← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 7737

من أسباب عذاب القبر

سعيد بن مسفر

Полный текст (228 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

الربا ثلاث وسبعون باباً أخرج الحاكم على شرط الشيخين والبيهقي قال: (الربا ثلاث وسبعون باباً، أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه) . وروى ابن ماجة بسند صحيح، كما رواه البيهقي أن الرسول ﵊ قال: (الربا سبعون باباً أدناها أن يقع الرجل على أمه) والذي يمارس الآن أعلى شيء، لكن أقلها كأن يأتي الرجل أو يقع الرجل على أمه والعياذ بالله. وأخرج الإمام أحمد بسند صحيح والطبراني أن رسول الله ﷺ قال: (درهم ربا يأكله الرجل وهو يعلم أشد من ست وثلاثين زنية في الإسلام) .

стр. 177

ليست السعادة في زيادة الأموال أخرج الإمام أحمد في حديث طويل، قال: (رأيت ليلة أسري بي، لما انتهينا إلى السماء السابعة نظرت فوقي، فإذا أنا برعد وبرق وقواصف -في ليلة الإسراء والمعراج- فأتيت على قوم بطونهم كالبيوت) البطن مثل العمارة، طبعاً لا يكبر رأسه ورجليه، لكن الذي يكبر بطنه حتى يصير مثل العمارة ورأسه هناك بسيط، كيف تقلب هذه البطن؟ كيف تأخذه وتمشي به؟! لا إله إلا الله! ولماذا تملؤه -يا أخي- بالحرام الآن، وأنت تأخذه فوق ظهرك يوم القيامة، تطبخ ورق، تأكل أكثر مما يأكله الفقراء، يا أخي! ليست الدنيا كلها كسرة وخرقة، هذه الدنيا يكفيك منها ما سد جوعتك ووارى عورتك، فإن كان معك كوخ يضلك، ودابة تقلك فبخٍ بخ، ليس هناك أحسن منك، لماذا تجمع وتريد ترصد أرقاماً.

стр. 178

زيادة المال زيادة في التعب والقلق أحد الأثرياء وأنا في الرياض يقص لي حالته يوم كان بسيطاً وفي بداية تجارته وحالته الآن أنه من أثرى أثرياء المملكة، وكنت في بيته معزوماً عنده، والمجلس ممتلئ بالضيوف فنحن في وليمة كبيرة أعدها لي جزاه الله خيراً، وقلت له: أسألك بالله أي الحالتين أفضل عندك الآن أو سابقاً؟ قال: والله تلك الحالة أحسن من الآن إنها كلمة تأتي من إنسان يعرفها. قلت: اسمعوا يا جماعة! قلت: لماذا طيب؟ قال: حاجة الإنسان مبنية على أربعة أشياء: على أكل ولبس وزوجة وسكن، يقول: هذه متوفرة لكل شخص، يقول: وما فوق هذا تعب، فوق هذا أرقام، فقط جمع نقود، وماذا يفعل الشخص يفصل له ثوب سعره خمسمائة، و, إذا أراد بعضهم أن يفصل له ثوباً، يطبخ له ورق ويأكل؟ يسكن بيتاً من ورق أبو مائة أو ذهب؟ لا سيسكن كما يسكن الفقير، وسيأكل كما يأكل الفقير، وسيلبس كما يلبس الفقير، وسيتمتع وينكح كما ينكح الفقير، بل الفقير يتمتع بهذه أكثر من الغني، بعض الأغنياء طعامه حبوب، بعض الأغنياء ممنوع من كل شيء، كل شحماً قال: ممنوع، عندي حساسية، كل أرزاً؟ قال: ممنوع عندي سكر، كل فاكهة؟ قال: ممنوع عندي حموضة، فماذا تأكل؟ قال: والله ما غير فنجال حليب أو كسرة عيش، وأمواله ماذا يفعل بها؟! بينما تعال عند الفقير، يلحق لك الصحن من طرفه إلى طرفه ولا عنده لا حساسية ولا حموضة ولا شيء، هذا أحسن من هذا والله. كذلك بعض التجار والأثرياء مع زوجاتهم، زوجته في عذاب معه، لا تعرفه ولا يعرفها؛ لأنه مشغول بالأموال، النهار يطلب والليل يحاسب.

стр. 179

قصة السعادة في بيت متواضع يذكر بعض أهل العلم: أن رجلاً كان من أهل الثراء وكانت زوجته مسكينة في عذاب، مشغول باستمرار، كلما دخل يدخل وهو زاهق، قد تحطم، وإذا جاء وصبت له القهوة برد ثم شربه، لماذا؟ مشغول يحاسب الدفتر، إلى أن ينام عند الفجر، وإذا جاء الصباح قام وأخذ دفاتره وذهب إلى التجارة، وهي مسكينة. بينما كان لهم جار آخر وهذا الجار كان يشتغل سقاء، يأخذ في الصباح (سقته) ويذهب يبيع وبعد ذلك يذهب إلى السوق يشتري لحماً وخضرة وأشياء أخرى ويجلس مع زوجته في أكل وشرب وفي بسط وفي ضحك يتكلمون، وفي الليل في أنس. وقد كانت آنذاك (المرازيب) ليست مثل حماماتنا، كان الذي يغتسل يسمعون صب المرزاب في الأرض، فيسمعون المرزاب يصب كل يوم من عندهم، وهذا مرزابه ناشف من شهر، فذهبت امرأة التاجر، تزور امرأة الفقير وهم جيران. قالت لهم: أراكم ما شاء الله مبسوطين، وعندكم ضحك، ودائماً في سمر، وعندكم استئناس، وأسمع المرزاب يصب كل ليلة، كيف حالكم؟ قالت: الحمد لله في نعمة. قالت: وماذا عندكم؟ قالت: زوجي يشتغل سقاء يبرد له من الصباح يذهب يبيع لأناس نحن معاملون لهم، ويأخذ الفلوس ويشتري بها أغراض ويأتي ونأكله والحمد لله، وفي نعمة من فضل الله، كيف أنت؟ قالت المرأة: والله إني في مصيبة مع هذا الزوج، عندنا أموال لكن والله ما أراه إلا من السواد إلى السواد، ولا يدخل البيت إلا يحاسب وينام، ماذا أقضي به وأقضي بأمواله، لكن يكون خيراً إن شاء الله. ذهبت تريد أن تدبر لها مكيدة، وكيد النساء عظيم، ذهبت إلى زوجها في الليل وهو يحاسب قالت: يا فلان! اليوم أنا ذهبت عند جيراننا، وقد رأيتهم في حال لا يعلم به إلا الله من الفقر والحاجة، وهم في ضيق، ولا عندهم شيء، وأنت عندك أموال والله يخلف عليك، أريد منك طلبات للمرأة، وقد طلبني زوجها تعطيهم عشرة آلاف ريال يبيعون فيها ويشترون، يحفظون لك رأس المال والمكسب بينكم وبينه. قال: حاضر لا مانع عندي. أخذت العشرة آلاف منه وجاءت في الصباح وذهبت إلى المرأة وهي تنظر إلى الرجل. قالت: زرتكم في الأمس ووجدتكم في حالة خفت عليكم ما عندكم شيء، والآن طلبت زوجي وأعطاني عشرة آلاف، أتيت بها لك من أجل تبيع فيها وتشتري، وتحفظ له رأس المال، والمكسب بينك وبينه نصف. قال: بارك الله فيكم وجزاكم الله خيراً، وهذا حق الجار على الجار، فذهب الرجل وفرحت المرأة، من أجل أن يصيروا تجاراً، المهم أخذ الفلوس وخرج ذاك اليوم، ولا رجع إلا بعد العشاء. ولما رجع وإذا به يحاسب، بعنا وشرينا، المهم ما جاءه النوم إلى نصف الليل، ثم نام، ولم يكن في تلك الليلة مرزاب، وفي اليوم الثاني كذلك خرج من الصباح ما جاء إلا بعد العشاء، واليوم الثالث والرابع هكذا، مر أسبوع وأسبوعان والرجل قد انفتحت عليه الدنيا، وأصبح وراءها، قامت المرأة وقالت: هذا المال يشغلك عنا ويشغلنا عنك، والله إن كنت تريدني، هذا المال الله لا يبارك فيه ولا نريده، نريد أن نكون على حالتنا الأولى، وعلى الخضرة حقنا، وعلى اللحمة الأولى، لا نريد غير هذا، وبعد ذلك أخذت رأس المال ورجعته إلى التاجرة هذه وقالت: الله يبارك فيك أنت وزوجك، وخذي فلوسك وأنا وزوجي في سعادة بدون مالكما. فالسعادة -أيها الإخوان- ليست في تكثير الأموال ولا في تجميعها، وإنما السعادة في دين الله ﵎.

стр. 180

سوء عاقبة آكلي الربا يقول في الحديث: (فأتيت على قوم بطونهم كالبيوت -كالعمارات بطنه- فيها حيات) الله أكبر! تحول المال إلى حيات وعقارب، يقلقل ويصلصل داخل بطنه. (فيها حيات ترى من خارج البطون) البطن شفاف من انتفاخه، منتفخ مثلما تنفخ البالونة حتى تبقى شفافة وداخلها الحيات والعقارب، والناس يرون هذه الأموال والأكياس والسيارات والعمارات تحولت إلى حيات وعقارب داخل بطنه، قلت: (يا جبريل! من هؤلاء؟ قال: هؤلاء أكلة الربا) والعياذ بالله. وأخرج الأصفهاني عن أبي سعيد الخدري ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: (لما عرج بي إلى السماء نظرت في سماء الدنيا، فإذا رجال بطونهم كأمثال البيوت العظام -العمارات الضخمة- قد مالت بهم بطونهم، وهم منضدون -أي: مرميون - على سابلة آل فرعون، موقوفون على النار كل غداة وعشي يقولون: ربنا لا تقم الساعة أبداً. قلت: يا جبريل! من هؤلاء؟ قال: هؤلاء أكلة الربا من أمتك لا يقومون إلا كما يقوم الذي يخبطه الشيطان من المس) . فيا أخواني! هل بقي مبرر لشخص يرابي؟ لا والله لا يوجد مبرر أبداً، بل علينا من الآن من كان له مبلغ في أي مكان من أجل الربا عليه أن يعود إلى الله، ويتوب إلى الله، ويقنع بالحلال، ويكتفي بما رزقه الله ، ليبارك الله له في رزقه في الدنيا، ويبارك له في رزقه في الآخرة. أسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يرزقني وإياكم حسن القول وصالح العمل، والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 181

الأسئلة

стр. 182

علاج قسوة القلب السؤال لي فترة طويلة وأنا أحاول أن أبكي فلا أستطيع وقلبي أقسى من الحجر، مع أنني لا أقوم الليل فكيف أصنع؟ الجواب رقة القلب ولين العاطفة والخشوع والخضوع والخوف والوجل، هذه من نعم الله، ومن مِنن الله، يقسمها على الناس كما يقسم الله الأرزاق، فمن الناس من له رزق كثير ومنهم من ليس عنده شيء، لكن ليس هذا بالضرورة أن قلبك أقسى من الحجر أي: أنك لا تخاف الله، لا. المقياس الذي تقاس عليه أمور العباد، هو على مدى استجابتهم لأمر الله وبعدهم عن نهي الله، فقد نجد إنساناً وقافاً عند أوامر الله، لا يرتكب لله نهياً ولا يترك لله أمراً، وبالرغم من ذلك لا يبكي وهو من السعداء، وقد نجد آخراً بمجرد ما يسمع آية كريمة أو حديثاً يبكي، لكن لو أتيت تفتشه لوجدته منغمساً إلى مسامعه في المعاصي والذنوب، فهو يبكي ويخرب، فبكاؤه لا ينفعه، لكن إذا وجدنا إنساناً رقيق القلب والعاطفة سريع التأثر، وقافاً عند حدود الله لا يرتكب لله نهياً، ولا يترك لله أمراً فهذا طيب، ولكن هناك وسائل ذكرها العلماء ترقق القلب وتجعل قلبك ليناً -إن شاء الله-: أولاً: زيارة القبور، من غير شد الرحال، تذهب إلى المقابر وتقف عندها وتسلم على أهلها. ثانياً: ذكر الموت والقبر والظلمة في داخل القبر، وتصوره على التصور الصحيح، ولو بممارسة شيء من وسائل الإيضاح، أي: من الشيء العملي في بيتك، كان ميمون بن مهران عنده قبر في بيته، حفر قبراً في طرف بيته، وكان إذا قسا قلبه، يقول لزوجته وأولاده: تعالوا! فيدخل في القبر ويُغطي عليه القبر، ويقول لهم: كونوا قريبين لا تبتعدوا عني، فإذا صحت عليكم افزعوا إليّ، ويصبر في الظلمة وفي الوحشة وفي الضيق إلى أن تكاد روحه تطير، ثم يصيح، ويقول: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون:٩٩] يقول: إذا سمعتموني أسرعوا إليّ ثم يقول: إذا سمعوا الكلمة جاءه أولاده وفتحوا عليه قال: ها مد يدك ويطلعونه فيقول لنفسه: يا ميمون! قم واعمل صالحاً قبل أن تقول: ربي ارجعون فلا تجاب، يقول: فيقوم من قبره وهو نشيط نشاطاً عظيماً للعبادة والعمل الصالح، هذا درس عملي. ثانياً: تتذكر الحياة الآخرة، وتتذكر الجنة والنار. ثالثاً: تحسن إلى الفقراء؛ لأن من أحسن إلى الفقراء أحسن الله إليه، من رحم المساكين ﵀، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء. أيضاً تمسح بيدك على رأس اليتيم، إذا رأيت يتيماً في أي أرض ومسحت على رأسه ووضعت مع المسح مبلغاً من المال له في يديه وقبلته وواسيته؛ لأنه من يمسح رأسه إذا لم تمسح رأسه أنت؟ من يقبله من يواسيه؟ أبوه ليس موجوداً ولهذا خير بيت في الأرض بيت فيه يتيم يحسن إليه، وشر بيت في الأرض بيت فيه يتيم يساء إليه. فهذه الأمور مما ترقق -إن شاء الله- القلوب. وأيضاً: قراءة القرآن بنوع الأداء الذي فيه خشوع وخضوع، وإن لم تبك فلا أقل من أن تتباكى، أي: تشعر نفسك بالخشوع ولو تصنعاً؛ لأنه مرحلة انتقالية -إن شاء الله- إلى أن تخشع ويلين قلبك بإذن الله وأسأل الله أن يلين قلوبنا جميعاً لذكره وطاعته.

стр. 183

حكم استقبال القبلة ببول أو غائط السؤال نهى رسول الله ﷺ عن استقبال القبلة ببول أو غائط، ولكننا نرى الناس اليوم يضعون الكراسي في الحمامات في اتجاه القبلة، فما الحكم؟ وما حكم الوضوء في الحمام؟ الجوب: ورد النهي حقيقة في صحيح مسلم عن ابن عمر ﵁ قال ﷺ : (إذا جلس أحدكم إلى حاجته فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها) . ولكن العلماء يقولون: النهي هنا محمول على الكراهة ليس محمولاً على التحريم، والدليل: ما رواه البخاري ومسلم من حديث ابن عمر ﵄ قال: (رقيتُ يوماً بيت حفصة فنظرت رسول الله ﷺ يقضي حاجته وهو مستقبل الشام مستدبر الكعبة) قال العلماء الذين جمعوا بين الحديثين، وكلاهما صحيح قالوا: إنه يحمل النهي على العراء، ويحمل الإباحة على البنيان، فإذا كان الإنسان في عراء أو في صحراء، فإنه لا ينبغي له أن يستقبل القبلة ببول ولا بغائط، أما إذا كان بنياناً، في حمام محاط بأربعة جدران، فإنه يجوز له أن يستقبل القبلة ويستدبرها باعتبار وجود حوائل، هذه طريقة الجمع، وقد ذكر هذا ابن قدامة وذكره النووي في المجموع.

стр. 184

حكم بيع التقسيط مع زيادة الثمن السؤال اشتريت سيارة من شخص لكني اشتريتها بالتقسيط، فبدلاً من أن قيمتها نقداً تسعة وعشرون أخذتها بتسعة وثلاثين، على أن أسدده قسطاً شهرياً قيمته ثمانمائة ريال فهل هذا من الربا؟ الجواب لا. ليس من الربا البيع بالتقسيط إذا حدد الثمن وزاد عليك صاحب السلعة؛ لأنك تعطيه على آجال، فليس هناك شيء إن شاء الله، لكن المحذور بيعتين في بيعة، أنك تنفصل أنت وإياه ولا تعلم ماذا أخذت بالتقسيط أو بالنقد، أما إذا اتفقت أنت وإياه على أنك تأخذها بالتقسيط، ودفعت له شيئاً من المقدم والباقي على آجال فليس هناك شيء إن شاء الله؛ لأن هذا من التيسير على الناس.

стр. 185

حكم الوضوء في الحمام السؤال ما حكم الاستنجاء أو الوضوء في الحمام؟ الجواب الأولى أن تستنجي وتقضي حاجتك في الحمام وأن تكمل وضوءك خارج الحمام إذا كان هناك محل للوضوء خارج الحمام، أما إذا لم يتمكن من الوضوء إلا في داخل الحمام مثل أكثر البيوت، فإنك تستنجي وتتوضأ داخل الحمام، وتبدأ البسملة قبل الدخول ولا تذكر الله داخل الحمام مطلقاً.

стр. 186

حكم النظر إلى العمة المطلقة بنتها السؤال طلقت إحدى زوجاتي وانتهت العدة وتزوجت بأخرى، ولكن أمها التي كانت عمتي سابقاً لا زالت تكشف وجهها عليّ، وأنا أجد في نفسي حرجاً فما حكم الإسلام؟ الجواب حكم الإسلام أنه لا حرج في ذلك؛ لأنها محرمة عليك على التأبيد؛ لأنه لا يجوز لك أن تنكحها حتى ولو طلقت بنتها، فهي عمتك ولو طلقت بنتها، ويجوز لك أن تكشف عليها، لأنها من المحرمات عليك.

стр. 187

حكم أخذ مال المسلم بغير حق السؤال يوجد صاحب مؤسسة كبيرة ولديه عمال كثير ويأخذ من كل عامل خمسمائة ريال على أن يكونوا أحراراً في عملهم، فما حكم هذا العمل؟ الجواب هذا العمل حرام؛ لأنه أخذ مال المسلم بغير حق، والرسول ﷺ يقول: (كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه) وقال ﷺ في حجة الوداع يوم عرفة، قال: (ألا إن أموالكم وأعراضكم ودماءكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا) ولا يجوز لك أن تمارس تجارة الرقيق على هؤلاء الأحرار، بأي حق يا أخي المسلم! إذا أردت عمالاً وأتيت بهم شغلهم بالراتب في عملك والعمل لك، أما أن تأتي بهم وتقول: اذهبوا حيث شئتم، وأعطوني كل شهر خمسمائة ريال ربحتم أو لم تربحوا، هذا حرام عليكم، أول شيء تعارض مع الأنظمة التي شرعت، ثانياً: محرم بالشرع؛ لأنه أكل لمال المسلم بغير حق. وقد سمعنا أن بعض العمال يلجأ إلى السرقة من أجل أن يعطي عمه خمسمائة ريال، يظل شهراً ما جاءه شيء، لكن إذا جاء آخر الشهر ما أتى الخمسمائة قال: تعال هات خمسمائة ريال أو رحلتك، أعمل لك خروجاً. سبحان الله! هذا لا يجوز في دين الله .

стр. 188

حكم الذهاب للجهاد بدون رضا الوالدة السؤال هل يجوز لي الجهاد ولي والدة وأنا أحد أولادها وأقوم على رعايتها، وهي غير موافقة على أن أذهب إلى للجهاد، ثم لا أستطيع الخروج إلا بتزوير ورقة، فما الحكم، علماً بأنني مصر على الجهاد في سبيل الله، فما هو الحكم؟ الجواب ما دام لك والدة -يا أخي- وأنت أحد أولادها وتقوم على رعايتها، وهي غير موافقة، فعليك أن تبقى في رعايتها وطلباً لرضاها، وتأخذ المال الذي سوف تخرج به وترسله للإخوان المجاهدين، فإنهم الآن أحوج إلى المال من أي وقت مضى، وبشكل عجيب جداً؛ لأن المعركة الآن ضروس، والآن حديد يقابل حديداً، لكن حديد فاسد إن شاء الله يقابل حديداً مؤمناً، كان الجندي المجاهد يقابل روسياً ملحداً، يود أن يخرج وينصرف، الآن لا يوجد إلا جندي مؤمن أفغاني مع ملحد أفغاني، والأفغاني الملحد متمسك؛ لأنه على أرضه لا يريد يخرج، أين يذهب؟ فهو مستميت، والمؤمن مستميت، والغلبة -إن شاء الله- لأهل الإيمان، ولكن فيها نوع من الصعوبة، فلا بد الآن الذين كانوا يساهمون؛ لأن بعض الناس لما سمع أن روسيا خرجت برد في مد إخوانه المجاهدين، لا، بل زد؛ لأنهم الآن يقطفون ثمرات الجهاد إن شاء الله بإنزال آخر الضربات بهؤلاء الملاحدة إن شاء الله ﵎، وأنت -يا أخي- أرسل بالفلوس التي معك إلى المجاهدين الأفغان، فإنك بإذن الله تجاهد بهذا المال؛ لأن (من جهز غازياً فقد غزا، ومن خلفه في أهله بخير فقد غزا) وما دام أن أمك غير راضية، والقضية فيها خلاف بين أهل العلم في حكم الجهاد الأفغاني هل هو فرض عين أو فرض كفاية على المسلمين؛ لأنه لو قيل بفرضية العين للزم كل المسلمين في كل الأرض أن يذهبوا وإلا أثموا، وبالتالي تخلو مواقعهم منهم، ويترتب على هذا مفسدة، ولم يقل بهذا أحد إلا بعض أهل العلم، ولكن الصحيح: أنه ليس فرضاً عينياً، ولكنه بالمال فرض عين، يجب أن تجاهد بمالك؛ لأنه في حدود إمكانك.

стр. 189

حكم لبس البنطال في العمل السؤال ما حكم لبس البنطلون في العمل؟ الجواب ليس فيه شيء، لبس البنطلون إذا كان واسعاً، وتحتاجه طبيعة عملك كأن تكون نجاراً أو فني كهربائي أو فني في أي عمل، والثياب هذه يمكن تؤذيك في أداء عملك ولا تعينك على أداء شغلك، فإذا لبست بنطالاً بشرط أن يكون واسعاً وليس ضيقاً، فليس فيه شيء إن شاء الله، إنما من يلبس البنطلون على نية الافتخار بهذا الزي الذي يلبسه الكفار واتسم به الغربيين، ويأخذ معه حبلاً في رقبته، يسمونه الكرفتة، وأنا أفكر في كل شيء إلا هذا الحبل ما عرفت له معنى، معروف الذي في رقبته حبل من هو؟ أبو رباط، وهذا يضع على رقبته رباطاً، لا أعلم ما السبب سبحان الله العظيم! فالذي يعمل هذا افتخاراً بهؤلاء يمكن أن يكون فيه محظور؛ نظراً لأنه منهي عن التشبه بالكفار: (ومن تشبه بقوم فهو منهم) .

стр. 190

تفسير آيتي الشرك والمغفرة السؤال قرأت القرآن وفيه آيتان لم أقدر على تفسيرهما، ولم أجمع بينهما، وهي قوله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] ، وقوله : ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾ [الزمر:٥٣] ؟ الجواب الجمع بينهما: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء:٤٨] أي: إذا مات الإنسان وهو مصر على الشرك فلا يغفره الله، والآية الثانية: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾ [الزمر:٥٣] لمن تاب قبل الموت، فمن تاب قبل الموت ولو كان مشركاً فالله يغفر ذنبه، لكن من مات ولم يتب من الشرك فالله لا يغفر الشرك، هذا هو الجمع بينهما.

стр. 191

حكم صلاة حاسر الرأس السؤال ما حكم صلاة الرجل بدون غطاء على رأسه، بالغترة أو طاقية أو غيرها؟ الجواب الصلاة صحيحة، ولكن بعض أهل العلم كره أن يصلي الإنسان ورأسه مكشوف أو عاتقه ليس عليه شيء من اللباس، أما الصلاة فهي صحيحة؛ لأن حد عورة الرجل من السرة إلى الركبة، ولكنه منافٍ لأدب الصلاة، إذ ينبغي أن تأخذ على رأسك شيئاً أو على جسمك مما اعتاد الناس أن يتستروا به.

стр. 192

حكم إمامة الفاسق في الصلاة السؤال أعرف شاباً تخرج من كلية الشريعة وبعد تخرجه استلم إمامة مسجد جامع، ولكنه يدخن ولا يصلي صلاة الفجر في المسجد، وهذا الشاب يستهزئ بالملتزمين والمتدينين ويسخر منهم، فما توجيهكم لمثل هذا الشاب؟ الجواب نقول لهذا الشاب: اتق الله في نفسك، طالما وقد قامت عليك حجج الله الدامغة، أولاً: تخرجت من كلية الشريعة، وأصبحت محسوباً على العلماء. ثانياً: أصبحت محسوباً على الأئمة باستلامك لإمامة مسجد جامع، ثم بعد ذلك تصير فاسقاً -والعياذ بالله- وعاصياً تدخن وتترك الصلاة وتستهزئ بأهل الإيمان، وجريمتك هذه جريمة ليس بعدها جريمة، اتق الله ﵎، ما دام الله وفقك للعلم ووفقك أيضاً لهذا المنصب فكن في محله، وإذا لم تستطع فرد الشهادة شهادة الزور ردها للشريعة، واترك الإمامة لغيرك، واستمر في فسقك وسوف تندم وستعض على أصابع الندم.

стр. 193

حقيقة الالتزام الصحيح السؤال عملت كثيراً من الفواحش، وفهمت منك أن المعاصي إذا كثرت لا يغسلها إلا النار، وأنا تبت إلى الله والتزمت وربيت لحيتي وقصرت ثوبي والحمد لله ندمت على كل عمل كنت أعمله؟ الجواب أقف هنا عند قوله: ربيت لحيتي وقصرت ثوبي، أرجو أن لا يفهم الإخوة أن مجرد الالتزام هو هذان الأمران؛ تربية اللحية وتقصير الثوب، هذا من الالتزام، لكن ليست كل الالتزام؛ لأن من الشباب من يلتزم بهذين الأمرين ثم إذا جئت تفتشه تجد عنده من العظائم ما لا يعلمها إلا الله، فهذا يخدع نفسه والناس، ويضلل على الناس أنه ملتزم لحية طويلة وثوب قصير لكن عمله فاسد، لا. نحن نريد التكامل في حياة المسلم والشاب الملتزم، نريد لحية معفاة وثوباً قصيراً، وأيضاً يكون عنده حساسية في كل الأوامر والنواهي، أما أن يهمل هذه الأوامر، ويضلل الناس بهذه، ويضلل نفسه؛ لأنه إذا رأى نفسه هكذا قال: أنا من الملتزمين، لكن الغيبة يأكل بها حتى يموت، وإذا هو في الليل وليس ثمة أحد قام يسمع الأغاني لوحده، وثوبه قصير ولحيته طويلة ويسمع الأغاني، وإذا دخل عليه شخص أغلق الراديو لماذا؟ لأن الناس سوف يقولون: لماذا تسمع الأغاني وأنت مطوع؟! فهو يستخفي من الناس ولا يستخفي من الله، يخاف من الناس ولا يخاف من الله، إذا مشى في الشارع تلفت هل أحد يراه، إن كان رأى أحداً مشى معتدلاً، وإن كان لا يوجد أحد فتح عيونه في النساء، ولحيته طويلة وثوبه قصير، هذا يضلل نفسه ويضلل الناس، نريد التكامل -يا إخواني- لا نريد أن يفهم من الدين أنه الظاهر فقط، ونحن لا نقلل من شأن الظاهر، الظاهر له أهميته في الدين، لكن المعول على الباطن، إنما ينظر إلى البواطن لا إلى الظواهر، الله ينظر إلى الأعمال كلها متكاملة، من تخدع، يمكن أن تضلل الناس في الدنيا وتخدعهم وتقول أنك وأنك، لكن ربك يعرف ماذا في قلبك، إي نعم. يقول الله تعالى: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم:٣٢] . والتقوى عمل قلبي هنا موجود في الصدر، ولا يعني هذا أن يأتي شخص من الناس يحلق لحيته ويطول ثوبه ويقول: التقوى هاهنا، نقول: لا ما هنا التقوى؛ لأنه هناك مثل يقول: "من خش في المزقف تبادى على الضيف" وإذا وجدت كرامة في المطبخ تحصل وتخرج على الضيف، لكن إذا هنا إيمان يخرج على الناس، وإذا هنا نفاق يخرج على الناس، التقوى هاهنا وآثارها على الجوارح، أما التقوى هاهنا واللحية محلوقة، والدخان في جيبك، وشريط محمد عبده وشيطانه في جيبك وفي سيارتك، ووتنام إلى الساعة السابعة ولا تصلي الفجر في المسجد، ثم تقوم تغسل وتنقر أربع ركعات، اثنتين اثنتين وتذهب تصلي ووجهك أغبر وعيونك معمشة وربك ساخط عليك والشيطان قد بال في أذنيك، وتقول: التقوى هاهنا، فليس هنا تقوى، وما هنا إلا فسق، وعدم خوف من الله ﵎. فأخونا هذا يقول: إنه تاب، فجزاه الله خيراً.

стр. 194

حكم التوبة ثم الرجوع إلى بعض المعاصي السؤال أنا أصلي الأوقات كلها وأحياناً أصلي في بعض الأيام اثنتين وتسعين ركعة، ولكن أحياناً يأتي عليّ ظرف فلا أصلي إلا الفروض فقط والرواتب ولا أصلي بقية النوافل؛ لأنني يوم كنت صغيراً كنت أترك الصلاة أحياناً، وأصوم كل اثنين وخميس وثلاثة أيام من كل شهر أي: الأيام البيض، فهل لي من توبة؟ رغم أنني أتوب شهراً وأرجع أحياناً إلى بعض الأمور مثل بعض المعاصي، ولكن قبل أسبوعين عدت إليها وتبت إليها الآن فهل لي من توبة؟ الجواب نعم، وما تغسلك إن شاء الله جهنم، بل تغسلك توبة الله ورحمته، ما دمت على هذا الوضع وأنت الآن في زمن المهلة، وتتوب إلى الله فأبشر بأن يغسل الله كل ذنوبك هذه بالتوبة والرحمة والمغفرة، ثم يبدلها وينقلها من ديوان السيئات إلى ديوان الحسنات، لكن اثبت، إي نعم. لا تكن لعبة للشيطان، تتوب الآن وتعود غداً، فالشيطان يضحك عليك، يقول: هذا دجال هذا ليس بتائب، التائب جبل راسخ، إذا تاب تاب؛ لأنه يخاف من سوء العاقبة، فيمكن لو مت الآن وأنت في أحسن حالاتك الإيمانية فاحمد الله، لكن يمكن تنهزم في لحظة من اللحظات، وترجع وعلى أمل أنك تقسم وتموت ثم تموت والعبرة بالخاتمة، فأنت تقول: يا مسلم سلم، إذا شرقت عليك الشمس تقول: يا رب! ثبتني ولا تغرب شمس هذا اليوم إلا وأنا ثابت، فإذا غربت الشمس تقول: يا رب! ثبتني هذه الليلة حتى أصبح، فإذا أصبحت فقل: يا رب! وهكذا، كل يوم تشرق فيه الشمس اطلب الله الثبات إلى المغرب، ثم اطلب الله الثبات من المغرب إلى العشاء، واعتبر أنه في سجلات اليوم آخر يوم لك. أنت تحت التهديد والخطر، كلنا سوف نموت، من منا الآن عنده وثيقة أنه سوف يموت بعد زمن معين؟! الأمر صادر علينا بالإعدام كلنا، ولكن مواعيد الإعدام مغيبة عنا، ويمكن هذه الليلة هناك ناس سيموتون من أهل هذا المجلس، ويمكن غداً سيموتون، يمكن بعد غد، وما دونه لا نعرف، يجب أن نكون دائماً تائبين إلى الله .

стр. 195

أهمية القدوة الحسنة للدعاة والصالحين السؤال أرجو توجيه كلمة عن أهمية القدوة في الإسلام؛ لأن كثيراً من الناس يجادلوننا قائلين: إن الشباب الملتزم المتدين لا يجدِّون في أعمالهم، ويعتبرون الدين فقط مظهر كالصلاة والصيام وغيرها، فأرجو التنبيه إلى ذلك؟ الجواب أيها الإخوة! نحن دعاة إلى الله بالمظهر والمخبر، وبالسلوك وبالجدية في العمل، وأيضاً بعض العصاة يأخذ علينا هذا المأخذ، إذا رأوا مؤمناً ملتزماً في تدينه لكن في الدوام لا يأتي إلا متأخراً، ويخرج، ولا يمشي عمله، قالوا: انظروا المطوع، يأكل حراماً، ويقول: صلوا، وهو لا يأتي إلا آخر شخص، لا. ينبغي أن تكون مطوعاً وأول الناس في دوامك، وأخلص الناس في عملك، وأكثر الناس إنتاجية، وبهذا تكون داعية حقيقة.

стр. 196

حكم كشف المرأة وجهها للأقارب غير المحارم السؤال سؤالي هو من منطوق نقاش دار بيني وبين أحد زملائي حول كشف المرأة على أقاربها مثل أبناء أعمامها وعماتها، وكشف زوجة الأخ على أخيه، فنحن نعلم أن حديث الرسول ﷺ : (الحمو الموت) في الخلوة؟ الجواب من قال لك: في الخلوة، هذه مشكلتك، الحمو الموت في الخلوة، لا. الحمو الموت في الخلوة والجلوة، مع الناس ولوحده، ولا يجوز أن تكشف المرأة لابن العم ولا لابن الخال ولا لأخ الزوج، سواء خالية أو معها أحد؛ لأنه أجنبي عنها، وخذوها قاعدة: من الذي يحل له أن تكشف له المرأة أو تحرم؟ هناك المحرمات تنقسم إلى قسمين: محرمات على التأبيد، ومحرمات على التوقيت، يعني: مؤقتة، تزول الحرمة بزوال المؤثر. -فمثلاً- زوجة أخيك المسلم، جارك متزوج هل تحل لك زوجته الآن وهي متزوجة؟ لا تحل لك، لكن لو مات عنها زوجها، أو طلقها ماذا تصبح لك؟ حلال، فهي محرمة عليك؛ لأنها متزوجة، فإذا ذهب المؤثر زالت الحرمة وبقيت حلالاً لك. فهذه المحرمة على التأبيد يجوز كشف الوجه عليك؛ لأنها لا تحل لك الآن ولو بعد حين، والمحرمة على التوقيت التي يمكن أن تكون لك زوجة إذا زال سبب التحريم، هذه يحرم عليك أن تكشف عليها -فمثلاً- زوجة أخيك، لو مات أخوك لتزوجتها من بعده، لو طلقها أخوك لتزوجتها من بعده، أجل لا يجوز أن تكشف عليها، حكمها مثل حكم امرأة الجار، فلا فرق بين الاثنتين، كذلك بالنسبة لزوجتك ابن عمها، هو لا يحل له أن يتزوجها؛ لأنها امرأتك الآن، لكن لو طلقتها جاز له أن يتزوجها، ابن عمها أو ابن خالها، فلا مجال للنقاش في هذا الموضوع. وعليك أن تتوب إلى الله ، وعليك أن تقنع إخوانك بأنه لا مجال لكشف الوجه إلا على من أباح الله. أسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يوفقني وإياكم في الدنيا والآخرة، وأن يأخذ بقلوبنا إلى ما يحبه ويرضاه. والله أعلم. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 197

من أسباب عذاب القبر الديون والنياحة [١١] الدّيْن من الأسباب المؤدية إلى عذاب الميت في القبر، إذ إن الدين هو من حقوق العباد، والله لا يتجاوز عن العباد حتى يأخذ لكل صاحب حق حقه من الآخر. أما النياحة التي تعد من صفات الجاهلية فهي أيضاً من أسباب عذاب القبر، فإن شرها لا يقتصر على الميت فقط، بل ويمتد إلى الحي الذي يتعرض لسخط الله؛ لأن النياحة هي تعبير عن الجزع من أقدار الله .

стр. 198

الاعتصام بالقرآن والإيمان نجاة من عذاب القبر إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن نبينا محمد عبده ورسوله ﷺ وعلى آله وصبحه وسلم تسليماً كثيراً. وبعد: فلقد بث الله في هذا الكون المنظور، وأنزل في كتابه الكريم المقروء، وأقام من الحجج الباهرات والدلائل الواضحات ما يقيم به الحجة على الناس بمعرفة الطريق إليه ﴿رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء:١٦٥] .

стр. 199

بصائر الله حجج على عباده بصائر وأنوار وهدايات لكن لا يراها إلا أهل الإيمان، وأهل العيون التي فتحها الله على نوره وهدايته. الحق شمس والعيون نواظر لكنها تخفى على العميان الأعمى لا يرى الشمس، ولا يضر الشمس عدم رؤية الأعمى لها، ليس عيباً في الشمس ألا يراها الأعمى، فهي شمس يستفيد منها العالمين وإن لم يرها الأعمى. الحق شمس والعيون نواظر لكنها تخفى على العميان ويقول الآخر: قد تنكر العين ضوء الشمس من رمد وينكر الفم طعم الماء من سقم هذه البصائر يقول فيها الله في سورة الأنعام: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الأنعام:١٠٤] أي: قد قامت عليكم الحجج، ووصلتكم البراهين، فهي بصائر، وليست بصيرة واحدة. أولاً: فطركم الله على الإيمان، يقول الله : ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم:٣٠] . تركيبة الإنسان تركيبة تتلاءم مع هذا الدين، ولهذا يقول أحد السلف: من تأمل خلقة الإنسان يرى أنه مفصل للعبادة. أي: للركوع والسجود والقيام والقعود، كل هذه التفصيلات لتتلاءم وتتوافق مع عملية العبادة التي شرعها الله في هذا الدين. فالله فطركم على الإيمان، ودائماً الإنسان إذا لبس اللباس المفصل على قدره يرتاح فيه، فالله فطر الإنسان وخلقه وهو الذي شرع هذا الدين وأنزله، فكأن هذا الدين لباس مصمم على مقاسات هذه الفطرة وهذا الإنسان، فإذا لبس الإنسان لباس الفطرة وهو الإسلام عاش سعيداً، وإذا لبس لباساً ليس له لا شك أنه يتضايق، مثاله لو لبست حذاءً ورجلك مقاسها [٤٣] ولبست [٤٠] هل ستشعر بضيق وعدم راحة؟ بدون شك ستشعر بعدم راحة؛ لأن رجلك ستكون محصورة ومتضايقة، أو لبست حذاء مقاس [٤٧] فلا تستطيع أن تمشي لأنك تخبط فيها، لماذا؟ لأنك أعطيت رجلك غير المقاس الذي يصلح لها. وكذلك اليوم الناس حينما يرفضون دين الله وشريعته وهدايته وكأنهم يلبسون ألبسة ليست مفصلة على حجمهم، فلا يسعدون أبداً، بل يعيشون في عذاب وضيق، ولكن الفطرة التي فطر الله الناس عليها، يقول الله : ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤] بلى، يعلم ﵎ هذه الخلقة، والتركيبة، والفطرة التي فطر الناس عليها، يوائمها ويوافقها ويناسبها هذا الدين، فإذا جاء الدين وفق هذه الفطرة استراح الإنسان، وشعر بالسعادة والأنس والأمن والطمأنينة في الدنيا والجزاء العظيم في الآخرة بإذن الله، وإذا أعطاها لباساً غير لباسها لا يصلح، ولو حاول أن يغالط نفسه، مهما كان هذا اللباس، من دنيا، أو الملايين لا يشعر الناس بالسعادة؟ لأنهم يموتون بالعذاب، فهذه الملايين تكون سبباً في موتهم، يقول الله : ﴿فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا﴾ [التوبة:٥٥] بالملايين ﴿وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة:٥٥] . هل الأولاد لباس، بدلاً من أن يعيش الإنسان لنفسه فإنه يعيش لأولاده وزوجته؟ لا. يقول الله: ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوّاً لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ [التغابن:١٤] ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن:١٥] فما هو البديل؟ هل المناصب أو الإمارة والجاه والسلطة بديل؟ لا، ليست ببديل، ربما تكون هذه سبيل عذاب على الإنسان في الدنيا قبل الآخرة. إذاً: ما هو البديل الصحيح؟ إنه الإيمان والدين، فهذه بصيرة وهداية، بعد ذلك نزل الله كتاباً، وأرسل رسلاً، وجعل في الكون دلالات عليه، من أصغر جزء في المادة وهي الذرة، إلى أكبر جزء في الدنيا وهي المجرة، كلها دلالات على الله. وفي كل شيء له آية تدل على أنه الواحد هذا الشعر الذي ينبت في رأسك الآن، لماذا شعر رأسك هذا ينبت ويطول، وشعر حاجبيك هذا يقف عند حد معين من علم الشعرة أن تقف عند حد معين؟ ومن علم الشعر أنها تطول إلى حد معين؟ من علم الشعرة التي في الأجفان أن تصل إلى هذه المرتبة واحد سنتيمتر أو سنتيمتر إلا ربع أو نصف سنتيمتر وتقف، لو امتد شعر عيونك وصار طويلاً، ما رأيك كيف تكون؟ لا تستطيع أن تعيش. إذاً: من هدى هذه الشعرة وعلمها أن تصل إلى هذا المستوى وتقف، وهذا الشعر يطول إلى مستوى أبعد من ذلك من هو؟ إنه الله ﴿الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه:٥٠] . من الذي هدى هذه الأسنان، الأسنان التي تصعد وتنشأ في الفك العلوي وتنزل إلى تحت، لماذا لم تطلع إلى فوق، ومن الذي علم الأسنان في الفك السفلي أن تطلع إلى فوق؟ وبعد ذلك من علم هذا السن أنه يستمر في النمو إلى درجة معينة ويتوقف، فلا يطلع أبداً ولا يزيد هذا على هذا، كلها سواء، ما رأيك لو بقي السن على كيفه -مثل ما يقولون: إن الطبيعة خلقته- وطلع السن واستمر في النزول إلى أن يصبح السن في بطنك، والسن الثاني في رأسك، كيف تفعل؟ تظل تنشر أسنانك كل يوم، وكلما نشرته نبت لك سن، لا إله إلا الله! من علم السن هذا أنه ينبت، لا تطلع ثنية إلا وتحتها ثنية، وبعد ذلك ناب ويطلع تحته ناب، وبعد ذلك ضرس وتحته ضرس، لماذا؟ من أجل أن تستفيد منها، إذ لو طلع لك فوق الضرس وتحته ناب لا تستطيع أن تطحن الطعام، بل تخرب فقط ولا يطحن طعاماً أبداً، لو طلع من فوق قاطع -وهو الثنية- وتحتها ضرس تذهب لتقطع لا يمكن، لكن هذه تقطع وهذه تخرق وهذه تطحن، وبعد ذلك هذا الفك متقدم، ولذلك عندما تنظر إلى سنك تجد أن الفك متقدم على الثاني، لماذا؟ من أجل أن تقص مثل المقص، المقص يجب أن يختلف حداه، لو جئت إلى المقص وتركت السنتين سواء فإنه لا يقص. وأوجد لك داخل هذا الفم هذا اللسان مثل المحرك، يأخذ الطعام ويقلبه ويطلعه وينزله، وهنا غدد تفرز اللعاب على الطعام بقدر الطعام، ولا يمكن لأحد أبداً أن يعض لسانه، كم لك تأكل من يوم خلقت؟ هل جاء يوم من الأيام -لعله نادر- غلطت بسبب نهم منك أو جشع، أو أكثرت من الأكل فعضيت لسانك، فإذا عضيته قلت: آه، ولا تذوق الزاد ذلك اليوم. فما رأيك لو أنك كلما أكلت لقمة عضيت لسانك، لكان لسانك قد تقطع، من علم اللسان أن يتحرك هذه الحركة، ويمضغ ويبلع ويهضم ويقضم ولا يعضه سن؟ إنه الله الذي لا إله إلا هو، كل شيء في الكون لو تفكرت فيه لوجدت أن فيه دلالة على الله : ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الأنعام:١٠٤] .

стр. 200

وجوب الاكتفاء بالكتاب والسنة في التشريع هذا القرآن مملوء بالبصائر، من أول آية بدأ فيه التحدي ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة:١-٢] لا يوجد إنسان في الدنيا، يؤلف كتاباً ويظل فيه أعواماً حتى يتمه إلا ويقول: نعتذر على التقصير، ونرجو من القارئ الكريم أن يغض الطرف عن الخلل، وإذا لاحظ شيئاً فعليه أن ينبهنا، فإن أحسنت فمن الله وإن أخطأت فمني ومن الشيطان، هذا كله جهد البشر. أما كتاب الله فيقول الله فيه من أول آية من القرآن: ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة:٢] ليس فيه شك، تحدٍ صارخ لا شك فيه أبداً، وهاهو القرآن منذ ألف وأربعمائة سنة إلى يومنا هذا، وسيبقى إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ولا يوجد فيه أبداً آية تعارض الأخرى، يقول الله : ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ [النساء:٨٢] . الآن الأمم والدول تشرع تضع أنظمة وقوانين على مستويات كثيرة، ولكن لا يمر على التطبيق سنة، إلا ويدخلون تحسينات، وتعديلات، وتفسيرات، والمقصود من المادة كذا وكذا، والمقصود من الباب كذا، لماذا؟ لأنه من خلال التطبيق يتضح الخطأ، لكن من تطبيق كلام الله في حياة البشر لم يتضح ولن يتضح، يقول الله : ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ [الإسراء:٨٨] ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص:٢٩] كتاب ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:٤٢] . ولهذا رب العالمين يقول للناس: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ﴾ يخاطب النبي ﷺ ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ [العنكبوت:٥١] وهو دليل واضح على صدق رسول الله ﷺ ، كتاب كريم، مائة وأربعة عشر سورة، اشتمل على جميع ما في الأرض (فيه خبر ما قبلكم، وحكم ما بينكم، ونبأ ما بعدكم، هو الفصل ليس بالهزل، ما تركه من جبار إلا قصمه الله) هذا واقع، ومن ابتغى الهدى من غيره أضله الله (هو حبل الله المتين، والذكر الحكيم، والصراط المستقيم، من قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم) هذا الكتاب العظيم الذي جاء به الرسول ﷺ ، يقول فيه الإمام الصنعاني في بائيته: أما آن عما أنت فيه متاب وهل لك من البعاد إياب تقضت بك الأعمار في غير طاعة سوى أمل ترضاه وهو وسراب ثم قال: ولم يبق للراجي سلامة دينه سوى عزلة فيها الجليس كتاب كتاب حوى كل العلوم وكل ما حواه من العلم الشريف صواب فإن رمت تاريخاً رأيت عجائبا ترى آدماً مذ كان وهو تراب وشاهدت قابيل قتيل شقيقه يواريه لما أن أراه غراب ثم قال بعدها: ففيه الدواء من كل داء فثق به فوالله ما عنه ينوب كتاب

стр. 201

جزاء الاعتصام بكتاب الله وعاقبة العمى عنه يقول الله: ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [آل عمران:١٠١] هذه دلائل واضحة، لكن هذه الدلالات من يستفيد منها؟ أهل الأبصار والعيون، أما الأعمى يقول الله فيه: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَاناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة:١٢٤-١٢٥]-والعياذ بالله- ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ﴾ [فصلت:٤٤] أي: مخرقة لا يسمعون ﴿وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمىً﴾ [فصلت:٤٤] نعوذ بالله أن يكون علينا القرآن عمى ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج:٤٦] ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ﴾ [الأنعام:١٠٤] الذي يفتح عينيه على الله، وعلى كتاب الله، وقلبه لدين الله، وتوجه إلى الله ﴿فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ﴾ [الأنعام:١٠٤] أنت لا تعمل للجماد ولا للقبيلة، وإنما تعمل لنفسك، وإذا عييت قال: ﴿وَمَنْ عَمِيَ﴾ [الأنعام:١٠٤] لم يبصر الطريق؛ لأنه كلما قيل له اسلك الطريق المستقيم قال: لا. لا يريد الله، لا يريد طريق الله ، قال: ﴿فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا﴾ [الأنعام:١٠٤] دعه أعمى، ومن عاش في هذه الدنيا أعمى فهو في الآخرة أعمى، لا تتصور أنك تعيش هنا أعمى عن الدين وأن الله يفتح بصرك عليه يوم القيامة؟ لا. افتح بصرك وبصيرتك هنا على دين الله، يفتح الله بصرك وبصيرتك في الجنة إن شاء الله. أما أن تتعامى هنا عن الله، وتتجاهل دين الله، وتمشي على طريق الشيطان، تنظر وتسمع وتأكل وتسير في الحرام، وتبطش وتزني كل ذلك بالحرام، وتتقاعس عن الطاعات، وترفض دين الله، وبعد ذلك تريد من الله أن يقول لك يوم القيامة: عفوت عنك، لا. كن كما يريد الله هنا يكون الله لك كما تريد هناك، كن كما لا يريد الله هنا يكون الله لك يوم القيامة كما لا تريد، والجزاء من جنس العمل، والله يكيل لك يوم القيامة بمكيالك هنا، إن وفيت يوفي لك، وإن طففت فما في الآخرة إلا ويل ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ [المطففين:١] هذه الآية عامة، في المطففين في الماديات والمعنويات، الذي يطفف في المكيال مادياً -أيضاً- هذا يطفف عليه، والذي يطفف في مكياله في العمل الصالح -أيضاً- يطفف عليه، قال : ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ [الأنعام:١٠٤] . الحافظ لأعمالكم المسجل لخطراتكم هو الله، لستم بمفلوتين، وإنما كل شيء يحصى عليكم ويسجل، حتى الخردلة من العمل ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء:٤٧] حتى مثاقيل الذر يجزي بها، يقول الله : ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ [الزلزلة:٧-٨] . فلا تحسبن -يا أخي- أنك متروك، ولكنك محفوظ ومسجل، فإن حفظت حفظك الله، وإن ضيعت ضعت في الدنيا والآخرة، نعوذ بالله وإياكم من الضياع والضلال. ما زال الكلام متصلاً حول أسباب عذاب القبر، وقد ذكرنا في الماضي في عشر حلقات الأسباب التي ثبتت الأدلة الصحيحة عن رسول الله ﷺ أنها تسبب لصاحبها والواقعِ فيها عذابَ القبر، أي: الفترة البرزخية الواقعة ما بين الموت إلى البعث، هذه فترة لا يعلمها إلا الله، لا نستطيع أن نتحكم فيها، ولا يقدِّر عددها إلا الله فهو يعلمها، والناس في قبورهم إما أن يعذبوا وإما أن ينعموا، فالذين يعذبون هم الذين وقعوا في شيء من هذه الكبائر التي ذكرناها، مثل: عدم التنزه من البول، والنميمة، والربا، والزنا، والكذب، وغيرها من الجرائم التي وردت الأدلة أنها تورد الإنسان العذاب ومثل: الذي ينام عن القرآن، والصلاة المكتوبة ويهجر القرآن، هؤلاء يعذبون في قبورهم إلى أن يقوموا من قبورهم، ويكمل لهم العذاب -أعاذنا الله وإياكم من ذلك- وأيضاً هناك أناس ينجيهم الله من العذاب بأسباب تنجي من عذاب القبر، بمجرد ما يتمسك بهذه الأسباب يأتي القبر آمناً، إذا اجتنب الأسباب المعذبة وأتى بالأسباب المنجية، فإنه في قبره في روضة من رياض الجنة. ولهذا مر علي ﵁ على المقابر فقال: [إن ظاهرها تراب، وباطنها حسرات أو عذاب] وكان يقول: [يا أهل المقابر! السلام عليكم دار قوم مؤمنين -وبعدما يسلم يقول لهم:- أما الديار فقد سكنت، وأما الأموال فقد قسمت، وأما النساء فقد تزوجت، هذه أخبارنا فما أخباركم] يقول: ليس عندنا جديد، ماذا في الدنيا من جديد؟ إذا مات الشخص ماذا يحدث لماله؟ القسمة، ولبيته؟ السكن، وزوجته أن تتزوج، هذه الأخبار الجديدة، ليس هناك جديد عليها، يقول: هل عندكم من جديد؟ ثم يسكت ويجيب عليهم ويقول: [أما والله لو تركوا -يعني: لو أرادوا أن يتكلموا وتركت لهم فرصة للكلام- لقالوا: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة:١٩٧]] لا تتزودوا بالمال، فالمال إذا كان من الحرام كان زاداً إلى النار -والعياذ بالله- تزودوا من طاعة الله ﵎، فإن خير الزاد التقوى.

стр. 202

خطر الدَّين إن مما يحدث العذاب والحبس في القبر للميت: الدين، وهو يضر بالميت في قبره.

стр. 203

حرصه ﷺ على قضاء دين الميت عن سعد بن الأطول ﵁ (أن أخاه مات وترك ثلاثمائة درهماً، وترك عيالاً - يعني: أبناء- قال: فأردت أن أنفقها على عياله، فقال لي نبي الله ﷺ : إن أخاك محبوس بدينه فاذهب فاقضِ عنه) لا تشتغل بالحي، الحي إذا جاع خرج إلى السوق وقال: أعطوني، لكن الميت من يمنعه هناك من العذاب، من يكشف قبره ويقول: خذ هذه الحسنة؟!! وبعد ذلك عذاب القبر لا أحداً يصبر عليه، لو حبسك إنسان في غرفة وأعطاك أكلاً وشراباً وطعاماً وغيرها وأنت محبوس في غرفة لضقت، فكيف بك وأنت محبوس في حفرة مظلمة محددة، أطوالها بحجمك تماماً، وإذا قيل: وسعوا له؟ قالوا: ليس معه إلا عمله، وصدقوا. والله لو وضعوه في غرفة لا يوسع عليك إلا عملك الصالح. وبعد ذلك فوق هذا عذاب، إذا كنت باراً بأبيك أو أخيك أو قريبك فأول شيء تفكر فيه بعد موته ديونه، اسأل، اعلن، اتصل بمن تعرف أنه يتعامل معهم، هل عليه لهم دين إما أن يسامحه، أو تتحمله، أو تقضيه إذا كان هناك شيء موجود، المهم أن تسارع في قضاء دينه. قال: (فاقض عنه، قال: فذهبت فقضيت عنه ثم جئت، وقلت: يا رسول الله! قد قضيت عنه إلا دينارين، ادعتهما امرأة) يقول: كل شيء قضيته إلا دينارين ادعت امرأة أن الدينارين عنده ديناً لها. قال: (وليست لها بينة) لم تأت بدليل ولا بينة من كتاب أو شهود، على أن لها هذين الدينارين. فقال ﷺ : (أعطها فإنها صادقة) صلوات الله وسلامه عليه، تزكية الرسول لها بناء على الوحي، أوحي إليه بأنها صادقة في دعواها، ولهذا قال: أعطها. وروى البخاري في صحيحه أن رسول الله ﷺ قال: (إن نفس المؤمن معلقة بدينه) . ولكن بم يفسر هذا الحبس؟ ما نوع الحبس في القبر؟ يفسره الحديث الآخر الذي ورد عن رسول الله ﷺ والحديث رواه أبو داود والنسائي والحاكم والبيهقي وهو صحيح على شرط الشيخين، هذا الحديث يرويه سمرة بن جندب، قال: (إن النبي ﷺ صلَّى على جنازة، فلما انصرف قال: أهاهنا من آل فلان أحد؟ فسكت القوم) ، وكان إذا ابتدأهم بشيء سكتوا، لم يكونوا مستعجلين، أن هذا رسول نبي، لا يتكلم الواحد منهم بكلمة إلا وقد وثق منها. (فسكت القوم، فقال ذلك ثلاث مرات، هل هنا من آل فلان أحد؟ -لم يتكلم أحد- فقام رجل فقال: هأنذا، فقام يجر إزاره من مؤخرة الناس، فقال له النبي ﷺ : ما منعك في المرتين الأوليين أن تكون أجبتني؟ -سألت مرتين ولم تجب، لماذا لم تجب إلا في الثالثة؟ - أما إني لم أنوه باسمك إلا لخير، ثم قال: إن فلاناً -وهو رجل من أقارب هذا الرجل، من الأسرة، من آل فلان- مأسور بدينه عن الجنة -محبوس عن النعيم في القبر وعن الجنة بسبب دينه- فإن شئتم فافدوه، وإن شئتم فأسلموه إلى عذاب الله) لأنه لا يوجد في القبر إلا نعيم أو عذاب، فهذا الدين حجبه وحجزه وحبسه عن نعيم الله والجنة، وبالتالي ماذا يصير له؟ لا يجلس بين الدارين، لا يوجد في الآخرة إلا دار في الجنة أو دار في النار، فأسلموه إلى عذاب الله، قال الرواي سمرة: (فلو رأيت أهله وهم يتحرون أمره؛ قاموا فقضوا عنه حتى لا يطلبه أحد بشيء) .

стр. 204

التوسع في الديون يرهق الورثة عند قضائها مما ينبغي لك يا عبد الله! ألا تسبب لنفسك مشكلة بكثرة التوسع في الديون، على أمل أنك إذا مت يقضى عنك، إذا أنت لم تراع نفسك فلن يراعيك الناس؛ لأن من الناس من هو متهور في تصرفاته، يخبط باليمين وباليسار، ولا يدع مشكلة إلا ويدخل فيها ويتوسع على غير إمكانياته، حتى يوقع نفسه فيعيش طوال حياته مديوناً، ويوقع من بعده في قضاء الديون، ويوقع نفسه هو في الحبس في القبر عن النعيم، والعيش في العذاب بسبب الديون، وكان في إمكانه لو كان عاقلاً وحكيماً أن يعيش في اعتدال وتدبير بحيث يتوسع وفق الإمكانيات، لا يتوسع أكثر مما معه، إذا كان عنده إمكانيات والله وسع عليه، فلا مانع من التوسع في الحلال ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف:٣٢] . ليس من حقك أن تستدين على حساب غيرك، فهذا لا ينبغي، ولهذا جاء في الحديث أن من ضمن الثلاثة الذين لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولا ينظر إليهم ولهم عذاب أليم: (عائل مستكبر) . أي: فقير ويتكبر بحق الناس، ودائماً لا تراه إلا يتوسع في كل شيء، السيارات كل سنة يقوم بتغييرها، والبيت يغيره كل سنة، الموكيت من الدرج إلى الحمامات، وكذلك المجلس يغير فراشه الوثير، ويغير ذهب المرأة، يبيع الأول ويشتري بدلاً منه بزيادة أموال يدفعها من أجل أن تقول: الله يطيل في عمرك يا أبا فلان! وتظل تنفخه بهذه الدعاوي الكاذبة، من أجل أن توقعه في الديون، وإذا ذهب إلى القبر قالت: الله يلهب عظامك، من الذي قال لك تفعل كذا، وهو الذي كان يضعها في موكيتات وثلاجات وذهب وملابس، لكن لما مات ما اهتمت به؛ لأنه لم يرحم نفسه حتى ترحمه امرأته، وما رباها على الإيمان والدين، ولا ربها على الاقتصاد والتدبير، وإنما ربها على التصرف الغير لائق. وبعد ذلك ليس عنده شيء، ماذا يفعل يذهب ويستدين، إما أن يستقرض من البنوك بأرباح ربوية فيهلك نفسه في الدنيا والآخرة، وأما أن يذهب فيأخذ له ألف كيس أرز، سعر الكيس الأرز مائة وخمسون ريالاً، ويبيع الكيس بمائة ريال، يعني: اشترى ألفاً بمائة وخمسين ألفاً سجلت كديون عليه، وباعها بمائة ألف، وأخذ مائة ألف ريال في يده، وقال: يا شيخ! الآن نتصرف وكل شيء يهون والقضاء من الرواتب، وصار مديوناً بمائة وخمسين ألفاً، يرهن فيها بيته أو مزرعته وبعضهم -والعياذ بالله- لو جاز أن يرهن أولاده لرهنهم، ويأخذ المائة ويذهب يشتري بها سيارة، قال: والله أنا أريد (جمس) من أجل أن يوسع على عياله، يتوسعون لا مانع لو كان عندك شيء، لكن لماذا توسع على العيال وتصبح مديوناً، امش على رجلك، صبرك على نفسك ولا صبر الناس عليك. بعضهم يستدين ليأخذ أهله في عطلة الربيع، شخص قال لي: إنه ذهب في عطلة الربيع وخسر في جدة أكثر من خمسة وعشرين ألفاً، أخذ بيتاً لوحده، أجرته باليوم ألف ريال، استأجرها مدة أربعة عشر يوماً بأربعة عشر ألفاً، على شاطئ البحر يقول: من أجل الأولاد يفرحون، قلت: من أين الأموال؟ قال: والله دين أتينا بها من هنا ومن هنا ويفرجها ربك، أربعة عشر ألفاً، وأحد عشر ألفاً هذه قيمة الأكل، بعض الليالي لا يتعشى هو وعياله إلا بخمسمائة (طلب خاص) وهو جالس بالشقة، يتصل بأرقى المطاعم، يقول: هاتوا لنا عشاء، متى؟ الساعة الثانية عشر ليلاً، يتعشى وبعد العشاء ينامون إلى الظهر، فلا يصلون الفجر ولا الظهر ولا العصر، وليس معهم شيء. راتبه في المرتبة الثامنة، أظن راتبه ستة أو سبعة آلاف ريال، لا تعمل له شيئاً، وبعد ذلك البيت الذي يسكنه ليس له وإنما بالإيجار، والديون وراء ظهره. هذا -يا إخواني- سفيه، إي نعم. سفيه في تصرفه وفي طريقة حياته، لا توقع نفسك في الدين، مد أرجلك على قدر فراشك، إن كان فراشك طويلاً فتمدد، وإن كان فراشك قصيراً فتكفكف؛ لأنك إذا مددتها بردت، أو تأتي عقرب فتلسعها، أو يأتي ثعبان يلتقمها، فالإنسان يبقى مستوراً في دائرة دخله، وإذا منّ الله عليك بالرزق ووسع عليك تبني لعيالك بيتاً واسعاً، لا مانع من هذا، وتفرش فراشاً طيباً من الحلال لا مانع، بدون ديون، المهم الدين، نم وأنت ليس عليك دين، والله لو نمت في عريش، ولو لبست كيساً، وخرقت له من يدك ورجلك ورقبتك، والله لا أحد يقول لك شيئاً، وعلى ذلك تنام وأنت آمن قرير العين، ولو مشيت حافياً، لكن لو تمشي في سيارتك، وتسكن في فلة وملابس وأنت مديون ملاحق ما الفائدة؟ بعض الناس لا يفصل الثوب إلا بستمائة أو بسبعمائة، والحذاء يشتريه بثلاثمائة (إيطالي) بإمكانه أن يأخذ بالثلاثمائة عشرة أنواع من الأحذية تكفيه إلى أن يموت، لكن سوء التدبير -والعياذ بالله- يوقع الناس في مثل هذه المعضلات، فيهلكون أنفسهم في الدنيا، ويثقلون على أولادهم بعد موتهم، ويحرمون أنفسهم من نعيم الجنة، ويوقعون أنفسهم في عذاب النار بسبب هذه التصرفات الغير مسئولة، والغير معقولة ولا مقبولة.

стр. 205

وجوب الاحتراز من الوقوع في الدين أنت الآن رجل، وكلكم بفضل الله شباب، ومن تجاوز مرحلة الشباب يجب أن يستفيد من هذه التجارب، ليس ضرورياً كلما استلمت راتبك ذهبت وقلت: سوف أتعشى هذه الليلة في أسفل العقبة، أريد أن أتعشى تيساً حنيذاً بأربعمائة أو خمسمائة، لماذا؟ لماذا تتعشى بثلاثمائة أو أربعمائة في المطعم؟ لماذا تتعشى أنت وزملاؤك بستمائة أو بسبعمائة؟ لماذا لا تأخذ التيس بثلاثمائة؟ من السوق وتذهب به إلى أهلك وتضعه في ثلاجتك يأكلون منه شهراً، ويدعون لك، أما أن تأكل أنت والناس وهي وجبة، وتضع فيها تيساً فلا. ولكن ضع علبة عصير وحلوى بنصف ريال وانتهى، والتيس الذي أكلته سيخرج، ولكن بصعوبة، كما يقول ابن القيم ﵀: كلما أكلت طعاماً بسعر مرتفع يكون الخراج خسيساً، لا. بل استفد من التجارب، وحاول أن تقتصد في إنفاقك، ولا تتصرف ولا تنفق ريالاً إلا في الوجه الشرعي. باختصار: وفر، وبعد ذلك إذا زاد شيء أنفقه في أمور الآخرة، بدلاً من أن تتعشى بثلاثمائة ريال، تعشى في بيتك والثلاثمائة هذه قم بإرسالها للإخوان المجاهدين، تطعم بها مائة مجاهد، هذا أفضل أم لا؟ والله أفضل، لكن ما أكرمنا على بطوننا وما أبخلنا في وجوه الخير، أما على البطون ما شاء الله، ترى بعض الناس يذبح ثلاثة أو أربعة كباش ويجمعها وبعد ذلك يرميها، وإذا قيل له: تبرع بعشرة من الريالات، وهذه الثلاثة أو الأربعة الخرفان ليست لله، يقول: الزاد للعيون، أي: للرياء والنفاق والكذب، لا. العيون لا تأكل، وإنما الزاد للبطون، ضع للضيف بقدر حاجته، لا تزد فوق حاجته، فإنك إن زدت فقد أسرفت، وإن أنقصت فقد بخلت، والإسراف والبخل ممقوت، وطريق الشرع الكرم وهو: إعطاء الضيف ما يكفيه، أما أن تعطيه أكثر مما يكفيه، فهذا إسراف، والله يقول: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ [الإسراء:٢٩] . وقال: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً﴾ [الفرقان:٦٧] فما يشهده الناس اليوم شيء -والله- يحزن، لا يوجد شخص مستريح، لماذا؟ لأن طموحات الناس وأهدافهم لم تتوقف عند حد، وإنما كل شخص يبحث عن الآخر، يعني: تطاحن وتسابق من أجل التوسع في الدنيا، حتى ولو عن طريق الحرام، تجد الموظف يؤخر المعاملات ويطلب إضافات لماذا؟ يريد أن يقابل زيادة المصاريف، تجده يتحايل على النظام ويريد أي مهمة، يترك المعاملات ويريد انتداباً، ولو كان إضافات في يوم قال: لا أستطيع أن أنتهي منه في يوم، هذه مهمة طويلة وعريضة تحتاج وتحتاج، ويأخذ عليها أسبوعاً، وبعد ذلك يقضيها في يوم ويذهب لينام مع امرأته ستة أيام، ويقدم بياناً بالانتداب ووثيقة المهمة، ويأخذ أجرة سبعة أيام حراماً، المهمة تحتاج إلى يوم إن كان صادقاً، لماذا تأخذ حراماً؟ لا حول ولا قوة إلا بالله! فهذه -أيها الأخوة- أسباب توسع الناس في الدين، وينبغي أن نقابل هذه الأسباب بالرفق، وأن نتوسع في حاجياتنا وفي أمور معيشتنا على قدر إمكانياتنا، فمن وسع الله عليه فليوسع على نفسه وأطفاله في دائرة الحلال، وبغير إسراف ولا تبذير؛ لأن الإسراف والتبذير نهى عنهما رسول الله ﷺ ولو كنت تتوضأ من البحر، البحر لا ينقص من وضوئك، لكن الإسلام يربي فينا الاقتصاد والتدبير، ولا يربي فينا الإسراف أبداً ولا التبذير؛ لأن الإسراف والتبذير من أخلاق الشياطين ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ [الإسراء:٢٧] أما المؤمن مقتصد، ينفق على قدر ما ينبغي، يلبس ثوباً لا مانع، لكن يلبس ثوباً بثلاثين، بأربعين، بستين، بمائة لا مانع، أما أن يلبس ثوباً بستمائة فلا، يلبس أحذية بعشرين بأربعين لا مانع، لكن لماذا بثلاثمائة؟ لا. عليك أن تقتصد في حدودٍ معينة، والباقي إذا كان عندك زيادة أنفقها لمن يحتاجها، وإذا لم يكن عندك شيء فتبقى في دائرة حاجتك، هذا هو الأمر الأول الذي يعذب الإنسان ويحبس عن الجنة بسببه وهو الدين. وبعد ذلك فالدين كما يقول العلماء: الدين هم بالليل ومذلة بالنهار، تلاحظ المدين يتقلب في الليل وهو يحسب الدين الذي عليه، وإذا خرج بالنهار تراه يتشرد كلما رأى صاحب الدين، أبعد السيارة منه، وهرب، لماذا؟ قال: والله لا أستطيع أن أخرج إلى السوق، لماذا؟ قال: والله كل واحد يطلبني، وإذا أمسكوا به أوصلوه إلى الحقوق المدنية وأتوا به إلى السجن وقالوا: هات الأموال أو اقعد في السجن، قال: من فضلكم أمهلوني أبحث لي عن كفيل مذلة. وأتوه بجندي يسحبه، ذهب إلى هذا قال: اكفلني. قال: والله لا أستطيع أن أكفلك أنا موظف والكفالة لا يقبلونها، ذهب إلى ذلك قال: والله لا أستطيع، صحيح إني أعرفك وبيني وبينك صداقة، لكن افرض أنك غداً لم تسدد فإنهم سيجعلونني في مكانك، لا والله أنت تبقى مكانك، لم يقل لك أحد أن توقع نفسك، وتريد أن تضعني مكانك، الكفالة ندامة الآن وفيما بعد، اتركني وإياك على ما كنا عليه، وإذا أنا غداً مكانك وإذا بك تكرهني وأكرهك، أنا الآن أحبك وتحبني لكن من بعيد! لماذا تورط الناس؟ لماذا تظل تحرج الناس؟ من أجل أغراض زوجتك ومطالب أبنائك وتوسعاتك على الديون؟ لا. لا تتوسع ولا تحاول أن تشتري شيئاً، إذا كنت تريد أن تشتري سيارة فاشتر سيارة بالأموال التي معك، معك ثمانية آلاف خذ موديل (٨١) ، أو (٨٠) أو (٧٩) ، أو أي (موديل) ، ما دام أنها صالحة فخذها، لكن بعض الناس يكون معه (٨٠٠٠) ريال وقال: والله أريد (٨٩) ، وذهب ليشتريها وأتى بشخص يكفله في (٤٠٠٠٠) ريال، وظل يثقل كاهله هذا الدين سنوات طوال، وكلها سواء، (موديل تسعة وثمانين) (وموديل ثمانين) كلها صالحة للسير في الأرض، لكن ضحكوا علينا (بالموديلات) وإلا كلها سواء، بل القديم أحسن من الجديد، وإذا خربت في القديم قطعة بدل قطعة بقطعة، إذا كنت لا تريد أن تبدل السيارة كلها، إذا كانت (الفرامل) لا تمسك بدل لها (قماشاً) بثمانين ريالاً، إذا احترقت (طرنبة) البنزين بدل لها (طرنبة) بمائة ريال، إذا (المكينة) تلفت اعمل لها إصلاحات بألف وخمسمائة ريال، لماذا تغير الجرم والهيكل كله، قال: والله يا أخي (موديل ٨٩) ممتازة جداً، ما هي علامة الجودة؟ قال: (الطيس تولع) ، وقال: وفيها مرايات في الجنب، (واصطبات) أمام السيارة فهذا شيء عظيم، ذهب يطمئن نفسه أنه سيجمع خمسين أو ستين ألفاً من أجل المرايات و (طيس) السيارة خطين، وبعد ذلك من أعلمهم بأن عقولنا خفيفة وطائشة، ليست ثابتة وقوية، سيضحكون علينا حتى بالألوان بالخطوط، أي: (موديل ٨٨) وضعوا خطين أصفر وأحمر، جاءت (٨٩) وضعوا خطوط جديدة، وهي هي نفس السيارة، فيذهب يبيع سيارته التي فيها خط أحمر وأصفر ويأخذ سيارة بخيط أخس لكن (٨٩) ، إذا عندك استمارة لا تقرأها (٨٨) ، اقرأها (٩٠) ، إذا عندك استمارة سيارة وموديلها (٨٥) اقرأها (٩٠) والرقم واحد فقط لا تغير في الاستمارة من أجل لا تصير مخالفة مرورية، لكن إذا أتيت تقرأها اجعلها (١٩٩٥) ، هذا السبب الأول.

стр. 206

حرمة النياحة على الميت السبب الثاني في هذه الحلقة وقد سبقه أسباب: بكاء أهل الميت على الميت يعذبُ به في قبره، روى الإمام البخاري قال: عندما طعن عمر بن الخطاب دخل عليه صهيب يبكي، يقول: وآخاه واصاحباه. وكان مصاب المسلمين في عمر مصاب جلل؛ لأن عمر ليس ككل الرجال، عمر ﵁ وأرضاه من طراز فريد، يقول النبي ﷺ فيه: (إن يكن في أمتي محدثون فهو عمر) كان يقترح على الرسول الله ﷺ الاقتراح فلا يوافقه الرسول وإنما يوافقه القرآن، الاقتراح يأتي من عمر والموافقة تأتي من الله. في غزوة بدر عندما الرسول ﷺ استشار الصحابة في قضية الأسرى ماذا يفعل بهم؟ أبو بكر قال: [يا رسول الله! أبناؤك وأبناء عمك] إخوانك كيف نفتدي بهم؟ أسرى بدر من الكفار، وسأل عمر، فقال: [يا عمر! ما رأيك فيهم؟ قال: أعداؤك وأعداء دينك، أخرجوك وقاتلوك، اقطع رقابهم يا رسول الله!] فالرسول ﷺ رحيم بالأمة، لم يخير بين أمرين إلا اختار أيسرهما وأسهلهما، فاختار رأي أبي بكر، وقبل منهم المنّ فمنهم من أعتقهم ومنهم من أخذ منه فدية، ومنهم من جعل فداءه تعليم القراءة والكتابة للصحابة، وبعد ذلك نزل قول الله تأييداً لرأي عمر، وقال الله : ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنفال:٦٧] وبعد ذلك يقول: ﴿لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال:٦٨] قال ﷺ : (لو نزلت نار من السماء لأحرق الله أهل هذا الوادي إلا عمر) . هذا عمر فاروق الإسلام، كان إسلامه نصراً، وهجرته فتحاً، وإمارته رحمة، يقول: [والله لو عثرت شاة في العراق لكنت مسئولاً عنها يوم القيامة لما لم تمهد لها الطريق] . وكان يطوف في الليل، لم يكن عمر ينام في الليل أبداً حتى قالوا له ﵁: [نجعل لك فراشاًُ -وهو أمير المؤمنين- قال: لا. لا أريد فراشاً، قالوا: لتستريح فيه وتنام، قال: لا. إن نمت في الليل ضيعت نفسي، وإن نمت في النهار ضيعت رعيتي، ما لي وللنوم] يقول: ليس هناك نوم، فكان يجلس تحت ظل شجرة أو ظل جدار وهو أمير المؤمنين، وثيابه مرقعة ومعه ثوب فيه ثلاث عشرة رقعة، ولما خطب يوم الجمعة، صعد وهو يلبس ثوبين، وقال: [اسمعوا وأطيعوا، فقام أعرابي وقال: والله لا نسمعك ولا نطيعك، قال: لمَ؟ قال: عليك ثوبين، ونحن ليس لنا إلا ثوباً واحداً، قال: أين عبد الله بن عمر؟ قال: هأنا يا أمير المؤمنين، قال: الثوب الذي عليّ أليس هو ثوبك؟ قال: نعم. والله إنه ثوبي وأعطيتك إياه، قال الأعرابي: أما الآن سمعاً وطاعة، ما دام أنه ثوب ولدك، فثوب ولدك لك] وأين نحن من عمر -يا إخوان- أين هذا الطراز؟ لا إله إلا الله! كان يطوف في الليل ولما مر في الليل وهو يتفقد أحوال المسلمين، سمع طفلاً يبكي، فحنَّ قلبه ورق له، ذهب ورجع وإذا به يبكي، فدق الباب على أمه قال: أسكتي غلامك فإنك أم سوء -يقول: أسكتيه وأرضعيه- قالت: كيف أسكته وعمر يعطي خراجاً لمن يفطم، فأنا فطمته من أجل أن يعطينا خراجاً من بيت المسلمين، فرجع إلى البيت، يقول عبد الرحمن بن عبد الله: والله ما عرفنا قراءته في صلاة الفجر من كثرة البكاء والنحيب، وهو يقول: ماذا تقول لربك يا عمر غداً. قتلت أولاد المسلمين؟ فما الذي جعل قلب عمر يكون في هذه الدرجة من الرقة والرحمة رغم أنه في الجاهلية قتل ابنته وهي حية، وكان يعبد الحجر، إنه الإيمان والإسلام يكشف عن المواهب، يجعل الحياة تتغير في كل شيء، لماذا؟ آمنوا بالله ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب:٢٣] آمنوا بالله وصدقوا المرسلين، هذا عمر ﵁ لما أصيب. وطعن، دخل عليه صهيب الرومي وهو يبكي ويقول: [واصاحباه وآخاه، فقال عمر: يا صهيب! أتبكي عليّ وقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه] فسكت صهيب ولم يبك.

стр. 207

أقوال أهل العلم في حقيقة تعذيب الميت ببكاء أهله كيف يعذب الإنسان في قبره والله يقول: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام:١٦٤] ؟ لِمَ يعذب الله الإنسان في قبره؟ وما نوع هذا العذاب والله عدل؟ وكيف يؤاخذ في قبره بأطفال آخرين بعده في الدنيا بكوا عليه وهو لا يدري وليس براضٍ، كيف يكون هذا؟ اختلف أهل العلم في الجواب على هذا السؤال على عدة أقوال: فبوب البخاري ﵀ صاحب الصحيح وقال: باب قول النبي ﷺ : (إن الميت ليعذب ببعض بكاء أهله عليه) قال: إذا كان النوح من سنة الميت، وهديه، وطريقة تعايشه، عندما كان حياً كان يعلم أبناءه النوح، ويسن لهم هذا النوح، ويأمرهم بالنوح، ثم مات فإنه يعذب ببعض بكاء أهله؛ لأن بعض البكاء لا يعذب الله عليه، البكاء الذي يخرج عن طريق الرحمة البشرية، العين تدمع، والقلب يحزن، ولا يقول الإنسان إلا ما يرضي الله، هذا لا يعذب الله عليه، لكن البكاء الذي يعذب الله عليه الذي فيه نوح، والنوح مأخوذ من نوح الحمام، والحمام إذا ناحت تصدر لها صوتَ هديلٍ وأنين، فالنياحة هي: إطلاق الأصوات على سبيل التضجر والتبرم والتسخط، وعدم الرضا بقضاء الله وقدره، فيعذب الإنسان بمثل هذا. أما البكاء الآخر الذي مصدره الرحمة والعاطفة بدون تسخط -الإنسان بشر يتأثر بكل الأحداث التي تحيط به- فهذا قد أباحه الشرع وفعله النبي ﷺ ، حينما مات ابنه إبراهيم نزلت دمعتان من عينه وقال: (إن القلب ليحزن، وإن العين لتدمع، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا لله وإنا إليه راجعون، وإنا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون) فهنا قيد البخاري ﵀ هذا الموضوع بكونه إذا كان النوح من سنته؛ لأن الله يقول: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً﴾ [التحريم:٦] أي: علموا أنفسكم وأهليكم من بعدكم ألا ينوحوا عليكم، ولا يبكوا حتى لا يكونوا سبباً في عذابكم. وممن ذهب إلى هذا الرأي الإمام الترمذي ﵀، فإنه روى حديث عمر، هذا الحديث الذي في صحيح البخاري: (إن الميت يعذب ببعض بكاء أهله) ثم قال: قال: أبو عيسى هذا حديث صحيح. وقد كره قوم من أهل العلم البكاء على الميت قالوا: الميت يعذب ببكاء أهله عليه، وذهبوا إلى هذا الحديث. وقال ابن المبارك: (أرجو إن كان ينهاهم عن البكاء عليه في حياته ألا يكون عليه من ذلك شيء) أي: قيدوا العذاب بمن رضي أو سن أو علم، أما من لم يرض ونبه على أهله، وقال لهم: لا تبكوا عليّ إذا مت ولا تنوحوا، فإنه إن شاء الله لا يعذب في قبره. وهذا الفقه للحديث هو مذهب الإمام القرطبي ﵀ فإنه قال: قال بعض العلماء: إنما يعذب الميت ببعض البكاء إذا كان البكاء بتوصية الميت واختياره، كما كان يقول في الجاهلية: إذا أنا مت فانعيني بما أنا أهله وشقي عليّ الجيب يا ابنة معبد يوصي زوجته، يقول: إذا أنا مت، فابكي عليّ بما أنا أهله، وأيضاً شقي عليّ الجيب يا ابنة فلان، ونسبها إلى أبيها من أجل أن تزداد بكاءً عليه، وكان هذا من شأنهم في الجاهلية. والنوح من عادات الجاهليين، من كان يحبه ولده أكثر ينوح عليه أكثر, وكانوا يستأجرون النائحات، وهن نساء عملهن النياحة ويسمونها نائحة. والنائحة تبعث يوم القيامة ولها سربال من جرب ودرع من قطران -والعياذ بالله- ما لم تتب، كانوا يعطون النائحة أموالاً، ويجعلونها تنوح من شروق الشمس إلى أن تغرب، وبعد ذلك ليست واحدة وإنما يأتون بعشر نسوة أو أكثر لغرض النياحة، كلما كان الرجل عظيماً جاءوا له بنائحات أكثر، وتستمر النياحة يومين وثلاثة وبعضهم شهراً, أو شهرين أو سنة تنوح -والعياذ بالله- بحسب منزلة الإنسان، ثم جاء الإسلام فألغى هذا كله، وبين أن هذا حرام؛ لأنه يتنافى مع مبدأ الرضا بالقضاء والقدر، والتسليم لأمر الله ، فإن الآمر بالموت هو الله، والذي ارتضى الموت هو الله، والعبد ينبغي له أن يسلم ويستسلم لأمر الله وشرعه ودينه. إن النوح ولطم الخدود وشق الجيوب من عمل أهل الجاهلية، وكانوا يوصون أهاليهم بالبكاء عليهم، وإشاعة نعيهم في الأنحاء، وكان ذلك مشهوراً في أخلاقهم ومذاهبهم، وموجوداً في أشعارهم وقصصهم. ولكن العلامة ابن القيم ﵀ تعرض لهذا الموضوع بشيء من التفصيل أكثر. أولاً: ضعف مذهب البخاري، والقرطبي والترمذي، ومن سلك في مسلكهم في فقه هذه الأحاديث، وقال: قد أنكر ذلك طوائف من السلف والخلف، واعتقدوا أن ذلك من باب تعذيب الإنسان بذنب غيره، وهو مخالف لقول الله : ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام:١٦٤] ثم تنوعت طرقهم في تأويل وشرح هذه الأحاديث الصحيحة، حديث البخاري صحيح ليس فيه كلام: (إن الميت يعذب ببعض بكاء أهله) كيف؟ فمنهم من غلَّط الرواة، ومنهم من شكك في الرواية، وشكك في السند، وهذا مردود، ومنهم من حمل ذلك على ما إذا كان من عاداتهم وسنتهم ووصيتهم، فإنه يعذب على ترك نهيه لهم، وهو اختيار أبو البركات ابن تيمية جد شيخ الإسلام، وهذا الأقوال ضعيفة جداً. هذا كلام ابن تيمية، ولكن الصحيح أن يقال -اسمعوا التفصيل-: إن الميت يعذب ولم يقل بالحديث إن الميت يعاقب -انتبهوا في التفريق؛ لأن العقوبة ماذا تكون نتيجتها؟ نتيجتها سلوك ارتكبه الإنسان، فهو يعاقب جزاءً وفاقاً لما ارتكب، لكن الحديث لم يقل: إن الميت ليعاقب في قبره، قال الحديث: (إن الميت ليعذب) والعذاب أعم وأشمل من العقاب، فإن العذاب ألم، وليس كل من تألم بسبب كان ذلك عقاباً له، ليس بالضروري أنك إذا تألمت بشيء أن يكون عقاباً لك، فإن النبي ﷺ قال: (السفر قطعة من العذاب) هل السفر عقوبة لك؟ عندما تسافر من هنا إلى مكة هل هو عقوبة لك؟ لا. أنت سافرت باختيارك، لكن نالك أثناء السفر راحة أو عذاب؟ عذاب كونك سافرت وركبت ووقفت وجئت، فالسفر قطعة من العذاب؛ لأنه يمنع الراحة والنوم والأكل والشرب، ويعرضك للموت، ويعرضك للحوادث، فهو عذاب، لكن هل هو عقوبة؟ لا. فليس كل عذاب عقوبة. والإنسان يعذب بأشياء مكروهة يشعر بها، وهي ليست عقوبة عليه، مثل: الأصوات الهائلة، عندما تنام في الليل وتسمع أصواتاً في الشوارع، أو في بيتك، ألست تتأذى بها؟ تتأذى وتتعذب، لكن هل هي عقوبة لك؛ لأنك فعلت شيئاً؟ لا. فأنت تأذيت وعذبت بشيء لم تكن سبباً فيه، وليس عقوبة عليك، أحياناً تصلي في المسجد بجانب شخص يصلي بجوارك وقد أكل ثوماً أو بصلاً أليس يؤذيك؟ يؤذيك لا شك؛ لأن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم، آذى الملائكة بأكله للبصل والثوم ومجيئه للصلاة بجوارك، هذا آذاك وعذبك أثناء صلاتك بالروائح الكريهة، لكنه ليس بعقوبة، وما عملت شيئاً حتى يعاقبك بهذا الفعل، فليس كل عذاب يجب أن يكون عقوبة لسلوك معين، لا. فإن الميت ليعذب، أي: يتأذى ولا يعاقب، يتألم ويتأذى، غير راضٍ لما يصنع من بعده؛ لأن هذا يخالف دين الله ، والإنسان في قبره يعذب ببعض كلام الناس، ويتألم برؤية بعضهم وبسماع كلامهم. ولذا أفتى أبو يعلى: بأن الموتى إذا عمل عندهم المعاصي فإنهم يتألمون بها، كما جاءت بذلك الآثار، فتعذبهم بعمل المعاصي عند قبورهم، كما تعذبهم بنياحة من ينوح عليهم، رغم أنها ليست بعقوبة يستحقونها، وهذا الفقه هو الذي صار إليه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وجاءت به الأدلة، فعن النعمان بن بشير ﵁ قال: [أغمي على عبد الله بن رواحة إغماءة في موته، فجعلت أخته تبكي -أخته عمرة - تقول: وا جبلاه، وا أخاه، تعدد صفاته، فلما أفاق قال لها: يا أختي! ما قلت شيئاً إلا قيل لي: أأنت كذلك؟] كلما قالوا: واجبلاه، قالوا له وهو في الإغماء: أنت كذلك؟ قالوا: فلما مات لم تبك عليه أخته، خوفاً من أن يعاقب، أو يسأل، أو يعذب في قبره ببعض الذي تبكي به عليه. بل إن المعنى ورد صريحاً في الحديث الصحيح الذي يرويه أبو موسى الأشعري: أن رسول الله ﷺ قال: (ما من ميت يموت فيقوم باكيه فيقول: واجبلاه واسيداه، إلا وكل به ملكان ينهزانه أهكذا كنت؟) رواه الترمذي والحاكم وصححه. وينبغي أن ينبه إلى أنه ليس كل من مات وبكي عليه يعذب، وإنما يعذب بالنياحة التي ورد النهي عنها في شرع الله، أما البكاء الذي يصدر من غير صياح ولا عويل ولا نياحة، فإن ذلك من شأن طبيعة البشر، ولا شيء فيه إن شاء الله. ونسأل الله الذي لا إله إلا هو! أن ينجينا وإياكم جميعاً من عذاب القبر والحشر والنار وأن يحفظنا وإياكم بطاعته في الدنيا والآخرة، والله أعلم. وصلى الله على نبينا محمد وآله صحبه وسلم.

стр. 208

الأسئلة

стр. 209

بر الآباء بتلبية طلباتهم السؤال إذا كان والدي يصر على أن يعمل أعمالاً تسبب له التعب، مثل رعي الغنم، وهو ضعيف وغير قادر على ذلك، وأنا وإخوتي نحاول أن نجعله يرتاح ولكنه يرفض فهل نحن عاقون له؟ الجواب إذا أرغمتموه على أن يجلس ويترك ما يريد هو ففي هذا عقوق، لا بد أن تعطوه ما يحب؛ لأنكم تريدون أن تطبعونه على عيشة ما عاشها. هو يحب أنه يخرج مع الغنم ويذهب في الجبال وفي الوديان، لا يريد العيشة في البيوت، بعض الآباء إذا أتيت به وجعلته في البيت وأتيت له بفراش كأنك حبسته أو سجنته، يقول: تريدني أن أقعد في البيت، آكل وأنام، دعني أسير في أرض الله، والآباء كانت طبيعة حياتهم هكذا، تركيبتهم أنهم يحبون الخلاء والذهاب والإياب، أما أن تريد الدار, تحسب أنت أن فيها راحة للناس، لا. راحة الناس في هواها، فإذا كان أبوك يريد أن يرعى أعطه الغنم ودعه يرعى، حتى يرتاح ويدعي لك، أما أن تسجنه، وتقول: الله يطول عمرك يا أبي تعال، وتجعل له الفراش قامة، وتغلق عليه لا، هذا سجن، دعه على ما يريد. بعض الآباء حتى مجرد قضاء الحاجة لا يريد أن يقضيها في البيوت، إذا جاء من القرية ودخل إلى ولده في المدينة، وأراد أن يتوضأ، قال: تعال هذا الحمام، قال: لا. أرني الخلاء أريد الوادي، فيمشي له كيلو أو اثنين كيلو من أجل أن يقضي حاجته فيه، ولا يرضى بالحمام، ويضحك من الناس، يقول: هكذا أهل المدن الواحد يرجع من الخلاء يضعها في بيته؛ لأنهم ما تعودوا على هذه الأمور، فأنت لا تستطيع أن تقصر أباك وتسجنه وإنما خيره، قل: يا أبي نحن نريد راحتك، إن راحتك معنا في البيت، فإن وسعتك الأرض وإلا عيوننا، كل شيء لك، وإن راحتك مع الغنم، نأتي لك بغنم، وإن راحتك بالمزرعة، جعلنا لك مزرعة ومعك عامل يعاونك، المهم ابحثوا عن رضاه، وبعد ذلك لاحظوا أن الحركة تولد النشاط، والشيبان الذي يجلسون في البيوت بدون عمل ينهدمون بسرعة، ويصابون بعدة أمراض، لكن الشيبة الذي يبقى في عمل ورعي والبلاد، يعمر بإذن الله ويعيش إلى أن يأتيه أجله وهو قوي؛ لأنه يستخدم هذه الأجهزة، وبالتالي الجهاز المستخدم يكون دائماً صالح، أما الجهاز المعطل يخرب، لو وقفت سيارتك سنة وجئت تشغلها لا تشتغل، (البطارية مخبطة) والكفرات مبنشرة، لماذا؟ لأنك وقفتها، لكن لو شغلتها طول السنة لا تخرب.

стр. 210

كيفية الالتزام بالحجاب في البيت مع وجود إخوة الزوج السؤال عندي إخوة كبار، ونحن في بيت واحد، وأرغب في الزواج، وزوجتي لا يحل لها أن ترى إخواني، والبيت صغير، فكيف أوفق بين طاعة والدي، وبين أن أحجب زوجتي عن إخواني، دلوني على أن أسدد وأقارب بين طاعة والدي، وتحجيب زوجتي؟ الجواب ليس هناك خيارات بين أن تحجب أو تطيع، لا بد أن تطيع والدك، ولا بد أن تحجب زوجتك. وأما كيف؟ فهذا من أبسط الأشياء، ولو كان البيت ضيقاً، فإن بيوت المسلمين من عهد النبي ﷺ إلى يومنا هذا ليست كلها وسيعة ومع هذا ما وجدوا حرجاً ولا مشقة في تحجيبهم لنسائهم، ولكن الحرج يوجد حينما يخرب القلب، وتكون طاعة الله ثقيلة على النفس، وأمر الله صعب التطبيق، أما المؤمنون فلا، لو كانوا كلهم أسرة وفي غرفة واحدة يستطيعوا أن يقيموا أمر الله . فنقول لك: اتق الله في نفسك، وأيضاً أشعر والدك قبل أن تتزوج بأنه منهج ودين يفرض عليك أن تحجب أهلك، وبالتالي تعلم إخوانك وتأتي بامرأتك في بيتكم الصغير، وسيكون لك غرفة، ففي غرفتك لا تتحجب، إذا خرجت من غرفتك إلى المطبخ ويوجد أحد في الطريق تتحجب، وليس هناك إشكال؛ لأنه لا ضرورة أن يقعد إخوانك في البيت طول اليوم، إخوانك كلهم في عملهم، وبمجرد أن يدخلوا توجد إشارة أنه فلان دخل، من حين يدخل تغطي وجهها إلى أن يذهب إلى غرفته، أو يمر يريد يتوضأ، يتنحنح أو شيء ليس فيه كلفة يا إخوان! طاعة الله ليست كلفة، بل المعصية التي فيها الكلفة، وبعض الناس تضيق نفسه بهذا الأمر يقول: ماذا أصنع في الأكل؟ نضع هنا سفرة وهنا سفرة، ولا نسمر سوياً، نقول: نعم هذا دين الله إن أردت الجنة، أو تريد أن تكشف وتسمرون وتنبسطون لكن بعدها لذعة، والله لا تصبر في النار لحظة، لحظة واحدة على عذاب الله، فيا أخي! اصبر على طاعة الله قليلاً، يكون رضى الله ثمرتك في الدنيا والآخرة.

стр. 211

حكم مداعبة الزوجة في نهار رمضان السؤال ما حكم من يعمل مع زوجته كل شيء إلا النكاح وهو صائم في نهار رمضان؟ الجواب الصوم يمنع المسلم من الطعام والشراب والنكاح، وما أفضى إلى النكاح فهو ممنوع؛ لأن ما أفضى إلى الحرام فهو حرام، ويكره جميع دواعيه من المباشرة للصائم مثل: القبلة والمداعبة، سواء كان يخشى على نفسه أو لا يخشى؛ وليس من العقل أن تقرب النار من البارود وتقول: لا تشتعلي، إذا قربت النار من البارود اشتعلت، خاصة إذا كنت شاباً، فتقول: لا. أنا أسلم وأنا سوف أمسك نفسي، لا. كن بعيداً عن المرأة، ونهار رمضان اثنا عشر ساعة أو ثلاثة عشر ساعة، ومعك والحمد لله إمكانية إذا أفطرت الله يعينك إلى أن يؤذن الفجر، لماذا تظل تضايق نفسك في الصباح. لكن ما الحكم إذا عمل الإنسان شيئاً كأن قبل أو داعب فأمنى، أي: خرج منه المني وهو: سائل لزج يخرج من الرجل، دفقاً بلذة وهو سر تكوين الولد، فهذا إذا فعله دون جماع، بل مجرد ملاعبة أو تقبيل وأمنى، فهذا قد أفسد صومه، وأثم وعليه التوبة والقضاء، ويتوب توبة صحيحة. وأما إذا داعب ولم يمنِ وإنما أمذى والمذي هو: سائل لزج يخرج من الرجل عند التفكير، لكن بغير لذة وبغير دفق، هذا حكمه في الشرع حكم البول، يفسد الصلاة، وينقض الوضوء، ويجب غسله من الثوب، ولكن إذا خرج منك وأنت صائم، ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في فتاواه: أنه يفسد الصوم وعليه القضاء، ولكن الذي قرأت في كتب أهل العلم أنه لا يفسد الصوم، وإنما يوجب الإثم وينبغي منه التوبة، ولكن الصوم صحيح، هذا الذي يقرره العلماء، أما رأي شيخ الإسلام فقد رأيته بعيني، وقرأته في المجلد الثاني والعشرين أو الحادي والعشرين من فتاواه، وقد سئل: عن رجل أمذى وهو صائم بعد تقبيل؟ قال: عليه القضاء، ولكن لم يورد دليلاً.

стр. 212

جواز طلب الدعاء من الصالحين السؤال نرجو منكم في هذا الوقت المبارك وفي هذا المسجد والمجلس المبارك أن تدعوا لزميل لنا من حفظة كتاب الله ، ومن الشباب المؤمن الملتزم حصل له حادث مروري وهو الآن في إغماء من يوم الجمعة الماضية، وهو في غرفة العناية المركزة، لعل الله أن ينفعه بدعائكم ودعاء الصالحين في هذا المسجد. رسالة من أخ له في الله؟ الجواب جزاك الله خيراً، وهذه مقتضى الأخوة، أنك تعيش مع أخيك وزميلك، ولو كان في مثل هذا الأمر، فتعاني وتطلب له الدعاء ونحن نسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يكتب له الشفاء العاجل، وجميع مرضى المسلمين، فإن الله كريم ونسأله أن يستجيب دعاءنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

стр. 213

حكم الأكل من الثمار دون رضا أصحابها السؤال ما حكم من يذهب ليلاً إلى مزارع الناس ليأكل الثمار، مع العلم أن أصحاب المزارع يمنعون من هذا؟ الجواب الله لا يهينك، هذا يريد أن يأكل فاكهة بدون مقابل، وقد علمنا أنه لا أحد يرضى أن تأكل من مزرعته، الناس يزرعون وأنت تدخل المزرعة في الليل لتأكل الفواكه. يعني: قصده أن يمارس عليهم عقوبة، ما دام أنهم لايتصدقون ولا يهدون إذن آكل ثمرتهم. لا يجوز لك يا أخي! إنه حرام، وأي لحم نبت من سحت أو حرام فالنار أولى به (إن الرجل ليرفع اللقمة من حرام لا تقبل له صلاة أربعين نهاراً) ولو مت في تلك الأيام في ليلٍ أو نهارٍ تموت على غير الإسلام، انتبه! كيف بالذي يشبع من الحرام، تذهب لتعتدي على مزارع المسلمين وبساتينهم، وتقطف من ثمارهم وتذهب لتأكل. لماذا، بأي حق؟ تعلم أن الشجرة هذه لم تطلع بدون تعب، سنوات وهو يسقيها، وينتظر هذه الثمرة سنة كاملة، وهناك عمال وماء ورش ومبيدات ومهندسون، وأنت تقطف بدون مقابل، وتقول: هل هناك إثم؟ نعم. هناك إثم ونار وشنار وعار -والعياذ بالله- لا يجوز لك -يا أخي المسلم- اتق الله. أما كونهم لا يتصدقون ولا يهدون، فليس لك أن تعاقبهم، وإنما تحثهم على ذلك؛ ولأن هذا حقهم إن أهدوا فجزاهم الله خيراً، وإن تصدقوا جزاهم الله خيراً، أما أن تلزمهم أن يهدوا ويتصدقوا، وإلا تقوم بأكلها عليهم غصباً، هذا لا يجوز؛ فإنه حرام، إذا ارتكبوا هم خطيئة فقد ارتكبت أنت محرماً، يعني: كونه لا يهدي فليس بحرام، الأفضل أنه يهدي، وكونه لا يتصدق فليس بحرام، الأفضل أنه يتصدق، لكن أنت وقعت في جريمة، وهي كبيرة من كبائر الذنوب وهي السرقة، وأكل الحرام -والعياذ بالله-.

стр. 214

حكم الكافر الأصلي وغيره إذا مات السؤال ما حكم الذين لا يكفنون ولا يصلى عليهم ولا يدفنون في مقابر المسلمين جزاك الله خيراً؟ الجواب الكافر من عُلم موته على الكفر، فهذا لا يغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين ولا يوجه إلى القبلة، سواء كان هذا الكفر كفر ردة، أو كفر أصلي. الكفر الأصلي: أن يكون يهودياً أو نصرانياً أو مشركاً أو ملحداً أو كفر ردة: من يقع في عمل من أعمال الكفر يخرجه عن دين الله، مثل: ترك الصلاة، فإن ترك الصلاة كفر مخرج عن الملة، موجب لسخط الله، يترتب عليه -والعياذ بالله- خروجه من الدين ويقتل مرتداً، لا يقتل قتل حد؛ لأن الشخص إذا قُتل حداً أو رجماً، أو أقيم عليه حد فإنه يغسل، ويكفن ويصلى عليه ويدفن مع المسلمين؛ لأنه مسلم، لكن إذا قتل ردة عن دين الله، وقيل له: صلِّ لمدة ثلاثة أيام ورفض، يقتل مرتداً عن دين الله، ولا يدفن ولا يغسل ولا يكفن ولا شيء. وكذلك إذا مات ولو لم يقتل، لو أن ولدك لا سمح الله -نسأل الله أن يرزقنا وإياكم الذرية الصالحة- في بيتك وأنت تعلم علم اليقين أنه لا يصلي، وتمر عليه الأقوات ولا يعرف الله، ولا يتجه إلى قبلة، ولا يعرف مسجداً، ونصحته وأمرته وضربته، ومع ذلك قال لك: لن أصلي أبداًَ، فما موقفك منه؟ لا يجوز لك أن يبقى في بيتك؛ لأنه كافر، ولا يجوز أن تآكله وتشاربه وتؤويه؛ لأنه محدث في دين الله، ولا يجب أن تنفق عليه، بل عليك أن تبلغ به ولي الأمر، تذهب إلى المحكمة وتقدم فيه عريضة، وتقول: ولدي فلان لا يصلي، يأتي به القاضي ويقرره إن قال: لا. أنا يا شيخ أصلي، فترجعه معك وتأخذ عليه شهوداً بأنه يصلي، وتراقب أداءه، وإن قال: لا. أنا لا أصلي، فهناك يقام عليه الحد بعد أن يستتاب ثلاث مرات، فإن تاب وإلا قتل، وأما إذا مات -مثلاً- افرض أنك لم تشتك به، أو اشتكيته ولم يهتد، أو هرب منك وشرد عندما أخرجته وبقي فترة من الزمان، وأخيراً جاءك خبر أنه مات، فما موقفك؟ موقفك منه ألا تذهب لتصلي عليه، ولا تدع الناس يغسلونه، ولا تكفنه، ولا تدفنه في مقابر المسلمين، خذه إلى أي أرض ليس فيها قبور، وانظر له أي حفرة، واحفر له حفرة وضعه على وجهه، لكن تأتي به إلى القبلة وتقول: صلوا عليه لا يجوز لأنه كافر. وإذا فعلت شيئاً من ذلك فقد خنت المسلمين، وطلبت من المسلمين أن يشفعوا في كافر، وأن يصلوا على كافر، وأن يدعوا لكافر، وأن يضعوه بين المسلمين وهو كافر، ويوجهوه إلى القبلة وهو ليس من أهل القبلة، فهذه الأحكام تندرج على تارك الصلاة والعياذ بالله.

стр. 215

حكم من ذهب إلى الجهاد بدون إذن والديه السؤال ما رأيكم فيمن يذهب إلى أفغانستان للجهاد بدون إذن من والده أو والديه، ثم يتصل بهم من هناك ويخبرهم أنه في الجهاد، وهم لا يرضون ولا يأذنون له، وهو متزوج، وإذا قتل هل هو شهيد؟ الجواب اختلف أهل العلم في حكم الجهاد الآن القائم في أفغانستان: هل هو فرض عين، أم فرض كفاية؟ فذهب مجموعة من العلماء إلى أنه فرض عين؛ لأنه اعتدي على أرض مسلمة، واستبيحت أعراض ودماء المسلمين في أرض مسلمة، فوجب على كل مسلم أن يهب لنصرتهم، وهذه من الأسباب الأربعة التي توجب الجهاد على كل إنسان. وقال بعض أهل العلم: إنه ليس فرض عين، لكنه فرض كفاية على عموم المسلمين، وفرض عين على المجاورين والموالين للجهاد، من أهل الجهاد من أهل أفغانستان ومن الديار المقاربة، واستدلوا على أنه يلزم من إلزام الناس بفرضية الجهاد العيني عليهم: إخلاء جميع مواقعهم في بقاع الأرض، وبهذا يضيع الإسلام؛ لأن الإسلام له ثغور، فإذا هب الناس كلهم وتركوا هذه المواقع ترتب على ذهابهم وترك مواقعهم ضرر للدين. فالقضية قضية خلافية، فنقول لمن ذهب: الأولى له أن يستأذن والديه، فإن أذنا له فهو أفضل له، وإن ذهب بدون إذن فنرجو الله أن يتقبل جهاده، وأن يثيبه، وألا يجعل عليه إثماً بسبب عدم إذن والديه. أما إذا مات في سبيل الله، فإنه إن شاء الله شهيد تزوج أو لم يتزوج، لا علاقة للشهادة بالنسبة للزواج، إن تزوج ومات في سبيل الله فهو شهيد، بحسب نيته؛ لأنه ليس كل واحد يموت يكون شهيداً، القضية لا زال فيها اختبارات، أول ما يقضى يوم القيامة في ثلاثة يوردون إلى النار: شهيد وعالم وجواد، أعمال ليس هناك أفضل منها، الشهادة أرفع الدرجات، والعلم وتعليمه للناس أرفع شيء، والإنفاق في سبيل الله من أرفع الأشياء، ولكن أول من تسعر بهم النار يوم القيامة ثلاثة: شهيد وعالم وجواد، فيؤتى بهم، ويعرفون بنعم الله عليهم، فيقال للأول: ماذا صنعت بنعم الله؟ قال: قاتلت فيك حتى قتلت، قال الله: كذبت، إنما صنعت ليقال فلان جريء. أي: شجاع، الغرض أن يمدحوك، يقولون: والله فلان بطل، وقد قيل، إذن لقيت هدفك، هدفك أن يقال وقد قيل، لكن لم تكن تقصد بهذا العمل وجه الله، اذهبوا به فيسحب على وجهه إلى النار. ثم يؤتى بالعالم، فيعرف بنعم الله عليه، ونعم الله عليه كثيرة جداً منها: أن الله علمه كيف يعلم الناس؟ من الذي علمك حتى تقصد بعملك غير وجه الله؟ ﴿عَلَّمَ الْأِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق:٥] . فيعلم بها فيعرفها، فيقال له: ماذا صنعت؟ قال: علمت دينك وبلغته إلى الناس، قال: إنما فعلت ليقال فلان عالم، وقد قيل. قد أثنى عليك الناس، ومدحوك، وتحدثوا بك، وهذا ما كنت تقصده أنت ولقيته، لكن لم تعمل هذا لوجه الله، اذهبوا به فيذهب به إلى النار. ثم يؤتى بالثالث فيقال له بعد أن يعرف بنعم الله عليه فيقال له: ماذا صنعت في الدنيا والمال؟ قال: ما من سبيل من سبل الخير إلا أنفقت فيه، فيقول الله له: كذبت. إنما فعلت ليقال فلان جواد -أي: الكريم- وقد قيل اذهبوا به إلى النار. فليس كل من مات في سبيل الله يعتبر شهيداً على الإطلاق، وإنما بعد معرفة نيته وهذا الشيء لله ، وكذلك ليس كل من علم الناس، واهتدى الناس على يديه يعتبر سعيداً، فإنه قد يهتدي آلاف على يد واحد وهو من أهل النار، أول رجل في النار يقال يوم القيامة -نعوذ بالله وإياكم- فهذا الحديث يقطع القلوب، (أنه يدور في النار كما يدور الحمار على الرحى، يجر اقتابه -أي: أمعاءه- فيرونه أهل الجنة، وهو في النار ماذا أتى بك إلى هنا؟ لم ندخل الجنة إلا بسببك، ما اهتدينا إلا بعلمك وتعليمك ووعظك وإرشادك، فيقال: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وأقع فيه) ، كان يقول: الأغاني حرام وهو في الليل إذا جاء لينام قام ليغني، كان يقول: النظر حرام، وإذا رأى النساء نظر إليهن، كان يقول: الربا حرام، وأمواله في الربا، كان يقول: العقوق حرام وهو يعق، كان يقول: اعدلوا مع زوجاتكم وهو غير عادل، كان يقول: صلوا وهو لا يصلي، كان يقول: إن أعمال الناس ينتفعون بها، لكن هو لم ينتفع بها -والعياذ بالله- ولهذا عاب الله على قوم قالوا هذا فقال: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:٤٤] أين عقولكم إن كانت لكم عقول؟ أتأمر الناس بالعمل للجنة وأنت تترك نفسك؟! لا حول ولا قوة إلا بالله!
следующие страницы →