Полный текст (2 982 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.
стр. 911
التوبة وشروطها
السؤال
كيف يبدأ الإنسان بالتوبة؟
الجواب
هذا سؤال هام جداً، يحتاج إلى وقت طويل، لكن يقول العلماء: العتبة نصف الطريق، إذا أراد الإنسان أن يسافر هل يسافر وهو في البيت؟ الجواب: لا.
لكن متى يقطع الطريق؟ إذا خرج من البيت، من أول ما يقطع عتبة البيت اعتبر أن الطريق نصفها ذهب؛ لأنه شرع في الطريق، وكذلك الذي يريد أن يتوب فالعتبة في طريق التوبة نصف الطريق، وهي ثلاثة أشياء: أولاً: الإقلاع من الذنب الذي أنت فيه.
الثاني: الندم على ما فات فيه.
ثالثاً: العزم على ألا تعود في الذنب.
هذه هي التوبة.
والأوقات ثلاثة: الأول: وقتٌ مضى، فاستغفر الله فيه.
الثاني: وقتٌ مستقبل، فاطلب الله أن يعينك فيه على الهداية.
الثالث: وقت حاضر، املأه بالطاعة، وحينها تكون من التائبين إن شاء الله! فتأتي إلى عينك التي تنظر إلى الحرام، وتقول: قفي يا عين! فأنا تائب، وتأتي إلى أذنك التي تسمع الغناء والحرام، تقول: والله لا أسمع، وتأتي إلى يدك التي كانت تمسك الحرام، تقول: تبت، ورجلك التي تسعى إلى الحرام تابت، وبطنك التي تأكل الحرام تابت، وفرجك إذا كان يرتكب الحرام تاب المهم أنك بالتوبة، لا تعمل شيئاً يغضب الله، وبعد ذلك إذا سمعت أمراً لله تذهب إليه إلى الصلاة في المسجد وإلى قراءة القرآن، وحلق العلم، وحفظ كتاب الله، والحب في الله وأصبحت من المهتدين، وعندما تمشي يوماً ويومين وثلاثة تكون قد قطعت نصف الطريق وأنت لا تدري إلا وأنت مع أهل الإيمان في روضة لا يجدها إلا هم في هذه الحياة.
стр. 912
حكم من قال بعد قراءة القرآن: صدق الله العظيم
السؤال
ما حكم من قال بعد قراءة القرآن: صدق الله العظيم؟
الجواب
اختلف أهل العلم في هذه الكلمة: فبعضهم يقول: لا شيء فيها، وبعضهم يقول: الأولى تركها، والراجح أن الأولى تركها؛ لأدلة: الدليل الأول: أنها لم تؤثر عن رسول الله ﷺ ، فقد أمر عبد الله بن مسعود ﵁ أن يقرأ عليه والحديث في الصحيحين فقال له: (اقرأ، قال: أأقرأ وعليك أنزل؟ قال: نعم.
فإني أحب أن أسمع من غيري، قال: فقرأت من سورة النساء حتى بلغت قول الله : ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً * يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً﴾ [النساء:٤١ - ٤٢] قال: فقال لي: حسبك، فنظرت إليه فإذا عيناه تذرفان بالدمع) صلوات الله وسلامه عليه، ولم يأمره بأن يقول: صدق الله العظيم.
وكان يقرأ ﷺ وينهي قراءته ولم ينقل أنه كان يقول: صدق الله العظيم، ولو قيل لنقل، ولم ينقل عن الصحابة ولا عن سلف هذه الأمة وإنما جاء في القرون المتأخرة.
الدليل الثاني: قال العلماء: إن التصديق إنما يكون لمن يحتمل ويتوقع منه الكذب، فأنت تقول: صدق الله العظيم، لكن الذي لا يتوقع منه إلا الصدق ليس بحاجة إلى تصديقك أليس كذلك؟ فأنت إذا كنت مدرساً وسألت الطالب سؤالاً، ثم أجاب الطالب بعد أن سألته -أي: أعطاك الجواب الصحيح- ما هو موقفك أنت؛ لأنك أعلم من الطالب، ماذا تقول؟ هل تقول: صدقت أم لا؟ لكن إذا جاء الطالب وسألك وقال لك: يا أستاذ: كم أركان الإسلام؟ فقلت أنت: أركان الإسلام خمسة، قال لك الطالب: صدقت، ماذا تقول له؟ تصفعه على وجهه، وتقول: ليس لك دخل صدقت أو ما صدقت، أنت تصدقني أنت، أنا أعرف بالعلم منك.
لا تقبل أنت أن يصدقك أحد وهو دونك؛ يقول:
ألم تر أن السيف ينقص قدره إذا قيل إن السيف أمضى من العصا
إذا قلت: والله إن هذا السيف أحسن من هذه العصا، ما رأيك تمدحه أم تذمه؟ تذمه؛ لأنك فاضلت بينه وبين العصا التي ما تنفع، فكيف تجعله أحسن من العصا، وبدون شك أنت ذممته، فتصديقك لله وهو لا يتوقع منه إلا الصدق كأنه معرض ذم، ولذا إذا انتهيت لا تقل: صدق الله العظيم.
وقال الشيخ عبد الله بن حميد رحمة الله تعالى عليه وقد سمعته بأذني وقد سأل في مكة عن هذه المسألة، قال: إن قاله إنسان فلا حرج إن شاء الله.
والله أعلم.
стр. 913
الرياء حكمه وكيفية العلاج منه
السؤال
يقول الأخ الكريم: إنني أريد أن أعمل أعمال الخير، ولكني أحياناً أحب المدح من الناس، فما هو العلاج بارك الله فيكم؟
الجواب
الذي يعمل العمل من الخير ويحب أن يثني عليه الناس هذا هو المرائي بعينه، وهذا هو الرياء، وعلامة المرائي أمران: أولاً: أنه ينشط في الملأ ويكسل في الخلوة.
ثانياً: أنه يزيد في العمل إن أثني عليه، وينقص إن لم يثن عليه.
ومعنى هذا: أن عمله ليس خالصاً لوجه الله، وهذا هو الرياء.
وطريق العلاج أن تعمل لوجه الله، وأن يستوي في نظرك المادح والذام، فإنه والله إن مدحك الناس كلهم لن ينفعوك، وإن ذمك الناس كلهم لن يضروك؛ لأن الذي ينفع مدحه ويضر ذمه هو الله، فإذا مدحك الله تعالى ولو ذمك الناس كلهم فحسبك الله، وإذا ذمك الله تعالى وقد مدحك الناس كلهم فإن الناس لن ينفعوك وقد ذمك الله تعالى، فعليك أن تخلص لوجه الله، وأن يستوي عندك الذام والمادح في دين الله .
стр. 914
داعية يذكر قبراً يشتعل ناراً
السؤال
يقول: أحد الدعاة نحسبه والله حسيبه من خيار الدعاة في جدة ألقى محاضرة بعنوان: اليوم الآخر، وأقسم بالله إنه يوجد في البلدة التي يسكن فيها قبر يشتعل ناراً كل صلاة مغرب، يقول: كلما أذن للمغرب يشتعل هذا القبر ناراً.
الجواب
هذا الأخ صادق، فقد ذكر ابن القيم قصصاً كثيرة جداً في هذا الموضوع، من ضمن القصص التي ذكرها: أن رجلاً صالحاً في قرية من قرى العراق في زمنه، كان ماراً في الليل من أمام المقبرة فوجد حماراً ينهق في المقبرة، فدار على القرية وصلى الفجر مع أهلها، وقال لهم: يا جماعة! مقبرتكم الآن أصبحت مزبلة للحمير، وحرمة الأموات كحرمة الأحياء، فاجعلوا عليها سوراً واحموها من الحمير حتى لا تؤذي الأموات في المقبرة، قالوا: لماذا؟ قال: لأني سمعت عندما أذن الفجر حماراً ينهق في المقبرة، قالوا له: إنه ليس حماراً، ولكن هذا شاب مات منذ أيام، وهذا الشاب كانت أمه إذا أيقظته للصلاة، تقول له: قم صل، فكان ينزعج منها ويقول لها: انهقي، ولا يقوم ليصلي، فلما مات كان كلما أذن للفجر سمع له نهيقاً من قبره كنهيق الحمار -والعياذ بالله- ينهق كما ينهق الحمار وهو معذب، فهذه القصص كثيرة جداً، وقد ذكرنا الكثير منها.
стр. 915
شرح أثر عن أحد السلف: (كيف وجدت الموت إلخ)
السؤال
يقول الأخ السائل: سئل أحد الصالحين: كيف وجدت الموت؟ قال: كأن السماء قد انطبقت على الأرض، وكأني أتنفس من ثقب إبرة، أذكر لنا هذا الوضع أو الشرح؟
الجواب
لا يحتاج الموضوع إلى شرح، فإنه أحد السلف لا يحضرني الآن اسمه، لما حصلت له الحشرجة وسكرات الموت ثم فرج عنه سأله أحد أولاده، قال: كيف وجدت الموت؟ قال: والله لقد رأيت كأني أتنفس من ثقب إبرة، وكأن السماوات قد أطبقت على الأرض من شدة الضيق والعذاب، وكأني أتنفس ليس من أنفي ولا من حنجرتي وإنما من خرق إبرة، ضاق نفسه! وهذا واقع؛ لأن الحشرجة والسكرات قوية، نسأل الله أن يخفف عنا وعنكم سكرات الموت.
стр. 916
علاج الانتكاسة بعد الصلاح
السؤال
يقول: أنا في بداية طريقي اجتهدت في عبادة ربي من قيام الليل، وركعتي الضحى، وصيام يوم الإثنين والخميس، ولكن بعد ذلك أخذت أتركها واحدةً واحدةً؛ وذلك بسبب مصاحبتي للأشرار، أرجو منك أن تنقذني قبل أن أذهب للهاوية؟
الجواب
لا إله إلا الله! هذه المصيبة -يا إخواني- أن ينتكس الإنسان بعد أن يذوق طعم الهداية والطاعة، يقول الله : ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون:٣] وإن من أسوأ الأشياء -يا أخي- أن تذوق طعم الدين ثم تنتكس -والعياذ بالله- ولكن طالما وأنت تسأل هذا السؤال وأنت في هذا المسجد فطريق العلاج -يا أخي- وطريق النجاة والإنقاذ لنفسك: أن تعود إلى طاعة الله ، وأن تعرف أن هذه الدنيا فانية وأنك سوف تموت، وربما تموت هذه الليلة، أو غداً، أو بعد غدٍ، أو بعد سنة، أو بعد شهر، فعليك أن تسارع بالتوبة قبل أن يأتيك الموت وأنت على غير الهداية، فتندم ندامة لا تسعد بعدها أبداً.
стр. 917
حكم التصوير
السؤال
يقول: ما حكم التصوير؟ وهل تصوير نصف الجسم جائز؟ وهل يقصد بالتصوير النحت أو صورة الكاميرا؟
الجواب
يقصد بالتصوير: التصوير اليدوي بالقلم والريشة ولا يقصد به النحت، فالنحت هو التمثيل؛ لأن حديث علي الذي فيه بعث أبي الهياج، قال: [ألا أبعثك على ما بعثني رسول الله ﷺ عليه؟ قال: نعم.
قال: بعثني على ألا أدع تمثالاً إلا كسرته، ولا صليباً إلا حطمته، ولا قبراً مشرفاً إلا سويته، ولا صورةً إلا طمستها].
فالصورة التي تكتب باليد هذه هي المحرمة، ولا يجوز للمسلم أن يصور ذوات الأرواح، وإذا كان رساماً أو فناناً أو ممن يشتغل في التربية الفنية فعليه أن يرسم ما لا روح له، مثل: الجبال، والأشجار، والأنهار، والسيارات، والطائرات، والدكاكين، والعمارات، والشوارع، والسماوات كل هذه يجوز تصويرها؛ لأنه لا روح لها، وهذا مباح إن شاء الله، أما غيرها فلا.
أما التصوير الفوتغرافي فقد اختلف أهل العلم فيه: فقال بعضهم: إنه لا يدخل ضمن دائرة التحريم.
وقال البعض الآخر: إنه محرم.
ودليل القول الأول: أن الإنسان لا يد له فيه، وإنما هو تثبيت للظل وحبس للصورة في الورق، كالمرآة إذا وقفت أمامها فإنك ترى صورتك، والوقوف أمام المرآة لم يقل أحد من أهل العلم أنه محرم، بل الرسول ﷺ نظر إلى المرآة وقال: (اللهم كما زينت خلقي فزين خلقي) ولكن هذه المرآة مثل الكاميرا غير أنها تختلف عنها بأنك إذا ذهبت من أمام المرآة تذهب الصورة، أما الكاميرا فتثبت الصورة التي خلقها الله ، هذا دليل القائلين بالجواز.
ودليل القول الآخر ودليلهم أقوى: إنه لا يمكن أن يحصل التثبيت للصورة إلا بفعل من الإنسان، فالإنسان هو الذي يضبط المسافات وهو الذي صنع العدسات وأدخل الفيلم ثم طبعه، وحمضه، وصور كل شيء، فأما الآلة فليست إلا وسيلة في سبيل هذا التثبيت، ولذا فإنه ينبغي للمسلم ألا يعمل هذا.
وبعضهم اعتدل في ذلك وقال: إن كانت الصورة للضرورة فلا بأس، مثل صورة: (الحفيظة) وصورة التابعية، والجواز، والرخصة للسيارة والتي تدعو إليها الحاجة فهذا لضرورة الأمة، ولا شيء فيه إن شاء الله، وهذا هو الذي يميل إليه الشيخ: محمد بن عثيمين، والشيخ: عبد العزيز بن باز بارك الله فيهما وحفظهما ومتع المسلمين بحياتهما.
وكذلك صور المجرمين فلو لم نعرف صور المجرمين ولم يعلن عنهم من أجل متابعتهم أو القبض عليهم أو التشهير بهم لما عرفنا ذلك، فهذه فيها مصلحة إن شاء الله.
стр. 918
الجراد تارة يأتي عذاباً وتارة رحمة
السؤال
يقول: انتشر الجراد وخيم على كثيرٍ من مناطق الجنوب، وخيم ضحى هذا اليوم على عددٍ من المناطق فنخشى، أن يحل بنا قارعة كقارعة اليمن الشقيق في الزلزال، أو السودان في الفيضانات وغيرها من بلاد العالم؟
الجواب
نقول يا أخي الكريم! نحن فعلاً كنا نخشى أن تصيبنا أو أن تصيب أي مسلم في كل بقعة من بقاع الأرض أي مصيبة أو قارعة أو زلزلة؛ لأن الناس عرضة لهذه المصائب، خاصة إذا أعرضوا عن دين الله ، فكلما أنعم الله على العباد ولم يشكروه فإنما يعرضون أنفسهم لسخط الله وغضبه، ولكن الجراد كما يقول أهل العلم: الجراد مثل المطر، يأتي أحياناً رحمة ويأتي أحياناً نقمة، فإذا جاء الجراد والناس جائعون فهو رحمة من الله بهم، وقد كان الناس في الماضي يعرفون هذا، وأنا أذكر أننا كنا نعتبر مجيء الجراد من أعظم نعم الله علينا -كان غوثاً من الله تعالى- يتابعه الناس ويمسون حيث أمسى ويسيرون كلهم برجالهم وحميرهم ودوابهم وجمالهم، ويعبئون الأكياس والبطانيات وكل شيء، وبعد ذلك يطبخونه في اليوم الثاني أعياد في البيوت، انظروا القدور مليئة بالجراد، ثم بعد ذلك يضعونه في المجالس -يفرغون المجالس كلها للجراد المطبوخ- ثم يقفلون عليها بالأقفال، ثم يأكلون سنة وسنتين وثلاث سنوات جراداً، هذه نعمة من الله أحياناً، وأحياناً يأتي عذاباً، أي: عندما تكون الثمار جيدة وكل شيء ناضج ساقه الله فأكل الأخضر واليابس.
وأذكر أنه جاءنا مرة تقريباً قبل خمسة وعشرين سنة جاءنا في وقت الظهر وما أتى المغرب إلا وما تجد في أبها ورقة خضراء! أكل الشجر حتى تركها مثل الحطب، وأكل المزارع والقضبان وأكل الأشجار، حتى الريحان الذي في البيوت والله إنه أكله، ولا ترك على عودٍ ورقة فهو عذاب مرة ورحمة مرة بحسب وضع الناس، مثل المطر: يأتي غيثاً ويأتي تدميراً، فلا يحكم به على كل حال بأنه عذاب.
стр. 919
حكم من قتل نفسه متعمداً
السؤال
يقول: يوجد لي صديق عزيز عليَّ وقد قتل نفسه متعمداً نظراً لفشله في الدراسة، ونعلم من الحديث الصحيح: (أن من قتل نفسه فهو خالدٌ مخلدٌ في النار) فهل يجوز لي أن أترحم عليه، وأن أدعو له بالرحمة؟
الجواب
من قتل نفسه -أيها الإخوة- فهو كافر في النار لما روي في صحيح البخاري وصحيح مسلم قال ﵊: (من تردى من جبلٍ فهو في نار جهنم يتردى إلى أم رأسه إلى يوم القيامة، ومن احتسى سماً فهو يحتسيه في نار جهنم، ومن طعن نفسه بحديدة فهو يتوجأ بها في النار إلى يوم القيامة).
وفي صحيح البخاري من حديث جندب بن جنادة ﵁: (أن رجلاً خرج فجرح في المعركة فما صبر، فقطع يده من أكحله حتى سال دمه ومات، فقال الله : عبدي ابتليته فما صبر بادرني بروحه فهو للنار) والعياذ بالله.
فهذا الذي قتل نفسه يقول العلماء: إن كان موحداً مصلياً مات على الإسلام وقتل نفسه فإنه سيعذب بمشيئة الله ، أو يغفر الله له بمشيئته، ولكن نهايته إلى الجنة، فيجوز لك أن تترحم عليه.
أما إذا علمت أنه كان كافراً لا يصلي، وكان -والعياذ بالله- في دينه قدح فإنه لا يترحم عليه؛ لهذا السبب؛ ولأنه في الأصل كافر، هذا هو تحقيق أهل العلم في هذا الموضوع.
أسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يرزقنا وإياكم الإيمان والهداية.
والله أعلم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 920
غمرات الموت
إن ظلم العبد لنفسه أو لربه أو لغيره لذنب عظيم يحتاج إلى توبة ورجوع إلى الله ، ولا يقلع عن هذا الظلم إلا الصادقون مع الله ، وإن من أعظم ما يعين المرء على ترك الظلم بكل أنواعه هو تذكر الموت وغمراته وشدة النزع عند توديع الدنيا والإقبال على الآخرة، فمن تذكر هادم اللذات ومفرق الجماعات فإنه حري به أن يتوب ويرجع إلى الله ، ويحسن عمله فتحسن خاتمته إن شاء الله.
стр. 921
أقسام الظلم
هذا اليوم الموافق للرابع والعشرين من شهر رجب، سنة ١٤٠٦هـ، وهو ضمن سلسلة دروس تأملات قرآنية، وتأملاتنا هذه الليلة ستكون بعنوان: (غمرات الموت) وهذا العنوان مأخوذ من آية قرآنية من سورة الأنعام، التي لا تزال تأملاتنا في آياتها، يقول الله : ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنعام:٩٣] هذه الآية الكريمة توضح مشهداً مفزعاً مرعباً للظالم لنفسه، وللظالم لربه، وللظالم لغيره الذي تجاوز حدود الله، وانتهك محارم الله، وضيع شريعة الله، ثم حانت فرصة القبض عليه في محبس يقال له: الموت، لا يستطيع أحد أن يفلت من قبضة الله عند الموت.
﴿وَلَوْ تَرَى﴾ [الأنعام:٩٣] لو ترى يا محمد! والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، لو ترى يا محمد! ولو ترى يا مسلم! لو ترى الظرف والمناسبة والمشهد المفزع للرجل الظالم وهو في لحظات الموت، الظلم ثلاثة أقسام:
стр. 922
ظلم العبد لربه
الظلم الأول: ظلم العبد لربه: وهو بأن يشرك به، قال حكاية عن لقمان وهو يعظ ابنه: ﴿يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣].
وهو في تعريفه اللغوي: وضع الشيء في غير موضعه.
فالعبادة الموضع الشرعي لها أن تكون لله؛ لأنه المعبود بحق، وهو الذي يستحق العبادة؛ لأنه هو الخالق، وما دام هو الخالق لوحده فيجب أن يكون هو المعبود لوحده، فإذا قدمت عبادة لغير الله فإن هذا ظلم؛ لأنه وضع للشيء في غير موضعه، ولهذا يقول لقمان لابنه: ﴿يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣].
والشرك ثلاثة أقسام باختصار: أولاً: شرك أكبر مخرج من الملة، مخلد لصاحبه في النار، يقول الله : ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة:٧٢] ولو صلى وصام وتصدق وحج وعمل عملاً كالجبال لكنه أشرك، قال الله : ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾ [الفرقان:٢٣]، وقال للرسول ﷺ : ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر:٦٥].
وتعريف الشرك الأكبر: هو أن تصرف نوعاً من أنواع العبادة مما لا يصرف إلا لله لغير الله، مثل: الدعاء، والدعاء هو العبادة، وفي الحديث الصحيح: (الدعاء مخ العبادة) ولا يدعى إلا الله، لا تدع نبياً، ولا تدع ولياً، ولا تدع صالحاً، ولا تدع ملكاً، ولا تدع جنياً، ولا تدع إنسياً، ولا تدع إلا الله، يقول الله : ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ [الجن:١٨] ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ [غافر:٦٠] أي: عن دعائي ﴿سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر:٦٠].
ولهذا يصرف بعض الناس الآن الدعاء لغير الله، وهو لا يدري، فيقول: يا نبي! المدد، يا نبي، يا ولي!، يا جني! وبعض الألفاظ الشائعة على بعض ألسنة الجهلة يقول: خذوه يا عفاريت! يا جن! ويقول: هذه لهجة، لكنها شركية، إذا اعتقدها صاحبها وتوجه بالدعاء إلى غير الله أشرك بالله، ولم ينتفع بعد ذلك بعبادة.
النذر يجب ألا ينذر إلا لله، الذبح لغير الله شرك، والطواف بالقبور، فلا يوجد طواف إلا ببيت الله، فمن طاف بقبر أو ضريح أو بأي شيء فإنه شرك.
فالطواف عبادة، وإذا طيف بهذا القبر عُبد من غير الله، أجل شرك.
كذلك التوكل الرغبة الرهبة الخشية الخشوع الخضوع الاستعانة الاستغاثة، كل أنواع العبادة هذه لا تصرف إلا لله وحده، فمن صرفها لغير الله فقد كفر أو أشرك.
ثانياً: شرك أصغر لا يخرج من الملة، ولكنه من أكبر الكبائر، وإذا استمر عليه الإنسان نقله إلى الأكبر، لا يستمر صغيراً لا يوجد صغير دائم، هل رأيتم إنساناً يعيش صغيراً دائماً؟ لا.
حتى الذنوب التي هي صغار مع الزمن تصبح كباراً، يقول الشاعر:
لا تحقرن من الذنوب صغيرا إن الصغير غداً يصير كبيرا
إن الصغير وإن تقادم عهده عند الإله مسطر تسطيرا
الشرك الأصغر مثل الرياء وهو: أن يعمل الإنسان عملاً لله في أصله، لكن يدخل عليه تحسينات من أجل أناس، يعني: شخص دخل المسجد وهو ما أتى يصلي إلا لله، ما عندنا شك أنه ما أتى يصلي للناس، لكن لما أخذ يصلي جعل ينظر وإذا هناك شخص ينظر إليه وله عنده مصلحة؛ فضبط الصلاة لكي يراه الشخص فيقول: والله فلان ما شاء الله! هذه الصلاة عنده! فأصل العمل لله لكن خالطه بعمل لغير الله فهو شرك لكنه أصغر.
أما إذا قصد الإنسان بالعمل أصلاً غير الله فهو شرك أكبر، مثل: الحلف بغير الله كالذي يحلف بالطلاق، أو يحلف بالنبي، أو يحلف بالأمانة، أو يحلف بأي شيء من غير الله، هذا شرك أصغر، لكن يقول العلماء: إن قصد به تعظيم المحلوف به صار شركاً أكبر، إذا كان يعتقد أنه لو حلف بالله يرى أنها يمين بسيطة، لكن لو حلف بالطلاق يرى أنه أعظم، وهذا عند كثير من الناس -خاصة الجهلة منهم- إذا أراد أن يقسم على قضية: إما على ضيوف، أو يريد أن يؤكد موضوعاً، أو يقول صدقاً، ويعلم أنه لو حلف بالله أن الناس لن يصدقوه فيطلق لكي يثبت للناس أنه صادق، هذا عدل عن الحلف بالله لتعظيم المحلوف الآخر وهو الطلاق، والناس لو حلف لهم بالله جعلوه يحنث، وإذا حلف عليهم بالطلاق يصدق، يعني: لو يأتيه ضيوف ويقول لهم: والله ما تذهبون، قالوا: جزاك الله خيراً، وخرجوا وتركوه، لكن لو قال: عليَّ الطلاق ما تذهبوا، فهل سيذهبون أو يجلسون؟ يقولون: لا تحرموه أولاده، لكن احرموه دينه، عرض عليهم وجه المرأة فأطاعوه، وعرض عليهم الله فرفضوه، هذا ينقلب إلى شرك أكبر.
ثالثاً: الشرك الخفي، وقد بينه النبي ﷺ وبين درجة خفائه وقال: (الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النملة السوداء، في الليلة الظلماء، على الصخرة الصماء) وتصوروا نملة سوداء، في ليلة ظلماء، على صخرة صماء، من يراها؟ الشرك أخفى منها وهو قول العبد: ما لي إلا الله وأنت، أنا متكل على الله وعليك، ومثل هذه الألفاظ، ولذلك شرع الرسول ﷺ لأمته وعلمهم دعاء يكفرون به مثل هذه الأمور وهو قول العبد: (اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم) هذا الظلم الأول: الشرك.
стр. 923
ظلم العبد لنفسه
الظلم الثاني: ظلم العبد لنفسه.
وهذا يكون باقتحام محارم الله وترك أوامره، يقول الله : ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق:١]، لمَّا تنظر إلى الحرام من ظلمت؟ نفسك، لماذا؟ لأنك سببت لنفسك عذاباً بأن تمتلئ أذنك وعينك هذه من جمر جهنم، إذاً أنت ظالم، أنت تتصور بنظرك للنساء والحرام أنك ترتاح، وهذا ظلم لنفسك، إذا استمعت إلى أغنية فقد ظلمت نفسك؛ لأنك سببت لنفسك بسماعك لهذه النعمة عذاباً: (من استمع إلى مغنٍ أو مغنية صب الله في أذنه يوم القيامة الرصاص المذاب) إذا وقع العبد في الزنا فقد ظلم نفسه؛ لأنه جر على نفسه فاحشة وفضيحة تدمره في الدنيا والآخرة: (ما عصي الله بذنب بعد الشرك أعظم من نطفة يضعها في فرج لا يحل له)، (ومن زنا بامرأة في الدنيا كان عليه وعليها في القبر نصف عذاب هذه الأمة)، (ووالذي نفس محمد بيده إن ريح فروج الزناة ليؤذي أهل النار) ويأتي الزاني يوم القيامة ويوقف بين يدي الله فتسقط فروة وجهه بين قدميه خجلاً من الله، فضيحة، لا حول ولا قوة إلا بالله! فعندما يزني العبد ماذا يحصل له؟ ظلم لنفسه.
عندما تأكل حراماً: ربا رشوة مخدرات سرقة خيانة غش، من تظن أنك ظلمت؟ تتصور أنك ظلمت الناس؟ لا.
ظلمت نفسك؛ لأنك تأكل حراماً، لأن كل المسلم على المسلم حرام، ولا يجوز أن تأكل درهماً ولا (ريالاً) ولا (هللة) على مسلم، كيف تأكل حراماً؟! فتظلم أخاك وتظلم نفسك.
من ظلم العبد لنفسه: ترك أوامر الله، عندما يسمع الأذان وينام ولا يقوم ليصلي هذا ظالم لنفسه؛ لأن الله دعاه إلى إنقاذ نفسه فظلمها، الذي يهجر القرآن ولا يقرؤه ظالم لنفسه؛ لأنه فوت على نفسه أرباحاً طائلة من الحسنات لا يعلمها إلا الله.
الذي لا يذكر الله في الصباح ولا في المساء ولا في سائر الأحوال ظالم لنفسه، الذي لا يدعو الله ولا يهتم بأمر المسلمين ولا يهتم بهذا الدين ظالم لنفسه: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق:١].
стр. 924
ظلم العبد لغيره
الظلم الثالث: ظلم العبد لغيره.
وهذا من أشد أنواع الظلم، ثلاثة دواوين: ديوان لا يغفره الله وهو الشرك، وديوان لا يغادر منه شيء وهو هذا الظلم؛ لأنه حقوق عباد، وحقوق العباد قائمة على المشاحاة، وديوان يغفره الله إذا تاب العبد وهو الذي بينك وبين الله؛ لأن حقوق الله قائمة على المسامحة، وإذا تبت تاب الله عليك.
أما حقوق الناس فلا.
فظلم الغير ظلم، إما بهتك عرض، أو بسرقة مال، أو بإراقة دم، أو بغيبة، أو بعدوان، أو بأي نوع من أنواع الظلم، والظلم قد حرمه الله، والحديث في مسلم، حديث قدسي يقول الله : (يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا)، (الظلم ظلمات يوم القيامة) خصوصاً من لا يجد عليك ناصراً إلا الله، وهذا دائماً هو الذي يظلم.
أما الكبير فلا أحد يقدر على ظلمه، لكن يقع الظلم غالباً على الطبقات السفلى، العامل يظلمه سيده: يظلمه بعمل شاق، يظلمه بتأخير إيجار، يظلمه بإساءة التعامل، يظلمه باحتقار وامتهان، لا، هذا يصبر على الظلم، لكنه عليك يرفع برقيات في الليل يدعو عليك، والله يفتح أبواب السماء لدعوة المظلوم، يقول ﵊: (واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب) تفتح لها أبواب السماء تسري بليل، لا تظلم من لا يجد عليك ناصراً إلا الله؛ لأنك إذا ظلمت شخصاً ضعيفاً ثم دعا عليك دعا عليك قوياً، وأنت لا تستطيع أن تمتنع من الله .
ظلم الزوجة، بعض الناس يمارس ضغطاً وظلماً على زوجته في التعامل السيئ، تجده طيباً وخلوقاً ومبتسماً ومنشرحاً مع الناس، فإذا دخل البيت غَيَّرَ الموجة: الابتسامة للناس، والنكتة للناس، والمزح للناس، لكن مع الزوجة القهر، والشدة في التعامل، والأوامر، والتسلط، والعنف، لماذا؟ من أخبرك أن هذا دين؟! بعضهم يقول: أريد أن أثبت شخصيتي، يقول: المرأة إذا ضحكت لها وكنت طيباً معها ركبت عليَّ، فأنا أريد أكون أعلى دائماً، من قال لك هذا الكلام؟ هذا الكلام غير صحيح، الصحيح أن تكون طيباً معها كما كان رسول الله ﷺ طيباً مع أهله، كان يقول: (خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي) والله سبحانه في القرآن يوصي الأمة ويقول: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء:١٩] ويقول الرسول ﷺ وهو يودع الأمة في مرض وفاته: (الله الله في الصلاة -ثم قال:- ألا فاتقوا الدنيا، ثم أمر بالنساء قال: استوصوا بالنساء خيراً فإنهن عندكم عوان) يعني: أسيرات، المرأة مسكينة أسيرة؛ فيجب أن تحسن معاملتها، وتحسن التعامل معها، وتبتسم في وجهها، وترفق بها، وأيضاً في نفس الوقت تتحملها، حتى لو تكلمت؛ لأنها لا تملك إلا الدفاع عن نفسها بالكلام، ليس بيدها شيء، بيدك أنت أن تطلق، وبيدك أن تضرب، وبيدك أن تهجر، وبيدك أن تتكلم، لكن هي لا تقدر على تطليقك، أو ضربك، أو هجرك؛ لأنها ضعيفة، فإذا أنت أحرقت أعصابها وسخنتها مرة واحدة، ودافعت عن نفسها بكلمة: اسكت، لكن بعض الرجال يريد آخر كلمة له ويريد أن تسكت هي، لماذا؟ أليست إنساناً؟! لا يجوز هذا.
هذا رجل جاء يشتكي إلى عمر بن الخطاب ﵁ من سلاطة لسان زوجته، فلما وقف بالباب يطرقه وإذا به يسمع زوجة أمير المؤمنين تتكلم على عمر بن الخطاب؛ الذي تهابه الجن والإنس! الجن لا يمشون في طريقه، والإنس تهتز له كراسي كسرى وقيصر، ولكن زوجته تتكلم عليه، فلما سمع الرجل المرأة تتكلم وعمر ساكت مشى قال: لستُ بأحسن من عمر، ففتح عمر الباب وإذا بالرجل قد ولى، فدعاه، قال: مالك؟ قال: لا شيء يا أمير المؤمنين! قال: عندك شيء ماذا تريد؟ قال: جئت أشكو زوجتي إليك؛ لأنها تتسلط عليَّ بلسانها، فسمعت زوجتك تتسلط عليك بأكثر من تسلط زوجتي عليَّ فسكت وقلت: لي فيك قدوة، فقال له: تعال يا أخي، ثم قال له: ألا يكفي أنها طاهية لطعامي، ومربية ولدي، وغاسلة ثوبي، وقاضية حاجتي؟! من يعمل لك هذه الأربعة: تربي ولدك، وتغسل ثوبك، وتطهو طعامك، وتقضي حاجتك!! تتحملك في كل شيء، ولا تتحملها في كلمة، إذا قالت كلمة فقل: حسناً، واخرج، وارجع ومن يوم ترجع ابتسم وهي تبتسم وانتهت المسألة، لكن بعضهم يجلس شهراً غضبان من أجل كلمة قالتها له، وربما يصل الأمر به إلى الطلاق، وإلى تشتيت شمل الأسرة؛ لسوء تصرفه، ولرعونته في أخلاقه؛ ولأنه ظالم، يريد كل شيء له ولا أن يريد يعطي المرأة شيئاً.
فظلم المرأة حرام، والمرأة التي تظلم من قبل زوجها ثم تدعو عليه فإن الله ينتقم منه إما في الدنيا وإما في الآخرة.
فظلم الغير هذا نوع من أنواع الظلم وهو حرام.
стр. 925
أدلة إثبات سكرات الموت
هؤلاء الظالمون لهم وضع عند الموت، وفي غمرات الموت، والله سمى تلك اللحظات غمرات، والعلماء يقولون: معناها أن الآلام والمصائب والأحزان والشعور بالخوف والرعب والرهبة تغمر الإنسان غمراً فلا يستطيع أن يعرف شيئاً في تلك اللحظات، ولا يتصور العقل البشري مقدار آلام الإنسان في لحظات الموت، حتى أن الرسول ﷺ سيد البشر سيد ولد آدم أفضل خلق الله ما سلم من تلك السكرات، كان عند الموت يدخل يده في ركوة عنده فيمسح بها جبينه ويقول: (إن للموت لسكرات، إن للموت لسكرات، إن للموت لسكرات) إذا كان هذا خير خلق الله فكيف بي وبك وكيف بنا أيها الإخوان؟! ويقول العلماء: إن آلام وسكرات وغمرات الموت لا تعلم إلا بطريقين: إما بطريق سمعي يعني: دليل شرعي.
أو بطريق عقلي.
стр. 926
الدليل العقلي على سكرات الموت
قالوا: أما العقلي فمتعذر؛ لأنه لا يوجد شخص مات وذاق ألم الموت ثم رجع وأخبر الناس بآلام الموت، لا يوجد كل واحد يأخذها ويذهب ولا يرجع مرة ثانية، ولكن قالوا: عقلي عن طريق القياس، قالوا: كيف؟ قالوا: نقيس، ما معنى الموت أصلاً؟ الموت: هو مفارقة الروح وإيذاء الروح في كامل أجزاء الجسد فيحصل للإنسان ألم، حسناً إذا أخذت سكيناً وقطعت في إصبعك قطعة بالسكين أو أخذت إبرة ووخزت بها جلدك أو أخذت قطعة نار أو عود ثقاب وأشعلت به إصبعك، ماذا يحصل؟ يحصل ألم، لماذا؟ لأن الروح أوذيت في هذا الجزء فيترتب على هذا ألم، فإذا أوذيت الروح ليس في الإصبع بل في كل جزئية، في كل شعرة، في كل بشرة، في كل عظم، في كل قطرة دم، في كل خلية من خلايا جسمك تنزع الروح منها كيف يكون الألم؟ لا يتصوره العقل، الآن لما آخذ عشر إبر وأدقها في ظهر شخص هل ألمها مثل ألم إبرة أم عشرة أمثال؟ عشر إبر، فإذا أخذت مائة إبرة كيف يكون ألمها؟ كألم الإبرة مائة مرة، والموت مثلها؛ لأن الروح تخرج من كل شعرة وبشرة، ومن كل ظفر وعظم، ومن كل مفصل وقطرة دم، ولهذا تنزع الروح، وهذا يجده البر والفاجر الطيب والخبيث المؤمن والكافر الكل يحس بألم سكرة الموت؛ لأنك الآن لو جئت إلى مسلم طيب بر دين تقي، وآخر فاجر خبيث، ودقيت هذا بإبرة وهذا بإبرة ألا يجدون الألم كلهم سواء؟ سيجد هذا الألم الطيب والفاجر سواء، ففي الحياة الآلام تقع على الطيب والفاجر سواء، لكن المؤمن يخفف عنه، فتخرج روحه كما جاء في الحديث بسهولة، الحديث صحيح في مسند أحمد في سنن أبي داود عن البراء بن عازب ﵁ والحديث طويل قال: (إن المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال على الآخرة، نزلت ملائكة من الجنة، ومعها مسوح من الجنة، وحنوط من الجنة، وكفن من الجنة، فيجلسون له على مد البصر، ثم يأتي ملك الموت فيقول: يا أيتها الريح الطيبة! كانت في الجسد الطيب اخرجي إلى روح وريحان، وإلى رب غير غضبان، قال: فتخرج روحه) تخرج بلطف كما تخرج القطرة من فم القربة، الله يجمع الروح وتخرج مرة واحدة، هذه سكرة الموت، لها ألم لكنه خفيف.
(فلا يدعونها في يده طرفة عين حتى يأخذوها في ذلك الحنوط والكفن ويصعدون بها إلى السماء، ولها ريح كأطيب ريح وجد على ظهر الأرض) إلى آخر الحديث.
قال: (وأما العبد الفاجر أو الكافر، إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال على الآخرة، جاءت ملائكة من النار معها مسوح من النار، وكفن من النار، فيجلسون له مد البصر، ويأتي ملك الموت ويقول: يا أيتها الروح الخبيثة! كانت في الجسد الخبيث اخرجي إلى عذاب من الله وغضب، قال: فتتفرق -تهرب الروح ما دام أنه دعاها إلى غضب وإلى لعنة أين تذهب؟ - قال: فتتفرق وتتشبث -تقعد في كل أجزاء الجسم- قال: ثم يجذبها -وشبه الجذب- كما يجذب السفود من الصوف المبلول) السفود: الحديدة ذات الشعب المتطرفة، تدخلها في صوف، والصوف مبلول أو القطن المبلول، ثم تطلعها، كيف تعمل فيه؟ تمزعه من كل جهة، كذلك الروح تخرج من جسد الفاسق والكافر على هذا الوضع فلا يدعها في يده طرفة عين حتى يأخذوها ويضعوها في ذلك المسوح من النار، ثم يصعدون بها إلى السماء، ولها ريح كأنتن ريح جيفة وجدت على ظهر الأرض، ثم في السماء الروح الطيبة تفتح لها أبواب السماء، والروح الخبيثة تغلق عليها أبواب السماء، وترمى إلى النار كما جاء في القرآن الكريم يقول الله : ﴿لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف:٤٠] إذا دخل البعير في خرق الإبرة أدخلهم الجنة، علقهم على المستحيل، يعني: أنهم لن يدخلوا الجنة.
هذه أيها الإخوة! هي مختصرة من قضية غمرات الموت من الدليل العقلي.
стр. 927
الدليل السمعي على سكرات الموت
أما الدليل السمعي الشرعي فقد جاء، وهو قوله ﷺ في ساعة الاحتضار: (إن للموت لسكرات) فدل هذا الكلام على أن هناك آلام لم يسلم منها حتى خير خلق الله وأفضل من عبد الله وهو رسول الله ﷺ ، وما دام أنه تعرض لها هو ﷺ فنحن سنكون عرضة لها من باب أولى، نسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يخفف عنا وعنكم تلك اللحظات.
وحتى نستعد لها سوف نناقش القضية بنوع من المساءلات والوقفات الجادة مع النفس.
أخي المسلم: -أنا وأنت- ماذا تفعل لو جاءك الموت الآن؟ الآن أنت تقابل الله، والروح في تغرغرها، وقد بلغت الحلقوم، فكيف يكون حالك؟ إنهم الآن يقفون عندك وبجوارك، هذا يبكي وذاك يصيح وذاك يتلوى وذاك يتألم وبعد لحظة خرجت الروح، وبدءوا يغسلونك، وفي الأكفان يضعونك، وفي القبر بعد أن صلوا عليك يتركونك، وبالحصى والطين يغطونك، فهل فكرت واستعددت لهذا العمل؟ هذا الكلام عندما نقوله للناس كأنه على الناس الآخرين!! أما نحن لا لن نموت ولن ندخل القبور! نحن سنرجع بعد إلى (الفيلا) والقصر وإلى العمارة وإلى الزوج، ومتأخر؟ لا، ليس متأخراً، ممكن يكون هذه الليلة، ممكن يكون غداً، ممكن بعد سنة، وهب أنه بعد عشر سنوات، وهب أنه بعد أربعين سنة ألست ستموت؟
كل ابن أنثى وإن طالت سلامته يوماً على آلة حدباء محمول
стр. 928
مراحل أهوال يوم القيامة
يا ابن آدم عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك ملاقيه، يغلقون عليك القبر بالتراب، ويودعك الأهل والأحباب والأصحاب، وتواجه في القبر لوحدك السؤال والحساب، فأين الدنيا؟ أين المال؟ أين الولد؟ أين المنصب؟ أين الجاه؟ أين الرصيد؟ لا شيء، ليس معك إلا العمل، ويأتيك منكر ونكير ملكا السؤال ليسألانك، ويشددان في السؤال، وإلى هنا لا تزال القضية صعبة؛ لأن الملائكة لا يدرون، هؤلاء الذين في القبر منكر ونكير لا يدرون ماذا عندك؟ وهل أنت مؤمن أم فاجر؟ لا يدرون، ولهذا يوجهوا لك السؤال بقوة وبعنف، من ربك؟ ولهذا جاء في الحديث قال: (ملكان أزرقان ينتهرانه) انتهار! والإنسان ضعيف إذا جئت تنهره تذهب منه حتى المعلومات، وتتبدد منه الأفكار، فينتهران الإنسان، لكن الله يثبت المؤمن -أسأل الله أن يجعلني وإياكم من المؤمنين، وأن يثبتنا وإياكم في الدنيا والآخرة- يقول الله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم:٢٧] ولولا تثبيت الله، والله لو أن عندك كل المعلومات فإنها تضيع في تلك اللحظات، لماذا؟ لأنها لحظات حرجة، القبر وشدته، واللحد وظلمته، والملائكة ونهرتها، وأنت ما معك أحد، وعرفت أنه ليس هناك دنيا، وليس معك أحد تضيع المعلومات من رأسك، لكن الله يثبتك، فينتهرانك ويشددان عليك في السؤال، فهل يا ترى تجيب أم تتلعثم ويغلق عليك الجواب؟ وبعده الدود يمزق الأكفان، ويأكل اللحم، وينخر العظام، ولو يفتح على الميت في ثالث يوم، الله أكبر! منظر عجيب، ينتفخ البطن، وتسري الهوام والديدان، وتنبعث الروائح، ويصبح للإنسان منظر لا يتصوره العقل، فأين لذاتك؟ أين فراشك؟ أين شهواتك؟ أين ملابسك التي لصيفك وشتائك؟ أين بخورك وعطرك؟ لا إله إلا الله! هاأنت تخرج من قبرك يوم القيامة عارياً كما ولدتك أمك: (يحشر الناس يوم القيامة عراة حفاة غرلاً غير مختونين، قالت عائشة: يا رسول الله! الرجال والنساء؟ -يعني سواء الرجال والنساء ليس هناك ملابس- واسوأتاه، قال: الناس قد شغلهم أمر غير ذلك) لا أحد يتلفت لأحد، الناس شاخصة أبصارهم إلى السماء.
تخرج عارياً لتعرض على أول محطة من محطات الحساب وهي الميزان، ثم هل يثقل ميزانك، أم يطيش؟ والموازين تثقل بالحسنات وتطيش بالسيئات، طارت صحائف الأعمال، وجئت في الموقف الثاني وهو أخذ الكتب، فآخذ باليمين وآخذ بالشمال: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً * وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُوراً * وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ * فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُوراً * وَيَصْلَى سَعِيراً * إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً﴾ [الانشقاق:٧ - ١٣] كان مبسوطاً ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ﴾ [الانشقاق:١٤] ظن أنه لن يموت ويرجع إلى الله، آخذ باليمين وآخذ بالشمال.
فاسأل نفسك يا أخي: ماذا تتوقع؟ هل تأخذ كتابك بيمينك، أم تأخذه بشمالك؟ هل أنت تمشي في اليمين الآن، أم تمشي في اليسار؟ هل أنت تعكس السير إلى الله، أم تمشي مع الكون كله إلى الله؟ أنت تعرف.
هذه العين لها مسار إلى اليمين وهو النظر في ملكوت الله، والنظر في كتاب الله، والنظر في مصالحك، وفيه مسار واتجاه عكسي وهو النظر فيما حرم الله.
هذه الأذن لها مسار صحيح وهو سماع القرآن والذكر والعمل الصالح، ولها مسار غلط وهو سماع الغناء والغيبة والنميمة، هذا اللسان له مسار صحيح وهو ذكر الله وتلاوة القرآن والدعوة إلى الله، وله مسار غلط وهو الغيبة والنميمة واللعن والزور والفجور.
هذا الفرج له مسار صحيح وهو الحلال، وله مسار غلط وهو الزنا واللواط والحرام وهكذا.
فهل تتوقع أن تأخذ كتابك بيمينك وأنت تمشي في اليسار؟! لا يمكن المغالطة؛ لأن الله لا يُغَالَط.
وتأتي المحطة الثالثة: الصراط، أدق من الشعرة، أحد من السيف، أروغ من الثعلب، والجنة هناك والنار تحته، ولا يوجد طريق إلا من على ظهره، يا ترى هل تتجاوز أم تسقط؟ وعلى أي شيء تتجاوز؟ ما هي وسيلة العبور؟ (كبري) طائرة سيارة قدم؟ لا.
إنها وسيلة واحدة وهي العمل، إذا كان عندك عمل تعبر، وإن لم يوجد تسقط، والناس يتجاوزون الصراط بناءً على أعمالهم ويتفاوتون في السرعة بتفاوت مراتبهم، حتى قال ﵊: (منكم من يمر كلمح البصر، ومنكم من يمر كالبرق، ومنكم من يمر كأجاود الخيل، ومنكم من يمر كأجاود الركاب، ومنكم من يمر كأشد الرجل -يعني: مثل الرجل المسرع- ومنكم من يمشي خطوة ويعثر بالثانية، ومنكم من يضع قدمه على الصراط والثانية في النار) ما يمشي خطوة واحدة على الصراط؛ لأنه ما مشى خطوة واحدة في طريق الله، والذي يمشي في طريق الطاعة وفي طريق الله يمشي بسرعة هناك.
رؤي سفيان الثوري رحمة الله عليه من السلف الصالح بعد وفاته، قيل له: ما صنع الله بك؟ قال: وضعت قدمي الأولى على الصراط والثانية في الجنة.
ما أبطأ، لديه عمل صالح، رحمة الله تعالى عليهم.
حتماً وحقاً وصدقاً ستواجه هذه الأهوال، وستقف بين يدي الله، وستسأل عن أعمالك: صغيرها وكبيرها، دقيقها وجليلها، فهل أحضرت للسؤال جواباً؟ ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر:٩٢]، ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ * مَا لَكُمْ لا تَنَاصَرُونَ﴾ [الصافات:٢٤ - ٢٥].
стр. 929
كيفية تحقيق العبودية لله
أخي في الله! إن الله لم يخلقنا عبثاً حتى نعيش فترة العمر في عبث، ولم يتركنا الله هملاً حتى نعيش عيشة الهمل، لقد حدد الله الغاية من خلقنا، فقال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] وبين لنا المنهج وقال: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى﴾ [طه:١٢٣] يقول ابن عباس: [تكفل الله لمن اتبع القرآن -وهو الهدى- ألا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة].
لكن قال: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي﴾ [طه:١٢٣ - ١٢٤] أي: عن هداي ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى * وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾ [طه:١٢٤ - ١٢٧] هذا هو المنهج هدى تمشي عليه لا تضل في الدنيا ولا تشقى في الآخرة، تعرض عنه تضل في الدنيا وتعذب وتشقى الشقاء الذي ليس بعده سعادة.
فيا من تريد الحياة الطيبة! وتريد حسن المآل والمقام في الآخرة! يقول الله لك: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] ويقول: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [النساء:١٣٤].
هل قمت بواجب العبودية؟ أنت عبد، والله خلقك للعبادة، هل أصبحت اهتماماتك اهتمامات الدين، أم أن اهتمامات الناس محصورة في الطعام والشراب والسهر والعبث؟ اهتمامات محصورة في الشهوات: شهوات البطون ومتع الفروج، وملذات الأجساد، وتجد أفكار الناس في هذا كله، أين اليوم وأين نسهر؟ والليلة ماذا نرى؟ وماذا نشهد؟ وأين نتمشى؟ وماذا نتغدى؟ وماذا نتعشى؟ وأين نذهب؟ فقط! لكن: ماذا نقرأ من كلام الله؟ كم نصلي؟ كم نذكر الله؟ كم ندعو إلى الله؟ كم نفكر في الجنة؟ كم نفكر في النار؟ كم نستعد للقبر؟ كم نعرف هذه الحياة؟ هذه موجودة عند قليل من الناس، إنما الجل من الناس اهتماماتهم دنيا، هل آمنوا هؤلاء بالقبر وبعذاب القبر وغمرات الموت؟ لا أيها الإخوة! ستذهب الأيام، وتكتب الآثام، ويبكي الإنسان بكاءً لكن لا ينفع البكاء ولا تنفع الملامة، يا أسفاً لك يا أخي إذا جاءك الموت ولم تتب! ويا حسرة لك إذا دعيت إلى التوبة ولم تجب!
стр. 930
أهمية التوبة والمحاسبة في تحقيق العبودية
اسمع إلى هذا الموقف وهذه القصة، وتدبر ما فيها من عبرة: كانت امرأة جميلة لها جمال بارع، أمرها قوم وأغروها بمال أن تتعرض لعابد زاهد من عباد الله الصالحين اسمه الربيع بن خثيم، وكان هذا معروفاً بجماله، كان جميلاً كأشد ما يكون من الجمال، حتى أن المرأة إذا نظرت إليه لا تستطيع أن تملك نفسها، وقيل عنه: إنه كان يغطي على جزء من وجهه حتى لا يفتن النساء، ولكن كان مع هذا من أعظم عباد الله خوفاً من الله، فقام مجموعة من الفساق ودعوا امرأة وقالوا لها: إن فعلت وصرفت الربيع فلك ألف درهم.
قالت: ولكم فوق هذا أن يزني وأن يفعل؛ لأنها على جانب كبير من الإغراء والجمال، وطمعت في الألف، وأرادت أن تفتنه وأن ينحرف عن طريق ربه، ولبست أحسن ما قدرت عليه من الثياب، وتطيبت بأطيب ما قدرت عليه من الطيب، وانتظرت الربيع حتى خرج من المسجد بعد صلاة العشاء وهو راجع إلى بيته، واختفت في مكان لا يراها فيه أحد حتى تهيئ المكان الذي يستطيع أن يسقط وأن يضعف؛ لأنه إذا رآه الناس قد يستحي، لكنها تريد أن تخلو به، وإذا خلت به يكون هناك واحد ثالث وهو الشيطان، فتستعين بالشيطان حتى تقهر هذا الرجل الصالح.
ولما رآها الربيع ﵀ ورضي الله عنه وأرضاه أحس بغدرها، وأدرك خطورة مكرها، فأراد أن يعظها لعلها أن تهتدي، فقال لها: يا أمة الله! كيف بك إذا نزل المرض بجسمك فغير ما أرى من لونك.
يا أمة الله! كيف بك إذا نزل بك الموت فقطع منك حبل الوتين.
يا أمة الله! كيف بك إذا سألك منكر ونكير في قبرك.
ذكرها بالموت وذكرها بالقبر وبالسؤال، فارتعدت، ثم سقطت، ثم بكت، ثم ولت وانصرفت باكية، ومن ذلك اليوم تابت إلى ربها وأنابت، وتعاهدت وعاهدت على الاستقامة والسير في طريق الله حتى ماتت، فكانت تتعبد لله في محرابها، وكلما ذكرت معصيتها غمرها البكاء، ولم تفارق الدنيا حتى عرفت بكثرة العبادة لربها، وبلغت من عبادتها لربها أنها كانت يوم أن ماتت كأنها جذع محترق، من كثرة وقوفها ومن كثرة خشيتها لله ، احترقت من بكائها وخوفها من الله! أخي المسلم: ألست أنا وأنت أصحاب الخطايا؟ أين دموعنا؟ ألسنا أسير المعاصي والذنوب، أين بكاؤنا؟ هل نسينا الذنوب وصحفنا مملوءة بالخطايا والآثام؟ هل نصبر على الهاوية؟ وما أدراك ما هية؟ إنها نار حامية.
لقد خرجنا من بطون أمهاتنا وحدنا، وسوف نموت وحدنا، وسندخل إلى القبور لوحدنا، وسنقف بين يدي الله لوحدنا، فهل حققنا معنى العبودية في نفوسنا؟ هل أدينا حق الوالدين علينا؟ هل قمنا بحقوق الزوج والأقارب والأبناء علينا؟ هل ربينا أبناءنا على ذكر الله وعلى الصلاة، أم على الغناء والأفلام والمسلسلات؟ إلى متى نصر على ترك الصلاة؟! إلى متى نستمر في هجر القرآن؟! إلى متى نهجر العلم؟! إلى متى لا نذكر الله؟! إن القبر ينتظرنا، والتراب فراشنا، والدود أنيسنا، والفزع الأكبر موعدنا، والوقوف بين يدي الله ينتظرنا، هل ننتظر حتى نموت وقد ضاع ديننا؟ لقد كان النبي ﷺ يكثر من قوله: (يا مقلب القلوب! ثبت قلبي على دينك، يا مصرف القلوب والأبصار! صرف قلبي على طاعتك) قال أنس: قلنا: (يا رسول الله! آمنا بك وبما جئت به فهل تخاف علينا؟ قال: نعم، إن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء) والحديث صحيح، أخرجه الإمام أحمد وأخرجه مسلم وصححه الترمذي وابن ماجة.
فهل أمنا أيها الإخوة على قلوبنا؟ إذا كان سيد البشر يخاف ويقول: (يا مقلب القلوب! ثبت قلبي على دينك) ونحن لا نخاف! لا إله إلا الله! أخي المسلم: إن الموت آت بسكراته، والقبر ينتظرك بظلماته وأهواله، والبعث في انتظارك بأشكاله وأحواله، ويوم القيامة موعدك بشدائده وأهواله ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق:٢٢].
مثل لنفسك أيها المغرور يوم القيامة والسماء تمور
قد كورت شمس النهار وأدنيت حتى على رأس العباد تسير
وإذا الجبال تقلعت بأصولها ورأيتها مثل السحاب تسير
وإذا البحار تأججت نيرانها ورأيتها مثل الحميم تفور
وإذا الوحوش لدى القيامة أحضرت فتقول للأملاك أين نسير
فيقال سيروا تشهدون فضائحاً وعجائباً قد أحضرت وأمور
وإذا الجنين بأمه متعلق يخشى الحساب وقلبه مذعور
هذا بلا ذنب يخاف لهوله كيف المقيم على الذنوب دهور
إذا كان الطفل الصغير ينتابه الذعر ويشيب رأسه ﴿يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيباً﴾ [المزمل:١٧] ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾ [الحج:٢] ما من سكر ولكنها شدة الأهوال ﴿وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج:٢].
هل تصورنا هذا يا أخي؟! مثل لنفسك، تصور الوضع! تخيله وهو حقيقة! ووالله الذي لا إله إلا هو إنها كائنة لا بد منها.
стр. 931
أهمية تذكر غمرات الموت في تحقيق العبودية
أخي في الله: من الأمور التي تعينك على تحقيق العبودية لربك أن تتذكر غمرات الموت، قال سليمان بن عبد الملك وقد حج، فلما حج قال: هل بقي أحد من أصحاب رسول الله؟ قالوا: لا.
قال: هل بقي أحد من التابعين الذين رأوا أصحاب رسول الله؟ قالوا: نعم.
قال: عليَّ بواحد منهم، فجاءوا بـ أبي حازم، فلما دخل عليه وجلس بجواره قال له: يا أبا حازم: مالنا نكره الموت ونحب الحياة؟ وهذه صفاتنا كلنا، كل واحد لا يريد ذكر الموت، وإذا ذكر الموت في محاضرة يخرج الناس ويقولوا: والله تعبنا كل الكلام عن الموت، يا أخي! هذا موتنا قبل حياتنا، لا.
مت الآن قبل أن تموت ولا تلقى عملاً، اذكر الموت عند من يخوفك حتى تأمن أحسن من الذي يؤمنك حتى تخاف، نحن الآن نخوف لكي نخاف فإذا جاء الموت أمنا، نقول: الحمد لله أننا ما فوتناها، لكن يقول لك شخص: لا.
الآن الموت اتركنا منه، نحن الآن نأكل ونشرب، فإذا جاء الموت وأنت خائف تقول: رب ارجعون ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا﴾ [المؤمنون:٩٩ - ١٠٠] إذا جاء الموت قال: دعوني أعمل صالحاً، قال الله: ﴿كَلَّا﴾ [المؤمنون:١٠٠] أداة زجر وردع وتوبيخ: ﴿إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٠].
فيقول سليمان لـ أبي حازم: مالنا نكره الموت؟ أنا أكره الموت، وأنت تكره الموت، وكل واحد لا يريد الموت، فأجاب إجابة نعرفها نحن، قال: لأنكم عمرتم دنياكم وخربتم أخراكم، والإنسان بطبيعة الحال يكره أن ينتقل من العمار إلى الخراب.
الآن أنت ساكن في (فيلا) ثم جاء أمر بإسكانك في كوخ.
أترضى؟ معك غرفة النوم أترضى أن ترقد على حصير؟! لديك الحمام الإفرنجي والوسيع والدش أترضى أن تقعد في حفرة مكانك في الطين؟ بدلاً من الفراش اسكن في كوخ؛ مع البعوض والذباب والوساخات والهواء والروائح والماء ليس ببارد بل حار -يعني: ليس على ما تريد- هل من أحد يريد أن يترك (الفيلا) ويذهب إلى الكوخ؟ لا.
لا أحد يرضى، كل واحد يقول: لا والله أريد هنا، لماذا؟ لأنه عمر (الفيلا) ولا يريد الخراب.
يقول أبو حازم: لأنكم عمرتم الدنيا وخربتم الآخرة.
كيف عمرنا الدنيا أيها الإخوة؟ ليست عمارة الدنيا بأن تبني ببيتاً، لا، من الشرع أن تبني بيتاً، لكن اعمر البيت بطاعة الله، لا تعص الله في البيت، ومن الشرع أنك تشتري سيارة لكن اعمر السيارة بذكر الله؛ بأن تحملك إلى بيوت الله، وأن تمتطيها إلى حلق العلم ومجالس العلماء، اعمر الدنيا بزوجة صالحة تربيها على دين الله، اعمر الدنيا بأولاد تربيهم على الدين، اعمر الدنيا بفراش وبأكل لكي تستعين به على طاعة الله.
لكن عمارة الدنيا أن نعمرها بمعصية الله: نشتري عمارة ونجعل فيها الأفلام والمسلسلات والأغاني ونركب (الدش) فوق البيت، ونأكل ونشرب ونضيع الصلاة ونضيع أوامر الله، ونشتري سيارة ونذهب بها إلى المعاصي وإلى الرحلات وإلى التبرج والسفور، والزوجة نأمرها بالمعاصي، وأولاد نتركهم على المعاصي، هكذا عمرنا الدنيا وخربنا الآخرة! صلاة لا يوجد زكاة لا يوجد صيام لا يوجد ذكر لا يوجد قرآن لا يوجد دعوة لا يوجد، بعد ذلك: معاص تقع من العين كالنظر إلى الأفلام والحرام والنساء، ومعاصٍ تقع من الأذن بسماع الغناء، ومعاصٍ تقع من اللسان باللعن والشتم والغيبة والنميمة والكذب والفجور والزور، ومعاصٍ من الفرج بالزنا واللواط، ومعاصٍ من البطن بأكل الحرام، هذا عمران الدنيا وخراب الآخرة! هل هناك أحد يريد أن ينتقل من العمار إلى الخراب؟ لا أحد.
قال أبو حازم لـ سليمان بن عبد الملك: لأنكم أعمرتم دنياكم وخربتم أخراكم، فأنتم تكرهون الانتقال من العمران إلى الخراب.
قال: يا أبا حازم! كيف القدوم على الله إذا متنا غداً؟ قال: يا أمير المؤمنين! أما العبد المؤمن فكالغائب يعود إلى أهله، وأما العبد الفاجر فكالعبد الشارد على سيده يقبض عليه مولاه.
الآن شخص غائب عن أهله في غربة، غاب ورجع كيف يكون وضعه في أول ليلة عندما يدخل على أولاده وعلى أمه وأبيه وزوجته وعلى جماعته فرحين مسرورين؟ هو في غاية الفرح والسرور؛ لأنه رجع لأهله، لكن المملوك الذي شرد من سيده وتمرد عليه، ثم قبض عليه أين يرقده تلك الليلة؟ يضع القيد في رجله ويدعه مع الحمار في الإسطبل لماذا؟ لأنه عبد منحوس هرب، لا بد أن نحبسه مع الحمار لكيلا يهرب مرة ثانية.
وكذلك -ولله المثل الأعلى- العبد المحسن يعود إلى مولاه ويرجع إلى أهله في الجنة، والعبد الشارد من الله، الهارب من طاعة الله، المحارب لأوامر الله، المعتدي على حرمات الله، عبد سيئ هارب يقبض عليه سيده أين يرقده؟ في النار.
قال: أما العبد المؤمن فكالغائب يعود إلى أهله، وأما العبد السيئ فكالآبق يقبض عليه مولاه.
стр. 932
ضرورة محاسبة النفس على الذنوب والمعاصي
يا أخي! هل تستطيع أن تذكر الموت وأنت تغني وأنت تشاهد الأفلام وأنت تتابع المسلسلات والتمثيليات؟ هل تستطيع المرأة أن تذكر الموت واهتماماتها محصورة في الموضات والتسريحات، والوجبات والأكلات، وطبق اليوم؟ ليس عندها وقت أصلاً.
بعض النساء تمضي عليها ساعة أو ساعتان وهي أمام المرآة، ولهذا يشكو بعض الأزواج يقول: إذا قلت للمرأة: سوف نخرج لا بد أن أبلغها قبل ساعتين، وهي تلف وتدور مكانها، إلى أن تتصبغ وتتلمع وتقف وتقوم وتطلع وتنزل ساعتين من عمرها من أجل أنها سوف تخرج، لماذا هذا التزين؟ المفروض أن هذا التزين للزوج، لكنها إذا رجعت إلى البيت وضعت زينتها وغسلت وجهها، وأصبحت كأنها جنية ودخلت على زوجها، جميع وسائل الزينة للشارع، الصدر والهضاب المحشوة بالقطن في الشارع، والكعب الذي يجعلها مثل الغزال للشارع، والحمرة للشارع، والكحل للشارع، والأظافر المحرمة للشارع، فإذا دخلت البيت وضعت الكعب ورجعت على قامتها تلك، وأبعدت الحمالات رجعت على صدرها ذلك، وأبعدت الكحل ورجعت على وضعها، ما هذا؟! الزينة ما هي إلا للزوج ليست للشارع، جمال الشوارع هذا حرام، زينة المرأة ممنوعة إذا خرجت إلى الشارع، وإذا مشت متطيبة وشم الرجال ريحها فهي زانية، لكن إنا لله وإنا إليه راجعون!! متى تذكر الموت وهذا وضعها؟ ومتى يذكر الموت من اهتماماته ومداركه ومعارفه ومعلوماته كلها معلومات الممثلين؟ يعرف أسماء الممثلين كلهم وكذلك الممثلات، يرى امرأة يقول: هذه فلانة، وهذا فلان، ويعرف أسماء اللاعبين كلهم، ويعرف أسماء المغنين كلهم، ولو سألته عن صحابي من صحابة رسول الله ﷺ ما عرفه، ولو سألته عن آية من كلام الله ما عرفها، ولو عرضت عليه حديثاً من حديث رسول الله ﷺ ما عرفه، هذا هل يذكر الموت؟!! لو حاسبت نفسك -يا أخي في الله- على الذنوب لكانت بعدد الرمل والتراب، ومع ذلك نحسن الظن بالله ونحن نسيء العمل، إن حسن الظن الشرعي يقتضي حسن العمل، وإن من يسيء العمل إنما يسيء الظن بالرب، ويتهم الله بأنه لا يعرف كيف يجازي خلقه.
اسمع أخي إلى حكاية أبي بكر الكناني يقول: كان هناك رجل يحاسب نفسه، فحسب سنينه فوجدها ستين سنة، وحسب أيامه -ضرب ستين سنة في ثلاثمائة وستين يوماً- فوجدها واحداً وعشرين ألفاً وستمائة يوم، فصرخ وخرَّ مغشياً عليه، ولما أفاق قال: يا ويلاه! أنا آتي ربي بواحد وعشرين ألفاً وخمسمائة ذنب إذا كنت أرتكب في كل يوم ذنباً! فيا أخي: من الذي منا يذنب في اليوم الواحد ذنباً؟ إنه ولي من أولياء الله، ولكنها مئات بل آلاف الذنوب، فكيف إذا أذنبت ذنباً، يعني: في الشهر ثلاثين ذنباً، وفي السنة ثلاثمائة وستين، وفي العشر السنوات ثلاثة آلاف وستمائة، وفي عشرين سنة سبعة آلاف ومائتين وهكذا، إذا كان في كل يوم ذنباً، فكيف إذا كان كل يوم مائة ذنب أو مائتين أو ثلاثمائة بل بعضهم من حين يصبح حتى يمسي ما يطيع الله لحظة، كل حياته ذنب في ذنب: من عينه من أذنه من لسانه من يده من رجله من كل شيء، يشتغل في المعاصي مائة بالمائة، ولا تكتب له حتى حسنة واحدة، أما السيئات فهي ليل نهار، بل بعضهم يعصي الله وهو نائم! شخص من الناس يغني وهو نائم؛ لأنه كان يغني وهو مستيقظ.
فلماذا يا أخي ترضى لنفسك أن تكون عاصياً وأن تأتي يوم القيامة وأنت تحمل على ظهرك هذه الأوزار؟ يقول الله: ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [الأنعام:٣١] ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ * وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل:٨٩ - ٩٠].
أخي في الله! استيقظ من غفلتك، وعد إلى ربك، واذكر الموت؛ وهادم اللذات، ومفرق الجماعات، وميتم البنين والبنات، اذكر مبكي العيون ومغير الجفون، اذكر قاطع الأماني والأحلام، تفكر يا مغرور في الموت وسكرته وشدته ومرارته، تذكر يوم موتك وانتقالك من سكنك على ظهر الأرض إلى سكنك في بطنها.
كان ﷺ يقول: (أكثروا من ذكر هاذم اللذات) والحديث صحيح، رواه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن حبان والحاكم وصححه.
لأن الذي يكثر من ذكر الموت يكرمه الله بثلاثة أشياء: أولاً: تعجيل التوبة.
فأنت ما دمت تكثر من ذكر الموت فلماذا تستمر في المعاصي.
ثانياً: القناعة، ما دمت سوف تموت تقنع بالذي معك، لكن الذي ينسى الموت لا يقنع مثل شارب البحر كلما زاد شربه منه زاد عطشه.
أما الذي يكثر من ذكر الموت يقول: لا، تكفي هذه؛ لأنه يعلم أن الموت قريب.
ثالثاً: النشاط في العبادة، الذي يكثر ذكر الموت يعجل التوبة، ويقنع بالذي عنده، وينشط في العبادة، بدلاً من أن ينشط في الدنيا ينشط في العمل الصالح، يزيد من الذكر من القراءة من الصلاة من قيام الليل من الصيام، لماذا؟ لأنه يكثر ذكر الموت، يقول: سوف أموت، قد لا أستطيع أن أصلي، وقد لا تأتيني فرصة أخرى.
أما الذي ينسى الموت فيعاقب بثلاثة أشياء: أولاً: تأخير التوبة، وهذه مصيبة أن تؤخر التوبة فقد يأتيك الموت وأنت لم تتب.
ثانياً: الطمع والحرص والجشع وانفتاح القلب على الدنيا.
ثالثاً: الكسل في العبادة، فعند الصلاة تجده كسلان، وتجده يدفع إليها دفعاً الذكر لا يريده القرآن لا يريده، وإذا كسلت عن العبادة ضيعت أرباحك في الآخرة ولم يعد معك شيء؛ لأنه ليس في الآخرة إلا العبادة فليس هناك أموال، فأنت الآن تعمل في الدنيا وعندك أموال لكن إذا مت فلن يضعوا في قبرك أي ريال، بل يوضع معك العمل، وليس معك شيء من العمل.
стр. 933
السلف وكثرة ذكرهم للموت
فهذه عقوبات من لا يكثر من ذكر الموت.
وقد جاءت امرأة إلى عائشة ﵂ تشكو قسوة قلبها، فقالت لها عائشة: [أكثري من ذكر الموت يرق قلبك] ففعلت المرأة ذلك العمل فرق قلبها، وجاءت تشكر عائشة ﵂ وتخبرها بأن الله قد رقق قلبها لذكره.
وعندما تكثر ذكر الموت تهون عليك المصائب؛ لأن الموت أكبر مصيبة، فأي مصيبة تأتي في الدنيا فتذكر أن الموت سوف يأتي قريباً.
يقول عمر بن عبد العزيز: [إذا كنت في سعة من العيش وأردت أن يضيق عليك العيش فاذكر الموت، وإذا كنت في ضيق من العيش وأردت أن يتسع عليك العيش فاذكر الموت] كيف؟ قال العلماء: إذا كنت في سعة وذكرت الموت ضاقت عليك السعة لأنك تعلم أنك سوف تموت وتتركها، وإذا كنت في ضيق دين هم غم، وذكرت الموت تقول: سوف أموت وما هي إلا أيام وليالٍ على الهم هذا.
فالموت ما ذكر في كثير إلا قلله، ولا في واسع إلا ضيقه، وما ذكر في قليل إلا كثره ولا في ضيق إلا وسعه، فذكر الموت فيه الخير وفيه كل شيء.
يقول أبو الدرداء: [ثلاث أحبهن ويكرههن الناس، قالوا: وما هن؟ قال: الفقر، والمرض، والموت.
قالوا: ومن يحبها يرحمك الله؟ قال: أما الفقر فتواضعاً لربي، وأما المرض فتكفيراً لخطيئتي، وأما الموت فللقاء ربي].
وقد كنا مرة في طائرة متجهة من جدة إلى الرياض، وفي أثناء الطيران حصل خلل في الطائرة، حيث توقف أحد المحركات وبقي محرك يعمل، فتصعد الطائرة بالمحرك هذا إلى السماء لكي لا تسقط على الأرض، ثم تنزل أحياناً إلى مائتين أو ثلاثمائة متر سقطة واحدة، فتكاد القلوب أن تنخلع، وأعلن قائد الطائرة للناس: أنه يريد أن يرجع، وبدأ الناس بالبكاء والصراخ، وكان معي في الطائرة اثنان من الإخوة وكنا في ثلاثة مقاعد في الوسط، وكنت أنظر إليهم وإلى الذين في الطائرة؛ فأجد بعضهم قد وضعوا رءوسهم تحت الكراسي، وبعضهم يصيحون، وآخرون يولولون، وهؤلاء الإخوان كل شخص يقول: أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها اللهم أحسن خاتمتنا اللهم الطف بنا، والعالم في ذهول ودهشة، وشاء الله أن تسلم الطائرة وننزل.
وأقول للإخوان: كيف؟ قالوا: نحن لو متنا عندنا أمل في الله كبير أن يرحمنا برحمته، وإن كانت أعمالنا قليلة لكن حسن ظننا بربنا في تلك اللحظات يجعلنا نأمل خيراً، ولهذا ذكرنا الله، ولو متنا إن شاء الله فإن الخاتمة ستكون جيدة.
وأنظر إلى هؤلاء وخاصة في أناس ليسوا مسلمين يظهر عليهم أنهم (خواجات) والله يا إخواني إنه بلغ بهم من الرعب شكلاً لا يتصوره العقل، وخصوصاً بعض مضيفات الطائرات.
فذكرك للموت يجعلك دائماً تستعد، فإذا جاء الموت أو رسل الموت أو نذر الموت وإذا بك لا تخاف.
ولما جاءت ساعة الاحتضار لـ عامر بن عبد قيس جعل يبكي، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: والله ما أبكي جزعاً ولا حرصاً على الدنيا، ولكني أبكي على ظمأ الهواجر، وعلى قيام ليالي الشتاء.
يقول: حيل بيني وبين ظمأ الهواجر بالصيام، وقيام الليالي في الشتاء بالصلاة، والشتاء يسميه العلماء: غنيمة المؤمن، فإن نهاره قصير وليله طويل، فيستغله أصحاب التوفيق في صيام النهار، أو ما قدروا عليه من الأيام، وفي قيام الليل، فإن الليل طويل فيكفيك منه ساعات في النوم، ثم تستطيع أن تستيقظ آخر الليل فتصلي ما شاء الله لك، ثم تجلس تستغفر في الأسحار حتى يؤذن الفجر ثم تذهب تصلي الفجر في المسجد، فهذا توفيق عظيم، فإذا كنت قد حرمت قيام الليل في أيام الصيف لقصر الليل فلا يفوتك أيضاً قيام الليل في الشتاء، فهو غنيمة المؤمن.
انظر أخي! كيف كانوا يذمون أنفسهم على تقصيرها مع حسن عملهم، أما نحن فقد جمعنا بين الإساءة في العمل والأمن من عذاب الله، يعني: ينبغي أن يحسن الإنسان العمل ويخاف مع هذا، يقول الله عن الصحابة وعن السلف الصالحين: ﴿كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات:١٧ - ١٨] وقال : ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [السجدة:١٦].
وهكذا شأن الصالحين أنه يحسن في العمل ويخاف من الله.
أما المخذول -والعياذ بالله- يسيء العمل ولا يخاف من ربه، وإذا قلت له يقول: يا شيخ! الله غفور رحيم، فهو عنده إساءة وأمن، وذاك عنده عمل طيب وخوف من الله، فهذا هو الطيب.
يقول شداد بن أوس ﵁: [الموت أفظع هول في الدنيا على المؤمن، وهو أشد على المؤمن من نشر بالمناشير، وقرض بالمقاريض، وغلي في القدور، ولو أن الميت بعث ونشر فأخبر أهل الدنيا بألم الموت ما انتفعوا بعيش وما تلذذوا بنوم].
فكأنك بالعمر يا أخي! وقد انقرض، وهجم عليك الألم والمرض، وفاتك كل مراد وغرض! ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا﴾ [ق:٢٢] شخص البصر، وسكن الصوت، ونزل بك ملك الموت: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا﴾ [ق:٢٢] بلغت الروح إلى التراقي، ولم تعرف الراقي من الساقي، ولم تدر عند الرحيل متى التلاقي: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا﴾ [ق:٢٢].
ذكرنا أيها الإخوة أن من الأمور التي تعينك على عبادتك لربك وانتشالك لنفسك من الغفلة ذكرك لسكرات الموت، ولكن كيف تعرف سكرات الموت؟ هذا موضوع طويل، أخذنا منه بطرف، ولكن التوسع فيه يحتاج إلى درس كامل، وهو إن شاء الله ما سيكون موضوع الدرس في الشهر القادم إن شاء الله وسوف يعلن عنه، هذا الدرس بعنوان: غمرات الموت، لكن القادم سيكون بعنوان: سكرات الموت، وستتوالى الدروس في هذا الأمر حتى نستيقظ، فإن الذي لا ينتبه ولا يتعظ ولا يستيقظ بالموت ولا بالقرآن فمتى يتعظ؟ الواعظان اثنان: القرآن والموت، فمن لم يتعظ بالقرآن ولا بالموت فلو تناطحت الجبال بين عينيه لم يتعظ والعياذ بالله.
أسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يخفف علينا سكرات الموت، وأن يوقظ قلوبنا وإياكم من الغفلة، وأن يوفقنا لما يحبه ويرضاه، كما نسأله ﵎ أن ينصر دينه، وأن يعلي كلمته، اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك وعبادك الصالحين، اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل الطاعة، ويذل فيه أهل المعصية، ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر، إنك سميع الدعاء.
اللهم احفظ علينا ديننا وأمننا ونعمتنا واستقرارنا، اللهم من أرادنا في هذه الديار أو غيرنا من ديار المسلمين بسوء أو شر أو كيد أو مكر فاجعل كيده في نحره، واجعل تدميره في تدبيره، وأنزل عليه بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، اللهم وفق ولاة أمورنا لما تحبه وترضاه، إنك على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير، وسوف نجيب على الأسئلة باختصار، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 934
الأسئلة
стр. 935
ضوابط الإتيان بالأولاد إلى المسجد
السؤال
بعض الآباء يأتون بأبنائهم إلى المسجد ثم يتركونهم يعبثون في بيوت الله ويزعجون المصلين، فما توجيهكم؟
الجواب
الإتيان بالأبناء إلى المسجد له ضوابط وشروط وهو مطلوب؛ لأن الأمة لا بد أن تعيش بأجيالها، والأجيال هم هؤلاء الصغار، فإذا ربيناهم على الصلاة من الصغر وصلوا إلى سن الكبر وقد تدربوا على الصلاة، ولهذا يقول ﵊: (مروا أبناءكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع)، وبعض الآباء يهمل هذا الحديث، فلا يأمر ولده على سبع، ولا يضرب ولده على عشر، فإذا بلغ ولده لا يصلي قال: ولدي لا يصلي، قلنا: أنت الذي أهملته صغيراً فكيف تريد أن يصلي وهو كبير؟! لا.
إن الغصون إذا عدلتها اعتدلت ولا تلين إذا صارت من الخشب
الطفل الصغير ما دامت تعوده على الصلاة وهو صغير، وتزرع في قلبه حب الصلاة وهو صغير، لا يصل سن البلوغ إلا وهو يصلي، ولا يجد صعوبة؛ لأنه مدرب، أنت قد علمته، لكن تهمله وتضيعه إلى أن صار رجلاً ثم تقول له: صل، فلن يصلي، ويراها من أصعب الصعوبات عليه، فالأمر بالصلاة مطلوب للصغير، لكن إحضاره إلى المسجد له شروط: أولاً: أن يكون قد تجاوز السبع، فلا ينبغي أن تأتي بالذي سنه صغير لا يعرف مسجداً ولا طهارة، بعضهم يأتي بولده وعمره سنتان وثلاث وأربع، لماذا؟ لأنه يحب ولده، ويريد أن يدلله ويأتي به ليتمشى، اذهب به إلى غير هذا المكان اذهب به إلى الحديقة اذهب به إلى الشارع اذهب به إلى الملعب إلى أي مكان، لكن تأتي به إلى المسجد لا يصلح.
بعضهم يأتي بولده ويهمله ويدعه يلعب ويجري ويعبث بالمصاحف ويقطع الصلاة على المصلين، ويحدث فوضى، لا يجوز؛ لأن هذا يؤذي المصلين، وإيذاء المصلين لا يجوز لأنه إيذاء لله ، فلا ينبغي أن تأتي به وهو دون السبع، بعد ذلك إذا كان فوق السبع تعطيه آداب المسجد تقول له: يا ولدي نحن نذهب إلى الصلاة، والصلاة هذه فريضة الله والشعيرة العظيمة، نقف فيها بين يدي الله، فينبغي أن نكون مؤدبين مع الله، إذا وقفت في الصلاة تجعل عينيك في موضع سجودك، وتضع يدك اليمنى على اليسرى على صدرك، ولا تلتفت كذا ولا كذا، وإذا سمعت قراءة الإمام تنصت، إذا ركعت تركع وتثني ظهرك، وإذا سجدت تخشع، علمه كيف يصلي، إذا قمت امش ولا تنظر ولا تجري ولا تعبث؛ لأن هذا بيت الله، تمشي وعليك السكينة، إذا علمت الولد هذه الآداب يتأدب، وبعد التعليم تأخذه في يدك تصلي جنبه، وإذا معك ولد لا تصل في الروضة حتى لا تؤذي الناس بولدك، اذهب وصل في الطرف، وأنا أفضل أن تصلي في الطرف وولدك إلى جنبك أحسن من أن تصلي في الروضة وولدك في وراء المسجد يعبث ويضيع على الناس صلاتهم، خذ أولادك بجانبك وصل معهم؛ حتى تضبط حركتهم، بهذه الضوابط لا يوجد مانع.
أما أن يأتي المسلم ليصلي ويترك أولاده يعبثون في المسجد، ويسيئون في التعامل مع الناس، ويحدثون الأصوات والفوضى، ويجرون ويهرولون، ويمزقون المصاحف ويعبثون، ويضحكون ويصيحون، فإن هذا أذى، ولا يجوز، وأنا أخشى على من يأتي بأولاده أن تصدر دعوة من المصلين عليه وعلى أولاده، وقد تحيط به.
وأذكر وأنا في أبها أن رجلاً كان يأتي بولده إلى المسجد، وهذا الولد يعبث يعني يعمل حركة والناس قد كلموه وهم ينصحونه وهو يرفض، فكأن واحداً منهم دعا عليه، وخرج من المسجد وولده معه، وانطلق الولد يقطع الشارع وتصدمه السيارة، وكثير من المصلين ما تأسف على موت هذا الولد؛ لأنهم ارتاحوا منه.
فيا أخي! لا تزعج الناس فتجعلهم يدعون على ولدك فتستجاب الدعوة عليه وإذا به قد مات، لا، اترك ولدك في بيتك إلى فوق سبع، ثم أحضره بيدك، وأشغل ولدك بطاعة الله .
стр. 936
مفهوم ظلم العبد لربه
السؤال
كيف يقع الظلم على الله؟
الجواب
وقوع الظلم هنا ليس معناه: أن الله يتأذى، لا، فالله لا تضره معصية العاصين ولا تنفعه طاعة المطيعين، وإنما يقع الظلم أعني بالشرك بالله، فإذا أشرك الإنسان بالله وقع ظلم من العبد بشركه بالله ، لكن كون الله يتضرر، لا، لأن الله غني عن العالمين، الله يقول: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك) ويقول في الحديث القدسي في صحيح مسلم: (يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً، ولو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً).
стр. 937
الأعمال التي تنجي من فتنة القبر
السؤال
هل هناك عمل ينجي من ظلمة القبر؟
الجواب
نعم.
توجد أعمال، لكن ليس هذا المقام مقامها، هناك أعمال تنجي من ضغطة القبر، يعني ما يأتي للإنسان فتنة في القبر، من ضمنها الشهادة، ومن مات يوم الجمعة أو ليلة الجمعة هذا ما يأتيه شيء في القبر، والحديث صحيح في مسند أحمد، والشهيد ليس المراد الشهيد فقط الذي في المعركة، الشهداء كلهم: الشهيد من مات مطعوناً، أو مبطوناً، أو متردياً، أو غريقاً، أو حريقاً، والمرأة التي تموت على ولادة؛ هؤلاء كلهم شهداء، إذا ماتوا، بشرط أن يكونوا مؤمنين متدينين، وفيهم خير.
أما إذا كان -والعياذ بالله- فاجراً أو قليل دين تاركاً للصلاة، ومات متردياً أو غريقاً أو أحرق فهذا عذاب عاجل -والعياذ بالله- ولا ينتفع بهذا، إنما الشهداء من المؤمنين الصالحين.
стр. 938
حكم العادة السرية وأضرارها وعلاجها
السؤال
ما حكم العادة السرية مع الدليل، مع بيان أضرارها وعلاجها وتقديم النصيحة فيها؟
الجواب
أما حكها فهو التحريم، وقد صرح بهذا العلماء، واستدلوا بقول الله وقول رسول الله ﷺ ، فمن قول الله يقول الله عن المؤمنين: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون:٦ - ٧] فالذي مارس العادة السرية وأخرج المني عن طريق الاستمناء باليد هذا ابتغى طريقة غير الزواج وملك اليمين فهو عَادٍ: يعني متجاوزاً لحرمات الله.
وأما الحديث ففي الصحيحين يقول النبي ﷺ : (يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فيه بالصوم) وما قال: فعليه بيده فإنها له وجاء.
أما أضرارها فقد تكلم عنها العلماء والأطباء، وقالوا: إن أضرارها كثيرة جداً وتنقسم إلى قسمين: أولاً: أضرار دينية.
من الأضرار الدينية أن صاحبها يتعرض للعنة لورود آثار تدل على اللعنة: [لعن الله ناكح يده] ووجدت آثار: [أن ناكح يده يبعث يوم القيامة ويده حبلى] ما يخرج حيوان منوي إلا وتحمل اليد به، لكن آثار الحمل لا تظهر إلا يوم القيامة.
ثانياً: أضرار نفسية.
فإن الذي يستمني بيده كثيراً تصبح نفسه -والعياذ بالله- دنيئة، ويصبح حيواني الطبع ليس له هم إلا ممارسة هذا الأمر الذي لا تمارسه الكلاب والقردة والعياذ بالله.
وأيضاً: أضرار صحية، وأضرار اجتماعية، وأضرار بيئية، وأضرار تناسلية، يحصل عند الإنسان تهتك، يحصل عند الإنسان استهلاك للحيوانات المنوية، حتى قال العلماء: إنه إذا تزوج لا ينجب؛ لأنه قد انتهى، الذي عنده من الحيوانات المنوية ذهبت، وإن بقي عنده مني فإنه يكون ضعيفاً ونسله ضعيف -والعياذ بالله- فما ينبغي للمسلم أن يعملها.
فأما العلاج: فأولاً: مخافة الله، وذكر الله، وأن هذا حرام ولا ينبغي له أن يعلمه.
ثانياً: أن ينشغل بالطاعة والعمل الصالح وقراءة القرآن.
ثالثاً: أن يمارس عملاً مهنياً شاقاً، وإن لم يجد فيمارس عملاً رياضياً حتى يستهلك طاقته في هذا الجهد.
رابعاً: ألا يكثر من الأطعمة التي تبعث فيه القوة، وأن يأكل طعاماً خفيفاً، قوت حتى لا يموت، فقط، حتى يتزوج، فإذا تزوج يأكل كل ما أراد.
خامساً: أن يبعد نفسه عن الأشياء التي تثير فيه غريزة الجنس مثل: سماع الأغاني، والنظر إلى النساء، وقراءة القصص الغرامية، والنظر إلى الأفلام والمسلسلات، وسماع الحكايات من الزملاء عن الجنس؛ لأن هذه كلها تشعل العامل الجنسي.
سادساً: قراءة أخبار السلف وقصص الصالحين الذين كانوا يعفون أنفسهم عن الحرام.
وبعد هذا كله دعاء الله، يدعو الله بالعفة؛ لأن الله يقول: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور:٣٣]، والرسول ﷺ يقول: (ومن يستعفف يعفه الله) الذي يستعفف ويخاف من الله فإن الله سوف يعفه من الحرام ومن العادة السرية ومن كل أنواع الحرام.
стр. 939
نصيحة لمن تاب وقد عق والديه
السؤال
شاب كان يعق والديه، ثم التزم وتاب إلى الله وأقلع واتبع أصحاب الخير والصلاح، فهل يفعل أولاده به كما كان يفعل من العقوق على قاعدة: كما تدين تدان؟
الجواب
الحمد لله الذي هداه وتاب عليه إن شاء الله، فإن كان أبوه وأمه لا يزالان موجودين فليتدارك حياتهما بالبر، وليحسن إليهما، وليكفر عن عقوقه لهما بالبر الكامل، وإن كانا قد ماتا فعليه ببرهما بعد وفاتهما: أولاً: بكثرة الدعاء، فإن الدعاء يصلهما.
ثانياً: بالصدقة عنهما.
ثالثاً: بصلة رحمهما.
رابعاً: بزيارة ودهما، الود الذي كان لهما ويزور أصدقاءهما.
وهذا إن شاء الله يكفر عنه بإذن الله خطيئته، وسيجعل الله له إن شاء الله أولاداً صالحين؛ لأن التوبة تجب ما قبلها، ومن تاب تاب الله عليه.
أكتفي بهذا أيها الإخوة، وأعتذر عن الإجابة عن بقية الأسئلة لضيق الوقت.
والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 940
لو أن الله هداني
إن الهداية منحة إلهية، يهبها الله لمن يشاء، فهي ليست أمنية يتمناها العبد، وينتظرها حتى تأتيه، بل هي إقبال على الطاعات، وابتعاد عن المعاصي والمنكرات، والمسارعة بالتوبة والأوبة والخضوع والانقياد، والقبول والاستسلام.
стр. 941
المسارعة إلى الله قبل الندم
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أيها الإخوة في الله! يقول الله : ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة:١٣] ويقول : ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس:٩٩] ويقول : ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص:٥٦].
اتصل بي شابٌ مؤمنٌ هداه الله ووفقه إلى الصراط المستقيم، وقال لي: إنه دعا أحد إخوانه في الله إلى الإيمان، وإلى الهداية والالتزام، فتعلل بهذه التعللات، واستشهد بهذه الآيات، وقال: إن الله لم يهده.
فيقول لي الأخ: كيف أصنع به؟ وبماذا أجيب عليه؟ الإجابة على مثل هذا الذي يقول: إذا هداني الله اهتديت لو أن الله هداني لكنت مثلك أو أحسن منك؛ لكن لم يهدني الله إلى الآن.
الجواب جاء في القرآن الكريم -وكأنه يعالج مثل هذه المشكلة، ويجيب على هذا التساؤل- في آخر سورة الزمر، يقول : ﴿وَاتَّبِعُوا﴾ هذا أمر لكم أيها المكلفون ﴿أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الزمر:٥٥] وأحسن ما أنزل هو كلام الله وكلام رسوله ﷺ ﴿مِنْ قَبْلِ﴾ أي: فليس هناك مجال للتأخير أبداً، إن من يماطل أو يؤجل التوبة، لحظة واحدة خاسر؛ لأن التأجيل ليس من صالحه، التأجيل يعرضك لقضيتين خطيرتين: إما مفاجأتك بالقضاء والقدر على غير موعد، فتخسر خسارة كبيرة، وتندم ندامة لا تعوض، ولا تقوم لها الدنيا كلها، وإذا سلمت من الموت ولم تتب؛ فإنك تخسر خلال فترة التأجيل وقتاً ذهبياً من عمرك كان بإمكانك أن تستغله، وأن تملأه بالعمل الصالح، فالذي يماطل بالتوبة خاسر على الجانبين، ماذا يكسب عندما يظل بدون توبة؟ يكسب نوماً كثيراً، وأكلاً كثيراً، وشهوات كثيرة، ودنيا؟!! لا.
بل إنه يخسر كل شيء، يقول الله : ﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ﴾ يعني: ماذا يضرهم ﴿لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيماً﴾ [النساء:٣٩] يعني: ماذا ينقصهم ويضرهم لو أنهم ساروا على الخط الصحيح، والتزموا الإيمان بالله وباليوم الآخر، والإنفاق في سبيل الله ما الذي يضرهم؟! لا شيء، بل لهم لا عليهم، فالإنسان لا ينبغي له أن يؤجل التوبة ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ﴾ [الزمر:٥٥] يعني: الموت، وسماه الله عذاباً لأنهم في دائرة العذاب الموت للكافر والفاجر والعاصي هو الانتقال من العذاب الأدنى إلى العذاب الأكبر، الذي قال الله فيه: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [السجدة:٢١] فالعذاب الأدنى ما يناله الفاجر والعاصي من شقاء وضلال وقلق في هذه الدار، فإذا مات قال الله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ [الزمر:٥٤] من يستطيع أن ينصرك في تلك اللحظات؟ إذا مت ولقيت الله أيها العبد! ووجهك أسود، وصحفك سوداء، وعملك سيئ فمن ينصرك؟! هل المال ينصر في تلك اللحظات؟! الولد ينصر؟! هل المنصب والجاه، والملك والإدارة، والوزارة والإمارة؛ تنصر؟! لا.
لا ناصر أبداً إلا الله.
والله تعالى لا ينصر الكافر؛ لأنه قال: ﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم:٤٧] نصرهم في الدنيا والآخرة، أما الفجرة فلا ينصرهم الله، بل يخذلهم ويتخلى عنهم أحوج ما يكونون إليه.
стр. 942
الدعوة إلى الإنابة والرجوع إلى الله تعالى
﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ﴾ [الزمر:٥٤] (وأنيبوا) أي: ارجعوا، والإنابة هي: سرعة التوبة، ليس تائباً فقط، بل منيباً مهرولاً إلى الله، مسرعاً لا يلوي على شيء، اتجاهه وعزمه وتصميمه في سيره إلى الله، في كل لحظة يتوب، يقول ﵊: (إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم مائة مرة) ويحسب له في المجلس الواحد الاستغفار سبعين مرة وهو الذي قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال الله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً﴾ [الفتح:٢] وكان في كل أوقاته يردد: أستغفر الله العظيم وأتوب إليه، كان رجوعاً أواباً.
﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ * هَذَا مَا تُوعَدُونَ﴾ [ق:٣١ - ٣٢] يعني: الجنة ﴿لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ﴾ [ق:٣٢] أواب يعني: رجاع، حفيظ: محافظ على طاعة الله، حريص عليها، يضن بها أعظم من ضنه بالدرهم والدينار ﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ * ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ﴾ [ق:٣٣ - ٣٤] نسأل الله من فضله، وهذا هو الشرف والفضل يا أخي! إذا مت ورأيت في بيتك ملائكة الجنة معها كفن من الجنة، وجاءك ملك الموت، وقال لك: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ [الفجر:٢٧ - ٢٨] والله لا تحزن على شيء، تحزن على ماذا؟ على الزوجة؟ تحزن على واحدة والله سيعطيك في الجنة سبعين زوجة، الواحدة منهن خيرٌ من الدنيا وما عليها؟ والله ما عاد تذكر واحدة في هذه الدنيا إلا إن كانت صالحة، ويجعلها ربي معك في الجنة.
أتحزن على عمارة أو بيت والله سيعطيك قصوراً في الجنة من در مجوف، طول القصر ستين ميلاً في السماء؟ أتحزن على مزرعتك والله يعطيك مزرعة في الجنة، الغصن الواحد من شجرة الجنة مائة عام يقطعها بصرك، وأنت جالس تبصرها على مسافة مائة عام؟!
стр. 943
تصوير المعرضين عن التوبة وتحسرهم بعد الموت
﴿لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ * مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ [ق:٣٢ - ٣٣] منيب: خاشع خاضع لله، يبكي من خشية الله لا يتعاظم على الله لا يتعالى على أوامر الله، إنما يرتعد، يخاف، يوجل، يشفق، كأن النار ما خلقت إلا له، يتصور أن الناس كلهم ناجون وأنه هو الخاسر، ويتصور أن الناس كلهم صالحون وأنه هو الفاسق، ويتصور أن الناس كلهم سيدخلون الجنة وأنه في النار، ولهذا في قلبه مثل النار.
﴿لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ * مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ [ق:٣٢ - ٣٣] هذه صفات أهل الإيمان أربع صفات: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ * لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق:٣٤ - ٣٥].
يقول الله : ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ * وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الزمر:٥٣ - ٥٥].
مسرع بالسيارة، وفجأة بنشرت العجلة، ليس عندك حساب أو تخطيطات للموت، كل حساباتك للدنيا، كثير من الناس يموت وفي باله كل شيء إلا الموت، في باله الوظيفة، والزوجة، والعَشاء، والأولاد، ولكن أن يأتيه الموت ﴿بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الزمر:٥٥] من غير أن تتصوروا أو تعقلوا.
﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ﴾ [الزمر:٥٦] أي: لئلا تقول نفسٌ، وهنا نفس نكرة، أن تقول أي نفس عند الموت ﴿يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٥٦] يتمنى ويتحسر ويتندم على ما فرط في جنب الله، ما الذي فرط فيه في جنب الله؟ إما بارتكاب معصية، أو بترك طاعة.
(يا حسرتى) هل يريد أحدنا يا إخواني! أن يقول هذه الكلمة عند الموت؟ والله ليس هناك عقل عند الإنسان الذي يعيا إلا على المعاصي والذنوب، ونقول له: يا أخي! اتقِ الله لا تزنِ، لا ترابِ، لا تترك فريضة، لا تعق والديك، لا تقطع رحمك، يقول: لا.
يعني: فهل تستمر حتى تموت؟ وبعد ذلك تأتيك التحسرات وتقول: (يا حسرتى) هل تنفعك هذه التحسرات؟ هل تغني عنك وتنفعك هذه الأشياء؟ ﴿يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ * أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ﴾ [الزمر:٥٧ - ٥٨] إذا رأيت النار ومنزلها ﴿لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً﴾ [الزمر:٥٨] يطلب فرصة ثانية، يطلب إمهالاً ﴿لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً﴾ [الزمر:٥٨] يعني: رجعة إلى الدنيا ﴿فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الزمر:٥٨] أرجع فأعمل عملاً صحيحاً، اعمل الآن إن كنت صادقاً، هب أنك مت، وأنك دخلت القبر، وأنك رأيت مصيرك وقلت: ردني يا رب، فالآن ردك ربي، لا زلت حياً! وبعد ذلك قال: ﴿أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي﴾ [الزمر:٥٧] هذا الشاهد من الآيات، مثل الذي يقول له: يا أخي! اتقِ الله، قال: لو أن الله هداني لكنت مثلك، هذا العذر يقوله الآن ويقوله إذا مات، يقول هذه الكلمة: يا رب! لو أنك هديتني لكنت مع الناس: ﴿لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [الزمر:٥٧] قال الله جواباً على هذا المكابر: ﴿بَلَى﴾ يا كذاب ﴿بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي﴾ [الزمر:٥٩] أي: قد هديتك، قال المفسرون: معنى: (جاءتك آياتي) أي: هديتك إليها بآياتي.
стр. 944
حقيقة الهداية ومعناها
معنى الهداية أي: الدلالة، يعني: لو أن أحداً لقيك في الطريق يقول لك: أين مسجد اليحيى؟ فتقول له: هذا الطريق وتدله عليه، لكنه بدلاً من أن يأتي من هنا، ذهب من الطريق الأخرى، وبعد ذلك ظل يبحث عنه إلى نصف الليل، وبعد ذلك لقيك فيقول: يا أخي! أين مسجد اليحيى؟ تقول: من أين جئت أنت؟ قال: جئت من هنا.
حسناً! ألم أقل لك أن تسير من هنا، هل أنا هديتك؟ بلى! قد هديتك إلى المسجد، قد دللتك على الطريق، لكنك خضت شرقاً، وأنا أقول لك: اتجه غرباً لتصل إلى المسجد، فالله يقول: ((بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي)) [الزمر:٥٩] أي: قد هديتك إليَّ ولكن كذبت بها وتنحيت، تسمع آيات الصلاة وترفضها، تسمع آيات الزكاة ولكن المال عندك أحب من الله، كثير من الناس ليست الزكاة في حسبانه وعنده آلاف الريالات، وعشرات الآلاف، ولا يتصور أن الزكاة تجب إلا على الأثرياء، وأصحاب الملايين، ومتى تزكي؟ قال: ليس عندي شيء، كيف ما عندك شيء؟ عندك النصاب، النصاب لا يخلو منه جيبك في سائر العام، من هو الذي يخلو منا جيبه خلال العام كله من (٥٦) ريالاً؟ هذا هو النصاب، إذا بلغ في جيبك (٥٦) ريالاً وحال عليها الحول، يعني: دارت السنة وفي جيبك (٥٦) أو أكثر تجب عليك الزكاة.
أبو بكر يقول: [والله لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم عليه] أي: لاستبحت دماءهم من أجله، تأتيك آية الصوم والحج والبر، وترك الزنا الربا الحرام التبرج، هذه آيات الله جاءتك الله هداك، قال: اعمل هكذا ولا تعمل هكذا، هذا معناه أنه هداك، هذا معنى الهداية.
стр. 945
التصور الخاطئ لمعنى الهداية
بعض الناس يتصور أن معنى: (الله هداني) أي: أن يسلبك الإرادة ويجعلك إنساناً آلياً تعبد الله بدون اختيار! ليس لك جنة إذا سلب الله منك الاختيار، كيف يجعل الله لك جنة وأنت تعبده بدون اختيار؟ وهذا معنى قول الله : ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ [السجدة:١٣] يعني: لو أردنا لسلبنا الإنسان القدرة على الاختيار، ولجعلناه آلياً في حركته يعبدنا بدون اختيار، ولكن هذه ليست حكمة الله؛ حكمة الله اقتضت أن يعطيه القدرة والاختيار، وجعل له جنة وناراً، والجنة والنار للإنس والجن من بين سائر الخلائق؛ الملائكة السماوات الأرض الشمس القمر الليل النهار النجوم الشجر الدواب الحجر البحار الأنهار، كم خلق الله في الأرض؟ لكن لا يدخل الجنة والنار شيء منها، كلها تؤدي دورها في الحياة لخدمة الإنسان؛ لأن الله قال: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ﴾ [الجاثية:١٣] فإذا أغلقت الحياة، فالحيوانات تصبح تراباً، والشمس تكور، والنجوم تكدر، والأنهار تفجر، والبحار تسجر، وكلها تتغير ويأتي بك أنت يا (أبا اختيار) أنت الذي لك قدرة على أن تطيع، ولك قدرة على أن تعصي، فيقول: ماذا فعلت؟ أنا أعطيتك القدرة، وكرمتك، وفضلتك، وما جعلتك إنساناً آلياً، بل جعلتك سيد الكائنات، وجعلت لك القدرة على أن تسير في طريق الخير وطريق الشر، فماذا عملت؟ ماذا كنتم تعملون؟ وماذا أجبتم المرسلين؟ هذان سؤالان.
فبعض الناس يتصور يقول: إن معنى الهداية أن الله ينزل ملكاً من الملائكة، ويربط في رقبتك حبلاً ويقول: سقه إلى المسجد كل صلاة، هذا ليس من حكمة الله؛ حكمة الله أنه بين لك الطريق، وأعطاك القدرة، وحين يسلبك القدرة يسلبك التكليف، انظروا حكمة الله، فالمجنون الذي ذهب عقله هل يعاقب؟ لا.
لأنه ليس عنده القدرة على الاختيار، مسكين لا يدري: (رفع القلم عن ثلاثة) والقلم يعني: المؤاخذة والمسئولية، رفعت عن ثلاثة أصناف: (عن الصغير حتى يبلغ، والمجنون حتى يفيق، والنائم حتى يستيقظ) إذا أفطرت في رمضان ناسياً، كأن جئت إلى البيت وأكلت أرزاً ولحماً، ولما أكملت تذكرت: كيف أكلتُ وأنا صائم؟ يقول ﵊: (إنما أطعمه الله وسقاه) كل واشبع، لكن ليس عليك إثم، لماذا؟ لأنك أكلت وأنت ناس، والله لا يعاقبك وأنت ناس، إذا احتلمت في نهار رمضان وأنت صائم، فتقوم وتغتسل، ولا شيء عليك، لماذا؟ لأن الله سلبك الاختيار في تلك اللحظات، فأرغمك على فعل شيء من غير اختيار.
كيف يرغمك على فعل شيء ثم يؤاخذك؟ هل هذا معقول في حق الله وهو العدل؟ هل هذا معقول في حكم البشر الآن؟ لو جئت من الخميس إلى الجولة، ووجدت رجل المرور يمنع الاتجاه إلى داخل الممساء، سيارات المرور واقفة، والإشارات شغالة، والعساكر يقولون: الاتجاه على المنهل، أنى اتجهت وجدت العسكري واقفاً يقول: لماذا تأتي من هنا؟ تقول للعسكر: ردوني، لا.
أنت غلطان، هات مائة ريال، معقول يفعل المرور هذا، مدير المرور معقول أنه يسد الخط الداخل إلى أبها، وحولوا الناس على طريق الطائف، والذي يأتيكم فخذوا منه جزاء؟ ليس معقولاً، ولو كان مجنوناً، وإذا فعل ذلك مدير المرور، ماذا نقول له؟ هل نطيعه؟ لا.
بل نقول: والله لا نعطيك، لماذا؟ لأننا ما أخطأنا، أنت الذي أجبرتنا أن نمشي من هذا الخط وتريد أن نعطيك نقوداً، والله لا نعطيك نقوداً ولو دخلنا السجن؟ فهل يعقل أن الله يجبرك على سلوك طريق معين ثم بعد ذلك يدخلك النار؟ لا.
متى يجوز للمرور أن يعاقبك؟ إذا وضع لك لوحة وفيها علامة إكس، وبالعربي تحتها ممنوع الوقوف، وأتيت ووقفت، يأتي يمسكُ السيارة ولا يفكها إلا بثلاثمائة ريال، ولما تأتي، لماذا قيدت أو أمسكت السيارة يا مرور؟ قال: انظر اللوحة، تقول: والله أنا آسف ضع عني هذه المرة، يقول: لا.
هات ثلاثمائة، فتعطيه، ولا تقدر أن تتكلم عليه بكلمة واحدة؛ لأنك مخطئ، رأيت الإشارة واللوحة وجلست متحدياً للنظم والتعليمات، فتستحق الجزاء.
стр. 946
جعل الله المرء مختاراً للخير والشر؛ لقيام الحجة عليه
إن الله ﵎ -وله المثل الأعلى- أعطاك طريقين: طريقاً باتجاه اليمين وله علامات: صلاة صيام زكاة، هذه لوحات، علامات الطريق، وطريقاً باتجاه الشمال ممنوع الاتجاه إليه خطر خط أحمر: الزنا خطر، الحرام خطر، وأتى أحد الناس وقال: يريد أن يسلك هذا الطريق، امش في الطريق هذه، انظر هذا الاتجاه الصحيح، قال: لا.
أريد أن أغني، لماذا تغني؟ الآخرة مستأخرة، حسناً! غن، لكن بعد ذلك والله ستخرج هذه الأغنية دماً من ضلعك كما جاء في حديث عمرو بن قرة قال: قال رسول الله ﷺ (إن هذا وأمثاله يقومون يوم القيامة عرايا لا يستترون بهدبة، كلما قاموا صرعوا، ولهم عواء كعواء الكلاب) يعوي مثلما كان يعوي في الدنيا على الجنس، يعوي على الغناء، يعوي في النار ويضرب بالسياط، ويقيد بالسلاسل والأغلال، ولا حول ولا قوة إلا بالله! فالله يجيب على هذا وأمثاله ممن يحتجون بأن الله ما هداهم، قال الله تعالى: بلى! والله هديناك؛ هديناك يوم أن خلقناك بالفطرة، يقول الرسول ﷺ : (كل مولود يولد على الفطرة) ما هي الفطرة؟ الفطرة هي الإسلام، ولهذا قال: (فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه) ولم يقل: أو يمسلمانه؛ لأنه مسلم في الأصل، لكن أبواه يجعلانه إما يهودياً أو نصرانياً أو مجوسياً، يعني: على دين الأبوين، وهو مسلم، وفي صحيح البخاري يقول ﵊ في الحديث القدسي: (إن الله يقول: إني خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين) أي: أخرجتهم عن الحنيفية السمحاء، التي هي الدين الإسلامي، فالله خلقك وأودع فيك سلوكاً إسلامية، وركب طبيعتك على الإسلام، لتقوم عليك الحجة أكثر، أنزل لك كتاباً، وأرسل لك رسولاً، ومكنك من سلوك طريق الخير، وعدم سلوك طريق الشر، فلو أن أحداً من الناس، بمجرد ما يؤذن للصلاة يريد أن يصلي، لكن أصابه الله بمرض في قدميه، لا يستطيع أن يمدها، ما رأيكم في الإسلام، يقول: اذهب صل غصباً عنك، وإذا قعدت في البيت نجازيك بجزاء؟ ما دام أن الله عطل فيك القدرة على أن تأتي إلى المسجد فصل في البيت، والمريض يصلي في بيته، فأركان الصلاة أربعة عشر ركناً، منها: القيام، لكن مقيد مع القدرة، لو صلى أحدُ الناس جالساً وهو يستطيع أن يقوم فصلاته باطلة، لكن إذا مرض فالذي أمرضه هو الله، حكم عليه بالمرض، والله أمره بالصلاة قائماً، فكيف يعاقبه إذا لم يصل قائماً وهو الذي أمرضه؟ فيسقط عنه التكليف بالقيام، صل قاعداً، ما استطاع أن يصلي قاعداً، فيصلي على جنب، ما استطاع على جنب فيومئ إيماءً بعينه.
وآخر -مثلاً- بمجرد ما يرى المرأة في الشارع، ويريد أن ينظر بعينه، من قدرة الله أن ركب له بابين (أوتوماتيك) على العين يغطي العين بهما، فتقول: يا رب! والله لم أستطع أن أغطي عيني، بل يجب أن تغض بصرك، لو أن أحداً أراد أن يغض، ولما غض تفتحت عيونه، فالله لا يحاسبه، لماذا؟ لأنه ليس من اختياره، ولكن في قدرته أن يغض بصره.
فالله تعالى يقول: يا من يدعي أن الله ما هداه: ﴿بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي﴾ [الزمر:٥٩] بلى قد هديتك، بلى قد دللتك عليَّ، ولكن بدلاً من أن تأخذ آياتي هذه وتهتدي وتعمل بها كذبت، فتركت القرآن، وتركت السنة، وملت إلى الأغاني والمنكرات والمعاصي والأفلام، وصرت عبداً للشيطان يركب على رقبتك، ويذهب بك في كل حفرة ومتاهة، وإذا قال له أحد شيئاً، قال: إذا هداني الله، كيف إذا هداك؟ قد هداك: ﴿بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [الزمر:٥٩].
стр. 947
علم الله بمآل المرء إلى شقي أو سعيد هو علم سابق لا سائق
وآخر يقول: ربما أن الله كتبني يوم أمر الملك بكتابة رزقي وأجلي وعملي، وشقي أو سعيد، أنني شقي، قلنا له: لماذا تتوقع أنك شقي؟ لماذا لا تتوقع أنك سعيد؟ لِمَ تحتمل الخيار الأسوأ ما دامت القضية محتملة؟ ومعنى الكتابة هنا أي: سبق العلم لا الإلزام؛ لأن الكتابة كما يقول العلماء سابقة لا سائقة، يعني: أن الله علم أنك سوف تأتي وتفجر، وتكون نهايتك بعد فجورك النار، فكتب أنك شقي، وليس معنى هذا أن الله كتبك أنك شقي أنك لا تستطيع أن تطيع الله، فسبق العلم صفة من صفات الله، إذ أن الإنسان إذا كان لا يعلم الذي في المستقبل والله لا يعلم، ففي هذه الحالة سيستوي الإنسان مع الله؛ وهذا محال، من الذي يعلم ما الذي يصير غداً؟ إنه الله، هذه صفة كمال في الرب؛ أنه يعلم ما سيحدث في المستقبل، فالله يعلم أنه سيأتي أحد من الناس ويعيش، ويكون عمله سيئاً وتكون نهايته أن يكون شقياً، فكتب عليه علماً وأزلاً أنه سيكون شقياً بما علمه الله من عمله، لا بما جبره الله وألزمه أنه لا يكون إلا عاصياً، فهذا يقول: ربما أن الله كتب عليَّ أن أكون شقياً، ولهذا أصبح مع الأشقياء، أتعرفون ما مَثَلُ هذا؟ مثل هذا كمدرس في بداية العام الدراسي، تعرفون أن المدرسين وبعض الموظفين تقدر لهم العلاوة الدورية على ضوء تقييمهم، على ضوء تقرير الكفاءة في آخر السنة، مدير المدرسة يأتي بنقاط التقييم ويقيس المدرس يشرِّحه واحدة واحدة: مظهره، أداؤه، دوامه، إخلاصه، تفانيه، إنتاجه، ويأتي به ويضع له كل شيء، بعض المدراء يضع بالكريك، لكل المدرسين ستة ستة ستة، وهو لا يساوي صفراً، ولكن يقول: يا شيخ! الله الرزاق وهو كريم، ولذلك لا يعرف الطيب من البطال بهذا التقييم، التقييم أمانة في عنقك أيها المدير، فلا تظلم الدولة فتعطي أحدهم تقييماً وهو لا يستحق، ولا تظلم المواطن أو المدرس فتعطيه تقييماً أقل مما يستحق، أعطه ما يستحقه من أجل أن يكون هناك تفاضل بين الناس، عندما يأتي المدرس الممتاز ويأخذ علاوة أكثر بـ (٥%)، ويأتي المدرس الجيد جداً ويأخذ علاوة (٤%) من راتبه، ويأخذ المدرس الجيد (٣%)، والبقية محرومون -أي: المتوسط والضعيف- يأتي هذا الذي أخذ متوسطاً السنة المقبلة فيأخذ ممتازاً ويأخذ علاوة، لكن عندما تضع للضعيف (١٠٠%)، والممتاز (١٠٠%)، قال ذاك: والله إني أجتهد، وإن فلاناً بليداً وأنه مثلي، إذاً نصير بلداء سواء، ما دام القضية سواء، فيأتي المدير بنقاط التقييم ويضعها، وفي نهاية السنة يعطى للموظف العلاوة الدورية، على ضوء عدد العلامات، فهناك أحد المدرسين من أول السنة لا يحضر في طابور الصباح، ولا يأتي الحصة الأولى إلا وقد ضاعت نصفها، وقبل أن تصفر بربع ساعة يخرج على الباب، ويتلفت على المراقب، وبعد أن تصفر يتهرب، ويجلس في الإدارة، وبعد ذلك صفرت والمدير يقول له: قد بدأت الحصة يا إخوان، قال: حسناً! ويمشي بتباطؤ، يريد أن يصل إلى الفصل بعد ربع ساعة، وإذا دخل، قال: ما عندكم يا أولاد؟ من الذي عنده خبر جديد؟ هل سمعتم أخباراً جديدة؟ قالوا: يا أستاذ! حصة قرآن، قال: صحيح قرآن، لكن أولاً نرى ما هي الأخبار الجديدة، وهو يهمه أن يفوت الحصة بأي وسيلة، وبعد ذلك جاءه أحد المدرسين من زملائه، قال له: يا أخي! أنت مهمل في دوامك، وأدائك، وتدريسك، فلماذا هذا الإهمال؟ قال: ربما المدير يضعني آخر السنة ضعيفاً، ولهذا سوف أكون ضعيفاً من الآن، لماذا أتعب نفسي، وفي الأخير يضعني ضعيفاً في آخر السنة؟ أنا سوف أرقد، أنت فقط تحضر وتتعب وتشتغل وفي الأخير تجد نفسك في آخر السنة ضعيفاً، بالله ما رأيكم في هذا المدرس أهو مجنون أو عاقل؟ مجنون، نقول لك: يا مدرس! أنت واجبك أن تعمل، وواجب المدير أن ينصف، وأن يعطيك بالميزان، مثلما تعمل تأخذ.
أما أن تهمل خوفاً من أن يضعك المدير ضعيفاً فهذا غلط.
ومثال آخر يقرب المعنى أكثر: مدرس دخل على طلابه، من أول العام الدراسي، وبدأ يصنفهم إلى مجموعات وفئات: الجيدين يضعهم في الوراء، والكسالى يقربهم منه من أجل أن يعطيهم مزيداً من الاهتمام، ويركز عليهم، حتى ينتشلهم من وضعهم، إلى وضع أحسن، وبعد ذلك دخل عليه يوماً من الأيام مدير المدرسة، واختبر الطلاب ورأى مستواهم، انبسط، وقال له: يا أخي! الطلابُ عندك كم؟ قال: ثلاثون طالباً، قال: كم تتوقع نسبة النجاح فيها، وكم تتوقع نسبة الرسوب؟ فالمدرس بحكم معرفته -قد درسهم وعرفهم واحداً واحداً، وعرف الطيب والبطال- قال: أتوقع أن ينجح ثمانية وعشرون طالباً، وهناك اثنان ربما رسبوا، وهو يعرفهم المدرس، فواحد من طلاب الفصل، لما سمع الكلمة، ترك المذاكرة والدروس، ولا يحل واجباته، ولما جاء آخر السنة وسقط، قالوا له: مالك سقطت؟ قال: إن المدير قال في أول السنة: إن هناك اثنين سيسقطون، فتوقعت أني واحدٌ منهم، فلم أتعب نفسي بالمذاكرة، وبعد ذلك أسقط في آخر السنة، ما دام أن هناك اثنين سيسقطون ربما أني منهم، حسناً! لماذا ما يمكن أن تكون من الثمانية والعشرين الذين سينجحون؟ لكن انهزام الإنسان أمام شهواته، وحبه للخلود والراحة والأغاني، والأكلات والنومات والتمشيات، هذا يجعله يقول ربما أكون شقياً، لكن لو أنه أخذ بالعزيمة واحتمل أن يكون -إن شاء الله- سعيداً، وبعد ذلك كون الإنسان شقياً أو سعيداً في الأزل، هذا ليس من اختصاصنا، هذه ليست داخلة في دائرة اهتماماتنا، ما هو اختصاصك أنت؟ اختصاصك أن تطيع الله ولا تعصه فقط، وعندك يقين بعد هذا أن الله لا يظلم مثقال ذرة.
أما أن تجلس وتبحث في علم الله، وماذا كتبتني يا رب، شقياً أم سعيداً؟ هذا ليس من شأنك، أنت عبد خلقك الله لعبادته، وبين لك الطريق إليه، وأعطاك القدرة على السير في الطريق، سر في الطريق، فعندك عقيدة ومن ضمن صفات الله العدل ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء:٤٠] ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [آل عمران:١٩٥] لا يضيع الله عملَ عامل، فقط امش في الخط الصحيح، واعمل عملاً ووفر فيه شروطَ القبول، وهي: الإخلاص لله، والمتابعة لهدي رسول الله ﷺ .
وابتعد عن شيء ثالث مهم يهمله الناس، لا ينفعك العمل في الآخرة إلا بانتفاء الموانع وإبعاد المبطلات؛ لأنك قد تعمل عملاً صالحاً، أردت به وجه الله مخلصاً، وسرت به على هدي رسول الله مقتدياً، ولكن بعدما فعلته أبطلته ونسفته، كيف تنسف العمل؟ بمبطلات كثيرة، منها: الشرك، والرياء، والمنّ والأذى تصل إلى ثلاثين مبطلاً، وسوف يكون هذا الموضوع دروساً بإذن الله بعنوان: مبطلات العمل، ما هو الذي يبطل العمل؟ تعمل عملاً حسناً؛ لكن بعدما تنتهي ترجع وتنسفه، يعني: كرجل يصلي صلاة حسنة، ثم يذهب يخبر بها الناس، أو يرائي بها فإنه ينسفها، وأحدهم يتصدق صدقة ويخفيها، وبعد ذلك يذهب ويمنُّ بها فيبطل صدقته: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ [البقرة:٢٦٤] تؤذي هذا كلما تصدقت عليه، أو تمن عليه كلما لقيته، فدورك ومسئوليتك أن تعمل عملاً صالحاً، وتترك السيئات والمعاصي، وبعد ذلك يكون عندك يقين وجزم على أن الله لا يظلم أبداً: ﴿لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [الحشر:٢٠].
هذا الجواب قلته لأخي الكريم! الذي سألني، وأقوله لكم ليكون جواباً حاضراً في أذهانكم على من يقول: لو أن الله هداني.
نقول له: قد هداك الله، لكنك لا تريد أن تهتديَ: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا﴾ [لقمان:٢٣] ﴿وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ [النمل:٧٠] ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل:١٢٨].
كنت أود هذه الليلة، أن يكون الكلام على سبب من أسباب عذاب القبر؛ لأنه بقي عندنا سببان، لكن كثرة الأسئلة، وبمراجعتها وجدت أنها مهمة جداً، وأن إهمالها ليس فيه مصلحة؛ فإن الأسئلة تنبع من حاجة، فهذا الذي يسأل سؤالاً، معنى ذلك أن في قلبه حاجة، ويريد أن يجاب على سؤاله، فوجدت أن الضرورة تقتضي أن أجيب على الأسئلة، والموضوع الذي كان ينبغي أن نأخذه في هذه الليلة نؤجله إلى الأيام القادمة بإذن الله .
стр. 948
الأسئلة
стр. 949
حكم مناوبة السماع بين الأشرطة الإسلامية وأشرطة الأغاني
السؤال
ما رأيكم فيمن يجمع في سيارته وفي بيته الأشرطة الإسلامية وأشرطة الأغاني، ويسمع هذه فترة وهذه فترة؟ اذكر طريقة تبعدني عن الأغاني قليلاً قليلاً؟
الجواب
لا يوجد قليلاً قليلاً، ما رأيكم لو كان عندك نار تشتعل وجلست تطفئها قليلاً قليلاً، هل نقول: أطفئ النار قليلاً قليلاً, أو صب الماء صباً؟ أنت الآن تغني، وواقع في طريق النار، أبعدك قليلاً قليلاً، أم أبعد مرة واحدة، ليس هناك قليل قليل، تب إلى الله بسرعة، بدون قليلاً قليلاً، لا يصح أن تسمع أغاني وقرآناً، يقول ابن القيم:
حب الكتاب وحب ألحان الغنا في قلب عبدٍ ليس يجتمعان
وفي حديث ابن مسعود والحديث مرفوع، وقيل موقوف على ابن مسعود، قال: [لا يجتمع حب القرآن وحب الغناء في قلب عبد مؤمن] والذي يجتمع ذلك في قلبه، فيريد أن يغني ويريد أن يستمع أشرطةً إسلامية، في النهاية الغلبة للأغاني؛ لأن القرآن لا يحل في القلب الخرب؛ لأن القرآن نظيف، الآن لو أتيت بنجاسة وطيب، ووضعتهما في قارورة، ما الذي يبقى في القارورة؟ النجاسة، والطيب يتبخر ولا يبقى، الحق لا يتعايش مع الباطل، لا تجتمع في إناء واحد، كما يقول بعض الناس: ساعة لربك وساعة لقلبك، هذا شرك، ليس هناك ساعة لقلبك وساعة لربك، الساعات كلها لله؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣] فالساعات كلها لله، الصلاة لله، وآكل لله، وأنام لله، وأستيقظ لله، والعمل في المكتب لله، والدراسة لله، والنزول للسوق لله، والنظر لله، والتأمل كل شيء في حياته لله، يقول ابن مسعود: [إني أحتسب على الله نومتي وقومتي] أما التشليح والتجزئة في الدين، ساعة لربك وساعة لقلبك، صل قليلاً وغن قليلاً، واسحبني قليلاً في الغناء، هذا لا يصلح، ولا يجوز لك يا أخي المسلم! يا من تسمع الأغاني: لا تجمع بينها وبين الأشرطة الإسلامية.
ونقول لك: تب إلى الله، واجمع الأشرطة الخبيثة هذه التي في سيارتك وبيتك، واذهب بها إلى الاستريو الإسلامي واجعلهم يغيرونها، واسمع كلام الله، وكلام رسول الله ﷺ ، فإنك إذا استمريت على هذا فإنه خطر جداً؛ لأن الشيطان يستفزك بالغناء؛ لأن الله يقول: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾ [الإسراء:٦٤] ما هو صوت الشيطان؟ هذه الأغاني بدؤها من الشيطان، وعاقبتها سخط الرب.
стр. 950
أهمية عرض الشريط الإسلامي على الناس
السؤال
أرجو من أصحاب التسجيلات وبيع الأشرطة الإسلامية، عرض هذه التسجيلات يوم الجمعة، أو في يوم الثلاثاء، أو بعد الندوات، لتظهر الفائدة على الناس؛ لأن معظم الناس لا يعلم أن هناك أشرطة دينية؟
الجواب
هذه هي الحقيقة، الأخ جزاه الله خيراً يلفت النظر إلى هذا، وهو مهم حقيقةً، أنا ذهبت إلى الرياض، وإلى جدة ومكة، ولاحظت عقب كل محاضرة أو ندوة، أو كل مسجد نخرج منه والسيارات واقفة، وعليها عنوان المحل المرخص له من قبل السلطة؛ لأنه لا يصلح أن كل واحدٍ يبيعُ أشرطة، فلابد من مسئولية تركز على كل واحد يبيع، حتى لا يبيع لنا أشرطة فيها سم وشيوعية وإلحاد، وزندقة.
لا بد من تحديد المسئولية، يوجد أناس يبيعون أشرطة إسلامية تدعو إلى الله، فيأتون بسيارات ومكتوب عليها مثلاً: تسجيلات الهدى، تسجيلات الفرقان، وبعد ذلك يجلس الواحد ويبيع الأشرطة الإسلامية، هذه طيبة جداً، بعد الندوة وأنت خارج تجد شريطاً وتأخذه، ربما يبعد عنك المحل، وقد رأيتها في الرياض، ومكة وجدة لكنها غير موجودة في أبها.
следующие страницы →