Полный текст (2 982 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.
стр. 876
إكرام الإسلام للمرأة
لقد ساوى الله بين الرجل والمرأة في الجزاء في الآخرة قال : ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل:٩٧] وساوى الله في التوجيه في سورة الحجرات لما قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْأِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الحجرات:١١] وكرَّم الله المرأة وخصها بنصيب عظيم من العناية من ذلك في جميع مراحل حياتها، فالله أكرمها أُماً في حين أن الجاهليين الآن في الشرق والغرب يرمون بالأمهات في الملاجئ؛ فإذا بلغت الأم خمسين سنة انتهى الانتفاع بها، وردةً مُصت واستنشقت فذبلت، فلما ذبلت ركلت يركلونها ويذهبون بها إلى دور العجزة، ولا يعرفها ولدها ولا بنتها ولا أخوها ولا زوجها ولا تبقى لتموت ببطء حتى تنتهي.
أكرمها أماً: الإسلام كرَّمها أماً، فقال : ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ [البقرة:٨٣] وقال : ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء:٢٣] ويروي البخاري ومسلم في الصحيحين حديث الرجل لما سأل الرسولَ ﷺ وقال: (يا رسول الله! من أحق الناس بحسن صحابتي؟) يعني: من هو أولى الناس لأن أكون له أطوع، وأحسن الناس إليه، وأرفق الناس به؟ من هو؟ من هو؟ فقال ﷺ : (أمك) الله أكبر! فهذا الرجل أخذها على أنها في أعلى منزلة، قال: (ثم من؟) يريد أن يضع الثاني (قال: أمك) ضع أمك في المرتبة الثانية أيضاً (قال: ثم من يا رسول الله؟) يريد أن يضع أخرى (قال: أمك) ثلاث مرات: أمك.
في الدرجة الأولى، والثانية، والثالثة (قال الرجل: ثم من؟ قال: ثم أبوك.
ثم أدناك فأدناك) الآن أكثر الناس لا يتقي الله في أمه بل يجعل امرأته في القائمة الأولى، المرأة هي الأولى في القائمة والأم في آخر القائمة، البسمة للمرأة، والثوب الجيد، والتمشية، والسهرة، والراتب في يد المرأة، وأمه إن لم تكن في بيته فيأتيها في الشهر مرة وهو مستعجل، حتى إنه لا يتفرغ لكي يشرب عندها ماءً، يأتي ولا يطفئ حتى السيارة، يقول: مستعجل ذاهب للدوام عندي شغل عندي موعد بينما الجلسات كلها لامرأته، الله أكبر! لا إله إلا الله! وأكرمها الإسلام بنتاً، فقد كانت توأد في الجاهلية، والله حرم هذه العادة وأبطلها، وجعل تربية اثنتين من البنات سبباً لدخول الجنة، ففي الحديث الصحيح من رواية مسلم يقول ﵊: (من عال -أي من ربى- جاريتين -يعني: ابنتين- حتى تبلغا؛ جاء يوم القيامة أنا وهو معاً، وضم إصبعيه الاثنتين) من عنده اثنتان من البنات يربيهن على الإسلام ويعلمهن الإيمان إلى أن يزوجهن هذا رفيق النبي ﷺ في الجنة.
والمرأة أكرمها الإسلام زوجةً، يقول ﵊: (خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي) وامتدح الله رسله فقال: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً﴾ [الرعد:٣٨] وجعلها نعمة وآية من آياته قال: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾ [الروم:٢١].
وأكرمها أيضاً مؤمنة، فكان أول قلبٍ مؤمن تألق بنور الإيمان هو قلب خديجة ﵂، فأول من آمن من النساء خديجة ﵂، وكانت أول شهيدة في الإسلام امرأة وهي سمية أم عمار بن ياسر وزوجة ياسر ﵃.
قتلها أبو جهل، وكانت الأسرة كلها مؤمنة: سمية وولدها عمار وزوجها ياسر.
الأسرة كلها مؤمنة، وهم كانوا عبيداً وموالي، وكان أبو جهل يعذبهم تعذيباً لا يعلمه إلا الله، ويمر النبي ﷺ عليهم ويقول: (صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة) ويمر الخبيث عليها فيطعنها بالرمح حتى ماتت ويسيل دمها على الأرض فكانت أول قطرة دم تقع على الأرض في سبيل الله، أي شرف أعظم للمرأة من هذا الشرف أيها الإخوة؟!! وامتدحها الله صابرةً، هذه أم سليم بنت ملحان -في قصة طريفة جداً- مرض ولدها ثم مات، ودخل عليها أبو طلحة -زوجها- من المسجد وقد تطيبت وتصنعت وقالت لمن في البيت: لا تخبروه.
وغطت الولد بعدما مات بلحاف، وقامت تتجمل، وتتزين، وتتعطر، ولما دخل أبو طلحة قالت لمن في البيت: لا تعلموه.
فلما سألها عنه قالت: هو أسكن ما يكون.
وصدقت لأنه في سكون تام، لكنه فهم أنه قد شُفي.
قالت: هو أسكن ما يكون.
ثم قدمت له العشاء، ثم أتما ليلتهما على أتم حال، فلما كان آخر الليل -طبعاً قد هدأت الدنيا، لم يعد هناك سخط ولا غضب، وإنما الأنس والوفاق- جاءت تعرض الخبر عرضاً أدبياً جميلاً، قالت له: يا أبا طلحة ألم ترَ آل فلان -ضربت مثلاً- استعاروا عارية ثم تمتعوا بها، ثم طُلبت العارية منهم فشق عليهم ردها -أبوا ردها وقالوا: لا نرد العارية- قال: ما أنصفوا، هذا ظلم، كيف يرفضون رد العارية؟! قالت: فإن ابنك كان عاريةً من الله فقبضه.
الله أكبر ما أعظم صبر هذه المرأة! ما أعظم هذه العقلية! فالرجل قد ضربت له مثالاً، لم يعد بوسعه أن يعمل شيئاً فاسترجع وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون.
وحمد الله وقال: الحمد لله.
وقال: والله لا أدعك تغلبيني على الصبر، أي: لا أجعلك تسبقيني إلى الصبر، سأصبر اقتداءً بك.
فلما أصبحا من الغد ذهبا إلى النبي ﷺ ، وكان قد نزل عليه الوحي من السماء وأخبره الله بخبرهما في الليل فقال: (بارك الله لكما في ليلتكما) فحملت تلك الليلة ببركة دعوة النبي ﷺ ، وولدت ولداً سماه أبوه عبد الله لم يكن في الأنصار شابٌ أفضل منه، ولم يمت حتى رزق عشرة من الأولاد كلهم حفظوا القرآن؛ ببركة هذا السلوك العظيم من هذه المرأة الطاهرة.
لكن لو أنها من نسائنا ومات ولدها لصعقت وصاحت، وإذا دخل بعلها قالت: ما ذهبت به إلى المستشفى، أنت الذي أمَتَّ ولدي، وأنا أطلب منك أن تأخذه إلى الطبيب كل يوم، أنت راضٍ وقامت تضع المسئولية عليه بدلاً من أن تقول مثل هذا الكلام العظيم الذي قالته هذه المرأة الفاضلة، هذه المرأة الصابرة من أين اكتسبت هذا الصبر؟ ومن أين تحلت بهذه الأخلاق؟ لقد -والله- تحلت به من الإيمان الذي عمر قلبها، ومن النور الذي أنار باطنها، وهذا غيض من فيض، وقليل من كثير من حديث اهتمام الإسلام بالمرأة وإكرامها، يقول الشاعر:
فلو كان النساء كمن ذكرن لفضلت النساء على الرجال
وما التأنيث لاسم الشمس عيبٌ وما التذكير فخر للهلال
стр. 877
هدف الأعداء من الدعوة إلى المساواة بين الرجل والمرأة
ولكن أيها الإخوة! -وما أصعب (لكن) - صعُب على أعداء الإسلام أن تبقى المرأة المسلمة في عرشها وعزتها وعليائها، صعُب عليهم هذا التكريم فعملوا في سبيل إنزالها لتكون منشفةً يتمسحون بها، ولعبة يتلهون بها ويحققون عن طريقها الاستمتاع بمآربهم متسترين بالشعارات الخادعة والهتافات الكاذبة حين نادوا إلى تحريرها، ولكن مم يحررونها؟ من الشرف، والفضيلة، والحياء! وهتفوا بالعطف عليها، ولكنهم قسوا عليها أشد من قسوة الجاهلية الأولى، كلفوها ما لا تطيق، ادَّعوا إكرامها فأوردوها موارد الذل والحقارة، أرادوا تحريرها فاستعبدوها، عطفوا عليها فأهلكوها، وهم حولها وحوش مفترسة، وكلاب شرسة، ولصوص مختلسة، همهم في الحياة إشباع النزوات، وغايتهم إرواء الشهوات، ومقصودهم التمرد على الأخلاق والعادات، ووقعت المسكينة في حبالهم في معظم بلاد المسلمين، وساقوها إلى أسواق الرقيق الأبيض، أسواق التبرج والاختلاط، وما أدراك ما التبرج والاختلاط؟!
стр. 878
أحكام التبرج والاختلاط
ما هو التبرج؟ وما هو الاختلاط؟
стр. 879
النهي عن التبرج والاختلاط في كتاب الله
التبرج: هو أن تُظهر المرأة للرجال الأجانب ما أوجب الله عليها ستره من زينتها الخَلقية أو الخُلقية، الزينة الطبيعية أو المكتسبة بقصد أن تلفت أنظارهم، وتضيف إلى هذا المساحيق والعطور والأصباغ والملابس لإقناع الناس بأنها جميلة.
هذا اسمه تبرج، وهو مظهر من مظاهر الجاهلية، قال الله: ﴿وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب:٣٣].
أما الاختلاط: فهو اجتماع الرجل غير المحرم بالمرأة اجتماعاً غير شرعي في خلوة أو في سفر، ويمكنه من النظر إليها أو الحديث والكلام معها، وهو محرَّم بالكتاب والسنة، يقول الله في التبرج: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب:٣٣] ويقول : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ [الأحزاب:٥٩] ويقول : ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور:٣١] ما ظهر منها يعني: شكلها العام بعد الحجاب وليس وجهها، ومن قال بهذا القول فقوله مردود ومنقوض ولا يدعمه دليل من كتاب ولا من سنة، والأدلة التي أوردوها على هذا كلها مردودة: إما منسوخة، أو ضعيفة، أو موضوعة؛ كما قرر ذلك أهل التحقيق من أهل العلم، كشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وكثير من علماء الأمة، ولم يقل بأن الوجه أو الكفين ليس بعورة أحد ممن يعتد بعلمه ويؤخذ بقوله، كيف يأمر الله المرأة بألا تضرب برجلها ثم يبيح لها أن تكشف وجهها؟!! إذاً: فما معنى الحجاب الذي يقول الله فيه: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب:٥٣]؟! إنها دعوة تخدم أغراض الماسونيين، إذا نزع الحجاب فتح الباب وصار الشر وحصل الفساد والعياذ بالله! فالله يقول: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ [النور:٣١] إلى آخر الآيات.
стр. 880
حكم وضع الحجاب عن القواعد من النساء
ويقول : ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحاً فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ [النور:٦٠] القواعد من النساء، هل تدرون من القواعد؟ هي المرأة العجوز التي لصق ساقها بفخذها، ولصق فخذها ببطنها حتى قعدت، لم تعد تستطيع المشي على رجليها، حائرة مسكينة، أصبحت جالسة في مخدعها لم تعد تزحف إلا زحفاً، هذه هي التي أباح الله لها ذلك، وليس عليها جناح أن تضع الحجاب، لكن بشرط: وهي باقية في مخدعها، قال: ﴿غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ [النور:٦٠] العجوز منعت من التبرج فكيف إذا تبرجت البنت؟!! وهب أن العجوز هذه تبرجت، هل هناك فتنة؟ نعم، يمكن أن هذا العجوز ما درى الناس أنها قاعدة فقامت واستعملت حُمرة أو حناءً أو تطيبت أو أخذت لها ملابس ودخل رجل مُسن ورأى العجوز، فقد يحصل ما يُعبر عنه المثل: (لكل ساقطة لاقطة!) قال الإسلام: هذه العجوز ليس عليها جناح أن تضع ثيابها لكن بشرط ﴿غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ [النور:٦٠] وقال الله: ﴿وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ﴾ [النور:٦٠] لماذا؟ ﴿خَيْرٌ لَهُنَّ﴾ [النور:٦٠] إذا تغطت العجوز ذات السبعين أو الثمانين سنة فهو أفضل لها، فكيف بالبنت التي عمرها عشرون سنة أو خمسة وعشرون أو ثلاثون تتبرج وتخرج في ثياب مزركشة، الآن هناك عباءات فاضحة، العباءة أصلاً وضعت للستر، أليس كذلك؟ فإذا أصبح الساتر فاضحاً؟ كما لو كانت العباءة منقوشة أو مطرزة أو ملمعة، بالإضافة إلى أنها مرفوعة من فوق الرجل، وأيضاً تلبسها على الكتف، وهو ما يسمونه (الكاب) هذا يُجسم صدرها ويكشف أكتافها، ثم تلبس الكعب العالي وتمشي عليه مع صغره كأنه حافر حمار، وكذلك تعلوها زينة وعطور ومشية مميلة و (باروكة) فوق الرأس! هذا كله حرام في دين الله، وتخرج أكثر البنات في هذا الوضع ولا ينكر عليها زوجها ولا أبوها ولا أخوها، وتمارس هذا الأمر وكأنه شيء طبيعي، هذا هو تبرج الجاهلية الأولى بل أشد.
إذا خرجت المرأة فعليها أن تخرج في حذاء مستوٍ، فإن الله خلقها تمشي على رجلها، ولو أرادها أن تمشي بحافر حمار لجعل لها حافر حمار، وعلى المرأة المسلمة إن خرجت أن تمشي بعباءة ساترة من رأسها إلى قدمها فضفاضة واسعة تجر الأرض، وتمشي في ثياب مبتذلة، لا تأخذ ثياب الزينة ولا تتعطر، وكذا تخرج إذا خرجت للضرورة فقط، الخروج بالنسبة للمرأة أمر طارئ عارض؛ لأن الله يقول: ﴿وَقَرْنَ﴾ [الأحزاب:٣٣] ما قال: اجْلِسْنَ، ولا امْكُثْنَ.
والقرار: هو الدوام.
يقال: الجبل قار يعني: لا يتحرك.
ولا يقال: الجبل ثابت أو الجبل جالس، الجالس سوف يقوم، والثابت سوف يتحرك، لكن قار يعني: لا يتحرك ولا يخرج، قال الله: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب:٣٣] حتى المرأة العجوز يقول الله عنها: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحاً فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ [النور:٦٠].
ثم إذا كانت اللعنة قد وجبت على نساء بني إسرائيل لما خرجن إلى المساجد فكيف لا تجب على من تخرج إلى الأسواق والمجتمعات لنشر الفساد والمنكر وللدعوة إلى الجريمة؟!! روى البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ قالت: [رحم الله نساء الأنصار لما نزل قول الله : ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور:٣١] شققن مروطهن واختمرن بها] وفي الترمذي قال ﵊: (إن المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان).
من هذه الأدلة -أيها الإخوة- يتضح تحريم التبرج تحريماً قطعياً لتصان المرأة من التهتك والسقوط؛ لأن الرجال فيهم البر والفاجر، والطاهر والعاهر، والحجاب يمنع الفتنة ويدعو إلى الحياء والعفة، ويحفظ المرأة من تعرضها للفسقة والأذى، والاختلاط لإبقاء الثقة بين الزوجين، ولقطع دابر الريبة والجريمة والشكوك، والتهم التي تؤدي إلى هدم البيوت وتفكيك الأسر، والبيت للمرأة المسلمة كالصدَفة بالنسبة للؤلؤة تزداد به حسناً وجمالاً وبهاءً ودلالاً، وحين تتبرج وتخرج يذهب جلالها، ويتضاءل جمالها، وينطفئ نورها.
стр. 881
نتيجة التبرج ومسرحية الهلاك
ولعل سائلاً يسأل: ما نتيجة التبرج؟ نتيجته الفساد والإغراق، أن تغرق المجتمعات في الجريمة والعياذ بالله، وللتدليل على ما نقول نورد -أيها الإخوة- مثالين من عالم الواقع في أسباب ما وصلت إليه المرأة -أعني: في بعض المجتمعات- وصلت رسالة تقول صاحبتها: أنا أبلغ من العمر تسعة عشر عاماً -طبعاً في غير هذه البلاد، والحمد لله هذا الكلام ليس في بلادنا- وأدرس في السنة الأولى من الجامعة، وهناك شاب اعتدت أن أراه في ذهابي وعند عودتي من الجامعة، ولأنني حاسرة الرأس عارية الصدر والسيقان والأذرع كان هذا المنظر يشده إلي أكثر، وكان يبادلني التحية والمجاملة، وصادف أن التقينا في مكان عام وطلب مني أن أمشي معه، وطلبني زوجةً له فرضيت، وتقدم لخطبتي، وإثر ذلك حدث بيني وبينه لقاء فقدت فيه بكارتي -يعني: أوقعها في الزنا- بعد أن وعدني بلسانه المعسول أن يتزوج بي، وبعد ذلك اختفى من حياتي وركلني بقدمه، وأرسل إلى أهلي طالباً منهم فسخ الخطبة، وإلى اليوم والحزن لا يفارق قلبي، وأصبحتُ أعيش في سجنٍ مليءٍ بالحسرة واللوعة والأسى والندامة، ولا يمكن أن أنسى ما أصابني من هذا الذئب البشري الضاري الذي أعطيته أغلى ما أملك بل كل شيء وجعلني لا أساوي شيئاً.
ونحن نقول لها: إن هذا ثمرة عدم الشعور بالمراقبة لله ، فهذه الفتاة لم تصل إلى هذه الحالة المؤسفة إلا بعد أن أباحت لنفسها أن تتبرج وأن تختلط ثم تلتقي بهذا الذئب، ثم تسلمه نفسها من غير خوفٍ ولا مراقبة لله .
أما المثال الثاني: شاب جامعي كان يحيا حياةً مليئة بالحب مع حبيبته -كما يقول- ولكن مشكلته بدأت منذ شهور حين تقدم لهذه الحبيبة شاب آخر على جانبٍ من الجمال والثقافة والعلم، فقبلته ووافق أهلها عليه ويقول: ماذا أفعل؟ لقد صدمت، إنني لن أتركها تتزوج بشخص غيري، ولو كلفني ذلك حياتي؛ لأن حياتي لا تساوي شيئاً بعدها.
وهذا بلا شك ثمرة التبرج والاختلاط والعياذ بالله! وإننا نعجب -أيها الإخوة- ممن تقرع سمعه مثل هذه المآسي ثم يستمر في تجاهل أمر الله، وفي حسن الظن بالشيطان فالشيطان له رغبة جامحة في الإغواء والإضلال، ولا يأمر بمعصية واحدة إلا بعد التخطيط لها ورسم خطواتها لأن الله يقول: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [البقرة:١٦٨] فهو يلقي في نفس الفتاة أموراً منها: أن فلاناً الذي يكلمك عبر الهاتف حسن النية، وأن الحديث معه لا مانع منه ما دام الهدف هو الزواج، ثم يخطط للقاء تأكيداً للثقة، وشعارهم: (ماذا فيها إذا التقينا؟ الثقة موجودة)، أنا واثقة من نفسي، وهو يقول: أنا واثق من نفسي، نحن نخاف الله ، وإذا التقينا ماذا يصير؟ تحترق الدنيا تأكيداً للثقة، وأيضاً منعاً للكلفة وجلباً للألفة، ثم ينتقل الشيطان إلى خطوة هي التبسم معللاً ذلك بعامل الذوق والمجاملة، ليس من المعقول أن تلقى حبيبتك وأنت عبوس.
ثم يستمر الشيطان في خطواته حتى تتلامس الأيدي وتحترق القلوب، فيصرخ الشيطان: المكان غير مناسب، والوقت ضيق، ولا بد من إعداد مكان وتهيئة وقت، وأن أفضل شيء لطرح القضايا هو الانفراد، وتوافق الفتاة، ويقفز الشيطان في المرحلة الأخيرة من أدواره ومسرحيته حين تتم الخلوة فتحصل الفاحشة؛ لأن تكوين الرجل والمرأة لا يسمح بالعواطف فقط ولا بد من وهنا تحصل الكارثة ويوجد العار وتتبدد الكرامة وتبدو الفضيحة ويخرج الرجل من المسرحية منكراً للمرأة سالباً لها شرفها، منكراً أن يكون له أي دورٍ في دمارها، بل يلومها كما يلومها الناس، ويعيرها كما يعيرها الآخرون، ثم يتركها وينفض يده منها لتعاني من آثار الفضيحة والحمل والولادة والإرضاع لطفلٍ حرام، أو الإقدام على قتل هذا الطفل، وهذا جرمٌ أكبر وأكبر!! وتلتصق آثار الفضيحة بالأسرة والأب والأم والإخوة، بل القبيلة بأكملها، ولا تجد بعض الفتيات سبيلاً للخلاص من فضيحتها إلا بالموت لتؤدي آخر دور في مسرحية الهلاك، وتغدو قاتلة لنفسها بالانتحار، وبالتالي إلى النار وبئس القرار، والعياذ بالله! كل هذا سببه الاختلاط والتبرج، وخروج المرأة عن طريق الله، وعدم وقوفها عند حدود الله !
стр. 882
توجيهات لسعادة الأخت المسلمة
وحتى -أيها الإخوة- لا نقع فيما وقع فيه الغير، ولكي تبقى لهذا المجتمع كرامته وعفته وطهارته نتوجه لأخواتنا في الله بهذه التوجيهات:
стр. 883
التبكير بالزواج
أولاً: سارعي -أيتها الأخت- إلى الزواج من أول خاطب، فأنت يا أخي! إذا دخلت سوقاً ومعك بضاعة فعند أن يأتيك أول مشترٍ بع، وإذا رفضت عدت آخر اليوم لكي تبيعها بنصف القيمة، كذلك البنت إذا جاء خاطب ترضى دينه وأمانته فلتقبل؛ لأن الزوج ليس شيكاً في الجيب بحيث إذا أرادته أخذته لا، هذا قسمة من الله ونصيب، ونحن نعرف أن هناك بنات خطبْن ولكنهنَّ رَفضْن وتعللْن بالدراسة والجامعة والتخرج، ثم الآن رُفضْنَ، ولو أعلنوا عنهن في الجرائد ما خُطبن، وتتمنى أنها ما ردت ذاك الرجل.
لتقبل المرأة الزواج من سن الخامسة عشرة، بمجرد بلوغ المرأة سن الحيض أصبحت جاهزة للزواج فلتتوكل على الله، وليس الزواج مانعاً لها من الدراسة فستواصل تعليمها وتدرس حتى ولو واصلت دراستها في الجامعة.
وبمناسبة ذكر الجامعة فإنا لا ننسى أن نشيد وأن نشكر ولاة الأمر جزاهم الله خيراً على إلغاء نظام الساعات من التعليم الجامعي؛ فإن هذا النظام نظامٌ شيطاني أفقد الأسرة السيطرة على الأولاد والبنات، تخرج البنت الساعة السادسة بعد المغرب، ما عندكِ؟ قالت: عندي حصة، عندي ساعة.
وتخرج الساعة الثامنة صباحاً وتقول: عندي ساعة.
وتخرج الساعة الثانية عشرة وتقول: عندي ساعة.
تبقى طوال اليوم كلما أرادت أن تخرج قالت: عندي ساعة وتبرر خروجها بذلك.
الآن لا، لم يعد هناك ساعات إلا من الصباح إلى الظهر، والكل يظل في بيته، فالحمد لله، ونسأل الله أن يتبع هذه الخطوة خطوات من الإصلاح فإنا نأمل من المسئولين تدارك الأخطاء وتصحيح الغلط، فإن الخطأ إذا صحح عادت الأمة إلى الصواب، ولكن إذا ترك الخطأ تولد عنه أخطاء؛ تتولد عن الأخطاء كوارث، والكوارث لا تصيب أحداً وتدع آخر بل تصيب الكبير والصغير، وتغرق السفينة كلها؛ لأن المجتمع مثل السفينة إذا تُرك الخارق فيها ليخرق غرق الخارق والساكت الذي رآه يخرق ولم يأخذ على يديه نعم، المجتمع يجب أن يكون متماسكاً، ونحن نأمل من المسئولين تصحيح الأوضاع الأخرى ليبقى لهذا المجتمع تماسكه.
стр. 884
الحرص على اختيار الزوج الكفء
ثانياً: نقول لأختنا المسلمة عند الإقدام على الزواج: عليك أن تحسني اختيار الزوج، وهو من توفرت فيه معاني الالتزام بدين الله، والرضوخ والإذعان لشريعة الله، والرضا بالعيش في ظلال هذا الدين، واحذري من الإشاعات التي يروجها الشياطين عن المتدينين منها: عدم توفيره لوسائل اللهو، بعض البنات تقول: لماذا أتزوج إنساناً ليس عنده لا تلفاز ولا فيديو ولا شيء، هذا سوف يعقدني أو الخوف من التعدد، بعض النساء تقول: لا تتزوجي (مطوعاً) من يوم يأخذك سوف يأتي بواحدة غيرك، وأن هذه الحياة تكون معقدة معه، وفيها كلفة.
هذه إشاعات مغرضة الهدف منها: تنفير الفتيات الملتزمات من الشباب الملتزم، وبالتالي التورط مع شريك حياة -زوجٍ- فاسقٍ لا يراقب الله ولا يقيم لدين الله وزناً.
أما دعوى عدم توفيره وسائل اللهو فهذه تعتبر ميزة في الرجل المسلم وليست صفة نقص بل هي صفة كمال فيه؛ لأنه مسئول أمام الله عن هذه الزوجة، ومسئوليته تفرض عليه أن يكون جاداً مع نفسه، وألا يترك لنفسه المجال إلا في حدود الحلال والمباح، وهو ما يتوفر في حياة الملتزمين -والحمد لله- من النكتة البريئة، والنزهة الهادئة، وهو ما تشعر به كل مؤمنة تزوجت بمؤمن، بل لقد صرحت بذلك إحدى المؤمنات وقالت: والله لو يعلم النساء الأخريات ما نحن فيه من السعادة لحسدونا عليها، تقوله واحدة لي في الهاتف: والله قد كنت أتصور أن حياة النساء مع الملتزمين عذاب، ولكن والله إنها أكرم وأعظم حياة أن تعيش المرأة مع رجل ملتزم يخاف الله .
أما دعوة التعقيد فمردودة من أساسها، فالمتدين ليس معقداً ولكنه إنسانٌ منضبط السلوك محدد الاتجاه، وهذا يسّهل العيش معه لمعرفة اتجاهه، أما ذلك المنفلت فمن الصعب التعامل معه، لأنه غير محكومٍ بمنهج وغير منضبطٍ بأي أمر.
أما التعدد ودعواه أنه يتزوج، وما تخشاه المرأة من حصوله فهذا لا مكان له إذ لا يتم أولاً إلا نادراً، وعندما يتم فبشروطه: من العدل والإنصاف ومراقبة الله، وخير لك -أيتها الأخت في الله- ألف مرة أن تكوني زوجة أو أن يكون لزوجك امرأة أخرى حلالاً خير وخير من أن تكون له رفيقة حراماً، بعض النساء تقول: لا، لا أريد زوجي أن يعدد.
فيقعد معها لكن معه عشرين صديقة ورفيقة وأقربهم الخادمة لأنها قريبة في المنزل، فكيف يذهب يبحث عن صديقة والخادمة في البيت، حتى إن أحدهم عندما يأتي بخادمة يسافر إلى الخارج ويقول: أعطوني صورهن لأرى.
ويختار واحدةً كأنه يريد أن يتزوج بها، وترضى زوجته بأن يعاشر الحرام وما ترضى أن يعدد في الحلال؛ فيكون هو يعيش على الحرام وتكون هي تعيش على الحرام؛ لأنه إذا انتهك حرمات الله لم تبق هي قاصرة عليه؛ لأن من زنا زُني بأهله ولو بحيطان جداره:
عفوا تعفُّ نساؤكم في المحرم وتجنبوا ما لا يليق بمسلم
إن الزنا دين فإن أقرضته كان الوفا من أهل بيتك فاعلم
وكما يقال: (الذي يدور على الناس يدور الناس عليه) والذي يعف نفسه عن الناس فإن الله يجعل الناس يعفون عن عرضه، فما دام هو فسد مع الخادمة وفسد مع الأخريات تفسد زوجته مع السائق والآخرين، والعياذ بالله! والجزاء من جنس العمل، وقد قيل: (من دق باب الناس دقوا بابه)، فخيرٌ لكِ أن يكون لزوجك امرأة أخرى حلالاً من أن تكون له رفيقة حراماً تدمر حياتك وحياة زوجك وأبنائك.
стр. 885
طاعة الزوج بالمعروف في غير معصية
ثالثاً: لتكن الطاعة لزوجك أساس الحياة؛ لأن طاعة الزوج مفروغ منها في الحلال وفي الطاعة؛ لتدوم المحبة ولتزرع المودة، ولكن الطاعة فقط في المعروف، إذا أمر بمعصية فلا، وهذا يتطلب منك معرفة حقوقه وواجباته التي ينبغي أن تقومي بها؛ لأن العبرة ليست بأن تتزوجي ولكن العبرة بأن تحتفظي بهذا الزوج، الزوج جوهرة، الزوج كنز، إذا رزقك الله هذا الكنز تمسكي به بِمَ؟ بالطاعة، بالحب، بالإخلاص، بالبر له، بالحرص على كل ما من شأنه أن يسعده فلا يتمنى غيرك، ولا يفكر في غيرك أبداً، لكن إذا عاملتيه بسوء سلوك ورأى أنك لا تلبين احتياجه، ولا تحلين مشكلته؛ فتبقى عينه بعيدةً إلى أن يأتي من يحل مشكلته، وإما أن ترضي وإما أن يطلقك، وإذا طُلْقتِ فنحن نعرف وضع المطلقة في مجتمعنا، وإذا كان عندك أولاد وأنتِ مطلقة فالكل يعرف كيف وضع الأولاد وأمُُّهُمْ في مجتمعنا.
فنقول: إذا رزقك الله زوجاً فحاولي أن تحفظيه، وأن تتمسكي به بكل ما أوتيتِ من وسائل الخدمة أو المنافسة في تقديم أفضل عمل له؛ حتى تقصري عينه عليك ولا يفكر في غيرك.
стр. 886
المحافظة على الصلاة في أوقاتها
رابعاً: ركزي واهتمي -أيتها الأخت- بالصلاة، واحرصي على أدائها في أول أوقاتها بكامل الطهارة والتستر والخشوع والطمأنينة وحضور القلب، وأكثري من النوافل خصوصاً صلاة الضحى وقيام الليل؛ لأن بعض النساء تجعل الصلاة في آخر برنامجها، تراها طوال اليوم وهي في المطبخ، فإذا جاءت الساعة الثانية والنصف وجاء زوجها قال لها: صليتِ؟ قالت: لا، والله ما صليت.
سبحان الله! الله لا يبارك في غدائك ولا طعامك ولا (طبيخك) وتظل طوال الليل تعمل حتى الساعة الثانية عشرة وإذا سألها زوجها عن الصلاة قالت: والله ما صليت حتى الآن.
لا، مع أول الوقت بمجرد أن تسمعي الأذان أوقفي كل شيء وأقبلي على مصلاك، توضئي الوضوء الكامل واجلسي في مصلاك وصلي صلاةً خاشعة خاضعة، وأكثري من تلاوة كتاب الله.
стр. 887
المحافظة على الأذكار
خامساً: احرصي -أختي المسلمة- على ذكر الله في كل حال، خصوصاً أذكار الصباح والمساء، وأذكار الأحوال والمناسبات، وقراءة القرآن وسماعه، وسماع المحاضرات الإسلامية من الإذاعة -من إذاعة القرآن- أو من الأشرطة الإسلامية، وإذا كان لديك أولاد فاحرصي على تربيتهم وتوجيههم توجيهاً شرعياً صحيحاً بغرس الفضائل، وتعليق المعاني الإيمانية فيهم، وتعويدهم على العادات الحسنة، وتجنيبهم العادات السيئة والعبارات التافهة، واحفظيهم من زملاء السوء، ولا تتركيهم في الشوارع، واحميهم من الأفلام والمسلسلات، يقول أحد العلماء: إلى الله نشكو جهوداً نبذلها في تربية أبنائنا تذهب بها المدرسة والشارع والأفلام!
стр. 888
الحذر من الغيبة
احذري -أختي المسلمة- من الغيبة فهي داء عضال يفتك بدينك، وهي البضاعة التي روجها الشيطان في مجالس النساء، وهي من كبائر الذنوب يقول الله: ﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً﴾ [الحجرات:١٢] وفي مسلم: (أتدرون ما الغيبة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم.
قال: ذكرك أخاك بما يكره.
قالوا: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته).
стр. 889
عدم الإسراف في الكماليات
أختي المسلمة: إن أعظم ما يمكن اقتناؤه والاعتزاز به في هذه الحياة هو الإيمان والعمل الصالح، أما المظاهر والأشكال والملابس والحلي والمباهاة والتفاخر أمام الناس فهذه أشياء تافهة تدل على فراغ من يهتم بها، وخلوه من المبادئ والمفاهيم الأساسية لمعنى الحياة، فالحياة ليست أصباغاً ومساحيق ولا ملابس ملونة ولا حلياً مزخرفة، إن الحياة الحقيقية مبادئ وأخلاق ومُثُل، إنها إيمان وعمل وصدق ووفاء وكرم وبذل، فلا تهتمي -أختي المسلمة- بأخبار (الموضات والموديلات)، ولا تُكثري من التردد إلى الأسواق لشراء كل جديد ومعرفة كل طريد، ولا ترهقي زوجك بإحضار ما لا يطيقه، وركزي على الاهتمام بالمضمون والمحتوى لا بالمنظر والشكل، ولا يعني هذا أننا ندعوك إلى التبذل وعدم الاهتمام بالشكل لا، ولكن في حدود ما تسمح به ظروفك وظروف زوجك وما يحيطك بالجمال، أما المبالغة في هذا وإهمال الأمور الأساسية لمعايير الجمال فإن هذا خطأ:
ليس الجمال بأشكالٍ نزينها إن الجمال جمال الدين والأدب
إذا المرء لم يلبس ثياباً من التقى تقلب عرياناً ولو كان كاسيا
فخير لباس المرء طاعة ربه ولا خير فيمن كان لله عاصيا
بعض النساء يعطين اهتماماً كبيراً يفوق التصور لمواضيع الأكل وتعدد الأنواع والتفنن في الأشكال، حتى ألفت في ذلك المجلدات، أنا وجدت كتاباً مجلداً بمائتي ريال اسمه " فن الطبخ "! مائتا ريال في مجلد! قلت: لا إله إلا الله مائتا ريال أعمر بها مكتبة إسلامية في بيتي من كتب الإسلام! مائتا ريال في فن الطبخ! تباع هذه الكتب بمئات الريالات! وهذا يدل على فراغٍ نعاني منه، وتعاني منه المرأة المسلمة حين تجعل جل اهتمامها في هذه الأمور، حتى يصل الأمر بها إلى شراء تلك الكتب والعكوف عليها في حين لا تجد في بيتها كتاب الله، ولا تجد في بيتها أي كتاب إسلامي يرفع الروح ويبارك النفس ويزكيها.
إن أمتنا الإسلامية ليست بحاجة إلى التفنن في الأكلات بقدر حاجتها إلى معرفة دورها ورسالتها في الحياة، إن موضوع الأكل سهل ومعتاد، ويكفي المرأة أن تعرف ما تيسر من أنواع الطهي مما هو شائع في مجتمعها، ومحاولة التجديد، ومعرفة تنويع الأشكال وأنواع الأطعمة في بيئات أخرى، تجديد فيما لا ينفع، بل ربما يضر، فإن الإنسان له رغبة فيما تعود عليه، وللجسم حاجة فيما ألفه.
وأيضاً فإن التفنن في هذا النوع يدعو إلى الإسراف والإكثار من الطعام؛ وبالتالي إصابة المرأة بالسمنة، وإصابة الأولاد بالتخمة وأمراض كثيرة كالسكر والربو وغيرها، فنحن بحاجة إلى التقليل والاختصار والاكتفاء بما هو ضروري لضمان راحة القلب وسلامة الجسد.
стр. 890
الحرص على عدم تضييع الوقت
من سنن الله -أيتها الأخت المسلمة- أن جعل الليل لباساً وسكناً، وجعل النهار معاشاً، وهدوء المرأة ونومها بالليل وقيامها بواجباتها في النهار أمرٌ متفق مع سنة الله، فتعيش المرأة عيشةً هنيئة، وينال منها البيت والأطفال كل عناية؛ لأن لديها من الوقت الطويل في النهار ما يمكنها من القيام بواجباتها المنزلية دون الاحتياج إلى غيرها، وما يحدث الآن من السهر الطويل على الأفلام والمسلسلات، ثم الاستغراق في النوم طوال النهار أمر ليس بالسوي، تبقى نائمةً من بعد الفجر إلى الظهر، وتقوم في الظهر وقد انتفخت، وصار وجهها مثل الكرة غضبانة جداً ولم تعمل شيئاً، وانتهى اليوم وما زال الطعام غير جاهز وما زال الأكل غير مُعَدّ، ثم يأتي زوجها تقول: ما طبخت ما غسلت.
لم تعمل شيئاً، لماذا؟ لأنها في النهار نائمة وفي الليل ساهرة، لو نامت في الليل وقامت في الصباح مبكرة لأصبحت في حياة سعيدة؛ لأن النوم في النهار يورث الكسل والعجز والخمول، ويؤدي إلى الترهل في الجسم، وهو الذي ألجأ إلى استخدام الخادمة من غير ضرورة، وترتب على وجود الخادمة مآسٍ وفجائع وكوارث حطمت كثيراً من الأسر، وخلخلت البناء الاجتماعي، وأدت إلى مشاكل ومعضلات لا تحمد عقباها.
تقضي بعض النساء الكثير من الوقت في مكالمات الهاتف، وقد تكون مكالمات بريئة مع أمها أو أختها أو جارتها أو صديقتها، بدون داعٍ، وقد تستمر هذه المكالمات ساعات طوالاً، وهذا إهدار لقيمة الوقت والمال، ولحق الزوج، وتضييع للعمر فيما لا فائدة منه، والأخطر من هذا: إذا كانت المكالمات في غيبة أو نميمة: (فلانة طويلة، وفلانة قالت كذا، وقالت كذا)، أو أكل لحوم الناس، والأخطر أيضاً: أن تكون المكالمات في حرام!! والعياذ بالله!.
стр. 891
الاتزان والاعتدال في الزيارات للغير
بعض النساء تسرف في الزيارات للجيران والأقارب، وتبالغ بشكلٍ غير مقبول، حتى لا تمكث في بيتها ليلةً واحدةً، ولا يوماً واحداً، فتزعج الناس وتثقل عليهم، ويفضي هذا إلى كراهيتها واستثقالها من قبل الجميع، مع ما تولده تلك الزيارات من الغيبة، والمعاصي، وتفويت بعض المصالح وقد قال الحبيب المصطفى ﷺ : (زر غباً تزدد حباً) فإذا أردتِ أن تكوني محبوبة عند صديقاتك زوريهن في أوقات متباعدة لا متتالية: في الشهر مرة، أو في الشهرين مرة.
أما كل يوم وأنتِ تزورينهم! هذا يؤدي إلى الملل.
стр. 892
التحذير من التعلق بالفسقة من أهل الرياضة والفن
تتعلق بعض النساء بمعرفة أسماء المغنيين والمغنيات، والممثلين والممثلات، واللاعبين، وتهتم بمتابعتهم، ومعرفة أخبارهم، وصورهم، وأصواتهم، وينعكس هذا الاهتمام على أولادها، وبناتها؛ فيصبح هؤلاء قدوة للجيل الصاعد، وهذا يدل على فراغ المرأة، وعدم إدراكها لدورها في الحياة، وعدم معرفتها للحكمة التي خلقها الله من أجلها، فتقضي حياتها في اللهو والعبث، وتعيش معظم أوقاتها مع هؤلاء الفارغين الذين لا خلاق لهم في الدنيا ولا نصيب لهم في الآخرة.
стр. 893
تعلم ضروريات الدين
من الضروري للمرأة المسلمة: أن تكون فقيهة في أمر دينها، خصوصاً في الأمور المتعلقة بالعبادة: كالطهارة، والصلاة، والصوم، والزكاة؛ وأحكام الحيض، والنفاس، وأنواع الدماء، ومتى تترك الصلاة؛ لأن بعض النساء لديها شهادة جامعية لكنها لا تعرف أنواع الدماء، تسأل وتقول: الدم الذي يخرج مني هل هو حيض أو استحاضة؟ سبحان الله! إذاً ماذا درستِ؟ درستِ الهندسة، والزاوية المنفرجة والمنعكسة، و (أس تكعيب).
ما درستْ الذي يهمها في أمر دينها، والذي هو أجدر بها وهي أحوج إليه وهو أمر الدين، والطهارة، والعبادة
стр. 894
البر بأم الزوج
يحدث أحياناً أن تكون والدة الزوج موجودة وعلى قيد الحياة، وهنا يجب أن يكون دورك -أيتها الأخت المسلمة- بارزاً في حب هذه المرأة وخدمتها؛ لأنها سبب في إيجاد هذا الزوج، فلولا المرأة هذه ما جاء الولد هذا الذي أنتِ زوجته، فهي صاحبة فضل عليك، فلا تثيريها بل تحملي غلظتها، واصفحي عن أخطائها، ولا تشكيها إلى زوجك؛ لأنه لا يقدر على أن يفعل شيئاً تجاه أمه، والشكوى منها تعقد المشكلة، وتثير الفتن، وتؤدي إلى إقلاق الزوج، وإزعاجه، ووضعه في خيارات صعبة: إما التضحية بأمه، أو التضحية بك أنتِ، فحاولي امتصاص المشاكل بالصبر، والقضاء على المشاكل في مهدها، وعدم تصعيدها وترويجها، واعلمي أن أم الزوج ضيفة عليك، وسترحل عنكِ قريباً، وأنه ليس بالإمكان استبدالها بأفضل منها، ليس هناك معرض للأمهات تطلب منه واحدة جيدة! ما معك إلا هذه، وإنك في مستقبل الأيام ستكونين أماً وسيصبح لك ولد وله زوجة، فعاملي أم زوجك اليوم بما تحبين أن تعاملك به زوجة ولدك غداً.
стр. 895
الإحسان إلى الزوج قبل غيره
أختي المسلمة: هناك غطاء يجلل حياتك الزوجية ينبغي أن تحرصي عليه وألا تدمريه، هذا الغطاء هو: الحب المودة الرحمة التي يجب أن تزرعيها في قلبك لزوجك، وفي قلب زوجك لكِ؛ لأنها ثمرة الزواج، يقول الله : ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم:٢١] والمودة والرحمة والحب: إكسير الحياة الزوجية، وطعمها ولذتها، والحياة الزوجية بغير حبٍ، وبغير مودة ولا رحمة حياةٌ باهتة لا طعم فيها ولا لذة، وبالتالي لا سكن فيها ولا رحمة ولا ارتياح، بل قلق، واضطراب، ومشاكل، وقد تقولين: كيف أستطيع أن أكسب زوجي؟ وكيف أفرض عليه أن يحبني وأن يحترمني؟ هذا دورك وهذا اختصاصك بتقديم أفضل خدمة له، وبالطاعة المطلقة له إلا في معصية الله، وبمراعاة حالته وعدم إرهاقه، وبالقيام بالحقوق الواجبة له، وبالابتسامة في وجهه، وبالصفح والعفو عن زلاته، وعدم محاسبته على كل صغير وكبير من أمره؛ لأن كثرة العتاب والمحاسبة توجب النفرة والكراهية وتحمل على هذا.
واعلمي -أيتها الأخت المسلمة- أن تقييم المرأة يتم عن طريق زوجها وعلاقتها به، وليس عن طريق علاقتها بأهلها أو جيرانها، فإذا كانت صالحة طائعة لزوجها فهي طيبة عند كل الناس، وهي موضع احترام الجميع، أما إذا كانت سيئة مع زوجها فهي سيئة في نظر الناس، وموضع ازدراء عند الآخرين لماذا؟ لأن العلاقة الزوجية هي المحك الصحيح الذي يكشف أخلاقيات المرأة، أما بقية العلاقات فهي مجاملات فقط، وعلاقات منافع ومصالح لا تكشف عن معدن المرأة ولا عن أخلاقياتها.
стр. 896
تّذّكُّر لقاء الله والدار الآخرة
أخيراً -أيها الأخت في الله- استشعري دائماً ضعفك وحاجتك إلى الله، وتذكري أن هذه الدنيا زائلة، وأن حياتها إلى موت، وعافيتها إلى سقم، وشبابها إلى هرم، وقصورها إلى قبور، ونورها إلى ظلمات، وتصوري وضعك وأنت على فراش الموت، واحتياجك إلى عملٍ صالح ينفعك بين يدي الله، ويساعدك على النجاة من أهوال يوم القيامة، فتوبي -أختي المسلمة- إلى الله، وابدئي صفحةً جديدةً مع الله، واعلمي أنك ميتةً مهما عشت، وأنك ستجدين عملك الذي قدمتيه بين يديك وأمامك، فإن خيراً فخير وإن شراً فشر: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً﴾ [آل عمران:٣٠].
واعلمي أن كسبك لك وحدك، فإن كسبت خيراً فلك، وإن كسبت شراً فعليك، وهناك لا تنفع المعاذير، ولا تقبل الحجج، ولا تعاد الفرص: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [غافر:٥٢] إنها فرصة واحدة، إنها حياة واحدة فلا تتركيها تضيع، فتندمي أشد الندم يوم لا ينفع الندم!! مع تمنياتي لك -أيتها الأخت المسلمة- بحياة إيمانية سعيدة.
والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.
والله أعلم.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
هذه الرسالة من أخيك في الله/ سعيد بن مسفر بن مفرح مدينة أبها يوم ١٨/ ٦/١٤١٢هـ.
ألقيت هذه الرسالة بمدينة الرياض بجامع الراجحي بحي الربوة بـ الرياض.
стр. 897
ثمار الهداية
يعرف الشيخ حفظه الله الهداية بمفهومها العام أنها: وضع الشيء في محله، ثم ضرب أمثلة تهدف إلى بيان أن الإنسان مخلوق ولابد من أن يشغل المحل الذي خلق له.
ثم ذكر لكل مصنوع ومخلوق ثماراً إذا شغل محله، ومفاسد إذا لم يشغل محله.
ثم ذكر الشيخ حفظه الله ثمار الهداية انطلاقاً من شغل الإنسان لمحله على أكمل وجه.
стр. 898
الهداية مفهومها وأهميتها
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد:
стр. 899
الهداية هي وضع الشيء في محله
أيها الإخوة في الله! الهداية والاستقامة والاستجابة لله شجرة وارفة، ونعمة كبيرة يستظل بظلها المؤمن، ويحقق بها سر وجوده وحكمة خلقه والغرض من مجيئه إلى هذه الحياة، ودائماً حينما يوضع الشيء في محله يمكن الاستفادة منه، وإذا وضع في غير محله تعطلت المصلحة وانعدمت الفائدة التي يمكن أن يحققها؛ نظراً لعدم استغلاله الاستغلال السوي الذي يمكنه أن يؤدي دوره، وهذه قاعدة يتفق عليها العقلاء: إنك إذا أردت أن تستفيد من الشيء فيجب أن تضعه في موضعه.
فمثلاً: القلم، الغرض منه معروف عند الناس وهو مصلحة الكتابة، لكنك لا تستطيع أن تستخدم القلم لتجعله نعلاً في رجلك، ولو رأينا إنساناً يربط الأقلام في قدمه ويسير حافياً وحينما يقال له: لم تلبس الأقلام في قدمك؟ إذا قال: من أجل أن تقيني هذه الأقلام الحجارة والبرد! فبم نصف هذا الإنسان إذا سمعناه يقول هذا القول؟ نصفه بالجنون، ونعرف أنه إنسان يوظف الأشياء في غير الوظائف التي من أجلها وجدت.
وإذا رأينا إنساناً يضع نظارته التي صممت ليضعها على عينه لتعطيه القدرة على الإبصار، أو لتعطيه تعتيم الأضواء إذا كان عنده ضعف في النظر، فلو رأينا إنساناً يضع هذه النظارة في ركبته، ما ظنكم بالناس بم يصفونه؟ سيقولون: هذا جنون! هل ركبتك ترى حتى تضع لها نظارات؟! فالمحل الطبيعي للنظارات هو العيون، فإذا وضعت الأشياء في غير موضعها فإنما يقلل من الكيفية الصحيحة لاستخدامها، ويعطلها عن أداء دورها.
والثلاجة التي في بيتك إنما هي مصممة لحفظ الطعام، لكن هل يمكن أن تجري فيها عملية الغسيل، أي: تجمع فيها الأواني من الصحون والقدور وتغلقها، وتقول: اغسلي يا ثلاجة؟! أبداً.
أو هل يمكن أن تقوم هي بدور غسيل الملابس؟! ولا يمكن أن يقوم الغاز بتثليج الطعام؛ لأنه لطهي الطعام وكل جهازٍ أو آلة من أصغر جزئية إلى أكبر جزئية في هذه الدنيا لا يمكن أن يستفاد منها إلا في مجالها الصحيح الذي وجدت من أجله، وإذا عطل مجالها الصحيح ووضعت في مجالٍ آخر فإنما نقضي عليها ولا تتحقق الفائدة من وجودها، هذه قاعدة عامة عند العقلاء.
стр. 900
الإنسان وطريق هدايته
أيها الإنسان: يا أيها الجهاز المعقد! اسأل نفسك عن حكمة خلقك! وعن سر وجودك! وعن الغرض الذي من أجله خلقك الله على ظهر هذه الحياة! وعلى ضوء الإجابة تستطيع أن تعرف أين أنت، فإن كنت تسير في تحقيق هذا الغرض، وتخدم هذه الحكمة، وتتجه إلى هذه الأهداف التي من أجلها وجدت؛ حينها يمكن الاستفادة منك لأنك تحقق الغرض.
أما إذا كان البعيد يعيش لغير حكمة خلقه، أو لا يعرف هو بنفسه ما هي حكمة خلقه، وما هو سر وجوده، فإنه بهذا سيظل عاطلاً، وسيظل عبئاً على هذه الحياة ومدمراً لقدراتها -والعياذ بالله- وسبباً في نكبتها، وهو ما تحقق في هذا الزمان على يد البشر حينما طورت المادة، وطوعت واستخدمت أحسن استخدام ولكن على حساب الروح على حساب الإنسان.
طور الإنسان المادة ودمر الإنسانية، وحسَّن في الإبداع المادي لكنه أساء في الجانب الإيماني والروحي، فظهرت هذه الصور المشوهة وهذه النماذج -والعياذ بالله- الملوثة للبشرية، رغم أن المادة حسنة، لكن الذي يستخدم المادة هو سوء سلوكه وسوء تربيته، وعدم استقامته مما جعله يستخدم المادة لتدمير الإنسان.
وهأنتم تسمعون كيف أن العالم اليوم يعيش في صراع وتسابق على التسلح، وفي غزو الفضاء، وحرب النجوم، والهيمنة والسيطرة على الأمم الضعيفة والشعوب المنكوبة، كل هذا لأن الإنسان الذي بيده المادة فاسد، لا يعرف الغرض الذي من أجله وجد، ولذا يفكر أنه وجد للسيطرة، والقوة، والاستعلاء على الناس؛ فهو في سبيل هذه الأغراض يحب أن يخترع ويكتشف الآلات المدمرة في سبيل أن يعلو هو، ولو كان يعرف من أجل أي غرض وجد لما كانت هذه أهدافه.
فهذه قاعدة ننطلق منها إلى أن الإنسان يوم أن يعرف أنه إنما خلق لعبادة الله، فإنه سيستقيم على منهج الله، ويستجيب لداعي الله، ويتمسك بهداية الله، ونتيجة لهذه الاستجابة تتحقق له عدة معطيات، وعدة ثمار وآثار يجنيها في الدنيا، ويجنيها في الآخرة، ولسنا الآن بصدد الحديث عن ثمار ومعطيات الهداية والالتزام بالدين في الآخرة؛ لأن الناس قد جبلوا على حب العاجلة ﴿إِنَّ هَؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً﴾ [الإنسان:٢٧] ويقول الله : ﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ﴾ [القيامة:٢٠] وحينما تحدث الإنسان وتطلب منه الهداية والاستقامة على الدين يقفز ببصره وعقله إلى الآخرة، ويقول: الآخرة بعيدة الآخرة مستأخرة تريد أن أترك ملذاتي وشهواتي وما تحققه لي هذه الدنيا من الملذات في سبيل أن أنجح في الآخرة، دعني أتمتع في الدنيا وعندما أكبر سأتوب، الآن سأقضي حياتي في اللهو واللعب والعبث وبعد ذلك أتوب.
هذه تفكيرات الناس، ولذا يحكمون على كل من اهتدى واستقام أنه حرم نفسه من لذة الدنيا ولذة الحياة على أمل أن ينجو في الآخرة، هذه نظرة الناس السطحية المحدودة الخاطئة، ولكن الحقيقة الناصعة التي نقيم عليها الأدلة ونكشف رءوسنا ونصيح بها من على كل منبر، وفي أي مجتمع من مجتمعات العالم أن الإيمان والهداية والاستقامة على دين الله يحقق للإنسان الثمار الغالية التي يجنيها الإنسان في الدنيا قبل الآخرة، وأن الكفر والضلال والانحراف شجرة السم التي يتجرعها العاصي والفاجر والكافر في الدنيا قبل الآخرة، وأن الهداية تحقق للإنسان الربح والكسب -في الدنيا والآخرة- أما الكفر والمعاصي فإنها تحقق للإنسان الدمار والشقاء في الدنيا والآخرة.
وأن لذاتها وجميع ما يتمتع بها العاصي لا تعدل نعمة واحدة من نعم الإيمان التي يجنيها المؤمن من ثمرة دينه وإيمانه في الدنيا قبل الآخرة.
стр. 901
ثمرات الهداية
ونستطيع بإيجازٍ أن نلخص هذه الثمار في عدة نقاط:
стр. 902
ذهاب القلق والاضطراب والحيرة
الثمرة الأولى التي يجنيها المهتدي والملتزم والمستجيب لأمر الله هي: أن الله ينزع من قلبه القلق والاضطراب والحيرة، ويزرع في قلبه الطمأنينة والهدوء والسكون والارتياح.
وهذه لوحدها كافية لأن تعدل كل لذة في الدنيا، فإن القلق داء العصر، وإن الاضطراب والحيرة مرض هذا الزمان، وسببه البعد عن الله، وأضرب لكم على هذا مثالاً: لو أراد رجلٌ أن يسافر إلى الرياض -تعرفون طريق الرياض عبر وادي الدواسر - ثم ضل في الطريق؛ خرج عن طريق (الإسفلت) لقضاء لازمٍ له، فلم يجد فرصة ولا دلالة للرجوع إلى طريق (الإسفلت) فجلس يبحث عن الطريق، والوقود عنده على وشك النفاد، والزاد الذي معه من طعامٍ وشراب أيضاً على وشك النفاد، ولا يدري أين الطريق، وظل يمشي مرة إلى الشمال ومرة إلى الجنوب ومرة يتجه إلى الشرق ومرة إلى الغرب، ما ظنكم بحالته النفسية؟ هل هو في قلق أو في راحة في تلك اللحظات؟ والطريق ملتبسة عليه، وزاده يكاد ينتهي، ووقوده كلما سار يتناقص، كيف ظنكم بنفسه في تلك اللحظات؟ أليس في حيرة؟ أليس في قلق وهلع وخوف؟ أليس إذا رأى أي بارقة لأمل يفزع إليها ولو جاءه شخص وقال: الطريق من هنا اتجه مباشرة إليها، ولقيه شخص هناك، قال: لا.
لا تمش من هنا، فهذا الطريق يذهب بك في متاهات فارجع من هنا، فيرجع ويضل في حيرة ولا يدري أين يتجه؛ لأنه يحسب أن كل دقيقة تمر عليه تقربه إلى الهلاك، وكل كيلو يقطعه يقربه إلى نفاد الوقود والزاد، ولذا يفكر ثم يفكر، ويخرج من تفكيره هذا إلى أن الهلاك محقق وأنه على يقينٍ من الموت، فهو في قلق! حسناً إذا سار في الطريق ولقيه شخص، وقال: لماذا أنت تتخبط في الطريق؟ قال: يا أخي! أريد الرياض وأنا لا أعرف الطريق، قال: امش ورائي فأنا خبير بالطريق، ثم أخذه حتى أوصله إلى طريق (الإسفلت) فحين يرى (الإسفلت) يحصل في نفسه الفرح والهدوء والطمأنينة، وأول شيء يعمله أن يقف على جانب الطريق ويحمد الله على أن نجاه من المتاهات، وأيضاً يطلب طعاماً، ويطلب وقوداً، ويرتاح أحياناً نصف يوم أو يوم؛ لأنه كان في قلق وحيرة ثم بعد ذلك يواصل الطريق حتى يصل إلى الرياض.
هذا مثل مضروب في حياتنا ولا نستطيع أن ننكره.
فهذه الدنيا، وهذه الحياة صحراء ومتاهة كبيرة يعيشها الإنسان ويعاني منها، وترون العاصي والضال والمنحرف وهو يعيش في متاهات هذه الحياة؛ يعيش وهو لا يدري أين يتجه، ولذا فهو في غاية القلق، خاصة إذا تذكر الآخرة، وما تذكر أن الزاد سينفد والوقود سينتهي؛ لأن كل من على وجه الأرض يؤمنون بأنهم سيموتون، ولذا إذا ذكر لهم الموت وأن الوقود سينتهي فإنهم تقشعر أبدانهم وتضيق أخلاقهم، ويقولون بلسان حالهم ومقالهم: يا شيخ! اتركنا من الموت، يقولون: لا تذكرنا بالموت! أنت الآن تريدنا أن نموت قبل أوان الموت، فاترك ذكر الموت، وبعد ذلك! الآن نلعب ونسمر ونمرح ويغالطون أنفسهم باستمرار لينقلوا أنفسهم من الواقع المرير الذي يعيشون فيه بالمغالطة، فإذا اشترى أحدهم مجلة فإنه أول ما يقرأ: الصفحة الضاحكة! يريد أن يضحك، وإذا اشترى جريدة فإنه أول ما يقرأ: نكتة اليوم، وإذا سمع أن حفلة ستقام وفيها مسرحية وضحك ونكت فإنه يذهب لها، وبعضهم يشتري كتباً معينة.
أنا أذكر شخصاً من الأشخاص يبحث عن كتب ويقول للبائع: أعندك كتب النوادر والضحك؟ لماذا يضحك؟ هل الضحك هوايته؟ لا.
ولكن الضحك والبحث عن وسائله دليل على وجود ضيق في الداخل، وعذاب في الباطن يريد الإنسان أن ينتزعه وأن يخفف من هذا الواقع بهذه النكت وبهذه المغالطات، ولكن متى يسكن الإنسان ومتى ترتاح نفسه؟ إذا وجد من يدله على الطريق ويوصله إلى خط (الإسفلت) الإسلامي، والهداية الإيمانية وهناك يسكن ويرتاح ويطمئن ويقول: الحمد لله الذي نجاني بعد أن كنت من القوم الضالين! ولا يعرف نعمة الإيمان إلا من ذاقها وسار على طريقها.
وطريق الإيمان طريقٌ واضح، قال الله تعالى فيه: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام:١٥٣] هذه النعمة نعمة الأمن والطمأنينة والهدوء والراحة التي يشعر بها المؤمن لا توجد إلا عند أهل الإيمان، ولا توفرها الإمكانات المادية.
فبالرغم من أن البشرية في الغرب والشرق استطاعت أن تحقق لنفسها الكثير والكثير من الإنجازات والإمكانات المادية، إلا أن ذلك على حساب الروح التي تعيش الآن في شقاء، والإحصائيات الدقيقة تبين أن أكثر الدول تقدماً أكثرها نسبة في الانتحار، وكلما كانت الدولة راقية ومتطورة ومتقدمة تكون نسبة الانتحار فيها أكثر! فما هو الانتحار؟ الانتحار هو التخلص من هذه الحياة عن طريق التردي من جبل، أو الضرب بالمسدس، أو ابتلاع كمية من الحبوب، أو الدخول في البحر والغرق وما تشاهدون في التلفزيون أو في الجرائد أو ما تسمعون من أخبار سباق السيارات الذي يسمونه سباق الرالي، أو سباق أي شيء من السباقات التي فيها موت، أو سباق الدراجات النارية فالذي يراها يعرف أنها عملية انتحار، وأن هذا السائق الذي يسابق متيقن (٩٠%) من بداية السباق أنه ميت! وقد سمعت أن سباقاً أقيم في بلد من بلدان إفريقيا مات فيه خلال يومين أحد عشر متسابقاً؛ لأنه يسرع ويموت، وهذه قضية خطيرة فليس هناك إنسان في الدنيا يتصور أنه يسابق ويموت من أجل الجائزة، وإنما هو إنسان في الأصل يريد أن يتخلص من الحياة، فهو يعرف أنه لا يتخلص منها إلا بموت، أو بمسدس، أو بحبوب، أو بتردي من جبل، ولكن يقول: لا.
أنا أتخلص من الحياة بهذه الوسيلة، وإذا لم أمت فسأربح جائزة أو كأساً، أو أحقق رقماً قياسياً عالمياً بهذا السباق، وإن مت فلن أخسر شيئاً.
فالموت أصلاً هدف من أهدافهم التخلص من الحياة هدف من أهدافهم، ولذا فإنك تنظر إليه وهو يسرع ويجري وينعطف في المنعطفات بطريقة لا تتصور أنت أن هذا عنده مثقال ذرة من رغبة في الحياة وإنما يرغب أن يموت، يريد أن يتخلص من هذه الحياة! هذا كله بسبب البعد عن الله ﵎، والعناء والعذاب الذي يعاني منه الكفار في ضل كفرهم وبعدهم عن الإيمان، وعقيدة الإسلام السمحة التي تزرع في القلوب الأمن والطمأنينة، وتنزع منها القلق والاضطراب، وهذه والله -أيها الإخوة- نعمة لا تعدلها نعمة، يقول فيها أحد السلف: مساكين أهل هذه الدنيا، جاءوا إليها وخرجوا منها وما ذاقوا أطيب ما فيها، قالوا: وما أطيب ما فيها؟ قال: التلذذ بعبادة الله .
ويقول الآخر: والله لو يعلم أهل الجاه والسلطة ما نحن فيه من السعادة لجالدونا عليها بالسيوف.
ويقول ابن تيمية: ما يصنع بي أعدائي؟ إن جنتي وبستاني في صدري، إن حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وطردي سياحة.
ويقول ابن القيم ﵀: كنا إذا ضاقت بنا المذاهب، يقول هذا وهو مطلق وليس بمسجون؛ لأنه كان يسجن عدة مرات مع شيخه ابن تيمية ثم يطلق، لكن ابن تيمية ظل مسجوناً طوال حياته، حتى مات في سجن القلعة في دمشق.
يقول: كنا إذا ضاقت بنا المذاهب، وأظلمت علينا الدنيا؛ ذهبنا لزيارته في سجنه، فوالله ما إن نراه حتى يذهب الله ما في قلوبنا من الضيق والقلق، ونعيش معه في سعادة لا نجدها في الدنيا كلها.
وهو مسجون! من أوجد له هذه السعادة؟ إنه الإيمان بالله، رغم أن الإنسان الذي لم يسجن هو حقيقةً يمارس جزءاً من السعادة والحرية لكن بجسده.
وكان يقول: المسجون من سجن عن ربه، والمأسور من أسره هواه وشيطانه، فهذا هو المسجون الحقيقي! المسجون الحقيقي من حبس وسجن عن الله فلم يتصل بربه، ولم يتعرف على خالقه، فهو بعيد عن طريق المناجاة والعبادة والتقرب إليه، والمأسور من وقع في أسر نفسه وهواه وشيطانه هذا هو المأسور حقيقة، أما الذي يعيش مع الله فليس بمسجونٍ وإن كان مسجوناً في الظاهر، ولكن روحه طليقةٌ تعيش في ملكوت السماء -الملأ الأعلى- وتعيش في هذه الحياة مع الله في السر والعلن، والليل والنهار، والمحن والمنح وفي كل حالة، ومن كان مع الله فلا يخاف ظلماً ولا هضماً.
هذه هي نعمة الإيمان التي تحقق في الإنسان هذه الكرامة العظيمة التي لا يمكن أن تباع في الصيدليات، أو تشترى من الأسواق المركزية، أو يحصل عليها بقوة العضلات، وبكثرة الريالات، وبعلو المناصب والرتب، وإنما يستطيع أن يحصل عليها كل إنسان؛ لأن مجال إدراكها عن طريق الاكتساب.
стр. 903
رفعة المكانة بين الناس
يقول الله عز وحل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣] وهذه عظمة الإسلام في أن التفاضل فيه ليس بالتوارث، إذ التفاضل بالدين، وبإمكان أي واحد من البشر أن يسابق بهذا الفضل وأن يصل إليه، ولهذا يقال: إن عطاء بن أبي رباح وهو من التابعين ﵀ ورضي عنه، كان قد بحث عن مهنة يمتهنها فلم يجد، وكان دميم الخلقة، قصير القامة، أسود اللون، فكلما ذهب في عمل من الأعمال طرده الناس، أي: (لا عون ولا لون)، ماذا يشتغل؟ فدخل على أمه يوماً من الأيام وهو في مكة، قال لها: [يا أماه: ما أراني إلا قد شقيت -أي: لم أجد لي وسيلة للسعادة في هذه الدنيا، لم أجد مهنة أمتهنها- قالت له: ألا أدلك على عملٍ إن عملته هابتك الملوك وانقاد لك به الصعلوك، قال: عمل إن عملته يهابني الملوك وينقاد لي به الصعلوك! قالت: نعم، قال: ما هو؟ قالت: عليك بالعلم] فأخذ قلمه ومحبرته واتجه إلى الحرم، ولازم الحرم وطلب العلم على أيدي العلماء، وفتح الله له الآفاق، واستقبله في مجالات العلم، حتى أصبح عطاء الرجل الأول في العالم الإسلامي في العلم، بحيث إذا قيل في المسائل كلها ولم يقل فيها عطاء بقول تتوقف الأمة حتى يعرف ماذا قال فيها عطاء! ويحج الخليفة في سنة من السنين إلى بيت الله الحرام، ويتذاكر الناس في مجلسه في مسألة من مسائل العلم فيسأل هو: ماذا قال فيها عطاء؟ قالوا: لا ندري ماذا قال، قال: لا يقال وعطاء موجود ادعوه لي -أرسلوا إليه لنسأله عن هذه المسألة- فأرسلوا إليه، فلما أرسلوا إليه رد الرسول وقال: [قل لأمير المؤمنين ليس لنا فيما في يديه حاجة حتى نأتيه، وإن كان له حاجة فيما في أيدينا فليأت إلينا] انظروا جواب العزة والإيمان! يقول: ما لنا حاجة في الذي عنده من الدنيا حتى نأتي إليه؛ لكن إذا كان له حاجة فيما عندنا من العلم فليأت إلينا- فلما جاء الرسول وأخبره قال: صدق والله عطاء فليس له بنا حاجة، لكن نحن بحاجة إلى عطاء، يقول: فقام أمير المؤمنين ومعه رجاله وانطلق إلى بيت عطاء ليزوره، فلما جاء إلى البيت كان عطاء يصلي فطرق الباب، فنزل إليه ابن الشيخ عطاء بن أبي رباح، وإذا به خليفة المسلمين برجاله وهيلمانه وحرسه وحشمه، ماذا تريد؟ قال: نريد أباك، فصعد إلى أبيه يريد أن يستأذنه بدخول الملك، وكان يصلي فأطال الركعتين، لما عرف أن هناك أناساً يريدونه، وبقي الخليفة واقفاً عند الباب، ثم لما سلم والولد يصعد وينزل تحرجاً من الموقف، ويريد أن يسمح للخليفة بالدخول لكن ليس عنده إذن من أبيه، وفي نفس الوقت أبوه في الصلاة، فلما انتهى رفع يديه إلى السماء وجلس يدعو دعاءً طويلاً أطول من صلاة الركعتين، ثم لما انتهى قال لولده: إئذن له -اتركه يدخل- فدخل أمير المؤمنين، فلما دخل قام وحياه ورحب به وأجلسه، قال: ما هذا الجفاء يا عطاء؟ قال: أي جفاءٍ يا أمير المؤمنين؟ قال: دعوناك فما جئتنا، وزرناك فما أذنت لنا، قال: [أما إنك دعوتني يا أمير المؤمنين! فكما قلت لك: ليس لي فيما عندك حاجة حتى آتيك، وإذا كان لك حاجة فلتأت وقد جئت، وأما إني لم آذن لك فإني كنت أناجي من هو خيرٌ منك؛ كنت أناجي ربي فما كنت لأقطع مناجاة ربي لمناجاتك فلما فرغت من مناجاة ربي أذنت لك فحياك الله] فجلس ثم سأله المسألة فأعطاه الجواب ثم خرج، وأعطى واحداً من رجاله صرة فيها عشرة آلاف درهم للشيخ، فلما أخذها قال له: [ردها لأمير المؤمنين وقل له: ندلك على سبيل الفلاح وتدلنا على سبيل الهلكة] لا نريد شيئاً وردها له، فلما أخذها الخليفة قال: والله ما رأيت نفسي ذليلاً في حياتي إلا بين يدي هذا العبد.
طبعاً أمير المؤمنين خليفة ابن خليفة ما رأى الذلة في حياته، ولكن يقول: والله ما شعرت بالذلة في حياتي إلا بين يدي هذا العبد الأسود.
ما الذي رفعه هذه الرفعة العظيمة إلا الدين والإيمان.
فأنت -يا أخي المسلم- تجني ثمرة الإيمان في هذه الدنيا عزةً وسعادةً وأمناً وطمأنينةً وراحة وهدوءً لا يمكن أن تجدها في غير الدين، وهذه وحدها كافية.
стр. 904
الضبط للسلوك حماية من المشاكل والزلات
الضبط للسلوك يصرف عنه الآفات والمحن، وأيضاً يحميه من الزلات والمشاكل التي ربما تجره إلى الويلات والنكبات في الدنيا والآخرة لو لم يكن مؤمناً، وقد يقول قائل: كيف؟ نقول: عندما يستجيب الإنسان لداعي الله، ويلتزم بدين الله؛ تنضبط تصرفاته.
فأولاً: لا يستطيع أن يقتل حتى ولو استثير لأنه يعرف عاقبة القتل، وحرمة الدم في الدين، فدم المسلم ثقيل: (ولا يزال المسلم في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراما) وأيضاً أول ما يقضى يوم القيامة في الدماء، والمقتول يبعث يوم القيامة وأوداجه تشخب دماً ورأسه على يده، ويده الأخرى في تلابيب قاتله يسوقه إلى المحشر، يقول: يا رب! سل هذا فيم قتلني والله تعالى يقول: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً﴾ [النساء:٩٣] القتل ليس بالأمر السهل، إن قابيل وهابيل لما قتل أحدهما صاحبه قال الله تعالى فيهما: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً﴾ [المائدة:٣٢] تصور إذا قتل إنسان واحد بغير حق كأنما قتل الناس جميعاً، ما المقصود بالناس جميعاً؟ الناس جميعاً منذ خلق الله آدم إلى يوم القيامة الآن كل مائة سنة يتجدد وجه الأرض كلها مرة واحدة، الآن على وجه الأرض في الإحصائيات التقريبية أربعة آلاف مليون -أربعة مليار- نسمة، والذي ولد اليوم فإنك بعد مائة سنة لا تجده، فكيف الذي ولد بالأمس أو قبل أمس فيتجدد وجه الأرض كل مائة سنة مرة، أي: إن كل مائة سنة يتجدد على وجه الأرض أربعة مليارات نسمة، وإذا قتلتَ واحداً فكأنما قتلت الناس جميعاً ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً﴾ [المائدة:٣٢].
ولما همّ قابيل بقتل هابيل، قال الله تعالى مخبراً عن رد هابيل لقابيل: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ﴾ [المائدة:٢٨] ثم قال مخبراً عنه: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ * فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ﴾ [المائدة:٢٩ - ٣٠] يقول المفسرون: إن هابيل كان أقدر في الانتقام والقتل من قابيل، ولكن منعه منه خوف الله تعالى، يقول: إن كنت بسطت يدك إلي لتقتلني أنا لا أقابل ذلك بقتلك، لماذا؟ ليس ذلة أو ضعفاً، ولكن قال: إني أخاف الله.
ثم قال: إني أريد إن سطوت علي وقتلتني أن تبوء بإثمي وإثمك.
ولذا جاء في الحديث أن رسول الله ﷺ حدث عن الفتنة في آخر الزمان، فقال رجل: (يا رسول الله! أرأيت إن أدركت ذلك الزمان؟ قال: اعمد إلى سيفك فاضرب به في حجر -اكسره ولا تشترك في القتال- قال: يا رسول الله! وماذا أصنع؟ قال: ادخل بيتك، قال: فإن دخل علي في بيتي؟ قال: الزم ركن دارك وخمر وجهك حتى لا ترى بارقة السيف، وكن كخير ابني آدم) يعني: كن كالرجل الأتقى من ابني آدم.
الدم ثقيل! ولكن أكثر الناس يتساهل بقضية الدماء ويثور ويغضب لأتفه الأسباب؛ لأن الهداية انعدمت، والإيمان مزعزع غير مثبت، ولو كان مؤمناً ومهتدياً لما وقع في جريمة القتل التي هي من أعظم الجرائم التي يخسر الإنسان بها الدنيا والآخرة.
يقول لي أحد المسئولين حكاية أو قصة موجودة الآن: إن شخصين كانا في تهامة يسيران سوياً في الخط، وأحدهما تجاوز الآخر، وبعدما تجاوزه أراد أن يرجع إلى الخط الأيمن، وكأنه رجع قبل أن يتجاوز هذا بمسافة كافية، أي: كأنه ضيق عليه طريقه قليلاً، فجاء الشيطان ونفخ في الذي ضُيِّق عليه، وقال: انظر كيف يتجاوزك ويضيق عليك! يريد أن يقلبك، اعمل به مثل ما عمل بك، فشد على البنزين وجاءه حتى تجاوزه، فلما تجاوزه ضيق عليه أشد منه حتى جعله ينحرف إلى الهاوية، فجاء الشيطان إلى الآخر، وقال: انظر! يريد أن يقتلك، هذا ما يريد له إلا أن تريه شغله، فشد على البنزين ولحقه حتى تجاوزه بمسافة بعيدة، ثم عرض السيارة في الخط ونزل وقال له: انزل، و (المشعاب) في يده والمسدس في اليد الأخرى، وذلك مثله مغفل، ولو كان عاقلاً لما وقف، لماذا؟ ماذا تتصور أن تكون النتيجة من وقوفك أمام رجل مثلك في يده سلاح وفي يدك سلاح، ماذا تعمل؟ أتنزل لتسلم عليه؟ أتنزل لتقول: كيف حالك؟ كلا.
بل تنزل لتفكر كيف تذبحه وهو يفكر كيف يذبحك، من أجل ماذا؟ ما هي المشكلة؟ ماذا حصل؟ من أجل تجاوزك له في الطريق أو تجاوزه لك في الطريق؟ كم نسبة تجاوزك له مرات في الحياة؟ ربما من يوم أن خلقك الله إلى اليوم لم يتجاوزك أو تتجاوزه إلا هذه المرة، وربما بعد أن تتجاوزه ينتهي الأمر! هل كل يوم تلتقون للمطاردة في هذا الطريق؟ لكن الشيطان يعمي القلوب، ويورط الإنسان في الورطات.
فلما رآه يقول: انزل، ولو أنه مر عليه وقال له: السلام عليكم سامحك الله في أمان الله ولن أقف لك لخجل من نفسه وانتهت المسألة، ويكون العرض موفوراً، والدم مصوناً، والدنيا بخير، وليس هناك داعٍ للقتال، لكنه حين قال: انزل، قال: أبشر! فوقف على جانب الطريق وأخرج حديدة، فرأى الآخر الحديدة وقال: لن أصل إليه لأنه سيضربني بها في رأسي وأموت فأخرج المسدس وقتله، وكان سائق (دركتر) يشتغل بجوارهم فسمع إطلاق الرصاص فأخذ رقم السيارة -لأن القاتل هرب- وبلغ الشرطة فقبضت عليه واعترف وهو الآن ينتظر الإعدام؛ ومتى يعدم؟ بعدما يكبر أبناء المقتول، أي: ربما يسجن عشر سنوات ثنتي عشرة سنة ثلاث عشرة سنة وبعد ذلك يقتل، يعني: يموت كل يوم، ويموت كل لحظة، ويموت كلما سمع أقدام العسكري، ويموت كل جمعة، وبعد ذلك إذا جاء قرار الإعدام فإنه يموت من يوم أن يخرجوه، ويقولون له: اغتسل، فيموت في تلك اللحظة، وإذا ركب السيارة يموت، وإذا أنزلوه في المغسلة يموت، وكل خطوة يموت فيها إلى أن يوضع تحت البندقية، والضربة تأتي في ظهره لتفتح في ظهره نافذة تخرج من صدره من أجل ماذا كل هذا؟ وليتها تنتهي المسألة بالموت لكان الأمر هيناً، لكنه إذا نظر إلى الناس في الموقف وهم كلهم يتفرجون عليه، ثم يذهبون بعد لحظات إلى بيوتهم وإلى زوجاتهم وأولادهم، وهو يذهب إلى الموت فإنه سيتندم! لكن لا ينفع الندم! ويتمنى أنه ما عرف هذه القصة، ولا عرف السيارة، ولا مر من تلك الطريق، ولكن لا ينفع الندم في تلك اللحظات، ما الذي ورطه في هذا؟ إنه الضلال وعدم الهداية، ولكن لو كان صاحب هداية وإيمان ودين، وعنده خوف من الله لسمح له بالمجاوزة وقال: ماذا يحصل لو تجاوزتني في أمان الله؟ الحمد لله الذي نجانا منك.
وكثير من الناس يقعون في ورطات أسبابها عدم خوفهم من الله، وعدم مراقبتهم لما بعد هذه الحياة؛ لأن الذي يضبط سلوكك هو خوفك من الله، وإيمانك بالجنة، والنار، وتذكرك للآخرة، وتذكرك لعذاب القبر، ولهذا تقول: لا والله، أصبر على العار، ولا أصبر على النار، ولهذا يقول الناس: النار ولا العار.
لا والله، بل العار والعار والعار ولا النار مرة واحدة، لماذا؟ لأن العار ينتهي، لكن النار لا تنتهي.
لما قالوا للحسن بن علي ﵁ وقد تنازل عن الخلافة لـ معاوية بن أبي سفيان ﵃ أجمعين، قالوا له: يا أمير المؤمنين! يا ابن بنت رسول الله! هذا عار، قال: [العار ولا النار] فهو العاقل حقيقة ليس بجاهلي يقول: يلحقني العار ولا تلحقني النار، إذا استمريت في قتال معاوية وإزهاق أرواح المسلمين بغير حقٍ.
فالإيمان والهداية والدين تضبط سلوكك، وإذا أردت أن تعرف نعمة الله عليك بالهداية فاذهب إلى السجون لترى فيها القتلة، واللصوص والمجرمين، والذين يهربون المخدرات ويتاجرون في المنكرات هؤلاء كلهم الآن يعضون على أصابع الندم ويتمنون أنهم ما وُجدوا لهذه المشكلات، ولكن الشيطان ورطهم إلى أم رءوسهم، وأنت والحمد لله معافى بنعمة الإيمان والهداية التي من أجلها أنت الآن مرتاح وفي نعمة، وهؤلاء الذين في السجون مثلك، لكن لما كانوا غير مهتدين وقادهم الشيطان بأنوفهم إلى أن ورطهم في هذه الورطات شقوا وتعسوا؛ فمن نعمة الله أن بصرك وهداك، وأقامك على الصراط المستقيم وأنت سالم؛ لأن من الناس من يتوب لكن بعد دخول السجن، فلم تعد تنفع إلا في الآخرة أما في الدنيا فقد انتهى الأمر.
يقول لي شخص منهم وقد ذهبت لألقي موعظة في السجن العام هنا، وبعدما انتهيت وفتحت له مجالاً في التوبة وفيما عند الله أمسكني وقال: يا شيخ! عندي سؤال؟ قلت: تفضل، قال: أين هذا الكلام قبل أن آتي إلى هذا المكان؟ يقول: هذا الكلام الذي تقوله، أين هو؟ ما سمعناه قبل أن نأتي إلى هنا؟ يقول: كنت أتمنى أن أعرف هذا الكلام قبل أن آتي إلى هنا، أي: أود لو أني اهتديت وآمنت واستقمت، قلت: ما هي قضيتك؟ قال: عليَّ رقبة، قلت: ما هو الحكم؟ قال: أنتظر القتل، يقول: لم يعد ينفع كوني أتوب الآن وأهتدي، لكن ينفع إن شاء الله في الآخرة.
لكنه مسكين! يريد أن يعود إلى زوجته وأولاده! يريد أن يعيش مثلما يعيش الناس لكن توبته لا تفكه من السجن إلا إلى الموت! فأنت احمد الله الذي لا إله إلا هو، فهو الذي عافاك وما ابتلاك، وأقامك حتى عرفت نعمة الله عليك، وما كان ذلك ليحصل لك إلا بطريق الهداية والاستقامة على دين الله تعالى.
وآخر كان نائماً في بيته قد خلع ملابسه واستسلم للنوم، وإذا بطارقٍ يطرق الباب عليه في الساعة الثانية عشرة فيقول له أهله: -أهل الولد يقولون للطارق- من تريد؟ قال: أريد فلاناً، قالوا: نائم -لا تستطع أن نوقظه لأنه نائم- قال: أيقظوه، الأمر ضروري، قالوا: الأمر ضروري! فذهبوا إليه وهو نائم: فلان فلان: يريدك فلان فقفز قفزة الأسد، لماذا؟ لا يمكن أن يتأخر عن صديق
стр. 905
البسط في الرزق
ومن ثمار التقوى والهداية أن الله يبسط في رزق عبده المؤمن.
فالله يوسع للملتزم في رزقه، وبالاستقراء لم نر عبر حياتنا الطويلة رجلاً صالحاً ضيق الله عليه في معيشته، هل سمعتم بهذا؟ أبداً، طبعاً في زماننا هذا والحمد لله زمن الرخاء بسط الله الرزق على الطيب والخبيث؛ لكن في الزمان الأول وفي كل مجتمع وبيئة لا يمكن أن نجد إنساناً ضيق الله عليه في معيشته، بل كلما ضاقت وسع الله عليه.
فـ حاتم الأصم وهو من التابعين: أراد أن يحج فقال لأهله ولأولاده: إنني أريد أن أحج، ولم يكن عنده نفقة ولا مئونة إلا ما كان معه، وأولاده ما كانوا يريدون أن يمنعوا والدهم من الإتيان بهذه الفريضة الكبرى والقربة العظيمة عند الله، فقالوا له: نحن ما عندنا شيء، فقالت البنت الكبيرة من بناته: أنا عندي شيء، فلما ذهب وودعهم مر عليهم اليوم الأول والثاني والثالث وما عندهم شيء، قالوا للبنت: أعطينا الذي عندك، أنت قلت أن عندك شيئاً، قالت: والله ما عندي شيء لكني ما أردت أن أحبس أبي عن الطاعة، ولكن إذا غاب أبونا فما غاب ربنا، تقول: الله سوف ينفق علينا ولو كان أبونا ليس موجوداً.
وفي الليل مر الوالي أو الحاكم الذي في البلد ومعه العسس يعس، وأمام البيت أحس بظمأ فطرق الباب عليهم، وقال لهم: أعطوني ماءً، فقامت الابنة -بنت حاتم الأصم - وتحجبت وحملت الماء وجاءت به إلى الوالي وهي لا تعرف أنه الوالي، فشرب، فلما شرب كان الماء بارداً والإناء نظيفاً فارتوى، حتى إذا ما انتهى أخرج ما في يده وجيبه من نقود، وأخرج الذي معه من الرجال كل ما في جيوبهم اقتداء بالأمير ووضعوه في الكأس وأعادوها، ولما رجعت الكأس وإذا بالكأس التي خرجت مليئة ماء قد رجعت مليئة بالنقود، فدخلت البنت إلى أهلها وهم لا يعلمون بالحادث هذا، وجاء اليوم الثاني وقالوا: أنت التي تركتي والدنا يذهب، ما عندنا شيء، قالت: بل عندي شيء، قالوا: أين؟ فقامت وجاءت بالكأس مملوءة بالنقود، قالت: هذا الذي عندي من الله الذي لا إله إلا هو ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق:٢ - ٣] يقول ابن عباس: [أبى الله إلا أن يجعل رزق عبده المؤمن من حيث لا يحتسب] أنت تتوقع وتحتسب الرزق من كل طريق، ولكن بالتقوى يأتيك الرزق من كل طريق ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق:٢ - ٣] وقد يقول قائل: ما هو الرزق المقصود في هذه الآية؟ يقول العلماء: ليس الرزق المقصود هو الرزق الكمي، أي: تأتيك كمية نقود كثيرة.
لا.
الرزق المقصود هو الرزق الكيفي، أي: أن الله ﵎ يجعل في رزقك بركة، وفي قلبك قناعة، فإذا كان راتبك ألفي ريال بالإيمان، وبالتقوى؛ تعدل هذه الألف ريال عشرة آلاف ريال، وإذا كان راتب العبد عشرة آلاف ريال لكن بالكفر، والنفاق والضلال، والمعاصي؛ تصبح قيمتها الورقية والاستعمالية أقل من ألف ريال، كيف؟! أولاً: يفتح الله عليك بصائر في حياتك، أي: بعض الناس يشتري سيارته وتمر عليه السنة، والسنتان، والثلاث، والأربع، والخمس سنوات ولم يغير فيها مسماراً؛ لأسباب بركة هدايته ودينه، حتى قال لي شخص: والله إن عندي سيارة موديل أربعة وثمانين إلى الآن، يقول: يمر عليها خمس سنوات ومشيت بها تسعين ألف كيلو متر، يقول: والله ما غيرت حتى عجلاتها، قلت: لا إله إلا الله سبحان الله! المعروف أن أقصى مسافة لعجلات السيارات ثلاثون أو أربعون أو خمسون ألف كيلو متر.
وقليل هي التي تصل إلى ستين ألف كيلو متر، قلت: كيف يا أخي؟ قال: الحمد لله، يقول: والله ما غيرت عجلاتها ولا بنشر كفر واحد خلال تسعين ألف كيلو متر! قال: ولا بنشر ولا غيرت، قلت: ماذا تعمل؟ قال: فقط (أدق سلف) وأقول بسم الله الرحمن الرحيم في الصباح! فقط هذا هو السر! فحفظ الله سيارته.
لكن من الناس من يركب السيارة وهو ضال -قليل دين والعياذ بالله- من يوم (يعشق) مباشرة قبل أن يقول: بسم الله، يضع الشريط ويشغل الاستريو، استريو من هنا ومن هنا، ومن أمامه ومن وراءه من أجل أن ترجه السيارة.
أنا أقف أحياناً عند الإشارة فيأتي شخص بجانبي يغني فأقفل الزجاج؛ لأن سيارتي تهتز من رجة سيارته، يرج الإسفلت ويرجني معه، ما يقبل حتى بموسيقى، أي: بسيطة، بل يريد شيئاً يرجه من أجل أن تهز عقله -والعياذ بالله- فهذا لا تستمر معه سيارته مائة كيلو، ولا مائتين، ولا سنة إلا وقد خربت، فيذهب راتبه في تصليح السيارة، وبعضهم تذهب رواتبه في علاج زوجته وأولاده، وفي تغيير متطلباتهم، بأسباب ماذا؟ عدم هدايته، لكن لو كان مهتدياً لرزقه الله القناعة في قلبه، والبركة في زوجته.
فبعض النساء تقعد عشر سنوات ما تمرض مباركة، وأولاده ما يمرضون، وسيارته لا تخرب، وفرشه لا تبلى، و (موكيتاته) نظيفة، وكل حياته جيدة، لماذا؟ فيه دين، فيه بركة، فيه إيمان؛ ولذا تتوفر له هذه المبالغ، أما إذا لم يوجد دين ولا إيمان فكل شيء يخرب: ثوبه يلبسه الآن وبعد قليل يوسخه، ماذا بك؟! وبعض الناس يلبس الثوب أسبوعاً كاملاً ويأتي يخلعه كأنه ما لبسه، لماذا؟ لأنه نظيف ظاهراً وباطناً، لكن ذاك القذر قذر ظاهراً وباطناً، ويغسل ثوبه كل يوم ولكنه أيضاً ما تنظف؛ لأنه قذر من الداخل لا حول ولا قوة إلا بالله! فهنا الرزق المقصود في هذا هو الرزق الكيفي لا العددي، فقد ترزق مالاً كثيراً لا بركة فيه فتشقى به، وقد ترزق مالاً كثيراً فيه بركة فيبارك الله فيه، وهذه لا تأتي البركة إلا عن طريق الدين.
стр. 906
محبة الخلق للعبد الصالح
الثمرة الرابعة من ثمار الإيمان والدين: ثمرة محبة الخلق لك.
وهذه تأخذها انتزاعاً تنتزعها من الناس، من الذي يستطيع في الدنيا أن يفرض على الناس أن يحبوه؟ هل يستطيع أحد؟
الجواب
لا.
لماذا؟ لأن القلوب ليست بيده، القلوب بيد الله: (قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء) فقد تفرض على شخص أن يحبك.
طيب أحبك وهو يكرهك مثل الشيطان الرجيم؛ لأن القلب ما تستطيع أن تدخله من أجل أن تعرف أهو يحبك أو لا؟ لكن بالإيمان وبمحبة الله لك يلقي الله لك المحبة في قلوب الناس أجمعين، كما جاء في الحديث الصحيح، يقول رسول الله ﷺ : (إذا أحب الله عبداً نادى جبريل: يا جبريل! إني أحب فلاناً فأحبه، فيحبه جبريل، ثم ينادي في السماء: يا أهل السماء! إن الله يحب فلاناً فأحبوه، فيحبونه، ثم يلقى له القبول في الأرض، وإذا أبغض الله عبداً نادى جبريل: يا جبريل! إني أبغض فلاناً فأبغضه، فيبغضه، ثم ينادي جبريل في السماء: إن الله يبغض فلاناً فأبغضوه، فيبغضونه، ثم يلقى له البغض والكراهية في الأرض) فترى كل شيء يبغضه حتى جلده وثوبه الذي على ظهره، ولقمته التي يأكلها، وحتى بيته الذي يسكنه، وزوجته، ودابته، وأولاده، فمن يوم أن أبغضه الله كل شيء يبغضه.
أما ذاك المؤمن إذا أحبه الله فإن كل شيء يحبه، حتى أعداءه وأهل الشر يحبونه، ولعلكم تعرفون قصة يوسف ﵇ لما دخل معه السجن شابان فرأى كل واحد منهما رؤيا من الذي ذهبوا إليه وقالوا: ﴿نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف:٣٦] وصفوه: ﴿مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف:٣٦] ما ذهبوا للخمارين ولا للزناة ولا للقتلة ذهبوا لمن؟ للصالح يوسف ﵇، محبة وإكراماً له واعترافاً بأنه من الصالحين الذين لا يمكن أن يوجد العلم إلا عندهم.
فإذا اهتديت -يا أخي- فهي نعمة أن تكون محط تقدير وموضع محبة الناس كلهم، أليست هذه نعمة؟ لأنك إذا أحبك الناس أولاً: إذا مت شهدوا لك، فلو مات رجل فاضل من فضلاء المجتمع: عالم أو داعية أو صالح، وسمع الناس في مدينة أبها أو في خميس مشيط أو في المنطقة الجنوبية أو في المملكة كلها أن فلاناً مات وهو رجلٌ صالح، فماذا تتوقعون أن يقول الناس عند موته؟ كلهم يدعون له ويثنون عليه، ويقولون: ﵀ رحمة واسعة غفر الله له أسكنه الله فسيح جناته كان رجلاً عابداً كان قواماً كان صواماً كان صالحاً كان داعيةً كان عالماً كان معلماً للناس الخير هذه الدعوة تأتيه في قبره، وتجمع الأمة على أن تدعو له، والله يمضي شهادة الناس؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ [البقرة:١٤٣] ومر على النبي ﷺ بجنازةٍ فقال: (وجبت) بعد أن أثنى الناس عليها خيرا، ثم مر عليه بجنازة مرةً أخرى فقال: (وجبت) بعد أن أثني عليها شراً، ثم قال عمر: يا رسول الله! قلت: وجبت في الأولى والثانية، قال: (أثنيتم على الأولى خيراً فوجبت لها الجنة، وأثنيتم على الثانية شراً فوجبت لها النار، أنتم شهداء الله في أرضه).
فهل تريد أن يشهد لك الناس بالخير؟ هل تريد أن يدعو لك الناس إذا مت؟ هل تريد أن يحبك الناس إذا ذكرت؟ ذلك هدف من أهداف كل عاقل، وغاية نبيلة يسعى إليها كل إنسان فاضل، لكنك لا يمكنك أن تحصل عليها إلا بالدين، والإيمان، والهداية، وهنا تنتزعها وتجعل الناس كلهم يحبونك؛ لأنه إذا أحبك الله أحبك كل شيء، وإذا أبغضك الله أبغضك كل شيء، وهذه نعمة لا تعدلها نعمة من نعم هذه الدنيا.
стр. 907
قوة البدن في العبادة
ومعطىً خامس أختم به هذا المقام وهو: أن الله يرزق المؤمن قوة في بدنه، والمراد بالقوة هنا القوة في العبادة، فتراه قوياً في الصلاة، والصيام، والحج، والجهاد، والعلم وطلبه وكل ما يحبه الله ويرضاه، وتراه جباناً في الشر، ضعيفاً في مواطن الشر، هذا بأسباب ماذا؟ بأسباب الهداية والإيمان.
وكن عن كل فاحشة جباناً وكن في الخير مقداماً نجيبا
وبالضلال وبالكفر تنعكس المسألة، فترى الضال والعاصي -والعياذ بالله- قوياً في كل شيء إلا في الدين، قوياً في الكرة: يلعب من العصر إلى المغرب يصول ويجول ولا يتعب ولا يكل ولا يفتر، لكنه إذا أتت الصلاة بدا كسلاناً لا ترى فيه أي قوة ولا قدرة على الصلاة، وإذا جاء الصوم تنهار قواه ويتعب، ويطلب إجازة، وينام من صلاة الفجر إلى المغرب، هذا كثير من صوام زمانك: يأخذ إجازة وينام من حين أن يتسحر في الساعة الرابعة، يقال له: صل، فيقول: ليس الآن، وينام -قال: لا توقظني حتى أقوم- ولا يستيقظ إلا قبل الفطور، وصلاة الفجر والظهر والعصر لم يؤدها، وقام يغسل وجهه، ثم يتقدم السفرة من أجل أن يلتهم الفطور، وبعد الفطور يلعب: (بلوت) و (ورقة) و (سمرة) إلى السحور، وجاء وتسحر ونام إلى الفطور، هذا صيام أهل هذا الزمان! لماذا؟ لأنه لا يستطيع أن يقاوم، فيقضي الصوم كله في النوم، وطبعاً النائم لا يحس بالجوع ولا بألم الجوع، فإذا استيقظ وبقي على وقت الفطور نصف ساعة أو ساعة فإنه يتوضأ فيها يقوم ليأكل، فتجد العاصي ضعيفاً في الصلاة ولا يستطيع أن يأتي إلى المسجد كل يوم، بل بعضهم يرحمه إذا نظر إليه أحد الناس، واحد من الشباب يقول لي: إنه كان قبل هدايته يقول: كنت والله إذا نظرت إلى فلان من الناس وهو طالع إلى المسجد أرحمه، أقول: هذا المسكين عذب نفسه، يذهب ويأتي إلى المسجد، وفي الظهر طالع ونازل، وفي العصر طالع ونازل، يقول: والله إني أشفقت عليه ورحمته، رحمته من الصلاة والصوم ومن الذهاب إليها، قلت: والآن؟ قال: والآن الحمد لله الذي هداني للإيمان.
وشخص يقول: ذهب إلى الرياض يقول: فمر على شارع اسمه شارع (السبيبري) يمكن طبعاً الآن ليس موجوداً أو تغير، هو آتٍ من شارع (البطحاء) ذاهب (للديرة)، فمر على مسجد بشارع (الفليلي)، وفي هذا المسجد إمام بارك الله فيه ووفقه يطيل الصلاة ويصلي بالناس التراويح صلاةً متأنية يطيل فيها، ولا يصلي معه إلا الذين يحبون الصلاة الجيدة، فمر عليهم هذا الشخص فرآهم يصلون، ثم ذهب إلى (الديرة) واشترى حاجاته وعاد وهو أيضاً يصلي للشيطان إلى أن تعبت رجلاه وهو واقف، ثم رجع وإذا بهم وقوف يصلون، يقول: والله إني رحمتهم، يقول: يا لله! هم من تلك الساعة وقوف يصلون؟ وهو نفسه يقول: والله ما ثنيت رجلي لجلوس وإنما بقيت واقفاً؛ لأنه لا يوجد مكان في السوق، لكن هو يصلي للشيطان في الأسواق، وهم يصلون للرحمن في المسجد فيرحمهم، يقول: فجلست وشربت ماء من ثلاجة المسجد، ويقول: انتظرت حتى سلموا من أجل أن أنظر إلى وجوههم كيف تبدوا وقد تعبوا.
يقول: أتيت وإذا بهم كلهم كهول ليس فيهم شاب، أما الآن فالحمد لله الذي يملأ المساجد هم الشباب بارك الله فيهم وكثر الله من أمثالهم، هذه نعمة من نعم الله ﵎، وهي القوة في دين الله .
ومرة في هذا المسجد أذكر لكم هذه القصة: سكن رجل في هذا الحي بجوار المدرسة، وبعد ذلك لم يأت ليصلي معنا، فجاءني الجيران، فقالوا: يا شيخ سعيد: عندنا جار لا يصلي معنا في المسجد، فنريدك أن تذهب وتكلمه، قلت: حسناً، فذهبت أنا وهم إليه وزرناه بعد المغرب فرحب بنا وجلسنا عنده، وقلنا: أنت ضيف جديد في الحي وجزاك الله خيراً، ومنذ أن سكنت انتظرناك لتصلي معنا في المسجد؛ لأنك تعرف أن الصلاة فريضة الله على عباده، ولكنك لم تأت فأتينا نرحب بك أولاً، ثانياً: ندعوك إلى الصلاة معنا إن شاء الله، وإن شاء الله تصلي ولا تتأخر حتى لا نضطر أن نرفع بك إلى المسئولين قال: جزاكم الله خيراً! إن شاء الله أصلي، ولما جاء صلى العشاء في تلك الليلة وجزاه الله خيراً فلم يقصر في الإجابة، وبعد فترة لم يصل! لا اليوم الأول ولا الثاني ولا الثالث ولا الرابع المهم مرت عليه فترة طويلة، قال الجيران: صلى ذلك اليوم فقط، ولم يأت بعد ذلك، فذهبنا له، ولما أتينا عنده قلنا له: المسألة أنا أتيناك في ذلك اليوم وقلنا: صل وما صليت معنا، قال: بل صليت، والله إني صليت معكم.
قلنا: كم صليت؟ قال: صليت ذلك اليوم.
وقلنا: لا.
الصلاة كل يوم تأتي تصلي.
قال: ماذا؟! كل يوم؟! قلنا: كل يوم! قال: كل يوم خمس مرات ذاهب وخمس مرات راجع وكل يوم؟ قلنا: كل يوم خمس مرات ذاهب وخمس مرات راجع -لا يتصور هو- قال: والله إن شاء الله، لكن في نفسه يقول: ما يخارجني هذا الكلام، يقول: كيف أطلع وأنزل كل يوم للمسجد خمس مرات، شيء صعب ما تعوده في حياته، المهم جاء اليوم الثاني فأخبرني جيرانه وقالوا: والله إنه لم يمس في هذا البيت، وأتى بسيارة كبيرة وأخذ عفشه وذهب في مكان ليس فيه مسجد لا حول ولا قوة إلا بالله! لماذا يستكثر الصلاة؟ ضعف بدني وإلا فهو ما شاء الله مثل الحصان عضلات، أي: يأخذ عشرة بيده، لكن الصلاة ثقيلة على النفس، والله تعالى يقول: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة:٤٥] بينما تجد كبير السن الضعيف يأتي بعصاه من البيت إلى المسجد، ومن المسجد إلى البيت، ومن البيت إلى المسجد وهكذا، ما الذي قوى هذا؟ إيمانه وخوفه من الله قواه، والله إن بعض الكهول لو أتيت عليه في فراشه وكبلته وقيدته وضربته لا يمكنه أن يجلس إلا في المسجد، وبعض الشباب عضلاته مثل عضلات الحصان ولا يأتي يصلي، هذا ضعيف في دين الله فأضعف الله بدنه، وهذا قوي في دين الله فقوى الله بدنه.
فمن ثمار دينك وثمار هدايتك أن الله يقويك ويحفظ لك جوارحك ويقويك على طاعة الله.
هذه خمس معطيات وخمس ثمرات تجنيها ثمرة الإيمان في الدنيا، أهي خير -يا أخي المسلم- أم الضلال والفساد الذي يزرع في قلب العبد القلق والاضطراب؟ وأيضاً لا يضبط سلوكه؛ فيهلكه في أي مصيبة، ولا يوسع الله عليه في رزقه، ولا يجعل له محبةً في قلوب الناس، ويجعله ضعيفاً في كل شيء إلا في معصية الله فهو قوي، ومن كان في هذه الدنيا قوياً في معصية الله كانت قوة الله عليه عظيمةً يوم لا حول ولا قوة إلا بالله في عرصات القيامة.
أسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يرزقنا وإياكم قوة في دينه، وبصيرة في شرعه، وتوفيقاً في هدايته إنه على كل شيء قدير.
والله أعلم.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 908
الأسئلة
.
стр. 909
اللباس أحكامه وشروطه
السؤال
إني أحبك في الله، أرى بعض الشباب الملتزم لا يلبسون العقال، فهل ورد دليل في ذلك؟ وإن لم يوجد فلم لا تلبسه أنت؟
الجواب
أحبك الله الذي أحببتني فيه، وأسأل الله أن يجمعنا وإياكم في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله ببركة الحب فيه والبغض فيه فإنه كما جاء في الحديث: (عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين أناس ليسوا بأنبياء ولا شهداء يغبطهم الأنبياء والشهداء، قيل: من هم يا رسول الله؟! قال: هم الذين يجتمعون على الذكر؛ ينتقون من الذكر أطايبه كما ينتقي آكل التمر من التمر أطايبه).
وفي الحديث الآخر: (ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وافترقا عليه) هؤلاء يظلهم الله في ظل عرشه نسأل الله من فضله.
وإجابة على السؤال أقول: أولاً: لم يرد في دين الله بأن يلتزم المسلم لباساً معيناً، أي: لابد أن يلبس المسلم هيكلاً أو أمراً معيناً، لا.
إنما يلبس المسلم ما يريد على ألا يقع في شيء من المحذورات الأربع: أولاً: ألا يلبس حريراً.
ثانياً: ألا يتشبه بالكفار وأعداء الله، بمعنى: اللباس الذي اختص به الكفار نحن نتركه؛ لأن: (من تشبه بقومٍ فهو منهم) لا لأنه في ذاته حرام، ولكنه أصبح شعيرة من شعائرهم ودلالة من دلالاتهم فنحن نبغضه في بغضهم.
ثالثاً: ألا يتشبه بالنساء؛ لأن الرسول ﷺ : (لعن المتشبهين من الرجال بالنساء، ولعن المتشبهات من النساء بالرجال).
رابعاً: ألا يكون فيه خيلاء ولا كبرياء، أي: لا تلبس شيئاً فيه كبر أو غطرسة أو خيلاء.
وما لم تتوفر فيه أحدى هذه الأشياء فالبس ما شئت.
أما موضوع العقال فهو من الأشياء التي تعارف الناس على لبسها، وتعارف أقوامٌ على عدم لبسها، وطلبة العلم غالباً لا يلبسونها؛ لأنه لا ضرورة لها عندهم؛ لأنها جزءٌ من الشكل الجميل الذي يهتم به بعض الناس فيريد أن يكون شكله مرموقاً، وهذه الأشياء بالنسبة لطلبة العلم أشياء ثانوية في حياتهم، فهم يهتمون بشيء أكبر من ذلك وأعظم وهو إن شاء الله صلاح قلوبهم، وأما الشكل الظاهري فأي ثوب وأي غترة وأي عقال المهم أن الإنسان لا يبتذل ولا (يتدروش) ويلبس أشياء لا تليق به كما يصنع بعض الناس؛ إذا رأيته ترى أن شكله غير جيد، لماذا؟ لأنه يتساهل، والنبي ﷺ قد قال: (إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده) ويقول: (إن الله جميل يحب الجمال) وكان له جبة يلبسها ويقابل بها الوفود، وكان ﷺ يسرح شعره ويطيب مفرقه، وكان يكتحل ويدهن، ويحب أن يخرج إلى الناس ورائحته طيبة وشكله طيب، فالاهتمام بالشكل مرغوب فيه ومطلوب في الشرع لكن في حدود، ليس إلى الحدود التي تخرج الإنسان عن حد المعقول، ويظل فقط أمام المرآة، فبعضهم يظل أمام المرآة ساعة وهو يضبط مظهره ويتلفت لكن داخله خراب، فالمغالاة والتجاوز في الحدود ينقلب إلى أضدادها.
فهذا يعني: عدم لبس العقال عند الكثير من طلبة العلم.
وبعضهم يقول: إن العقال مأخوذ من العقل، يقول: فإذا نقص العقل زاد العقال، وكلما نقص تشاهده يزيد من حجم العقال من أجل أن يمسك العقل حتى لا يطير.
وهذه طبعاً على سبيل النكتة وليس على سبيل الحقيقة! أما أنا فلا أحب أن ألبس العقال؛ لأن العقال لا يصلح لي؛ لأن رأسي مفلطح من فوق، فإذا لبسته فإنه يسقط وإلا ليس هناك أي سبب آخر.
стр. 910
التشبيه في صفات الله
السؤال
قلت: إن (قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن) ومثلت بإصبعك وهذا تشبيه؟
الجواب
صدق! وأنا أستغفر الله العظيم وأتوب إليه، إن قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء ولا أشبه؛ لأن التشبيه ممقوت ومحذور في شرع الله.
стр. 911
التوبة وشروطها
السؤال
كيف يبدأ الإنسان بالتوبة؟
الجواب
هذا سؤال هام جداً، يحتاج إلى وقت طويل، لكن يقول العلماء: العتبة نصف الطريق، إذا أراد الإنسان أن يسافر هل يسافر وهو في البيت؟ الجواب: لا.
لكن متى يقطع الطريق؟ إذا خرج من البيت، من أول ما يقطع عتبة البيت اعتبر أن الطريق نصفها ذهب؛ لأنه شرع في الطريق، وكذلك الذي يريد أن يتوب فالعتبة في طريق التوبة نصف الطريق، وهي ثلاثة أشياء: أولاً: الإقلاع من الذنب الذي أنت فيه.
الثاني: الندم على ما فات فيه.
ثالثاً: العزم على ألا تعود في الذنب.
هذه هي التوبة.
والأوقات ثلاثة: الأول: وقتٌ مضى، فاستغفر الله فيه.
الثاني: وقتٌ مستقبل، فاطلب الله أن يعينك فيه على الهداية.
الثالث: وقت حاضر، املأه بالطاعة، وحينها تكون من التائبين إن شاء الله! فتأتي إلى عينك التي تنظر إلى الحرام، وتقول: قفي يا عين! فأنا تائب، وتأتي إلى أذنك التي تسمع الغناء والحرام، تقول: والله لا أسمع، وتأتي إلى يدك التي كانت تمسك الحرام، تقول: تبت، ورجلك التي تسعى إلى الحرام تابت، وبطنك التي تأكل الحرام تابت، وفرجك إذا كان يرتكب الحرام تاب المهم أنك بالتوبة، لا تعمل شيئاً يغضب الله، وبعد ذلك إذا سمعت أمراً لله تذهب إليه إلى الصلاة في المسجد وإلى قراءة القرآن، وحلق العلم، وحفظ كتاب الله، والحب في الله وأصبحت من المهتدين، وعندما تمشي يوماً ويومين وثلاثة تكون قد قطعت نصف الطريق وأنت لا تدري إلا وأنت مع أهل الإيمان في روضة لا يجدها إلا هم في هذه الحياة.
стр. 912
حكم من قال بعد قراءة القرآن: صدق الله العظيم
السؤال
ما حكم من قال بعد قراءة القرآن: صدق الله العظيم؟
الجواب
اختلف أهل العلم في هذه الكلمة: فبعضهم يقول: لا شيء فيها، وبعضهم يقول: الأولى تركها، والراجح أن الأولى تركها؛ لأدلة: الدليل الأول: أنها لم تؤثر عن رسول الله ﷺ ، فقد أمر عبد الله بن مسعود ﵁ أن يقرأ عليه والحديث في الصحيحين فقال له: (اقرأ، قال: أأقرأ وعليك أنزل؟ قال: نعم.
فإني أحب أن أسمع من غيري، قال: فقرأت من سورة النساء حتى بلغت قول الله : ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً * يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً﴾ [النساء:٤١ - ٤٢] قال: فقال لي: حسبك، فنظرت إليه فإذا عيناه تذرفان بالدمع) صلوات الله وسلامه عليه، ولم يأمره بأن يقول: صدق الله العظيم.
وكان يقرأ ﷺ وينهي قراءته ولم ينقل أنه كان يقول: صدق الله العظيم، ولو قيل لنقل، ولم ينقل عن الصحابة ولا عن سلف هذه الأمة وإنما جاء في القرون المتأخرة.
الدليل الثاني: قال العلماء: إن التصديق إنما يكون لمن يحتمل ويتوقع منه الكذب، فأنت تقول: صدق الله العظيم، لكن الذي لا يتوقع منه إلا الصدق ليس بحاجة إلى تصديقك أليس كذلك؟ فأنت إذا كنت مدرساً وسألت الطالب سؤالاً، ثم أجاب الطالب بعد أن سألته -أي: أعطاك الجواب الصحيح- ما هو موقفك أنت؛ لأنك أعلم من الطالب، ماذا تقول؟ هل تقول: صدقت أم لا؟ لكن إذا جاء الطالب وسألك وقال لك: يا أستاذ: كم أركان الإسلام؟ فقلت أنت: أركان الإسلام خمسة، قال لك الطالب: صدقت، ماذا تقول له؟ تصفعه على وجهه، وتقول: ليس لك دخل صدقت أو ما صدقت، أنت تصدقني أنت، أنا أعرف بالعلم منك.
لا تقبل أنت أن يصدقك أحد وهو دونك؛ يقول:
ألم تر أن السيف ينقص قدره إذا قيل إن السيف أمضى من العصا
إذا قلت: والله إن هذا السيف أحسن من هذه العصا، ما رأيك تمدحه أم تذمه؟ تذمه؛ لأنك فاضلت بينه وبين العصا التي ما تنفع، فكيف تجعله أحسن من العصا، وبدون شك أنت ذممته، فتصديقك لله وهو لا يتوقع منه إلا الصدق كأنه معرض ذم، ولذا إذا انتهيت لا تقل: صدق الله العظيم.
وقال الشيخ عبد الله بن حميد رحمة الله تعالى عليه وقد سمعته بأذني وقد سأل في مكة عن هذه المسألة، قال: إن قاله إنسان فلا حرج إن شاء الله.
والله أعلم.
стр. 913
الرياء حكمه وكيفية العلاج منه
السؤال
يقول الأخ الكريم: إنني أريد أن أعمل أعمال الخير، ولكني أحياناً أحب المدح من الناس، فما هو العلاج بارك الله فيكم؟
الجواب
الذي يعمل العمل من الخير ويحب أن يثني عليه الناس هذا هو المرائي بعينه، وهذا هو الرياء، وعلامة المرائي أمران: أولاً: أنه ينشط في الملأ ويكسل في الخلوة.
ثانياً: أنه يزيد في العمل إن أثني عليه، وينقص إن لم يثن عليه.
ومعنى هذا: أن عمله ليس خالصاً لوجه الله، وهذا هو الرياء.
وطريق العلاج أن تعمل لوجه الله، وأن يستوي في نظرك المادح والذام، فإنه والله إن مدحك الناس كلهم لن ينفعوك، وإن ذمك الناس كلهم لن يضروك؛ لأن الذي ينفع مدحه ويضر ذمه هو الله، فإذا مدحك الله تعالى ولو ذمك الناس كلهم فحسبك الله، وإذا ذمك الله تعالى وقد مدحك الناس كلهم فإن الناس لن ينفعوك وقد ذمك الله تعالى، فعليك أن تخلص لوجه الله، وأن يستوي عندك الذام والمادح في دين الله .
стр. 914
داعية يذكر قبراً يشتعل ناراً
السؤال
يقول: أحد الدعاة نحسبه والله حسيبه من خيار الدعاة في جدة ألقى محاضرة بعنوان: اليوم الآخر، وأقسم بالله إنه يوجد في البلدة التي يسكن فيها قبر يشتعل ناراً كل صلاة مغرب، يقول: كلما أذن للمغرب يشتعل هذا القبر ناراً.
الجواب
هذا الأخ صادق، فقد ذكر ابن القيم قصصاً كثيرة جداً في هذا الموضوع، من ضمن القصص التي ذكرها: أن رجلاً صالحاً في قرية من قرى العراق في زمنه، كان ماراً في الليل من أمام المقبرة فوجد حماراً ينهق في المقبرة، فدار على القرية وصلى الفجر مع أهلها، وقال لهم: يا جماعة! مقبرتكم الآن أصبحت مزبلة للحمير، وحرمة الأموات كحرمة الأحياء، فاجعلوا عليها سوراً واحموها من الحمير حتى لا تؤذي الأموات في المقبرة، قالوا: لماذا؟ قال: لأني سمعت عندما أذن الفجر حماراً ينهق في المقبرة، قالوا له: إنه ليس حماراً، ولكن هذا شاب مات منذ أيام، وهذا الشاب كانت أمه إذا أيقظته للصلاة، تقول له: قم صل، فكان ينزعج منها ويقول لها: انهقي، ولا يقوم ليصلي، فلما مات كان كلما أذن للفجر سمع له نهيقاً من قبره كنهيق الحمار -والعياذ بالله- ينهق كما ينهق الحمار وهو معذب، فهذه القصص كثيرة جداً، وقد ذكرنا الكثير منها.
стр. 915
شرح أثر عن أحد السلف: (كيف وجدت الموت إلخ)
السؤال
يقول الأخ السائل: سئل أحد الصالحين: كيف وجدت الموت؟ قال: كأن السماء قد انطبقت على الأرض، وكأني أتنفس من ثقب إبرة، أذكر لنا هذا الوضع أو الشرح؟
الجواب
لا يحتاج الموضوع إلى شرح، فإنه أحد السلف لا يحضرني الآن اسمه، لما حصلت له الحشرجة وسكرات الموت ثم فرج عنه سأله أحد أولاده، قال: كيف وجدت الموت؟ قال: والله لقد رأيت كأني أتنفس من ثقب إبرة، وكأن السماوات قد أطبقت على الأرض من شدة الضيق والعذاب، وكأني أتنفس ليس من أنفي ولا من حنجرتي وإنما من خرق إبرة، ضاق نفسه! وهذا واقع؛ لأن الحشرجة والسكرات قوية، نسأل الله أن يخفف عنا وعنكم سكرات الموت.
следующие страницы →