Полный текст (1 023 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
نداءات إلى كل من له صلة بالعلم
فيا أبناء الإسلام! ويا طلبة العلم! يا من شرفكم الله بالنهل من ميراث النبوة: اتقوا الله في طلبكم، واعتنوا بالعلم الشرعي، واسلكوا منهجه الصحيح، واطلبوه من أهله الموثوقين.
وأنتم أيها المدرسون، يا من حملتم أمانة التعليم والتربية لفلاذة أكباد المسلمين! اتقوا الله فيهم، واعلموا أنكم مسئولون عنهم أمام الله، فكونوا خير قدوةٍ لهم، ومثلاً أعلى في الخلق والاستقامة، واعتنوا بتربيتهم تربيةً إسلامية صحيحة، فأنتم مربون قبل أن تكونوا ملقنين.
أما من منَّ الله عليهم بالعلم والمعرفة، من العلماء ورثة الأنبياء، فإن واجبهم عظيم في البلاغ والبيان، وتعليم المسلمين أمور دينهم وإعادة مكانة العلم، وإحياء حلق الذكر في المساجد ودور العلم، كي لا يقعوا تحت طائلة الكتمان المحرم.
ونداءٌ إلى من ائتمنوا على إعداد الخطط، ورسم مناهج التعليم لأبناء المسلمين وبناتهم أن يتقوا الله فيهم، ويشبعون نهمهم من العلوم الشرعية، ويجعلوا مناهجهم مبنية على الكتاب والسنة، ويبعد كل ما يتنافى مع ديننا ومبادئنا، لتتحول المدارس والمعاهد والجامعات إلى صروح خيرٍ وهدى، وميادين توجيهٍ وتربية.
ودعوة إلى أولياء أمور الطلبة والطالبات، أن يعوا دورهم الكبير في متابعة أبنائهم، وتفقد أحوالهم، وإيجاد العلاقة الوطيدة بين الأسرة والمدرسة، ليتم التعاون البنَّاء المثمر علماً وعملاً وتوجيهاً وتربية.
أيها المسلمون! هذه إشارات يسيرة في مهمة عظيمة، أرجو أن يكون طرحها بمناسبة بدأ العام الدراسي الجديد، حافزاً للهمم، في أن يعي كل واحدٍ منا دوره، ليتم لمجتمعاتنا المسلمة ما تصبو إليه من عزة ومنعة، ونصرةٍ ومجدٍ وقوة، والله نسأل أن يرزق الجميع العلم النافع والعمل الصالح، إنه جوادٌ كريم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 37
الحث على طلب العلم والحذر من التعالم
الحمد لله الذي علَّم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، وأشهد أن لا إله إلا الله الأعز الأكرم، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله الداعي إلى السبيل الأقوم، صلى الله وبارك عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
أما بعد:
فاتقوا الله -عباد الله- واعرفوا للعلم قدره، واجتهدوا ما استطعتم في التفقه في دينكم، فمن يرد الله به خيراً يفقه في الدين، واسألوا أهل العلم عما أشكل عليكم، واعمروا أوقاتكم بالعلم النافع، فليس العلم محدوداً بسن، ولا معيناً بمرحلة، ولا منتهياً بنيل شهادة عالية، واعلموا أنكم في زمانٍ لا مخرج لكم من فتنه، إلا بالتسلح بالعلم النافع، وإذا كان العالم -بحمد الله وفضله- يشهد إقبالاً وصحوة، فينبغي أن يتوج هذا التوجه بالعلم النافع، ليرسي قواعده، ويربط مسالكه، ويعصمه من الانحراف بإذن الله.
كذلك يجب على من يقومون بالدعوة إلى الله، وأعمال الحسبة، أن يكونوا على علمٍ بما يدعون إليه، وطريقة الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، حتى لا يحصل مجاوزةً للحكمة وحصولٌ للضرر الناتج من قلة البضاعة في العلم، هذا وإن من الظواهر الخطيرة في هذا المجال، ظاهرة التعالم، وادعاء كثير من الناس العلم وهم ليسوا كذلك، بل ليسوا من أنصاف المتعلمين، فيحصل عندهم من الجرأة على الله، وعلى رسوله، وإصدار الفتاوى والنيل من أهل العلم المعتبرين، ما يسبب خطراً كبيراً على المجتمعات، فاتقوا الله -عباد الله- وتعلموا ما ينفعكم، واتبعُوا العلم بالعمل، والدعوة إلى الله، كل ذلك بخطىً متوازنة، لا إفراط فيها ولا تفريط، وبذلك يحصل النفع العظيم، والخير العظيم بإذن الله.
هذا وصلوا وسلموا -رحمكم الله- على معلم الناس الخير، النبي المجتبى، والرسول المصطفى، كما أمركم بذلك ربكم جل وعلا، فقال عز من قائل: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦].
اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبينا محمد بن عبد الله، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين، وعن الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
وارض عنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذلَّ الشرك والمشركين، ودمَّر أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين.
اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم وفق إمامنا بتوفيقك، وأيده بتأييدك، اللهم وفقه لهداك، واجعل عمله في رضاك، اللهم انصر به دينك، وأعلِ به كلمتك، وارزقه البطانة الصالحة، ووفقه وأعوانه وإخوانه إلى ما فيه عز الإسلام وصلاح للمسلمين.
اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين المؤمنات، اللهم أصلح ذات بينهم، واهدهم سبل السلام، وجنبهم الفواحش، ما ظهر منها وما بطن، اللهم انصر إخواننا المجاهدين في سبيلك في كل مكان، اللهم انصرهم عاجلاً غير آجل يا قوي يا عزيز.
رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.
стр. 38
قضايا مهمة في حياة الأمة
الفرد المسلم لبنة في بناء هذا المجتمع، وتجب عليه واجبات عظيمة، وعليه القيام بمسئوليات جسيمة تجاه نفسه وتجاه مجتمعه، وتجاه إخوانه المسلمين، وتجاه أمته الإسلامية جميعاً.
في هذا الموضوع قضايا مهمة في حياة الفرد المسلم عليه أن يقوم بواجبه نحوها وأن يستشعر عظمتها.
стр. 39
اللقاءات مشاعل على طريق التوجيه والإرشاد
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الأسماء الحسنى والصفات العلى، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله، وخيرته من خلقه وصفوته من رسله، الذي بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، تركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، أرسله الله هادياً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، فصلوات الله وسلامه عليه؛ ما ذكره الذاكرون الأبرار، وصلوات الله وسلامه عليه؛ ما تعاقب الليل والنهار، وصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله الأطهار وصحبه الأبرار، المهاجرون منهم والأنصار، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فيا أيها الإخوة الأحبة في الله! إنها لفرصة مباركة ومناسبة سعيدة أن يمن الله علينا بهذا اللقاء الطيب المبارك بكم في رحاب هذا البيت المبارك من بيوت ﴿أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ [النور:٣٦ - ٣٧].
ألا ما أمتع هذه اللقاءات! وما أجمل هذه المناسبات؛ لأنها مناسبات تقوم على أساس التعاون على البر والتقوى، والتواصي بالحق والصبر عليه، تقوم على أساس غذاء القلوب، وتحقيق الخير لأنفسنا ولمجتمعنا ولأمتنا؛ لأننا جمعياً ندرك عظم المسئولية الملقاة على عواتقنا، وما هذه اللقاءات المباركة؛ إلا مشاعل على طريق التوجيه والإرشاد، بها تشحذ الهمم وتقوى العزائم، وبها يحس المسلم أن عليه واجباً عظيماً مع إخوانه المسلمين وتجاه إخوانه في الله في كل مكان؛ لأن الدين هو الذي يجمعنا، وآصرة الإسلام هي التي تربطنا قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:١٠] وقال سبحانه: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة:٧١] وقال ﷺ : ﴿مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم؛ كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى﴾
وقال الشاعر:
إن يختلف ماء الوصال فماؤنا عذبٌ تحدر من غمام واحد
أو يختلف نسب يؤلف بيننا دينٌ أقمناه مقام الوالد
فليست العبرة بالأنساب والأحساب، وليست العبرة بالروابط المادية والعلاقات القبلية وإنما القضية قضية إخوة إسلامية تجمع الناس؛ وإن تباعدت أقطارهم، ونأت ديارهم واختلفت أجناسهم قال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح:٢٩] وقال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:١ - ٣].
ألا ما أحوج القلوب! وما أشد حاجة النفوس؛ إلى أن ترتوي بنمير هذه اللقاءات المباركة، وترتشف من معين هذه المناسبات والجلسات الإيمانية، بعد أن حاولت الحياة المادية أن تحول بين القلوب وبين ربها بذكر الله، وبطاعة الله، وبما يقرب إلى الله ﵎.
وحقاً أيها الإخوة! إن القرائح لتتبارى، وإن المشاعر لتتجارى في هذا اللقاء الطيب المبارك، وما غمرني به أهل هذه المدينة المباركين، الذين حرصوا -وفقهم الله- على تكرار الدعوة المرة تلو المرة، فجزاهم الله خيراً على حسن ظنهم بأخيهم، وبارك الله جهودهم، وما ذلك إلا لأن في هذه المدينة رجالاً يحملون الخير لأنفسهم ولبلادهم ولمجتمعهم، يريدون أن يتحقق في هذه اللقاءات الخير والنفع والتعاون على البر والتقوى، وأن تتلاشى الفوارق، وأن تزول ما في النفوس من غل أو أحقاد أو حسد أو بغضاء، وأن تغسل الذنوب بماء التوبة المباركة، وماء المحاسبة للنفوس حتى يكون المسلم قائماً بدينه كما شرع الله .
فشكر الله لمحافظ هذه المحافظة، ولأعيانها ولرجالها ولعلمائها ولدعاتها ولشبابها ولنسائها ولكل الحاضرين فيها ما غمروني به من حسن الاستقبال من الحفاوة والإكرام مما أراني لست بقمين له، ولا أرى إلا أني أقول لهم في الله: كبيرهم لي أبٌ، وصغيرهم لي ابنٌ، ومساويهم لي أخ؛ أحبه وأحرص على أن أصله وأزوره لأن العلاقة في الله ولله وبالله.
لست شاعراً وإنما المشاعر تفرض علي في هذا اللقاء الطيب المبارك، في هذا الجمع الذي أراه مد بصري، في هذا البيت من بيوت الله الذين اجتمعوا، وأسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يتحقق فينا وفيهم قول المصطفى ﷺ : ﴿وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم -وفي رواية- يذكرون الله إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده﴾ فنسأل الله ألا يحرمنا وإياكم هذا الثواب، ووالله إن خصلة من هذه الخصال العظيمة؛ لتعدل الدنيا وما فيها، ماذا نريد بعد أن تنزل السكينة؟ وماذا نريد بعد أن تغشانا الرحمة، وأن تحفنا الملائكة، وأن يذكرنا الله فيمن عنده، بعدما ساد القلق والاضطراب والاكتئاب كثيراً من أحوال المسلمين مع الأسف الشديد؟
سلام من المولى البر الرحيم على الفضلاء في روابي تميم
والتحايا معطرات بالشذا العميم لـ حوطة محاطة بالجود والتكريم
والدعوات ترى من الحرم العظيم لبلاد أنجبت رأس باز كريم
والشهم بن فواز فاز بالسبق الهميم وهكذا الكل في العزم والتصميم
وصلِّ إله العرش في التختيم على المصطفى الداعي إلى الدين القويم
стр. 40
قضايا مهمة في حياة الفرد المسلم
أيها الإخوة! قضايانا المهمة على ضوء القرآن والسنة، قضايانا المهمة التي تحتاجها الأمة كثيرة جداً، الفرد المسلم لبنة في بناء هذا المجتمع، تجب عليه واجبات عظيمة، وعليه القيام بمسئوليات جسيمة تجاه نفسه وتجاه مجتمعه وتجاه إخوانه المسلمين وتجاه أمته الإسلامية جميعاً.
الفرد لا يعيش لنفسه، وإنما يعيش ليحمل دعوة، ويحمل هماً ويحمل رسالة وواجباً عظيماً، خلقه الله من أجل تحقيقه، وأوجده في هذه الدنيا لكي يقوم به قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] وقال جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:٢١] وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥].
أما والله لو علم الأنام لما خلقوا لما غفلوا وناموا
لقد خُلِقوا لأمر لو وعته عيون قلوبهم تاهوا وهاموا
أيها المسلمون! أيها الإخوة في الله! إن هناك عدداً من القضايا المهمة التي يجب على كل مسلم أن يقوم بها، وأن يحملها، وأن يستشعر عظمتها، وقيامه بالواجب تجاهها.
стр. 41
قضية العقيدة والتوحيد
أهم هذه القضايا على الإطلاق وأعظمها باتفاق: قضية العقيدة، قضية التوحيد، إفراد الله للعبادة، من أجل ذلك خلقنا، ومن أجل التوحيد أوجدنا قال : ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦] وقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الروم:٤٠] وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ *
الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الانفطار:٦ - ٨].
إن حق ربنا ﵎ علينا لعظيم، وإن واجبنا تجاهه لكبير وكبير، يقتضي تحقيق العبودية له سبحانه، ألا ننصرف إلى غيره كما قال رسول الله ﷺ : ﴿احفظ الله يحفظك﴾.
يا من ألوذ به فيما أؤمله وأستجير به مما أحاذره
لا يجبر الناس عظماً أنت كاسره ولا يهيضون عظماً أنت جابره
فالله هو المتفرد بالخلق والرزق والتدبير، وهو المستحق للعبادة وحده دون سواه، قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [لقمان:٣٠]
فهل ترى أن المسلمين اليوم أو أن كثيراً منهم حققوا ما من أجله خلقوا؟
إن كثيراً من الناس ضعف إيمانهم وضعفت عقيدتهم وتساهلوا بأمر توحيدهم، كثير منهم يتوجهون إلى غير الله، يقول الرسول ﷺ : ﴿إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك لن يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف﴾.
إننا -أمة الإسلام- أمة عقيدة وأمة رسالة، يجب علينا القيام والاضطلاع بهذه القضية المهمة التي هي قضية الوحدانية لله، في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، وما يستحقه ، وما يجب على المسلم تجاه الإيمان بالله سبحانه بأركانه الستة المعروفة، والقيام بمراقبة الله وحده قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١] والقيام بإخلاص الدين له قال تعالى: ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر:٣] وقال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة:٥].
يجب على المسلم أن يستشعر معية الله ورقابته له سبحانه:
وإذا خلوت بريبة في ظلمة النفس داعية إلى العصياني
فاستحي من نظر الله وقل لها إن الذي خلق الظلام يراني
لما حققت الأمة هذه الحقيقة العظيمة دانت لها أمم العالم شرقيه وغربيه، ولما أن قامت بتحقيق الوحدانية لله دكت جيوشها معاقل الكفر والطغيان في كل مكان، هزت عروش القياصرة، وكسرت الأكاسرة وحطمت رايات الوثنية، والإلحاد والبعد عن الله وضروب الجاهلية:
بمعابد الإفرنج كان أذاننا قبل الكتائب يفتح الأمصارا
كنا جبالاً فوق الجبال وربما صرنا على متن البحار بحارا
لم تنس أفريقيا ولا صحراؤها سجداتنا والحرب تقذف نارا
ولما مرت السنون، وخفت القلوب، وضيع كثير من المسلمين أمر دينهم؛ هانوا عند الله، هانت عندهم شريعة الله؛ فهانوا عند الله إلا من رحم الله قال تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة:٦٧] زاغوا فأزاغ الله قلوبهم، إلا من عصم الله.
فعلينا أيها الإخوة أن نعلم أن هذه القضية قضية العبودية لله، قضية الوحدانية لله، هي القضية الكبرى، وهي المهمة العظمى التي يجب علينا أن تكون حياتنا ومماتنا كلها في سبيل تلك القضية المهمة ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣].
стр. 42
تحقيق العقيدة الصحيحة بالشروط الشرعية
ومن القضايا التي ينبغي أن تقوم بها الأمة وأن تعتني بها الأمة: أن تحقق هذه العقيدة الصحيحة وهذه العبادة بشروطها الشرعية، التي جاء بها المصطفى ﷺ ، ودلت عليها نصوص القرآن والسنة، من شرط الإخلاص لله والتوجه له سبحانه، والحذر من الرياء والسمعة، وضروب الشرك بالله ، وأن تكون الأعمال على هدي النبي ﷺ ، مقتفىً فيها آثاره وهديه ﵊ وهو القائل: ﴿من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد﴾ والقائل عنه : ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧]
стр. 43
الإقبال على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ
القضية الثالثة: أن هذه العقيدة، وهذه العبادة؛ لا يمكن أن تتحقق إلا عن طريق العلم النافع، لا بد أن تعنى الأمة بالعلوم النافعة.
وأهم العلوم: الإقبال على كتاب الله، هذا الكتاب العظيم الذي أنزله الله على رسوله ﷺ فأخرج الله به الناس من الظلمات إلى النور، قال فيه : ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [إبراهيم:١] وقال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة:١٥ - ١٦].
هذا القرآن العظيم الذي كتبت الخيرية لمن أقبل عليه وعلمه وتعلمه، ففي الصحيحين من حديث عثمان ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ﴿خيركم من تعلم القرآن وعلمه﴾ وفي كتاب الله النور المبين والهداية في جميع جوانب الحياة، والسعادة والسلامة والقيادة والريادة والشهادة على العالم ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ [البقرة:١٤٣]
يقول النبي ﷺ في بيان فضل القرآن كما في صحيح مسلم: ﴿أيكم يريد أن يغدو إلى بطحان أو إلى العقيق -من أودية المدينة - فيرجع بناقتين كوماوين سمينتين عظيمتين في غير إثم ولا قطيعة رحم؟ قالوا: يا رسول الله! كلنا يريد ذلك، قال: لَأَنْ يغدو أحدكم إلى بيت من بيوت الله فيتعلم آيتين من كتاب الله خير له من ناقتين كوماوين سمينتين عظيمتين، وثلاث خير له من ثلاث، وأربع خير له من أربع، وعدادهن من الإبل﴾ فينبغي أن نقبل على كتاب الله، أن نتدبره ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص:٢٩]
فتدبر القرآن إن رمت الهدى فالخير تحت تدبر القرآن
وما حصل الضلال في الأمة وتفرقت شيعاً وأحزاباً؛ إلا لما أعرض كثير من الناس عن القرآن، يقول الله : ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه:١٢٤] يقول ابن عباس ﵄: [[تكفل الله لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه ألا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة]].
فالقرآن القرآن يا أمة القرآن! علينا أن ننشأ عليه وأن نتعلمه، وأن نتدبره، وأن نسير على هديه، وأن نحل حلاله، وأن نحرم حرامه، وأن نؤمن بمتشابهه، وأن نعمل بمحكمه، وأن تكون حياتنا كلها مبنية على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ؛ لتتحقق لنا السعادة.
وليست السعادة بالأموال ولا بالمناصب ولا بالمراتب ولا بالقصور؛ وإنما السعادة بتقوى الله، بالإقبال على الله:
ولست أرى السعادة جمع مال ولكن التقي هو السعيد
وتقوى الله خير الزاد ذخراً وعند الله للأتقى مزيد
إلا إنما التقوى هي العز والكرم وحبك للدنيا هو الذل والسقم
وليس على عبد تقي نقيصة إذا حقق التقوى وإن حاك أو حجم
وأيضاً يجب العناية بالعلوم النافعة: علم الكتاب، وعلم السنة، وعلم التوحيد، وعلم الفقه، وعلم الأحكام، وعلم التفسير، وكل العلوم النافعة التي تصل الإنسان بربه وتعلمه الطريق الصحيح، وتبين له المحجة حتى لا يقع في الضلال والتخبط والضياع والتدهور، الناس موتى وأهل العلم أحياء:
أبا بكر دعوتك لو أجبتا إلى ما فيه خيرك لو عقلتا
إلى علم تكون به إماماً تطاع إذا أمرت وإن نهيتا
يجب علينا أيها الإخوة أن نعنى بالعلم، وليس المراد العناية بالعلم أن نخرج جميعاً علماء أمثال الأئمة الأربعة وغيرهم من علماء الإسلام، ولكن ينبغي على المسلم أن يسير في حياته على هدى، وأن يسأل عما يشكل عليه، وأن يتعلم أمور دينه.
لو أن إنساناً يريد أن يشتري قطعة أرض، أو يشتري سيارة، أو يتزوج امرأة؛ لسأل عنها وجلس فترة طويلة يبحث ويحقق وينقب ويدقق؛ لأجل أمر من أمور الدنيا، فما بالكم بأمر الدين أيها الإخوة؟ ينبغي علينا أن نعنى به بحيث لا يقع الإنسان فيما حرم الله.
ويجب على المسلم أن يحل ما أحل الله، ويسير على هدي كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
الذنوب والمعاصي والمخالفات في أمر الله هي السبب فيما أصاب الأمة من وهن واضطراب وتخلف وتدهور وشقاق، قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف:٩٦] تساهل كثير من الناس بأمور الدين، تساهلوا بأمر توحيد الله ، يذهب بعضهم حين ضعف إيمانهم إلى السحرة والمشعوذين والكهنة والمنجمين، ويظنون أن أحدا
стр. 44
قضية العمل الصالح
قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ [الكهف:١١٠]
وتلك هي القضية الرابعة: قضية العمل الصالح بعد قضية العلم والإيمان والتوحيد والاعتقاد، أن يعمل المسلم الصالحات، وأن يستغل وجوده في هذه الحياة التي هي دار ابتلاء ودار امتحان قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ [الملك:٢] وليس أيكم أكثر عملاً، وإنما لابد أن يكون العمل حسناً موافقاً لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
والإيمان والعمل الصالح هما سببا السعادة والأمان والاطمئنان قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل:٩٧] وقال : ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور:٥٥]
ومن العمل الصالح: أداء الصلوات المفروضة التي هي أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة:٥] وقال رسول الله ﷺ : ﴿بين الرجل وبين الشرك أو الكفر ترك الصلاة﴾ وقال ﷺ : ﴿العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر﴾.
كان أصحاب محمد ﷺ لا يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر غير الصلاة، ويقول عبد الله بن مسعود ﵁: [[من سره أن يلقى الله غداً مؤمناً؛ فليحافظ على هؤلاء الصلوات الخمس حيث ينادى بهن، فإن الله شرع لنبيكم سنن الهدى وإنهن من سنن الهدى، ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها -يعني الصلاة مع الجماعة- إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان يؤتى بالرجل يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف]].
الله أكبر! هذه هي همة الصحابة وهمة السلف في المحافظة في هذه الصلوات الخمس، فما بال هذه الصلوات اليوم طاش ميزانها، وخف معيارها ومثقالها عند كثير من المنتسبين إلى الإسلام اليوم مع الأسف الشديد:
نحن الذين إذا دُعوا لصلاتهم والحرب تسقي الأرض جاماً أحمرا
جعلوا الوجوه إلى الحجاز فكبروا في مسمع الروح الأمين فكبرا
هذه الصلوات التي من حافظ عليها فقد حفظ دينه، ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع، هي أول ما يسأل عنه العبد، فإن صلحت فقد أفلح وأنجح، وإن فسدت فقد خاب وخسر والعياذ بالله.
فعلينا عباد الله! وعلينا إخوة الإسلام! يا من شرفنا الله بهذا الدين! أن نعنى بعموده، أن نعنى بركنه الركين بعد الشهادتين، أن نقيم هذه الصلوات بخشوعها، بأركانها، بواجباتها، بمستحباتها، بالجماعة في بيوت الله التي ما بنيت إلا لهذا.
فعلينا أيها الإخوة أن نقوم بهذا الأمر وأن نتواصى به، الأب يتفقد أبناءه، والمدرس يتفقد تلاميذه، وهكذا الأم في بيتها تتفقد أبناءها وبناتها، وكذلك المسلم أياً كان موقعه قال ﷺ : ﴿كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته﴾.
стр. 45
قضية الأخلاق والسلوك
القضية الخامسة: قضية الأخلاق والسلوك، وما ينبغي على المسلمين أن يتحلوا به من الشمائل الحسنة، والأخلاق الطيبة التي قال عنها النبي ﷺ : ﴿ما من شيء أثقل في ميزان العبد يوم القيامة من حسن الخلق﴾ ويقول ﷺ : ﴿إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم﴾ ولما ﴿سئل النبي ﷺ عن امرأة تصوم النهار وتقوم الليل لكنها قد عدمت الأخلاق بإيذائها جيرانها، وعدم كفها أذاها عن أقاربها قال ﷺ : هي في النار﴾ والعياذ بالله.
علينا أيها الإخوة أن نعنى بشأن حقوق إخواننا المسلمين، وأن نعلم أننا في مجتمع المسلمين يجب علينا أن نعنى بحقوق بعضنا على بعض قال ﷺ : ﴿حق المسلم على المسلم ست: ومنها رد السلام وإجابة الدعوة وقبول النصيحة وتشميت العاطس واتباع الجنائز﴾ ومنها أن يكف المسلم أذاه عن إخوانه المسلمين، وأن يقوم بالإحسان إلى والديه، وأهله، وزوجه، وأبنائه، وأقاربه، وإلى إخوانه المسلمين، وألا يكون في صدره غل ولا حقد ولا حسد على أحد من إخوانه المسلمين.
في الحديث الصحيح أن رسول الله ﷺ قال يوماً لأصحابه: ﴿يدخل الآن عليكم رجل من أهل الجنة﴾ فدخل رجل من الأنصار تقطر لحيته من ماء وضوئه ويحمل نعليه ﵁ وأرضاه، فتبعه عبد الله بن عمرو بن العاص ﵃ جميعاً وعن صحابة رسول الله ﷺ ، فتبعه ورأى عمله وسكن عنده وأقام عنده ثلاثة أيام فلم يره كثير صوم ولا صلاة، فقال له: ﴿يا هذا! إن رسول الله ﷺ قال: يدخل عليكم الآن رجل من أهل الجنة.
وقد أقمت عندك ولم أرك كثير صوم ولا صلاة فما بلغت هذا المنزلة؟ قال: هو ما رأيت غير أني أبيت وليس في قلبي غل ولا حقد ولا حسد على أحد من المسلمين﴾.
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠].
واليوم ساد الشقاق والحسد والبغضاء، ساد كثيراً من الناس والمجتمعات والأسر لا لشيء إلا لأمر زهيد من أمور هذه الدنيا، فقد يقطع الناس أقاربه، وقد يجفوا أرحامه، وقد يسيء إلى جيرانه؛ لأجل أمر من أمور الدنيا التي لا تعدل شيئاً عند الله ﵎، فينبغي علينا أيها الإخوة في الله أن يكون أمر الدين، وأمر الخُلُق، وأمر التعاون، وأمر أداء حقوق إخواننا المسلمين؛ يسمو عن الأمور الشخصية، وعن الأحقاد والحساسيات والأنانيات والأثرة وحب الذات؛ لأننا نحن أمة شرفها الله بهذا الدين وبهذا الإسلام الذي جمع الصحابة ﵃ على اختلاف ديارهم وعلى اختلاف قبائلهم، وكان الإنسان يحب أخاه، وقد آخى النبي ﷺ بين المهاجرين والأنصار، وبلغ من حب أحدهم لأخيه المسلم أنه يتنازل عن ماله وعن شيء من زوجاته لأخيه المسلم الله أكبر! قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر:٩].
ينبغي علينا أيها الإخوة أن نتحلى بالإيثار، وحب الخير لإخواننا المسلمين، وهذا شأن المجتمع المسلم يتعاون على البر والتقوى، يسعى كل واحد منهم لإصلاح حاله، وإصلاح حال إخوانه، لا يزيد في الفجوة، ولا يوسع الفتوق؛ وإنما يجمح الزلة ويغفر الخطيئة، ويغض الطرف عن أخطاء إخوانه المسلمين:
إذا كنت في كل الأمور معاتباً صديقك لم تلق الذي لا تعاتبه
فعش واحداً أو صل أخاك فإنه مقارف ذنب مرة ومجانبه
إذا أنت لم تشرب مراراً على القذى ظمئت وأي الناس تصفو مشاربه
وأمة الإسلام اليوم في عالم يموج بالمحن، ويطفح بالفتن والمغريات والصوارف عن دين الله ، أعداء الإسلام يجلبون بخيلهم ورجلهم على المسلمين، يسعون في تفكيك وحدتهم، وفي النيل من تماسكهم، ويثيرون بينهم كل أمر يضعف أخوتهم، وأخوة الإسلام أمرها عظيم؛ ولهذا كانت أعظم قضية حرص عليها الإسلام بعد كلمة التوحيد أن وحد الكلمة قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران:١٠٣] ليس من مصلحة الأمة التفرق والاختلاف والتنازع والشقاق، لا بين عامة الناس، ولا بين الخاصة منهم كأهل العلم والفضل والدعاة إلى الله والساعين في الخير والإصلاح، بل يجب أن تكون القلوب واحدة وأن يكون الصف واحداً، وأن يسعى المسلم لتكميل إخوانه المسلمين، وألا ينظر بعين السوءات، ولا ينظر بعين تتبع العثرات، وإنما يحرص على كظم الغيظ وعلى الستر على إخوانه المسلمين، كما قال عمر ﵁: [[لا تحمل أخاك على المحمل السيئ وأنت تجد له في الخير سبعين محملاً]].
واليوم ما وجدت الشائعات، وزهد كثير من الناس بسلامة صدره لإخوانه في الله؛ إلا لما ضعف الولاء لهذا الدين، وضعفت عند كثير من الناس رابطة المحبة في الله والأخوة الإسلامية.
стр. 46
قضية الدعوة إلى الله
أيها الإخوة في الله! ومن القضايا المهمة التي ينبغي أن نعنى بها في هذا الدين قضية الدعوة إلى الله؛ لأن قضية الدعوة إلى الله هي مهمة الأنبياء والمرسلين والدعاة والمصلحين إلى قيام الساعة قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت:٣٣] وقال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف:١٠٨] وقال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل:١٢٥] وقال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠].
فينبغي علينا -أيها الإخوة- أن نحرص على أن تكون سفينة المجتمع سائرة في الطريق الصحيح حتى تصل إلى شاطئ الأمان وبر السلام، دون أن تعصف بها أمواج المحن والذنوب، ودون أن تطوح بها قاذفات الفتن وزوابع الشر وأعاصيف الباطل في وقت نشهد فيه أشرس هجمة ضد أخلاق المسلمين، وضد قيمهم ومبادئهم ودينهم في قنوات كثيرة وعبر وسائل متعددة.
فعلينا أن نتصدى لهذه الحرب الضروس بالعقيدة، بالإيمان، بالوعي، بالعقيدة الصحيحة، بقوة الإيمان بالله ﵎، باللجوء إلى الله ، بجمع الكلمة، بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بطرقه الشرعية، بالدعوة إلى الله بأسلوبها الحسن الذي يسعى إلى درء الباطل، وإلى نصرة الحق، وإلى السير في ذلك بأسلوب صحيح، بالرفق، بالصبر، بالحكمة؛ فـ ﴿الرفق ما كان في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه﴾، والعنف ما كان في شيء إلا شانه، وما نزع من شيء إلا زانه، ﴿من يحرم الرفق يحرم الخير كله﴾.
فعلينا أن نسير في أمورنا في الإصلاح، والدعوة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما سار المصطفى ﵊، وكما سار رسل الله، هذا نوح ﵇ يدعو قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً، لم يستعجل الثمرة، ولم يحرص على أن يقطف الثمرة مبكراً؛ وإنما حرص على أن يقوم بالدعوة وبالإصلاح، أبى الناس، أم أنابوا، حرصوا وأطاعوا، أم أبعدوا، وضلوا عن الطريق، والنتيجة ما آمن معه إلا قليل، وهكذا الداعي إلى الله ، عليه أن يحرص على الدعوة إلى الله بالحكمة وبالحسنى وبالأسلوب الحسن، بأن يكون قدوة صالحة أمام إخوانه المسلمين.
وينبغي على الدعاة إلى الله، وعلى العلماء، وعلى المدرسين، وعلى الوجهاء، وعلى القضاة، وعلى أهل الحل والعقد في كل مجتمع؛ أن يكونوا قدوة صالحة لمن هم دونهم، وأن يقوموا بواجبهم فكلهم مسئول وكلهم مسئول عن رعيته.
ومن القضايا -أيها الإخوة- قضايا التربية، تربية النفوس، تزكيتها، تصفيتها من أدران الذنوب والمعاصي، تربية الأبناء والأسر والزوجات والبنات على ما شرع الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم:٦] قال أهل العلم: أي أدبوهم وعلموهم.
فيا أيها الأب المسلم! ويا أيتها الأم المسلمة! ويا أيها الزوج المبارك! ويا أيتها الزوجة الصالحة! إن عليكم مسئولية عظيمة تتعلق بالتربية.
ويا أيها المدرسون! ويا رجال التعليم! ويا أيها الحريصون على الفكر والوعي وثقافة الأمة! أنتم مسئولون مسئولية كبيرة في الدعوة إلى الله وتربية الناس على الخير وعلى الفضيلة، وتحذيرهم من الشر والرذيلة.
كثيرٌ من الناس اليوم بلي بأمور تخالف الإسلام، وتخدش الأخلاق، وقل الحياء عند كثير من الناس وعند كثير من النساء على سبيل الخصوص، وعند بعض الشباب، فعليهم أن يتقوا الله ، وعليهم أن يعلموا أن هذه الحياة ما هي إلا ساعات معدودة، وما هي إلا أوقات محدودة؛ فعليهم أن يزكوا أنفسهم ويحاسبوها ويربوها على شرع الله ﵎.
стр. 47
قضايا الشباب
ومن القضايا التي ينبغي أن نخصها قضايا الشباب، وما ينبغي أن عليهم وما هو حقهم، وما واجبهم تجاه أنفسهم ومجتمعاتهم، عليكم أيها الشباب المسلم المبارك أن تحمدوا الله أن ولدتم ونشأتم في بيئة الإسلام، وفي بلاد الإسلام، وعليكم أن تقوموا بالاعتزاز بدينكم وعدم التقليد لأعدائكم والمحاكاة والتبعية، والتقليد لأعداء الإسلام كما هو واقع بعض الشباب هدانا الله وإياهم.
وعليكم بأداء الصلوات، وببر الوالدين، وعليكم بالجلساء الصالحين، والحذر من قرناء السوء الذين يريدون أن يجروكم إلى المشكلات والمسكرات والمخدرات والجرائم التي تقضي على دينكم وإيمانكم وأخلاقكم بل وعلى حياتكم.
стр. 48
قضايا خاصة بالمرأة
ومن القضايا المهمة التي ينبغي أن تطرح: القضايا الخاصة بالمرأة من أداء رسالتها، والقيام بواجبها، فالمرأة لها رسالة في المجتمع وعليها واجب عظيم، هي الأم، والزوجة، والبنت، والأخت، هي درة مصونة وجوهرة مكنونة رفعها الإسلام وكرمها وشرفها بالحجاب، والعفاف، والحشمة، والبعد عن الرجال، والحذر من الخداع بدعاة المدنية الزائفة، ودعاة التحرر من الأخلاق والقيم.
مدنية لكنها جوفاء وحضارة لكنها أفياء
تدعو التهتك والسفور فضيلة ونتاج ذاك الشر والفحشاء
لا وازع يزع الفتاة كمثل ما تزع الفتاة صيانة وحياء
وإذا الحياء تهتكت أستاره فعلى الحياء من الحياة عفاء
والأم مدرسة إذا أعددتها أعددت شعباً طيب الأعراق
الأم أستاذ الأساتذة الأُلى شغلت مآثرهم مدى الآفاق
الأم روض إن تعهده الحيا بالري أورق أيما إيراق
стр. 49
المبادرة إلى معالجة الأخطاء وإصلاح الأوضاع
أيها الإخوة! القضية الأخيرة أن نعلم أن الواجب علينا أن نبادر إلى تصحيح أحوالنا، وإلى معالجة أخطائنا، وإلى إصلاح أوضاعنا بما يقربنا إلى الله، إلى متى الغفلة عما شرع الله؟ إلى متى يستمر الإنسان حبيس شهواته وملذاته يركب كل رغباته وما يريده؟ ولو لم يسأل عن حل هذا الأمر وحرمته، فعليك أيها المسلم أن تعلم أن هذه الدار؛ دار ابتلاء وامتحان، وأن هناك موتاً سيجهز عليك، فعليك أن تستعد لهذا القادم الذي يريد أن يفاجئك في ليل أو نهار قال الله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [يونس:٤٩].
حكم المنية في البرية جاري ما هذه الدنيا بدار قرار
بينا يرى الإنسان فيها مخبراً حتى يرى خبراً من الأخبار
هو الموت ما منه ملاذ ومهرب متى حط ذا عن نعشه ذاك يركب
نأمل آمالاً ونرجو نتاجها وعل الردى عما نرجيه أقرب
ونبني القصور المشمخرات في العلا وفي علمنا أنا نموت وتخرب
إلى الله نشكو قسوة في قلوبنا في كل يوم واعظ الموت يندب
فالله كم غادٍ حبيب ورائح نشيعه للقبر والدمع يسكب
نهيل عليه الترب حتى كأنه عدو وفي الأحشاء نار تلهب
وبعد الموت حشر ونشر وسؤال وعرض على الواحد القهار ﷻ ، فعلينا أن نعد للأمر عدته يوم تزلزل الأرض زلزالها، يوم تحدث أخبارها بأن تشهد على كل عبد أو أمة ماذا عمل على ظهرها تقول: عملت كذا وكذا يوم كذا وكذا.
فأعد أخي المسلم للسؤال جواباً فوالله ﴿لن تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن علمه ماذا عمل فيه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه﴾.
مصير المؤمنين الموحدين الطائعين المشمرين:
يا سلعة الرحمن لست رخيصة بل أنت غالية على الكسلانِ
يا سلعة الرحمن هل من خاطب فالمهر قبل الموت ذو إمكانِ
يا سلعة الرحمن أين المشتري؟ فلقد عرضت بأيسر الأثمانِ
يا سلعة الرحمن ليس ينالها في الألف إلا واحد لا اثنانِ
فعلينا -أيها الإخوة- أن نسعى إلى العمل الصالح الذي يقربنا إلى الله، وأن نبتعد عن أسباب الهلاك، وعن موارد العطب، وعن الأمور التي تقربنا إلى النار والعياذ بالله.
أسأل الله بأسمائه الحسنى، وصفاته العلى أن يوفقنا وإياكم للتوبة النصوح.
من ذا الذي ما ساء قط ومن له الحسنى فقط
هاهو ربنا ﵎ ينادينا: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهُِ﴾ [الزمر:٥٣] ويقول رسول الله ﷺ : ﴿إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل﴾ وقال ﷺ : ﴿لَلهَ أفرح بتوبة عبده من رجل كان في أرض فلاة وأضل راحلته ثم وجدها وعليها طعامه وشرابه بعد أن أيس منها ثم قال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك؛ أخطأ من شدة الفرح﴾ فالله أرحم بعباده من الوالدة بولدها.
هاهو يناديكم، عطاؤه جل وعلا ممنوح، وبابه مفتوح، وفضله يغدو ويروح، فأين المشمرون؟ إلى متى نستمر في الغفلة والبعد عن الله والإعراض؟
يا من اغتر بشبابه! يا من اغتر بماله! يا من اغتر بصحته! أعد للأمر عدته:
فالموت يأتي بغتة والقبر صندوق العمل
إن علينا وقد سمعنا أن نقول: سمعنا وأطعنا، وأن نستجيب لأمر الله: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [النور:٥١] من تنفع فيه الموعظة؟ من يبدأ بعد أن يخرج منها في محاسبة نفسه، والتوبة إلى الله، وعرض نفسه ووقته أمام الهدي والميزان الشرعي، فما قصر فيه تاب إلى الله وأناب، وما تقرب فيه إلى الله زاد واستجاب قال تعالى: ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَأٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ﴾ [الشورى:٤٧] وهذا هو شأن المسلم يحاسب نفسه ويقومها على شرع الله.
حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوها قبل أن توزنوا، وتهيئوا للعرض الأكبر على الله ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٨].
جعلني الله وإياكم من الهداة المهتدين، وجعلنا وإياكم بمنه وكرمه من أهل الخير والفضل والعلم والصلاح والإصلاح الذين ينفع الله بهم أنفسهم وينفع بهم مجتمعاتهم وأمتهم، شكر الله لكم حضوركم وإنصاتكم، ولا أكتمكم علم الله فرحتي واغتباطي وابتهاجي وسروري بهذا اللقاء الطيب المبارك، بما لا أستطيع أن أعبر عنه بما غمرت به من الفرح والابتهاج وكرم الضيافة وحسن الاستقبال مما حقيقة كنت لم أتوقعه، وأنا في الحقيقة أعتذر عن تقصيري ومماطلتي في زيارتي لكم، وأرى أن زيارتي لكم الآن وقد تحققت بحمد الله أنها من منطلق الواجب علينا، فهي والله ليست تفضلاً فالواجب عظيم والمسئولية كبيرة على أهل ال
стр. 50
الأسئلة
стр. 51
استمرار اللقاءات وتواصلها بين الشيخ ومحبيه
السؤال
أسئلة كثيرة وأوراقٌ عديدة تصدرت بحب أصحابها للشيخ في الله ، ودعوته في البقاء في هذه المنطقة أياماً، أسئلة وأوراقٌ كثيرة أجبرتني على أن أذكر هذا الكلام فما تعليق فضيلة الشيخ؟
الجواب
أولاً: أحبكم الله الذي أحببتمونا فيه، وأسأل الله أن يجعلنا وإياكم متحابين، والله ما قيمة الدنيا كلها إن لم تكن المحبة في الله هي التي تدفع إلى مثل هذه اللقاءات.
وحينما يرى الإنسان العلاقات الشخصية والمادية بين الناس يجد أنها تثير كثيراً من المشكلات، وتزيد في تعقيد أمورهم وسوء العلاقات فيما بينهم، بينما المحبة في الله : أن تحب المرء لا تحبه إلا لله، هذا من أعظم الأعمال، من أعطى لله، ومنع لله، وأحب في الله، وأبغض في الله فقد استكمل الإيمان ﴿المتحابون بجلالي اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي﴾ ﴿ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه﴾ ﴿حقت محبتي للمتزاورين فيَّ وللمتحابين فيَّ الحديث﴾ أحبكم الله الذي أحببتمونا له وفيه.
أما الرغبة في البقاء فيعلم الله الذي لا إله غيره أني لما رأيت هذه الجموع الطيبة التي غص بها المكان، وكثرت هذه السيارات التي أتت من قريب أو بعيد، حتى لم يجد الناس فيها مكاناً ومآلا؛ إلا لأن الخير متأصل في النفوس ولله الحمد والمنة، وحب أهل هذه البلاد التي أفاض الله عليها بهذا الإسلام وهذا التلاحم وهذه المحبة، وهذه المودة، ما هذه المشاعر الطيبة التي يعجز التعبير عنها، قد تسبق الأدمع الكلمات حينما ترى هذا الإقبال الطيب المبارك، فلا حرم الله الإخوة المباركين في داخل المسجد وفي خارجه ثواب ذلك، ونسأل الله أن يثيبهم وأن يجعل ذلك في موازينهم وأن يكتب خطواتهم، يعلم الله أنني حريص غاية الحرص على أن أستمر معكم، ولو كنت أعلم لأطلت المدة لأني أرى أن هذا الجمع يحتاج إلى لقاءات أكثر، ويحتاج إلى جلسة أكبر؛ ولكن أعدكم إن شاء الله أن تكون اللقاءات مستمرة، وأن يكون التعاون والتواصل قائماً بيننا وبينكم، وأشكر لكم شكراً خاصاً من أهل حوطة بني تميم حرصهم، فقد وجدت فيهم حرصاً أستطيع أني أقول لم أجد مثله من الخير والحب والتواصل، فلقد غمرت بشيء قد لا أستحقه؛ لكن هذا من طيبهم وكرمهم، ومن حسن أخلاقهم وفقهم الله وبارك فيهم وأعدهم أن تتكرر الزيارة بإذن الله، مرات قادمة بإذن الله وتوفيقه، وأسأل الله أن يهيئ ذلك في القريب العاجل بإذن الله.
стр. 52
وسائل معينة على حفظ القرآن الكريم
السؤال
أنا طالب أريد حفظ القرآن الكريم، فما الطرق الموصلة إلى ذلك؟ وما هو الوقت المناسب للحفظ؟ وما المنهج الذي كنت تسير عليه فضيلة الشيخ وأنت صاحب تجربة في ذلك؟
الجواب
الله المستعان! يُشكر الأخ السائل على طرح هذا السؤال المهم، الذي أرجو أن يترجم واقعاً عملياً تطبيقياً وليس مجرد رغبات وأماني.
حفظ كتاب الله والإقبال عليه نعمة عظيمة ينبغي علينا أن نحرص عليه ﴿من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: الم حرف ولكن (ألف) حرف و (لام) حرف و (ميم) حرف﴾ وما تعثرت مسيرة الأمة شباباً وشيباً، رجالاً ونساءً، صغاراً وكباراً، وضلت في كثير من مناهجها؛ إلا لما أعرضت عن القرآن، وبني بعض أبنائها وشبابها على غير القرآن.
فعليكم -أيها الإخوة- أن تقبلوا على القرآن، وعليكم أيها الشباب أن تحرصوا على الإقبال على القرآن، وأرجو أن نأخذه عهداً على أنفسنا أن نبدأ من هذه الليلة في أن نبادر إلى مشروع حفظ كتاب الله ، ولو أن يبدأ الإنسان بآية واحدة أو آيتين أو أكثر أو أقل، المهم أن تكون عنده هذه الهمة.
أما أن يرغب بالأمر مجرد رغبة وأمانٍ؛ فالأماني رءوس أموال المفاليس، لابد أن يبادر الإنسان العزم.
أول ما ينبغي على حافظ القرآن أن يخلص النية لله، يقرأ القرآن ابتغاء وجه الله، لا يقرأ ليقال قارئ وإنما يقرأ تعظيماً لمنزل هذا الكتاب وتقديراً له حق قدره ﵎، ففضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله على خلقه.
ثم عليك -أيها الأخ المبارك الذي تريد حفظ كتاب الله أن تخصص لك وقتاً لحفظ كتاب الله: ساعة بعد الفجر، أو بعد العصر، أو قبل النوم، أو أي وقت من الأوقات التي ترى أن ذهنك وعقلك فيها ونفسك فيه خالية من المشاغل، فعليك أن تخصص وقتاً تقرأ فيه كل يوم ورداً أو حزباً أو جزءاً من القرآن أو وجهاً أو صفحة أو نصف صفحة أو ما إلى ذلك على حسب جهدك، المهم أن تبدأ ولو بخطوة واحدة وقديماً قيل: مسافة المائة ميل تبدأ بخطوة واحدة.
فلنبدأ ولنعلم أن الله سيعيننا فالله قال: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر:١٧] ومتى علم الله من عبده الخير أعانه ووفقه عليه.
كذلك يجب أن يقرأ القرآن على قارئ، على مجود، على متقن، أن يكون هناك شيخ تقرأ عليه، والحمد لله جمعيات تحفيظ القرآن الكريم تكاد تكون ميزة من ميزات بلادنا شرفها الله وحرسها التي أنزل فيها هذا القرآن، فينبغي على أبنائنا وعلى شبابنا الرجال والنساء أن يلتحقوا بحلق وجمعيات تحفيظ كتاب الله ﵎، وينبغي على الآباء أن يهتموا بهذا، بعض الناس يحرص على أن يكون ابنه بلبلاً في اللغة الإنجليزية -كما يقولون- أو حريصاً على العلوم العصرية، أو يأخذ دورات في الكمبيوتر والحاسب الآلي وما إلى ذلك لكن ابنه قد لا يحسن الفاتحة! ما هذا الانهزام أمام الاهتمام بكتاب الله ﵎؟ وما هذا الانبهار وهذه الانهزامية أمام العلوم المعاصرة التي تريد أن تزاحم أفضل العلوم وأجل العلوم وأشرفها؟
يا أيها الأب المسلم! أتزهد في هذا الثواب العظيم حينما ينادى عليك في درجات الجنة وتدعى وتلبس وتتوج تاج الكرامة وتاج الوقار لتنشئتك وتربيتك وتعليمك ابنك حفظ كتاب الله ﵎؟
أيسرك أن يكون ابنك من حفظة كتاب الله ورواد المساجد ومن الحريصين على الجلساء الصالحين؟ أم تريد أن يكون ابنك في الشوارع والأحياء والحارات يؤذي عباد الله، وأن يذهب مع عصابات الشر والجريمة والمسكرات والمخدرات؟
فعلينا بالتنشئة القوية الحسنة الصحيحة على كتاب الله، ثم الحمد لله اليوم القرآن أمره ميسر، القرآن في كل بيت، الشريط القرآني في كل بيت، علينا أن نستمع وأن نقرأ وأن نحرص ولنثق بعون الله وتوفيقه.
стр. 53
التنبيه على قضية الولاء والبراء
السؤال
فضيلة الشيخ من القضايا المهمة في حياة الأمة قضية الولاء والبراء، لكن كثيراً من الناس تهاونوا في ذلك كثيراً، ومن أوضح مظاهر تلك القضية تفضيل العامل الكافر على العامل المسلم، فهل من توجيه؟
الجواب
نعم.
لا شك أن هذه القضية قضية الولاء والبراء من القضايا التي تعد من قضايا الاعتقاد ومن أصول الإيمان الذي ينبغي أن نعنى بها ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة:٥٥] ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة:٧١] فالولاية للمؤمنين، والمحبة والمودة إنما هي لإخوانك المسلمين الذين تجمعك بهم رابطة الإسلام، وينبغي أن يكون الولاء بين المؤمنين كما يكون العداء بين المحسنين والكافرين ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة:٢٢] القضية قضية مهمة جداً كما أشار لها الأخ السائل وضرب لها مثلاً في قضية العمالة أو الخدم أو السائقين أو ما إلى ذلك، فالمسلم عليه أن يتقي الله في ذلك، وليعلم أنه مسئول أمام الله، عليك أن تحرص على أن تستقدم المسلمين؛ لتعينهم ولتواليهم ولتكون أخاً ومحباً لهم في الله ولا تقدموا غيرهم عليهم.
ولما ضعف ولاء الناس بهذه القضية ولهذه القضية واهتمامهم بها؛ زهدوا في هذه القضية، بل لربما فضل بعضهم الكافر على المسلم بحجة أن الكافر قد ينتج أكثر، وأن بعض المسلمين يتساهلون أو قد يعطل العمل في أوقات الصلوات وما إلى ذلك أإلى هذا الحد وإلى هذه الدرجة يهون علينا أمر ديننا؟
فينبغي عليك أيها الأخ المسلم أن تتقي الله وأن تقيم الولاء لأهل الإيمان كما شرع الله، والبراء ضد أهل البغي والضلال والكفران فتلك قضية من أهم القضايا الاعتقادية.
ويشكر الأخ السائل على طرحها؛ ولكن أيضاً أنا أقول: إن القضايا كثيرة جداً ولهذا قضايا الأمة القضايا الكثيرة المتشعبة في جوانب الحياة كلها، أنا أعترف أنني لم أتطرق إلى كثير منها، لكن هذا أهمها فيما أراه وإلا فهي كثيرة جداً وما ذكره أخونا من جملتها، والله المستعان.
стр. 54
زيارة الشيخ إلى أفريقيا
السؤال
كانت لكم منذ فترة قريبة زيارة موفقة إلى أفريقيا، نرغب في أن تحدثونا عن حال المسلمين هناك.
الجواب
أنا أرى ألا ننتقل من الحوطة إلى أفريقيا، نريد أن لا تزاحم دولة أخرى أو بلدة أخرى وجودنا واهتمامنا في إخواننا في الحوطة جزاهم الله خيراًَ، وأنا أحيلك إلى شريط ألقي في الحرم الجمعة الماضية عن نفس الموضوع، ولعله يكفي ويشفي بإذن الله.
جاءني أن كثيراً من الإخوة موفقين لهم جهود مباركة في هذا اللقاء الطيب المبارك، فالحقيقة إن كان الشكر يعجز أن يعم الجميع؛ فتدركون جميعاً أني إن لم أشكر كل واحدٍ منكم بنفسه فيعلم الله ما أكنه لكم من المشاعر والمحبة والتقدير، الشكر مبرورٌ لله أولاً وآخراً، وباطناً ظاهراً؛ على نعمة هذا اللقاء الطيب المبارك، ونسأل الله أن يكون اجتماعنا اجتماعاً مرحوماً، وأن يكون تفرقنا بعده تفرقاً معصوماً، وألا يجعل الله فينا ولا معنا شقياً ولا محروما، كما نسأله تعالى ألا يفرق هذا الجمع المبارك إلا بذنب مغفور، وسعي مشكور، وعمل مبرور، وتجارة لن تبور، إنه غفورٌ شكور، ثم الشكر لجميع الإخوة الذين حرصوا ومنهم الإخوة في مركز الدعوة، وفي مكتب الدعوة وفقهم الله، وفي المعهد العلمي أيضاً، وفي المدارس مدرسة المتوسطة الثانوية، ورجالاً أيضاً من الجنود المجهولين، ولا نحب نسميهم، فنعرف ونجزم أنهم لا يحبون أن نسميهم، فجزاهم الله خيراً؛ لكننا ندعو الله لهم، وكلكم يعرفهم، ونرجو أن يجتهدوا في الدعاء لهم، الذين حرصوا ووصلوا وسعوا وبذلوا جهدهم في هذا اللقاء الطيب المبارك فجزاهم الله خيراً ولا حرمهم ثوابه إنه ولي ذلك والقادر عليه.
والحقيقة أنا لا أحب أسهركم، أنا لا أكون ثقيلاً في حسي وفي معناي، وإني لأجزم أنه من حرصهم وحرارة هذا اللقاء أنهم يريدون أن يستمروا إلى الفجر، ولو قيل لهم: استمروا إلى الفجر، لقالوا: نحن موافقون؛ لكن أيضاً لا أحب أن أثقل عليهم نتيح الفرصة لسؤال أو سؤالين في حدود ما يسمح به الوقت.
أنا لا أريد أن أثقل عليكم؛ لأن الكلام إذا كثر أخشى أن ينسي بعضه بعضاً، والحقيقة أن الأسئلة الكثيرة لا يمكن أن تطرح كلها في مثل هذا اللقاء الطيب، ولا أحب الحقيقة أن أثقل، فوراءكم من وراءكم، وقد يكون وراءكم من يحاسبكم، أما أنا فليس لدي اليوم والليلة من يحاسبني.
стр. 55
كل نفس ذائقة الموت
إن الموت حقيقة لا مفر منها، وإن الموت لنازل على كل ساكن لهذه الأرض.
فالواجب على كل مسلم أن يحاسب نفسه على ما مضى من عمره ماذا عمل فيه من أعمال، فعند نزول الموت لا ينفع التأسف ولا الحزن ولا البكاء، وإنما سينفع كل امرئ ما قدم، فإن خيراً فخيراً، وإن كان شراً فشراً.
стр. 56
الموت حقيقة لابد منها
الحمد لله الذي قضى بالفناء على هذه الدار، وأمر بأخذ العدة لدار القرار، أحمده تعالى وأشكره وأتوب إليه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، أزهد الناس في الدنيا، وأكثرهم للموت ذكراً وللآخرة استعداداً، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه أهل الفضل والتقى، والتابعين ومن تبعهم بخيرٍ وإحسانٍ واقتفى.
أما بعد:
أيها المسلمون: اتقوا الله ﵎.
عباد الله: حقيقةٌ قاسيةٌ لا محيد عنها، وقضيةٌ رهيبةٌ مسلمةٌ لا مفر منها تواجه أهل الدنيا، فلا يستطيعون لها رداً، ولا يملكون لها دفعاً، حقيقةٌ تتكرر كل لحظة، ونعايشها مرة بعد مرة، والناس سواءٌ أمام هذه الحقيقة المُسَلَمة، والمصير المحتوم، يواجهها الآباء والأبناء، والأغنياء والفقراء، والضعفاء والأقوياء، والرجال والنساء، والمرءوسون والرؤساء، والعامة والعلماء، والمغمورون والوجهاء، وأهل الشجاعة والجبناء، يقفون منها موقفاً موحداً، لا يستطيعون لها حيلة، ولا يملكون لردها وسيلة، ولا يقدرون تجاهها دفعاً ولا تأجيلاً، إنها حقيقة النهاية والفناء والموت، الموت الذي لا مفر ولا محيد من الاستسلام له، ولا يملك البشر حياله شيئاً.
стр. 57
قلة العمل لما بعد الموت
إخوة الإسلام: إن كل حيٍ يسلم بهذه الحقيقة عقيدة ونظراً، لكن الذين يتذكرونها ويعملون لما وراءها قليل، فالقلوب عن هذه الحقيقة غافلة، والنفوس شاردة، والعقول منصرفة، والهمم مشغولة، ومشاغل الحياة وزخرفها من الأموال والقصور، والأولاد والدور، والمراكب والمراتب، والأعمال والمناصب، كل ذلك وغيره أطال أمل الناس فيها، وإلا فالله يقول: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [العنكبوت:٥٧] ويقول جل وعلا: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧].
ونبيكم ﷺ ، يقول لـ عبد الله بن عمر ﵄: ﴿كن في الدنيا كأنك غريبٌ أو عابر سبيل﴾ وكان ابن عمر يقول: [[إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك]] رواه البخاري.
وروى الترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ : ﴿أكثروا من ذكر هادم اللذات﴾ أي: الموت، وكان ﵊، إذا ذهب ثلث الليل قام فقال: ﴿يا أيها الناس! اذكروا الله، جاءت الراجفة تتبعه الرادفة، جاء الموت بما فيه، جاء الموت بما فيه﴾ خرّجه الترمذي من حديث أبي بن كعب ﵁، فالكل مرجعهم إلى الله، والجميع محشورون إليه، الموت في الموعد المحتوم، والأجل المقسوم: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَاباً مُؤَجَّلاً﴾ [آل عمران:١٤٥]، ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف:٣٤] ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المنافقون:١١] ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان:٣٤].
стр. 58
استشعار حقيقة الموت وقصر الأمل
أمة الإسلام: إنه لابد أن تستقر هذه الحقيقة في نفوس الناس استقراراً واستشعاراً؛ حتى يكون له أثرٌ عمليٌ في حياة المسلم، بالإقبال على الطاعات وترك المعاصي والمحرمات، والمبادرة إلى التوبة وترك التسويف، فاستشعار قصر الأمل، يتطلب الجد في العمل، يجب أن نتذكر هذه الحقيقة دائماً وأبداً، حقيقة أن الدنيا مدبرةٌ فانية: ﴿إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ [غافر:٣٩] وأن المرد إلى الله، وأن الحياة موقوتة، والآجال محدودة، والأنفاس معدودة، ثم تأتي النهاية الحتمية، ويحل هادم اللذات، ومفرق الجماعات، ثم بعد ذلك يكون الناس فريقين فإما إلى جنة عالية، قطوفها دانية، وإما إلى نار حامية، نعوذ بالله من غضبه وأليم عقابه، فكأس الموت تتذوقه كل النفوس، وجرعته يتحساها كل حيٍ في هذه الحياة، لا فرق بين إنسانٍ وآخر، إنما الشأن كل الشأن ما بعد هذه اللحظة الحاسمة، من المصير الذي يستحق أن يعمل من أجله العاملون.
فلو أنا إذا متنا تركنا لكان الموت غاية كل حي
ولكنا إذا متنا بعثنا ونسأل بعدها عن كل شيء
فيا أيها المسلمون: تذكروا هذه الحقيقة: ﴿فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [لقمان:٣٣].
أين الاتعاض والاعتبار؟ عشرات الجنائز نصلي عليها في اليوم والليلة، وعشرات الموتى نشيعهم إلى القبور، حيث ضيق اللحود ومراتع الدود، أما نعتبر بكثرة الموتى من حوادث السيارات، ومن موتى الفجأة والسكتات؟!
كم من إنسان أمسى ولم يصبح، وأصبح فلم يمسِ، وخرج من بيته فلم يعد، وكم من صحيحٍ سليم يأتيك خبره، ويبلغك موته:
تزود من التقوى فإنك لا تدري إذا جن ليلٌ هل تعيش إلى الفجر
فكم من سليمٍ مات من غير علةٍ وكم من سقيمٍ عاش حيناً من الدهر
وكم من فتىً يمسي ويصبح آمناً وقد نسجت أكفانه وهو لا يدري
فتذكروا -يا عباد الله- هجوم هادم اللذات، وتصوروا نزول ملك الموت بكم، في هذه اللحظات يندم المفرطون ويتحسر المقصرون: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:٩٩ - ١٠٠].
تذكروا الموت وسكراته، يا من تلهون وتعبثون في دنياكم، وأنتم عن الآخرة غافلون! تذكروا هذا الموقف العصيب يا من تتثاقلون عن أداء الصلاة، وتبخلون بإخراج الزكاة! تذكروا ساعة الاحتضار يا من تظلمون عباد الله، وتقعون في أعراضهم، وتبخسونهم أشياءهم، وتغشونهم وتماطلونهم حقوقهم! فلله يومٌ يجمع فيه الأولين والآخرين لفصل القضاء بينهم، وكتابٌ لا يغادر صغيرةً ولا كبيرةً إلا أحصاها، هل تظنون أنكم مخلدون في هذه الحياة؟!
روى الترمذي في سننه أن رسول الله ﷺ قال: ﴿أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين، وأقلهم من يجوز ذلك﴾ فماذا قدم كل واحدٍ منا لهذه اللحظات الحاسمة، والمواقف العصيبة: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ [فاطر:٣٧].
كان عبد الله بن عمر ﵄، إذا ذكر عنده الموت انتفض انتفاض الطير، وقال الحسن البصري ﵀: [[فضح الموت الدنيا، فلن يترك لذي لبٍ بها فرحاً]] هكذا كان سلف هذه الأمة، من قوة الإيمان وشدة الخوف من عذاب الله، مع اجتهادهم في طاعة الله، فغريب حالنا اليوم، كلنا قد أيقن بالموت وما نرى له من مستعد! وكلنا قد أيقن بالجنة وما نرى لها عاملاً! وكلنا قد أيقن بالنار وما نرى لها خائفاً! فعلام الفرح مع التفريط في جنب الله! إنه لا ينبغي لمن آمن بالله واليوم الآخر، ولا يليق بمن عرف مصير الأوائل والأواخر، ويرى أن الموت يأخذ الأصاغر والأكابر، أن يركن إلى هذه الدنيا وقد امتلأت المقابر.
فيا من يفاخرون بأموالهم وأولادهم وأعمالهم: كيف بكم إذا واراكم الثرى وسرى بكم البلى! حقاً كفى بالموت واعظاً.
стр. 59
وقفة محاسبة بعد عام مضى
أمة الإسلام! إنني أذكر بهذه الحقيقة القاسية، والنهاية الحتمية في الوقت الذي نودع فيه عاماً تصرمت أيامه، وقوضت خيامه، مضى وانقضى وهو شاهدٌ لنا أو علينا بما أودعناه فيه من أعمال، ونستقبل عاماً جديداً لا ندري هل نستكمله، أم يحول بيننا وبين ذلك هاذم اللذات!
وإنه ليجدر بنا أن نحاسب أنفسنا: ماذا عملنا في العام المنصرم؟ وماذا عسانا أن نعمل في هذا العام الجديد؟ وأن نأخذ الدروس والعبر من مرور الليالي والأيام، وتصرم الشهور والأعوام، فيدفعنا ذلك إلى التوبة الصادقة، والإقلاع عن المعاصي والذنوب والاستعداد للآخرة.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر:١٨].
نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبهدي سيدي المرسلين، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنبٍ ومعصية، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 60
الاستعداد للموت وما بعده
الحمد لله الباقي فلا يفنى ولا يبيد، وأشهد أن لا إله إلا الله المبدء المعيد، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله أفضل الأنبياء وأكرم العبيد، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:-
فاتقوا الله -عباد الله- واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله، واتقوا يوماً لا يجزي والدٌ عن ولده، ولا مولودٌ هو جازٍ عن والده شيئاً.
عباد الله: إذا أيقنا أن مرور الأعوام وانقراض الأزمان إنما هو من أعمارنا، وأن الأيام مراحل تقربنا إلى الآخرة، فإن علينا ونحن بين عامين، بين عامٍ مضى، لا ندري ما الله صانعٌ فيه، وبين عامٍ قد أتى لا ندري ما الله قاضٍ فيه، إن علينا أن نستعد للموت وما بعده؛ وذلك بالتوبة الصادقة والإقلاع من الذنوب والتخفف من الدنيا، وكثرة ذكر الموت وزيارة القبور، والاعتبار والاتعاظ بما نرى ونسمع من أحوال الراحلين، فالموت الذي تخطانا إليهم سيتخطى غيرنا إلينا، وإن علينا أن نقف وقفة تأملٍ ومحاسبةٍ للنفوس، فإلى متى الغفلة يا عباد الله؟!
إن مرور عامٍ في حياة الفرد المسلم والأمة المسلمة حدثٌ يستحق التأمل والمحاسبة، فهل نقوم بهذا الأمر، وهل نعي حقيقة الحياة ونهايتها، وهل نستقبل هذا العام الجديد بالتوبة والإنابة، والعودة الصادقة إلى ديننا، هذا ما نأمله ونرجوه، إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلبٌ أو ألقى السمع وهو شهيد، وإني لأرجو أن تكون هذه الذكرى عهداً يأخذه كلٌ منا على نفسه وميثاقاً يعمل بمقتضاه فيما بقي من حياته، ليتحقق له الخير والفلاح في العاجل والآجل.
هذا وصلوا وسلموا -رحمكم الله- على النبي المصطفى والرسول المجتبى كما أمركم بذلك ربكم جل وعلا، فقال عز من قائل: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦].
اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبينا محمد بن عبد الله، وارضَ اللهم عن خلفائه الراشدين، وعن الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين، اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل اللهم ولاية المسلمين فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين.
اللهم وفق إمامنا بتوفيقك، وأيده بتأييدك، اللهم ارزقه البطانة الصالحة، اللهم اكتب على يده جمع كلمة المسلمين يا رب العالمين.
اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر يا سميع الدعاء.
اللهم انصر إخواننا المجاهدين في سبيلك في كل مكان، اللهم انصرهم عاجلاً غير آجل يا قوي يا عزيز.
اللهم اجعل خير أعمالنا أواخرها، وخير أعمالنا خواتمها، وخير أيامنا يوم نلقاك، واجعل الحياة زيادةً لنا في كل خير، والموت راحةً لنا من كل شر.
اللهم اجعل عامنا الجديد عام عزٍ ونصرٍ للمسلمين، اللهم اجعله عام نصرٍ للمسلمين يا رب العالمين.
اللهم حرر فيه مقدساتهم، وانصرهم فيه على أعدائهم، واجمع كلمتهم على الحق والهدى يا ذا الجلال والإكرام.
ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.
стр. 61
كيف تكون المحبة إذاً ؟!
إن للسيرة النبوية لدوراً كبيراً في تقويم السلوكيات، وإزالة الانحرافات التعبدية والعقدية، وإن الأمة اليوم بحاجة ماسة في ظل هذه الأوضاع المتردية إلى الارتشاف والارتواء من معين السيرة الصافي؛ تحسيناً للأحوال، وتطويراً للأوضاع، ورفعاً لمستوى الأمة إلى المكانة السامقة والمنزلة السامية التي كان عليها سلفها الصالح.
ولقد وجد في الأمة أناس نظروا إلى السيرة على أنها قصص تتلى دون عمل وهذا فهم خاطئ.
стр. 62
دور السيرة في تقويم السلوكيات والانحرافات
الحمد لله الذي منَّ على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة، أحمده تعالى وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، وأثني عليه الخير كله، اللهم لك الحمد كله، ولك الخلق كله، ولك الأمر كله، وإليك يرجع الأمر كله، لك الحمد حتى ترضى، ولك الحمد إذا رضيت، ولك الحمد بعد الرضا، لك الحمد بالإسلام، ولك الحمد بالقرآن، ولك الحمد ببعثة خير الأنام، ولك الحمد بالمال والأهل والمعافاة، ولك الحمد على كل حال.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أرسل رسوله للعالمين فضلاً منه ورحمة، وأشهد أن نبينا وحبيبنا محمداً عبد الله ورسوله، بلَّغ الرسالة، وأدَّى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، أرسله هادياً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، هدى به من الضلالة، وبصَّر به بعد الغواية، فتح الله به قلوباً غلفاً، وأعيناً عمياً، وآذاناً صماً، فصلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
فيا أيها الإخوة المسلمون: اتقوا الله ﵎؛ اتقوه تفوزوا وتفلحوا، واتبعوا سنة نبيكم ﷺ تهتدوا، واقتفوا أثره وبنهجه تمسَّكوا توفقوا.
أيها الإخوة في الله: يا أحباب رسول الله ﷺ ! السيرة العطرة؛ سيرة خير البرية عليه من الله أفضل صلاة وأزكى تحية بما فيها من شمائل نبوية، ومعجزات محمدية، ووقائع مصطفوية، كلها معين ثر، وينبوع صاف متدفق يرتوي من معينة كل من أراد السلامة من لوثات الوثنية، والنجاة من أكدار الجاهلية، بل هي الشمس الساطعة، والسنا المشرق، والمشعل الوضاء، والنور المتلألئ الذي يبدد ظلمات الانحرافات العقدية والسلوكية والاجتماعية وغيرها، وإن حاجة الأمة إلى معرفة سيرة الحبيب المصطفى ﷺ ، والاقتباس من مشكاة النبوة فوق كل حاجة، بل إن ضرورتها إلى ذلك فوق كل ضرورة، فكل من يرجو الله واليوم الآخر يجعل الرسول قدوته، والمصطفى ﷺ أسوته؛ كما قال : ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ [الأحزاب:٢١].
لقد ولد ﵊ في تلك الربى والبطاح، وكانت ولادته إيذاناً ببزوغ فجر الحق وغروب شمس الباطل، وبُعث من تلك البقاع، وكانت بعثته انطلاقةً لأعظم حضارة عرفها التاريخ قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧] حضارة أسعدت البشرية، وحررت الإنسانية من قيود الشرك والذل والوثنية؛ إلى ساحة الإيمان والعلم والحرية، زلزلت كيان الظلم والجاهلية، وحطمت عروش القياصرة، ودكت حصون الأكاسرة.
لقد نشأ ﵊ في هذا الحمى، وحفظه الله من أرجاس الوثنية ولوثات الجاهلية، ولقد قام ﷺ بتبليغ دعوة ربه كما أمره الله، وكم أوذي في الله فصبر حتى تحقق له ولأمته العز والنصر والتمكين.
جبله الله على أحسن الأخلاق والشمائل، وخصه بأزكى السجايا والفضائل، وحسبنا في ذلك ثناء ربنا عليه بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤] تقول خديجة ﵂: [[كلا.
والله لا يخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق]].
هاجر ﷺ إلى المدينة ورفع راية الجهاد لإعلاء كلمة الله، ودخل الناس في دين الله أفواجاً، وبعد أن بلغ البلاغ المبين لحق ﵊ بالرفيق الأعلى قرير العين بجنة الله ورضوانه، عليه من الله أفضل الصلاة والسلام دائماً وأبداً إلى يوم الدين.
فيا عباد الله: هذه ملامح من السيرة العطرة لرسول الهدى ﷺ ؛ يجب أن يتذكرها المسلمون في كل حين، وأن يجددوا العهد بها في كل أوان إلى الدوام.
إن أهل الإيمان الحق يستمدون من الهدي كل أمورهم، فلا تستوي الأمور وتستقيم السبيل إلا بذلك، فبهديه ﵊ يهتدون، وعلى ضوء سنته يسيرون، ومن معين نبوته يرتوون، ولأعلام هدايته يحملون، وتحت لوائها يجاهدون، أسقطوا الرايات المشبوهة، ودحضوا الشعارات الزائفة، ولم يبقوا إلا شعار التوحيد لله، والمتابعة لرسوله ﵊، عليه يحيون وعليه يموتون، وفي سبيله يكافحون، ومن أجله يوالون ويعادون، ويعطون ويمنعون، وعليه يلقون الله رب العالمين.
стр. 63
حاجة الأمة الماسة لفقه السيرة النبوية
إخوة الإيمان: لم تكن حاجة الأمة في عصر ما إلى معرفة السيرة العطرة، معرفة اهتداء واقتداء؛ أشد إليها من هذا العصر الذي تقاذفت فيه الأمةَ أمواج الفتن، وتشابكت فيه حلقات المحن، وغلبت فيه الأهواء، واستحكمت فيه الزعوم والآراء، وواجهت فيه الأمة ألواناً من التصدي السافر، والتحدي الماكر، والتآمر الرهيب من قبل أعداء الإسلام على اختلاف مللهم ونحلهم، يتولى كبر ذلك من لعنهم الله وغضب عليهم، وجعل منهم القردة والخنازير، وعبدة الطاغوت؛ من اليهود الصهاينة، ويوالي مسيرتهم عبدة الصليب، ودعاة التثليث، ويشد أزرهم المفتونون بهم المتأثرون بصديد أفكارهم، وقيح ثقافاتهم، من أهل العلمنة ودعاة التغريب، ويزداد الأسى حين يجهل كثير من أهل الإسلام حقائق دينهم وجوهر عقيدتهم، ويسيرون مع التيارات الجارفة دون تمحيص وتحقيق، أو يجمدون على موروثات مبتدعة دون تجلية ولا تدقيق، وحينما يُضرب المثل في ذلك على نظرة كثير من أهل الإسلام للسيرة المباركة فإنك تجد العجب العجاب! ففئات تغلو في الجناب المحمدي وترفعه إلى المقام الإلهي، وفئات تجفو وتعرض.
стр. 64
المواقف السلبية تجاه سيرة الرسول
فمن الناس من نظر إلى السيرة النبوية على أنها قصص تتلى، وفصول تسرد، دون متابعة واقتداء، فلا تحرك مشاعراً وقلوباً، ولا تثير مشاعراً وهمماً، وأبو القاسم محمد بن عبد الله بن عبد المطلب الهاشمي القرشي فوق كونه عظيماً من عظماء التاريخ؛ فإن شرف النبوة وتاج الرسالة هو الذي يحسن له المحبة والاتباع، وإن ارتباطنا برسولنا وحبيبنا ﷺ ، وسيرته العطرة؛ ليست ارتباط أوقات ومناسبات، ولا حديث معجزات وذكريات، بل إنه ارتباط وثيق في كل الظروف وعلى جميع الشئون وأحوال الحياة إلى الممات.
وشخصية الحبيب المصطفى ﷺ ليست شخصية مغمورة، ولا في ثنايا التاريخ مطمورة، تبرز حيناً وتطوى حيناً، حاشاه ﵊ بأبي هو وأمي، بل إن ذكره يملأ الأفاق، والشهادة برسالته تدوي عبر المآذن والمنابر، وتنطلق عبر الحناجر والمنائر، والمسلم الذي لا يعيش الرسول ﷺ في ضميره، ولا تتبعه بصيرته في عمله وتفكيره في كل لحظة من لحظاته؛ لا يغني عنه أبداً التغني بسيرته، ولا صياغة النعوت في مدائحه، وليس هناك أعلى من مدح ربه جل وعلا له وثنائه عليه، فقد رفع ذكره، وأعلى في العالمين قدره، وشرح صدره، ووضع وزره، وما جنح بعض المسلمين إلى مثل هذا اللون في الإفصاح عن تعلقهم بنبيهم إلا يوم أن أعياهم القيام بالعمل، وتركت نفوسهم العزمات، واستسلموا للتواني والكسل، فالجهد الذي يتطلب العزائم هو الاستمساك والاقتداء، فبدلاً من التغني والترنم ينهض المسلم الجاد إلى تقويم نفسه، وإصلاح شأنه حتى يحقق الاقتداء برسوله ﷺ ، وحتى يترجم تلك الدعاوى إلى واقع عملي في كل شأن من شئونه، في معاشه ومعاده، وفي حربه وسلمه، وفي علمه وعمله، وفي عباداته ومعاملاته.
وإن تحويل الإسلام والحب لرسول الإسلام ﷺ إلى هز للرءوس وتضخيم للعمائم، وإطالة للشبه يصاحب ذلك هوهوات وتمتمات، وشنشنات وهمهمات، وتعلق بأذكار وتسابيح، وتمسك بمدائح وتواشيح؛ لشيء عجيب يحار العقل في قبوله، والأدهى من ذلك أن تكون هذه الأمور معايير لصدق المحبة وعدمها، ومقاييس يرمى كل من تركها واستبان عورها بتنقصه للحبيب المصطفى ﷺ ، وتلك شنشنة معروفة من أخزم، فحبُّ رسولنا ﷺ في شغاف قلوبنا، ولا يغيب حبه إلا من قلب منافق جحود.
ومن الأسف أن أعداء الملة تمكنوا في غفلة من المصلحين أن يصدِّعوا بناءه وينقضوا أركانه، فكيف يا أمة محمد ﷺ يترك ميراث النبوة نهباً للعوادي؟ وكيف يقع التبديل والتغيير في دين الله في غفلة وسكون؟ وكيف يمهد للجاهلية الأولى أن تعود من جديد؟ ألا فليفقه المسلمون سيرة رسولهم ﷺ فقهاً مؤصلاً بالدليل والبرهان قبل أن تأخذ بهم السبل الملتوية؛ فتطوح بهم بعيداً عن الجادة، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً.
стр. 65
الحديث عن السيرة في ظل الأوضاع المتردية
أمة الإسلام: لقد جربت الأمة هذه المظاهر بعد انحسار القرون الثلاثة المفضلة فلم تجد شيئاً، لم تعُد عزة، ولم تورث منعة، ولم تؤصل مجداً، ولم تخلف تاريخاً، ولم ترجع مقدسات، ولم تعِد مقدرات، وإذا كانت الأمة في هذه الظروف الحرجة التي تمر بها تتحدث عن سيرة المصطفى ﷺ فكيف يطيب الحديث؟ وكيف يحلو الكلام ومقدسات المسلمين يعيث فيها أعداء الإسلام والمسلمين من اليهود الأخباث؟ وهاهم يصعدون عدوانهم ويزيدون إذكاء ذلك إذكاءً للفتنة، ويتحدون مشاعر المسلمين بكل وقاحة! كيف يجمل الحديث عن السيرة والذكريات وأعداء المسلمين من الصرب النصارى المعتدين الحاقدين؛ يصرون على صلفهم وعدوانهم ضد إخواننا وأعراضنا ومساجدنا في جمهورية البوسنة والهرسك، كيف يحلو الكلام والهندوس الوثنيون يمعنون في حقدهم السافر ضد مشاعر المسلمين على ثرى كشمير؟ وما أدراك ما أنباء الشيشان والصومال وغيرها من البقاع! كيف وكيف؟! وقضايا المسلمين معلقة، وأوضاع الأمة متردية، والنظام العالمي وهيئات الأمم متخاذلة، ولا حولا ولا قوة إلا بالله، إن لله وإنا إليه راجعون!
стр. 66
الموقف الإيجابي تجاه السيرة النبوية
إخوة العقيدة: أمة الإسلام! أمة محمد ﷺ ! إننا بحاجة إلى تجديد المسار، وتصحيح المواقف، والوقوف طويلاً للمحاسبة والمراجعة، نريد من مطالعة السيرة ما يزيد الإيمان، ويزكي الأخلاق، ويقوم المسيرة.
يخطئ كثيرون حينما ينظرون إلى المصطفى ﷺ وسيرته كما ينظر الآخرون إلى عظمائهم في نواحي ضيقة محدودة بعلم أو حنكة أو عبقرية، فرسولنا وحبيبنا ﷺ قد جمع نواحي العظمة الإنسانية كلها في ذاته وشمائله وجميع أموره، لكنه مع ذلك ليس رباً فيقصد، ولا إلهاً فيعبد، وإنما هو نبي يطاع ويتبع، هو مِنَّة الله على هذه الأمة.
إن من المؤسف حقاً أن بعض أهل الإسلام هداهم الله لم يقدروا رسولهم ﷺ قدره، وهم يتوجهون إليه بالحب والتعظيم؛ ذلك أنه حب سلبي لا صدى له في واقع الحياة، ولا أثر له في السلوك والتطبيق.
انظر إليه ﵊ في مجاري الأخلاق؛ تجده مثال الكمال في رقة القلب، وسماحة اليد وكف الأذى وبذل الندى، وعفة الضمير واستقامة السيرة وسلامة السريرة، وانظر إليه في كل جوانب حياته، في جهاده ومعاملاته، تلك لعمر الحق عراقة الخلال وكريم الشمائل، فهل من يتغنون اليوم بسيرته يقتفون أثره ويلتزمون هديه؟
إن حقاً على أهل الإسلام وهم المؤتمنون على ميراث النبوة أن تصقلهم الوقائع، وتربيهم التجارب، فلا تزال الفتن والخطوب مدلهمة على هذه الأمة، ومع مآسي أبنائها المتكاثرة وجراحاتها المتواترة فإن هذه الأمة أمة ثرية بعطاءاتها، والخير فيها مستمر إلى قيام الساعة، ففي خضم المعاناة مع أعداء الإسلام تبرز فلول من التفاؤل، وتظهر بوارق الآمال تجسدها صحوات عالمية، وانتفاضات إسلامية، وتوجهات خيرية؛ تنشد الإسلام بأصوله الصحيحة، وحقائقه الناصعة، ولقد ثبت لذوي البصائر أن رفع راية الجهاد في سبيل الله وإعلان التضحية والاستشهاد في سبيل نصرة الحق؛ هو الطريق الأوحد لإعلاء كلمة الله، وإعزاز أهل هذا الدين، وإن النزاع مع الأعداء المتسافرين نزاع عقيدة وهوية ومصير، وإن المقدسات لن تحرر برايات إقليمية، ولا شعارات طائفية، ولا مظاهر وشكليات، وذكريات واحتفالات، وإنما بشعار الإسلام، والإسلام وحده على ضوء الكتاب والسنة ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٢١].
﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ * فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [التوبة:١٢٨ - ١٢٩].
نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم وبسنة سيد المرسلين.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 67
حُب الرسول اتباع لا ابتداع
الحمد لله الذي أرسله رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إقراراً به وتوحيداً، وتعظيماً لشأنه وتمجيداً، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً مجيداً.
أما بعد:
عباد الله: اتقوا الله ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٨١].
عباد الله: رووا قلوبكم وأرواحكم من سيرة الحبيب المصطفى ﷺ ، واربطوا أنفسكم وناشئتكم وأسركم بها رباطاً محكماً وثيقاً؛ يسمو عن التخصيص في أوقات، والتذكير في مناسبات.
إخوة الإسلام: يا أحباب رسول الله ﷺ ! إن محبة المصطفى ﵊ دين يدين لله به كل مسلم، بل لا يتم إسلامه إلا بمحبة الحبيب محمد بن عبد الله ﵊، وفي الصحيح أنه ﷺ قال: ﴿لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين﴾ غير أن المحبة لا تكون باللسان والادعاء؛ وإنما بالتطبيق والمتابعة وصدق الانتماء ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران:٣١ - ٣٢] وحسبك بالزيادة أنها افتيات على الشارع الحكيم، ومخالفة للنبي الكريم، يقول رسول الله ﷺ : ﴿من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد﴾ ويقول الإمام مالك ﵀: من أحدث في هذه الأمة شيئاً لم يكن عليه سلفها فقد زعم أن محمداً ﷺ خان الرسالة؛ لأن الله يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً﴾ [المائدة:٣] فما لم يكن يومئذ ديناً فلا يكون اليوم ديناً، ولم يأت آخر هذه الأمة بأهدى مما كان عليه أولها.
فاحرصوا -رحمكم الله- على اتباع السنة واقتفاء آثار سلف هذه الأمة، فإن الخير كل الخير في الوقوف حيث وقف السلف الصالح ﵏، وإننا لنتساءل أين الساسة والعلماء؟
وأين أهل الفكر والتربية وأصحاب المسئوليات في بلاد المسلمين من الاستفادة من منهج النبوة؛ بالإصلاح العام، وتسخير مناصبهم ومسئولياتهم في القيام بحمل رسالة الإسلام، وأداء الأمانة والنزاهة، وخدمة البلاد والعباد؟
فالمسئوليات محنة ومنحة وتكليف وتشريف، والموفق من وفقه الله فنصح لله ولعباده ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم، لا سيما والأمة تواجه سيلاً جارفاً وتيارات وافدة ما جلبت للأمة إلا الشقاء والعناء، إن الموفق من تمسك بالسنن النبوي، والنهج المحمدي، وصبر على ما أصابه، والمحروم من انقطع بالنبي ﷺ سببه، وخاب سعيه وطلبه، ولو عمل ما عمل مما ليس عليه أثارة من علم أو أمارة من برهان.
فيا من يريد نجاتة! السنة السنة! والاتباع الاتباع! والحذر من الابتداع! وإياك أخي المسلم من الاغترار بما عليه كثيرون فالحق ليس بالكثرة، وإنما بالحجة والبرهان، وإن على حملة السنة أن يوحدوا كلمتهم، ويجمعوا قلوبهم، ويحذروا من فتح جبهات داخلية، وتغليب خلافات جانبية؛ فإن التعصب للشعارات والجماعات، والنعرات الحزبية الضيقة ليس من دين الله في شيء، والحق ليس حكراً على فرد من الأمة دون آخر، ولا جماعة دون أخرى؛ ما دام أن الكل على المنهج النبوي؛ لا سيما في مجال العقيدة والاتباع، والخطأ وارد والنصح مشروع، والأذى بين الإخوة ممنوع، والمجاهرة بالردود والانشغال بها بين أصحاب المنهج الواحد يتيح الفرصة للأعداء لإحكام الوقيعة بين الأحبة.
ألا ما أحوج حملة السنة اليوم إلى تنسيق جهودهم، والتلاحم مع ولاتهم وعلمائهم؛ لدرء الأخطار المحدقة بهم.
فيا أمة الإسلام: ويا حملة السنة! ويا أحباب المصطفى ﷺ ! أما آن لنا أن نتنبه لأعدائنا الذين يهددوننا في ديننا ودنيانا وأخرانا؟ أما آن لنا أن نتخلى عن المعارك الوهمية، والخلافات الجانبية، والردود الكلامية، ونفرغ طاقاتنا، ونركز جهودنا، ونتلاحم مع ولاتنا وعلمائنا في السير جميعاً في طريق الخير والرشاد، والحكمة والسداد؟
ألا واعلموا عباد الله أن من أعظم ما تقربتم لنبيكم وأعربتم به عن محبة نبيكم ﷺ هو كثرة الصلاة والسلام عليه.
فصلوا وسلموا -رحمكم الله- على المصطفى المختار الخيار من خيار من خيار كما أمركم بذلك العزيز الغفار؛ فقال عز من قائل: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] اللهم صلَّ وسلم وبارك على نبينا محمد بن عبد الله، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين، وعن الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، اللهم عليك بهم فإنهم لا يعجزونك، اللهم احصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تبق منهم أحداً، اللهم إنا نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلى أن تنصر إخواننا المسلمين المضطهدين في دينهم في كل مكان، اللهم انصرهم في فلسطين، اللهم انصرهم في البوسنة والهرسك والشيشان، اللهم انصرهم في كشمير وفي كل مكان يا حي يا قيوم! يا ذا الجلال والإكرام.
اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، وألف بين قلوبهم، واهدهم سبل السلام، وجنبهم الفواحش والفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم وفقنا لما تحب وترضى، اللهم وفق إمامنا بتوفيقك، وأيده بتأييدك، اللهم وفقه لهداك واجعل عمله في رضاك، وهيئ له البطانة الصالحة يا حي يا قيوم.
اللهم ولّ علينا خيارنا، واكفنا شر شرارنا يا ذا الجلال والإكرام، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
стр. 68
لا لمؤتمر السكان والتنمية
إن عصرنا هذا تموج فيه الفتن موج البحر الخضم، فتن عظيمة فعلينا الحذر منها.
فتن تدعو إليها الصهيونية والصليبية؛ لتمسخ الأمة وشبابها.
من هذه الفتن: الدعوة إلى تحديد النسل، وتقليل الأولاد في الأسر، والغرض من ذلك: تقليل عدد المسلمين، وكذلك النخر في عقيدة المسلم حتى يضعف توكله واعتماده على الله في الرزق والله المستعان.
стр. 69
تحذير من الدعوات الزائفة المزركشة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله، بلَّغ الرسالة، وأدَّى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، فصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه ومن اقتفى أثره واهتدى بهداه.
أما بعد:-
فاتقوا الله عباد الله، فالله قد أمركم بتقواه، واعملوا على سلوك طريق هداه.
أيها الإخوة في الله: لقد أنعم الله على الإنسان حيث خلقه في أحسن تقويم، وكرَّمه أعظم تكريم، بدأ خلقه من طين ونفخ فيه من روحه، وفضله على سائر المخلوقات، وميَّزه على سائر الكائنات، حباه العقل والإدارك، وميزه بالسمع والبصر والفؤاد، وسخر له ما في السماوات وما في الأرض جمعياً منه، وأسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنة، خلقه واصطفاه، وفضله واجتباه، وأعده أكمل إعداد وأوفاه، أكرمه بالفطرة السوية والعقيدة النقية، وحملَّه الأمانة الغالية، وكلَّفه الرسالة السامية، أنشأه من الأرض ليعمرها، واستخلفه فيها ليصلحها، ينفذ أحكامه، ويطبق شريعته، وهيأ له فيها كل ما يحتاجه مما تقوم به حياته، ويصلح له أمر دينه ودنياه: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾ [الإسراء:٧٠].
أيها الإخوة المسلمون: لقد حظي الإنسان في ظل الإسلام بتكريم لا مثيل له، وتشريف لا نظير له، ينال ذلك منذ تكوينه جنيناً في بطن أمه، ويمتد هذا التكريم في المنهج الإسلامي ليشمل كل فرد في المجتمع الإنساني ذكراً كان أو أنثى، ضعيفاً أو قوياً فقيراً أو غنياً، في بعد عن النزعات الإقليمية والعصبيات الجاهلية، وفي منأى عن المبادئ الفكرية والقوانين الوضعية، التي سامت الإنسان سوء العذاب، لقد رسمت له هدفه، استغراقاً في الإباحية والشهوات، وانغماساً في الماديات والملذات، جعلت منه آلة متحركة يتحول بعدها إلى معدة جائعة، بلا روح ولا ضمير، وبلا شعور ولا وازع، فدمرت الإنسان حيث تريد بناءه، وذلك لأن الإنسان مخلوق تجتمع فيه قوى الروح والجسد، ولكل منهما طاقات ومتطلبات تؤخذ مجتمعة متوازنة، ولم ولن ولا يتم ذلك إلا في ظل الإسلام الحق، وقد أخفقت كل المحاولات البشرية والنظم الأرضية في إسعاد الإنسان؛ لما أقصت عن حياته مطالب الروح وغذاء الإيمان، وحجبت أشعة نور العقيدة أن تغمر الفرد ببهائه، والمجتمع بضيائه، وذلك -لعمر الحق- عدوان صارخ على الإنسان، وتجاهل لحقيقته، وإهدار لإنسانيته، وزراية خطيرة بكرامته، ووأد لمعاني الخير والفضيلة والقيم في نفسه.
وإن أي دعوة للإنسان بتخطي حدود الله، وتجاوز شريعته، إنما تسف بالإنسان وتهبط به من آفاق العزة والكرامة إلى حضيض الضعف والمهانة، وتجعله سادراً في الظلام، غارقاً في التيه والضلال، تعصف به تيارات الضياع، وتوقعه في عالم القلق والحيرة والاضطراب والتوتر والجريمة من حيث تزعم أنها تسعده، وتدعي أنها تحرره وتفتح مداركه، وتجعله يواكب الركب في التطور والمدنية كما زعموا.
أبعد هذا ينخدع إنسان بالدعاوى المزركشة، والوعود الكاذبة، والمؤتمرات المشبوهة التي يريد أصحابها تشكيك أهل الإسلام بصلاحيته وبقيمه وأخلاقه ومثله؟! والسؤال الذي يفرض نفسه: ماذا يريد هؤلاء؟!
أيريدونها علمانية تقصي الدين عن واقع الحياة، وعن تنظيم شئون الناس السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية وغيرها، وتجعل من الدين طقوساً لا أثر لها في دنيا الواقع؟!
أيريدونها إباحية تداس فيها القيم وتهدر الأخلاق وتشاع الأمراض والجرائم؟!
أيريدونها فوضوية يتسلط فيها القوي على الضعيف، ويصبح الناس فيها أشبه بوحوش كاسرة، وسباع ضارية، لا مكان فيها إلا للأقوى؟!
لقد أفلست كل هذه النظريات، ولم تعد صالحة لإسعاد البشرية، والواقع من أكبر الشواهد على ذلك، فالعجب من الأصوات الناعقة، والأقلام الحاقدة، والمؤتمرات المشبوهة، كيف تجرءوا على محادة الله ورسوله، ومصادمة شرعه ودينه؟!
والعجب العجاب من ذلك الإنسان الضعيف كيف يعدو قدره ويتجاوز حده، ويشمخ بأنفه ويعتد بقوته ويتباهى بسطوته ويمتلئ غروراً وكبرياءً وغطرسة؟!
لكنه الإنسان في غَلْوَائه ضلت بصيرته فَجُنَ جنوناً
ما أضيع الإنسان مهما غدا في سبل العلوم إذا أضاع عريناً
إنه لخليق بالإنسان أن يعرف ربه، ويؤدي دوره، ويدرك مسئوليته ويقوم بواجبه في عبادة ربه سبحانه، وينقاد لأوامره، ويذعن لحكمه ويتجه بصدق وإخلاص، وبكل شعور وإحساس، نحو هذه الغاية المشرفة، صلاحاً وإصلاحاً؛ وبذلك يكون مؤمناً حقاً ومسلماً صدقاً، ولن يقوم أحد بذلك إلا إنسان العقيدة والقيم والأخلاق، فمتى سعد الإنسان إلا في ظل العقيدة الصحيحة.
من الذي صان دم الإنسان أن يسفك، وعرضه أن ينتهك إلا الإسلام، ومن الذي أحرز ماله أن يغتصب وحماه أن يقتحم وعقله أن يعطل إلا الإسلام، يوم أن فشلت الشعارات، ولكن يأبى بعض الناس إلا تجاوز حدود الله ومخالفة شرع الله: ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [النحل:٣٣] ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة:٥٠] ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [التوبة:٣٢].
стр. 70
الإسلام يحث على التناسل والتكاثر
أمة الإسلام: وكما رعى الإسلام حق الأفراد رعى حق الأسرة والمجتمع، وسعى لإشاعة الفضيلة ومحاربة الرذيلة، أقام صروح الأسر والمجتمعات على أساس من الدين والقيم والمثل والأخلاق، واعتبر القوى البشرية من أهم عوامل التقدم والازدهار والحضارة.
ولذلك كان من مقاصده وأهدافه في بناء حضارة إسلامية عالمية، أن قصد إلى كثرة النسل وتنميته، واعتباره إحدى الضرورات المقررة في الشريعة الغراء، كما حث رسول الهدى ﷺ أمته على كثرة النسل.
أخرج الحاكم وغيره أنه ﷺ قال: ﴿تناكحوا، تناسلوا تكاثروا فإني مباهٍ بكم الأمم يوم القيامة﴾ وعند أحمد من رواية أنس ﵁ ﴿تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة﴾ وفرض الإسلام حق المحافظة على النفس البشرية، وحرم الاعتداء عليها وإن كانت حملاً في بطن، وهو ما يسمى بالإجهاض قال تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ [الأنعام:١٥١] ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئاً كَبِيراً﴾ [الإسراء:٣١].
وذلك لما في هذه الجريمة الشنعاء من سوء ظن بالله ، وإنكارٍ لقدرته وإظهاره سبحانه بمظهر العاجز عن كفاية خلقه ورزقهم، تعالى الله سبحانه عما يقول الظالمون علواً كبيراً ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود:٦] ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [العنكبوت:٦٠].
стр. 71
الدعوة إلى تحديد النسل مؤامرة ودسيسة
وبذلك يعلم كل ذي بصيرة أن القول بتحديد النسل أو منع الحمل مصادم للنصوص الشرعية والفطرة الإنسانية التي فطر الله الخلق عليها، والقائلون بذلك هم فئات حاقدة على الإسلام والمسلمين، وإن كانوا من بني جلدتنا ويتكلمون بلغتنا، فالأمر لا يعدو كونه دسيسة كفرية ومؤامرة عدوانية تستهدف تقليل نسل الأمة الإسلامية، والزج بها في أعمال الجاهلية والأخلاق البهيمية الشهوانية، ليتحقق للقوى الاستعمارية ما تصبو إليه من إضعاف الكيان الإسلامي، وتلك سلسلة من مؤامرات في ثوب مؤتمرات، تهدف إلى تشكيك المسلمين بدينهم وقيمهم، ونشر الإباحية والعلاقات الجنسية المحرمة بينهم، بدعوى الحرية الشخصية تارة، وبدعوى المساواة والتقدمية والمدنية تارة، وبدعوى الحد من الانفجار السكاني تارة ثالثة، وتلك وغيرها من الدعاوى المزركشة، شنشنة معروفة من أخزم يغلف بها أصحابها مؤامراتهم العدائية ضد أبناء الأمة الإسلامية.
لكن يا ليت قومنا يعلمون ويدركون أبعاد المؤامرة الشرسة ضد دينهم وقيمهم وأخلاقهم، حتى لا ينخدع أبناء المسلمين بركب الباطل مهما طقطقت براذينه، نقول ذلك وقد تابعت الأمة الإسلامية عبر أسبوعين مضيا على وجل وحذر شديدين أعمال ومداولات ونتائج وتوصيات وقرارات ما سمي ظاهراً بـ (المؤتمر الدولي للسكان والتنمية) الذي طالعنا بأفكار غريبة تتناقض مع ما جاءت به الشرائع السماوية، وما تعارف عليه الناس من القيم الأخلاقية، مما يؤكد أنه مخطط إجرامي من الدول الصليبية والصهيونية العالمية؛ للإطاحة بالعفة والطهارة والأخلاق والقيم في بلاد المسلمين.
إن المتابع لمثل هذه الأعمال العدائية والمؤتمرات الاستفزازية يعجب وهو يرى كيف يجرؤ أولئك القوم على استفزاز مشاعر الأمة الإسلامية، على سمع العالم وبصره!
وإننا لنتساءل ماذا يريد هؤلاء؟!
ومن المستفيد من عقد مثل هذا المؤتمر المشبوه؟!
ومن يقف وراءه؟!
وهل وعت أجيالنا التي لا زال كثير منها سادراً في التيه والانحراف عظم المؤامرة؟!
وبأي حق يفرض على الشعوب الإسلامية ما يخالف شرع الله؟! فالأمر أمره والشرع شرعه ولا يحق لأحد كائن من كان فرداً أو هيئة أو منظمة أو دولة أن يتطاول على شرع الله ويلزم الناس بغيره، والذي يقال بصراحة: لا وألف لا لكل ما يعارض شرع الله، ويجر البلاد والعباد إلى فتن لا يعلم عواقبها إلا الله.
لقد أساء أولئك القوم التدبير وأخطئوا التقدير وقالوا بالباطل والتزوير، وجانبوا الحق والتنوير، أما يكفي زاجراً ويشفي واعظاً ما تعيشه المجتمعات المخالفة لشرع الله من انتشار الفواحش والأمراض المستعصية؟! فكيف بالدعوة إليها والسعي إلى نشرها بين المسلمين؟! ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النور:١٩].
إن المعاناة الاقتصادية والأخلاقية، التي يعيشها كثير من المسلمين اليوم، لا مخلص منها إلا بالإيمان بالله، والتوكل عليه سبحانه، ثم تنمية الموارد وترشيد الإنفاق، وعدالة توزيع الثروات وعدم تبديد الطاقات فيما لا ينفع الأمة، والعيب عيب الأنظمة الجائرة، وإلا فأرض الله واسعة وخزائنه ملأى، ولا تزال الخيرات في باطن الأرض وظاهرها مكنونة، فأين المستثمرون؟ ولو أن المليارات التي تنفق في سباق التسلح وشن الحروب على المستضعفين، حولت إلى مشاريع إغاثية واستثمرت لصالح البشرية لما حصل ما شنشنوا حوله، والذي يؤكد في هذا المقام ضرورة أخذ الحذر من مخططات ومؤامرات أعداء الإسلام ضد دين الأمة وقيمها وأخلاقها، والعناية بالأسرة، وتربية النشء على العفة والفضيلة، والحرص على كثرة نسل الأمة الإسلامية.
وإنه في الوقت الذي نستنكر ذلك ندعو قادة المسلمين وعلماءهم وشعوبهم وكافة المنظمات والهيئات الإسلامية، أن تتقي الله في مسئولياتها، وتتعاون فيما بينها لوضع مشروعات بديلة لمعالجة قضايا التنمية على ضوء شريعتنا الإسلامية وأخلاقنا الفاضلة، والله المسئول أن يأخذ بأيدينا إلى ما يحبه ويرضاه، وأن يكفينا شر أعدائنا، ويفشل مؤامراتهم ومؤتمراتهم بمنه وكرمه، إنه جواد كريم.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [البقرة:٢٠٨].
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 72
الرجوع إلى الله هو المخلص من الفتن
الحمد لله الذي هدانا للإسلام وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له جل في علاه، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله الداعي إلى هداه، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى وأصحابه ومن اهتدى بهداه.
أما بعد:
فاتقوا الله -عباد الله- واعلموا أن أصدق الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة، واشكروه جل وعلا على ما هداكم للإسلام، واعلموا رحمكم الله أن الإسلام أوجب على أتباعه التواصي بالحق والدعوة إليه والتعاون عليه، وتشجيع مجالات الخير في المجتمع، وإغلاق منافذ الشر فيه.
وإننا لنحمد الله ونشكره على ما هدانا للإيمان، وأبان لنا الحلال والحرام، ورزقنا التمسك بشريعة الإسلام في وقت ضل فيه كثير من الناس، نسأل الله أن يثبتنا على الإسلام.
وإن من التحدث بنعم الله ما وفق الله إليه قيادة بلاد الحرمين الشريفين -حرسها الله- وعلماءها -وفقهم الله- من اتخاذ المواقف الصامدة من هذا المؤتمر المشبوه وما على شاكلته، وهو موقف ينبغي أن يذكر فيشكر، وإلى مزيد من المواقف الصامدة في نصرة الحق وأهله، ودرء الباطل وأهله، والشكر موصول لمسديه سبحانه، أن أفشل خطط ونتائج ومؤامرات الأعداء، وجعل كيدهم بينهم فيما سعوا إليه، من إباحة الإجهاض والشذوذ عياذاً بالله، لكنهم سيسعون جاهدين إلى الدعوة إلى الباطل، ولن يكون هذا المؤتمر آخر سهامهم، فلنكن على حذر وفطنة يا عباد الله، ولقد أثبت هذا المؤتمر أن في الأمة يقظة وصحوة بحمد الله، فهي لن تقبل شيئاً يخالف دينها وقيمها وأخلاقها.
أيها المسلمون: وإذا كانت الأمة تعيش عصر الفتن التي أقبلت كبحر خضم قد تلاطمت أمواجه، وليل داج قد ادلهم ظلامه، وسيل جارف قد انعقد غمامه، فلا مخلص من الفتن إلا بالاعتصام بالله، والالتجاء إليه سبحانه، ولزوم جماعة المسلمين وإمامهم، والرجوع إلى علماء الشريعة، والتلاحم معهم، والتحلي بالصبر والرفق والتثبت والتعقل والحكمة، والبعد عن مسالك العنف والمواجهة، وكف اللسان عن الخوض فيما لا يعني، وعدم الانخداع بالأبواق الناعقة التي يريد أصحابها الاصطياد في الماء العكر، وجر البلاد والعباد إلى فتن لا يعلم عواقبها إلا الله، ثم الدعاء الدعاء والاستعاذة بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن، عن هذه البلاد المباركة خاصة وعن سائر بلاد المسلمين عامة بمنِّ الله وكرمه.
هذا وصلوا وسلموا رحمكم الله على خير الورى، كما أمركم بذلك ربكم جلَّ وعلا، فقال عز من قائل: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦].
اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبينا وقدوتنا محمد بن عبد الله، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين وعن الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وعنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً سخاءً رخاءً وسائر بلاد المسلمين.
стр. 73
محبة الرسول ﷺ
إن محبة الرسول ﷺ لهي من أوثق عرى الإيمان، وحبه ﷺ ليس بالتغني بشمائله والتمدح بفضائله، وإقامة الأفراح والحفلات عند ذكرى مولده، وإنما باتباعه ﷺ في جميع أفعاله وأقواله والحذر من مخالفته.
стр. 74
الحذر من مخالفة الرسول ﷺ
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وإن اجتمع الناس كلهم لهدايته، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، كتب الرحمة للمتقين الذين يتبعون الرسول النبي الأمي، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله هادياً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، وبلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده حتى أنقذ الله به البشرية من الجهالات والضلالات، وأخرجهم به إلى النور بعد الظلمات والخرافات، فصلوات الله وسلامه ورحمته وبركاته عليه وعلى آله وصحبه المتبعين لنهجه، المقتدين بسنته، وعلى من سار على نهجهم واقتفى واقتصر على طريقتهم إلى يوم الدين.
أما بعد:
إخوة الإسلام في بلد الله الحرام، أيها المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها: أوصيكم ونفسي بتقوى الله واتباع سنة نبيكم محمد ﷺ ، ومعرفة سيرته في كل أمر من أموركم، وفي كل وقت وفي كل زمان من أزمانكم، فالله قد أمرنا بذلك، ولم يعين له وقتاً، ولم يحدد له زمناً، ولم يخصص له مناسبة: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ [الأحزاب:٢١].
وقد أمر سبحانه باتباع رسوله ﷺ وجعل هذا الاتباع سبيلاً للهداية، ووسيلة لنيل حبه، وتحقيق رضاه، وحصول غفرانه، وحذر سبحانه من الإساءة إلى الرسول ﷺ في حياته، أو الإساءة إلى سنته بعد وفاته بتقديم غيرها عليها، أو بمخالفتها والخروج على توجيهاتها بالنقص منها أو الزيادة عليها، فيقول سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات:١] إلى قوله تعالى في الآية بعدها: ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات:٢].
وجعل الخروج ولو مرة واحدة عن حد اتباع الرسول والتسليم له ضلالاً مبيناً وانحرافاً لا شك فيه، بل يؤدي إلى عدم الإيمان والعياذ بالله، فيقول سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً﴾ [الأحزاب:٣٦] ويقول: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [النساء:٦٥].
أخرج البخاري ﵀ في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ﴿كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى.
قيل: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى﴾ وما أكثر الذين يتمنون الجنة بأقوالهم ويأبونها بأفعالهم.
стр. 75
الحذر من الغلو في الرسول ﷺ
إخوة الإسلام: إن واجب المسلمين أن يعرفوا قدر رسولهم ﷺ بدون غلوٍ فيه وإطراء له، وبدون تقصير في حقه وتفريط في محبته، فهو ﵊ عبد من عباد الله، ورسول من رسل الله، وله من المزايا والخصال ما يفوق بها كل البشر، ولكنه مع ذلك لم يخرج عن حدود البشرية والعبودية لله رب العالمين، كما أخبر الله عنه في غير ما آية من كتابه الكريم، فهو ﵊ ليس إلهاً فيعبد، ولا رباً فيقصد، كما ضل في ذلك كثير من الجهلة؛ الذين صرفوا بعض أنواع العبادة وبعض خصائص الألوهية والربوبية له، وجعلوها للرسول ﵊، فسألوه من دون الله، واستغاثوا به، ودعوه عند الكروب والمصائب، وجعلوه علاماً للغيوب، مفرجاً للكروب، معيناً في الخطوب، وكفى بذلك غلواً وشركاً والعياذ بالله.
يقول ﷺ فيما أخرجه البخاري ﵀ عن عمر ﵁: ﴿لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله﴾.
следующие страницы →