← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 7737

من أسباب عذاب القبر

سعيد بن مسفر

Полный текст (228 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الأسئلة

стр. 37

حديث (هدايا العمال غلول) السؤال ما صحة الحديث: (هدايا العمال غلول) ؟ الجواب هذا الحديث مشهور، ولكني لا أعرف مدى صحته، وأَعِد الأخ السائل أن أبحث عنه إن شاء الله.

стр. 38

بداية القصر في السفر السؤال هل للمسافر أن يقصر الصلاة منذ عقد نية السفر، أم لابد من خروجه من المكان الذي هو مقيم فيه؟ الجواب صورة المسألة: رجل يريد أن يسافر إلى الرياض، وبعد ذلك أدركته صلاة الظهر وهو في أبها، وسفره قائم وموعده بعد دقائق أو بعد ربع ساعة وأدركه الوقت، هل يقصر الصلاة هنا أم لابد أن يخرج حتى يسمى مسافراً؟ اختلف في ذلك أهل العلم، فقال الإمام مالك والشافعي وأحمد وجماعة من السلف والتابعين: لا يجوز لمن نوى السفر أن يقصر حتى يخرج من بيوت قريته أو بيوت مدينته ويفارق البنيان ويتركها وراء ظهره. هذا قولهم. وقال بعض أهل العلم: يجوز له ويباح له أن يقصر إذا نوى السفر؛ وإن كان لا يزال في بلده، والصحيح الذي عليه الدليل، وهدي الرسول ﷺ أنه لا يجوز له أن يقصر حتى يسافر، والدليل ما ذكره الله في القرآن، قال الله : ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾ [النساء:١٠١] فلا يسمى الإنسان ضارباً في الأرض حتى يباشر السفر، أما إذا كان لا يزال في بيته، فحتى وإن نوى السفر فإنه لا يسمى ضارباً، فقد علق الله إباحة القصر في الصلاة على الضرب في الأرض، قال: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾ [النساء:١٠١] . الدليل الآخر ما رواه البخاري ومسلم عن أنس ﵁، قال: (صليت مع النبي ﷺ الظهر بـ المدينة فصلاها أربعاً، وبـ ذي الحليفة قصرناها اثنتين) فدل ذلك -وهو قبل السفر- على أنه إذا صلى في المقر الذي يقيم فيه؛ فأن عليه أن يتم، وإذا صلى بعد أن يباشر السفر؛ فإنه يجوز له أن يقصر.

стр. 39

حكم تقاضي الكفيل من العامل مبلغاً من المال السؤال ما حكم استقدام العمال من الخارج ثم تركهم يعملون نظير أجر محدد يأخذه كفيلهم منهم في آخر كل شهر قليلاً كان أو كثيراً، وذلك رَغماً عن العامل -رضي أو لم يرضَ- وهل إذا رضي العامل يحل ذلك؟ الجواب هذا الكلام حرام في دين الله ، وقد أفتت هيئة كبار العلماء بأن ذلك لا يجوز؛ لأن الله قد حرم على المسلم دم ومال وعرض أخيه المسلم، فقال ﷺ : (كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه) وهذا مسلم، لماذا تأخذ عليه ضريبة؟ لماذا تأخذ عليه جزية؟ لماذا تمارس في رقبته تجارة؟ لكسلك وجهلك وانحطاطك، فكثير من الناس الآن يقوم بعمل مؤسسة وهمية كاذبة، ثم يقول: أريد أن أحضر لي عمالاً، ثم يستقدم له عشرين عاملاً ومن ثم ينام هو، لأنه إنسان فاشل في الحياة، فتجده يقول للعشرين هؤلاء: اذهبوا، وكل واحد منكم يأتي لي في آخر الشهر بخمسمائة ريال، فتصير عشرة آلاف، أي: راتب شهري، تأتيه عشرة آلاف ريال وهو نائم في البيت، لا عَمِل ولا اشتغل، ويأخذها من رقاب المسلمين الضعفاء، فهذا حرام ولا يجوز، سواء رضي العامل بذلك أو لم يرضَ، حتى وإن رضي فإن الرضا هذا ليس منبعثاً عن قناعة، وإنما يسمونه رضا الإذعان، لكن لو جئت وقلت: لا. لن آخذ منك شيئاً فلن يرغمك، لأنه يعرف أنه إذا لم يعطك فإنك تُرَحِله. فهو يعطيك إذعاناً لا يعطيك رضاً، والحكم هو حرمة ذلك، فلا يجوز لمسلم أن يفعله، وعلى المسلم الذي يفعله أن يتوب إلى الله ﵎ من هذا الأمر، الذي هو والعياذ بالله حرام.

стр. 40

حكم الطلاق الوارد على صفة اليمين السؤال ما رأيكم فيمن يجعل الطلاق كلاماً عابراً على لسانه، فيطلق على الضيوف، ويطلق إذا رفض الضيف أن يأكل، وإذا طلق وفجره الضيف قال للناس: اشهدوا أني استرجعت، وإن امرأتي لا زالت في عصمتي، وهل يعتبر هذا الطلاق أو لا يعتبر؟ الجواب أولاً: لا يجوز للسائل أن يقول: ما رأيك؛ لأنه ليس هناك رأي في الدين، والذي يجب عليه أن يقول: ما حكم الشرع في كذا وكذا؛ لأن الدين بالدليل ليس بالرأي. والطلاق شيء شرعه الله في دينه كحل وكمخرج نهائي عند تعذر الحياة الزوجية بين الزوجين، وهو من نعم الله على الأمة، إذ لو أنك ارتبطت بامرأة، ثم ساءت عشرتك معها وساءت عشرتها معك، ولا تريدها ولا تريدك، وليس هناك وسيلة للخلاص، فكيف سيكون الأمر؟ عندها تكون مشكلة ومصيبة عليك إلى أن تموت، مثلما يحصل الآن في أوروبا، فعندهم في بعض الديانات ليس هناك طلاق، ولهذا أصبحت الزوجة سلسلة في رقبته تسحبه إلى أن يموت، ولكن الله شرع الطلاق كباب نهائي إذا فشلت الحياة، قال الله : ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلّاً مِنْ سَعَتِهِ﴾ [النساء:١٣٠] . فقد يتزوج الإنسان بامرأةٍ فلا يرتاح لها ولا يسكن إليها ولا يطمئن لها، أو تتزوج امرأة بإنسان ولا تسكن ولا ترتاح إليه، فإذا لم تكن هناك عشرة، وليس هناك إقامة لحدود الله، ولا تفاهم، ولا انسجام، ولا تمازج؛ فليس هناك داعٍ إلى أن تستمر الحياة في جحيم، وعذاب، ومضاربة، ومشاكسة، وبغضاء، ولعن، وسب، وشتم، لماذا؟ لأنك تستطيع أن تتركها وتأخذ غيرها، فتأخذ واحدة طيبة إن شاء الله تُرجعك إلى الحياة الحقيقية، واتركها هي تأخذ من يصلح لها: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلّاً مِنْ سَعَتِهِ﴾ [النساء:١٣٠] . أما أن تقعد إلزاماً، فلا. فليس في دين الله حياة زوجية تقوم على عدم الرضا والقناعة، فإذا تمكن الزوج من ذلك، وإلا فإن من حقه أن يطلق، ومن حق المرأة إذا كانت هناك عيوب شرعية في الرجل أن تطلب الطلاق من زوجها كما هو موضح في كتب أهل العلم. ولكن المصيبة أن الناس تلاعبوا بهذا الأمر، تلاعبوا بالطلاق، وأصبح الرجل منهم يطلق على كل صغيرة وكبيرة، يطلق إذا اشترى، ويطلق إذا باع، ويطلق إذا استضاف، ويطلق إذا أراد أن يبرهن للناس أنه صادق، وهذا كله لا يجوز في دين الله، أولاً: هذا قسم، والقسم بغير الله لا يجوز كما جاء في الحديث: (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك) (من كان حالفاً فلا يحلف إلا بالله) والإنسان إذا أراد أن يحلف فإنه يعظِّم، ومن عظَّم غير الله فقد أشرك بالله. ثانياً: فيه تعريض لنفسه في أن يقع في الطلاق؛ لأن هذا الطلاق معلق، فالذي يحلف بالطلاق على شيء لمنع شخص من فعله، أو لدفع إنسان من فعله، أو لإقناع إنسان على أن هذا ليس بصحيح، فهذا الطلاق اختلف فيه أهل العلم هل يقع أو لا يقع، وقد قرأت فتوى لـ هيئة كبار العلماء في مجلة البحوث الإسلامية وفيه خمسة عشر عالماً برئاسة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ قد أفتوا بأن الطلاق المعلق يقع، ولكن بعض العلماء لهم وجهة نظر أضافوها في نهاية الفتوى للشيخ عبد العزيز بن باز، وللشيخ عبد الله خياط وغيرهما؛ سبعة من العلماء صارت لهم وجهة نظر أو رأي معين تعليقاً على ما رأته الهيئة بكامل أعضائها، ولذا فإن الجمهور يرون أن الطلاق المعلق يقع إذا حلف به صاحبه، فقد تطلق على ضيف أن يأتي ويمسي عندك اليوم، فيقول: كيف أذهب؟! عندي ظرف، ثم لم يأتِ، فهذا يقول: أستغفر الله وأشهدكم أني استرجعت امرأتي، أهي لعبة؟! أولاً: لا ينبغي أن يدور الطلاق في لسانك صادقاً كنت أم كاذباً، براً أم فاجراً، لا تفكر فيه أبداً؛ لأنك تحطم عشك وتحطم أسرتك، وتقضي على مستقبل أولادك وزوجتك. وأذكر أنا كنا مرة جلوساً عند الشيخ عبد الله بن يوسف، فجاءنا رجلان متصاهران، قال الأول: يا شيخ! أفتنا: هذا صهري جاءني، وأنا أريد أن أكرمه، فطلقت إن لم أكرمه بذبيحة، فطلق هو أنها لا تكتب له، والآن أوقفنا النساء هناك مساكين ينتظرن الخبر، فصارت الآن مشكلة من أجل أن يعشيه لحماً ومرقاً. قال له الشيخ: أحدكما يحنث وتحرم عليه زوجته إن كانت الثالثة، أو يسترجعها إن كانت غير الثالثة، وهذا الرأي الذي يفتي به العلماء في المحاكم، ولا يفتي بأن الطلاق المعلق لا يقع إذا حلف فيه إلا الشيخ عبد العزيز بن باز، ولكنه يحتاط لنفسه ويسأل المطلق، يقول: هل تقصد الطلاق أثناء ما حلفت؟ فإن قال: نعم. أقصد الطلاق، قال: اذهب فقد وقع الطلاق، وإن قال: لا. أنا لا أقصد الطلاق، ولكني أقصد اليمين فقط، ولا أنوي الطلاق أبداً ولا أقصده، قال له: نعم. هذه يمين مكفر عن يمينك. فهذا رأي الشيخ ابن باز ﵀ خاص به، ومعه طائفة من أهل العلم، وقد كلمته أنا بنفسي، وقلت: يا شيخ! كيف تسمع الرجل يتلفظ بلسانه ويقول: طلاق، وتقول أنت: هل تقصد الطلاق؟ قال: نعم نسأله عن ذلك، قلت: حسناً! لو أتى واحد وصفعني في وجهي، وقلت: بالله أنت قصدك تصفعني أو قصدك تضع يدك في وجهي، ماذا أعبرها؟ فضحك الشيخ ضحكة واسعة جداً، ثم قال: جزاك الله خيراً، لكن الموضوع فيه سعة، ولا نريد أن نحرّج على الناس، وما هو ذنب المرأة التي في البيت، هذا رأي خاص به، لكن العلماء الآخرين يقولون: لا. هذا شيء يملكه وما دام أنه تسرع فيه وطلق به، نوقعه عليه زجراً له حتى لا يتلاعب بالأيمان، ولا يلعب بالطلاق. فالذي نوصي به الإخوان ألا يطلقوا لا في كبيرة ولا في صغيرة، ولا يلجأ الإنسان منهم إلى التلاعب بالأيمان، وإذا وقع منه شيء في الطلاق عليه أن يستفتي، ولا يحصل منه الاسترجاع هكذا من مجلس الكلام، فيقول: أشهدكم أني قد استرجعت، ويرجع، لا. بل يذهب ويستفتي، وعلى المفتي أن يسأله كم قد سبق هذه، وهل هي الأولى أم الثانية أم الثالثة؟ وما هي نيتك من الطلاق؟ ومن الممكن أن يفتي على رأي الشيخ ابن باز ومن سار معه، أو أن يفتي على رأي الجمهور الذين يوقعون الطلاق، وعلى كل حال يجب على المسلم أن يتقي الله ولا يقع فيه هذا.

стр. 41

حلاوة الإيمان والأسباب الموصلة إليها السؤال كيف أجد حلاوة الإيمان، وما هي الأسباب الموصلة إليها؟ الجواب سؤالٌ عامٌ، وواسعٌ جداً، والجواب عليه ما رواه أنس في حديث في صحيح البخاري وصحيح مسلم، قال ﵊: (ثلاثٌ من كنّ في قلبه؛ وجد بهن حلاوة الإيمان) وهذه تريد منك أن تجتهد في سبيل تحصيلها؛ لأن حلاوة الإيمان لا تباع في الصيدلية، ولا في السوق المركزي، وليست في الأندية الرياضية، لا؛ أبداً. فحلاوة الإيمان هذه نعمة من الله يسوقها لمن طلبها، قال: (ثلاثٌ من كنّ في قلبه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما) وهذه صعبة جداً إلا على من يسرها الله له، بمعنى: أن تقدم طاعة الله ومحبته وامتثال أوامره، ومحبة رسول الله وسنته على كل أمر، على كل هدي، وعلى كل شيء في الدنيا؛ فحلاوة الإيمان تجدها بعد هذا؛ لأن الحلاوة ثمرة لهذه الثلاث: وأن يحب المرء لا يحبه إلا في الله) يعني: يبني علاقاته مع الناس على أساس من دينه وعقيدته فيحب الرجل إذا رأى فيه علامات الخير، ورأى فيه التمسك بالسنّة والغيرة على دين الله، ورأى فيه الحماس والقوة في دين الله، والاعتدال، والتمسك. وإذا رأى فيه نقصاً، أو تراخياً، أو حباً وميلاً للشهوات والمعاصي، فإنه يبغضه، فيحبه على ما فيه من الخير، ويبغضه لما فيه من الشر. (وأن يحب المرء لا يحبه إلا في الله، وأن يكره أن يعود إلى الكفر كما يكره أن يلقى في النار) وهذه تمثل غاية الثبات على الإيمان والعقيدة، وغاية الاعتزاز بالدين، لدرجة لو أنه عُرض عليه أن يدخل في النار أو أن يرجع إلى دينه لاختار الدخول في النار على الرجوع عن الدين؛ لأن الرجوع عن الدين معناه دخول النار الحقيقية في الآخرة.

стр. 42

حكم اللقطة في الطريق العام السؤال إذا وجد شخص شيئاً في الطريق العام وأخذه أو باعه، هل يجوز له أخذه، مثل إطار سيارة جديد؟ الجواب إذا وجد شخص إطاراً وقع من سيارة وهي تمشي في الطريق، ثم وجده في الطريق ما الحكم فيه؟ يأخذه أم يدعه أم يبيعه؟ أم ماذا يصنع؟ الجواب: اختلف أهل العلم في هذا على أقوال: ذهبت طائفة كبيرة من أهل العلم، على أنه لا يلتقط؛ لأن التقاطه مع عدم الإعلان عنه، -والإعلان بالطريقة الشرعية- يؤدي إلى أكل الحرام، وما دام أن هذه وسيلة إلى أكل الحرام، فما أوصل إلى الحرام فهو حرام، دعها ويأتي صاحبها يأخذها. وقال آخرون: لا. بل يجب أخذها؛ لأن عدم أخذها تضييع للمال، فقد تكون أنت أميناً ورأيت هذا الإطار فتركته وكان بإمكانك أن تعلن وتبين هذه الضالة للناس حتى يجدها صاحبها، لكن إذا تركتها يأتي آخر شرير وأخذها ويخفيها، فتكون أنت بهذا مساعداً على إضاعة هذا المال، فأنت آثم. وقال آخرون -اعتدلوا-: إن كان في أرض خير وإيمان ودين وأمانة كلهم، فلا يأخذها، بل يدعها لعل صاحبها أن يأتي فيأخذها، وإن كانت في أرض سوء كأن يكونوا كلهم لصوص وكلاب دنيا، فعليه أن يأخذها ويعرّفها، وكيف يعرّفها؟ قالوا: يعرّفها سنة كاملة في الأسبوع الأول في كل يوم مرة، أو في الشهر الأول في كل أسبوع مرة، وفي الأشهر التي بعدها في كل شهر مرة، وأين يعرّف؟ يعرّف في مجامع الناس وفي منتدياتهم، أي في غير المساجد؛ لأنه لا يجوز فيها التعريف بالضالة ولا نشدانها، فهذا حرام، وإذا سمعتم أحد يقول من رأى أو وجد لي فقولوا له: لا ردها الله عليك، فإن المساجد لم تبنَ لهذا، لكن يُعرّف في المجامع والمجتمعات والأسواق، وإذا أمكن في الصحف وفي الجرائد، وفي أي وسيلة إعلام يمكنك أن تعلن فيها، وفي المكان الذي ضاعت فيه، وبعد سنة كاملة من التعريف تحل لك، ولكنها تحل لك مع بقاء الضمان. فتحلها وتعرف كم عددها وكميتها، ولو جاءك صاحبها بعد عشرين أو مائة سنة، فادفعها له، فأنت ضامن، ولكن بعد السنة ما عدت تستطيع أن تمسكها، فإذا جاءك بعد السنة فتعطيه، وإن لم يأتك أُحلت لك. ونقول لهذا الأخ الذي وجد هذا الإطار: إن تركه ربما يضيعه، وإن أخذه ربما يأكل ثمنه، ولكن يعرّف به، وكيف يكون التعريف بالإطار؟ لأن هذا ليس مكان إنسان ثابت، بل طريق عام، والرجل الذي أضاعه لا يعرف في أي مكان أضاعه، ولو أنك عرّفته في الطريق ما وقف لك أحد يسمع صياحك، إذاً ما العمل؟ تأخذه وتبيعه وتتصدق بثمنه بنية أنه عن صاحبه، هذا إن شاء الله قاعدة للأقوال، والله أعلم. أما الشيء البسيط الذي لا يهتم به أوساط الناس فإنه لا يُعرف، مثل: السواك، والقلم الرصاص، والحبل البسيط، أو ورقة، فهذه كلها أشياء لا يهتم بها أواسط الناس، فالذي لا قيمة له عند الناس، لا يحتمل أنك تقعد تصيح به، بل الشيء المهم فقط. هذا الكلام في غير الحرم، أما لقطة الحرم فهي حرام، تلتقط، وإنما تلتقط وتسلم لولي الأمر، للشرطة أو للهيئة. السائل: وإذا عاد صاحبها بعد أن تصدقت بثمنها؟ الشيخ: تقول له: أنا لقيت الإطار وبعته بمائة ريال وتصدقت به عنك، فإن كنت أنت تقرني على هذا التصرف فجزاك الله خيراً، وإن كنت لا تقرني فأنا أعطيك المائة، وينتقل ثوابها من صحيفته إلى صحيفتك في الآخرة.

стр. 43

حكم الصور في الملبوسات السؤال هناك أنواع من الغتر (شماغ) تسمى: (شماغ العقل) فيها صورة غزال، وكثير من الناس يصلون بها في المساجد، فما حكم الصلاة فيها؟ الجواب صلاتهم صحيحة، والصور هذه التي تلبس أو تفرش أو تمتهن، هذه مما عمّت بها البلوى في هذا الزمان فإنك قلَّ أن تجد شيئاً إلا وفيه صورة، بعض الألبسة تجد فيها صورة بقرة أو عسكري أو أرنب، وهذا موجود بكثرة في الألبسة، وقد سمعت الشيخ عبد العزيز بن باز يقول: إن البيت الذي لا تدخله الملائكة هو البيت الذي فيه كلب أو صورة، وخص ذلك بالصورة المعظمة أو الصورة المقدسة، أو الصورة المعبودة والمبجلة، أما الصورة الممتهنة فإنها لا تعتبر مانعاً من دخول الملائكة (والرسول ﷺ أمر عائشة بأن تأخذ القرام الذي كانت فيه الصورة وتشقه وتجعله وسادتين) ، فيكفي في مثل هذه الصورة الموجودة في الغترة شطب الرأس -فإن الصورة هي الرأس- إن أمكن خروجاً من المحظور وإن لم يتمكن الإنسان -كأن يشطبها بالقلم فإذا غُسلت عادت، وكان في ذلك مشقة- فنرجو الله ألا يكون في ذلك شيء إن شاء الله؛ لأنه من الأمور التي عمّت بها البلوى.

стр. 44

حكم كشف المرأة عند عم أبيها أو أمها السؤال هل يجوز لي أن الكشف على خال أبي وخال أمي وعم أبي وعم أمي؟ الجواب نعم. لأن عم أبيك وعم أمك وخال أبيك وخال أمك أجدادك، فيجوز لك أن تكشفي عليهم؛ لأنهم محارم إن شاء الله.

стр. 45

التزاور الأخوي السؤال أنا شاب لا أحب زيارة إخواني في الله حتى في العيد، وإذا طلبوا مني زيارتي لهم أو زيارتهم لي اعتذرت، وأنا قادر على استقبالهم، فهل هذا جائز؟ الجواب هذا من الجفاء يا أخي المسلم! لأن الأخوة في الله رابطة من أعظم الروابط في هذه الحياة، فإذا كنت لا تحب أن تأتي إخوانك في الله ولا تحب أن يأتوك فكيف تعيش؟ و (إنما يأكل الذئب من الغنم القاصية) ، ولكن بعض الناس يبالغ في هذه الرابطة، فالأخوة في الله مثل الملح لهذه الحياة، فالحياة بدون أخوة في الله، وبدون زيارة في الله حياة سامجة لا طعم لها، وأيضاً إذا كثرت أصبحت كلها ملح، فبعض الناس يحب أخاه في الله لكن يفتت كبده، فتجده في كل لحظة وهو عنده، وفي كل لحظة يأكل معه، حتى يكرهه أهله، ولكن (زر غباً تزدد حباً) ، يعني: إذا أردت أن تزور؛ فمرة في الأسبوع، أو مرة في كل خمسة عشر يوماً، فهذا معقول، أما أن تكون في كل يوم عنده، فإن هذه الزيارات تنقلب كراهة؛ لأن ما تجاوز حده انقلب إلى ضده. وأيضاً كونك لا تزور أحداًَ بالمرة، ومنعزل وانطوائي، وإذا أتاك أحد وأنت قادر على أن تستقبله وتقرأ معه في كتاب وتقدم له فنجاناً، وتجلس بدون أن يكون عليك كلفة ولا حرج ولا مشقة، فتقول: لا. لا أريدك أن تأتيني، هذا من الجفاء الذي يخشى عليك فيه، فلعله أنه ينقدح في نفسك بغض لإخوانك في الله، وإذا أبغضت الطيبين ربما ضرك هذا في دينك والعياذ بالله، فيا أخي! حاول أن تربي نفسك على زيارتهم خصوصاً في المناسبات الشرعية مثل: المرض فتعوده، والزواج فتأتيه تبارك له، وإذا عاد من غيبة فتزوره ترحب به، وإذا جاء العيد فإنك تهنئه، إذا مر عليه شهر أو شهران ولم تره فإنك تذهب وتقول له: والله يا أخي! أنا اشتقت لك وفارقتك وما رأيتك منذ زمن، فأحببت أن أجلس معك هذه الساعة؛ ليس هناك مانع.

стр. 46

تصور الجن بصور الإنس السؤال هل الجن يتشكلون بأشكال الناس والحيوانات، ويتحدثون مع الناس وكأنهم بشر؟ الجواب نعم. الجن قد يتشكلون ويتحدثون مع الناس كأنهم بشر، وهذا ثابت كله في الأحاديث الصحيحة عن رسول الله ﷺ ، وهذا ثابت ومتواتر، ولكن قد يقول قائل: كيف أوفق بين هذا وبين قول الله : ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف:٢٧] ؟ أجاب العلماء قالوا: إن الشيطان وقبيله- يعني: قبيلته وجماعته- يرون الناس من حيث لا يرونهم إذا كانوا في أصل خلقتهم، أما إذا تشكلوا بخلقة جديدة فيمكن أن نراهم، والدليل على هذا كثير، منها: ما روى البخاري من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ استعمله وجعله حافظاً لزكاة عيد الفطر، فكان يرصدها في الليل، فجاء في ليلة من الليالي رجل فجعل يحثو من الزاد، فأمسكه أبو هريرة، فشكا له الحال وقلة المال وكثرة العيال، فأشفق عليه أبو هريرة وأطلقه، فلما جاء في الصباح أخبر النبي ﷺ ، فقال: (ما فعل أسيرك البارحة؟ قال: زعم أنه لا يعود، قال: كذب، إنه سيعود، قال: فرصدته في الليلة الثانية عملاً بإخبار النبي ﷺ ، فجاء فأوثقته، وقلت: ما أفكك الآن، قال: فألح عليَّ، وطلبني، فأشفقت له وفككته، يقول: فلما جاءت الليلة الثالثة وقد أخبر النبي أنه سيعود، يقول: أمسكته وآليت أن آخذه، فقال: ألا أدلك على آية إن قلتها في الصباح لم يزل عليك من الله حافظ حتى تمسي، وإذا قلتها في المساء لم يزل عليك من الله حافظ حتى تصبح؟ قال: قلت: نعم. قال: اقرأ آية الكرسي، قال: فأطلقته، فلما جئت إلى النبي ﷺ ، قال: ما فعل أسيرك البارحة، فأخبرته بالآية، قال: صدقك وهو كذوب، أتدري من تكلم منذ ثلاث؟ قال: لا يا رسول الله، قال: ذاك الشيطان) . فأخبر هذا الحديث أن الشيطان يتشكل في صورة إنسان، وقد يقول قائل: إنني أقرأ آية الكرسي ولا أسلم من الشيطان، نقول: إن قراءة آية الكرسي تختلف من شخص إلى شخص باختلاف قوة البواعث فيها، مثل الذي عنده بندق والهدف هناك، لكن الرماة ليسوا سواء، فمنهم من يرمي ويصيب، ومنهم من يخطئ الهدف فيجب أن تقرأها بيقين، فبعض الناس يقرؤها يختبر الله، يقول: سأقرأ وسأرى ماذا سيحدث، لا إله إلا الله! من أنت يا ضعيف؟! ويا مسكين؟! اقرأها موقناً وجازماً بها، والله يحفظك، أما إذا كان هناك شك، فلا يجوز. أيضاً روى النسائي عن أبي بن كعب ﵁ أنه كان يقول: [كان لي تمر في جريد- انظروا كيف قوة إيمان الصحابة وقوة قلوبهم- فنقص فتعاهدته، فجاء رجلٌ أكبر من الغلام المحتلم، فأوثقته فإذا يده مثل يد الكلب فيها شعر، يقول: فأوثقته، فقلت: إنسي أنت أم جني؟ قال: جني. لقد علمت الجن ما فيها أشد بأساً مني، قال: أهكذا خلقتم؟ قال: نعم. قال: ما الذي يمنعنا منكم؟ قال: آية الكرسي] لكن لو أن واحداً منا أوثقه، وقال: جني، فكيف سيكون الحال؟! وهذا سبب من أسباب دخول الجن في الأنس أنك تخافهم: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْأِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً﴾ [الجن:٦] قال ابن كثير: خبالاً وجنوناً، فهم إذا رأوا الواحد يرتجف ركبوه، وإذا رأوه جبلاً صامداً قوياً بدين الله لا يخاف إلا من الله فروا منه، وتنادوا في الشعاب والوديان: هناك مؤمن فروا منه، لا يقدرون عليه أبداً، فكن قوياً بالله . وأذكر أني مرة قرأت على امرأة عندها صرع، وكنت قبل أوصي الجالسين أقول: لا تخافوا انتبهوا، فقرأت فلما خرج الجني دخل في أحد البنات الجالسات؛ لأنها كانت ترتجف، فعدت أقرأ على هذه ثانية، لكن في النهاية خرج والحمد لله. أيضاً من الأدلة: ما روى مسلم عن أبي السائب: [قال: دخلت على أبي سعيد الخدري ﵁ وهو يصلي، يقول: فانتظرته فإذا بحركة السرير الذي هو جالس عليه، فالتفت فإذا حية، فقمت لأقتلها، فقال: اصبر انتبه! إنه كان شاب من أهل المدينة مع النبي ﷺ في يوم الخندق في المعركة، وكان حديث عهد بعرس، فاستأذن النبي ﷺ في وقت القائلة، قال: دعني يا رسول الله! أتعاهد بيتي -من باب الغيرة ومراقبة الأهل ورصد تصرفاتهم- يقول: فلما جاء وإذا بزوجته واقفة على الباب، فرفع رمحه وشهره ليطعنها في كبدها غيرةً لله وحرصاً، فقالت له: اصبر تعال انظر ما في الداخل، فرد الرمح ودخل وإذا على الفراش حية رقطاء ممتدة على الفراش، فقام وركز الرمح في رأسها، يقول: فاضطربت عليه، ثم التوت فوقعت ميتةً؛ وهو يقول أبو سعيد: لا يدر أهي الأولى أم هو] فلما أخبروا النبي ﷺ ، قال: (إن في هذه المدينة أو البيوت عوامر، إذا وجدتم شيئاً مثلها فلا تقتلوها حتى تؤاذنوها أو تحرجوا عليها) . فإذا رأيت حية أو ثعباناً في بيتك فلا تقتله حتى تحرج عليه، قيل: ثلاث مرات وقيل: ثلاثة أيام، قال العلماء: إن كان في بيت أنت محتاج إليه، تريد أن تسكن فيه أو تنام، فحرجه ثلاث مرات، وكيف تحرج؟ تقول: أحرج عليك بالله إلا خرجت، أحرج عليك بالله إلا خرجت، أحرج عليك بالله إلا خرجت، ثم تصرف نظرك، لأنه لا يتشكل وأنت تراه، فإذا صرفت نظرك، ثم نظرت إليه وقد انصرف فهو جني، وقد ذهب، وإذا حرجت بالله عليه ثلاثاً، ثم صرفت نظرك، ثم رجعت وهو موجود فاقتله، فإنما هو من الدواب، قالوا: وإن كان في بيت لا يحتاج إليه كمن وجده في مستودع، أو دكان، أو مزرعة ولا يحتاج له، فإنه يحرج عليه ثلاث مرات في كل ليلةٍ مرة؛ ليجمع بين الحديثين. وأيضاً يتصور الشيطان في صورة البشر، فيأتي في صورة البشر كما في قصة الشيخ النجدي الذي رواها ابن إسحاق في سيرة ابن هشام قال: لما اجتمع كفار قريش في دار الندوة ليتفكروا ويتشاوروا في أمر النبي ﷺ وقتله، دخل عليهم رجل ذو هيئة، وعليه عباءة وعمامة، قالوا: من الرجل؟ قال: شيخ من نجد من بني حنيفة، قالوا: ما تريد؟ قال: جئت لعلي لا أعدمكم رأياً -يقول: لعلكم تحصلون مني على رأي سديد- قالوا: ادخل، فجلسوا يتناقشون في أمر النبي ﷺ وكلٌ أشار بشوره، فمنهم من قال نطرده، ومنهم من قال: نسجنه، فكان كلما قيل رأي، يقول: هذا ليس هذا برأي، فلما أشار أبو جهل بقتل النبي ﷺ ، قال: الرأي ما قال هذا، يعني: هذا الخبيث أشار برأي أبي جهل بقتل النبي ﷺ . وأيضاً ما ثبت أن الشيطان في يوم بدر تشبه بصورة سراقة بن مالك، وجاء في قومه في جماعة وهم كلهم شياطين، وقال: لا غالب لكم اليوم من الناس، إني جارٌ لكم -ورفيقكم لا يهمكم تقدموا- فلما رأى الملائكة ولى وقال لهم: إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله، يقول الصحابة: كنا نعرف قتلانا من قتلى الملائكة في بدر، فكان الرجل يمشي خلف الرجل فيموت مباشرة، نعم. لأن وراءه ملك من الملائكة يقتله. فهذه القصص كلها تُثبت أن الشياطين قد تتشكل بأشكال الإنسان وبأشكال أخرى.

стр. 47

حكم تقصير اللحية السؤال بعض الناس يرون لحيتك العامرة، فيظنون بنية حسنة أنك تقصرها، فيقتدون بك جهلاً، فنرجو التنبيه؟ الجواب أولاً: الاقتداء لا يكون بي ولا بأحد، إنما الاقتداء بالرسول ﷺ : ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١] وصحيح أن طلبة العلم والعلماء الكبار- وطبعاً لسنا منهم- هم القدوة وينبغي أن يسيروا على هدي الرسول ﷺ ، ولكن إذا خالف فعلهم ما ثبت عن رسول الله ﷺ ، فلا يقتدى بهم، بل الدين حجة عليهم، وأنا أقول للإخوة: إني ما أمس لحيتي، ولا أقص منها أبداً، ولكن هذه خلقتها، ماذا أفعل؟ أطولها؟! ربي خلقها هكذا.

стр. 48

حكم زيادة الإمام ركعة السؤال صلينا الظهر أربع ركعات، ثم زاد الإمام ركعة خامسة، وذكرناه ولكنه لم يرجع واستمر، فوقفنا معه وصلينا خمس ركعات وسجدنا للسهو، ثم أفتانا أحد الإخوة بإعادة الصلاة، فأعادها البعض ولم يعدها البعض، فهل الإعادة صحيحة أم لا؟ وماذا يجب على الإمام؟ وماذا يجب على المأمومين؟ الجواب إذا صلى الإمام ركعة خامسة، طبعاً نحن نفترض في الإمام أنه ساهٍ؛ لأنه لا يوجد إمام يزيد ركعة خامسة عمداً؛ لأنه يعرف أنه إذا زادها عمداً بطلت صلاته، ولكن المأمومين الذين بعده أحد رجلين: إما أناس متأكدون أنه زائد فيسبحون، ولكن إذا رفض فلم يرجع فيجلسون؛ لأنهم متأكدون أنه زائد، ولا يتابعونه في الخطأ، فإذا تابعوه في الخامسة وهم يعلمون أنها خامسة بطلت صلاتهم! وعليهم الإعادة. أو مصلٍ آخر مثل الإمام شاك ناسٍ وليس عنده يقين، فهذا حكمه حكم الإمام، يقوم مع الإمام، وينهي الصلاة. أما موقف الإمام في مثل هذه الحالة فهو: إن كان متأكداً أنه في الرابعة وأن هذه الركعة ما هي بالخامسة فيبني على يقينه وإن سبح الناس، أما إن كان عنده شك ولم يكن عنده يقين، ولكن قام أخذاً بالأحوط وسبح له الناس، فإن تسبيح الناس يزيل الشك عنه ويرجعه إلى اليقين بأن هذه زائدة، فيلزمه الرجوع، فإذا لم يرجع وهو عنده شك لزمه إعادة صلاته؛ لأنه استمر في خامسته مع قيام الدليل على أنها خامسة بشكه وتنبيه غيره له، والله أعلم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 49

من أسباب عذاب القبر [٣] الكذب خصلة ذميمة مرض يصيب القلب واللسان يتنافى مع الإيمان ينبت النفاق يدمر الأخلاق وهو سبب لعذاب القبر والنار. وقد تناولت هذه المادة خصلة الكذب مبينة حكم الكذب وخطورته، وآثاره السيئة، مع إيراد بعض صوره، وقد أعقب ذلك ذكر أحاديث وآثاراً وقصصاً متعلقة به.

стр. 50

إجابة عن سؤال متعلق بالأخوة من الرضاع الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين: قبل البدء بالحديث في هذا اللقاء، أحب أن أُشير إلى ما سبق أن أجبت به على سؤال من أحد الإخوة سأل فيه، هل البنت التي رضعتُ معها أو رضعت معي أخت لأخواتي أم لا؟ وأجبت أنا بما ينبغي أن يكون وهو الصحيح إن شاء الله، لكن أحد الإخوة قال: إنه يُخشى أن يُفهم الموضوع بنوع من اللبس وعدم الوضوح، فلا بد من الإيضاح، وزيادة في الإيضاح وكقاعدة يعرفها طالب العلم بالنسبة للتحريم من الرضاع، أن الرضاع لا ينتشر وإنما يلزم الراضع فقط، فمثلاً لو أن رجلاً في أبها معه زوجة هناك، وزوجة أخرى في الحجاز مثلاً وثالثة في خميس مشيط ورابعة في بني الأسمر، وله من كل زوجة أولاد، وجاء شخص من جيرانهم في أبها -معه طفل صغير ولم يجد من يرضعه- فأرضعته امرأته التي في أبها، فإن هذا الولد الراضع أصبح أخاً لجميع الذين رضعوا من ثدي هذه الأم، وجميع الذين ولدوا من صلب هذا الرجل من جميع زوجاته، التي في أبها والحجاز وبني الأسمر وفي خميس مشيط، لأن اللبن للفحل، فهذا الولد أخ لجميع من رضع من ثدي هذه المرأة ومن خرج من صلب هذا الرجل، سواءً كانوا من هذه المرأة أو من غيرها. لكن إخوان هذا الولد من النسب لا علاقة لهم بإخوانه من الرضاع، الحرمة تتعلق بالراضع فقط، فيجوز لأخيه من النسب أن يذهب فيتزوج ببنت هذا الرجل سواءً الموجودة في أبها أو في الحجاز أو بني الأسمر أو في الخميس. لكن متى تكون الحرمة مشتركة؟ تكون الحرمة مشتركة إذا كان هذا الولد قد رضع من هذه المرأة، وأيضاً البنت تلك التي رضع من أمها رضعت من أمه هو أيضاً، فتصبح هذه البنت أختاً لهذا الولد، ولجميع إخوانه، لأن الرضاع أصبح متبادلاً من طرفين لا من طرف واحد، ولكن غيره ممن لم يرضع ليس له علاقة بالآخر. فالقاعدة: أن الرضاع يلزم الراضع فقط، هذه إيضاحات أحببت أن أوردها حتى لا يكون هناك لبس إن شاء الله.

стр. 51

الكذب من أسباب عذاب القبر قلنا فيما مضى: إن هناك عذاباً يسلط على أصحاب القبور، أعاذنا الله وإياكم من عذاب القبر، وينبغي -أيها الإخوة- أن نلح في السؤال، وأن نجزم في الطلب في أن يعيذنا الله وإياكم من عذاب القبر، فإن عذاب أو نعيم القبر هو أول ما يحصل للإنسان، فإن كان نعيماً كان ما بعده أفضل، وإن كان عذاباً كان ما بعده أسوأ، نعوذ بالله من عذاب الله. وقلنا: إن هناك أسباباً كثيرة وردت بها أدلة خاصة توضح أن من وقع في هذه الذنوب والأسباب، سُلط عليه العذاب في قبره، وذكرنا منها: النميمة، وعدم التنزه من البول، والغلول وهو: أخذ شيء من الحق العام -من أموال الدولة- وهو في الأصل أخذ شيء مما يغنمه المسلمون في قتالهم مع الكفار. واليوم نتحدث عن الأمر الرابع من أسباب عذاب القبر وهو: الكذب، ونعني بعذاب القبر، ما يُقدم للمُعذب من عذاب عاجل قبل العذاب الكبير في النار، لأن في النار عذاباً ضخماً وكبيراً جداً، ولكن خلال الفترة البرزخية تأتي المقدمات، ومقدمات العذاب كما يعبر عنها أحد الإخوة، يقول: هذه وجبة الإفطار، والعشاء في النار، يعني هذه المقدمات اليسيرة ما هي إلا وجبة خفيفة، ولكن الوجبة الكاملة الدسمة في جهنم، أعاذنا الله وإياكم منها.

стр. 52

الكذب يتنافى مع الإيمان الكذب من أقبح القبائح ومن أعظم المعائب، ومن أسوأ الأخلاق، والنفوس الأبية في الإسلام وفي الجاهلية ترفضه وتأباه، ليس هناك أحد يحب الكذب خلقاً، وجاء الدين الإسلامي ليؤصل ويقعِّد ويبني ويؤسس هذا الدين على الصدق، ولذا فالذي يكذب ليس بمؤمن حقيقةً، قالوا للنبي ﷺ -والحديث في موطأ الإمام مالك - (أيكون الرجل جباناً، قال: نعم) يعني: قد يجبن في لحظة من اللحظات، وإلا فالخلق الأصيل عند المؤمن الشجاعة في الحق وفي سبيل الله، لكن قد يحصل له في يوم من الأيام أن يكون جباناً (قالوا: أيكون المؤمن بخيلاً؟ قال: نعم) يعني: قد يحصل وإلا فصفته الأساسية اللازمة له هي الكرم، ولكن قد ينتابه شيء من البخل في لحظة من اللحظات، وفي ساعة من ساعات الضعف البشري بحكم نقص الإنسان (قالوا: أيكون المؤمن كذاباً، قال: لا. إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله) فالذي يفتري الكذب لا يؤمن بالله، وأصل النفاق مبني على الكذب. فالمنافقون الذين أظهروا خلاف ما أبطنوا كذبوا ليسوا بواضحين، بل متلونين، يلبسون لكل زمن ما يناسبه، فهم لبسوا لزمن الإسلام، الذي هو زمن التوحيد وقوة الدين، لبسوا له اللباس من الظاهر فأظهروا الدين، ليحقنوا دماءهم ويحموا أموالهم، ويصونوا أعراضهم، ولكنهم في حقيقتهم الداخلية كفار، ولهذا سمّاهم الله كاذبين، وقال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ * فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [البقرة:٨-١٠] . فهم كذبوا على الله، وتلونوا بلون ليس بلونهم الطبيعي، فلونهم الداخلي الأصيل هو: الكفر، ولكنهم أظهروا لوناً آخر من أجل أن يخدعوا الناس، فخدعهم الله وكذبهم، ونفى عنهم الإيمان فقال: ﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة:٨] فمثلهم كمثل الحرباء، وتعرفون الحرباء، نسميها عندنا باللسان العامي (الفاشة) ، هذه (الفاشة) : دويبة تأتي في الأرض طولها تقريباً شبر، وهذه تستطيع أن تتلون بلون المكان التي هي فيه، فإذا وجدتها في شجرة والشجرة خضراء تجدها خضراء، فإذا أخذتها بعود أو بيدك ووضعتها في الطين تخرج غبراء مثل الطين، وإذا أخذتها ووضعتها في حجرة سوداء تخرج سوداء مثل الغرفة، وإذا رميتها في طين أصفر تخرج صفراء مثل الطين، فهي تأخذ لون المكان التي هي فيه، لماذا؟ من أجل أن تخدع الإنسان حتى لا يراها. ولهذا ذكر الله ﵎ في القرآن الكريم أن هذا المنافق وأمثاله من أهل النار، فقال: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ * إِلاَّ أَصْحَابَ الْيَمِينِ * فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ * عَنْ الْمُجْرِمِينَ * مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾ [المدثر:٣٨-٤٥] يعني: لم يكن لنا اتجاه، ولم يكن لنا مبدأ، ولم يكن لنا دين، وإنما إن جلسنا مع الطيبين ظهرنا طيبين، وإن جلسنا مع العصاة والفجرة أصبحنا عصاة وفجرة، وإن جلسنا مع المغنين أصبحنا مغنين، المهم أنهم يلبسون لكل جوٍ ما يناسبه، وهذا هو الكذب وهذا هو الخداع، وهذا هو الغرور. يقول الله : ﴿ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ [آل عمران:٦١] ورسول الله ﷺ كان أسوأ شيء عنده، كما قالت عائشة ﵂: [ما كان شيء أسوأ عند رسول الله ﷺ من أن يعلم عن أصحابه أو عن أحد من أصحابه كذباً، وكان لا يرضى حتى يعلم أنه أحدث توبة] فإذا وقع من رجل كذبة نبذه رسول الله ﷺ ، ولا يرضى عنه إلا أن يعلم أنه أحدث لله توبة، يعني نقلة من حياة الكذب والدجل إلى حياة الوضوح والصدق؛ لأن هذا هو خلق المؤمن.

стр. 53

حديث في وصف عذاب الكذاب جاء في صحيح البخاري من حديث سَمُرة بن جندب ﵁ -والحديث صحيح، حديث الرؤية الطويل- قال: (كان النبي ﷺ إذا صلى صلاة الفجر أقبل علينا بوجهه وقال: من رأى منكم رؤيا البارحة؟ فإن رأى أحد منا شيئاً قصه، فقال ﷺ يوماً: أما أنا فقد رأيت البارحة) وذكر الحديث الطويل أنه جاءه رجلان فأخذاه وقالا له: انطلق، فانطلق معهما ورأى عدة مشاهد، ومن ضمن هذه المشاهد مشهد يتعلق بالكذب، وهو: (قال: أتاني رجلان، فأخذا بيدي فأخرجاني إلى الأرض المقدسة، فإذا رجل جالس ورجل قائم وبيده كلّوب من حديد يدخله في شدقه -الشدق طرف الفم- فيشرشره حتى يبلغ به قفاه - أي: يمزقه- ثم يفعل ذلك بشدقه الآخر) أي: يُغلق الكلّوب ويربطه في طرف شدقه ثم يشرشر فاه حتى يبلغ قفاه، ثم لا ينتهي حتى يعود إلى الآخر فيجده قد صح فيصنع به كما صنع بالأول، ثم إذا انتهى انتقل إلى الآخر: (فقلت ما هذا؟ قالا لي: انطلق فانطلقت معهما) يقول في آخر المشاهد: (قالا له: أما الرجل الذي رأيته يشرشر شدقه بالكلّوب فهو الرجل يكذب الكذبة تبلغ الآفاق) . أي أن هذا الرجل مصنع للكذب، يُورد للأمة الكذب، ويصدره لهم وينشرونه، وتروج الأراجيف والأكاذيب بين الناس، وأصلها من هذا الرجل، فهذا عذابه في النار، أعاذنا الله وإياكم من النار.

стр. 54

علاقة الكذب بالنفاق والخيانة والفجور يقول إسماعيل بن واسط سمعت أبا بكر الصديق ﵁ يخطب بعد وفاة النبي ﷺ ويقول: (قام فينا رسول الله ﷺ مقامي هذا عام أول -يعني: قبل عام- ثم بكى فقال: إياكم والكذب فإنه مع الفجور، وهما في النار) هذا الحديث أخرجه الإمام ابن ماجة والنسائي في اليوم والليلة وسنده حسن، وقال الحسن: [كان يقال: إن من النفاق اختلاف السر والعلانية، واختلاف القول والعمل، واختلاف المدخل والمخرج، وأن الأصل الذي بني عليه النفاق هو الكذب] وقال ﵊: (كبرت خيانة أن تحدث أخاك حديثاً هو لك به مصدق وأنت له به كاذب) يقول: أعظم خيانة أن يعيرك شخص سمعه، ويشغل نفسه، ويُظهر لك اهتمامه، وأنت تصنف عليه كذباً، هو لك به مصدق وأنت تعلم أنك تكذب عليه، هذا أعظم خيانة له. والحديث أخرجه الإمام البخاري في الصحيح، وأخرجه الإمام أحمد وأبو داود، وكبرت خيانة: أي أعظم خيانة للمسلمين، أن تأتي إلى رجل وتخبره بخبر فيصغي لك وأنت تعلم أنك له كاذب، وهو يصدقك في ذلك، هذه عظيمة جداً؛ لأنه لو علم أنك كذَّاب هل سيستمع إليك؟ فلو قلت له: دعني أقول لك كلاماً كذباً؛ لقال لك: شكراً لا نريد الكذب، لا أحتاج أن تخبرني بالكذب. فهذه خيانة له أن تضيع وقته، وتسترعي انتباهه، وتشد نفسه، ثم تعطيه كلاماًَ لا أساس له في الواقع؛ لأنه سيبني على هذا الكلام أحكاماً وتصرفات، وربما ينقل هذا الكلام للآخرين، بينما كان الأساس منك أنت أيها الإنسان الذي خنته وأخبرته بغير الواقع. قال ابن مسعود ﵁ -والحديث في صحيح البخاري وصحيح مسلم - قال ﵊: (عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا) فالصدق بر يوصلك إلى البر، والبر طريق إلى الجنة، والرجل يصدق باستمرار ويتحرى الصدق، يعني: لديه حيطة وحذر، فلا يستطيع أن يقول شيئاً غير الصدق، وما دام على هذا الوضع، لا يزال يصدق ويتحرى الصدق فإن الله يكتبه صديقا، وإذا كتبه الله صديقاً أفلح ونجح، لأن الله يقول: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ﴾ [النساء:٦٩] . فمنزلة الصديقين بين النبيين والشهداء، أي أنها منزلة أرفع من منزلة الشهداء وتحت النبيين، فالصديقية منزلة بين النبوة وبين الشهادة: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً﴾ [النساء:٦٩] . (وإياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب ويتحرى الكذب -أي: يبحث عن الكذب ويفتش عنه، وعن الذي يضحك الناس، وما الذي ينقل للناس، وماذا يقول للناس، ولو كان كذباً، فتجده يتحراه يعني يتوقعه ويبحث عنه- حتى يُكتب عند الله كذابا) فإذا كتبه الله كذَّاباً فقد خسر وهلك، والعياذ بالله، والحديث كما ذكرنا في الصحيحين.

стр. 55

خطورة الكذب في البيع والشراء يبين النبي ﷺ طائفة من الناس ممن امتهنوا مهنة يغلب عليهم في مزاولتها الكذب، فكانوا بسبب الكذب فجاراً، قال ﵊: (التجار هم الفجار) أي: التجار الذين يمارسون عمليات البيع والشراء هم الفجار، وهي هنا على التغليب ليس على الإجمال أو الكلية، لأن هناك من التجار من يخاف الله ويؤمن به، ولكن الغالب دائماً أن يكون التاجر عنده نوع من الفجور: (قيل له: يا رسول الله! أليس الله قد أحل لهم البيع؟ قال: نعم. ولكنهم يحلفون فيأثمون ويحدثون فيكذبون) وهذا واقع عند الناس، فقليل من التجار من يصدق في تجارته، قليل جداً، فإذا قلت له: ما نوع هذه السلعة؟ يقول إنها سلعة أصلية، وهو يعرف أنها ليست بأصلية، فتجده يقول: هذه ممتازة جداً أو أصلية؛ لأنه لو قال لك: لا أدري، لدخل في نفسك شك، وهذا كذب، فيقول: لا أدري، وهو يدري أنها تقليد، لأنه لو قال لك: تقليد، لتركته وذهبت لآخر غيره، فهو من أجل أن ينفق سلعته يخدعك بقوله: أصلي ليس هناك أحسن منها مجربة وعلى مسئوليتي وعهدتي الناس لا يأخذون إلا منها، وهذا أحسن ما في السوق؛ من أجل أن ينفق سلعته. (التجار هم الفجار، قيل: يا رسول الله! أليس الله قد أباح لهم البيع؟ قال: نعم، ولكنهم يحلفون فيأثمون ويحدثون فيكذبون) فيقعون في جريمتين: الحلف الذي ينفق السلعة -لأنه إذا حلف للإنسان اقتنع- والكذب الذي يجعل الناس يقتنعون بصحة معلومات مقدمة لهم عن هذه السلعة، والحديث رواه الإمام أحمد، وأخرجه الحاكم في المستدرك وقال: صحيح الإسناد، ورواه أيضاً الإمام البيهقي، والحديث صحيح. فالذي لديه تجارة عليه أن يراجع نفسه في كيفية معاملته للناس، حتى لا يكون من أهل هذه الطائفة، ليس هناك داعٍ للكذب، حتى لو كنت تاجرَ خُضْرةٍ، أو أي نوع آخر من أنواع التجارة، بل يجب عليك أن تكون دائماً صادقاً. إلا من صدق وبيّن، فالصادق في الكلام والمبيّن للعيب إن كان في السلعة عيب يقول: السلعة هذه بخمسة وثلاثين ريالاً -أصلي أم لا؟ - يقول: ماركتها تايوان، وهذه ماركتها ليست (ياباني) ولا (إنجليزي) ولا (أمريكي) ونوعها كذا. فإذا سألته: هل في السوق أحسن منها؟ قال: نعم. في السوق أفضل منها، لكن لكل شيء ثمن، هذه بخمسة وثلاثين ريالاً، لكن التي في السوق تجدها بستين أو بسبعين ريالاً، فالصادق يعطي الحقيقة ولا يكذب، فإن الكذب وإن أنفق السلعة إلا أنه يمحق البركة.

стр. 56

عقوبة من أنفق سلعته بالحلف الكاذب إذا طُلِبَتْ منك اليمين وأنت تبيع فلا تحلف نهائياً، لا تحلف على البيع والشراء، لا تحلف بأي حال من الأحوال لأن النبي ﷺ توعد من حلف على السلعة بوعيد شديد فقال: (ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب عظيم -من هم الثلاثة؟ - المنان -أي: الذي إذا أعطى شيئاً ثم جلس بعد ذلك يمن به- والمنفق سلعته بالحلف الكاذب، والمسبل إزاره) وهذا الحديث صحيح رواه الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي ذر ﵁، والمسبل إزاره هو: الذي يرخي الثوب أو يرخي (البشت) أو (البنطلون) أو أي شيء من الملابس التي يلبسها أسفل من الكعب، فهذا لا يجوز، حرام في دين الله، وصاحبه متوعد بأن الله لا ينظر إليه يوم القيامة، فمن جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة، وما أسفل من الكعب من الإزار ففي النار. فإذا فَصَّلْتَ ثوبك قل للمفصِّلِ: اجعله من فوق الكعب؛ لأن أزرة المسلم إلى نصف الساق، فإن أرخى فإلى الكعب، وما تحت الكعب ففي النار، لا تستطيع يا أخي أن تتحمل أن يوقد عليك نار بمقدار ملابسك التي تحت كعبك، ولكن ارفع الثوب فإنه أنقى لثوبك وأتقى لربك ﵎.

стр. 57

ثلاثة يبغضهم الله: منهم التاجر الحلاف قال أبو ذر ﵁ -والحديث مرفوع إلى النبي ﷺ أخرجه الإمام أحمد والنسائي -: (ثلاثة يحبهم الله: رجل كان في فئة -أي في معركة وفي ناحية وفي ثغر من ثغور المسلمين- فنصب نحره دونهم حتى قتل، ورجل كان له جار سوء يؤذيه فصبر على أذاه، حتى فرق الله بينهما بالموت أو بالظعن -إما أنه رحل أو مات، فهذا يحبه الله- ورجل كان معه قوم في سفر أو في سرية، فأطال السرى -في الليل- حتى أعيوا -أي تعبوا- ثم أعجبهم مكانٌ فأمسوا فيه، فخشي هو أن تفوتهم صلاة الفجر فتنحى عنهم وقام يصلي في الليل حتى أيقظهم لصلاة الفجر) فهذا رجل عظيم جداً، هذا يحبه الله ﵎؛ لأنه حرص على نفسه وعلى إخوانه في هذه الليلة. (وثلاثة يكرههم الله ويبغضهم ويشنؤهم -الأول- التاجر الحلاف) هذا التاجر الحلاّف يكرهه الله ويبغضه ولو كان صادقاً، فإنه إذا حلف مرة وصدق فيها، فإنه يحلف تسعة وتسعين مرة ويكذب فيها، فلا تحلف على سلعة لا صدقاً ولا كذباً، فإذا قال لك شخص: بكم هذا؟ قل: بكذا. فإذا قال لك: والله؟! فقل: لماذا تحلفني يا أخي، أنا ما أخذتك غصباً، أنا أخذتك بأنفك من السوق، فإذا شئت فاشتر وإلا فاترك، لا تحلف لي ولا أحلف لك، هذا هو سعري. وبعد ذلك الذي يفرض على الناس أن يأتوك ليس هي الدعاية ولا اليمين، بل تقواك لله أولاً، ثانياً: تعاونك معهم في سعر السلعة، فإذا جعلت مثلاً سعراً للسلعة بثلاثين ريالاً وأنت تعرف أنها في السوق كله بخمسة وثلاثين، ثق تماماً أن الناس سوف يشترون منك، لأن الناس يريدون الرخيص مهما كان. لكن كونك تحلف بالله وتقول: والله إنها بأربعين ريالاً، والله إنها بأربعين ريالاً من بطن جدة، وأنه ليس معنا إلا التعب أخذناها من هناك وجئنا به إلى هنا هل سيصدقك؟ لا. لأنه سيقول: لماذا إذاً تبيع وتشتري؟! أين أجرتك؟! وأين إيجار الدكان؟! وأين إيجار الصبي؟! وأين المكسب؟! وأين مصاريف البيت؟! هي في الحقيقة بعشرين وذاك باعها بثلاثين فربح عشرة، لكن بيمينك ربحت عشرين ريالاً، لكنك أنفقت سعلة ومحقت بركة، فتأخذ أربعين وتخرج من ظهرك أربعمائة في أمر آخر، لماذا؟ لأنك حلفت بالله فاجراً. هذه الأولى: (ثلاثة يبغضهم الله: التاجر الحلاف، والفقير المختال) أي: هو فقير ويتكبر، ليس لديه شيء وهو متعالٍ، سبحان الله! يا أخي تواضع؛ لأن الكبرياء ليست طيبة لا للغني ولا للفقير، ولكنها في حق الفقير أعظم جرماً، بعض الناس اليوم لا يوجد لديه ما يتعشى به، لكنه يلبس أحسن لباس، ويركب أحسن (موديل) بالدين، ويفرش البيت بالدين، ويفعل كل شيء بالدين، وبعد ذلك يصبح مسكيناً مهموماً، هذا فقير مختال متكبر، وإذا جاء شخص وأعطاه من رزق الله بدون شيء، قال: لا. أنحن فقراء؟! وهو رزق يسوقه الله إليه فيرده، وهذا من الكبرياء، يقول النبي ﷺ : (من ساق الله له رزقاً فليقبله) إذا ساقه الله لك من غير إشراف نفس ولا سؤال، يعني: أنك لم تسأل الناس ولا استشرفت نفسك هذا المال، وإنما الله قذف في القلوب رحمة بك، فجعلها تعطف عليك وأعطاك فلا تتكبر، فتقول: لا. لا نأخذها، فإذا تكبرت يصرف الله الرزق عنك، ولا تجد بعد ذلك من يرحمك، وإنما إذا ساق الله لك رزقاً فقل: جزاك الله خيراً، وادعُ له وتواضع، ومد رجليك على قدر فراشك، فإذا كان فراشك قصيراً فلا تمد رجليك حتى تضع رجليك في البرد، بل مدها وتكفف على قدرها، فافرش بيتك بمقدار راتبك، وغير سيارتك بمقدار دخلك، أما أن تأخذ بالدين، لكي يقال: كُلْ ما يعجبك والْبَسْ ما يعجب الناس! حسناً أجبت الناس في هذا الكلام، لكن من الذي سيقضي عنك الدين؟ من الذي سيكفيك قضاء الدين؟ فالناس سيقولون: ما هذه السيارة، الله أكبر! ويقولون: ما هذا البيت! لكن هل تنفعك هذه الكلمات في قضاء الدين؟ هل تستطيع أن تجمع كل هذه الكلمات في ورقة ثم تذهب بها لصاحب السيارات وتقول له: والله يا أخي اشتريت منك سيارة بستين ألفاً والناس أثنوا علي وقالوا والله هذه سيارة جميلة، فأريد منك أن تخصم لي عشرة آلاف، هل يقبل بذلك؟ لا. سيقول: هات المال، أثنوا عليك أو ذموك. فلا ينفعك يا أخي! ولا يكون في السوق إلا الصدق، أما الكذب والدجل والمفاخرة والمكابرة، هذه ليست للمسلمين، فالفقير المختال يكرهه الله. والمنفوخ ليس له وزن ولا حقيقة، ولذلك فإنه يتلاشى بأقل دقة إبرة، وكذلك المتكبر الذي ليس لديه شيء. والثالث: قال: (والمنّان) ، نعوذ بالله من المنّ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ [البقرة:٢٦٤] فلا تمنّ على أحد، وإذا عملت جميلاً في إنسان يوماً من الأيام فانسه، فلا تقل له كلما لقيته: هل تذكر يوم أن ذهبت معك إلى المدير ويوم أن أوجدت لك وظيفة! ويوم أن أعطيتك مالاً! أو صدقة أو ديناً؟!! أو تقول له: كيف السيارة التي أعطيناك ثمنها إن شاء الله تكون جيدة نعم. لا تنسَ أني أنا الذي أقرضتك ذاك اليوم؟! اعلم أن المنّ يكسر خاطر المسلم، ويجعله ضعيفاً وفي موطن احتقار، فلا تفسد قلب أخيك المسلم، ولا تكسره بهذا، فإن المنّ يبطل أجر الصدقة أو القرض. يقولون: كان هناك رجل يعيش في البادية، ورجل آخر يعيش في المدينة -في الحاضرة- فقام الحضري وذهب وزار البدوي في قريته، فذبح له البدوي تيساً سميناً جميلاً فحنذه وطبخه، فأكل الحضري فلما انتهى وسر منه رجع إلى مدينته، وبعد يومين أو ثلاثة جاء البدوي، بحكم المدينة فإن البدوي يأتيها كل يوم، ولكنّ الحضري لا يذهب إلى القرية إلا مرة في السنة، أو في السنين كلها، فأهل البادية يترددون على المدن والقرى والحواضر يومياً؛ لأن مصالحهم ومراجعاتهم وبيعهم وشراءهم هناك، فنزل هذا البدوي عند صاحبه الحضري، فقام الحضري وذبح له خروفاً وليس تيساً، يقول: أكرمنا نكرمه، فلما شبعوا وانتهوا، قال البدوي: يا فلان قال: نعم. قال: تذكر ذاك التيس والله ما ذقت أفضل منه ولا أطرى من لحمه! وأنا وحدي وذبحت لي خروفاً بتيس، وقال: جزاك الله خيراً، فتغدى وذهب. وبعد أسبوع جاء فذبح له الحضري خروفاً، فلما انتهى قال: أبداً أبداً أنا ما قد ذقت مثل ذاك التيس أبداً، كم قد أكلت من الخرفان والتيوس ولكن ذاك التيس له طعم خاص، فقال الحضري: (الله يقلعك ويقلع تيسك) هذا الذي لم يكفه خروفان. فجاء للمرة الثالثة فذبح له خروفاً ثالثاً، فلما انتهى قال: أما أنا فمن يوم أن خلقت لم أذق مثل ذاك التيس إلا مرة واحدة، فقال الحضري: والله ما تجاوزت هذا الباب بعد هذا، ثلاثة خرفان لم تعدل تيسك! أي نعم. فلا ينبغي للمسلم أن يكون منّاناً على أخيه المسلم، بأي جميل يعمله.

стр. 58

أحاديث وآثار في الكذب روى الحاكم وأبو داود (أن الرسول ﷺ رأى امرأة تدعو ولدها تقول له: هاك أعطك، وفي يدها شيء، فلما جاء أعطته، قال: ما أعطيته؟ قالت: أعطيته تمرة، قال: أما إنك لو لم تعطه لحسبت عليك كذبة) فهذه تبيّن لك أن القضية ليست بسهلة، لماذا؟ أولاً: لأنها كذبت على الولد، ثانياً: لأنها ربته على الكذب، فهناك من الناس من يكون جالساً ويريد أن يأتيه الولد، وليس هناك من يقوم فيمسكه، فيقول: هاك خذ حلاوة! خذ حلاوة يا ولد! فإذا أتى الولد أمسكه، فيتلفت الولد فلا يجد الحلاوة، فمباشرة يكره هذا الشخص ويعرف أنه كذّاب، ولم يعد يصدقه بعد ذلك ويصبح كذّاباً مثله، لأنه طبعه على الكذب. فإذا قلت لطفل تعال أعطك فأعطه، وإن لم تفعل كُتبت عليك كذبة. وروى الإمام مسلم في صحيحه في باب أخلاق النبوة أن النبي ﷺ قال: (لو أفاء الله علينا نعماً عدد هذا الحصى -يقول للصحابة وهم في موقف من الضعف والذل والفقر وليس عنده شيء، لكنه يَعِد ويصدق صلوات الله وسلامه عليه- لو أفاء الله علينا نعماً -يعني الإبل، فقد كانت أعظم ما يمتلكه العرب- عدد هذا الحصى -الذي أمامكم- لقسمتها بينكم ثم لا تجدوني بخيلاً ولا كذّاباً ولا جباناً) يقول صلوات الله وسلامه عليه: (لا تجدوني بخيلاً ولا كذّاباً ولا جباناً) اللهم صلِّ وسلم على رسول الله. وقال ﵊: وكان متكئاً -والحديث في الصحيحين من حديث أبي بكرة ﵁: (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قلنا: بلى يا رسول الله، قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، ثم كان متكئاً فجلس وقال: ألا وقول الزور ألا وشهادة الزور ألا وشهادة الزور، حتى قلنا: ليته سكت) ويدخل في شهادة الزور الكذب، فإن شهادة الزور أصلها الكذب، فهذا الحديث يخص شهادة الزور، لكنه يُدخل ويعم أيضاً الكذب، فالكذب من أكبر الكبائر وأعظم العظائم، والعياذ بالله. وروى ابن عمر عن النبي ﷺ : (إن العبد ليكذب الكذبة فيتباعد الملك من فيه مسيرة ميل من نتن رائحة فمه) يعني: تحدث هذه الكذبة أثراً مادياً تشمه الملائكة، وهو رائحة نتنة قذرة لا يشمها إلا هم، فيتباعد الملك الموكل بكتابة عمله على مسافة ميل، حتى لا يشم رائحة نتنة والعياذ بالله، وهذا الحديث رواه الترمذي وقال: حديث حسن. ثم يخبر ﵊ ويقول: (من حلف على يمين بإثم ليقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان) والحديث في الصحيحين، وبقية الحديث: (قالوا وإن كان شيئاً يسيراً يا رسول الله؟ قال: وإن كان قضيباً من أراك) أي: وإن كان مسواكاً ثمنه ريال واحد، فإذا حلفت عليه واقتطعته بغير حق فإنما تقتطع قطعة من النار، ويلقى العبد ربه وهو عليه غضبان، والسبب أنه حلف كاذباً والعياذ بالله. وعن علي ﵁ قال: [أعظم الخطايا عند الله: اللسان الكذوب، وشر الندامة وأعظمها ندامة: ندامة يوم القيامة] وعن عمر بن عبد العزيز الخليفة الخامس الراشد يقول: [والله ما كذبت كذبة منذ شددت علي إزاري] أي: منذ أصبحت رجلاً أحزم نفسي والله ما كذبت كذبة. قال له الوليد بن عبد الملك يوماً من الأيام وهو يناقشه: كذبت، فقال عمر: [والله ما كذبت كذبة منذ علمت أن الكذب يشين بصاحبه] . وقال أحد خلفاء بني أمية لـ ابن شهاب الزهري وكان يحدث بحديث عن رسول الله ﷺ في فضل أهل البيت، فقال له هذا الرجل الوالي: كذبت، فقال: [بل كذبت أنت وأبوك وجدك، والله لو كان الكذب مباحاً من السماء ما كذبت] يقول: والله لو أن الله أباح الكذب -وهذا محال، لكن يعلق يمينه على المحال- ما كذبت، وتقول لي أنا: كذبت، فردها عليه وعلى أبيه وعلى جده، ليس عنده لعب! عندها سجنه، لأنه أمير حاكم، لكنه قد أهانه إلى يوم القيامة، فالكذب سيء ولا يمكن لمسلم أن يرضاه. يقول ابن السماك وهو من علماء السلف: [ما أراني أؤجر على ترك الكذب، قيل: ولم؟ قال لأنني أدعه أنفة] يقول: أتركه ترفعاً، ولذلك لا أظن أن لي أجراً عليه، لأني أدعه تأنفاً، ولا يمكن أن أسير فيه مهما كان، وهذا من بالغ درجات نفوسهم الأبية. ويقول مالك بن دينار: [قرأت في بعض الكتب أنه ما من خطيب إلا وتعرض خطبته] أي: كلامه الذي يقوله على الناس يعرض على عمله، يعني: يقارن ويوازن ويواجه بين الكلام الذي يقول وبين العمل الذي يعمل في الغيبة، وهذه عهدة ومسئولية كبيرة جداً؛ لأن الله ينظر إلى قلب المتكلم والناس ينظرون إلى لسانه، فالناس يرصدون لسانه وحركته وكلامه وأدلته ونصوصه، ولكن الله ينظر إلى قلبه، فإذا رأى اختلافاً بين كلامه وبين قلبه مقته الله ، وهذا الكلام الذي يقوله الإنسان الداعي أو الواعظ أو الخطيب أو العالم، يؤخذ ويواجه ويقارن بأعماله، فإن كان صادقاً فيما يقول قيل له: صدقت، وإن كان كاذباً قرضت شفتاه بمقاريض من نار، كلما قرضت نبتت، وكان يقول مالك بن دينار: [الكذب والصدق يعتركان في القلب] يعني: أن هناك معركة بينهما، بين الصدق والكذب، فواحد يريد أن يصدق والثاني يريد أن يكذب، يقول: [حتى يُخرج أحدهما الآخر] فلا يمكن أن يجتمع في قلبك الصدق والكذب معاً، لابد أن يخرج أحدهما، فإذا صار قلبك إناءً للصدق خرج الكذب، وإذا صار قلبك إناءً للكذب خرج الصدق.

стр. 59

مقياس الرجولة في قصة ابن مسعود هذه بعض الآثار التي وردت عن السلف ﵃ في الكذب، فالكذب -أيها الإخوة- ليس من خلق المسلم، لأنك إذا أردت أن تزنَ رجلاً لتقيمه فإنما تزنه بما فيه من قيم وموازين الرجولة، فالرجال لا يقاسون بطولهم ولا بعرضهم ولا بلونهم ولا بجمالهم، فإن الطول والعرض للإبل، والجمال والوسامة والبياض للنساء، فلا يقاس الرجال بالبياض والوسامة، لا. هذا ليس من شأن الرجال. وإنما يقاس الرجل بأخلاقياته، ولو كان نحيفاً كالخلال ولكن فيه معالم الرجولة، أما إذا كان سميناً جميلاً بديناً طويلاً عريضاً لكنه كذّاب، فإنك لا تثق به، هل يغني طوله وعرضه وجماله وبياضه عن كذبه، فتثق به لأنه جميل أو طويل أو سمين؟ لا. أو كان جباناً أو بخيلاً أو منافقاً أو زانياً، لا. لا ينفع كل هذا، لكن إذا جاءك شخص وهو كالخلال أو ذميم الخلقة أو قصير القامة لكنه صادق، فإنه يرتفع، وهكذا كان الصحابة ﵃. كان ابن مسعود ﵁ دقيق الساقين، كان إذا وقف عند الجالسين فكأن الجالسين جنبه، يعني: يأتي رأسه عند رأس الجالسين من قصر قامته، لكنه ممتلئ من رأسه إلى قدمه إيماناً، يقول فيه النبي ﷺ (إيه يـ ابن مسعود لقد مُلئ إيماناً من مشاش رأسه إلى أخمص قدمه) ذات مرة كان الرسول ﷺ مع أصحابه فصعد ابن مسعود ﵁ إلى الشجرة فرأى الصحابة ساقية حينما كشفت الريح عن إزاره، فكانتا دقيقتين كأنها مسواكين، فتبسم بعض الصحابة، أي: تعجب، فقال النبي ﷺ : (أتعجبون من دقة ساقي ابن مسعود، والذي نفسي بيده لهما في الميزان عند الله أثقل من جبل أحد) نعم. لأن الرجل مملوء بالإيمان. يقول ﵁: [أخذت القرآن من فم رسول الله ﷺ والله ما من آية فيه إلا وأنا أعرف أين نزلت ومتى نزلت وفي الليل أو في النهار، وفي الصيف أو في الشتاء، وفي مكة أو في المدينة، وفي السفر أو في الحضر، وفي الحرب أو في السلم، ووالله لو كنت أعلم أنه يوجد في الأرض رجل أعلم مني بكتاب الله لضربت إليه آبط الإبل حتى ألحق به] فهو مهتم بكلام الله، هذا الرجل العظيم ساقاه دقيقتان، لكن قد يكون هناك من كفار قريش من ساقه ضخمة، مثل ساق أبي جهل، أبو جهل رأسه مثل رأس البعير، كبير، كانت عمامته فقط اثني عشر متراً، وكان يوم بدر قد لبس عمامة حمراء، وهي عمامة الموت، والتي كانت إذا لبسها العربي يُعرف أنه فدائي، يعني: أنه لا يريد أن يرجع ذاك اليوم، وكان يهدر كالجمل وهو يصف الجيوش لمقابلة النبي ﷺ بعد أن شرب الخمر وغنت النساء على رأسه، وقال لهم الشيطان: لا غالب لك اليوم من الناس وإني جار لكم. وبعد ذلك لما قتله معاذ ومعوذ وهما صغيران من أبناء الأنصار ابتدراه بضربتين، فمر ابن مسعود هذا الصغير بين القتلى وإذا بالرجل يتشحط في دمه ويلفظ أنفاسه، فرآها ابن مسعود فرصة أن يحز رأسه، فصعد على صدره، وأخرج سيفه وأمسك بلحيته واحتز رقبته، فماذا كان يقول الخبيث؟ يقول: يا بن مسعود لقد وطأت موطأً صعباً -أي: ارتقيت على مكان لا يرتقي عليه أحد- ولكن إذا قطعت رأسي فأطل عنقي فإن الرأس يعرف بالعنق، أي يقول: إذا ذبحتني فأطل عنقي، انظر إلى الكبرياء حتى عند الموت! فجز ابن مسعود رأسه. ثم بعد ذلك جاء يجرجر رأسه؛ لأن رأسه كبير مثل رأس الثور، والرجل صغير لا يستطيع أن يحمله، فما كان إلا أن أخرج سيفه وخرم أخراماً في أذنه، وربطه بحبل وبدأ يسحب هذا الرأس، وكان ابن مسعود لما أسلم في مكة، وكان هذلياً، أي من هذيل وهي قبيلة في الطائف، ولكنه كان يرعى لأهل مكة، ودائماً الغريب أو الراعي محتقر، فمر عليه أبو جهل عليه لعائن الله ذات يوم وقد سمع أنه أسلم، فقال: أصبأت يا رويع الغنم؟ قال: نعم. يقول: فجاء وجذبني وأخذني بأذني وألصقني إلى الجدار، ثم أخرج مسماراً من جيبه، ودق المسمار في أذني إلى الجدار، فجلست معلقاً من أذني بالمسمار. يقول: حتى مر الصبيان والدم يسيل من أذني إلى الأرض ولا يستطيع أحد أن يفكني، ولم يفكه إلا أبو بكر ﵁ وأرضاه، يقول: فلما جئت بالرأس والرسول ﷺ جالس في العريش وقد انتهت المعركة، تذكر النبي ﷺ أذن ابن مسعود التي خُرمت في مكة ورأى أذناً هنا مخرومة، فقال: (الأذن بالأذن والرأس زيادة) يعني: أذن بأذن لكن معك مكسب فقد أتيت بالرأس، أي نعم. فقضية قياسك للرجال لا تبنها على أشكالهم وألوانهم وإنما على أخلاقياتهم وصفاتهم وكرامتهم وشهامتهم، وما الذي يجعل للإنسان منزلة ومكانة في قلوب الناس إلا الصدق! فإنه إذا نُقِلَ كلام عن فلان من الناس، وقد عرف أن فلاناً هذا كذَّاب، فبمجرد أن يقولوا: من الذي قال هذا، فيقولون: فلان، فيقول الناس: اتركه هذا كذاب، أي: كلهم مجمعون على أنه كذاب. وهذا إلغاء له، إلغاء لوجوده، فلا قيمة له لا وزن، ووالله إن بطن الأرض خير له من ظهرها، لأن مثله كمثل الكلب أو الخنزير الذي يُحكَى عنه، فلو أن شخصاً جاءك في مجلس من المجالس وقال لك: هل سمعت كذا؟ فيقول لك من الذي أخبرك؟ فتقول له: ذاك الكلب الذي عند الباب، هل سيصدقك؟ لا. لأن الكلب لا يتكلم أصلاً، حتى لا يُقبل كلامه. كذلك هذا الكذاب إذا أخبرت عنه خبراً، يعني: قيمته وقيمة الكلب أو الخنزير سواء. لكن إذا نقل كلام وقيل: من قال هذا الكلام، فقالوا: فلان، عندها يقال: يا سلام، انتهى الأمر! مصدر وثيق، رجل ثقة لا ينقل إلا الصدق، ولا يتكلم إلا بصدق، وهو محط ثقة قلوب الناس، هذه هي قيمة الإنسان. وبعض الناس يقولون: اكذب تنج، والحقيقة أن الصدق هو المنجي؛ لأنك وإن نجوت بالكذبة في الدنيا، فإنك لا تنجو بها في الآخرة، وقد لا تعاقب في الدنيا على الكذبة ولكنك ستعاقب عليها يوم القيامة، ولكن اصدق تنجُ.

стр. 60

الكذب ندامة في الدنيا والآخرة ينبغي للمسلم أن تكون نظرته دائماً أبعد من هذه الحياة، فلا يكون محدود النظرة، لا ينظر إلا إلى قدمه وإلى مصلحته، وإلى وظيفته وإلى راتبه، بل انظر إلى ما بعد هذه الحياة، واعمل لما بعد هذه الحياة، حتى تكون ممن ينجو يوم القيامة. لأن من الموظفين من يكذب على مديره مثلاً، فقد يأتي شخص إلى المدير يريد أن يستأذن من الدوام ثم يستحي أو يخجل، فيهرب من الدوام، ثم يذهب ليراجع في إدارة، أو يذهب إلى السوق ليشتري بعض الأشياء، فيبحث عنه مديره: أين فلان، فيقال: لا ندري. وأخيراً بعد ساعة يرجع، فيقال له: أين أنت يا أخي؟ فيقول: أنا كنت في الأرشيف في مكتبي. حسناً كان في الأرشيف، فيأخذها المدير ويسكت، ويذهب المدير في الليل ليسمر مع زملاء له، فيدور حديث عارض من غير قصد، وإذا بشخص من الجالسين رأى هذا الموظف في الصباح وهو يراجع في البلدية، في نفس تلك الساعة، فيقول للمدير: فلان يشتغل عندكم؟ فيقول: نعم. فيقول: والله اليوم جاءنا في البلدية كان لديه معاملة، وطلب منا أن نساعده، فيقول المدير: أتاكم اليوم، فيقول: نعم. فيقول: متى؟ فيقول: الساعة التاسعة والنصف، فيقول المدير: عجيب والله، خير إن شاء الله. فيأتي المدير في اليوم الثاني ويطلب هذا الموظف فيقول: يا أخي أين كنت بالأمس عندما بحثنا عنك؟ فيقول: قلت لك: إني في الأرشيف، فيقول له: أكيد؟ فيقول: والله الذي لا إله إلا هو -لأن من كذب حلف فيكذب ولا يهمه لأنه يريد أن يبرر موقفه، يريد أن يظهر الصدق ونسي الجريمة وعظمها عند الله فيقول له المدير: (يا ابن الحلال عدِّل بدِّل) ربما كنت في مكان آخر، فيقول: يعني أكذب عليك أنا، فيقول المدير: والبلدية التي كنت تراجع فيها بالأمس! فيقول: الله من الذي قال لك؟! -انتهى الأمر لم يعد يستطيع أن يكذب- الله أكبر على الناس! الكذب ليس بحسن يا مدير، والله أنا استحيت أن أستأذن منك فاسترقت وعدت، فيقول المدير: استحيت مني تخدعني وتكذب عليَّ! تحلف بالله فاجراً! تظنني مغفلاً! لماذا لم تكن شجاعاً؟ لماذا لم تكن مؤدباًَ؟ لماذا لم تكن صادقاً؟ ليس هناك مانع من خروجك، ولكن خروجك بدون إذن خطأ، لأنك تأخذ وقتاً يحرم عليك أن تقضيه في أغراضك الشخصية إلا بإذن مني وأنا صاحب الصلاحية، لمَ لم تستأذن مني؟ إذاً ذهابك هذا حرام، لكن عندما وقعت في الحرام وخرجت وأتيت وكذبت وهو حرام، ولما تأكدت منك حلفت عليَّ حراماً. كم صارت الجرائم إذاً؟ ثلاث، وكان بإمكان هذا الموظف أن يجعلها لا شيء، لكن من لم يراقب الله يندم في الدنيا والآخرة.

стр. 61

صورة شائعة من صور الكذب لا تكذب يا أخي المسلم! بل كن صادقاً في كل شيء، بعض الناس يكذب خوفاً وحياءً من الناس، يأتيك شخص يطرق عليك الباب وأنت في البيت، ولا تريد أن تخرج، فتقول للمرأة أو للولد: قولوا له: ليس موجوداً. والولد والمرأة تجاه هذه التعليمات يشعرون بمعارضة، كيف نقول: غير موجود، وهو يكلمنا؟ حتى أن بعض الأبناء الأبرياء يأتي عند الباب فيقول: قال أبي: إنه غير موجود، فيكشفه ابنه أولاً. ثانياً: هذا الرجل يعرف أنك دخلت، وأتاك في تلك اللحظة ورصدك وأنت تدخل البيت، وسيارتك أكبر شاهد على أنك في الداخل، وقد تأتي لحظة من اللحظات فيحدث لك طارئ من الطوارئ اقتضى منك أن تخرج، مرضت زوجتك، أو احترق ولدك، أو سقط شيء في البيت، وإذا بك تخرج فتجد الرجل عند الباب ينتظرك، ماذا ستقول له عندها؟ تقول: آسف والله لم يدرِ الولد بي! اطلب من الولد أن يقول: أبي موجود ولكنه يعتذر؛ لأنه غير مستعد لاستقبالك، لماذا؟ لأنك لا يمكن أن تفتح لكل من دق بابك إلا بموعد، أما الذي وعدته فإنك تفتح له غصباً عنك وإلا صرت منافقاً، أما أن يأتيك شخص بعد العشاء ويدق عليك الباب، فإن كنت مستأنساً به فحياه الله، وإن كنت غير مستأنس به فقل: أعتذر والله يا أخي، أنا نائم. لأن الله قد قال في القرآن: ﴿مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النور:٥٨] فهذه الثلاث الأوقات لا يستطيع أحد أن يدق عليك بابك فيها، ولا تفتح له إلا بإذنك وأنت مرتاح. نفرض أن شخصاً يريد أن يتكلم معك، فجاءك قبل الساعة الرابعة والنصف، أي: قبل الفجر، ودق الباب، ماذا بك؟ قال: والله أريد أن أتكلم معك، ستقول: (الله أكبر عليك!) ما أتيت إلا في هذا الوقت، أو أتاك بعد الظهر بعدما دخلت وتغديت ووضعت ثيابك وأردت القيلولة، وإذا به يدق الباب، ماذا بك؟ قال: والله أريد أن أسألك سؤالاً، حسناً ما جئت إلا في هذا الوقت لماذا لا تأتي بعد العصر، أو تنتظرني في المسجد؟ لماذا تختار هذا الوقت غير المناسب وتأتي فيه، ولا يجوز لك أن تؤذي المسلمين؟! فأنت بدلاً من أن تكذب على هذا الرجل فتسخط الله أولاً، وتعلِّم ولدك الكذب ثانياً، وتسقط من عين الرجل ثالثاً؛ لأنه علم أنك موجود، فيأخذ عنك فكرة سيئة، وصورة هزيلة أنك رجل دجال، ارتكب واحدة فقط، ما هي؟ أنك إذا استحيت من الرجل تأمر أولادك أن يقولوا له: إنه موجود لكنه يعتذر عن مقابلتك، أو دخل في غرفة نومه ولم يعد يستطيع أن يقابل أحداً، ولا تقل: نائماً، بعضهم يقول: إنه نائم، رقد الساعة السابعة والنصف أو الثامنة. لا. هذا ليس معقولاً، ولكن ائتِ بعذر صحيح فإن قبله فالحمد لله، وإن لم يقبله فليضرب برأسه في الحائط، لا توجد سوى هذه. أما أن تكذب على الله من أجل أن ترضيه، تسخط الله من أجل أن ترضيه، لا. فأنت بين خيارين: إما أن ترضيه أو ترضي الله ، لا والله أرضي ربي، لأن الحياة والرزق والموت والإعطاء والنفع بيد الله ﵎.

стр. 62

قصة غلام صادق أقص عليكم قصة من الواقع، وليست من نسج الخيال، هذه القصة هي أن امرأة كان لها ولد، أرسلته في طلب العلم إلى قرية بعيدة عن قريتها، وأوصت به القافلة التي ذهب معها خيراً، ولما ودعته ربطت في جيبه مائة وخمسين ريالاً، وقبلته في وجهه وقالت له: يا بني! أوصيك بتقوى الله والصدق، فحفظ الولد الوصية ومشى في الطريق، وبينما هم في الطريق اعتدى عليهم بعض اللصوص وقطاع الطريق، فربطوا الرجال وأخذوا الأموال، ثم أتوا يفتشونهم واحداً واحداً، حتى مروا على هذا الولد، فلما أتوا يفتشونه قال لهم زعيمهم: دعوه لا تفتشوه، ليس معه شيء -يعني: أنه ولد ليس معه شيء- فقال الولد: لا. بل معي مائة وخمسون درهماً، فقال زعيمهم فتشوه، ففتشوا وإذا بمائة وخمسين درهماً. فاسترعى انتباههم هذا الموقف، وقالوا له: نحن قلنا: ليس معك شيء، لماذا تقول: أنا عندي مائة وخمسون درهماً؟ فقال: إن أمي أوصتني حينما بعثتني فقالت: عليك بتقوى الله والصدق، فإن الصدق يوصل إلى الجنة، وإني خشيت أن تتركوا المائة والخمسين هذه فأكون كذَّاباً فتوصلني إلى النار -يقول الولد هذا الكلام ببراءة ولطف، أي: هناك نظافة فطرية- فهز هذا الموقف زعيمهم أعظم هزة، ووقع في قلبه أعظم وقع، أعظم من ألف موعظة، وقال في نفسه: طفل صغير لم يبلغ الحلم لا يريد أن يكذب ويدل على المال الذي عنده وهو حلال له، وخشي أن يحول هذا بينه وبين الجنة، فيدخل النار، وأنا عاقل كبير أسرق الأموال وأهتك الأعراض وأقطع السبل، ولا أخشى النار، ثم التفت إلى الذي بجانبه من الرجال وقال: ما أنا فيكم؟ -وهو فحل بطل- قالوا: أنت سيدنا وكبيرنا، فقال: كلامكم وطعامكم وشرابكم علي حرام إن لم تؤمنوا بما أسير فيه، فقالوا: معك في السراء والضراء، ثم قال: أين تذهبون يا جماعة، قالوا: نريد المدينة، ثم قال للولد: وأنت؟ قال: أريد العالم الفلاني، ثم قال فكوا الرجال، ففكوا الرجال، ثم قال: ردوا الأموال فردوا الأموال، ثم قال: أنا معك يا فتى أريد أن أطلب العلم، فذهبوا معه حتى دخل القرية والتحق بالعالم وطلب العلم، وتاب وأصبح من خيار السلف. إذاً ما هو السبب؟ الصدق. فلو أن هذا الولد سكت لنجا بالمائة والخمسين، ولكن ما كان للقافلة أن تنجو، ولن ينجو من العهدة والمساءلة، ولكن صدق فنجا، فكان لصدقه أثر في نجاة القافلة كلها، وكان لصدقه أثر في توبة قاطع الطريق ونجاته، ويأتي يوم القيامة وهو في ميزان حسناته، فالصدق نجاة.

стр. 63

ثمرة صدق الثلاثة الذين خلفوا أعظم من هذا ما ذكره الإمام البخاري في صحيحه في قصة الثلاثة الذين خلفوا في غزوة تبوك: كعب بن مالك ومرارة بن الربيع وهلال بن أمية، وقد أردت أن آتي بها في هذه الليلة كاملة من صحيح البخاري، ولكني آثرت أن أترك لها ليلة كاملة، لأنها قصة مشوقة، قصة -أيها الإخوة- تصلح أن تكون منهج حياة للإنسان في هذه الدنيا، حينما يوازن ويقارن بين الدنيا والآخرة. فهم ثلاثة صدقوا ونالهم من الضيق والشدة ما لا تتحمله الجبال، ضاقت عليهم أنفسهم وضاقت عليهم الأرض بما رحبت، فهجرهم النبي ﷺ وهجرهم الصحابة، وأمروا بالابتعاد عن نسائهم، كان كعب بن مالك يدخل إلى حائط ابن عمه أبي قتادة، فيقول له: السلام عليكم، فلا يرد ﵇، فيقول: أسألك بالله هل تعلم أني أحب الله ورسوله، فيقول: الله ورسوله أعلم، ويأتي ويصلي في مسجد النبي ﷺ ، يقول: فإذا نظرت في الرسول صرف نظره عني، فإذا جلست أُصلي سارقني النظر، يقول: ثم أسلم عليه فلا أدري أرد علي السلام أم لا، من غضبة عليَّ شيء عظيم لا يمكن أبداً أن يتعرض له إنسان في الدنيا نتيجة الصدق، ولكن ماذا كانت الثمرة؟ كانت الثمرة أن أنزل الله فيهم قرآناً يتلى إلى يوم القيامة في توبتهم: ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ [التوبة:١١٨] والقصة بكاملها سوف آتي بها إن شاء الله في الأسبوع القادم، لتكون لنا منهج حياة نسير عليه في هذه الدنيا، فنصدق أولاً مع الله فلا نكذب، ونصدق مع أنفسنا ومع الناس، ويكون لنا وجه واحد فقط، وما نخفيه هو ما نظهره، فلا نتأول، وإنما نكون واضحين. نقول الحق والصدق ولو كان مراً، نقوله ولو على أنفسنا، هذا الخلق خلق الصدق -أيها الإخوة- خلق أصيل في المسلمين، وهو أيضاً موجود عند كل العقلاء في الأرض، الذين جربوه، حتى الكفار، ونحن لا نأخذ القدوة منهم.

стр. 64

أهمية الصدق في الوعد النبي ﷺ اشترى قبل البعثة شيئاً من رجل اسمه أبو الخنساء، فقال له: اجلس هنا حتى آتيك بالثمن، أي: أعطاه بعض الثمن وقال له: اجلس حتى آتيك بالباقي، فذهب الرجل ونسي الموعد، ولم يتذكر إلا بعد ثلاثة أيام فجاء، وإذا بالرسول ﷺ جالس مكانه، فقال له: (لقد شققت عليَّ والله إني أنتظرك منذ ثلاث ليالٍ) . لا إله إلا الله! لأنه وعده، قال: اجلس حتى آتيك فما أحب النبي ﷺ أن يترك المكان. هذا الخلق نتعلمه من ديننا ومن أخلاقيات إسلامنا، ولكن يؤسفنا جداً ويحز في نفوسنا ويقطع أكبادنا، أن المسلمين اليوم الذين يقولون ويزعمون أنهم من أتباع محمد بن عبد الله أنهم يكذبون، بينما الكفار يصدقون. ولهذا إذا وعد الإنسان منهم بوعد وأراد أن يلزمه قال: تأتيني الساعة السادسة، قال: السادسة، قال: نعم. موعد (إنجليزي) فيقول ذاك: (إنجليزي!) حسناً، موعد (إنجليزي) ستة يعني ستة، بينما كان المفروض أن يقول: وعد مسلم كما كان يقول الأولون. كان الأولون يقولون: وعد مسلم؟ قال: وعد مسلم، يعني: لا يكذب إن شاء الله فيه، لكن اليوم وعد المسلم كذب، تقول: تأتيني؟ قال: إن شاء الله آتيك، وإن شاء الله هذه هي (المعلقة) لا. بل قل: آتيك إن شاء الله تحقيقاً لا تعليقا، لا تعلق عليها الكذب، إنما حققها بأنك تفي، ولكن اعتبر نفسك في مشيئة الله لأنك قد تموت، أو قد تمرض أو قد يمنعك عن الوفاء بالوعد شيء خارج عن إرادتك، أما أن تعلق الكذب بالمشيئة فلا. حتى إن أحد الكفار كلما أراد أن يقول شيئاً قال: إن شاء الله، تقول: تغديت قال: إن شاء الله، إن شاء الله، يعني: كذب كذب، كلها كذب، لا يجوز، في الغرب الآن لا يكذبون أبداً، أخلاقيات لكن لا تنفعهم يوم القيامة، لأنهم كذبوا أعظم الكذبات على أنفسهم حينما جعلوا لله شريكاً، وكذبوا أعظم الكذبات على دينهم حينما عطلوه وبدَّلوه، لكن في المعاملات التي بينهم صدقوا، يصدقون لا يكذبون، ونحن لا نأخذ القدوة منهم، ولكن نأخذها من رسول الله ﷺ ، ومن دين الإسلام، ويؤلمنا ويحز في نفوسنا أن يتخلقوا بأخلاقنا ونحن نتخلق بأخلاقهم، فالكذب بضاعتهم ويجب أن ترد عليهم، والصدق بضاعتنا ويجب أن ننتزعها منهم ونتمسك بها، فنصدق ونطيع الله، وأيضاً نصدق ونحيا حياة كريمة في الدنيا والآخرة. أسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يجعلني وإياكم من الصادقين في الدنيا والآخرة، كما قال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة:١١٩] .

стр. 65

الأسئلة

стр. 66

حكم الأخذ من مال رب البيت بدون علمه السائل: أشهد الله على محبتك فيه وأسأل الله أن يجمعني وإياك في ظل عرشه. الشيخ: نسأل الله ذلك، وجزاك الله خيرا وإخواننا المسلمين. السؤال يقول: هل يكون حراماً أن يأخذ أهل البيت من جيب رب البيت -يعني الوالد- نقوداً للإنفاق على البيت ولكن بدون علم الأب، وذلك لنسيان أهل البيت أن يعلموه -مثل أخذ نقود لشراء الخبز مثلاً- أم أن هذا من السرقة؟ الجواب لا. ليس هذا من السرقة، وهناك حديث في صحيح البخاري ومسلم: (أن هنداً بنت عتبة جاءت إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح -يعني: بخيل لا يعطي- أنأخذ شيئاً من جيبه بدون علمه؟ قال: خذي ما يكفيك) فإذا كان الرجل لا يقوم بالواجب ويغلق على المال، فلا مانع من أن تأخذ المرأة من جيبه ما تقضي بها حاجتها الضرورية، مثل: الخبز واللحم والفاكهة والخضرة، فليس هناك مانع ولو لم يدر، فإنها تأخذه وهو الذي يأكله وهي تأكل معه، أما أن تأخذ أكثر من الحاجة فتأخذ شيئاً تختص به نفسها، مثل الملابس أو الذهب أو العطور، فلا يجوز، وهذا حرام، إنما تأخذ الشيء الذي لا يمكن أن تستغني عنه من ضروريات المعيشة الدنيوية، وقد رخص لها النبي ﷺ فقال: (خذي ما يكفيك وولدك) أما أن تأخذ أكثر فحرام.

стр. 67

حكم تقليد أصوات الأئمة السؤال قلت: إن تقليد الأئمة والخطباء لا يجوز، ولكن ما حكم من يقلد الأئمة كـ السديس مثلاً يقول: لأنني أحب صوته؟ الجواب وليس هناك مانع، لكن تقليد الأئمة على سبيل الاستهزاء والسخرية بهم هذا حرام، أما تقليد الأئمة على سبيل الإعجاب بهم فلا يوجد مانع، كأن تحب قراءة علي جابر أو السديس أو المنشاوي أو أي قارئ وتريد أن تحسن تلاوتك بقراءته، وإن كان الأفضل أن تبتكر أنت، لأن السديس من قلد؟ هل قلد السديس أحداً من الناس أم اخترع هذا الصوت وهذا الأداء والله وفقه إليه؟ فابحث لك عن أداء معين يمكن أن تصبح به أحسن من السديس، وإن كان التقليد ليس بحرام، ولكنَّ الناس لا يحبونه، فلو أتيت لتصلي بالناس وقمت تقلد السديس مباشرة يُغمز فيك، يعني: أن هذا ليس بمقبول، هذا في نظري أنا، ولا أدري بالنسبة للآخرين، لكنَّ الابتكار والتجديد والاستقلال وعدم التبعية حسن في كل شيء، لكن إذا قلدته من باب الإعجاب به فلا شيء عليك إن شاء الله.

стр. 68

حكم النظر إلى أفخاذ الرجال السؤال ما حكم النظر إلى أفخاذ الرجال؟ الجواب لا يجوز. لا يجوز أن ينظر المسلم إلى عورة أخيه المسلم، هذا حرام في دين الله .

стр. 69

حرمة النظر إلى المرأة الأجنبية السؤال وما حكم النظر إلى المرأة الأجنبية بغير شهوة على سبيل الاعتبار والتفكر؟ الجواب الله أكبر ما هذا الاعتبار؟! هذا اعتبار الشيطان وتفكر إبليس، فإن ابن القيم ذكر هذا الكلام في كتابه إغاثة اللهفان، فقال: إن الشيطان يأتي للبسطاء وأصحاب العقول المهزوزة التي لم تعرف أن تعتبر في مخلوقات الله إلا بالنظرة المحرمة، لماذا لم تعتبر بالسماوات والأرض والليل والنهار؟ لماذا ذهبت هذه العقول تبحث عن وجه المليحات لتعتبر؟ تضحك على من؟ إن النظر المحرم لا يؤدي بك إلى اعتبار، بل يلغي الاعتبار فيك والتفكر، فلا يجوز أن تنظر إلى امرأة لا تحل لك، لأن من ملأ عينيه من الحرام؛ ما ملأها الله اعتباراً بل ملأها من جمر جهنم، لكن هذا مكر الشيطان، أما وجد في الدنيا غير المرأة يتفكر فيها؟!

стр. 70

حكم قراءة القرآن على غير وضوء السؤال ما حكم قراءة القرآن والإنسان على غير وضوء، بحيث أنه لم يمس المصحف، يعني: يقرأه غيباً؟ الجواب وليس هناك مانع، قراءة القرآن وأنت محدث حدثاً أصغر بغير مس للمصحف لا شيء فيه، أما قراءته وأنت جنب فلا يجوز، لا بد أن ترفع الجنابة بالغسل ثم تقرأ القرآن سواءً كان غيباً أو نظراً، أما مس المصحف باليد وأنت غير متوضئ فقد قال أهل العلم: لا يجوز، لأن الله يقول: ﴿لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة:٧٩] . أحد الناس سمع شخصاً في الإذاعة يقول: ﴿لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة:٧٩] يعني: الملائكة، كيف تنزل الملائكة تمس المصحف؟ هذا كلام الله ، كيف نأتي بملائكة من السماء يمسكون المصاحف، الله يقول: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ * لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة:٧٧-٧٩] مَن المطهرون؟ الذين تطهروا من الحدثين، قالوا: إذا قرأ القرآن قراءة تعبد محض لم يجز له أن يقرأه إلا وهو متوضئ، أما إذا قرأه على سبيل التعلم فإنه مرخص له أن يكون محدثاً للمشقة، ولعدم القدرة على الاحتراز من الحدث لطالب العلم أو المدرس، يعني: الذي في المدرسة بإمكانه أن يقرأ ولو مس المصحف وهو غير متوضئ، لأنه لو ألزمنا الطلاب في المدارس والمدرسين أنكم لا تقرءون ولا تحملون المصاحف إلا وأنتم طاهرون لشققنا عليهم، والله قد رفع المشقة والحرج في دينه فقال: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨] .

стр. 71

تكرار المعصية والتوبة منها السؤال رجل عمل معصية ثم تاب وعاهد الله ألا يعود إليها ولكنه عاد إليها ثانية، ثم تاب وعاهد الله ألا يعود، ثم عاد إليها ثالثة، فما الحكم في عدم وفائه في المرة الأولى والثانية، وهل عليه ذنب، وما هي كفارته؟ الجواب كفارته أن يتوب إلى الله وأن يقلع، وإذا تاب إلى الله ولو أذنب مائة ذنب، أو مائة مرة فإن الله يقبل التوبة، ولكن اصدق يا أخي! لا تلعب على الله، أتوب وأعاهد وأعود، حسناً افرض أنك مت، كيف تعمل؟ يا أخي! إذا تبت فارفع نفسك، فالجواد يعثر ولكنه لا يجلس دائماً في الطين، فيعثر مرة وينهض، لكن ما رأيك لو أنه كلما قام عثر؟ هل يصلح هذا كجواد في سباق؟! لو كان عندك جواد وأردت أن تسابق به، وكلما ركبت على هذا الجواد عثر بك، ماذا تفعل به؟ تتركه. فالذي يسابق في ميادين الآخرة وهو يعثر، كلما جاءت مصيبة عثر فيها: رأى النساء عثر عندهن سمع الأغاني عثر عندها رأى المال الحرام عثر عنده ثم يريد الجنة، هذا دجال، يا أخي! أنت من طلاب الآخرة، سر في سبيل الله وسابق في ميدان الآخرة ومضمارها، فإذا وقعت مرة أو عثرت فانهض واستغفر الله، أما أن تعثر كل ساعة فتتوب وتستغفر، وتتوب وتستغفر، هذا خطر عليك، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ولكن لا كفارة لك إلا أن تتوب، أما العهد الذي عاهدت الله ثم نقضته فإن عليك فيه كفارة يمين، تطعم عشرة مساكين.

стр. 72

مشكلة الحب المحرم وحلولها السؤال أنا شاب كنت متديناً، وابتليت بحب شابة وقد أحببتها حباً خالط عظمي ودمي، وقد كنت قبلُ أنظم الشعر سابقاً للدين ونصرته، وبعد ذلك أصبحت أنظم الشعر فيها، وإذا غابت عني تسود الدنيا في نظري فلا أستطيع القيام بواجبي الدراسي ولا واجبي العبادي، وأصبحت الحياة علي ثقيلة والواجبات ثقيلة، وأنا أخاف أن يطغى حبها على حب الله ورسوله فكيف الخلاص؟ الجواب تخاف! قد انتهت المسألة، وهذه يا أخي المسلم عقوبة عاجلة لك، عندما تحولت عن الله، ابتلاك الله بهذا المرض، وبعض الناس يتصور أن حب الحرام سهل، لا والله، هذه لعنة ومصيبة في الدنيا والآخرة على الإنسان، لأن الله ﵎ يقول: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً﴾ [طه:١٢٤] ما هي المعيشة الضنكة؟ مثل هذه الحياة، أن تُقذف ويغريك الشيطان بحب امرأة أو بنت محرمة عليك؛ لأن هذه تعذبك ولا تستطيع أن تأكل أو أن تشرب، بعض الناس يذكرها على العشاء فيقول: آه والله لا أتعشى، ماذا بك يا ولد لا تتعشى؟ قال والله لا أذوقه، لماذا؟ لأنه تذكر، أي نعم. وبعضهم يأتيه وهو نائم فيستيقظ ويتقلب طوال الليلة، هذا عذاب أم ليس بعذاب؟ عذاب، قال الله ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه:١٢٤] ثم قال بعد ذلك: ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾ [طه:١٢٧] فأنت كنت متديناً، ولكن وقعت في حب هذه البنت لأنك عصيت الله، إما بنظرة نظرتها وأنت متدين، وهذا نقوله للناس، ونقوله للشباب المتدينين خاصة: إنما الخطورة في أول نظرة، والخطورة في سماع أول أغنية، فلا تجلس أمام جهاز التلفاز أو المذياع أو المسجل فتسمع وتقول: سهلة، فربما تجرك هذه الكلمة أو هذه الأغنية ولا ترجع إلا من النار، احذر! انتبه على نفسك من استسهال المعصية وأنت تقول: سهل سهل، ثم يأتي هذا الذي قد تدين وينتكس ويصبح ألعن من أولئك. يعني الآن لو كان هناك وعاء للقمامة وعليه كلاب القرية تأكل منه وشبعت، وأتى كلب من هناك لم يأكل بعد من هذا البرميل، فبمجرد أن يبدأ بالأكل فإنه ينبح، وكلما تلفت في كلب يحسب أنه لم يذق بعد وهم قد شبعوا من هذا البرميل، ولكن من حرصه عليها، فهذا الذي ينحرف يكون أسوأ من غيره والعياذ بالله، فهذا الرجل كان عقوبته أن أبتلاه الله بهذه البنت في الدنيا فعلق قلبه بغير الله. ولهذا انظر حتى إن من العذاب العاجل أنه إذا جاء ليذاكر فإنه لا يحفظ، وإذا أتى ليصلي فإنه لا يستطيع، فيأتيه الشيطان ويقول: اذهب وانظر إليها حتى تصلي بإتقان، من أجل أن يمكنه من الحرام بحجة فعل الحلال، والحرام لا يوصل باستمرار إلى الحلال، بل الحرام يوصل إلى الحرام ويفسد فعل الحلال، ونقول للأخ هذا: الخلاص في يدك وبإمكانك ألا تكون عبداً شهوانياً، ولا تكون (زير نساء) تلعب عليك النساء، وتلعب عليك الجميلات والمليحات، وأن تكون عبداً لله ، وذلك بذكر ما يفوتك من النعيم في الآخرة إن أنت وقعت في شراك هذه الغبية، واذكر ما ينالك من عذاب في النار، وافعل مقارنة ومفاضلة واعرف أن طاعة الله أولى لك، وأولاً: جمد العلاقات بهذه البنت، لا اتصال هاتفي، ولا مراسلة، ولا مرور من عند بيتهم، بل الجهة الذي أنت فيها لا تتلفت فيها؛ غيِّر الاتجاه نهائياً، وجمد العلاقات، وبعد ذلك قم من الليل ومرغ جبهتك وأنفك بين يدي مولاك، وابكِ وادع الله أن يصرف قلبك، وأن يعصمك منها، وعد إلى جناب الله، وبعد ذلك اسلك السبيل المشروع، اذهب إلى أبيك وقل له: يا أبي! أريد أن أتزوج، ليس هناك حرج، يقول أبوك: لا يوجد لدينا مال، فتقول: نخطب؛ لأن أصل الزواج مخلوف، وأيضاً الخطبة لا تكلفنا شيئاً، حتى تتحسن أمورنا ونتزوج، وأبوك لن يرفض إن شاء الله. وإذا صاح وقال: لا، سلط على أبيك من يؤثر فيه من إخوانك أو جيرانه أو أصدقائه، أو أمك أو الأقارب، المهم اجعل لك ضغوطاً عليه من كل جهة، والأفضل لك أن تمهد قبل أن تكلمه، كما تمهد الطريق قبل رصفها، وبعد ذلك تأتي تكلمه فتجد الموافقة إن شاء الله. واذهبوا إلى عند أهل هذه البنت واخطبوا، فإن وافقت وقبل أبوها الزواج فالحمد لله، ولكن تستمر أيضاً في تجميد العلاقات، لا تتصل بها، لماذا؟ لأن التحريك لها بمجرد الخطبة لا يعني أنها تمت فقد تفشل في النهاية، ثم بعد ذلك واصل حتى تملك، فإذا أصبحت ورقة العقد في جيبك فكلمها من الصباح إلى أن يدوخ رأسك، وليس تكلمها فقط بل اذهب إلى البيت واجلس معها واذهب أنت وإياها. المهم افعلوا كل شيء إذا أصبحت زوجتك في جيبك، لكن الخطأ أن تشغل قلبك بالمكالمات هذا لا يحل إشكالك، هذا يقطع قلبك يحرق دينك يغضب ربك يقلق حياتك، أما تجدون الناس الذين قد سلم الله صدورهم من هذا المرض كيف أنهم مرتاحون، يأكلون هنيئاً، وينامون هنيئاً، ويشربون هنيئاً، ويصلون هنيئاً، لكن الذي قد ابتلاه الشيطان بهذه المصيبة تصبح الدنيا كلها مظلمة في حياته، لأن هذا الحب مرض، حب الحرام حرام وهو مرض، وحب الحلال حلال وهو نعيم، إذا تزوجتها وأحببتها وأحبتك فهذه نعمة من نعم الله عليك في الدنيا. أسأل الله أن يتوب عليك وأن يمنعك من العذاب، واحذر يا أخي أن تواصل هذا الموضوع، حتى لا يصبح عذاباً في النار، أعوذ بالله وإياكم من النار. وفيما لو تعذر الزواج، كأن امتنع الأب أن يزوج هذه البنت بك أيها الإنسان، فإنه يلزمك وَكَحَلٍ جذري للموضوع أن تقطع العلاقات نهائيا؛ لأنه ليس هناك فائدة؛ فالتواصل إنما يكون مع شيء يمكن أن تحصل منه على شيء، فهل هناك علاج للحب؟ ليس هناك علاج للحب إلا اللقاء، وليس هناك لقاء إلا بالزواج؛ لأن اللقاء عن طريق الحرام لا يحل المشكلة، بل يزيدها ناراً في الدنيا ويزيدها ناراً في الآخرة، فجمد العلاقات وابحث عن أخرى، وقد تقول: إنني أحب هذه البنت حباً -كما قلت- يخالط لحمك ودمك، نقول: ابحث عن واحدة أخرى وتزوج بها، وسوف تحبها حباً يخالط لحمك ودمك وعظمك ودسمك، ومثل ما أحببت تلك ستحب هذه، والنساء سواء.

стр. 73

حكم إتيان المرأة وهي حائض السؤال هل يجوز للرجل أن يأتي زوجته وهي حائض؟ الجواب لا يجوز. وهو حرام والله يقول: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ [البقرة:٢٢٢] يعني: لا يجوز أن تأتي المرأة بمجرد انقطاع الحيض منها، بل لا بد من أن تغتسل ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة:٢٢٢] لأن بعض الناس يفهم من حديث صحيح عن عائشة ﵂ قالت: [كنت أتزر فآتي رسول الله ﷺ فيباشرني وأنا حائض] فيفهم من المباشرة الجماع، لا. المباشرة هنا بمعنى: أن النبي ﷺ كان يداعب أهله ويباشرهم فيما دون الوطء، فإنه يجوز للرجل أن يستمتع من زوجته الحائض بكل شيء إلا الوطء، أما الوطء فحرام ولا يجوز، وهذه من محاسن الدين الإسلامي، فإن الذين لا يتورعون عن هذا الأمر في الغرب يصابون بالأمراض، لأن الحيض أذى كما قال الله، قذر ونتن، شيء خبيث طعمه وريحه ولونه وشكله وكل شيء، فإذا جاء الإنسان امرأته وهي حائض فإنه يسبب له مرضاً ويسبب لها هي أمراضاً، فلا يجوز ولا ينبغي في الشرع، والله لم يحرمه علينا إلا لخبثه والعياذ بالله، والأمراض الجنسية الموجودة في الغرب مثل (الهربز) و (الزهري) و (السيلان) و (الإيدز) وكل هذه الأمراض الجنسية ناتجة عن عمليات الزنا وعن إتيان المرأة وهي حائض.

стр. 74

حرمة أخذ العامل من قيمة المبيعات بدون علم المالك السؤال عملت في مكتبة لأحد الإخوة، فكنت أبيع الشيء بأكثر من ثمنه المعتاد وآخذ الزيادة لي، فماذا أصنع جزاك الله خيراً؟ الجواب عليك أن تتوب إلى الله من هذا الجرم وهذه الخيانة، وأن تقدر المبلغ الذي كنت تأخذه وترده إلى صاحب المكتبة، وذلك كأن يكون الكتاب بعشرة وأنت تقول: بخمسة عشر، وإذا أعطاك الخمسة عشر وضعت العشرة هنا والخمسة في جيبك، فإن هذا حرام لا يجوز.

стр. 75

حكم صبغ الشعر السؤال إني أحبك في الله، يوجد نوع من أنواع صبغة الشعر تسمى (الوسمة) هل يجوز استعمالها؛ لأنها أقرب شيء إلى الحناء؟ الجواب أنا لا أعرف ما هي الوسمة، أنا أعرف حديث النبي ﷺ الذي أمر فيه بأن يغير الشيب بالحناء والكتم، والكتم أعتقد أنه (الوسمة) ، وهذه إذا استعملت مع الحناء في خضاب الشعر شعر اللحية غيرت لونه الأبيض إلى لون بني داكن بين الحمرة والسواد، هذا هو الجائز في الشرع، أما الصبغ بالسواد فهذا حرام؛ لأن النبي ﷺ قال لـ أبي قحافة لما رأى رأسه كأنه ثغامة: (غيروه وجنبوه السواد) وفي حديث في السنن أن النبي ﷺ قال: (إنه يأتي أقوام في آخر الزمان يخضبون لحاهم بالسواد كحواصل الحمام لا يدخلون الجنة ولا يجدون ريحها) فما ينبغي لك أن تخدع نفسك، فتذهب وتلطخ وجهك حتى تصبح شاباً، فإن هذا شاب مزيف، أنت تلطخه اليوم لكن انتظر الشعر بعد يومين وإذا به أبيض، فتذهب وتلطخه وتسود وجهك كل يوم، الإنسان يقول: نسأل الله أن يبيض وجوهنا، وهذا يسود وجهه كل يوم، وبعد ذلك من تخدع؟ وعلى من تضحك؟ بل تخادع نفسك، بل إنه ما من شيبة يشيبها المسلم في الإسلام إلا كانت له نوراً على الصراط يوم القيامة، والشيب في وجه الرجل وقار، يقول الناظم: والشيب في رأس الفتى لوقاره فإذا تعلاه المشيب توقرا وأيضاً الشيب هو النذير، الذي قال الله فيه: ﴿وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [فاطر:٣٧] فإنه بمنزلة جدول الامتحان، أعلم أنك يا فلان لست بصغير، وأن الامتحان قد قرب، هيا استعد، ما رأيكم في شخص يلعب طوال العام ولما أعطي جدول الامتحانات مزقه؟ ماذا بك؟ راجع الجدول! قال: يا شيخ! هذا يعقدنا، ويوم أن دخل الامتحان قال: يا أستاذ ردوني إلى الخارج! أريد أن أرى هذا السؤال! أريد أن أراجع هذه الإجابة! والله إني أعرف أن هذه في الصفحة الفلانية لكني لم أذاكرها، هل يعطونه؟ هل يردونه؟ لا. يقولون: ليس معك إلا هذا، فيقدم ورقة بيضاء، وكذلك الذي يلعب على الله، يعيش طوال حياته في عبث، فإذا جاء جدول الامتحان شطب عليه بالسواد ولطخ وجهه وإذا دخل القبر قال: ربِّ ارجعون لعلي أعمل صالحاً.
следующие страницы →