في أبها أو في أي مكان إلا وتشغل سيارتك وتذهب إليها؛ لأنك لا يمكن أن تخرج من مجلس من مجالس العلم إلا بخير، لكن لما تبعدْ تضعفْ وتهزلْ. ثالثاً: احذر من المعاصي والذنوب، ومن سماع الأغاني؛ لأنها تبدأ الخطوات خطوة خطوة، الشيطان لا يأمرك رأساً أن تعصي الله وتترك الدين، بل يأتيك خطوة خطوة؛ يزين لك، ويخطط للمؤامرة ويقول: اسمع طرف الأغنية، هذه موسيقى اسمعها، فإذا سمعتها قليلاً قليلاً إلى أن تنتكس تماماً ولا حولا ولا قوة إلا بالله! واحذر من سماع أصوات النساء خصوصاً في المكالمات الهاتفية، فإن التليفون الآن يفتن ويسبب إزعاجاً كبيراً للمؤمن، فاقطع الخط بمجرد أن تسمع صوت امرأة، ولا تتكلم معها أبداً إلا إذا كانت ذات محرم لك، حتى ولو كان هدفها طيباً. وبعض الشباب يقول: إنها تسألني عن أمر ديني. نقول لك: لا تتكلم ولو كان عن أمرٍ ديني، دع دينها لها ودينك لك، نريد الربح فنعود بربحين ونصبح في مواضيع أخرى! حولها على المشايخ والعلماء كبار السن؛ لأن هناك من العلماء والمشايخ من بلغوا درجة من السن والثبات والقوة في الإيمان بحيث أصبحت هذه الأمور عندهم شيئاً طبيعياً -لم يعد يحصل لهم فتنة؛ لأن الله قد جعل لهم نوراً في قلوبهم، كما يقول النبي ﷺ في حديث في صحيح مسلم: (تعرض الذنوب -أي: المعاصي- على القلوب كالحصير عوداً عوداً) وفي رواية: (عَوداً عَوداً) أي: مرة بعد مرة، لكن رواية: (عُوداً عُوداً) أقوى؛ لأنه يوضحها: كالحصير؛ حصير الفراش الذي فيه عيدان (تعرض الذنوب على القلوب كالحصير عوداً عوداً) هذا الحديث -يا إخواني- من أعظم الأحاديث في صحيح مسلم (فأي قلب أشربها -أي: قبلها؛ قبل الذنب ورضي به- نكتت فيه نكتة سوداء) أول ذنب نكتة سوداء، وثاني ذنب نكتة ثانية، وثالث ذنب نكتة ثالثة وهكذا (وأي قلب أنكرها) بمجرد ما عرض عليه ذلك الذنب بنتاً رأيتها فغضضت بصرك وأغنية سمعتها فأغلقتها ودخاناً تركت مكانه أي منكر يعرض عليك تتركه (وأي قلب أنكرها صقل قلبه -أي: جلي- حتى يكون أبيض مثل الصفا) قال: (حتى تصير القلوب على قلبين: قلب أسود مرباد -من كثرة النقاط السود، مرباد: يعني متراكم- كالكوز مجخياً -أي منكوساً- لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً إلا ما أشرب من هواه) لا يعرف معروفاً؛ تقول له: هذا معروف. يقول: المعروف الأغاني والنوم والتمشية لماذا؟ لأنه منكوس، والله لو قرأت عليه القرآن كله وأعطيته الأحاديث كلها حتى ولو بعث النبي ليكلمه لم يعد ينفع فيه وعظ؛ لأنه ليس عنده مجال للاستيعاب فهو منكوس، وبعد ذلك قلبه مغطى بطبقات كبيرة من الظلام والران من كثرة المعاصي؛ حتى لم يعد للقرآن أثر يصل إلى قلبه؛ لأنه محجوب، يقول الله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [المطففين:١٤] أي: غطى على قلوبهم ﴿مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين:١٤]. قال ﵊: (حتى تصير القلوب على قلبين: قلب أسود مرباد كالكوز مجخياً لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً إلا ما أشرب من هواه) المعروف عنده: ما عرفه الهوى، والمنكر عنده: ما أنكره هواه لا ما عرفه الشرع وأنكره الشرع (وقلب أبيض كالصفاء -نسأل الله جميعاً من فضله، القلب الثاني: أبيض كالصفاء- لا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض) أي فتنة تأتي ترجع، مهما قيل ومهما عمل فيه لا يمكن أبداً. شخص من السلف سلطت عليه امرأة وتعرضت له، فلما تعرضت له ذكَّرها بالله فرجعت صالحة، وكثير من الناس تسلط عليهم فتن ومصائب من أجل إغوائهم ولكن عندهم (صدامات) قوية وموانع بحيث من حين تأتي المعصية تهرب مباشرة ولا تقرب منه. فنقول لك: عليك بطاعة الله، وانتبه من معصية الله، احذر منها ولو كانت صغيرة، فإن الصغيرة تجر إلى الكبيرة ثم تسقط والعياذ بالله، ودليل هذا قول الله : ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً﴾ [النساء:٦٦] فعلوا ما وعظوا به: ما وعظك الله به هو فعل طاعته وترك معصيته. رابعاً: عليك برفقاء الخير، رفقاء الإيمان، رفقاء الدرب إلى الله، ابحث لك عن رفقة صالحة: اثنين أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة تجلس معهم وتذهب معهم وتسمر معهم يعينوك على دين الله! واحذر ثم احذر من رفقاء السوء، فإنه لا ينفعك رفيق الخير إذا كان معك رفيق سوء، فلو معك مائة رفيق خير ورفيق سيء والله ما يقومون بهدايتك وأن هذا يستطيع أن يضلك؛ لأن رفقاء الخير يبنون ورفيق السوء يهدم، والهدم أسرع من البنيان، وقد قيل: أرى ألف بانٍ لا يقوم لهادم فكيف ببان خلفه ألف هادم؟! البنيان صعب والهدم سهل، أما ترى الباني وهو يبني الجدار من الصباح إلى المغرب، لكن إذا أتى شخص يريد أن يهدمه ماذا يصنع به؟ يضربه ضربة واحدة فقط ويسقط كله، البناء يوم والهدم لحظة، فأنت إذا جلست مع طيبين ثم جلست مع واحد فاسد أضلك، فلا بد من الحماية للصلاح؛ فاحذر من قرناء السوء!

стр. 688

الحذر من المعاصي في الخلوة السؤال شاب يشعر بأنه منافق ومراءٍ بالرغم من أنه يحفظ ربع القرآن، ويحافظ على الصلوات الخمس في المسجد، ويحضر دروس العلم، وينصح الناس، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ولا يستمع إلى الأغاني ولا إلى الأفلام، ولكنه إذا خلا لوحده ارتكب بعض المعاصي وخاصة الاستمناء باليد، وكلما حاول أن يترك هذه المعصية عاد إليها، فما نصيحتكم؟ الجواب أولاً: كونك تشعر -أيها الإنسان- بأنك مراءٍ أو منافق، فقد قال العلماء: إن الذي يشعر بأنه ليس مخلصاً أو أن عنده نفاقاً فإن ذلك برهان إنه ظاهرة صحية تدل على صلاح في القلب؛ لأنه ما أمن النفاق إلا منافق، ولا خافه إلا مؤمن، ويقول ابن أبي مليكة: [أدركت ثلاثين صحابياً كلهم يخشون على أنفسهم من النفاق] وكان عمر بن الخطاب يأتي إلى حذيفة بن اليمان ويقول له: [أسألك بالله هل عدني رسول الله من المنافقين؟] عمر وهو فاروق الإسلام ومشهود له بالجنة ويخاف من النفاق! لكن الذي نخاف عليك منه هو المعصية؛ لأنك الآن عندك خير؛ تحفظ شيئاً من القرآن، وتحافظ على الصلوات الخمس، وأيضاً تحضر دروس العلم، وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، ولا تسمع الأغاني لكنك إذا خلوت بنفسك بارزت الله بهذه المعصية، وهذه ليست سهلة؛ لأن الله يغضب عليك إذا مارستها، قال الله تعالى: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء:١٠٨] ﴿أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ﴾ [التوبة:١٣] وجاء في حديث ثوبان وهو في السنن: (يأتي يوم القيامة أقوام بحسنات كأمثال الجبال فيقول الله لها: كوني تراباً. فتصير تراباً وهباءً، فيقال: لم؟ قال: كانوا إذا خلوا بأنفسهم بارزوا الله بالعظائم). والاستنماء باليد الذي يسمونه بـ (العادة السرية) أو (نكاح اليد) من الكبائر! ولا ينبغي لك -أيها المسلم- أن تقع فيها بأي حال من الأحوال، ولا يفهم من كلامي -أيها الإخوة- أن الشخص لا يعصي ويصبح ملكاً من الملائكة؛ فإن العبد خطَّاء، ولا بد من الذنب، ولكن الذي نخشاه على الإنسان الاستمرار في الذنب، إنما كونك تخطئ وتتوب هذا جيد؛ لأنك إذا تبت تاب الله عليك وأرجعك إلى مكانك الأول، بل ربما يزيدك منزلة أكبر، لكن لا تتعمد الذنب، وإذا وقعت فيه فسارع بالتوبة منه ولا تصر عليه، وإذا تبت فحقق شروط التوبة، ومن ضمن شروطها: العزم على عدم العودة. هذا ونكتفي بما حصل، ونسأل الله لنا ولكم التوفيق في الدنيا والآخرة، والله أعلم.

стр. 689

فرصة الرجوع إلى الله إن من نعم الله العظيمة علينا أن جعل لنا مواسم نعرض فيها أنفسنا على الكتاب والسنة، ونراجع أنفسنا فيما بيننا وبين خالقنا جل وعلا. ومن هذه المواسم التي وهبها الله لهذه الأمة شهر رمضان بما يحمله من رحمات، وما يحويه من أحكام تجعل المسلم راغباً في الرجوع إلى ربه، والأوبة إلى خالقه وباريه. وهذا الموسم على ما فيه من المزية والفضل إلا أنه لا يخلو من الأخطاء التي يرتكبها البعض من إسراف في المآكل والمشارب، والسهر في غير ما طاعة، والتكاسل عن السعي في طلب الرزق بحجة الصيام والقيام، وغيرها من الأخطاء التي جرى التنبيه إليها في هذه المادة.

стр. 690

فضل شهر رمضان وأهميته الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم اجعل اجتماعنا هذا اجتماعاً مرحوماً، واجعل تفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، ولا تبق فينا ولا منا ولا معنا شقياً ولا محروما. اللهم خذ بنواصينا إلى الخير، وأعنا على طاعتك وعلى شكرك وذكرك وحسن عبادتك، واصرفنا يا مولانا عن السيئات والمعاصي والذنوب، فإنه من تقِ الذنوب والمعاصي والسيئات فقد رحمته وذلك هو الفوز العظيم.

стр. 691

استقبال رمضان أيها الإخوة في الله: يستقبل المسلمون ضيفاً كريماً، وغائباً عزيزاً، طالما انتظروه بقلوبٍ مفعمةٍ بالشوق حينما يستقبلونه، وبالحزن والأسى والندم حينما يودعونه، ضيفٌ إذا جاء أقبل معه الخير، وجاءت معه البركات من كل جانب، شهرٌ عظيم يقول فيه النبي ﷺ : (أتاكم شهر رمضان، شهر أوله رحمة، وأوسطه مغفرة، وآخره عتق من النار) ينادي منادٍ في أول ليلة من لياليه: (يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر) تفتح فيه أبواب الجنة فلا يغلق منها باب، مفتوحة على مصاريعها، إنها فرصة عظيمة لمن يريد أن يعود إلى الله، وتغلق فيه أبواب النيران فلا يفتح منها باب، وتغل فيه مردة الشياطين فلا يخلصون إلى شيء مما كانوا يخلصون إليه في غير رمضان. يضاعف الله فيه الحسنات، من عمل فيه حسنة كان كمن عمل ألف حسنة فيما سواه، ومن أدى فيه فريضة كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه، يغفر الله في كل ليلة لعددٍ عظيم من الخلق، كلهم قد استوجبوا النار، وهو موسم لا ينبغي للمتاجر مع الله أن يدعه.

стр. 692

رمضان موسم التجارة مع الله الناس الآن في حياتهم التجارية لديهم مواسم، فكل إنسان عنده تجارة لا بد أن يكون عنده جزء من العام، يضاعف فيه جهوده، أعطيكم مثالاً الآن: تجار الملابس والأزياء يعدون للصيف ملابسه ويعدون للشتاء ملابسه، فإذا جاء وقت الشتاء فماذا يجهزون؟ الأصواف (والأكوات والفنايل والشراريب والغتر) التي تصلح للشتاء، ويعرضونها ويكثرون منها في هذا الفصل، فإذا جاء الصيف فإنهم يأخذون كل هذه الملابس ويردونها إلى المخازن ويأتون بشيء يصلح للصيف، وهكذا كل تاجر يعرض ما يناسب في الوقت المناسب، وأيضاً يعطي رعاية لهذه البضاعة التي يقدمها ويقبل عليها الناس في هذا الموسم. والناس كذلك في تجارتهم مع الله التجارة الرابحة التي يقول الله فيها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ [فاطر:٢٩] والتي يقول فيها : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الصف:١٠] هذه التجارة الرابحة مع الله على مدار العام، عبر فرائض محددة، وواجبات معينة، ومنكرات ممنوعة، وكبائر محذورة، ولكن هناك فرص ومواسم يتيحها الله لأهل هذه التجارة ليضاعف لهم الحسنات. ومن أعظم المواسم التي مَنَّ الله بها على هذه الأمة: شهر رمضان المبارك، وهو فرصة لمن أراد أن يتوب، وإن الله يقبل توبة التائبين في كل وقتٍ، ولكن في رمضان يزيد فتح عطائه على الناس: فيا من جفت روحه! ويا من قسا قلبه! ويا من قاده شيطانه واستفزه إلى المعاصي والذنوب! هاهي فرصتك لتتوب عبر هذا المشوار العظيم مع الله في شهر رمضان.

стр. 693

رمضان دورة تدريبية للمؤمنين وهو أيضاً دورة تدريبية إلزامية للمؤمنين على العمل الصالح، يلزم الله عباده المؤمنين بأن يدخلوا ضمن هذه الدورة التدريبية التي مدتها شهر، يتدربون فيها على الصيام، ويتدربون فيها على القيام، ويتدربون فيها على الإنفاق، ويتدربون فيها على الصبر والتحمل وكظم الغيظ، ويتدربون فيها على حفظ أسماعهم؛ لأنهم صائمون، فكيف يصوم ويسمع الأغاني؟! ويتدربون فيها على حفظ أبصارهم، كيف يصومون ويطلقون أبصارهم في الحرام؟! ويتدربون فيها على حفظ ألسنتهم، إذ كيف يسوغ لهم أن يصوموا عن الحلال ويفطرون بألسنتهم على الغيبة والنميمة، والكذب واللعن، والسب والشتم وشهادة الزور؟ وهذه أصلها حرام قبل الصوم وفي رمضان صارت أشد حرمة! وبهذه الدورة التدريبية يطبع المسلم نفسه على أخلاق أهل الإيمان فلا ينتهي رمضان إلا وهو متدرب، ويبدأ بعد رمضان حياة الإيمان متكاملة، هذا هو الذي قبل الله صيامه أن يكون حاله بعد رمضان أعظم منه قبل رمضان، دورة تدريبية إلزامية.

стр. 694

فرض الصوم والحكمة من ذلك

стр. 695

صيام رمضان ركن من أركان الإسلام هذه الفريضة العظيمة ركن من أركان الإسلام، ومبنى من مبانيه، يقول الله فيها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ﴾ [البقرة:١٨٣] ومعنى كتب: فرض وأوجب عليكم ﴿الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٨٣] * ﴿أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة:١٨٤] وهذه الفريضة قد فرضها الله على سائر الأمم من قبلنا، فما من أمة بعث إليها نبي وأنزل إليها كتاب إلا وقد فرض عليها الصوم، ولكن يختلف في الهيئة والكيفية، والعدد والمدة والكمية عنه في هذه الأمة؛ لأن الله يقول: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً﴾ [المائدة:٤٨] ولكن المدة تختلف عن مدتنا، فكان من ضمن صومهم الكلام، يمسكون عن الطعام والشراب والنكاح وأيضاً عن الكلام، فمن تكلم كلمة بطل صومه، ولهذا قالت مريم لما قابلها قومها: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيّاً﴾ [مريم:٢٦] * ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً﴾ [مريم:٢٧] * ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً﴾ [مريم:٢٨] فما تكلمت بل أشارت؛ لأنها لو تكلمت لأفطرت ونقضت صومها: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيّاً﴾ [مريم:٢٩] * ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً﴾ [مريم:٣٠] * ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً﴾ [مريم:٣١] فالصوم فريضة عظيمة.

стр. 696

الحكمة من فرض الصوم ثم بين الله العلة التشريعية من فرضية هذا الصيام فقال: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٨٣] أي: هذه الفريضة الغرض من فرضها أن تتقوا الله، والعلماء يقولون: إن جميع الشرائع الغرض منها أن يتقي العبد ربه، لكن على وجه الخصوص الصيام؛ لأنه عبادة قلبية لا تظهر لأحدٍ على وجه الأرض، ولا يمكن أن يكتشف ما في قلبك أحد أو يعرف أنت صائم أم مفطر إلا الله، إذ بإمكانك أن تتظاهر للناس، فتتسحر مع أهلك السحور، وتخرج مع الناس صائماً في رمضان، ولكن تستطيع أن تختفي عن أعين الناس وتتناول شيئاً من المفطرات ولكن الله يراك، ولذا الذي لا يتناول شيئاً من المفطرات لا مع الناس ولا مع نفسه يبرهن على أنه يتقي الله، ويدلل على أنه يشعر برقابة الله، ولذا جاء في الحديث القدسي: (يقول الله : كل عمل ابن آدم له الحسنة بعشر أمثالها، إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به) فالصوم خالص لله ليس لك؛ لأنك تعبد الله فيه كأنك تراه، فأين تذهب؟ أتدخل في الغرفة لتأكل؟ لكن ربي يراك، ولذا إذا لم تأكل وأنت لوحدك ولا أحد يراك دللت على أنك تراقب الله، وأنك تؤمن بأن الله يراك، وهذه مرتبة المحسنين، وهي: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك. ويقول النبي ﷺ والحديث في الصحيحين: (بني الإسلام على خمسٍ: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام من استطاع إليه سبيلا). والله فرض هذا الصيام لحكمٍ جليلة أعظمها وأهمها كما قلت: أن يتقي العبد ربه وأن يشعر بمخافة الله.

стр. 697

الحكم الأخرى من فرضية الصيام ومن ضمن الحكم التي شرعها الله في حكمة الصيام التي يذكرها العلماء في كتبهم: أن يشعر الإنسان بـ (لذعة) الجوع أثناء رمضان، فيحس ويدرك أن هناك فقراء من المسلمين يشعرون بهذه الـ (لذعة) وهذه الحرارة من الجوع على سائر أيام العام، هناك فقراء في العالم الإسلامي رمضان عندهم ليس شهراً واحداً، بل هو عندهم سنة كاملة، لا يعرفون كيف يأكلون، وقد رأيتم فيما عرض عليكم في الذين اجتاحتهم المجاعة في أفريقيا من المسلمين المساكين لما قدمت لهم الأطعمة ما استطاعوا أن يأكلوها، أحدهم ليس متعوداً أن يأكل هذا الطعام، وهناك أناس يعيشون طوال العام على الفقر، ويعانون من آلام الجوع طول الزمان، فالله أذاقك هذه الحرارة وهذه الـ (لذعة) من أجل أن تواسي إخوانك المسلمين بجزء من مالك، وتتعرف على الفقراء، وتعطيهم حتى يعطيك الله يوم القيامة. من ضمن الحكم: أن يستعلي الإنسان على شهواته وعاداته، فيبرهن بقوة إيمانه أنه أكبر من الشهوات وأكبر من العادات، أنا متعود أن أتغدى كل يوم لكن الله أمرني بالصيام، إذاً لا أفطر، أنا كنت أغضب لأتفه الأسباب وكنت عصبي المزاج وحاد التصرف؛ لكن إذا كنت صائماً فلو ضربني الناس فسأقول: اللهم إني صائم، ولهذا جاء في الحديث: (فإن سابه أحد فليقل: إني صائم) يقول: أنا فوق، أنا لست في درجتك يا من تسبني! يا من تستثيرني! يا من تريد أن تسحب لساني فأقع معك في معصية تفسد عليَّ صومي، أو تنقص عليَّ أجري أنا صائم، ولذا فسب، واعمل ما شئت، قل ما تشاء، أنا لا أنزل إلى مستواك أنا صائم. هذا انتصار على النفس، هيمنة وسيطرة وقوة على النفس البشرية. ومن ضمن الحكم أيضاً: حفظ الصحة للعبد، وفي الحديث وهو في السنن: (صوموا تصحوا) والعلماء الآن يقولون: إن في الغرب - أمريكا وأوروبا - العلاج الآن بدأ بأسلوب جديد من الأساليب الحديثة هو أسلوب العلاج بالصوم؛ لأن المعدة والجهاز الهضمي على مدار العام يحصل لديه تعب من كثرة ما يتناول الإنسان فيه من الأكل، ويحتاج إلى إجازة، كما أن الموظف عندنا الآن يحتاج إلى إجازة سنوية، فكل سنة يأخذ له شهراً يرتاح فيه من أتعاب العمل ومشاكل العمل، ويأخذ أهله وزوجته وأولاده ويذهب إلى مكة، أو يذهب إلى أهله في القرية من أجل أن يجدد نشاطه ويعود إلى العمل بنفسية منفتحة، وبقلب مشرق، وبأداء متميز لماذا؟ لأن الإنسان يتعب من الدوام المتكرر كل يوم، فيعطونه في أنظمة العمل وفي أنظمة الموظفين شهراً إجازة، ولله المثل الأعلى. هذه المعدة عبر توالي الشهور والأيام عليها وهي تشتغل في الصباح وفي الظهر وفي المساء، فلا بد لها من إجازة، فأعطى الله للمسلمين شهراً من أجل أن يعطوا راحة لهذه المعدة من كثرة الطعام.

стр. 698

فهم الناس لرمضان على غير مراده المصيبة أن الناس فهموا رمضان على غير مراده، فهموه بغير الطريقة التي أرادها الله منهم، ففهموه أنه شهر أكل، وشهر مطاعم ومشارب، وشهر تفنن في تنويع الأكلات، ولذا ترون التجار يستغلون هذه الموسم فيجلبون البضائع والأنواع التي تطلب منهم في رمضان ويعرضونها. انظر الآن أمام الدكاكين؛ كل تاجر يعرض المكرونة والشعيرية والعصيرات والكريمات وهذه الأصناف التي تشترى منهم في رمضان، ويأتي الرجل في أول رمضان، بدلاً من أن يشعر بأن من واجباته أن يخفض المصروفات، فإذا كان يستغرق في كل شهر ذبيحة واحدة، فبحكم دخول رمضان ينبغي أن تخفف الذبيحة إلى ذبيحة إلا ثلث، لأن الوجبات كانت في الماضي ثلاث وجبات، وفي رمضان تصبح وجبتين (عشاء وسحور) فالفطور لا يحسب؛ لأنه تمرة وفنجان قهوة لكن الآن بدلاً من أن كانت الذبيحة واحدة في الشهر صارت في رمضان ثلاث ذبائح، يعني: ليتنا جعلنا رمضان مثل شعبان وشوال، لكنا زدنا على رمضان أضعاف ما يحتاجه رمضان، وبعد ذلك ليست ذبيحة واحدة وإنما ذبائح من الغنم، ومن الدجاج، ومن الأسماك، ومن الطيور، وبعد ذلك من جميع ما لذ وطاب مما منح الله العباد من الأرزاق.

стр. 699

مخالفة الناس لآداب رمضان

стр. 700

الإسراف في المآكل في رمضان يحصل الآن مبالغة، وعند الناس عرف وعادة فيقال: سنة ما تخدم شهر ليست سنة، أنا أوفر حق سنة من أجل آكله في رمضان كله، فهو: يريد أن يحارب الجوع بأي وسيلة، فلا تراه في نهار رمضان أو قبل رمضان إلا مستعداً بالكراتين، وقد قلت للإخوة اليوم في الثانوية التجارية: إن واحداً من الأقارب اطلعت على بيان قدمته له زوجته بمطالب رمضان وإذا فيه (كرتون مكرونة) -وكان هو وزوجته وطفلان معهم- (كرتون شعيرية)، (كرتون نشا)، (كرتون قطر الموز)، وأنا كل شيء فهمته إلا (كرتون قطر الموز)، قطر الموز العلبة منه تكفي سنة؛ لأنك تضع على المحلبية قطرتين أو ثلاث من أجل تغيير النكهة، لكن أن تشتري (كرتوناً) لماذا؟ فلما قرأ علي قلت: يا أخي! لماذا هذه (الكراتين) من الذي سيأكل عندكم؟ قال: رمضان كريم! قلت: رمضان كريم من أجل تأكل ما في السوق؟ رمضان كريم من أجل أن تكون أنت كريماً، من أجل توفر جهداً مما عندك وجزءاً من مصروفاتك في شعبان وتصرفها على الفقراء والمساكين، تتعرف على الجيران، تأتي وأنت في الحي فتفيق في لحظة من اللحظات وتبحث عن البيوت التي بجوارك فتجد هذا موجوداً وهذا غير موجود، وهذا راتبه قليل، ثم تتعرف عن طريق السؤال وعن طريق التقصي على بيتٍ من بيوت جيرانك وتعرف أنه محتاج، فتأخذ الثلث الزائد أو أكثر منه من المصاريف وتذهب إلى السوق، وتشتري لهم نصف ذبيحة، وتضع معها من العلب التي تعتادها الناس في رمضان: الشربة، و (المكرونة)، والعدس وغيرها، ثم تحملها وتذهب بها إلى الفقير فهذا معنى (رمضان كريم) يعني: أن تكون أنت كريماً، أما كريم على بطنك فقط فهذا ليس بكرم، الكرم أن تخرج هذه الأشياء لمن يستحقها من عباد الله المؤمنين، فتجده يكدس ويملأ الدنيا فإذا بدأ رمضان، ففي الصباح بعد أن يخرج من دوامه يذهب إلى السوق، ويمضي ساعة أو ساعات وهو متنقل في البقالات وفي الأسواق المركزية، ولا يأخذ بيده، ولا يأخذ (بقرطاس)، بل يأخذ (عربية) ويطوف على كل ما في الدكان، ثم يملأها، شيء يأكله وشيء لا يأكله، بعض الناس يضع أشياء تفسد وتنتهي مدتها وهي في البيت، فلا يأكلها، لكن يريد أن يدفع عربية أمام الناس ليقولوا إنه كريم، وإنه إنسان يشتري لأولاده من كل ما لذ وطاب، ولكن لو طلبت من هذا الكريم عشرة ريالات للمجاهدين الأفغان أو لفقيرٍ مسكين لصعبت عليه العشرة الريالات، وكأنها مليون ريال، يقول: وعند مراد الله تفنى كميتٍ وعند مراد النفس تشدي وتلجم إذا كانت النفقة لله فبخلاء، وإذا كانت للنفس والشهوات والشيطان فما أكرم منا، ولا حول ولا قوة إلا بالله! وبعد ذلك يذهب بها إلى البيت وفي الليل يذهب إلى السوق، يمر على الحنيذ ويشتري، ويمر على المقلي من (السنبوسة) و (الطرمبة) و (القطائف) و (الحلبة) والخضار فيأكل، وأنا رأيت شخصاً ذهب وحمل من الجرجير والفجل والبصل والخس، قلت: ما عندك؟ ظننت أن عنده حظيرة بهائم؛ لأن هذا سوف يكفي لأربع أو خمس أبقار، قلت: ما عندك؟ قال: هذا يا شيخ للأولاد، هذه خضرة وفيها حديد وبدأ يعدد لي فوائدها، قلنا: زادك الله خيراً، نسأل الله أن يعيننا وإياك على هذه الأمور. الشاهد في الموضوع أن الواحد إذا أتى في المغرب أو قبل المغرب بساعة ويعود إلى البيت، وإذا عاد إلى البيت وجد ما لا يمكن أن يتصوره العقل، المرأة المسكينة تعلن حالة الاستنفار لكامل إمكانياتها وقواها البدنية من بعد صلاة الظهر، وتبدأ في إيقاد النيران، وقد كان بيت رسول الله ﷺ يدخل الهلال ثم الهلال ثم الهلال ولا يوقد في أبياته النار (لا توجد نار) قال عروة بن الزبير لـ عائشة ﵂: [يا أماه! فما طعامكم؟ قالت: الأسودان: التمر والماء] وعبرت بالأسود أي: رديء التمر. الأسودان التمر والماء، ثلاثة شهور لا توقد النار، ونحن توقد في بيوتنا النيران من كل جانب خصوصاً في شهر رمضان، فتجد الموقد فيه ست عيون كلها شغالة، وتحت فرن وفوق فرن، تحت شغال على (الكيك) والثاني شغال على (الرواني)، وفوق (السنبوسة) تقلب، وتدعو المرأة زوجها تقول: تعال قلِّب (السنبوسة)، وانتبه للسمك لا يحترق، وأنا سأذهب أنظر العيش لا يحترق، المهم غلبة وشغلة طويلة عريضة، والأولاد يشتغلون، وكل هذا من أجل ماذا؟ من أجل بطنك، هذا وقد كان آباؤك وأجدادك يفطرون على قهوة وعلى كسرة شعير، وهذا مر بنا، فكنا نعرف رمضان وليس رمضان إلا كسرة من الشعير وفنجان قهوة، ووالله إنها ألذ وأبرك من عشرين نوعاً من طعامنا هذا، ويقوم الناس للصلاة وبطونهم خفيفة، وأيضاً أمراضهم منعدمة، وحالتهم طيبة، وقلوبهم فيها خير، لكن الآن تجد المرأة واقفة على قدم وساق تدور وتصول وتجول، تملأ مائة صحن وهي تقرب من كل شكل، وبعد ذلك تدخل بها في الغرفة وتسردها، سفرة طويلة عريضة، فهذا هو العشاء. أما الفطور فحدث ولا حرج عن الفطور؛ الفطور هذا لو أكله جمل لفسدت معدته: فيقدمون صحن تمر، وخمسين أو ستين حبة (سنبوسة)، ومائة أو مائتين حبة (لقمة القاضي)، وصحنين قطائف، وأربع أو خمس (جيكات): عصير برتقال، وعصير توت، وعصير تفاح، وعصير عنب، هذا الفطور فقط، فمن يأكل هذا؟ فتنتهي الصلاة في المسجد وهو لا يزال يأكل، رغم أن الطب الآن يتوافق مع ما جاءت به السنة من الأمر بأن يفطر الرجل المسلم على تمرات، فإن لم يجد فماء، فإن لم يجد فلبن، قال العلماء والأطباء: إن المعدة خلال إمساك الإنسان من أول النهار إلى آخره تضمر وتحتاج إذا أردت أن تشغلها إلى عملية إدفاء، عملية تحريك لها، وهذا يتم عن طريق التمرات؛ لأن التمرة فيها سعرات حرارية، فإذا أخذ الإنسان تمرة أو تمرتين أو ثلاث تمرات أو سبع، هذه التمرات تذوب في المعدة وتشغلها، وتبدأ تهضم على مهلها حتى تكون قادرة على هضم الطعام، لكن إذا أتيت وأعطيتها كثيراً من (السنبوسة)؛ و (السنبوسة) هذه من أعقد الأطعمة؛ لأنها تحتوي على الخبز وعلى الزيت المقلي، وعلى اللحم وعلى البيض وعلى الخضار، كل هذه من أعقد الأطعمة وتحتاج المعدة وقتاً لكي تهضمها، فيأكل الإنسان هذه الأكلة ثم يذهب إلى الصلاة متأخراً، بعضهم يأتي وقد فاتته صلاة المغرب، ولا يدرك تكبيرة الإحرام؛ لأنه يأكل فيريد يسابق على هذه الأشياء. وبعضهم يأخذ (السنبوسة) لقمة واحدة ليس مستعداً يمضغها، لماذا؟ لأنه يريد يأكل كثيراً بسرعة من أجل أن يلحق الصلاة، وإن بلع الطعام قبل المضغ ففيه إتعاب للمعدة؛ لأن ما لم تمضغه بلسانك تضطر معدتك إلى هضمه بشكل أصعب، وبالتالي تتعب معدتك وتمرض في أول فرصة وفي أول مناسبة، ثم يصلي الإنسان ويعود بعد الصلاة ويجد السفرة الممدودة أمامه ذات الطول وذات العرض التي فيها كل ما لذ وطاب، ولا يعلم بأي شيء يبدأ، فيأكل من هذا ومن هذا، ولا بد من أن يعمم على جميع الأطعمة، ويا ويله إن كان أكل من نوع واحد؛ لأن أم العيال سوف تغضب منه، وتقول: أنا عملته لمن؟ وأنا تعبت من أجل مَنْ؟ والله ستأكل لقمة والله لتذوقنه، فيجيب يا بنت الحلال امتلأ بطني، قالت: لا. ما عملنا إلا لك، فيأكل ويرضيها ويملأ بطنه إلى أن يبلغ الحلقوم، وبعدها لا يستطيع أن يقوم من مقامه، حتى الماء يطلب إحضاره إليه، يقول: هات الماء أغسل يدي هنا، وبعد ذلك هاتوا المخدة؛ لأنها (بنشرت الكفرات) ونام، بعضهم ينام قبل العشاء، ثم يؤذن للعشاء وتقام الصلاة في المساجد وهو لا زال في البيت يغالط نفسه، وبعضهم يأتي وقد صلوا الفريضة ويصلي ركعتين أو أربع ركعات أو ست ركعات من التراويح ثم يخرج، ويقول: قد سمعنا يقولون إنها سنة، يعني: السنة ليست جيده في نظره؛ لأنه متعب حقيقة، هذا مسألة العشاء. وبعد العشاء بعد التراويح خذ ما تشاء من الأطعمة الأخرى والمكسرات والمشروبات وإلى وقت السحور، ثم السحور يتسحر الإنسان والسحور فيه بركة ولا نقول فيه شيئاً؛ لأن الرسول ﷺ أمر به مهما كان، فتسحروا كما قال ﵊ (تسحروا فإن في السحور بركة) هذه مسألة الطعام الذي من أجله ومن أجل الحد منه فرض الصيام، فكثرنا منه، أجل نحن قابلنا رمضان مقابلة غير صحيحة.

стр. 701

الخصومات والمشاحنات في رمضان أما مسألة الغضب في رمضان، فهذه شائعة عند الناس، ترى الرجل في نهار رمضان خاصة في نصف النهار وقد قطب جبينه وربط غترته على أنفه وعلى وجهه، فلا تقل له: السلام عليكم فيضاربك، وإذا كان مديراً أو موظفاً فلا تراجعه، فلو كانت سهلة عقدها عليك، لماذا؟ قال: رمضان كريم، أنا زعلان لأن بطني فارغة، يعني: لو كنت شَبِعاً فسوف أصلح معاملتك لكن (رمضان كريم)، فـ (رمضان كريم) من أجل تصير أنت كريماً أيضاً في خلقك، وفي معاملاتك وفي طبعك، حتى لو كنتُ مخطئاً ودخلت عليك وأغضبتك فلا تغضب عليَّ لماذا؟ لأنك صائم تقول لي: اللهم إني صائم، لكن بالعكس الآن تجد المضاربات في الأسواق، والمضاربات في المكاتب والدوائر، والزعل كله من أجل رمضان، لماذا؟ لأن الذي يتحكم فيه بطنه لا يتحكم فيه عقله، فلما جاع بطنه ذهبت أخلاقه، لا حول ولا قوة إلا بالله! خصوصاً إذا كان ممن يتناولون الدخان، الدخان إذا تناوله الإنسان ثم انقطع عنه في نهار رمضان قامت قيامته، وأظلمت الدنيا في وجهه، فلا حول ولا قوة إلا بالله! هذه أيها الإخوة: مسألة الطعام ومسألة الغضب.

стр. 702

السهر وصرف الأوقات في غير الطاعة يبقى شيء ثالث تعوّده الناس في رمضان وهذا خطأ وهو: ليالي رمضان المباركة، ليالي القيام وليالي التراويح، وليالي العلم، وليالي الزيارة وصلة الرحم، وليالي العبادة وقراءة القرآن؛ هذه تحولت في زمان المسلمين إلا من رحم الله إلى ليالي ميتة، ليالي خبيثة، تملأ بالسهر القاتل، وباللهو الباطل على الورق، وعلى (الشيش)، وعلى الدخان، وعلى (الكيرم)، وعلى (الضومنة)، وعلى الأفلام -والعياذ بالله- وعلى المسلسلات، وعلى اللعن والشتم والسب والقصص الفارغة، حتى إن بعضهم ليستعد لرمضان من قبل دخوله بتشكيل (البشكات)، يقول: والله نريد نعمل لنا (بشكة)، لماذا؟ قال: (رمضان كريم) نريد نسمر لنحيي ليالي رمضان، وهو في الحقيقة لا يحييها وإنما يميتها.

стр. 703

برنامج مقترح لاستغلال رمضان استغلالاً صحيحاً إن إحياء ليالي رمضان لا يكون إلا بطاعة الله ، وحتى يكون المسلم على بصيرة من أمره فإنا نضع له برنامجاً إن شاء الله إذا سار عليه في رمضان فإنه يكون من الصائمين الصادقين المخلصين.

стр. 704

برنامج الأكل المناسب للصائم أولاً: لا تستعد لرمضان بشيء من المأكولات أكثر مما كان في شعبان، اجعل الأمر طبيعياً، ولا تصغ للنساء إذا طلبن منك وقل: حاضر أبشروا! لكن اتركه يدخل من أذن ويخرج من الأخرى، وأحضر ما يكفيك أنت وأهلك، وترى السوق مليان ولا تجد أزمة في الأسواق، هات لهم الذي يكفيهم ذاك اليوم، ونوعين أو ثلاثة أو أربعة ولا تكثف، فالغداء الذي كنت تتغداه أنت وأولادك من أرز ولحم اجعلوه عشاء وانتهى الموضوع، أما عشاء (كبسة) ورز وإدامات، ومن كل شكل ولون، وحلويات وأطعمة، هذه كلها لا تستطيع لها، فهي ترهقك وبالتالي أكثر الناس الآن في رمضان عند أبوابهم تجد الزبائل مليئة بالفضلات، نعم يا إخواني! والله لا يجدونها في بعض الدول وإنهم يموتون جوعاً ولا يرونها، ونحن نرميها في الزبائل، ولا نخاف الله . وأكثر الناس في رمضان وقد أخبرني أحد الأطباء يقول: إن المستشفيات تجند نفسها في بداية رمضان بمجموعة كبيرة من الأطباء خصوصاً أطباء الباطنية، لما يحدث عند الناس من مرض في بطونهم في أول رمضان، ولذا إذا أتيت المستشفى في رمضان بعد العشاء فستشاهد طوابير، وعلى من؟ لا تجد عند طبيب الأذن ولا واحد، ولا طبيب العين ولا واحد، ولا طبيب العظام، وإنما عند الباطنية، وعند هذا طابور وكل واحد يدخل يقول: يا دكتور بطني، بطنك من يدك، الله أكبر عليك، أوقف يدك يصلح بطنك، وبعضهم معه حبوب فجيبه ممتلئ، أكثر الناس معه حبوب ما هذه؟ قال: هذه حبوب الهضم حبوب الحموضة، يخرب من هنا ويصلح من هنا، خفف الأكل وكل بمقدار معين، وليس هناك داع للحبوب، أما أن تبني وتهدم فلا يا أخي! وفي هذه الليالي المباركة البرنامج الإيماني الذي نقترحه:

стр. 705

الاستعداد النفسي لاستقبال رمضان أولاً: أن يستعد الإنسان قلبياً ويفرح نفسياً برمضان، ويسأل الله أن يبلغه رمضان، كان الصحابة يقولون: [اللهم بارك لنا في رجب وشعبان، وبلغنا رمضان] والناظم يقول: يا ذا الذي ما كفاه الذنب في رجبٍ حتى عصى ربه في شهر شعبان ها قد أظلك شهر الصوم بعدهما فلا تصيره أيضاً شهر عصيان اتل الكتاب وسبح فيه مجتهداً فإنه شهر تسبيح وقرآن كم كنت تعرف ممن صام في سلفٍ من بين أهل وجيران وإخواني أفناهم الموت واستبقاك بعدهم حياً فما أقرب القاصي من الداني ومعجبٌ بثياب العيد يقطعها فأصبحت في غدٍ أثواب أكفان حتى متى يعمر الإنسان مسكنه مصير مسكنه قبر لإنسان وناظم آخر يقول: أيا شهر الصيام فدتك نفسي تعجل بالمجيء والانتقال فلا أدري إذا ما عدت يوماً على كل البرية كيف حالي أتلقاني مع الأحياء حياً أو أنك تلقني في اللحد بالي لا تعلم -يا أخي- يعود عليك رمضان أم لا، فرصة لك -يا أخي- مجيء رمضان، فجدد وضعك مع الله، واستقبله بنفسٍ مشرقة وقلبٍ حي، على أنه فرصة للعمل الصالح تنجح فيها -بإذن الله- ولذا جاء في الحديث الصحيح أن رسول الله ﷺ صعد المنبر وقال: (آمين آمين آمين، فقالوا له: يا رسول الله إنك تقول: آمين، وما سمعنا أحداً يكلمك؟ قال: أتاني جبريل فقال لي: رغم أنف -أي: خاب وخسر- من أدرك رمضان ولم يغفر له قل: آمين، فقلت: آمين). إذا لم يغفر لك في رمضان، وما تبت في رمضان، ولا اهتديت في رمضان؛ فمتى تتوب؟ أئذا دخلت النار تتوب وتقول: ردوني أعمل صالحاً، مثلما يقول أهل النار: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون:٩٩] ليس لك فرصة هناك، الآن فرصتك، الآن مد الله في أجلك، وأعطاك فرصة عظيمة عليك أن تستغلها. ثم قال لي: (رغم أنف من أدرك أحد أبويه أو كلاهما فلم يدخلاه الجنة -يعني: بالبر- قل: آمين، فقلت: آمين) الذي أمه وأبوه موجودان ولا دخل الجنة عن طريقهم فهذا خاسر، فرصة، وإذا مات أبوك وأمك فمن أين تأتي بهما؟ هل هناك آباء وأمهات يُشتَروْن في الأسواق من أجل تدخل بهم الجنة؟ والله لا يوجد، ليس معك إلا أمك وأباك، فإن هم أحياء فاستغلهم، فإنهم ضيوف عندك وسوف يموتون، عليك أن تبحث عن طاعة الله عن طريق طاعتهم، عليك أن تسلك إلى الله طريقاً عن طريقهم فإنهم باب الجنة: (الجنة تحت أقدام الأمهات) ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان:١٤] ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ [الإسراء:٢٣] والذي لا يتعرف على والديه ولا يتعرف على طاعتهم في الدنيا هذا جدير ألا يتعرف على طاعة الله؛ لأن أعرف الناس وأوثق الناس بك فضلاً بعد الله هم أبواك. والثالث قال: (ورغم أنف من ذكرت عنده ولم يصلَّ عليك قل: أبعده الله، قلت: آمين) لماذا؟ لأنه ما الذي ينقص عليه لما يقول: اللهم صلَّ على محمد ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب:٥٦] فإذا كنتم في الأرض محرومين لا تريدون أن تصلوا عليه، فالله في السماء وملائكته في السماء يصلون على النبي، ثم قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] وفي الحديث الصحيح: (من صلى عليَّ صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشرا) فأنت لست بخاسر، صلِّ واحدة وربي يعطيك عشرة منه.
следующие страницы →