Полный текст (228 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
حكم ترديد الأشعار على لحن الغناء
السؤال
ما حكم ترديد بعض الألفاظ الشعرية على لحن الأغاني التي كنت أسمعها في الجاهلية والحمد لله الآن تبت ولا أسمعها، ولكني أردد أحياناً بعض ألفاظها على هيئة ألحان الغناء، ثم أتذكر فأقف، فما الحكم؟
الجواب
ما دام أنك تتذكر أنك مخطئ وتستغفر الله، فالحمد لله، أما الجواز فلا يجوز لك، الله أنقذك منها، فلا تتذكرها لا بسلب ولا بإيجاب؛ لأن من شروط التوبة الإقلاع عن الذنب بالكلية، والندم على ما فات منك، والعزم على عدم العودة، فإن الترديد لهذه الأبيات:
يا ليتني طير وأطير حواليك
ربما تسقط بعده!
стр. 142
ضرورة هجر الأصحاب الذين يجرون إلى المعصية
السؤال
لدي زملاء كلما جالستهم حدثوني بالدنيا وزينتها وفي النساء والبنات، وأحاول دائماً كلما جلست معهم أن أذكرهم بالله والآخرة والموت والحساب والعقاب، ولكنهم يسخرون مني ويضحكون مني، فماذا أعمل؟ هل أهجرهم؟
الجواب
نعم.
اهجرهم الآن قبل غدٍ؛ لأنه مادام أنهم يدعونك إلى النار وأنت تدعوهم إلى الله، فأنت منهم براء أبداً، لا تجلس معهم، لماذا؟ لأنه لو كان جلوسك معهم يجدي؛ كلما قلت لهم: اتقوا الله، قالوا: جزاك الله خيراً زدنا الله يؤجرك، هؤلاء اجلس معهم دائماً، لكن ما دام أنهم يسخرون منك ويضحكون عليك، ويدعونك إلى النساء وإلى الدنيا وزينتها هؤلاء مرضى، بل موتى فاتركهم وعقابهم على الله ونسأل الله لهم الهداية.
стр. 143
لزوم التوبة إلى الله من المعاصي وترك الاعتذار من أهلها
السؤال
حدثت لي حوادث مع أشخاص، وجرائم قبل أن ألتزم بالإيمان، ولا زالت هذه الجرائم كلما تذكرتها تحز في نفسي، وأريد أن أعتذر منهم، ولكن كيف؟
الجواب
لا تعتذر منهم، ولكن استتر بستر الله الذي سترك به، واستغفر الله وأحسن في المستقبل، أما الماضي فإن الله يغفره لك؛ لأنك لو أتيت تخبرهم بهذه الجرائم ترتب على ذلك مفسدة.
تذهب تقول: يا فلان! أنا قعدت مع ابنتك، أو كلمت زوجتك، قال: تعال أضربك الآن قبل أن تأخذ التوبة.
فلا حل إلا أن نسأل الله أن يتوب عليك في الماضي، أما المستقبل فأحسن.
стр. 144
حكم الجلوس مع بنات العم ومن ليست بمحرم
السؤال
أنا شاب والحمد لله ملتزم، وأعيش منذ الصغر مع عمي، والآن لديه بنات كثير، منهن من هي في سن الزواج، وليس أحد غيره في البيت، هل يجوز أن أبقى معهم في البيت أم لا؟
الجواب
بنات عمك أجانب عليك، وليسن بمحارم لك، ولا يحل لك أن تدخل عليهن مادام أنك بلغت مبلغ الرجال، وبنات عمك أيضاً بلغن مبلغ النساء، فإذا استطعت أن تقيم الحجاب بينك وبينهن في البيت وتقول لعمك: يا عم! أنت لي مقام أبي وجزاك الله خيراً، لكن بناتك لا يحل لي أن أنظر إليهن، فأريدك أن تأمرهن بالحجاب حتى يكتب الله الزواج لهن، وإن كنت أنت بإمكانك أن تتزوج بواحدة منهن فهو الأفضل، وإذا حصل الزواج فيجب على بقية بنات عمك أن يتحجبن عنك، فلا يكن زواجك من ابنة عمك يحل لك أن ترى بقية أخوات زوجتك، فإذا رفض عمك بأن يحجبهن، فحجب نفسك أنت بغض البصر وعدم الجلوس معهن مطلقاً، فكلما دخلت غض طرفك، يقولون: افتح عيونك، قل: لا والله حرام ما أفتح عيوني، عود نفسك على هذا، حتى عند الأكل هذا إذا كنت مضطراً أن تبقى مع عمك كأن تكون طالباً أو ما عندك إمكانية أن تخرج، أما إذا كنت قد تخرجت وعندك راتب وإمكانية، اطلب من عمك أن تخرج ولا تجلس في البيت؛ لأنه لا يجوز لك أن تحتك أو تجلس مع البنات وهن غير محارم لك، ولا يجوز لك هذا في الشرع.
стр. 145
حكم إعطاء المدرس للطالب نتيجته قبل موعدها المحدد
السؤال
أرجو توضيح هذا السؤال: هناك صديق لي انتهى من الاختبارات في الفصل الأول وقد كانت لديه مادة خاف فيها من الرسوب بحيث أنه يريد أن يتوسط ببعض المدرسين لأخذ النتيجة قبل موعدها الذي قد قرره مدير المدرسة، فهل هذا العمل يرضي الله، علماً بأن هذا الشخص كثير الهموم، وكل طالب يريد الحصول على نتيجته ما معه إلا الواسطة أو الصبر، أرجو من الله ثم منكم توضيح هذا السؤال مع أني نصحته بالصبر والتوكل على الله، وعدم الواسطة فيما لا فائدة فيه، فإنه قد تؤدي إلى سمعة مشوهة للإسلام؛ لأنه ملتزم؟
الجواب
أولاً: إذا خفت من مادة من المواد أنك ترسب فيها، هذه قاعدة لك كطالب؛ لأني مررت بهذه المراحل، فما ينبغي لك أنك تفكر في المادة التي أنهيتها وقدمت ورقتها، فلا تخرج إلى الخارج وتهتم؛ فإنه ليس معك إلا ما قدمت، لا ينفعك أنك تعرف ما معك، إنما تركز على المادة التي تختبر فيها غداً، تلك ذهبت والآن انتبه للمادة الجديدة، وبعدما تكمل الامتحانات لا تستعجل النتائج لتعرف هل أنت ناجح أم غير ناجح، ولا تذهب إلى أحد تبحث عن واسطة؛ لأنك إن ذهبت إلى واحد لإخراج النتيجة من الكنترول، أو غرفة النظام والمراقبة قبل الموعد الرسمي، أولاً: سببت خلخلة في النظام، ثانياً: جعلت هذا المدرس خائناً؛ لأنه مؤتمن، المدير يقول للمدرسين: هذه غرفة سرية ولا يدخلها إلا المدرسون الطيبون المؤتمنون، ولا يمكن أن تخرج النتيجة لأي طالب حتى لو كان ولدك، فإذا أتيت إليه تقول: طال عمرك أنا أريد أن أذهب إلى العمرة أريد أن أطمئن، والله إني خائف من تلك المادة، وبعد ذلك يذهب ويرى نتيجتك، ثم أتى وقال لك، بعضهم يعطيك إشارة فقط يقول لك كذا، أي: ناجح، هذا سببت له أنه خان مهمته وأفشى سراً من الأسرار التي لا ينبغي إفشاؤها، ولماذا تستعجل؟ ليس هناك داعي إلى أن تستعجل، انتظر وليس معك إلا ما معك، والله إن كانت جيدة فهي جيدة في صباح ذلك اليوم، وإن كانت غير جيدة فدعها تأتي، أما أن تستعجلها قبل الناس فلا، واجتهد من أول السنة حتى لا تقعد تتوسط، كن رجلاً من أول السنة، إذا أتيت في آخر السنة تجيب على ورقة الأسئلة من أولها إلى آخرها، بعض الشباب إذا أعطوه الأسئلة، فما هي إلا لحظات ويأتيك يندفع مثل السيل، ومثل البحر يموج بالأوراق الأولى والثانية والثالثة إلى أن يكمل، وتفضل، وبعضهم من يوم أن تأتيه الورقة يجلس يفكر يريد أن يأتيه ملك من السماء، والله ليس معك إلا ما معك، من أين تريد أن يأتيك؟! هل سيوحى إليك؟! والله ما معك إلا الذي في رأسك.
стр. 146
عبد الحميد كشك في الميزان
السؤال
يقول بعض الناس: إن بعض أشرطة الشيخ عبد الحميد كشك لا يجوز استماعها؛ لأن فيها سب وشتم للناس؟
الجواب
لا.
لا نقول كلها، الشيخ عبد الحميد كشك عالم من علماء المسلمين، نسأل الله له التوفيق في الدنيا والآخرة، لكن له شطحات، فلا نوصي بسماعها كلها، ولا نوصي أيضاً بتركها كلها، ولكن نوصي بالحذر من بعضها، فعنده شطحات نبه إليها العلماء، وسمعتها والله بأذني وهي شطحات شركية، فيها دعاء للنبي ﷺ ، وتوسل وترديد للأبيات الخبيثة التي قالها صاحب البردة يقول فيها:
يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به سواك عند حدوث الحادث العمم
إن لم تكن في معادي آخذاً بيدي إلى النجاة فقل يا زلة القدم
وماذا بقي لربي؟ يقول: مالي من ألوذ به سواك، لمن هذا؟ للرسول ﷺ ، لا إله إلا الله.
يقول:
وإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم
ضرتها: الآخرة.
فماذا بقي لربي؟! مادام من جود النبي الدنيا والآخرة، ومن علوم النبي علم اللوح والقلم، أجل ماذا بقي لله؟ ولا يجوز أن تسلب هذه من الله وتعطى لأحد، وأول من تبرأ من هذا الكلام هو رسول الله ﷺ عندما تبرأ من رجل من الصحابة قال: (ما شاء الله وشئت، فقال ﷺ : ما شاء الله وحده، أجعلتني لله نداً؟) وقال: (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد الله ورسوله) إنما أنا عبد وليس رب، فهذه سمعتها أنا بأذني في بعض الأشرطة يرددها ترديداً يجرح في عقيدة الإنسان، فهذا مأخذ، ومأخذ آخر أنه يجمع الغث والسمين، والصحيح والضعيف، والموضوع من الأحاديث دون تمحيص، فطالب العلم الذي لا يعرف يعتقد هذا على أنه دين، وأكثره ليس بدين؛ لأنه ليس بدين إلا ما صح، أما الذي ليس بصحيح فليس بدين، نحن لسنا بحاجة أن نجمع كل ما هب ودب من أجل أن نقول للناس: هذا دين، لا، فيما صح عن رسول الله ﷺ غنية وكفاية إن شاء الله، فأنت كن حذراً وخاصة طالب العلم المتفقه، يعني: المتفقه هذا يسمعها ولا يهمه، لكن المبتدئ عليه منها خطورة إلا أن يستشير غيره.
стр. 147
حكم تجمل المرأة بالحناء
السؤال
ما حكم الحناء وتقطيعه ووضعه في أطراف الأصابع؟
الجواب
ليس فيه شيء، الحناء للمرأة طيب، وهو من الزينة التي ينبغي للمرأة أن تتزين بها لزوجها، وكونها تقطعه بأي شكل، هذا ما فيه شيء، كل زينة تتزين بها المرأة لزوجها طيبة، أما إذا كان هذا الحناء تتزين به للرجال الأجانب أو تكشف به على الرجال الأجانب، فهذا هو الموت والحرام، إذا تحنأت وتخضبت وتجملت وذهبت تقدم القهوة، وتصب الشاي للرجال فرضاً وتمد بالفنجان للرجال وفي يديها حناء أحمر، فهذه نار حمراء عليها وعلى زوجها إن هو رضي بذلك، أما إذا تزينت بالكحل أو بالخضاب أو بأي أنواع الزينة حتى الحمرة هذه التي توضع في الخدود أو توضع في الشفاه وليست بمادة عازلة، فإنه إذا تزينت بها وقصدت بها زوجها ليس في ذلك شيء، أما المناكير التي تضعها المرأة في أظافرها فهي مادة عازلة تشكل طبقة بلاستيكية على الأظافر وتمنع وصول الماء، فلا ينبغي للمرأة أن تستعملها؛ ولأن هذه فيها تشويه للمرأة وليست تزييناً، فإنك إذا نظرت إلى المرأة وأصابعها ملطخة باللون الأحمر فكأنها قطة كانت (تباخش) فتختلع منها -والعياذ بالله- فإذا جاءت لطخت فمها بالحمرة وزودتها؛ لأن بعض النساء لا تضع الحمرة على لسانها قليلاً، بل تضعها كأنك تقول: إنها كانت تلعق دماً، إذا وضعت تضع شيئاً معقولاً، هذا إذا أرادت، وإذا ما أرادت فصنع ربي أحسن، لكن لو عملت، فما هناك شيء، وقد سمعت الشيخ عبد العزيز بن باز يسأل عن هذا فقال: إن كانت تتزين بها لزوجها فلا حرج، وإن كانت تتزين لغير الزوج، فهذا حرام.
أما إذا ذهبت إلى زواج فلا شيء عليها إذا تزينت، لكن المهم ألا يكون في الزواج منكر من تكشف أو تصوير أو تقبيل أو أصوات نساء أو أغاني، إذا كان الزواج إسلامياً ونظيفاً، وتزينت ولم يرها رجل فما هناك شيء إن شاء الله.
стр. 148
حكم كشف المرأة على زوج خالتها
السؤال
هل يجوز أن تكشف البنت على زوج خالتها إذا كان في سن أبيها؟
الجواب
لا يجوز، زوج خالتها ليس بمحرم لها، ولو طلق خالتها وأراد أن يتزوجها لجاز له ذلك، فلا يجوز أن تكشف عليه ولو كان في مثل سن أبيها.
стр. 149
حكم رؤية بنات العمات بعد الرضاع من الجدة
السؤال
هل يجوز لي أن أكشف على بنات أخوات والدي علماً أني قد رضعت من جدتي أم أبي؟
الجواب
أخوات أبيك يعني: عمتك، لماذا لا تقول أريد أن أكشف على بنات عمتي؟ لا يجوز أن تكشف -هو يريد أن يصطادني من أجل أن أقول: يجوز- فلا يجوز، بنات عمتك يحل لك أن تتزوج بهن، ولا يجوز لك أن تكشف عليهن، لكن يقول: علماً بأنني قد رضعت من جدتي أم والدي، فإذا رضعت من جدتك أم والدك خمس رضعات شرعية محرمة، فإنك تصبح أخاً لأبيك وأخاً لعمتك، ويصبح أولاد عمتك أولاد أختك من الرضاع، وتصير أنت خالهن من الرضاع، ويجوز لك أن تكشف عليهن، هذا إذا كان الرضاع خمس رضعات محرمة، أما إذا كان دون ذلك فليس هو رضاع محرِّم.
стр. 150
الحث على تخفيف المهور وجواز التعدد
السؤال
أرجو تخصيص حلقة من هذه الحلقات الطيبة في الحث على تعدد الزوجات، وتخفيف المهور، والحث على المساعدة والمشاركة في المهور عند من يرغب في الزواج؟
الجواب
لماذا يا أخي؟ أتريد من النساء أن لا يسمعن لي أي موعظة؟! أما تخفيف المهور فهو صحيح، والحث على المساعدة والمشاركة في المهور لمن يرغب في الزواج، هذا أمر طيب، أما الحث على تعدد الزوجات، فلا، لم يأتِ في الدين الحث، وإنما جاء في الدين الإباحة، أباح الله في الدين التعدد، لكن لم يرغب ولم يأمر فيه، بل قال: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ [النساء:١٢٩] فأنت إذا أردت أن تتزوج وعندك قدرة على العدل والإنفاق؛ الله يعينك، وإن كان غير ذلك فلا، إنما مسألة التخفيف في المهور وعدم المغالاة فيها ومشاركة المتزوج والإعانة له بأي شيء من المال هذا طيب جداً؛ لأن من أعانه أعانه الله، والمتزوج الذي يريد العفاف يعينه الله، ويعين من يعينه إن شاء الله، وأما المهر -يا إخواني- فوالله ما هناك داعٍ للمغالاة فيه، ليس هناك بركة في مهر المرأة، والمهر هو للمرأة ليس لأبيها، والله يقول: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً﴾ [النساء:٤] أي: المهر يسلم إلى يدها، فإن طابت نفسها بغير حياء وبغير إكراه عن شيء، قال العلماء: إن التبعيض هنا (عن شيء) أي: شيء يسير، إذا كان المهر عشرين ألفاً فوهبت لك ألفاً فكله، أما أن تأخذها كلها ولا تهب لها شيئاً، فماذا بقي لها؟! صار المهر لك أنت! المهر هو للبنت وليس للأب، بعضهم يقول: لا.
أنا آخذ تعبي، ما هو تعبك؟ لماذا المسألة حسابات؟ هل تريد أن تأخذ ثمن تربيتها؟! لا.
تعبك عليها الله يجزيك به الجنة، من عال جاريتين كان مع النبي ﷺ في الجنة، الذي يعيل ابنتين أو ثلاثاً ويحتسب ذلك عند الله ويربيهن تربية إيمانية، الله يكرمه بالجنة، أما أن يقعد ينتظر حتى إذا جاءت تتزوج، قال: والله لا أزوجها حتى آخذ كل ما تعبت عليه، أول شيء أدعها تعمل ست أو سبع أو ثمان أو تسع سنوات موظفة وآخذ راتبها، من أجل أن يكمل العمارة، وكل ما جاء خطيب جيد لا يخبرها، وإذا جاء خطيب غير جيد ذهب يخبرها وهي تقول: لا أريده، إلى أن تكبر، وبعد ذلك لا تتزوج.
стр. 151
حكم عمرة من يخرج منها دم علة أو عرق
السؤال
امرأة حامل في الشهر الرابع من أشهر الحمل وعندها نزيف خفيف تريد الذهاب إلى العمرة تطوعاً، هل هناك إمكانية في دخولها للمسجد؟
الجواب
ما هناك شيء، مادام أن هذا ليس حيضاً وإنما هو دم يسمونه دم علة أو دم عرق أو نزيف، فعليها أن تستثفر وتصوم وتصلي، وتدخل الحرم وتطوف، ولا يمنعها هذا من شيء، لا يمنعها إلا دم الحيض، ودم النفاس.
دم الحيض المعروف الذي يأتي في العادة الشهرية، ودم النفاس الذي يأتي بعد الوضع، أما ما يخرج من المرأة في غير حيض ولا نفاس سواءً كانت حاملاً أو غير حامل كدم علة أو عرق أو أي شيء، فهذا لا يمنعها من الصلاة، ويسميه العلماء: الاستحاضة، وهذا دم أحمر خفيف لا رائحة له، وليس دماً داكناً مثل دم الحيض، وهذا لا يمنع من الصلاة، وإنما المرأة تغتسل منه وتستثفر بعد كل خروج، وتصلي، ولا تغتسل لكل صلاة، بل تغتسل مرة واحدة فقط.
стр. 152
حكم النظر إلى المصارعة الحرة
السؤال
ما حكم النظر إلى المصارعة الحرة؟
الجواب
هي ليست حرة بل المُرة، حمير يتصارعون، حمير من كفار خلق الله يأتي يلبس (السلب) خفيفاً وتظهر عورته، فلا يجوز لك أن تنظر إلى عورة رجل خاصة من السرة إلى الركبة، ولا يجوز أن تنظر المرأة إليهم؛ لأنها ترى أجساماً، وإذا هي تراك إذا فسخت وإذا بك مثل الجني، وتتلفت في هذا الذي مثل الجني الثاني، فتقول: الله أكبر! أين هذا من هذا؟! فلا يجوز لك أن تدع امرأتك تتلفت في هذا أبداً في أي حال من الأحوال.
стр. 153
حكم لبس المرأة الكاب
السؤال
ما حكم الإسلام في نوع من أنواع الملابس يسمونه (الكاب) ؟
الجواب
(الكاب) الذي تلبسه بعض البنات ولا تغطي الرأس، إذا كان ساتراً وفضفاضاً ووسيعاً وتخفي أيضاً يديها ورأسها، ليس فيه شيء، المهم أنه لا يبدو منه شيء، سواءً لبست (كاباً) أو عباءة، أما إذا كان (الكاب) قصيراً ويديها ظاهرة؛ لأن اليدين من الفتنة مما يجب تغطيته؛ لأنها تشكل نموذجاً للجسد، فإذا رأى الناس أيادٍ جميلة، حكموا على جمال الأيادي بجمال الباقي، فلا ينبغي أن تخرج المرأة إلا وفي يدها دسوساً، إن كانت عباءة، فالحمد لله، وإن كان (كاباً) لابد أن تلبس (دسوساً) سوداء، وقد سمعت من بعض البنات أنها اتصلت بي عبر الهاتف تقول: إني سمعت أنهم يقولون: إن (الدسوس) بدعة، قلت: الله أكبر! أجل وكشف الأيادي سنة! سنة إبليس، لا والله ليست ببدعة، البدعة كشف الأيادي، أما ستر الأيادي (بالدسوس) وتغطيتها هذا هو السنة، لكن الشيطان يقلب المفاهيم عند كثير من الناس.
стр. 154
كيفية توبة من سرق مالاً قبل هدايته
السؤال
قمت أنا وأخي بسرقة مبلغ من المال قبل الهداية، فهل يجوز أن أعيد المبلغ إلى أهله دون أن أعلمهم؟ وهل يجب أن أتسامح من أهل المال؟
الجواب
إن كان إعادة المال إلى أهله مشافهةً سيسبب لك مشكلة بحيث يخونونك أو يتهمونك أو يشتكونك أو غير ذلك، فلا تفعل، وإنما رده لهم بطريقة أخرى، تعال إلى الدكان وضعه في ظرف وأرسله مع شخص وقل: من فاعل خير، قل: كنت قد أخذت هذا المال منكم، والآن هداني الله وهذا هو مبلغكم، وأعطه شخصاً وقل: إذا جاء فلان فأعطه هذا الرسالة فهي مهمة، والمهم أنها وصلت، أما إذا كنت تعرف أنه لن تحصل مفسدة، فما هناك مانع أنك تقول لهم إن شاء الله.
стр. 155
ظاهرة انتشار التبرج والسفور
السؤال
تكلمت عن سفور المرأة في مستوى العالم الإسلامي، ولم تتكلم عن سفور المرأة في مستوى المنطقة المهمة جداً وهو خطر عظيم.
الجواب
صدق أخونا، صحيح هناك سفور في منطقتنا، ولكنه سفور من نوع جديد، إنهن يتكشفن على العصاة ويحتجبن عن المؤمنين، إذا رأت المؤمن المتدين تغطت، قالت: هذا مطوع، وإذا جاء ذلك الأملس، قالت: مرحباً، والله إنها خربت! من الأولى أن تتحجبين منه ولا نقول: إنها تكشف على المؤمن، فلا ينبغي لها أن تكشف لا على المسلم ولا على العاصي، لكن يجب وجوباً متأكداً ألا تكشف على العاصي، وبعضهن لا يتغطين إلا على البعيدين، يعني: الذين ليسوا من هذه القرية، أما القريب ولد العم ولد الخالة تقول: إنه من الجماعة، وتكشف عليه، وهذا لا يجوز في الشرع، إن الحجاب حجاب وليس كذب، فلا نضحك على الله، هذا دين، وهذا قرآن، وهذه سنة، ما نحن بجهلة، كان الكلام هذا يمشي يوم كنا جهالاً، واليوم نوَّر الله قلوبنا وأعطانا الكتاب والسنة وقرأناهما، وعرفنا وخاطبنا الله به، ونحن مؤمنون وهذا ديننا عليه نعيش وعليه نموت، وعليه عاش آباؤنا وأجدادنا من بعثة النبي ﷺ إلى يومنا هذا، هذه المنطقة منطقتكم منطقة دين ومنطقة رسالة ومنطقة استجابة ودعوة منذ عهد النبي ﷺ .
وهذا سرد بن عبد الله الأزدي قدم على الرسول في وفد أزد من هذه المنطقة، وأسلم وحسن إسلامه، وأعجب الرسول به وبأصحابه، وقال: (فقهاء علماء كادوا من فقههم أن يكونوا أنبياء) وتأتي أنت في آخر الزمان ترفض أن تحجب زوجتك، وتقول: إنها عاداتنا وتقاليدنا، لا.
أجدادك لما ذهبوا إلى النبي ﷺ قالوا: (نحن مؤمنون يا رسول الله! قال: وما هي علامة إيمانكم؟ قالوا: خمسة عشر خصلة، خمس أمرتنا أن نعمل بها رسلك، وخمس أمرتنا أن نؤمن بها، وخمس تخلقنا بها في الجاهلية، فنحن عليها اليوم إلا أن تكره شيئاً) ما قالوا إلا عليها وإنها عادات، فزادهم الرسول ﷺ خمساً وما هذا مقام لذكرها، لكن نقول: عاداتنا التي تتعارض مع القرآن والسنة مرفوضة.
فهذا الأخ جزاه الله خيراً يلفت نظري، أنه يوجد سفور في المنطقة، وينبغي علينا أن ننتبه له وجزاه الله خيراً.
стр. 156
حكم تلحين الأذان
السؤال
ما حكم التلحين في الأذان أو مد الصوت وقصره بطريقة غير الأذان المعهود؟
الجواب
لم يرد ضابط محدد عن كيفية أداء أذان أصحاب النبي ﷺ حتى نستطيع نأتي به ونقول: يا مؤذنين انتهوا عن هذا الكلام، إنما الذي ورد الأمر به بتزيين الصوت وتحسينه، وأن النبي ﷺ اختار بلالاً؛ لأنه كان ندي الصوت شجياً؛ ولأن الأذان داعي الله، والداعي يجب أن يكون بأحسن لهجة وبأحسن أسلوب، فإنك إذا ناديت شخصاً بصوت خشن وبصوت جلف لا يقبل منك، لكن إذا ناديته بصوت طيب يقبله منك، فأعظم شيء الأذان: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾ [فصلت:٣٣] لكن في حدود المعقول والعرف، أما أن يتجاوز المؤذن التلحين ويخرج فيه عن المألوف إلى أن يشبه به الأغاني، ويمططه ويلحنه، ويطلعه وينزله، ويجعل المدة من هنا إلى الخميس، بعضهم تطلع روحك وأنت تراقبه، فالمبالغة والتمطيط في الأذان ليست حسنة، ولا تقبله العقول.
أما إذا كان قصدك من التلحين اللحن، يعني: إعطاء الحرف غير حركته فهذا مخل ومفسد للأذان، والمؤذن يأثم يوم القيامة، مثل أن يقول: الله أكبُر، هل تعرف ما معنى أكبُر؟ أي: جمع كبُر والكبُر هو: الطبل، وكأنه يقول: إن الله مجموعة طبول- تعالى الله عما يقول- وبعضهم يقول: الله أكبااااار! وبعضهم يقول: الله وأكبر، فيعطف عليه واحداً اسمه أكبر، هذا كله لحن وغلط، وبعضهم يستفهم فيعمل همزة التسكين والاستفهام: (آلله أكبر) فكلها غلط، والصحيح أنك تحقق الهمزة وتفصل بينها وبين الكلمة: (الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر) هذا هو الأذان المعهود والذي تشرق له النفس (أشهد أن لا إله إلا الله) ليس هناك داعٍ إلى أن نزيد، بعض الناس لا ينبسط من الأذان إلا إذا كان ملحناً، فهذا يظن أن كل شيء أغاني، حتى القرآن فلا يسمعه إلا من أجل أن يتغنى به، أنا سمعت مرة في الإذاعة على مقرئ من المقرئين قد توفي ﵀، وإذا به يقول: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ﴾ [الحاقة:٣٠] وهم يقولون: الله! الله! والله ما عرفوا ما معنى (خذوه فغلوه) يعني: الله على هذا الأخذ وعلى هذا الغل، كأنه يقول: يا ربِّ خذني معهم يغلوني، ما عرف المعنى، إنما فقط من أجل اللهجة والنغمة.
стр. 157
حكم دخول المرأة على الخياطين
السؤال
ما حكم الإسلام في دخول المرأة على الخياطين؟
الجواب
هذه مشكلة المشاكل، وهذه والله -يا إخواني- مصيبة، ونرى -الحمد لله- بعض المسئولين في الهيئة جعلوا حلاً جزئياً، لكن المرأة لا تجعلها أبداً، أنت خذ ثياب زوجتك واذهب بها، أما امرأتك فلا تخرج، بعض النساء تأتي وتقول: افتحوا لي، يقولون: ممنوع، تقول: فقط أرى ذلك الموديل، وبعضهن تقول: ما عندي ثوب، فصلوا أنتم على مقاسي، فيأتي المفصل ويأخذ لها المقاس من الرأس إلى تحت ويقيس من وراء، ويأخذ الخصر ويرى الطول والعرض، ما هذا؟! أين الرجل؟ وهذا الكلام متى يحدث؟ والرجل في الدوام، لا يمكن أن بعض الرجال يسمح، لكن إذا سمح فهو ديوث والعياذ بالله.
قد قلنا كلاماً وهو أنه لا يجوز استخدام السائق بأي حال من الأحوال، ولا يجوز أنك تستقدم سائقاً لأهلك، أما تستطيع أن تقود لأهلك! فقد استوردنا كل المهن، ما بقي لنا إلا نساؤنا نريد رجالاً يقودون السيارة لهن! عيب والله عيب! لا تستورد قائداً، إلا إذا كانت حالة ضرورة إذا كنت كبير السن، أو أعمى ولا تعرف تقود، ولا أحد يقود لك، فهذه مسألة من مسائل الاضطرار، تستقدم لك شخصاً، لكن يكون أولاً: مسلماً.
ثانياً: كبيراً في السن عمره تسعين سنة.
ثالثاً: معه زوجته، لا تأتي به لوحده ولو كان كبيراً في السن فبعضهم فاسق إلا من عصم الله، تستقدم كبير السن وزوجته معه، وتسكِّنهم في شقة أو في غرفة ويأتي يسوق لك أنت، وإذا كان معك أهلك وأنت معهم فليس هناك مانع، لكن يذهب بالمرأة لوحدها؟ لا.
يذهب بالبنت إلى المدرسة؟ لا.
نرى والله ما يفطر القلوب -يا إخواني- رجالاً كفاراً ليسوا بمسلمين من الفلبين، لا يعرفون الله، يأتون ويركبون في السيارات (الجمس) ويذهبون بالبنات إلى المدارس، وتركب البنت بجانبه ووراءه، أين ديننا -يا إخوان؟ وهو يريد ينظر إلى الوراء بالمرآة يريد أن يرجع إلى الخلف.
وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه.
стр. 158
من أسباب عذاب القبر أكل الربا [١٠]
القبر إما حفرة من حفر النار، أو روضة من رياض الجنة، وقد جعل الله بعض العقوبات في الحياة البرزخية لبعض أهل الكبائر، ومن أعظم هذه العقوبات عقوبة المرابي؛ لأن الربا من أعظم الكبائر.
وقد شدد الله الوعيد على آكلي الربا؛ فآذنهم بالحرب في الدنيا والآخرة، ومن تلك الحرب أنه أعد للمرابي عذاباً في الحياة البرزخية إلى أن تقوم الساعة قبل عذاب الآخرة.
стр. 159
من آثار رحمة الله
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه، ونؤمن به ونتوكل عليه، من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله وصفيه وخليله وخيرته من خلقه، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 160
المطر رحمة مادية من الله لعباده
أيها الإخوة في الله! القلوب فرحة، وهي تأمل المزيد من الله من رحمته وغيثه، المطر ينزل في هذه اللحظات، والغيث يهمل والقلوب تأمل، والله يقول: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [الشورى:٢٨] .
وقد سمّى الله المطر أو الغيث رحمة؛ لأنه دليل رضوان من الله ، وأحياناً يأتي دليل عذاب وعقوبة من الله ، إذا غضب ربنا ﵎ حينما تنتهك حرماته ولا يستجاب لأمره، فهو يعذب بالمطر إما بالإنزال وإما بالمنع، فيمنعه فيموت الناس، أو ينزله فيموت الناس، ينزله حتى يغرقهم: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا﴾ [العنكبوت:٤٠] ويمنعه حتى يموتون جوعاً وعطشاً، ولكن بالمقادير التي يحتاجها الناس يكون رحمة، أن ينزل الله المطر على الناس بالمقدار الذي يريدونه؛ لأن تحديد نسبة نزول المطر لا يملكها أحد على وجه الأرض: ﴿يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ﴾ [الشورى:٢٧] .
فإذا جاء الغيث على المقدار الذي يحتاجه الإنسان، من غير تدمير ولا تخريب، ولا كوارث، ولا فيضانات، ولا إهلاك، كان هذا دليل رحمة من الله ، قال : ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [الشورى:٢٨] .
أما إذا جاء المطر كثيراً غزيراً مغرقاً مدمراً، فهو دليل عذاب من الله، ينبغي على هؤلاء الذين ينزل عليهم هذا الشيء أن يراجعوا حساباتهم مع الله، وأن يصححوا وضعهم قبل أن يكون المطر الذي نزل ناراً وعذاباً وحجارة من السماء -والعياذ بالله- فالمطر ينزل في هذه اللحظات وهذه الدقائق المباركة، ونحن نأمل من الله ﵎ أن يكون سقيا رحمة لا سقيا عذاب، وأن يعطينا بقدر ما نحتاج فإنه أعلم بحاجاتنا ﵎.
والله يا إخوان! القلوب تتألم كثيراً حينما نسمع الرعد ونرى البرق ونرى السماء ملبدة بالغيوم ثم ينزل من المطر قطرات وبعد ذلك يذهب، على ماذا يدل هذا؟ المفروض أن الإنسان العاقل يتأمل، كأنه يرينا ﵎ آثار رحمته ثم يبعدها منا من أجل أن نطلبه، وأن نتوب إليه، وأن نستغفره، وأن نلح عليه، وأن نراجع حساباتنا فيعطينا، وإلا فماذا؟ هذه عملية ترغيب وتشويق، أنت ترى محتاجاً وتعطيه شيئاً ثم تمنعه، من أجل أن يلح عليك، يقول: أعطني، زدني بارك الله فيك، فنحن نطلب من الله الذي لا إله إلا هو أن يسقينا وأن يسقي جميع المسلمين، اللهم اسقنا غيثاً مغيثاً هنيئاً مريئاً سحاً طبقاً غدقاً نافعاً غير ضار، اللهم سقيا رحمة لا سقيا عذاب، اللهم اسقنا غيث الإيمان في قلوبنا وغيث المطر في بلادنا وأوطاننا، اللهم أنزل علينا من بركات السماء، وأدر لنا به الضرع، وأنبت لنا به الزرع، واجعلنا فيه من السعداء في الدنيا والآخرة يا رب العالمين!
стр. 161
الرسول رحمة قلبية للناس
لقد سمّى الله رسوله ﷺ رحمة فقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧] .
وفي الحديث الذي يرويه الحاكم وهو صحيح وقد ذكره السيوطي في صحيح الجامع، قال ﵊: (أنا الرحمة المهداة) وقال : ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران:١٦٤] .
فالرحمة القلبية هو رسول الله ﷺ ، والرحمة المادية هو المطر، وقد تأتي هذه ولا تأتي تلك، أي: ليس بالضرورة أن تأتي الاثنتين إلا إذا توفرت رحمة القلوب، إذا رحم الله القلوب بأن تمسك الناس بغيث القلوب عن طريق التمسك بالهداية الربانية والرسالة النبوية -رسالة الإسلام- جاءت تبعاً لها بالضرورة الرحمة الأخرى رحمة المطر، أما إذا تخلفوا عن الرحمة النبوية، ولم يتمسكوا بدين الله فقد تأتي الأولى لكن إما على سبيل العذاب والتدمير أو على سبيل الاستدراج والمكر من الله، كما يحصل الآن في بلاد الكفر، عندهم أمطار بالليل والنهار، لكن هل هذا دليل رضوان الله عليهم؟ لا.
إنما يمتعهم الله ثم يضطرهم إلى عذاب غليظ: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً﴾ [آل عمران:١٧٨] من أجل أن يزداد العذاب عليهم.
وديننا الذي شرعه الله ، ونبينا الذي أرسله الله، وكتابنا الذي أنزله الله هو رحمة لهذه القلوب، يقول الله : ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف:١٥٦] الرحمة العظيمة وسعت كل شيء، فيا حرج ويا شقاء من ضاقت عليه هذه الرحمة ولم تسعه، ولكن لا تسعه إلا إذا توفرت فيه الشروط التي ذكرها الله ﵎ في سورة الأعراف، فقال: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف:١٥٦-١٥٧] أربعة عشر شرطاً لنيل هذه الرحمة، وللحصول على الفلاح أن تتوفر فيك كل هذه، فإذا توفرت بداية بالتقوى ونهاية بمناصرة هذا الدين واتباع هذا النور الذي أنزله الله على رسوله الكريم فأنت من المفلحين.
أسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يرزقنا غيث الإيمان والرحمة وغيث المطر إنه على ذلك قدير.
стр. 162
من أسباب عذاب القبر: التعامل بالربا
في هذه الليلة -أيها الإخوة الكرام- نختم أسباب عذاب القبر -أجارنا الله وإياكم منها- نختمها بالحديث عن السبب السابع الذي يُعذب أصحاب القبور بسببه إذا هم وقعوا فيه، خصوصاً أصحاب الثراء؛ لأن الفقير ليس عنده إمكانية أنه يرابي، لكن يقع في هذا السبب أصحاب الأموال الذين أكرمهم الله بالمال، وأحسن إليهم بالغنى، وجعل أيديهم العليا، وجعل الناس ينظرون إليهم ولا ينظرون هم إلى الناس، وكان الأولى بهم والأجدر أن يشكروا الله على هذه النعمة، كما قال قوم قارون لـ قارون: ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [القصص:٧٧] .
وهؤلاء أصحاب الأموال العريضة والطويلة الأجدر بهم والأولى والأفضل لهم والأصلح في حقهم في الدنيا والآخرة ما دام أن الله قد منحهم المال وأحسن إليهم بالرزق أن يحسنوا إلى أنفسهم بصرف هذا المال في طاعة الله وعدم مبارزة الله ومحاربته بهذا المال، فإن المرابي محارب لله ولرسوله، كل صاحب معصية لم يأذن الله بحربه كما أذن على صاحب الربا، قال : ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة:٢٧٩] أشعل الله الحرب بينه وبين المرابي، وأطلق الفتيل، وأعلمهم بأنه محاربهم، وفي الحقيقة لا مقدرة لهم ولا قوة ولا شأن لهم بالله ؛ لأن الله يقول: ﴿والله غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٢١] .
الربا موبقة ومهلكة ومعضلة خطيرة، وقع فيها كثير من الناس في هذا الزمان، زمن الانفتاح المادي، وزمن كثرة الخير، وانتشار الفضل، وعموم الرزق من الرزاق واهب الفضل ذي الجلال والإكرام، فوقع كثير منهم إما بالجهل، أو بعدم المبالاة، أو بالرغبة في الإثراء وفي تعدد وتكثير المال ولو عن طريق الحرام، وقعوا في هذه الجريمة المنكرة التي عدها رسول الله ﷺ من الموبقات -أي: من المهلكات- بل هي من أكبر الكبائر.
هذه الجريمة الخطيرة حرمت لأسباب ولأشياء ودواعي تواجدها في المجتمعات الإسلامية، وتسببها على الإنسان المرابي في الدنيا والآخرة.
стр. 163
أدلة تحريم الربا من القرآن
يقول الله : ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ﴾ [البقرة:٢٧٥] أي: يوم القيامة ﴿إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة:٢٧٥] الذي دخل فيه الجن، وقضت على العقل، يصبح يتخبط، فلا يعرف يتصرف، تجده يتكلم كلاماً غير معقول، ويتصرف تصرفات غير مسئولة، وربما يأكل أذاه؛ أي: يأكل حتى نجاسته وعذرته، وربما يقع على أمه، مجنون يتخبطه الشيطان وبعضهم يريد أن يلقي بنفسه من العمارة، وبعضهم يلقي بنفسه في النار، يفحس وجهه في جهنم.
هناك شخص مصروع إذا جاءه الجني لم يرض إلا أن يفحس وجهه في النار، من غير عقل، هذا المرابي يقوم يوم القيامة وحالته كحالة الذي يتخبطه الشيطان من المس، والسبب في هذا أنهم ﴿قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ [البقرة:٢٧٥-٢٧٦] .
ويقول : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ * وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٧٨-٢٨١] .
ويقول : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران:١٣٠-١٣١] .
стр. 164
علل تحريم الربا
لماذا حرم الله الربا؟ هذا السؤال يتردد على ألسنة وعقول عباد المادة، الذين جاءتهم نقود يريدون أن يستثمروها بأي وسيلة، يمصون دماء البشر، ولا يعانون من معاناة الآخرين، ولا يهمهم فقر الفقراء، أو موت الجائعين، إنما يهمه ما دام عنده فلوس لماذا لا يشتغل فيها بالربا؟ ولماذا حرم الله الربا؟ علل الربا ذكرها العلماء، فقالوا: إنها أربع: العلة الأولى: محض التعبد.
إذ لا يسأل ربنا عما يفعل وهم يسألون، ومقتضى العبودية: أن ترضخ وتستسلم لأمر خالقك ومولاك من غير أن تسأل، أنت عبد مأمور، وإذا أمرك الله بأمر أو نهاك عن نهي لزمك بمقتضى عبوديتك أن تقول: سمعنا وأطعنا، الله حرم؟ حرم، لماذا؟ ليس لك دخل في هذا.
لكن من فضل الله ورحمته أحياناً يبرر الأمر، أو يعلل للنهي ويبين الحكمة، فضلاً منه ورحمة، وإلا فلا حجة لنا في أن نطلب من الله؛ لأننا نصير عبيد منفعة، وإذا أمرنا الله ورأينا الحجة وكانت الحجة والعلة مقنعة وكافية ومبررة قبلنا أو رفضنا، فنحن إذاً لا نعبد الله، بل نعبد أهواءنا وعقولنا، يقول تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً﴾ [الأحزاب:٣٦] .
إن بيّن الله لك الحكمة كان فضلاً منه ونعمة، وإن لم يبين كان موقفك أن تستجيب لأمر الله، وأن ترضخ وتستسلم وأن تقول: سمعنا وأطعنا، فالعلة في الدرجة الأولى في كل العبادات والمنهيات محض التعبد أي: أن الله تعبدنا ابتلاءً واختباراً.
العلة الثانية: أنه لو أحل الربا لبطلت المكاسب ولتعطلت التجارات، إذ من يحصل على درهمين بدرهم، كيف يتجشم مشقة كسب التجارة وحمل البضاعة وتسويقها وعرضها وليس هناك حاجة أو إمكانية.
إن شخصاً يتاجر قد يقول: ما دام أنا عندي فلوس وأنا أعطي الناس ريالاً بريالين، أو ريالاً بعشرة، أو عشرة بأحد عشر، فلا داعي أن أذهب وأشتري أشياء ولا أشتري لي دكاناً ما دام الفلوس نفسها أتاجر فيها.
وببطلان التجارة وبتعطيل المكاسب البشرية تنقطع مصالح الناس وتنعدم الحياة الاجتماعية، إذ أن مصالح العالم لا تنتظم إلا بالتجارة وبالمبادلة والمعاوضة وبالحرف والصناعة، فالله أعلم بشرعه وما يصلح عباده، فهو حرم عليهم هذا ليتبادلوا المصالح، وليبدأ هذا بالشراء، أنا أعمل دكاناً في المأكولات، والثاني يعمل دكاناً في الملابس، والثالث يعمل دكاناً في الفواكه، لماذا؟ من أجل أن ننمي هذا المال، لكن إذا كان الربا مباحاً فأنا أعمل دكان صرافة، وهذا صرافة، وهذا صرافة، وبالتالي من يجلب المئونة للناس؟ من يعمل معوضات في التجارة؟ تصبح المعوضات فقط في الريال، ولا يصبح معوضات في بقية الأشياء، وتنقطع الحرف وتتعطل الصناعات والمهن وبالتالي ينقلب نظام العالم كله رأساً على عقب، هذه العلة الثانية.
العلة الثالثة: أن الربا يؤدي إلى انقطاع الفضل والمعروف والإحسان والقرض الحسن، الله ﵎ شرع القرض، وبين ثوابه، والحديث في السنن وفيه مقال: (أنه مكتوب على باب الجنة: الحسنة بعشرة أمثالها، والقرضة بثمانية عشر مثلاً فلما سأل ﷺ جبريل: ما بال القرض أعظم أجراً من الصدقة والقرض يعود والصدقة لا تعود؟ قال: إن المستقرض يستقرض من حاجة، والسائل ربما يسأل من غير حاجة) .
فعلاً الشحاذ والسائل أصبحت وسيلة عنده صناعة أو وظيفة، تجده يشحذ وجيبه ممتلئ بالنقود وعنده رصيد في البنك، لكن المستقرض لا يأتيك يستقرض إلا وليس معه ريال واحد، فكان أجرها أعظم؛ لأثرها على المستقرض، فلو أبيح الربا لتعطل هذا الجانب، وسوف ينعدم مبدأ المعروف، ولأصبح لما يأتي واحد تقول: بالله أنا عندي أزمة وأريد منك ألف ريال، قال: كم تعطي عليه بعد ذلك: ألف ومائة، أو ألف ومائتين، أو ألف وثلاثمائة؟ هل في هذا معروف؟ لا.
فيه زيادة والزيادة محرمة، ولكن الله حرمها ليبقى الإحسان، تأتي تريد ألفاً أعطني ألف ريال، هذا ألف ريال لكن متى ترده؟ وهذا مبدأ ينبغي أن نأخذ به حينما نقرض الناس؛ لأن كثيراً من الناس يستقرضون ويتسبب هذا القرض في قطيعة بين المستقرض والمقرض، يأخذ حقه وبعد ذلك لا يسدده، ثم بعد ذلك يتمنى أنه ما أقرضه؛ لأنه أقرضه من أجل تزيد الصلة بينه وبين زميله، فأصبح القرض سبباً للقطيعة بينه وبين زميله، إذ أنه لم يسدده في الوقت المعين، وربما أنكره المال؛ لأنه ما كتب عليه كتاباً، وربما أعطاه بعد تعب إذا طلبه، وبعض المستقرضين إذا جاء صاحب القرض يقول: أعطني حقي يا أخي؟ قال: أنت فضحتنا، أعطيتنا ألف ريال وكل يوم وأنت تطلبني.
يا أخي! أريد حقي، كيف فضحتك؟ أنت الذي جئت تأخذ مني حقي، فأحسنت إليك، لو أنني أقفلت الباب ذاك اليوم عليك وقلت: ما عندي شيء، أو ابحث لك عن غيري، أو عندي لكن لن أعطيك؛ لأني راصد هذا المبلغ لمشروع أو لمهمة أريد أصرفه فيها، كان قلت: شكراً في أمان الله، ما أخذته بصميل ولا بعصا، لكن لما فتحت بابي وفتحت جيبي وأقرضتك حقي تتخذني عدواً، فلا بد من الأمرين: أولاً: الكتابة، تأخذ منه سنداً؛ لأنه سوف ينسى وتنسى، ولا يذكركم إلا الكتابة.
ثانياً: أن تحدد أجلاً، إذا قال: أريد ألف ريال.
تقول: إلى متى؟ إذا قال: قريب.
قل: لا أريد قريباً، ماذا قريب؟ قال: شهراً أو شهرين، لكن شهرين صدق.
وأذكر مرة كنت في العمل، وجاءني أحد الإخوة فقال لي: أريد منك خمسة آلاف ريال؟ قلت: متى تردها؟ قال: أصلي معك صلاة العصر وأعطيك إياها في نفس اليوم وهو صادق، وأنا أذكر أننا نخرج من العمل الساعة الثالثة ونصل بيوتنا ونصلي العصر، والرجل بيته في الحجاز، ومتى يذهب ويأخذ ويعود، فعرفت أنه لا يأتي بها في العصر، فقلت: لا.
ردها في صلاة المغرب، قال: لماذا؟ قلت: المغرب صدق أما العصر كذب.
أي: لو صبرت عليك للمغرب وتأتي بها أحسن من عصر وترد لي الفلوس، قال: حسناً، والرجل جزاه الله خيراً من أجل الكلمة هذه وقعت في قلبه استأذن في الساعة الثانية، وذهب إلى البيت، ولما دخلت المسجد أصلي العصر وإذا به جالس في الروضة، ماذا فيك؟ خذ، قال: هذا عصر سداد ليس عصر كذاب، فالشاهد في الموضوع: أن المستقرض ينبغي أن يحدد الأجل ويكتبه في الورقة، وبعد ذلك لا تحزن إذا جاءك صاحب الحق يطلب حقه، قل: بارك الله فيك وجزاك الله خيراً (رحم الله امرءاً سمحاً إذا باع، سمحاً إذا اشترى، سمحاً إذا قضى، سمحاً إذا اقتضى) .
إذا جئت تطلب فاطلب بالمعروف، وإذا أعطيت تعطي بالمعروف، وكن سمحاً في جميع أمورك.
فمن أسباب وعلل تحريم الربا: أن الربا يفضي بالنهاية إلى قطع مبدأ الإحسان والإقراض بين الناس.
العلة الرابعة: وهو أن الغالب أن المقرضين هم الأغنياء، وأن المستقرضين هم الفقراء، ولو مُكن الأغنياء من الزيادة في القرض على الفقراء لأفضى هذا إلى الضرر وأُلحق زيادة التراكم في الديون على هذا المسكين، فهو ما جاءك يطلب إلا لأنه محتاج، فعندما تعطيه ألفاً ويرده بألف ومائة، معناه سديت حاجة لكن سببت مشكلة في أنك زدت في مسألة المال والرصيد والتراكم عليه، ولكن لو أعطيت المبلغ ألفاً بألف، سديت حاجة ولم تعمل له مشكلة.
هذه هي مجمل العلل التي ذكرها العلماء في علة تحريم الربا.
стр. 165
شرح لنصوص الوعيد في أكل الربا
стр. 166
حال قيام آكل الربا يوم القيامة
يقول الله -كنوع من الشرح بالنسبة للآيات الكريمة-: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ﴾ [البقرة:٢٧٥] أي: يوم القيامة من قبورهم: ﴿إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة:٢٧٥] أي: يصرعه الشيطان فيخبطه تخبيطاً من جهة الجنون، فإذا بعث الله الناس يوم القيامة وخرجوا من قبورهم مسرعين يخرجون وهم عقلاء إلا أكلة الربا فإنهم يقومون ويسقطون ويقعون على وجوههم وجنوبهم وظهورهم كما يحصل للمصروع، وسر هذا: أن الحرام الذي أكلوه بطريق المكر والخداع والمحاربة لله ولرسوله رَبَا في بطونهم؛ لأنه رِبا، ورَبَا: أي: كبر، حتى نفخها وأثقلها، ولذلك لما قاموا من قبورهم عجزوا عن حمل بطونهم؛ لأنه يأتي وبطنه مثل الجبال يوم القيامة، كل ريال دخل عليه من الربا يحشره الله وهو في بطنه يأتي به يوم القيامة، وصاروا كلما أرادوا الإسراع والسير مع الناس سقطوا وتخلفوا، ومعلوم أن النار التي تحشرهم إلى الموقف كلما سقطوا أكلتهم، وزاد عذابهم، فجمع الله عليهم في الذهاب إلى الموقف عذابين عظيمين: التخبط، والسقوط في النار ولفح جهنم وأكلها لهم وسوقها لهم بعنف -أعاذنا الله وإياكم من ذلك-.
السبب في هذا: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ﴾ [البقرة:٢٧٥] أي: العذاب الشديد الذي أذاقهم الله بسبب قولتهم الفاسدة وحكمهم القياسي المنكوس الذي بنوه على عقولهم القاصرة حين قدموها على النص الشرعي فقالوا: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا﴾ [البقرة:٢٧٥] .
هذه الكلمة للكفار، يقولون: البيع مثل الربا، لماذا يحل الله البيع ويحرم الربا، وهذه كلها سواء؟ وجعلوا الربا أصلاً وجعلوا البيع مقيساً عليه، مبالغة في حله، ومحبة له، واعتناءً بشأنه، ووجه القياس فاسد؛ لأنهم تخيلوا أنه كما يجوز شراء الشيء بعشرة ريال ثم يبيعها الإنسان بأحد عشر ريالاً، يجوز أن يشتري عشرة ريال ويدفعها بعد ذلك أحد عشر ريالاً، إذ لا فرق عندهم في هذه الصور، مع حصول التراضي من الطرفين، وغفلوا أن الله الذي شرع الشرائع ونزَّل تحريم هذا الأمر وحد لنا حداً ونهانا عن نهي، فوجب علينا كعبيد لله امتثال ذلك؛ لأن حدود الله لا تقابل بقضايا الرأي والمنطق والعقل، بل يجب تقديم أمر الله سواء فهمنا أو لم نفهم، هذا هو شأن العبيد وشأن التكليف، والعبد الضعيف القاصر المحدود ذو الرأي الناقص وذو العقل السقيم يتعين عليه الاستسلام لأمر الله القوي القادر العليم الحكيم الرحمن الرحيم.
ومتى حكم عقله وعارض أمر سيده ومولاه انتقم الله منه، وأذاقه العذاب الشديد ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ * إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ﴾ [البروج:١٢-١٣] ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر:١٤] .
ثم قال : ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ [البقرة:٢٧٥] أي: من زلَّت به القدم، وغفلت به الرجل، وسار في هذا الطريق، ووضع أمواله في الربا، ووصلته النصيحة، وبلغه الأمر: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ [البقرة:٢٧٥] أي: يغفر الله خطيئته الماضية: ﴿وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ﴾ [البقرة:٢٧٥] أي: تجاهل وشاقَّ الرسول وعصاه وتعالى على أمر الله وارتفع عليه: ﴿وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:٢٧٥] واحد تقول له: الربا حرام وهذا الدليل فيه من كتاب الله ومن سنة رسول الله ويقول: صدقت، ويستمر في الربا والمعاوضة، هذا متعالي على أمر الله، إذا كان الله هدد من يرفع صوته على الرسول أو يجهر له بالقول كجهره لأحد إخوانه في الله أن يحبط عمله، قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ﴾ [الحجرات:٢] أي: عند المحادثة معه ﴿كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات:٢] تحبط: أي تفسد وتبطل وترد، مهما كانت وأنتم صحابة، وهذه الآية نزلت في الصحابة، وحكمها معهم؛ لأن الرسول لا يرفع صوته عليه إلا وهو حي، ولكن العلماء أخذوا منها القياس قالوا: إذا كان من يرفع صوته أو يحادث الرسول محادثة كمحادثته لأخيه يوشك أن يحبط الله عمله، فكيف بمن يخالف أمر الرسول ﷺ ؟! كيف بمن يشاقه؟! والله يقول: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ [النساء:١١٥] وفي صحيح البخاري وصحيح مسلم: لما نزلت هذه الآية افتقد رسول الله ﷺ ثابت بن قيس بن شماس، وهذا صحابي جليل وكان خطيب النبي ﷺ كان جهوري الصوت قوي الحجة والبيان، إذا جاءه الخطباء يقول: أين ثابت؟ كما أن حسان شاعر النبي فـ ثابت خطيب النبي ﷺ ، فلما نزلت هذه الآية خاف الرجل وصار يصلي ويخرج من المسجد إلى البيت، ويغلق على نفسه بالغرفة، ولا يفتح لأحد، فافتقده النبي ﷺ فسأل عنه سعد بن معاذ ﵁ وقال: (يا أبا عمرو! ما صنع ثابت وأين هو؟ أيشتكي من مرض؟ قال: يا رسول الله! ما علمت عليه شكوى، إنه جاري) يقول: عرفت أنه ليس مريضاً؛ لأنه جاري، والجار يعرف عن جاره ليس مثل الآن، الجار يموت لا يدري عنه جاره الآن؛ لانقطاع الصِلات الإيمانية بين الناس، يقول: (إنه جاري ولو كان مشتكياً لعلمت ولكن آتيك بخبره، فخرج من مجلسه وطرق الباب على ثابت قال له: ما لك إن الرسول يسأل عنك؟ فقال: آية نزلت في كتاب الله أخشى أن يحبط عملي بسببها؛ لأني جهوري الصوت، وأخشى أن أرفع صوتي على رسول الله وأنا أكلمه أو أحدثه، مثلما أحدث واحداً منكم وأجهر بالقول كجهري لأحدكم فيحبط عملي، فلما رجع سعد بن معاذ إلى النبي وأخبره قال: لا.
بل يعيش سعيداً ويموت شهيداً ويدخل الجنة) وبشره الله، وهو من المبشرين بالجنة ﵁ وأرضاه؛ لأنه لا يشاق الرسول ولا يعصي الرسول ﷺ ولكن هنا: ﴿وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:٢٧٥] .
стр. 167
الربا محق مادي ومعنوي
ثم قال : ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا﴾ [البقرة:٢٧٦] وهذا فيه جواب على الذين يريدون أن يكثروا أموالهم بطريق الربا يقول الله لهم: لا تحاولوا المستحيل، فإن الربا الذي تقصدون من ورائه زيادة الأموال، الله يمحق الأموال بالربا ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا﴾ [البقرة:٢٧٦] أي: معاملة لفاعليه بنقيض قصدهم، فإنهم آثروه على الله وأحبوه على أوامر الله، تحصيلاً وطمعاً بالزيادة، غير ملتفتين ولا آبهين ولا مبالين بما يسببه لهم من غضب الله في الآخرة وهم دنيويون همهم زيادة المال، فمحق الله تلك الزيادة في الدنيا قبل الآخرة، ومحق المال من أصله، حتى صير عاقبتهم إلى الفقر المدقع، كما هو مشاهد في أكثر من يتعاطاه، وبفرض أنه مات على غِرَّة، يمحقه الله من أيدي ورثته، فلا يمر عليهم أدنى زمان إلا وقد صاروا في غاية الفقر والذلة والهوان، قال ﷺ : (الربا وإن كثر فإلى قِلِّ) أي: إلى المحق، أي: المحق هنا محق مادي ومعنوي، فالمادي أن الله يمحق هذا المال مهما كان.
ثانياً: من المحق المعنوي أن الله يرتب على المرابي الذم، ليس هناك شخص مرابي ويحبه الناس، بل يذمونه، والبعض يكرهونه وخصوصاً الفقراء الذين ليس عندهم شيء؛ لأنه ما عنده رحمة، ما عنده قرض حسن، إذا جاءوا يطلبون يقول: هات، الذم والبغض، وسقوط العدالة، والكراهية في قلوب الناس، وزوال الأمانة، وحصول اسم الفسق، والقسوة، والغلظة، فالذي يزيد عليه يدعو عليه، يقول: الله ينتقم منه، الله يعطيه وهو ما يعطيني، يدعو عليه بأنه أخذ ماله بغير حق، وذلك سبب زوال البركة من هذا المال الذي فيه لعنة الله ورسوله والعياذ بالله.
стр. 168
الصدقة بركة وزيادة في الدنيا والآخرة
ثم قال : ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة:٢٧٦] وهذا عكس ما هو مشاهد الآن في الميزان الاقتصادي المادي، أن الربا زيادة والصدقة نقص، لكن عند الله الربا نقص والصدقة زيادة، كيف؟ يقول العلماء: إذا كان عندك -مثلاً- أربعمائة ريال في جيبك، وعرض عليك مشروع خيري، أو رأيت فقيراً، أو علمت بأسرة محتاجة، وأخرجت من هذا المبلغ خمسين ريالاً أو مائة ريال، لما تأتي تعد الباقي في الشنطة تجد أن الباقي ثلاثمائة ريال، الظاهر أنه نقص، لكن الله يقول: ﴿وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة:٢٧٦] كيف يربيها؟ قالوا: أولاً: هذا المبلغ الذي أخذ منك يربيه الله في الآخرة حتى يصبح كالجبال الرواسي: (إن الله ليربي لأحدكم صدقته كما يربي أحدكم فلوه) أنت تضعها ريالاً لكنها تأتي يوم القيامة مثل الجبال، هذه واحدة.
ثانياً: يصرف الله عن الإنسان من الآفات والمشاكل التي كان بالإمكان أن تلتهم هذه المائة وأضعافها الشيء الكثير -فمثلاً- يصرف الله عنه مرض زوجته بأسباب الصدقة، ويصرف الله عنه السقم من أولاده بأسباب الصدقة، ويصرف الله عنه الحوادث في سيارته بأسباب الصدقة، ويصرف الله عنه الفساد في زراعته وتكون مزارعه باستمرار محفوظة، ويصرف الله عنه الكساد في تجارته، وتكون تجارته مطلوبة، وبضاعته مرغوبة، وجلبه للزبائن محبوب، بأسباب أنه أنفق، لكن لو أنه ما أنفق في سبيل الله، وأعطى هذه المائة لشخص قرضاً بمائتين بعد ذلك، لكن الله يمحقه؛ أولاً: تمرض المرأة، وإذا مرضت تلك الليلة يذهب بها إلى المستشفى، وفي المستشفى لا يريدون علاجها؛ لأنهم يقولون: بلاش، فيذهبون المستوصف ويخسر خمسين ريالاً وأعطاه قبضة حبوب، وبعد ذلك يمرض الولد، وبعد ذلك يوقف السيارة وإذا هي مصدومة في جنبها لا يدري من صدمها، وبعد ذلك زراعته تخرب وبركة أمواله وبركة حياته في أكله حتى في طعامه لا يجد له بركة بأسباب الربا، فالله يقول: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة:٢٧٦] يقول في الحديث: (ما نقص مال من صدقة بل تزيد، بل تزيد، بل تزيد) وفي بعض الآثار: [ما هلك مال في بر ولا بحر إلا بأسباب منع الزكاة] .
أحد التجار يخبرني حكاية عن تاجر في مكة، يقول: كان له تجارة بينه وبين الهند، وبعد ذلك الباخرة آتية، وكانت البواخر يوم ذاك تسير (بطرب) بدائية عن طريق الشراع وليس بالبواخر الحديثة، وفي البحر اضطربت الباخرة وهاجت وتكسرت، وكادت أن تغرق، ولكن ربانها -أهل السفينة- خففوا من البضائع أملاً في نجاة أنفسهم، ولا يعلمون لمن البضائع طبعاً؛ لأنهم مؤتمنين عليها آتين بها من الهند، فقاموا يأخذون من الكراتين ويرمون البضاعة، حتى بقي شيء تنجو به السفينة، إلى أن وصلوا ميناء جدة، وفي ميناء جدة كان كل التجار واقفين وكل واحد منهم لديه كشفه يريد أن يستلم بضاعته، ووجدوا أن البضائع كلها مرمية إلا تاجر بضاعته ما ذهب منها ولا كرتون، لما جاءوا عليه وإذا به من أهل الزكاة ومن أهل الصلاة ومن أهل الخوف من الله، وأولئك بضاعتهم فيها حرام، وفيها منع زكاة، وفيها ربا، ذهبت [فلا هلك مال في بر ولا بحر إلا بأسباب منع الزكاة] .
فهنا يقول الله: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة:٢٧٦] أي: يزيدها؛ لأنه كما جاء في الحديث الصحيح: (ما من يوم تشرق فيه الشمس إلا وملك ينادي يقول: اللهم أعط منفقاً خلفاً، وأعط ممسكاً تلفاً) هذه دعوة الملك يدعو لك كل يوم: يا من أنفقت في سبيل الله! يا من أنفقت فيما يرضي الله! أن الله يخلف عليك، الفقير عندما تعطيه ريالاً، يقول: خلف الله عليك، بارك الله لك، جزاك الله كل خير، الله يوسع عليك، الله يمدك، الله يعطيك، سبحان الله! ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ:٣٩] ﵎.
стр. 169
حرب الله على أهل الربا
ثم قال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة:٢٧٨] وهنا يقول العلماء: إن في نداء الناس بالإيمان وهو يدعوهم إلى ترك الربا فيه استثارة وتنبيه، فيه أنكم مؤمنون، كيف تؤمنون وتعملون الربا؟! هل يتصور؟! يا أيها الذين آمنوا! كيف تقعون في الربا وقد آمنتم بالله، ورضيتم به رباً، وبهذا الإسلام ديناً وبهذا الرسول نبياً، ثم تقعون في الربا؟! فيه إلهاب لهم واستثارة وإشعال لمشاعرهم، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [البقرة:٢٧٨] خافوا من الله، راقبوا الله، اجعلوا بينكم وبين عذاب الله وقاية من خوفه: ﴿وَذَرُوا﴾ أي: اتركوا ﴿مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا﴾ ثم قال بعدها: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ إن كنتم صادقين، إذ ليس مؤمناً من يرابي، وما هو بصادق أبداً، لو كان مؤمناً صادقاً لترك الربا ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة:٢٧٨] .
﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ [البقرة:٢٧٩] شخص رفض، قال الله : ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة:٢٧٩] إذا رفضتم خلاص استمروا في الربا، لكن قد أذن الله بحربكم: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة:٢٧٩] ويقول العلماء: الحرب هي على شاكلتين: حرب في الدنيا، وفي الآخرة، فأما الحرب التي في الدنيا فالخسارة العاجلة، والمحق لهذا المال، والقلق في القلب، والاضطراب في النفس، والحيرة في الفؤاد، وشقاء النفس، وعذاب داخلي يشعر به المرابي لا يمكن أن يجده أي إنسان على وجه الأرض؛ لأن الإنفاق والإعطاء نفع للناس يترتب عليه رحمة في القلوب، مردود عاجل، والقسوة على الناس ومزاولة الشدة عليهم، يترتب عليها قسوة في القلب وضيق في النفس ولعنة في الضمير -والعياذ بالله- هذا في الدنيا وجبة عاجلة.
قال: وأما الآخرة فإن الله يختم له بسوء الخاتمة، إذا لا يلهم الشهادة؛ لأن من اعتاد الربا وتورط فيه فإنه يختم له بسوء الخاتمة، وقد ذكر ابن القيم ﵀ كثيراً من حالات المرابين في كتابه الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي: أن كثيراً من المرابين حينما حضرتهم الوفاة كان يقال لهم: قولوا لا إله إلا الله، فكانوا يقولون: العشرة بعشرين، قل: لا إله إلا الله قال: العشرة بعشرين، ومات على العشرة بعشرين والعياذ بالله.
لكن هذا في الدنيا يختم له بسوء الخاتمة، وفي القبر يسلط عليه العذاب، ما هو العذاب؟ ورد في الأحاديث الصحيحة من حديث سمرة بن جندب في البخاري: (ثم انطلقنا إلى رجل يسبح في نهر من دم، وآخر واقف على طرف النهر، وعنده كوم من حجارة، وذاك يسبح إلى طرف النهر، فإذا قرب منه فغر فاه وضربه بحجر بفمه ثم نزل في بطنه ورجع إلى طرف النهر، ثم يرجع وكلما جاء ألقمه حجر، فقلت: من هذا؟ قال: هذا آكل الربا) هذا عذابه في القبر -أعوذ بالله وإياكم من هذا الحال- أنت تتقزز إذا وقع على ثوبك نقطة دم، أو إذا وقعت في يدك دجاجة مذبوحة أو ذبحت لك ذبيحة تغسل يديك بصابون بل بالديتول فكيف بمن يسبح في الدم؟! وبعد ذلك من يوم أن يموت إلى أن يبعثه الله يوم القيامة وهو في الدم، لماذا الورطة هذه؟ من أجل ماذا؟ من أجل تبني عمارة أو تشتري سيارة جديدة أو تتزوج بزوجة، بعض الناس يقول: أنا مضطر للربا، لا يا أخي! والله أنت لست مضطراً للربا، فاصبر على الفقر وعلى الجوع وعلى أن تأكل الطين تعجنه وتأكله ولا تصبر على النار لحظة واحدة، فلا يا أخي! صبرك على نفسك في الدنيا ولا صبرك عليها في النار في الآخرة، لا توقع نفسك في الربا بأي حال من الأحوال.
стр. 170
حال التائب من أكل الربا
ثم قال : ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ﴾ [البقرة:٢٧٩] ذلك الذي لم يرفض يأذن بحرب من الله ورسوله، والذي يتوب إلى الله: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ [البقرة:٢٧٩] راجعوا حساباتكم، واشطبوا الزيادات التي أخذتموها على الناس، إن كانت قروضاً وخذوا فقط رأس المال ﴿لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ * وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ [البقرة:٢٧٩-٢٨٠] أي: إن كان هذا المدين الذي أخذت منه أعطيته الدين على أمد أن يرد أكثر أو أسقطت منه الربا طبعاً ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة:٢٨٠] أي: من توبتك لله ألا تشد عليه وتقول: لا.
أنا أعطيتك ألف بألف ومائة الآن هاتها الآن ولا أشتكي، هات ألف والمائة سامحتك بها، لا أنظره إلى أن الله ييسر عليه، ثم قال: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة:٢٨٠] أي: إذا كان تركت شيئاً من مالك فضلاً عن ذاك الربا تركته فإن تركته كان ذلك خير لك في الدنيا والآخرة.
هذا ما يتعلق -أيها الإخوة- بالشرح الإجمالي لهذه الآيات.
فتأملوا -أيها الإخوة- كيف وعد الله آكل الربا هذا الوعد الشديد الذي يظهر لمن له بصيرة في الدين قبح هذه المعصية وشؤمها ومزيد فحشها، لما يترتب عليها من العقوبات العظيمة في الدنيا والآخرة، لا سيما محاربة الله ورسوله التي لم يترتب على شيء من المعاصي إلا على صاحب الربا والعياذ بالله.
وإذا ظهر للإنسان العاقل قبح هذا الأمر وتاب إلى الله عن هذه الفاحشة المهلكة، فإنه يحمد الله عليها.
стр. 171
حال الربا وآكله في السنة المطهرة
لقد شرح رسول الله ﷺ في الأحاديث التي سوف نتلوها ما طوي في هذه الآيات:
стр. 172
الربا من السبع الموبقات
فمنها: ما أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين، والحديث عن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ : (اجتنبوا السبع الموبقات، قيل: وما هي يا رسول الله؟! قال: الشرك بالله والسحر) والسحر إما أن يكون عملاً أو تخلصاً، فمن الناس من يذهب يفعل سحراً لرجل أو امرأة، ومن الناس من يكون هو نفسه مسحور فيذهب إلى ساحر لفك السحر، ولا يجوز لك أن تذهب إلى ساحر لا لفعله ولا لفكه؛ لأنه من الموبقات، وإذا حصل السحر فعليك بالرقى الشرعية التي وردت بها الأدلة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، والصبر والاحتساب، والعاقبة دائماً لأهل الإيمان، صحيح لما تذهب إلى الساحر يبين أن فيك سحراً فيفكك منه، لكن قد خسرت دينك، ولكن إذا صبرت على السحر، وسلكت الطرق الشرعية في الرقى بالآيات الكريمة وبالأحاديث النبوية، ودعوت الله أن يخلصك من هذا، فإن الله يبتليك ويختبرك، ثم يكون نهايتك السلامة بإذن الله.
وأذكر شخصاً من الإخوة كان له زوجة، ووضُع له سحر بينه وبينها، فكانت تراه على شكل غير الشكل الذي هو عليه، إذا دخل كانت ترى رأسه كبيراً جداً مثل أكبر رأس، فتصيح ولا تنظر فيه، تبكي إذا رأته من هول منظره؛ لأنه خيل لها في عيونها عن طريق السحر أن رأسه مثل جسمه عشر مرات، فإذا خرج من عندها تقطع قلبها عليه حباً ورغبة، فإذا دخل قامت تبكي وما تريد تراه، وبعد ذلك هذا الرجل الموحد ما ذهب إلى هؤلاء الكهنة ولا إلى المشعوذين ولا إلى السحرة، ولكن اكتفى بالرقى الشرعية، واستمرت به الحالة تقريباً سنة ونصف، وهو باستمرار على الرقية بالليل والنهار، كلما دخل على امرأته قام يرقيها، وكلما حصل له شيء في نفسه أخذ يقرأ القرآن، وذهب إلى العلماء وأخذ الرقى وتعالج، وبعد فترة منّ الله عليه بالنعمة وخلَّصه من السحر، وذهب ما بزوجته وأبدل الله ذلك السحر محبة ووفاقاً وحياة زوجية سعيدة، وسلم دينه وآخرته، لكن بعد نوع من الابتلاء والامتحان.
(وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف) أي: الهروب من ملاقاة أعداء الله: (وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات) أي: اتهامهن بالريبة وبالفحشاء.
стр. 173
عقوبة آكل الربا في الحياة البرزخية
وأخرج البخاري الحديث الذي ذكرت لكم من حديث سمرة بن جندب قال: (رأيت الليلة رجلين أتياني فأخرجاني فقالا لي: انطلق، فانطلقنا، فأتينا على نهر من دم فيه رجل قائم وعلى طرف النهر رجل بين يديه حجارة فأقبل الرجل الذي في النهر فإذا أراد أن يخرج رمى الرجل الذي على الشاطئ بحجر في فيه فرده حيث كان، فجعل كلما جاء رجع ورُجم، فقلت: ما هذا الذي رأيت؟ قيل: هذا آكل الربا) .
стр. 174
لعن آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه
وأخرج مسلم في صحيحه قوله ﷺ : (لعن الله آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه) كلهم ملعونون، إما تؤكل أو تأكل أو تكتب أو تشهد عليه، واقع في اللعنة من بعيد.
وأخرج البخاري أيضاً وأبو داود: (أن رسول الله ﷺ لعن الواشمة والمستوشمة) الواشمة: التي تعمل وشماً في الوجوه أو الأيدي، في الماضي كانوا يشمون النساء كنوع من التزين والجمال، لكنه وشماً يغير خلق الله؛ لأنه يبقى -يخرقون في الجلد أو الوجه ويضعون كحلاً على الدم، وبعد ذلك يندمل الجرح ويبقى أثره أسود- هذه ملعونة.
(والنامصة والمتنمصة) النامصة: التي تحلق أو تنتف شعر الحواجب.
(والواشرة والمستوشرة) والواشرة: التي تفعل لها مجاري في أسنانها من أجل الحسن لتغير خلق الله .
(والواصلة والمستوصلة) وهي التي تصل شعرها، تربط شعراً بشعرها من أجل أن تظهر للناس أنها كثيرة الشعر، ويدخل في هذا (الباروكة) إذا كان الوصل ملعون صاحبه فمن باب أولى المركب الذي يركب شيئاً غلطاً؛ لأنه عيب وتدليس أن يأخذ الإنسان، وهذا موجود عند النساء، ولكن قد سمعت أنه موجود عند بعض الرجال، فإنه يركب له (باروكة) ولا أعلم ما الذي ينتظر؟ يخطبه والعياذ بالله.
(لعن الواشمة والمستوشمة، ولعن آكل الربا وموكله) وهذا في صحيح البخاري وفي سنن أبي داود (ونهى عن ثمن الكلب، وكسب البغي، ولعن المصورين) .
أخرج الحاكم في مستدركه وصححه قال: (أربع حق على الله أن لا يدخلهم الجنة ولا يذيقهم نعيمها) وطبعاً الذي ما يدخل الجنة لا يقعد عند الباب بل يذهب إلى النار.
(مدمن الخمر، وآكل الربا، وآكل مال اليتيم، والعاق لوالديه) -أعاذنا الله وإياكم من ذلك.
стр. 175
من أكبر الكبائر: عقوق الوالدين
إن من العقوق: أن ترفع صوتك على أمك أو على أبيك، لو قلت لها: أف فقط، فأنت عاق، انتبه! خصوصاً الشباب الطيب؛ لأنهم من فضل الله التزموا بكثير من الجوانب لكنهم ربما وقعوا في معصية عقوق الوالدين، حتى ولو كانوا غير صالحين لا يجوز لك أن تعقهم؛ لأن الله يقول: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا﴾ [لقمان:١٥] ولكن ماذا؟ ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً﴾ [لقمان:١٥] فلا بد من الطاعة ومن البر ومن الإحسان ولا بد من الخضوع للوالد مهما كان ولو كان كافراً إلا في أمر الله لا تطيعه، فإذا قال لك: لا تصل، فلا طاعة له في معصية الله، أما أن يناديك يدعيك وأنت نائم أو جالس وتقول: تعبان، أو تناديك أمك تريد منك غرضاً تريد تساعدها تريد منك شيئاً وتقول: لا، فيما بعد، قل: حاضر، لماذا؟ لأنه إذا دعتك وصرت سريع الإجابة وخرجت على طول في طلبها، من يوم أن تخرج وهي تدعو لك، تقول: الله يوفقك، ويرشدك، ويهديك، ويسددك، ويحفظك في الدنيا والآخرة، دعوة الوالدة هذه ما أعظم منها، وكذلك العكس إذا دعتك ولم تجب، وذلك ما لها سلطة عليك إذا أصبحت رجلاً تأتي تضربك! فماذا يحصل منها؟! ترجع إلى نفسها فتدعو، تقول: الله لا يوفقك، الله يجعلها في وجهك، وتدعو عليك، وربما توافق واحدة منها، وممكن ما هي صادقة في بعض الأمور؟ لكن إذا وافقت باباً مفتوحاً فإن الله يرفعها فوق السماء وتتفتح لها أبواب السماء.
حدثني من أثق فيه قصة عجيبة موجودة هنا في الواديين، فهي قصة معاصرة قريبة، والذي يحدثني هو الذي يعرف صاحبها، يقول: كان هناك رجل معروف في إحدى القرى ببر والديه، مشهور، كانت له والدة يبرها براً لا يمكن أن يبر أحداً من الناس، لا يمكن أبداً أن ينام إلا إذا ذهب إلى فراشها وتفقد حالها وقام (بتكبيسها) وبإرجاع الدفاء عليها ثم تقبيلها، ثم يقول لها: يا والدتي سلمي عليَّ، سامحيني ادع لي، ثم تدعو له ويذهب إلى فراشه.
ولا يمكن أن يأكل الطعام إلا بعدها، ولا يشرب القهوة إلا بعدها، ويأتي بالطعام الطيب والكسوة الطيبة لها ولا يفضل زوجته عليها، المهم بار عظيم البر بأمه.
يقول: في يوم من الأيام خرج من قريته، يريد أن يذهب إلى السوق، سوق خميس مشيط متجهاً من الواديين إلى الشرق إلى أحد رفاقه، وكانوا يركبون على الدواب، ويقومون قبل الفجر من أجل يقطعون الطريق ويصلون إلى الأسواق قبل الشمس وقبل أن ينفض السوق، يأخذون السوق من أوله، يقول: فقام قبل الفجر، وشرب قهوته وأمه موجودة وزوجته، ثم نزل وركب على حماره، وقامت أمه وهي معه تودعه إلى الباب وتدعو له: الله يوفقك، الله يشرح لك الأمر، الله يجعل لك التسديد، وتدعو له بدعاء عظيم، وبعد ذلك رجعت تنام وهو ذهب إلى غرضه، وفي الطريق يقول: وهو بين القرية وبين جبل (ضنك) ، هذا الذي بالمدينة العسكرية معروف اسمه جبل (شكر) في التاريخ واسمه ضنك الآن، يقول: وهو ماشي مع شروق الشمس، إذا بذلك الحيوان المفترس الذي ليس له مثيل بالدنيا، يقول: فيه عدة أوصاف من مجموعة حيوانات، الطول طول البعير، والرقبة قصيرة ليست برقبة البعير، لكن الخرطوم والرأس أشبه برأس السبع، ولكنه مدبب، يقول: أوله مثل الدبوس، وآخره مخروطي الشكل، يقول: ولما رأيته من بعد، يقول: صحت عليه، كعادتنا إذا رأينا ذئباً أو رأينا سبعاً أو شيئاً نصيح عليه، ما نخاف منه وهو طبعاً يشرد، يقول: فأنا عملت عليه هذا الأسلوب ظناً مني أنه سوف يشرد، يقول: صحت عليه بصوت قوي، يقول: فما هو إلا أن وجه عليّ، يقول: والتهم الأرض بيني وبينه في أقل من لحظة مثل البرق، يقول: فاغراً فاه، يقول: موجهاً عليَّ بشكل كاد يلتقمني أنا وحماري وأنا على الحمار، يقول: والله ما بقي بيني وبينه إلا أمتار، وأنا مستسلم، ماذا أفعل؟ لا يمكن أن أقف لهذه المصيبة وهذه الداهية، يقول: وإذا بصوت في الجبل وراء الرجل كان صياح امرأة، هو (صياح أمه) والدتي تصيح والصوت ليس من هنا من وراء بل من أمامي، يقول: فوقف عندي والتفت الحيوان إلى الصوت، يقول: ثم رجع، يقول: أنا حينما شعرت بأني نجوت من هذه المهلكة، لا أملك في تلك اللحظة ولا مقداراً من القوة ولا القدرة على أني أتحرك أو أمشي أو أرجع، يقول: بل كان كمن قتل ومات ثم بعثه الله، يقول: كأنه قد حكم عليّ بالموت والله أحياني، يقول: فضربت بعصاي طرف رأس الحمار -الدابة- يقول: ورجعت لا أريد السوق، لا أريد أبيع ولا أشتري ولا شيئاً، يقول: ورجعت وأنا متعب إلى البيت، يقول: وربطت حماري في الفناء، ودخلت البيت، وأدخل وإذا بوالدتي تبكي، ويوم رأتني، يقول: قامت عليّ وأخذتني واحتضنتني بقوة وبعناق شديد، وقالت: الحمد لله، الحمد لله.
قال: ما بك يا أمي! ما الذي حصل؟ قالت: يا ولدي رأيت لك رؤيا مفزعة.
قال: وماذا رأيتي؟ قالت: رأيتك أنك في يوم تأتي مكان (فلان) في المكان نفسه.
يقول: والله نفس الموقع بالضبط.
تقول: وأنت ماشي، والشمس شارقة، إلا وذاك الوحش الذي هجم عليك يا ولدي، ما بقي بينه وبينك شيء، وأراد أن يأكلك، تقول: ورأيته أنه يريد يأكلك فصرخت بأعلى صوتي، تقول: وإذا به يقف وتلفت فيّ وإنه يرجع عليك وأنت مكانك والحمد لله الذي ردك، فسبحان الله الذي لا إله إلا هو!! كيف حفظ الله هذا الرجل بسبب بره وطاعته لأمه، الصوت بالواديين ويسمعه عند (ضنك) ، بأسباب ماذا؟ الصوت يحمله الله ، مثل قصة سارية الجبل، فقد كان عمر في المدينة وسارية في بلاد الشام، والمعركة محتدمة والعدو يريد أن يدخل عليهم من وراء الجبل، فيقطع عمر الخطبة يوم الجمعة ويقول: يا سارية الجبل، فيسمعه أهل الموقف كلهم في الشام، ويرجعون إلى الجبل وإذا بالعدو قد التف عليهم من الخلف، وينجي الله الذين آمنوا بهذه المعجزة العظيمة وبهذه الكرامة، فهذه كرامة لهذا الرجل ببره بوالدته.
فعقوق الوالدين -يا إخواني- من أعظم المعضلات، ولا ينبغي لمن يؤمن بالله واليوم الآخر أن يعق والده أو والدته، بل عليك أن تكون سامعاً مطيعاً رقيقاً طيباً، وإذا قال لك أبوك أو أمك أي شيء، قل: طيب، أبشر، حاضر، ولو كانت هناك عليك مشاكل أو تعب؛ لأن الله يقول: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً﴾ [الإسراء:٢٣-٢٤] .
стр. 176
الربا ثلاث وسبعون باباً
أخرج الحاكم على شرط الشيخين والبيهقي قال: (الربا ثلاث وسبعون باباً، أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه) .
وروى ابن ماجة بسند صحيح، كما رواه البيهقي أن الرسول ﵊ قال: (الربا سبعون باباً أدناها أن يقع الرجل على أمه) والذي يمارس الآن أعلى شيء، لكن أقلها كأن يأتي الرجل أو يقع الرجل على أمه والعياذ بالله.
وأخرج الإمام أحمد بسند صحيح والطبراني أن رسول الله ﷺ قال: (درهم ربا يأكله الرجل وهو يعلم أشد من ست وثلاثين زنية في الإسلام) .
стр. 177
ليست السعادة في زيادة الأموال
أخرج الإمام أحمد في حديث طويل، قال: (رأيت ليلة أسري بي، لما انتهينا إلى السماء السابعة نظرت فوقي، فإذا أنا برعد وبرق وقواصف -في ليلة الإسراء والمعراج- فأتيت على قوم بطونهم كالبيوت) البطن مثل العمارة، طبعاً لا يكبر رأسه ورجليه، لكن الذي يكبر بطنه حتى يصير مثل العمارة ورأسه هناك بسيط، كيف تقلب هذه البطن؟ كيف تأخذه وتمشي به؟! لا إله إلا الله! ولماذا تملؤه -يا أخي- بالحرام الآن، وأنت تأخذه فوق ظهرك يوم القيامة، تطبخ ورق، تأكل أكثر مما يأكله الفقراء، يا أخي! ليست الدنيا كلها كسرة وخرقة، هذه الدنيا يكفيك منها ما سد جوعتك ووارى عورتك، فإن كان معك كوخ يضلك، ودابة تقلك فبخٍ بخ، ليس هناك أحسن منك، لماذا تجمع وتريد ترصد أرقاماً.
стр. 178
زيادة المال زيادة في التعب والقلق
أحد الأثرياء وأنا في الرياض يقص لي حالته يوم كان بسيطاً وفي بداية تجارته وحالته الآن أنه من أثرى أثرياء المملكة، وكنت في بيته معزوماً عنده، والمجلس ممتلئ بالضيوف فنحن في وليمة كبيرة أعدها لي جزاه الله خيراً، وقلت له: أسألك بالله أي الحالتين أفضل عندك الآن أو سابقاً؟ قال: والله تلك الحالة أحسن من الآن إنها كلمة تأتي من إنسان يعرفها.
قلت: اسمعوا يا جماعة! قلت: لماذا طيب؟ قال: حاجة الإنسان مبنية على أربعة أشياء: على أكل ولبس وزوجة وسكن، يقول: هذه متوفرة لكل شخص، يقول: وما فوق هذا تعب، فوق هذا أرقام، فقط جمع نقود، وماذا يفعل الشخص يفصل له ثوب سعره خمسمائة، و, إذا أراد بعضهم أن يفصل له ثوباً، يطبخ له ورق ويأكل؟ يسكن بيتاً من ورق أبو مائة أو ذهب؟ لا سيسكن كما يسكن الفقير، وسيأكل كما يأكل الفقير، وسيلبس كما يلبس الفقير، وسيتمتع وينكح كما ينكح الفقير، بل الفقير يتمتع بهذه أكثر من الغني، بعض الأغنياء طعامه حبوب، بعض الأغنياء ممنوع من كل شيء، كل شحماً قال: ممنوع، عندي حساسية، كل أرزاً؟ قال: ممنوع عندي سكر، كل فاكهة؟ قال: ممنوع عندي حموضة، فماذا تأكل؟ قال: والله ما غير فنجال حليب أو كسرة عيش، وأمواله ماذا يفعل بها؟! بينما تعال عند الفقير، يلحق لك الصحن من طرفه إلى طرفه ولا عنده لا حساسية ولا حموضة ولا شيء، هذا أحسن من هذا والله.
كذلك بعض التجار والأثرياء مع زوجاتهم، زوجته في عذاب معه، لا تعرفه ولا يعرفها؛ لأنه مشغول بالأموال، النهار يطلب والليل يحاسب.
стр. 179
قصة السعادة في بيت متواضع
يذكر بعض أهل العلم: أن رجلاً كان من أهل الثراء وكانت زوجته مسكينة في عذاب، مشغول باستمرار، كلما دخل يدخل وهو زاهق، قد تحطم، وإذا جاء وصبت له القهوة برد ثم شربه، لماذا؟ مشغول يحاسب الدفتر، إلى أن ينام عند الفجر، وإذا جاء الصباح قام وأخذ دفاتره وذهب إلى التجارة، وهي مسكينة.
بينما كان لهم جار آخر وهذا الجار كان يشتغل سقاء، يأخذ في الصباح (سقته) ويذهب يبيع وبعد ذلك يذهب إلى السوق يشتري لحماً وخضرة وأشياء أخرى ويجلس مع زوجته في أكل وشرب وفي بسط وفي ضحك يتكلمون، وفي الليل في أنس.
وقد كانت آنذاك (المرازيب) ليست مثل حماماتنا، كان الذي يغتسل يسمعون صب المرزاب في الأرض، فيسمعون المرزاب يصب كل يوم من عندهم، وهذا مرزابه ناشف من شهر، فذهبت امرأة التاجر، تزور امرأة الفقير وهم جيران.
قالت لهم: أراكم ما شاء الله مبسوطين، وعندكم ضحك، ودائماً في سمر، وعندكم استئناس، وأسمع المرزاب يصب كل ليلة، كيف حالكم؟ قالت: الحمد لله في نعمة.
قالت: وماذا عندكم؟ قالت: زوجي يشتغل سقاء يبرد له من الصباح يذهب يبيع لأناس نحن معاملون لهم، ويأخذ الفلوس ويشتري بها أغراض ويأتي ونأكله والحمد لله، وفي نعمة من فضل الله، كيف أنت؟ قالت المرأة: والله إني في مصيبة مع هذا الزوج، عندنا أموال لكن والله ما أراه إلا من السواد إلى السواد، ولا يدخل البيت إلا يحاسب وينام، ماذا أقضي به وأقضي بأمواله، لكن يكون خيراً إن شاء الله.
ذهبت تريد أن تدبر لها مكيدة، وكيد النساء عظيم، ذهبت إلى زوجها في الليل وهو يحاسب قالت: يا فلان! اليوم أنا ذهبت عند جيراننا، وقد رأيتهم في حال لا يعلم به إلا الله من الفقر والحاجة، وهم في ضيق، ولا عندهم شيء، وأنت عندك أموال والله يخلف عليك، أريد منك طلبات للمرأة، وقد طلبني زوجها تعطيهم عشرة آلاف ريال يبيعون فيها ويشترون، يحفظون لك رأس المال والمكسب بينكم وبينه.
قال: حاضر لا مانع عندي.
أخذت العشرة آلاف منه وجاءت في الصباح وذهبت إلى المرأة وهي تنظر إلى الرجل.
قالت: زرتكم في الأمس ووجدتكم في حالة خفت عليكم ما عندكم شيء، والآن طلبت زوجي وأعطاني عشرة آلاف، أتيت بها لك من أجل تبيع فيها وتشتري، وتحفظ له رأس المال، والمكسب بينك وبينه نصف.
قال: بارك الله فيكم وجزاكم الله خيراً، وهذا حق الجار على الجار، فذهب الرجل وفرحت المرأة، من أجل أن يصيروا تجاراً، المهم أخذ الفلوس وخرج ذاك اليوم، ولا رجع إلا بعد العشاء.
ولما رجع وإذا به يحاسب، بعنا وشرينا، المهم ما جاءه النوم إلى نصف الليل، ثم نام، ولم يكن في تلك الليلة مرزاب، وفي اليوم الثاني كذلك خرج من الصباح ما جاء إلا بعد العشاء، واليوم الثالث والرابع هكذا، مر أسبوع وأسبوعان والرجل قد انفتحت عليه الدنيا، وأصبح وراءها، قامت المرأة وقالت: هذا المال يشغلك عنا ويشغلنا عنك، والله إن كنت تريدني، هذا المال الله لا يبارك فيه ولا نريده، نريد أن نكون على حالتنا الأولى، وعلى الخضرة حقنا، وعلى اللحمة الأولى، لا نريد غير هذا، وبعد ذلك أخذت رأس المال ورجعته إلى التاجرة هذه وقالت: الله يبارك فيك أنت وزوجك، وخذي فلوسك وأنا وزوجي في سعادة بدون مالكما.
فالسعادة -أيها الإخوان- ليست في تكثير الأموال ولا في تجميعها، وإنما السعادة في دين الله ﵎.
стр. 180
سوء عاقبة آكلي الربا
يقول في الحديث: (فأتيت على قوم بطونهم كالبيوت -كالعمارات بطنه- فيها حيات) الله أكبر! تحول المال إلى حيات وعقارب، يقلقل ويصلصل داخل بطنه.
(فيها حيات ترى من خارج البطون) البطن شفاف من انتفاخه، منتفخ مثلما تنفخ البالونة حتى تبقى شفافة وداخلها الحيات والعقارب، والناس يرون هذه الأموال والأكياس والسيارات والعمارات تحولت إلى حيات وعقارب داخل بطنه، قلت: (يا جبريل! من هؤلاء؟ قال: هؤلاء أكلة الربا) والعياذ بالله.
وأخرج الأصفهاني عن أبي سعيد الخدري ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: (لما عرج بي إلى السماء نظرت في سماء الدنيا، فإذا رجال بطونهم كأمثال البيوت العظام -العمارات الضخمة- قد مالت بهم بطونهم، وهم منضدون -أي: مرميون - على سابلة آل فرعون، موقوفون على النار كل غداة وعشي يقولون: ربنا لا تقم الساعة أبداً.
قلت: يا جبريل! من هؤلاء؟ قال: هؤلاء أكلة الربا من أمتك لا يقومون إلا كما يقوم الذي يخبطه الشيطان من المس) .
فيا أخواني! هل بقي مبرر لشخص يرابي؟ لا والله لا يوجد مبرر أبداً، بل علينا من الآن من كان له مبلغ في أي مكان من أجل الربا عليه أن يعود إلى الله، ويتوب إلى الله، ويقنع بالحلال، ويكتفي بما رزقه الله ، ليبارك الله له في رزقه في الدنيا، ويبارك له في رزقه في الآخرة.
أسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يرزقني وإياكم حسن القول وصالح العمل، والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
следующие страницы →