← Джавами‘

Джавами‘ · id 7738

دروس للشيخ عبد الرحمن السديس

عبد الرحمن السديس

Полный текст (1 023 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

الصلاة ومكانتها وحكم تاركها [١] إن تقدم الأمم ونهوضها، وسلامتها مما يعوق مسيرتها في طريق الرقي والحضارة يكمن في تمسك أهلها بمادئها ومثلها. وإن من أعظم شعائر الإسلام الصلاة، ومع ذلك فإن الناظر في واقع كثير من المسلمين، يرى أن الصلاة قد خف قدرها، وطاش ميزانها لدى كثير من الناس مع ما جاء من وعيد شديد يحذر من تركها، ويأمر بإقامتها جماعة.

стр. 2

الترغيب والترهيب في إقامة الصلاة الحمد لله الذي شرع لعباده أكمل الشرائع، وفرض عليهم أجل الفرائض، وأوجب عليهم من العبادات، ما يصلون به إلى أسمى الغايات، وأنبل المقاصد وأرفع الدرجات، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، ومجتباه من خلقه ومصطفاه من أنبيائه ورسله، اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه، ومن سار على نهجه واستقام على سنته، ودعا بدعوته إلى يوم الدين. أما بعد: أيها المسلمون: اتقوا الله ﵎، واعلموا أن أعظم فرائض الإسلام، بعد صحة العقيدة وسلامة التوحيد، وتجريد العبادة لله وحده، فريضة الصلاة، فالصلاة -يا أمة الإسلام- قِوام هذا الدين، وعموده المتين، وركنه الركين، يقول ﷺ في الحديث المتفق عليه، عن ابن عمر ﵄: ﴿بني الإسلام على خمس﴾ وثنى بالصلاة بعد الشهادتين. لذا فقد ورد الأمر بالمحافظة عليها وإقامتها في آيات كثيرة، وأحاديث متعددة، قال الله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة:٢٣٨] وقال : ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة:٤٣] وقال: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً﴾ [النساء:١٠٣]. ومما يجدر التنويه بشأنه، أنه لا يكاد يمر ذكر الصلاة في موضوع من التنزيل إلا مقروناً بإقامتها، وذلك لأن المقصود منها إقامتها على وفق سنة رسول الله ﷺ ، القائل فيما أخرجه البخاري ﵀: ﴿صلوا كما رأيتموني أصلي﴾. قال الضحاك عن ابن عباس ﵄: [[إقامة الصلاة: إتمام الركوع والسجود والتلاوة والخشوع، والإقبال على الله فيها]]. وقال قتادة: [[إقامة الصلاة: المحافظة على مواقيتها ووضوئها وركوعها وسجودها]] وليس المقصود منها أداءها فحسب.

стр. 3

حكم تارك الصلاة وكما جاء الأمر الصريح بإقامتها، فقد جاء الوعيد الشديد، والترهيب الرهيب لمن تركها، أو تساهل فيها، قال الله تعالى مخبراً عن حال أهل النار: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ [المدثر:٤٢] * ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [المدثر:٤٣]، وأخبر أن سبب دخولهم النار تركهم الصلاة، وقال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً﴾ [مريم:٥٩] وقال: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون:٤ - ٥]. فإذا كانت عقوبة من يؤخر الصلاة عن وقتها، ويتساهل فيها بهذه الكيفية من العذاب الشديد، فكيف بحال من يتركها بالكلية. وويل: شدة العذاب، وقيل: هو وادٍ في جهنم لو سيرت فيه جبال الدنيا لذابت من حره، ولا يستحق شرف الإسلام ومكانته من ضيع واجباته وأهمل فرائضه، وعلى رأسها الصلاة. فتارك الصلاة يا إخوة الإسلام! متعرض لوعيد الله، متسبب في هلاك نفسه وورودها موارد الكافرين والمرتدين -عياذاً بالله- لأن الصلاة هي الفارق بين الكفر والإسلام، والشرك والإيمان. أخرج الإمام مسلم عن جابر ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة﴾ وعن بريدة ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ﴿العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها، فقد كفر﴾ أخرجه الإمام أحمد وأهل السنن. وروى الترمذي عن عبد الله بن شقيق ﵀، قال: [[كان أصحاب رسول الله ﷺ لا يرون شيئاً من الأعمال تركه كفرٌ غير الصلاة]]. وروى الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه ذكر الصلاة يوماً، فقال: [[من حافظ عليها؛ كانت له نوراً وبرهاناً ونجاةً، ومن لم يحافظ عليها؛ لم تكن له نوراً ولا برهاناً ولا نجاةً، وكان يوم القيامة مع قارون وفرعون وهامان وأبي بن خلف]] وقال عمر ﵁: [[لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة]] وقال علي ﵁ وأرضاه: [[من لم يصلِ؛ فهو كافر]].

стр. 4

وجوب إقامة الصلاة جماعة وقد جاء عن جملة من الصحابة والتابعين أن من ترك صلاة فرض حتى يخرج وقتها متعمداً، فهو كافرٌ مرتدٌ عن الإسلام، ومما ينبغي التأكيد عليه أن هذه الصلاة، لا بد أن تكون في بيوت الله مع جماعة المسلمين، لقوله تعالى: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة:٤٣] ولقوله سبحانه: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ [النساء:١٠٢]. فأوجب الصلاة مع الجماعة في حال الحرب والقتال، فكيف بحال السلم والأمن، ولو كان أحدٌ يعذر في ترك الصلاة جماعةً؛ لكان المصافّون للعدو المهددون بهجومه عليهم، المشاركون في معامع القتال أولى بأن يسمح لهم، فكيف بحال من هو آمن صحيح سليم معافى! وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ، قال: ﴿لقد هممت أن آمر بالصلاة، فتقام، ثم آمر رجلاً فيصلي بالناس، ثم أنطلق برجالٍ معهم حزمٌ من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة، فأحرق عليهم بيوتهم بالنار﴾. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ ﴿أن رجلاً أعمى قال: يا رسول الله! ليس لي قائد يقودني إلى المسجد، فهل لي رخصة أن أصلي في بيتي؟ فقال له النبي ﷺ : هل تسمع النداء للصلاة؟ قال: نعم، قال: فأجب﴾ مع أن هذا رجلٌ أعمى ليس له قائدٌ يقوده إلى المسجد. وفي رواية: أن بيته بعيدٌ عن المسجد، وأن الطريق إليه مليء بالسباع والهوام، ومع كل هذا؛ لم يرخص له في ترك الجماعة؛ فكيف بحال المبصرين الآمنين القريبين الأصحاء! وفي صحيح مسلم -أيضاً- عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال: [[من سره أن يلقى الله غداً مؤمناً، فليحافظ على هذه الصلوات الخمس، حيث ينادى بهن، فإن الله شرع لنبيكم سنن الهدى، وإنهن من سنن الهدى، ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته؛ لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم]] إلى أن قال ﵁: [[ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها- يعني: الصلاة مع الجماعة- إلا منافقٌ معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف]] وسئل ابن عباس ﵄ عن رجل يصوم النهار ويقوم الليل، ولكنه لا يشهد الجمعة والجماعات، فقال: [[هو في النار]].

стр. 5

تهاون بعض الناس في شأن الصلاة أخوة العقيدة والإيمان: هكذا سمعنا منزلة الصلاة في الإسلام، ومن العجب أن يجهل قوم من المنتسبين إلى الإسلام قدر هذه الصلوات! أو يتجاهلوها ويتغافلوا عنها، حتى كانت الصلاة عند كثيرٍ منهم إلا من عصم الله من أزهد الأعمال وأقلها قدراً، لا يقيمون لها وزناً في حساب أعمالهم، ولا يبذلون لها وقتاً من ساعات أعمالهم، فأي دين لهؤلاء، الذين يدعون الصلاة مع يسر أعمالها، وكثرة ثوابها، وعظم مصالحها ومنافعها، على القلب والبدن والفرد والجماعة؟! أي دين لمن يتخلف عن أداء الصلاة مع الجماعة بدون عذر شرعي؟! ولقد عظمت المصيبة، وعمت البلوى في هذا الزمان، من تساهل كثير من الناس في شأن الصلاة مع الجماعة، وصدق فيهم قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾ [مريم:٥٩] حتى فتن أكثرهم- والعياذ بالله- بدنياه وأمواله وبيعه وشرائه، وبعضهم بشبابه وصحته، وبعضهم بمكانته وجاهه، حتى أتى بهم ذلك إلى التكبر على فرائض الله، وإلى التحدي لشعائر الله جل وعلا.

стр. 6

المناصحة لتاركي الصلاة فليتق الله أولئك الناس! فإن الحياة قصيرة المدى، والموت يأتي بغتة، ثم يحاسبون على أعمالهم، وأول ما يحاسب عليه العبد من عمله الصلاة، فإن صلحت؛ فقد أفلح وأنجح، وإن فسدت؛ فقد خاب وخسر عياذاً بالله! ولو أن المسلمين المصلين قاموا بواجبهم بالدعوة إلى الله، ومعاملة أولئك المفتونين عن الصلاة معاملة تشعرهم بفساد أعمالهم وخطورة أمرهم، فلم يصاحبوهم، ولم يجالسوهم، ولم يحادثوهم، ولم يتعاملوا معهم في بيع وشراء، ما داموا مصرين على ترك الصلاة؛ لتغير الحال وتحسن الواقع، ولكن الله المستعان! أصبحت عامة موالات الناس لأجل الدنيا، وذلك لا يجدي على أهله شيئاً، وإنه واجب المسلمين أن يقيموا هذه الفريضة على وفق سنة رسول الله ﷺ ، فلا يخضعوها لأهواء الناس، ولا لآرائهم. فإن المؤمن يؤديها وهو فرح مستبشر مسرور، والمنافق يتثاقلها، ولا يتحملها، ويود الخلاص منها، ويجب رعاية طهارتها وأركانها وواجباتها، وخشوعها والطمأنينة فيها، كما يتأكد إقامتها في أوقاتها، وترك كل ما يمنع ذلك، وإذا تخلل وقت الصلاة وظيفةٌ، أو دراسةٌ، أو أي عمل من الأعمال؛ فيجب إقامتها في وقتها مع الجماعة، ولا يجوز تأخيرها عن وقتها. كما ينبغي أن يدرس بحزم موضوع تاركي الصلاة، المجاهرين بتركها المصرين على ذلك، وذلك بدعوتهم، ومناصحتهم، والإكثار من إرشادهم، فإن لم يجدِ، فتجب مقاطعتهم، وتنفيذ حكم الله فيهم، فترك الصلاة أشد من الوقوع في الزنا، أو السرقة، أو نحوها. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه وتوبوا إليه إنه كان للأوابين غفوراً.

стр. 7

عظم قدر الصلاة دليل على عظم قدر الدين عند المسلم الحمد لله الذي جعل الصلاة عماد الدين، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه. أما بعد: فيا عباد الله! اتقوا الله تعالى، واعلموا أن حظكم من الإسلام على قدر حظكم من الصلاة، فاحذروا أن تلقوا الله ، ولا قدر للإسلام عندكم، فإن قدر الإسلام في قلب العبد كقدر الصلاة في قلبه، والحديث عن الصلاة يا إخوة الإسلام! يحتاج إلى أوقات كثيرة، ومناسبات متعددة، لعظم مكانتها في الإسلام، ولحاجة الناس اليوم من جراء تساهلهم وجهلهم بأدائها على الوجه الشرعي والنهج النبوي. نسأل الله أن يعين ويوفق للتنبيه عليها مستقبلاً، وصلوا وسلموا -رحمكم الله- على أفضل البرية وأفضل البشرية نبينا محمد، كما أمركم الله بالصلاة والسلام عليه بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦]. اللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وارض عنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، واحمِ حوزة الدين يا رب العالمين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً، وسائر بلاد المسلين، اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل اللهم ولاية المسلمين فيمن يخافك ويتقيك ويتبع رضاك يا رب العالمين! اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر يا سميع الدعاء! رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.

стр. 8

الصلاة ومكانتها وحكم تاركها [٢] إن الله جل وعلا أنزل هذا الدين، وجعل له أعمدة وأركانا، وإن من أعمدة الإسلام الصلاة التي هي الفيصل بين الإسلام والكفر، ولذا فإن الشيخ في هذه المادة قد بين حكم تارك الصلاة، وحكم إقامتها مع الجماعة، ومكانتها في الإسلام.

стр. 9

مكانة الصلاة في الإسلام أحمد الله جل وعلا، وأستعينه وأستهديه وأستغفره وأتوب إليه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الأسماء الحسنى والصفات العلا، وأشهد أن نبينا محمداً عبده المصطفى، ورسوله المجتبى، بعثه بالدين الحق والهدى، ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيداً، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، فصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أهل الفضل والتقى، ومن سار على نهجه. أما بعد: عباد الله: اتقوا الله كما أمركم بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. إخوة الإيمان في كل مكان: إن تقدم الأمم ونهوضها وسلامتها مما يعوق مسيرتها في طريق الرقي والحضارة، يكمن في تمسك أهلها بمبادئها ومثلها، والتزامهم بمناهجها ونظمها وآدابها، فإذا تخلت عن مقومات حضارتها وعوامل نهضتها، وتركت مبادئ أصالتها وقيم عراقتها، فإنها تتخلى بالتالي عن مقومات الأمن والسعادة، وعوامل النصر والقوة والكرامة، لتغرق في طوفان الفتن والمحن، وتعصف بها أمواج الحوادث والكوارث، وتعمها البلايا والمصائب، والأمة الإسلامية التي من الله عليها بالإسلام، عقيدةً وشريعةً وأخلاقاً ومنهاجاً، للحياة بأسرها حين تفرط في أمر هذا الدين، وتقصر في أداء شعائره، فإنها تتخلى بذلك عن ضمانات عزها وقوتها ومقومات نصرها وكرامتها؛ لتصبح أمةً ذليلةً مستضعفةً، لا يهدأ لها بال، ولا يقر لها قرار، عقوبة من الله ﷻ لمن أعرض عن ذكره، وتخلى عن أمره، وتكبر على دينه وشرعه، وحينما يستقرئ المرء نصوص الشريعة، ويجيل نظره فيها، يدرك بجلاء حقيقة هذا الأمر وواقعيته. وعوداً على بدء ثابت نضرب لذلك مثلاً في شعيرة من أعظم شعائر الإسلام، وفريضة من أجل فرائضه ألا وهي الصلاة التي بلغ من رعاية الإسلام لها واهتمامه بها أن الله فرضها على رسوله ﷺ ليلة الإسراء من فوق سبع سماوات، وكانت خاتمة وصيته ﷺ عند آخر عهده من الدنيا. روى الإمام أحمد وأبو داود عن أنس ﵁، قال: ﴿كانت عامة وصية رسول الله ﷺ حين حضرته الوفاة، وهو يغرغر بنفسه: الصلاة وما ملكت أيمانكم﴾ كما بلغ من مكانتها وعظم شأنها أن من تركها مستخفاً بها، جاحداً لفرضيتها، فإنه كافرٌ بإجماع المسلمين. ومن تركها بالكلية تهاوناً وكسلاً، فإنه كافرٌ على الصحيح من أقوال العلماء التي تعضده الأدلة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وقد سبق إيرادها والإشارة إليها، ومع هذه المكانة العالية، والقمة السامقة لشأن الصلاة في الإسلام، التي تمثل مكانة الرأس من الجسد، فكما أنه لا حياة لمن لا رأس له، فكذلك لا دين لمن لا صلاة له، مع هذا كله وغيره مما تهتز له القلوب، وترجف له الأفئدة، وترتعد منه الفرائض نجد تقصيراً كبيراً، وتساهلاً عريضاً في شأن الصلاة من كثير ممن ينتسبون إلى الإسلام. وإن الناظر في واقع كثير من المسلمين، يرى الصلاة قد خف قدرها، وطاش ميزانها لدى كثير من الناس، بل إن المتأمل ليرجع مجروح الفؤاد حزين النفس حينما يرى ألا اهتمام بها في بعض بقاع المسلمين، وفي أماكنهم العامة إلا من قلة قليلة، وكأن الأمر طبيعي لا غضاضة فيه. بل وصل الحال ببعضهم أن تأخذ منه الدهشة كل مأخذ حينما يسمع هذه المكانة العالية، وهذا الترهيب المرعب لتارك الصلاة، وما ذلك إلا نتيجة عدم العناية بشعائر الإسلام، والجهل بالدين، وانشغال المسلمين عن دينهم لما غزيت به مجتمعات المسلمين مما يصد عن تعاليم الدين الحنيف. يا أمة الإسلام! أليس من العجيب أن تضيع أعظم فرائض الإسلام من أبناء الإسلام في بلاد الإسلام؟! وكيف يرجى لأمة أن تحقق آمالها وتعالج آلامها، وتصلح حالها، وتهزم أعداءها، وقد فرط أهلها في أعظم مقومات النصر، وهو دينها وعقيدتها؟

стр. 10

وجوب إقامة الصلاة جماعة أمة الإسلام: وحينما يؤكد شأن الصلاة، فإنما يؤكد على إقامتها مع الجماعة في بيوت الله التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه، وقد مرت الأدلة على وجوب الصلاة جماعة، حتى إن بعض أهل العلم جعل الجماعة شرطاً لقبول الصلاة وصحتها حيث لا تصح صلاة من صلى منفرداً من غير عذر شرعي. يقول عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه: [[ما بال أقوام يتخلفون عن الصلاة، فيتخلف لتخلفهم آخرون، وأن يحضروا الصلاة مع الجماعة، أو لأبعثن عليهم من يجافي رقابهم]]. وإن مما يندى له الجبين إعراض فئامٍ من المسلمين عن الصلاة في المساجد مع الجماعة، فتركوا بذلك الأجر العظيم، والمنافع الجمة، وعرّضوا أنفسهم للوعيد الشديد، فيما آثروا الحياة الدنيا واطمأنوا بها، ونبذوا أوامر الله ورسوله وراء ظهورهم، حين هجروا المساجد وفتنوا بالملاهي والملاعب، والمراكب والمكاتب والمراتب، حتى إن بيوت الله لتشكوا إلى ربها هجر العباد لها، حتى أصبحت لا تعرف عند بعض الجهلة إلا في الجمع والأعياد، وفي ذلك خطر عظيم، ومن مؤشرات عظم الخطر، ومظاهر اللامبالاة بأوامر الله ورسله تخلف كثير من الناس عن الصلاة، لا سيما في الأوقات التي يتخللها نوم، أو تتخللها أعمال، وتلك وصمة عار للمسلمين، واتصاف بصفات المنافقين الذين قال الله عنهم: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾ [النساء:١٤٢]. وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما، لأتوهما ولو حبواً﴾ ويقول ابن عمر ﵄: [[كنا إذا فقدنا الرجل في الفجر والعشاء، أسأنا به الظن أن يكون قد نافق]]. ألا فليعلم ذلك صرعى الشهوات وصرعى السهرات إلى ساعات متأخرة من الليل، على أسوأ بضاعة، وأَنْزل عُدَّة نظراً واستماعاً، حديثاً واطلاعاً، وليعلم ذلك من تتثاقل رءوسهم عن أداء الصلوات المكتوبات من غير عذر شرعي، ولا حول ولا قوة إلا بالله! بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بهدي سيد المرسلين، وتاب عليَّ وعليكم إنه هو التواب الرحيم. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 11

مراتب الناس تجاه الصلاة الحمد لله وحده، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه. أما بعد: فاتقوا الله عباد الله: واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة، فلا تسقط على العبد ما دام عقله معه، وما دامت روحه في جسده، والناس فيها على مراتب: فمنهم الظالم لنفسه، ومنهم المقتصد، ومنهم السابق بالخيرات بإذن الله، فانظر نفسك يا عبد الله! من أي المراتب أنت. وأنتم يا إخوة الإسلام في هذا البلد الحرام! اشكروا الله أن جعلكم في جوار بيته الحرام أفضل البقاع وأقدس الأماكن، خُصت بمضاعفة الصلاة، وسائر الأعمال الصالحة، فالصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة فيما سواه، أي: إن الصلاة الواحدة في هذه البقعة المباركة، تعدل عمر خمس وخمسين سنة وأكثر، فيا له من فضل عظيم لمن وفق لإقامة الصلاة على وجهها الشرعي، واحذروا التقصير والتساهل فيها، فإن ذلك أشد من غيره في البقاع الأخرى، ولا يزال للحديث شجون. أسأل الله أن يوفق لإكمالها، وصلوا وسلموا -رحمكم الله- على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه بقوله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] وقال ﷺ : ﴿من صلى عليَّ صلاة، صلى الله عليه بها عشراً﴾. اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبينا وقدوتنا وإمامنا محمد بن عبد الله، اللهم ارض عن خلفائه الراشدين، وعن الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وارض عنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، واحمِ حوزة الدين يا رب العالمين! اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، ووفقهم لهداك، واجعل عملهم في رضاك يا رب العالمين، اللهم ارزقهم البطانة الصالحة، اللهم ارزقهم البطانة الصالحة يا أكرم الأكرمين! اللهم وفق المسلمين قاطبة في مشارق الأرض ومغاربها إلى ما تحبه وترضاه، اللهم منَّ عليهم بصلاح أحوالهم، اللهم منَّ عليهم بصلاح قادتهم، وعلمائهم، وشبابهم، ونسائهم يا رب العالمين! اللهم انصر المجاهدين في سبيلك، الذين يجاهدون لتكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا هي السفلى. اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر يا سميع الدعاء! رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.

стр. 12

شهر رمضان إن الله ميز شهر رمضان بأن شرع فيه الصيام، وحث على اغتنام أوقاته بالذكر والطاعات؛ فإن الأجور فيه تضاعف، وذلك لما في هذه العبادة من الإخلاص. وقد حث الرسول ﷺ على اغتنام هذه الفرصة العظيمة وخاصة في العشر الأواخر منه.

стр. 13

الحث على اغتنام رمضان في الطاعات إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، امتنَّ على عباده المؤمنين فهداهم للإسلام، وأتاح لهم أوقات الفضائل ومواسم العبادة ليتزودوا من الأعمال الصالحة، ويتوبوا إلى ربهم من الأعمال السيئة. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، ومصطفاه وخليله، الذي ضرب أروع الأمثلة في اغتنام مواسم الفضائل، والحث على اغتنامها، والتحذير من إضاعتها، نصحاً للأمة وحرصاً على جلب الخير لها، ودفع الشر عنها، فقد كان ﵊ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الذي تمسكوا بهديه، ومن سار على نهجهم، واهتدى بهديهم، واقتفى آثارهم إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: أيها المسلمون في بيت الله الحرام! أيها المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها: أوصيكم ونفسي بتقوى الله ، واغتنام أوقات هذا الشهر المبارك بالأعمال الصالحة، من تلاوة كتاب الله الكريم، الذي أنزل في هذا الشهر العظيم، قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة:١٨٥]. ومن ذكر الله وتسبيحه، ودعائه واستغفاره، والتوبة إليه، والإنفاق في سبيله، والصدقة على المحتاجين وغير ذلك، فإن شهركم هذا شهرٌ عظيم، تضاعف فيه الحسنات، وترفع فيه الدرجات، وتفتح فيه أبواب الجنات، وتقال فيه العثرات، وتغفر الخطيئات، وتستر الزلات، ولتحذروا -يا عباد الله- من المعاصي، فإنها تقلل أو تقضي على ثواب الصائمين.

стр. 14

الحكمة من مشروعية الصيام أيها المسلمون: إن الله ، لم يشرع صيام رمضان لحاجته إليه، كلا. فهو تعالى الغني عما سواه، ولكن شرعه لصالحكم أيها المسلمون! شرعه تربيةً للأجسام وترويضاً لها على الصبر وتحمل الآلام، شرعه تقويماً للأخلاق وتهذيباً للنفوس، وتعويداً لها على ترك الشهوات، والبعد عن المنهيات، شرعه ليعلمنا تنظيم معايشنا، وتوحيد أمورنا، ولتشيع روح التعاون والمساواة والعطف بين المسلمين، فالصوم وسيلةٌ عظمى لتقواه تعالى، وتقواه جماع لخير الدنيا والآخرة، وقد أودع الله فيه من الأسرار والحكم والمصالح الدنيوية والأخروية ما هو فوق تصورات البشر، ورتب عليه تعالى من جزيل الثواب، وعظيم الجزاء، ما لو تصوره الناس، لتمنوا أن تكون السنة كلها رمضان، يقول ﷺ فيما أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁: ﴿كل عمل ابن آدم له، إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، والحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف﴾. أيها المسلمون: اتقوا الله، وأدوا فريضة الصيام بإخلاصٍ ورغبة، وصبرٍ وطواعية، فالصوم الحقيقي -يا عباد الله- ليس مجرد الإمساك عن الأكل والشرب والجماع فحسب، ولكنه مع ذلك إمساكٌ وكفٌ عن اللغو والرفث، والغيبة والنميمة، والقيل والقال، والكذب والسباب، إمساكٌ وكفٌ عما لا يحل سماعه، من لهوٍ ولغوٍ وغيرهما، إمساكٌ عن إرسال النظر إلى ما لا يحل، فالصائم حقيقة من خاف الله في عينيه، فلم ينظر بهما نظرةً محرمة، واتقاه تعالى في لسانه، فكفه عن الكذب والشتم والغيبة وكل قولٍ محرم، وخشيه في أذنه، فلم يسمع بها منكراً، وخشيه في يديه، فمنعهما من السرقة والغش والإيذاء، وخشيه في رجليه، فلم يمشِ بهما ليرتكب منكراً، وخشيه في قلبه فطهره من الحقد والحسد والغل والبغضاء. قال جابر بن عبد الله ﵁: [[إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب والمحارم، وليكن عليك سكينةٌ ووقار، ولا تجعل يوم صومك ويوم فطرك سواء]]. وقال ﷺ فيما أخرجه البخاري ﵀، عن أبي هريرة ﵁: ﴿من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه﴾ ولتحذر المرأة المسلمة الصائمة من التبرج والسفور، وإظهار الزينة والتجول في الأسواق؛ فإن ذلك مما يسبب نقصان أجرها، بل مما يزيد في إثمها، والعياذ بالله!

стр. 15

أقسام الناس في الصيام أيها المسلمون: إن الناس اليوم منقسمون في الصيام إلى أصنافٍ متعددة، فمنهم من رعى لهذا الشهر حرمته، فصامه وحفظ صيامه، وداوم على القيام والعمل الصالح، فهنيئاً له رحمة الله، ومغفرته وعتقه من النار، ومنهم من لم يرع لهذا الشهر حرمته ولم يقدره قدره، فجعل من نهاره نوماً وكسلاً وخمولاً وبطالة، وجعل من ليله تفنناً في المآكل والمشارب، وسهراً على ما حرم الله من اللهو وغيره، فهذا يخشى عليه أن يحرم رحمة الله ومغفرته، ومن حرمهما في هذا الشهر، فقد حرم الخير كله. فاتقوا الله عباد الله! واجعلوا من هذا الشهر شهر جد ٍوعمل وانتصارٍ على النفس والشيطان وسائر الأعداء، فلقد سطر التاريخ الإسلامي انتصارات المسلمين على أعدائهم بأنصع الصفحات في هذا الشهر المبارك، في غزوة بدر الكبرى، وفتح مكة، وحطين وغيرها من معارك الإسلام الفاصلة. وإننا لنرجو أن يأتي اليوم الذي ينتصر فيه المؤمنون على أعدائهم من اليهود وغيرهم، وأن يعيدوا للوطن الإسلامي أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين المسجد الأقصى المبارك: ﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [إبراهيم:٢٠]. اللهم تب علينا أجمعين، وبارك لنا في القرآن العظيم وبهدي سيدي المرسلين، واجعلنا من المقبولين في هذا الشهر الكريم يا رب العالمين! أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه، وتوبوا إليه؛ إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 16

فضل العشر الأواخر من رمضان الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده له لا شريك له تعظيماً لشانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين. أما بعد: أيها المسلمون: اتقوا الله ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٨١] واعلموا أن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمدٍ ﷺ ، وشرع الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعةٍ ضلاله، وكل ضلالة في النار. عباد الله: تقربوا إلى الله بالعمل الصالح فيما بقي من أيام وليالي هذا الشهر الكريم، فها هو شهركم قد مضى نصفه وكثيرٌ من الناس مُكِبٌّ على شهواته وغفلاته، فليحاسب كلٌ منا نفسه، ماذا قدم من عملٍ صالح؛ فيستمر عليه، وماذا فرط فيما مضى، فيتدارك ما بقي من أيام وليالي في هذا الشهر المبارك. ومن يدري أيتم هذا الشهر أم يكون من عداد الموتى؟ وتعرضوا -رحمكم الله- لمواطن مغفرة الله ، فإنكم في عشر المغفرة كما أخبر المصطفى ﷺ ، واعلموا أنكم تستقبلون عما قريب العشر الأواخر من هذا الشهر العظيم، عشر العتق من النيران، فاستعدوا لها بالعمل الصالح، أسوةً بنبيكم ﷺ ، ففي صحيح مسلم عن عائشة ﵂: ﴿أن النبي ﷺ كان يجتهد في العشر الأواخر مالا يجتهد في غيرها﴾ وفي الصحيحين عنها ﵂ قالت: ﴿كان النبي ﷺ إذا دخلت العشر شد مئزره وأحيا ليله وأيقظَ أهله﴾. فاستعدوا يا عباد الله! فإن من اغتنم هذه الأوقات قبل فواتها لعله يحظى بمغفرة الرحمن، والعتق من النيران، والشقي من استمر في غيه وجهله، وضلاله؛ فضيع الأوقات واتبع الشهوات، فيندم حيث لا ينفع الندم. هذا وصلوا وسلموا -رحمكم الله- على نبينا محمد، كما أمركم الله بالصلاة والسلام عليه فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] وقال ﷺ : في الحديث الصحيح في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: ﴿من صلى عليَّ صلاة، صلى الله عليه بها عشراً﴾. اللهم صلِ وسلم وبارك على نبينا محمد، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين، وعن الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم بمنك وكرمك ورحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، واحمِ حوزة الدين. اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل اللهم ولايتنا فيمن خافك واتقاك، واتبع رضاك يا رب العالمين! اللهم وفق قادة المسلمين لما تحب وترضى، اللهم وفقهم لتطبيق الشريعة يا أرحم الراحمين! اللهم احفظ إمامنا بحفظك، واكلأه بعنايتك ورعايتك، وارزقه التسديد والتوفيق لما تحب وترضى، يا رب العالمين! اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، اللهم اهدِ المسلمين سبل السلام، وجنبهم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وأصلح قادتهم وعلماءهم وشبابهم ونساءهم يا رب العالمين. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. اللهم اجعلنا من المقبولين، اللهم اجعلنا من المقبولين ولا تردنا خائبين، ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين. عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ. فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.

стр. 17

عاقبة المكذبين أول واجب على الإنسان أن يعرف ربه، وأن يتعظ بما يسمع من أخبار الأولين، وبما يرى من مصائب الآخرين، وقد جرت سنة الله عبر الأزمنة والعصور بفتح بركات السماء والأرض على المؤمنين، وإنزال المحن والبأس على المعرضين. فأي الفريقين أذكى؟ وأيهما معيشته ضنكى؟ وأيهما عاقبته أنكى؟ هذا بيان ذلك وتفصيله، وتوضيح الموضوع وتأصيله.

стр. 18

عاقبة الإعراض عن الحق إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونتوب إليه ونستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، ومن سار على نهجهم، وسلك سبيلهم إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: أيها المسلمون: اتقوا الله تعالى وراقبوه، وتمسكوا بدينه ولا تعصوه، وقد تكفل الله لمن تمسك بدينه أن يسعد في الدارين، كما وعد من أعرض عن صراطه المستقيم، وحاد عن سنة نبيه ﷺ بالعذاب والشقاء في العاجل والآجل، وتلك سنة الله في المؤمنين، وسنته في المعرضين، قديماً وحديثاً ولن تجد لسنة الله تبديلاً. ولن يضيع -يا عباد الله- من أخذ العبرة بما يقرأ ويسمع ويرى، مما يجري من الحوادث والعقوبات في القرون الماضية، والأمم الحاضرة، فإن السعيد من وعظ بغيره، والشقي من لم يرفع بذلك رأساً، ولم يعتبر بما حل ويحل بالأمم المكذبة، فأصر على ما هو فيه من فسادٍ وضلال، حتى يصيبه ما أصابهم، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾ [الرعد:١١].

стр. 19

إعراض الأمم المكذبة وفي كتاب الله تعالى من أخبار الأمم المكذبة، وما حل بهم من عذاب الله، ما فيه مزدجر وذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، وكل ما حصل لهم، إنما هو بسبب إعراضهم، وتكذيبهم لرُسل الله، واستمرارهم في ذنوبهم وطغيانهم، يقول تعالى مذكراً ومنذراً: ﴿فَكُلّاً أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [العنكبوت:٤٠].

стр. 20

إعراض أهل هذا الزمان أمة الإسلام: إن المتأمل في أحوال المسلمين، في هذا الزمن، يدرك أنهم في حالة خطرٍ شديد، إن لم يستدركوا أمورهم، ويصلحوا ما فسد من أحوالهم، فإننا لا نزال نسمع ما يجري حولنا في البلاد المجاورة، من العقوبات المتنوعة، كالزلال المدمرة، والأعاصير الشديدة، والفيضانات الغامرة، والحروب الطاحنة، والمجاعات الرهيبة، والأمراض الفتاكة، والخوف والشقاء، وانعدام الأمن على الأنفس والأموال والأعراض، وكل هذا يا عباد الله! بسبب ذنوب العباد، وابتعادهم عن دين الله، والتنكر له، والإعراض عن هديه، يقول : ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَائِمُونَ * أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحىً وَهُمْ يَلْعَبُونَ * أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف:٦٩ - ٩٩].

стр. 21

أضرار الإعراض عموماً قال الإمام العلامة ابن القيم ﵀: لما أعرض الناس عن تحكيم الكتاب والسنة، والمحاكمة إليهما، واعتقدوا عدم الاكتفاء بهما، عرض لهم من ذلك فسادٌ في فطرهم، وظلمةٌ في قلوبهم، وكدرٌ في أفهامهم، ومحق في عقولهم، وعمتهم هذه الأمور، وغلبت عليهم، حتى نشأ عليها الصغير، وهرم عليها الكبير، فلم يروها منكراً، فجاءت دولةٌ أخرى، قامت فيها البدع مقام السنن، والهوى مقام الرشد، والضلال مقام الهدى، والمنكر مقام المعروف، والجهل مقام العلم، والرياء مقام الإخلاص، والباطل مقام الحق، والكذب مقام الصدق، والمداهنة مقام النصيحة، والظلم مقام العدل، فصارت الغلبة لهذه الأمور، فإذا رأيت هذه الأمور قد أقبلت، وراياتها قد نصبت، فبطن الأرض والله خير من ظهرها، إلى أن قال ﵀: اقشعرت الأرض، وأظلمت السماء، وظهر الفساد في البر والبحر من ظلم الفجرة، وذهبت البركات، وقلت الخيرات، وهزلت الوحوش وتكدرت الحياة من فسق الظلمة، وبكى ضوء النهار وظلمة الليل من الأعمال الخبيثة، والأفعال الفظيعة، وشكى الكرام الكاتبون والمعقبات إلى ربهم من كثرة الفواحش، وغلبة المنكرات والقبائح. وهذا والله مؤذن بسيل عذابٍ قد انعقد غمامه، ومؤذنٌ بليل بلاءٍ قد ادلهم ظلامه، فاعتزلوا عن سلوك هذا السبيل بتوبةٍ نصوح، ما دامت التوبة ممكنة وبابها مفتوح: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء:٢٢٧]. إخوة الإسلام: هذا ما وصفه ذلك الإمام العظيم، في القرن السابع، فما بالكم بأهل هذا القرن؟! الله المستعان! لا ريب أن الأمر أشدُ وأخطر، إذ أصبح الإسلام غريباً بين أهله، وقد اكتفى أكثر الناس من الإسلام باسمه، والانتساب إليه دون عملٍ بأحكامه، فعقائدهم وعباداتهم قد داخلها الشرك والخرافة والبدعة والضلالة، ومعاملاتهم استولى عليها الغش والظلم والخديعة، وأخلاقهم قد جردت عن الفضيلة، وغزتها الرذيلة، إلا من عصم الله، وأموالهم شابها التعامل المحرم؛ من الربا والرشوة والظلم والسرقة وغيرها، وأنظمتهم دنستها القوانين الوضعية، وشبابهم قد أغرق في اللهو بأنواعه، وضيع واجبه ورسالته في الحياة، ونساؤهم قد تخلين عن الحياء والعفة، والفضيلة والحشمة، وكُنَّ سبباً في إشعال نار الفتنة، بأعمالهن الفاضحة المخالفة للسنة، حتى عمّ الفساد في البلاد والعباد، وجاهر الناس بالمنكرات والمحرمات، وأضيعت الصلوات، واتبعت الشهوات، وضعف أهل الإيمان، ولا حول ولا قوة إلا بالله، فإلى متى الغفلة أيها المسلمون؟! إن هذا والله منذرٌ بخطرٍ عظيم، وبلاءٍ عاجل، إن لم نصحُ من غفلتنا، كما يتطلب هذا الوضع، يقظةً عامة، وصحوةً رشيدة، للقادة المسلمين، وعلمائهم، والدعاة إلى الله، ليصلحوا ما فسد من أحوالهم، قبل أن يحل بهم ما حل بغيرهم، فاعتبروا يا أولي الأبصار: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم:٤١]. أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: ﴿إن الله تعالى يغار، وغيرة الله تعالى أن يأتي المرء ما حرم الله عليه﴾. اللهم ردنا إليك رداً جميلاً، اللهم أصلح فساد قلوبنا، وتب علينا، ولا تؤاخذنا بذنوبنا، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 22

إهلاك أهل الفساد سنة من سنن الله الكونية الحمد لله غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب، ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير، أحمده وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، أما بعد: فيا عباد الله: اتقوا الله تعالى، واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله، واعلموا أن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمدٍ ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعةٍ ضلالة. إخوة الإسلام: إنه إذا انتشر الفساد، وظهر الإلحاد، وجاهر الناس بالذنوب، ولم يجدوا من يأخذ بأيديهم، حيث تخاذل الناس في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فغيرُ عزيزٍ على الله سبحانه، وهو ذي العقاب الأليم، والبطش الشديد، أن يصيبهم بما أصاب من قبلهم، ومن حولهم من المكذبين: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ [الأنعام:٦٥]. وقال تعالى في المكذبين محذراً من يفعل أفعالهم: ﴿دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾ [محمد:١٠] وقال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر:١٤] وقال سبحانه: ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود:٨٣]. فاتقوا الله أيها المسلمون! وقوموا بما أوجب الله عليكم، وخذوا على أيدي سفهائكم، واشكروا نعمة الله عليكم بالعمل بشريعته، وأدوا الأمانة التي تحملتموها: ﴿فكلكم راعٍ وكلكم مسئولٌ عن رعيته﴾ كما صح بذلك الحديث عن رسول الله ﷺ حيث أخرجه البخاري ﵀ عن ابن عمر ﵄، وكلٌ على حسب حاله ومسئوليته، وليس أحدٌ معذوراً أمام الله: ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ * أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ * أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل:٤٥ - ٤٧]. واعلموا عباد الله! أن الله أمركم بالصلاة والسلام على رسوله، فقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦]. اللهم صلِّ وسلم وبارك على إمامنا وقدوتنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين، وعن الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وارض عنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، وانصر المسلمين في كل مكانٍ يا رب العالمين، اللهم آمنا في أوطاننا، اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل اللهم ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين. اللهم وفق إمامنا لهداك، اللهم أيده بتأييدك، اللهم انصره بالإسلام يا رب العالمين، اللهم ارزقه البطانة الصالحة، اللهم ارزقه البطانة الصالحة يا أرحم الراحمين، اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات. رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ، رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ. فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.

стр. 23

عظم شأن الصلاة وأهميتها الصلاة عماد الدين، تكفر الذنوب، وتنهى عن الفحشاء والمنكر، وذكر الله فيها أكبر، والمسافة بين المؤمن والكافر تزيد عن المسافة من الأرض إلى السماء، والحد الفاصل بينهما: الصلاة. من فضل الصلاة، وأدائها جماعة، وصور التقصير فيها؛ يأتي حديث الشيخ في هذه المادة مع ذكر بعض الأمور التي تجبر نقص الصلاة، وتسد خللها، وبعض المحدثات والبدع.

стр. 24

فضل الصلاة وآدابها الحمد لله الكبير المتعال، نحمده تعالى على كل حال، وأعوذ به من أحوال أهل الزيغ والضلال، وأشهد أن لا إله إلا الله شهادةً تنفع صاحبها في الحال المآل، أشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى سائر الصحابة والآل. أما بعد: أيها المسلمون: اتقوا الله ﵎، واشكروه على ما يسر لكم من الأحكام، وقد شرع الله لهذه الأمة من الشرائع أيسرها عملاً، وأسهلها فعلاً، وأعظمها ثواباً، وأعمها خيراً، ومن أجلِّ هذه الفرائض فريضة الصلاة؛ التي فرضت من فوق سبع سماوات، خمسين صلاة، ثم خففت فضلاً من الله ونعمة، وتيسيراً ورحمة، إلى خمس صلوات في اليوم والليلة، هي خمسٌ في العدد، وخمسون في الأجر، وقد بلغ من فضلها ما أخرجه الإمام مسلم في صحيحه، عن عثمان ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ﴿ما من امرئ مسلم تحضره صلاةٌ مكتوبة، فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها؛ إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب، ما لم تؤتَ كبيرة، وذلك الدهر كله﴾. وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: ﴿سمعت رسول الله ﷺ يقول: أرأيتم لو أن نهراً بباب أحدكم، يغتسل منه كل يومٍ خمس مرات، هل يبقى من درنه شيء؟ قالوا: لا يبقى من درنه شيء، قال: فذلك مثل الصلوات الخمس، يمحو الله بهن الخطايا﴾ هذا قليلٌ من كثير ما وعد الله عباده المؤمنين، المقيمي هذه الفريضة على وجهها الشرعي.

стр. 25

حكم ترك الصلاة أما الذين ركبوا رءوسهم وأعرضوا عن أمر الله ورسوله، وتركوا هذه الشعيرة، وفتنوا بزيف حضارة الكفار، فلا أفظع وأعظم من خروجهم من دائرة الإسلام، لما روى الإمام مسلم عن جابر ﵁ قال: ﴿قال رسول الله ﷺ : بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة﴾ ولما روى الإمام أحمد وأهل السنن عن بريدة ﵁ قال: ﴿سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر﴾ فهل يرضى عاقلٌ أن يورد نفسه موارد الكافرين، هل يريد أحدٌ أن يكون مصيره، غياً وويلاً وسقراً، ثم هل تعلمون يا إخوة الإسلام! ماذا يترتب على كفر تارك الصلاة، في الحياة وبعد الممات؟ أما في الحياة فلا يصاحب ولا يساكن، ولا يزوج المسلمة، وإذا مات تاركاً لها، فلا يغسل ولا يصلى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين، ولا يرثه أقاربه المسلمون، بل يعامل معاملة المرتدين عياذاً بالله!

стр. 26

أهمية الجماعة أما الذين يصلونها، ولكن لا يحضرون الجماعة، إما تهاوناً وكسلاً، وإما ترخصاً وبحثاً عن المعاذير، فهؤلاء على خطرٍ عظيم، وقد عرضوا أنفسهم لوعيد الله ورسوله، وحرموها من المنافع الجمة، والمصالح العظيمة التي قصد الشارع إليها، وتركوا الثواب والأجر الكبير، الذي رُتب عليها.

стр. 27

صور من التقصير في الصلاة إخوة الإسلام: إن الصلاة مبنيةٌ على الطهارة الشرعية، فلا صلاة إلا بها، وقد ذكرها الله سبحانه، في آيتي النساء والمائدة، وبينها قولاً وفعلاً رسولنا ﷺ ، وعليه فيعلم أن ما يفعله بعض الناس، من العوام الجهلة، من التساهل في الوضوء والغسل، أو التيمم مع وجود الماء، وإمكان البحث عنه، منافٍ للشرع، وصاحبه معرض نفسه للإثم والرد. ولما استحكم ضعف الإيمان في نفوس كثيرٍ من الناس، وملأ حب الدنيا والتنافس فيها قلوبهم، وتباعدوا عن آثار النبوة، وقلت رغبتهم في الدار الآخرة، أصبحوا يؤدون هذه الصلاة على غير وجهها الشرعي، حتى ابتلي كثيرٌ منهم، بهدم بعض أركانها كالطمأنينة مثلاً، وأصبح يحاكي الريح في سرعته والغراب في نقره. وقد أمر النبي ﷺ المسيء في صلاته بعدم الطمأنينة بإعادة الصلاة وقال له: ﴿ارجع فصلَّ فإنك لم تصل ثلاثاً﴾ فهل يحب مسلم أن يتعب نفسه ويجهد بدنه، ويرجع بالخسارة والإثم. وهناك أمرٌ من الصلاة، وروحها ولبها، وقد عزّ على كثيرٍ من المصلين، لطول الأمد وقسوة القلوب، واستحكام الدنيا في النفوس، وأصبح كثيرٌ من المصلين، لا ترى آثار الصلاة عليه، وربما يتساءل، ألم يقل الله : ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت:٤٥]، ونحن نصلي ولكن لا يتورع كثيرٌ من المصلين على ارتكاب المحرمات، ومواقعة الفواحش، والتساهل في الواجبات، ولا ريب أن ذلك من عدم أداء الصلاة، كما شرع الله، وسمى رسوله ﷺ ، ومن أداء الصلاة جسداً بلا روح، أو على أنها عادةٌ يفعلها الناس، ولو صلى المصلون الصلاة الشرعية، وأقاموها على وفق سنة رسول الله ﷺ ، واستحضروا الخشوع والرهبة، لنفعت وأثرت وعملت عملها في قلوب الناس، ومجتمعاتهم، وصارت أكبر عونٍ على أمور الدنيا والدين، والله يقول: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة:٤٥]. ولتسببت في انحسار كثيرٍ من المنكرات والمحرمات، والله قد رتب الفلاح للمؤمنين، وجعل أول صفاتهم الخشوع في الصلاة، قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون:١ - ٢]. وحدِّث اليوم ولا حرج عن خشوع المصلين الذين جعلوا الصلاة محلاً للهواجس والخواطر، ومرتعاً للأفكار والوساوس، ولا مخلص من ذلك، إلا شدة الإقبال على الله، وصدق اللجوء إليه، وإحضار القلب، والتخلص من مشاغل الدنيا، والاستعانة بالله، والاستعاذة به من الشيطان الرجيم، من همزه ونخفه ونفثه.

стр. 28

أهم ضوابط صلاة الجماعة إخوة الإسلام: يا منْ منَّ الله عليكم بأداء الصلاة مع الجماعة! اعلموا أن لصلاة الجماعة ضوابط وقواعد، أهمها الاقتداء التام بالإمام؛ لقوله ﷺ ، في الحديث المتفق عليه، عن أنس ﵁: ﴿إنما جعل الإمام ليؤتم به﴾ فلا تجوز مسابقته في خفضٍ ولا رفع، ولا تكبير، ولا ركوع ولا سجودٍ ولا تسليم، وفاعل ذلك متعرضٌ لبطلان صلاته، وأي شيءٍ يجنيه من عَمَله هذا سوى إرضاء الشيطان واتباع وساوسه. ومنها: العناية بتسوية الصفوف وإقامتها، فإن تسويتها من تمام الصلاة وإقامتها، كما صح بذلك الحديث عن رسول الله ﷺ ، فاتقوا الله يا أمة الإسلام في عمود دينكم، أقيموه على الوجه الشرعي، من غير غلوٍ ولا زيادة، ومن غير تقصير ولا تفريط، وإياكم والتساهل في أدائه، والتقصير في أداء السنة فيه، والتشديد فيما فيه سعة ومندوحة، وقوموا بما أوجب الله عليكم، تجاه من تحت أيديكم، من الأهل والأبناء والبنات، وإنهم أمانةٌ في أعناقكم، وألزموهم بأدائها، وتابعوهم وتفقدوهم عندها، امتثالاً لأمر الله بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً﴾ [التحريم:٦] واقتداءً بأمر الله، والصالحين من عباد الله، يقول تعالى عن إبراهيم: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ [إبراهيم:٤٠]. وعن إسماعيل: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيّاً﴾ [مريم:٥٥] وأمر محمداً ﷺ بقوله: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه:١٣٢]. أمة الإسلام: نداءٌ من هذا المكان المبارك، إلى المسلمين في كل مكان، بأن يتقوا الله في إسلامهم، ويقيموا عموده وهو الصلاة، فلا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة، ونداءٌ للقابعين في بيوتهم، المتشبهين بنسائهم، الذين لا يحضرون الصلاة مع الجماعة، أن يتقوا الله ، وأن يحذروا فتنة الدنيا ويتذكروا مصيرهم وحساب ربهم لهم. ولن تقف الأمة أمام أعدائها صفاً واحداً إلا إذا وقفت أمام ربها في صفوف صلاتها، ودعوة إلى المسلمين المصلين، أن يقيموا الصلاة على وجهها الشرعي، بتمام الطهارة والخشوع والطمأنينة، وسائر الأركان والواجبات والمستحبات، عملاً بقوله ﷺ : ﴿صلوا كما رأيتموني أصلي﴾ وهمسة ساخنة في أذن كل مغترٍ بنفسه، مضيعٍ لفرضه، لا سيما من الشباب والشابات، أن يتقوا الله ، ويؤدوا هذه الفريضة، فالآجال محدودة، والأنفاس معدودة، اليوم عملٌ ولا حساب، وغداً حسابٌ ولا عمل. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 29

أمور مكملة للصلاة وجابرة لنقصها الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي المتقين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، رسول رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فاتقوا الله عباد الله! واعلموا أن للصلاة مكملات ومتممات، تسد خللها، وتجبر نقصها، ومن ذلك المحافظة على السنن الرواتب ﴿فمن حافظ عليها، بنى الله له بيتاً في الجنة﴾ كما أخرجه الإمام مسلم عن أم حبيبة ﵂. ومنها المحافظة على النوافل وقيام الليل والوتر، ومنها الأذكار الشرعية بعد الصلاة، فقد ثبت في السنة عظم أجر قائلها، ومنها الاستغفار والتهليل، والتسبيح والتكبير والتحميد، على الطريقة الشرعية، كماً وكيفاً، وقد ورد عند مسلم وغيره أن: ﴿من قالها دبر كل صلاة غفرت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر﴾. واحذروا ما أحدثه الناس في الصلاة، من البدع التي ما أنزل الله بها من سلطان، كالجهر بالنية مثلاً، وإن ذلك بدعةٌ لا أصل له، ومنها الأذكار الجماعية بعد الصلاة، فهذا خلاف سنة رسول الله ﷺ ، ومما لا يفوت أن المرأة المسلمة إذا صلت في مساجد الله، فيجب عليها أن تلتزم الحجاب الشرعي في وجهها وكفيها، وتحذر كل الحذر من التبرج بالزينة وإبدائها، ومزاحمة الرجال، والتطيب ولباس الملابس المريبة، فترجع مأزورة غير مأجورة والعياذ بالله! وصلوا وسلموا -رحمكم الله- على نبينا محمد، كما أمركم الله بالصلاة والسلام عليه بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين، وعن الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وارض عنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين يا رب العالمين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين. اللهم أمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم اجعلهم هداة مهتدين، صالحين مصلحين يا رب العالمين! اللهم إنا نلجأ إليك في هذا المكان المبارك، وفي هذه الساعة المباركة، أن تجمع كلمة المسلمين على الحق، اللهم اجمع كلمة المسلمين على الحق، اللهم اجعلهم يداً واحدة على أعدائك يا رب العالمين! رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.

стр. 30

فضل العلم والتعلم إن العلم الشرعي من أهم العلوم التي يجب تعلمها في هذا الزمان، وذلك لانتشار الجهل بين أوساط المسلمين، والعلم إذا صلحت النية فيه أصبح طريقاً إلى الجنة، وأما إذا فسدت النية فسيكون صاحبه من أول من تسعر بهم النار يوم القيامة.

стр. 31

العلم نور والجهل ظلام إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له. ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، رفع شأن العلم وأعلى قدر أهله، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، أشرف الأنبياء والمرسلين، وأفضل العلماء العاملين، صلَّى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه والتابعين، الذين كانوا بعلمهم، وعملهم مناراً للسالكين، وقدوة للعاملين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين. أما بعد: أيها المسلمون: اتقوا الله ﵎؛ فتقوى الله سببٌ موصلٌ للعلم الذي هو سلم النجاة بإذن الله ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمْ اللَّهُ﴾ البقرة:٢٨٢]. عباد الله! إنه مما لا شك فيه؛ أن العلم شرفٌ ونورٌ وفضيلة، وأن الجهل شرٌ وبلاءٌ ورذيلة، وأن العلم النافع مصدر الفضائل وينبوعها، وأن الجهل مكمن الرذائل وموردها، وأنه بالعلم النافع يتحقق للأفراد والمجتمعات بناء الأمجاد وتشييد الحضارات، كما أنه بالجهل تتزعزع الأركان، ويتصدع عامر البنيان، ويحل الدمار ببني الإنسان.

стр. 32

حث الإسلام على العلم لذلك كله! ولما للعلم من شرف المكانة وعظيم المنزلة، جاء ديننا الإسلامي الحنيف بالحث على العلم والترغيب فيه، والتشجيع على سلوك سبيله، وأن سلوك سبيل العلم النافع طريقٌ إلى دخول الجنة بإذن الله. فقد روى الإمام مسلم في صحيحه، أن رسول الله ﷺ قال: ﴿من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة﴾ كما كانت القراءة أول صيحة مجلجلة، أطلقها الإسلام تنويهاً بقيمة العلم وسمواً بقدره، وتكويناً لقاعدة البناء المعنوي في الأمة، وتشييداً لصرح حضارتها، وسر ازدهارها، ونمو كيانها، ألا وهو العلم؛ العلم بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، والعلم بكل ما تحتاجه الأمة الإسلامية في مسيرتها، لتواكب بحضارتها عصرها الذي تعيشه، مع تمسكها بأصول عقيدتها، وتعاليم دينها. أمة الإسلام: كم في كتاب الله من الآيات الكريمة في هذا الموضوع المهم؟! ألم تقرءوا قوله سبحانه: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى﴾ [الرعد:١٩]، وقوله جل وعلا: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ [طه:١١٤]، وقوله سبحانه: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨]، وقوله: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُون﴾ [الزمر:٩] وقوله جل وعلا: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة:١١] كذلكم كان رسولكم ﷺ وهو المعلم الأول، قدوةً حسنة في هذا المجال، فجاء في سنته القوية والعملية ما يبين المقام الأسمى في هذا الأمر العظيم.

стр. 33

حرص السلف على العلم أما سلفنا الصالح ﵏، فقد سطَّروا أنصع الصفحات، وضربوا أروع الأمثلة في الحرص على العلم، وقطعوا الفيافي والقفار للرحلة في طلبه، حتى خلف ذلك الجهد حضارةً علمية متنوعة لم يشهد التاريخ لها مثيلاً، وحتى تبوأت المكتبة الإسلامية في شتَّى العلوم والفنون أوجَ مكانتها، وما ذاك إلا لتوفيق الله سبحانه، ثم للإخلاص في طلب العلم، حيث لم تدنسه الأطماع الدنيوية، والمطامح المادية، ثم للمنهج السليم والجد والمثابرة، مما يتطلب من طلاب العلم اليوم التأسي والاقتداء.

стр. 34

عظم الجهل بدين الله أمة العلم والإيمان! إن أعظم بلية بُلي بها كثيرٌ من المسلمين اليوم: الجهل بدين الله، فهو سبب كل مشكلة، وطريق كل معضلة، صاحبه إذا عاش فهو غير معدود، وإذا مات فهو غير مفقود، وما عبد غير الله، وما تعبد كثيرٌ من الناس بغير شرع الله، من الطرائق والأهواء، إلا نتيجة الجهل بجوهر الإسلام وأصوله السامية. وبالجملة؛ فكلُّ شرٍ وبلاءٍ وفسادٍ وداء، في عقيدة الأمة وعباداتها، وتصوراتها وأفكارها وسلوكها وأخلاقها، فالجهل مصدره، والعي مورده، ومن أحب نجاته فطريق العلم سلم الوصول لذلك بإذن الله.

стр. 35

حاجة المسلمين إلى علم الدين والدنيا وأول علمٍ نريده، العلم بكتاب الله حفظاً وتلاوةً وتفسيراً، وبسنة رسول الله ﷺ رواية ودرايةً وتطبيقاً، والعناية بالفقه في دين الله، في العقيدة والعبادات والمعاملات وسواها، ليكون المسلم على بصيرةٍ من أمره، كذلكم العلم بلغة القرآن الكريم، اللغة العربية الفصحى، التي زهد فيها كثيرٌ من الناس، وزاحموها بغيرها من اللغات، ولا تزال تلقى حرباً لا هوادةَ فيها، في أساليبها وتراكيبها، وشعرها ونثرها من بعض الحاقدين عليها، لكن الله حافظها ما حفظ دينه وكتابه. هذا وإن المسلمين اليوم لفي أمس الحاجة إلى أن يتكون منهم أجيال ملمة بالعلوم المهمة التي يحتاجها المسلمون، كعلم الطب والهندسة والاقتصاد ونحوها، ليتسنَّى لهم خدمة دينهم والاستغناء عن غيرهم. ومما يجدر التنويه بشأنه: ضرورة أن يتعلم طائفةٌ من المسلمين العلوم العسكرية والآلات الحربية، ليتمكنوا من مواكبة العصر الذي يعيشونه، وليتسنى لهم الدفاع عن مقدساتهم وحرماتهم وعقيدتهم، كما أنه ينبغي أن يكون من بين المسلمين من يُعنى بالعلوم المهنية، والأعمال الفنية؛ ليكمل المسلمون أنفسهم من كل علمٍ فيه نفعهم، وصلاح أحوالهم. إن المهم في كل علمٍ إخلاص العمل فيه لله، وتسخيره لخدمة الدين والعقيدة، والدعوة إلى الإسلام من خلاله، فلعل أبناء المسلمين، الذين يستعدون هذه الأيام لبداية عامٍ دراسيٍ جديد، لعلهم أن يعوا هذه القضايا الهامة في هذه المهمة الجليلة.

стр. 36

نداءات إلى كل من له صلة بالعلم فيا أبناء الإسلام! ويا طلبة العلم! يا من شرفكم الله بالنهل من ميراث النبوة: اتقوا الله في طلبكم، واعتنوا بالعلم الشرعي، واسلكوا منهجه الصحيح، واطلبوه من أهله الموثوقين. وأنتم أيها المدرسون، يا من حملتم أمانة التعليم والتربية لفلاذة أكباد المسلمين! اتقوا الله فيهم، واعلموا أنكم مسئولون عنهم أمام الله، فكونوا خير قدوةٍ لهم، ومثلاً أعلى في الخلق والاستقامة، واعتنوا بتربيتهم تربيةً إسلامية صحيحة، فأنتم مربون قبل أن تكونوا ملقنين. أما من منَّ الله عليهم بالعلم والمعرفة، من العلماء ورثة الأنبياء، فإن واجبهم عظيم في البلاغ والبيان، وتعليم المسلمين أمور دينهم وإعادة مكانة العلم، وإحياء حلق الذكر في المساجد ودور العلم، كي لا يقعوا تحت طائلة الكتمان المحرم. ونداءٌ إلى من ائتمنوا على إعداد الخطط، ورسم مناهج التعليم لأبناء المسلمين وبناتهم أن يتقوا الله فيهم، ويشبعون نهمهم من العلوم الشرعية، ويجعلوا مناهجهم مبنية على الكتاب والسنة، ويبعد كل ما يتنافى مع ديننا ومبادئنا، لتتحول المدارس والمعاهد والجامعات إلى صروح خيرٍ وهدى، وميادين توجيهٍ وتربية. ودعوة إلى أولياء أمور الطلبة والطالبات، أن يعوا دورهم الكبير في متابعة أبنائهم، وتفقد أحوالهم، وإيجاد العلاقة الوطيدة بين الأسرة والمدرسة، ليتم التعاون البنَّاء المثمر علماً وعملاً وتوجيهاً وتربية. أيها المسلمون! هذه إشارات يسيرة في مهمة عظيمة، أرجو أن يكون طرحها بمناسبة بدأ العام الدراسي الجديد، حافزاً للهمم، في أن يعي كل واحدٍ منا دوره، ليتم لمجتمعاتنا المسلمة ما تصبو إليه من عزة ومنعة، ونصرةٍ ومجدٍ وقوة، والله نسأل أن يرزق الجميع العلم النافع والعمل الصالح، إنه جوادٌ كريم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 37

الحث على طلب العلم والحذر من التعالم الحمد لله الذي علَّم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، وأشهد أن لا إله إلا الله الأعز الأكرم، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله الداعي إلى السبيل الأقوم، صلى الله وبارك عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد: فاتقوا الله -عباد الله- واعرفوا للعلم قدره، واجتهدوا ما استطعتم في التفقه في دينكم، فمن يرد الله به خيراً يفقه في الدين، واسألوا أهل العلم عما أشكل عليكم، واعمروا أوقاتكم بالعلم النافع، فليس العلم محدوداً بسن، ولا معيناً بمرحلة، ولا منتهياً بنيل شهادة عالية، واعلموا أنكم في زمانٍ لا مخرج لكم من فتنه، إلا بالتسلح بالعلم النافع، وإذا كان العالم -بحمد الله وفضله- يشهد إقبالاً وصحوة، فينبغي أن يتوج هذا التوجه بالعلم النافع، ليرسي قواعده، ويربط مسالكه، ويعصمه من الانحراف بإذن الله. كذلك يجب على من يقومون بالدعوة إلى الله، وأعمال الحسبة، أن يكونوا على علمٍ بما يدعون إليه، وطريقة الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، حتى لا يحصل مجاوزةً للحكمة وحصولٌ للضرر الناتج من قلة البضاعة في العلم، هذا وإن من الظواهر الخطيرة في هذا المجال، ظاهرة التعالم، وادعاء كثير من الناس العلم وهم ليسوا كذلك، بل ليسوا من أنصاف المتعلمين، فيحصل عندهم من الجرأة على الله، وعلى رسوله، وإصدار الفتاوى والنيل من أهل العلم المعتبرين، ما يسبب خطراً كبيراً على المجتمعات، فاتقوا الله -عباد الله- وتعلموا ما ينفعكم، واتبعُوا العلم بالعمل، والدعوة إلى الله، كل ذلك بخطىً متوازنة، لا إفراط فيها ولا تفريط، وبذلك يحصل النفع العظيم، والخير العظيم بإذن الله. هذا وصلوا وسلموا -رحمكم الله- على معلم الناس الخير، النبي المجتبى، والرسول المصطفى، كما أمركم بذلك ربكم جل وعلا، فقال عز من قائل: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦]. اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبينا محمد بن عبد الله، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين، وعن الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين. وارض عنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذلَّ الشرك والمشركين، ودمَّر أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين. اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم وفق إمامنا بتوفيقك، وأيده بتأييدك، اللهم وفقه لهداك، واجعل عمله في رضاك، اللهم انصر به دينك، وأعلِ به كلمتك، وارزقه البطانة الصالحة، ووفقه وأعوانه وإخوانه إلى ما فيه عز الإسلام وصلاح للمسلمين. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين المؤمنات، اللهم أصلح ذات بينهم، واهدهم سبل السلام، وجنبهم الفواحش، ما ظهر منها وما بطن، اللهم انصر إخواننا المجاهدين في سبيلك في كل مكان، اللهم انصرهم عاجلاً غير آجل يا قوي يا عزيز. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.

стр. 38

قضايا مهمة في حياة الأمة الفرد المسلم لبنة في بناء هذا المجتمع، وتجب عليه واجبات عظيمة، وعليه القيام بمسئوليات جسيمة تجاه نفسه وتجاه مجتمعه، وتجاه إخوانه المسلمين، وتجاه أمته الإسلامية جميعاً. في هذا الموضوع قضايا مهمة في حياة الفرد المسلم عليه أن يقوم بواجبه نحوها وأن يستشعر عظمتها.

стр. 39

اللقاءات مشاعل على طريق التوجيه والإرشاد إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الأسماء الحسنى والصفات العلى، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله، وخيرته من خلقه وصفوته من رسله، الذي بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، تركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، أرسله الله هادياً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، فصلوات الله وسلامه عليه؛ ما ذكره الذاكرون الأبرار، وصلوات الله وسلامه عليه؛ ما تعاقب الليل والنهار، وصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله الأطهار وصحبه الأبرار، المهاجرون منهم والأنصار، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فيا أيها الإخوة الأحبة في الله! إنها لفرصة مباركة ومناسبة سعيدة أن يمن الله علينا بهذا اللقاء الطيب المبارك بكم في رحاب هذا البيت المبارك من بيوت ﴿أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ [النور:٣٦ - ٣٧]. ألا ما أمتع هذه اللقاءات! وما أجمل هذه المناسبات؛ لأنها مناسبات تقوم على أساس التعاون على البر والتقوى، والتواصي بالحق والصبر عليه، تقوم على أساس غذاء القلوب، وتحقيق الخير لأنفسنا ولمجتمعنا ولأمتنا؛ لأننا جمعياً ندرك عظم المسئولية الملقاة على عواتقنا، وما هذه اللقاءات المباركة؛ إلا مشاعل على طريق التوجيه والإرشاد، بها تشحذ الهمم وتقوى العزائم، وبها يحس المسلم أن عليه واجباً عظيماً مع إخوانه المسلمين وتجاه إخوانه في الله في كل مكان؛ لأن الدين هو الذي يجمعنا، وآصرة الإسلام هي التي تربطنا قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:١٠] وقال سبحانه: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة:٧١] وقال ﷺ : ﴿مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم؛ كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى﴾ وقال الشاعر: إن يختلف ماء الوصال فماؤنا عذبٌ تحدر من غمام واحد أو يختلف نسب يؤلف بيننا دينٌ أقمناه مقام الوالد فليست العبرة بالأنساب والأحساب، وليست العبرة بالروابط المادية والعلاقات القبلية وإنما القضية قضية إخوة إسلامية تجمع الناس؛ وإن تباعدت أقطارهم، ونأت ديارهم واختلفت أجناسهم قال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح:٢٩] وقال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:١ - ٣]. ألا ما أحوج القلوب! وما أشد حاجة النفوس؛ إلى أن ترتوي بنمير هذه اللقاءات المباركة، وترتشف من معين هذه المناسبات والجلسات الإيمانية، بعد أن حاولت الحياة المادية أن تحول بين القلوب وبين ربها بذكر الله، وبطاعة الله، وبما يقرب إلى الله ﵎. وحقاً أيها الإخوة! إن القرائح لتتبارى، وإن المشاعر لتتجارى في هذا اللقاء الطيب المبارك، وما غمرني به أهل هذه المدينة المباركين، الذين حرصوا -وفقهم الله- على تكرار الدعوة المرة تلو المرة، فجزاهم الله خيراً على حسن ظنهم بأخيهم، وبارك الله جهودهم، وما ذلك إلا لأن في هذه المدينة رجالاً يحملون الخير لأنفسهم ولبلادهم ولمجتمعهم، يريدون أن يتحقق في هذه اللقاءات الخير والنفع والتعاون على البر والتقوى، وأن تتلاشى الفوارق، وأن تزول ما في النفوس من غل أو أحقاد أو حسد أو بغضاء، وأن تغسل الذنوب بماء التوبة المباركة، وماء المحاسبة للنفوس حتى يكون المسلم قائماً بدينه كما شرع الله . فشكر الله لمحافظ هذه المحافظة، ولأعيانها ولرجالها ولعلمائها ولدعاتها ولشبابها ولنسائها ولكل الحاضرين فيها ما غمروني به من حسن الاستقبال من الحفاوة والإكرام مما أراني لست بقمين له، ولا أرى إلا أني أقول لهم في الله: كبيرهم لي أبٌ، وصغيرهم لي ابنٌ، ومساويهم لي أخ؛ أحبه وأحرص على أن أصله وأزوره لأن العلاقة في الله ولله وبالله. لست شاعراً وإنما المشاعر تفرض علي في هذا اللقاء الطيب المبارك، في هذا الجمع الذي أراه مد بصري، في هذا البيت من بيوت الله الذين اجتمعوا، وأسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يتحقق فينا وفيهم قول المصطفى ﷺ : ﴿وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم -وفي رواية- يذكرون الله إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده﴾ فنسأل الله ألا يحرمنا وإياكم هذا الثواب، ووالله إن خصلة من هذه الخصال العظيمة؛ لتعدل الدنيا وما فيها، ماذا نريد بعد أن تنزل السكينة؟ وماذا نريد بعد أن تغشانا الرحمة، وأن تحفنا الملائكة، وأن يذكرنا الله فيمن عنده، بعدما ساد القلق والاضطراب والاكتئاب كثيراً من أحوال المسلمين مع الأسف الشديد؟ سلام من المولى البر الرحيم على الفضلاء في روابي تميم والتحايا معطرات بالشذا العميم لـ حوطة محاطة بالجود والتكريم والدعوات ترى من الحرم العظيم لبلاد أنجبت رأس باز كريم والشهم بن فواز فاز بالسبق الهميم وهكذا الكل في العزم والتصميم وصلِّ إله العرش في التختيم على المصطفى الداعي إلى الدين القويم

стр. 40

قضايا مهمة في حياة الفرد المسلم أيها الإخوة! قضايانا المهمة على ضوء القرآن والسنة، قضايانا المهمة التي تحتاجها الأمة كثيرة جداً، الفرد المسلم لبنة في بناء هذا المجتمع، تجب عليه واجبات عظيمة، وعليه القيام بمسئوليات جسيمة تجاه نفسه وتجاه مجتمعه وتجاه إخوانه المسلمين وتجاه أمته الإسلامية جميعاً. الفرد لا يعيش لنفسه، وإنما يعيش ليحمل دعوة، ويحمل هماً ويحمل رسالة وواجباً عظيماً، خلقه الله من أجل تحقيقه، وأوجده في هذه الدنيا لكي يقوم به قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] وقال جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:٢١] وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥]. أما والله لو علم الأنام لما خلقوا لما غفلوا وناموا لقد خُلِقوا لأمر لو وعته عيون قلوبهم تاهوا وهاموا أيها المسلمون! أيها الإخوة في الله! إن هناك عدداً من القضايا المهمة التي يجب على كل مسلم أن يقوم بها، وأن يحملها، وأن يستشعر عظمتها، وقيامه بالواجب تجاهها.
следующие страницы →