← Джавами‘

Джавами‘ · id 7738

دروس للشيخ عبد الرحمن السديس

عبد الرحمن السديس

Полный текст (1 023 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

تعريف الإخلاص

стр. 352

الإخلاص في اللغة الإخلاص في اللغة: من خلص يخلص خلوصاً، وأخلص يخلص إخلاصاً، وهذه اللفظة ذات الحروف الثلاثة (الخاء واللام والصاد) تدل على السلامة، وعلى الصفاء والنقاء من الشوائب. تقول: (ذهب خالص) إذا كان سالماً من الشوائب التي تؤثر على صفائه ونقائه، وتقول: عمل خالص: إذا كان محققاً للشروط التي تجعله مقبولاً وصالحاً ومتبعاً فيه سنة النبي ﷺ .

стр. 353

الإخلاص في الشرع عرَّف عُلماء السلف الإخلاص بأنه: العمل لله دون شوائب محبطة له، أو دون الشوائب التي تنقصه وتؤثر عليه.

стр. 354

حقيقة الإخلاص إخلاصٌ لله بأن الله هو الخالق الرازق الرب المحيي المميت المعبود، فلا معبود بحقٍ سواه، الذي يجب أن تصرف له العبادة: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣]. هذا هو الإخلاص، أن تكون الحياة وأن يكون الممات وأن تكون الصلاة وأن يكون النسك والعبادة كلها خالصة لوجه الله، لا تصرف لأحد، ولا لبشر، ولا لحجر، ولا لبقر، ولا لطاغوت، ولا لوثن، ولا لأحد من الناس كائناً من كان، هذه هي العبادة لله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥]، وهذا الأمر هو حقيقة دعوة الرسل عليهم الصلاة والسلام، فالرسل عليهم صلوات الله وسلامه إنما بُعثوا لدعوة الناس إلى الإخلاص في عبادة الله وحده لا شريك له، وترك ما يعبده الآباء والأجداد والأهل ترك ما يعبده كل الناس من عبادةٍ ما سوى الله ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ [النساء:٣٦]، ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء:٢٣]، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥]. وكل نبيٍ يُبعث إلى قومه يقول: اعبدوا الله ما لكم من إله غيره، فلا دعوة إلى أشخاص، أو إلى زعامات، أو جماعات، أو أحزاب، أو مناصب، أو للدنيا وكل أمرٍ وجانبٍ منها، بل دعوة لله وإلى الله؛ يقول تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف:١٠٨]. هذه هي القضية التي ينبغي أن يرتبط بها الناس والأجيال، ويرتبط بها الدعاة قضية العقيدة والإيمان والتوحيد لله، وإخلاص العمل لوجه الله ﵎، هذا هو الأمر الذي ينبغي أن نهتم به. أيها الشباب أيها الدعاة أيها الإخوة الأحباب! أينما كنتم وحيث ما حللتم، نحن أمة نرتبط بمنهج وبتوحيد، ونرتبط بعقيدة صحيحة، وبإيمانٍ بالله الواحد القهار، فيجب أن نعلمه ونعمل به، وأن ندعوا إليه، وأن نصبر لما يصيبنا من الأذى فيه، وأن تكون حياتنا ومماتنا كلها في هذا السبيل، هذه هي حقيقة الإخلاص. أيها الإخوة الذين نحسبكم مخلصون ولا نزكي على الله أحداً! وما هذا الموضوع إلا للتذكير بهذه القضية، في وقتٍ زاحمت فيه كثيرٌ من الاهتمامات الجانب الرئيس في الإخلاص، وأصبح ولاء الناس -بل كثيرٌ من الناس- لغير الإخلاص عياذاً بالله، فينبغي أن يراجع الإنسان نفسه، وأن يحاسبها، وأن يقومها على منهج السلف الصالح ﵏ ورضي عنهم.

стр. 355

الأدلة من الكتاب والسنة على وجوب الإخلاص أيها الإخوة! حديثٌ عظيم -كلكم يعرفه- يقول فيه النبي ﷺ : ﴿إنما الأعمال بالنيات! وإنما لكل امرئٍ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه﴾. حديث عظيم في النية ومكانتها، والنية: هي التي ينبني عليها الإخلاص لله ، فالعمل بلا نية -كما قال أهل العلم- عناء، وعمل بلا إخلاص هباء، والعياذ بالله، يقول الله : ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾ [الفرقان:٢٣]. وقاعدة النية قاعدة عظيمة، اعتنى بها علماء الإسلام، وصدر كثيرٌ من أهل العلم في الحديث وغيرهم كتبهم بهذا الأمر المهم، تذكيراً بشأن النية، وأن على المسلم أن يكون ذا نية، وأن يكون مخلصاً نيته لله ﵎، يقول الله : ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر:٢] أمرٌ بالعبادة؛ والعبادة لا تكون عبادة إلا إذا كانت خالصة لوجه الله: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ * أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر:٢ - ٣]. بلى والله! لله الدين الخالص، وتعالى الله عما يُشرك به المشركون علواً كبيراً. الله سبحانه هو الذي منّ علينا في هذه الحياة وخلقنا ورزقنا، وما بنا من نعمة فمنه وحده، ومن قلة الحياء عقلاً أن تتوجه إلى غيره، فكيف وقد جاءت النصوص الشرعية، وأصبح إيمان العبد لا يصح إلا بتحقيقه لله وحده. الله سبحانه يجب أن تُصرف له العبادة بكل ما تحمله كلمة (العبادة) من معنى، فكل تحرك ينبغي أن يكون لله، ولهذا ينبغي على المسلم المحب نجاته أن يعرف خطواته كم منها لله؟ وكم منها لغير الله؟ وأن يعرف لقاءاته وجلساته، وأن يعرف اهتماماته، هل هي لله أو تشوبها شوائب من العمل للدنيا أيَّن كانت؟ يقول تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة:٥] ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ * وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ * قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ * قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي * فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر:١١ - ١٥]. إن يرضى عني الناس أو إن يسخطوا أنا لم أعد أسعى لغير رضاك على المسلم أن يلتمس رضا الله وإن سخط الناس كل الناس، عليه أن يسير على منهج كتاب الله وسنة رسوله ﵊ وفهم السلف الصالح، المأخوذ من العلماء الربانيين الذين يبينون للناس ما خفي عليهم، ويبينون الحق عند التنازع والاختلاف من كتاب الله وسنة رسوله ﵊. أما الذين يعملون لغير الله؛ فإن أعمالهم وبالٌ عليهم والعياذ بالله! أو من يعملون أعمالاً لكنهم يقعون في الرياء الذي يُناقض الإخلاص أو ينقصه، والعياذ بالله. أن ينظر الإنسان إلى أعمال الناس وإلى أقوالهم، وأن يلتمس مدحهم وثناءهم وإعجابهم، فالناس هم الذين يوجهونه، وهم الذين يريدون منه أن يفعل كذا فيفعل، ويلتمس رضاهم ويبحث عن ثنائهم، ويسأل عن مدى إعجابهم، هذه هي البلية التي تناقض الإخلاص، والعياذ بالله! ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود:١٥ - ١٦]. ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ [الشورى:٢٠] ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَدْحُوراً * وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً﴾ [الإسراء:١٨ - ١٩]. أيها الإخوة! فلنكن ممن يريد الآخرة بعمله، فالدنيا سوف تأتيك وهي راغمة ولن يأتيك من الدنيا إلا ما كُتِبَ لك، فلا تنظر إلى الناس ولا إلى مدحهم، كباراً كانوا أو صغاراً، بل يجب عليك أن تسلك رضا الله وإن سخط الناس. نعم! المسلم يأتيه مدح الناس وثناؤهم؛ لكنه لا يتطلع إليه إن جاءه شيء، فذلك مشجعٌ له على الخير؛ كما قال ﵊ في الصحيح حينما سُئِلَ ﵊: ﴿إن الرجل ليعمل بالعمل ابتغاء وجه الله فيمدحه الناس، قال: تلك عاجل بُشرى المؤمن﴾. لكن الخطر كل الخطر! أن يلتمس الإنسان رضا الناس على معنى أنه يعمل فيما يرضيهم، وإن سخط الناس أحجم عن العمل وإن كان عملاً شرعياً، ولهذا يقول بعض السلف: "ترك العمل لأجل الناس رياء، والعمل لأجل الناس شرك". أن تعمل لأجل أن يراك الناس، أو لأجل الناس فهذا شرك والعياذ بالله!! أما أن تترك العمل الصالح للناس فذلك من باب الرياء؛ لأنك لم تنظر إلى ما يريده الله، وإنما نظرت إلى آراء الناس وكلامهم ورضاهم، وليس معنى ذلك: أن الإنسان يضرب بآراء الناس عرض الحائط، لكن يسمع كلام الناس ويأخذ منهم، ويفتح قلبه وصدره لهم، ويناقشهم ويجادلهم بالحسنى، لكن الحق أحق أن يُتَّبع، أما إذا رضي الناس إلا أن تترك الخير، أو تترك السنة، أو تترك المعروف، فليسخط الناس كلهم، ولكن على الإنسان أن يبين لإخوانه في الله، ويبين للناس ما ينبغي أن يعرفوه من أمور دينهم، ولا ينبغي أن يعرفوه عند الاختلاف والتنازع، وأن يكون معروفاً مأخذه ورأيه، ومستنداً إلى دليل من كتاب أو سنة، ويكون أهل العلم هم الذين يبينون النزاع فيما وقع فيه النزاع: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء:٨٣].

стр. 356

علاقة الاعتقاد بالإخلاص أيها الإخوة! إن قضية الاعتقاد والإخلاص، ينبغي أن نتنبه لها لا سيما في هذا الزمن، لأننا نشهد ما يزاحمها من الأعمال، ونشهد أن الناس في تفريط، الذين يذهبون إلى غير الله، أو يتوجهون إلى غير الله، في طلب نفع، أو دفع ضر، أو شفاء مرضى، أو طلب حاجات، أو رد غائب، أو سؤال للنجاح، أو التوفيق من غير الله، أو الذين يعملون لغير الله، أو يذهبون إلى القبور ومن يسمونهم بالأولياء، أو الأضرحة، أو السحرة، أو المشعوذين، أو الدجالين ماذا تطلبون منهم؟ أين الإخلاص لله ؟! لو كان هؤلاء عندهم إخلاصٌ لله لعلموا أن الشافي هو الله: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء:٨٠] وأن الناس لا يستطيعون جلب نفع، أو دفع ضر إلا بإذن الله، هذا ينبغي أن يعرفه المسلمون؛ لأننا نلمس قصوراً كبيراً في جانب التطبيق عند كثير من المسلمين. ولا يقلل في هذه القضية من يعرف العقيدة أو من يعرف الواقع على حقيقته، فليس الواقع يُعرف من الناحية السياسية، ويغفل من الجانب العقدي الذي هو القضية الأساس وأصل الأصول كلها، وقضية القضايا باتفاق، وأهم القضايا على الإطلاق، والعقيدة لا قائل: إنها في هذا الزمن ليست مهمة، أو إن الناس على عقيدة صحيحة!! هؤلاء الذين يقولون ذلك، ليعرفوا ما عليه حال كثير من الناس في كثيرٍ من البلاد الإسلامية. وإذا كان الله بمنِّه وكرمه طَهر بلاد الحرمين، فليس فيها وثنٌ يعبد ولا صنمٌ يقصد، فإن في كثيرٍ من البلاد ما يشتكى إلى الله من التقصير في هذا الجانب المهم. فينبغي على الدعاة إلى الله وعلى طلبة العلم أن يعنوا بهذا الأمر غاية العناية، وأن يعلموا أن هذه هي القضية الأساس، فلا يدعى الناس إلى فكر ولا إلى سلوك ورقائق، ولا يدعى الناس إلى مناهج ومذاهب ومشارب، وإنما يدعى الناس إلى ما دعا إليه الرسل عليهم الصلاة والسلام: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف:١٠٨]. لكن على المسلم ألا يقلل من جهود إخوانه الدعاة، وأن يعرف لهم فضلهم وسبقهم، وليكن عوناً لهم في الخير (كل ابن آدم خطاء) وكل بني الإنسان يُخطئ، لكن علينا أن نتواصى ونتعاون على الحق وبيانه والإرشاد إليه، وأن يتناصح الدعاة إلى الله فيما بينهم، ليرجع من ضل منهم إلى الهدى -هذا هو الواجب- بلا تشهير وبلا تتبعٍ للسقطات، ولا نشر للسوءات، بل ينبغي أن يكون برفقٍ وحكمة، ليكون ذلك أدعى إلى القبول، وأقرب إلى الإخلاص. إن من القواعد المقررة في الشريعة: (الأمور بمقاصدها). عمدة الدين عندنا كلمات أربع من كلام خير البرية اتق الشبهات وازهد ودع ما ليس يعنيك واعملن بنية النية ينبغي أن نتواصى في حسنها وإخلاصها وصدقها، وأن تكون خالصة لوجه الله ، فو الله لن تصيب من الدنيا إلا ما كتب لك، ولن تبلغ الكراسي، ولا المناصب، ولا الزعامات يوم أن تعمل لغير الله، ووالله لن تصيب المكانة والشهرة يوم أن تدعو لغير الله، ولا يكون لدعوتك ولا لعلمك قبولٌ عند الناس، ولا أثرٌ في الدنيا ولا في الأخرى إلا بقدر إخلاصك لوجه الله.

стр. 357

حالنا مع الإخلاص وانظر -أيها اللبيب- إلى أحوال الناس في ذلك، واعلم أنَّ تعثر كثيرٍ من طلبة العلم ومن الدعاة إلى الله، ووقوع كثيرٍ من الناس في مآزق كلُّ ذلك قد يكون ابتلاءً وامتحاناً من الله، وقد يكون لحظوظ النفس شيء وأثرٌ في ذلك، ولا يتهم أحدٌ من المسلمين، ولا نخوض في مقاصد الخلق، لكن هذه سنة ماضية، وسنة جارية، منذ بزوغ فجر الدعوة وإلى اليوم. وانظروا! إلى الأثر البارز لرجالٍ ودعاة وعلماء في هذه البلاد وفي غيرها، نفع الله بهم البلاد والعباد، وظلوا سنين بل عشرات من السنين والله ينفع بهم، ولدعوتهم وعلمهم أثرٌ وصدىً وقبول، وهذا دليل إخلاصهم وصدقهم ولا نزكي على الله أحداً؛ لكن ينبغي أن نعلم أن قضية الإخلاص قضية مهمة. فحاسب نفسك يا عبد الله! ويا طالب العلم! ويا أيها الداعية إلى الله! ويا أيها المسلم! ويا أيها التاجر الثري! ويا أيتها المرأة المسلمة! ويا أيها الشاب! ويا أيها العامل للإسلام في أي موقع! ويا أيها المسلم أياً كان مكانك! انظر في نفسك وانظر في إخلاصك وحاسبها في هذا الجانب المهم ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر:٣]. واعلم أن الله لا يقبل منك علماً، ولا عملاً، ولا عبادةً، ولا دعوةً، ولا سلوكاً ولا أخلاقاً؛ إلا إذا كنت مخلصاً فيه لوجه الله ﵎، مبتعداً فيه من الرياء الذي هو محبطٌ للعمل: ﴿أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر! فُسئل عنه؟ فقال: الرياء﴾ أخرجه مسلم في صحيحه. فنحن على خطر أيها المسلمون أيها العلماء أيها الدعاة أيها الخطباء أيها القراء! علينا أن ننظر إلى إخلاصنا لله، وإلى تعاملنا مع الله. لننظر هل الذي يدفع في العلم والعمل والدعوة هو رغبة الناس كثرتهم جمهرتهم، ليقول الناس عني كذا وكذا أم أني أعمل ابتغاء وجه الله رضي الناس أم سخطوا؟ أين الأسئلة التي يسألها الإنسان نفسه في هذه القضايا المهمة؟ وما أحوجنا -والله- في وقتٍ أصبحت نيات كثيرٍ من الناس مدخولة، يُطلب العلم لكن للشهادات، وللوظيفة! أين العلم لوجه الله؟ أين الذين يثنون ركبهم، ويحنون ظهورهم، ابتغاء وجه الله ﵎؟ قال النبي ﷺ : ﴿من تعلم علماً مما يبتغى به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضاً من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة﴾ أي: ريحها، خرّجه الإمام أحمد وأهل السنن، من حديث أبي هريرة ﵁، فالأمر خطير. وكذلك العقيدة والإيمان، والتوجه إلى غير الله، وما يفعله كثيرٌ من الناس عند حلول المرض، أو عند حلول فتنة أو بلية أو مصيبة أن يذهب إلى الدجالين والمشعوذين يسألهم من دون الله، والرسول ﷺ يقول: ﴿من أتى كاهناً أو عرافاً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد﴾ أخرجه أهل السنن. ويقول في حديثٍ عند مسلم: ﴿من أتى كاهناً أو عرَّافاً فسأله لم تقبل له صلاة أربعين يوما﴾ الأمر خطير جدُّ خطير، أن ينعم الله عليك وأن يرزقك ويكلأك بالنعم وتتوجه إلى غيره، وتعلم أن هؤلاء لا يجلبون لأنفسهم ضراً ولا نفعاً، فكيف يملكون ذلك لغيرهم؟ ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف:٥ - ٦]. والعبادة من صلاة، وزكاة، وحج، وصوم، وفرائض، ونوافل، لا تصح إلا إذا كانت خالصة لوجه الله، فكم هم الذين يصلون لأجل أن يراهم الناس في المساجد! وكم هم الذين يُحسنون صلاتهم لما يرون من نظر الناس إليهم! وكم هم الذين يتصدقون ليقال: تصدق التاجر الفلاني بكذا! وكم من يعمل الأعمال الصالحة لغير وجه الله ﵎! فالأمر خطير. أيها الإخوة! وكم هم طلبة العلم لغير الله؟ يطلبون العلم ليقال علماء، ليقال: طلبة علم ليقال: متحدثون ليقال: عندهم علمٌ، وعندهم قدرة، وعندهم فصاحة وطلاقة، ليظهر أمرهم عند الناس يتعلمون ليقال: الدكتور الفلاني، يتعلمون لأجل منصبٍ أو وظيفة أو عملٍ من الأعمال، يتعلم العلم ليُجاري به العلماء، وليُماري به السفهاء، ليُجادل، ليقال عنه كذا وكذا. أما الدعوة فأمر الإخلاص فيها مهم غاية في الأهمية، لأن الدعوة دين وقربة، ويجب أن تكون خالصة لوجه الله، فالداعي لا يدعو لكثرة أتباعه، ولا لكثرة أفراده، ولا لجماعته ولا لحزبٍ ما، ولا لمذهب ولا لمشرب، إنما يدعو إلى الله وكفى بالله ، فينبغي أن يدعو إلى الله وعلى منهج رسول الله ﷺ . وكم هم الذين يسعون للشهرة أو للتحدث أو ليقال؟! قالوا: كذا وكذا وعملوا كذا وكذا. فينبغي أيها الإخوة أن نتواصى ومنا الدعاة وطلاب العلم، والشباب، والأجيال، ينبغي أن نتواصى في شأن الإخلاص، وأن نحرص عليه، وأن نذكر به، وأن نربي عليه أبناءنا وإخواننا، وأن ندعوا دائماً إليه، لأنه لا قبول للعمل إلا به، فالثلاثة الذين تُسَّعر بهم النار يوم القيامة " عالمٌ قارئ، ومجاهد، ومتصدق منفق" لكنهم عملوا لغير الله، فهم أول من تسعر بهم النار يوم القيامة والعياذ بالله! أحاديث ونصوص، ينبغي أن تذكر الغافل وأن تنبه الجاهل، وأن تبين لكل ذي لب، أنه ينبغي أن يعاود نفسه، كذلك ينبغي أن يكون الإخلاص رائدنا في كل أحوالنا.

стр. 358

مجالات الإخلاص أما مجالات الإخلاص: ففي العلم، والعقيدة، والدعوة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والبيت، والأسرة، والوظيفة، والعمل وكل مجالات الحياة كلها ينبغي أن تكون خالصة لوجه الله، حتى الأمور العادية ينبغي أن يُخلص الإنسان فيها لوجه لله، لتنقلب من عادة إلى عبادة، يأكل ابتغاء ثواب الله، للتقوي على الطاعة، ينام ليستريح فيقوم نشيطاً لأداء العبادة. وهكذا يتزوج لقضاء الشهوة؛ وليعف نفسه ابتغاء وجه الله في بضع ذلك الرجل حسن النية صدقة، كما قال الصحابة للرسول ﵊ حينما قال لهم: ﴿وفي بضع أحدكم صدقة، قالوا: يا رسول الله! أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟! قال: أفرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر، فكذلك إذا وضعها في حلال كان له أجر﴾ فينبغي على المسلم أن يحتسب الأجر، وأن يستصحب النية الصالحة الخالصة لوجه الله في كل عملٍ من الأعمال. ولهذا كانت النية الصالحة عزيزة على النفوس، وتحتاج إلى مجاهدة، كما قال بعض السلف لما سُئِلَ عن أهم الأعمال قال: "الإخلاص ولا تستطيعه النفوس إلا بالمجاهدة". وكان معروف الكرخي يقول: [[يا نفس! أخلصي تتخلصي]]. أخلصي اليوم لله ؛ تتخلصي في هذه الدنيا من المتاعب، وتتخلصي غداً من العذاب الأليم عند الله ﵎، وكيف ونتيجة عدم الإخلاص النار والعياذ بالله؟! ولهذا ذكر الله عن المنافقين أنهم لا يُخلصون وإنما ﴿يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ [النساء:١٤٢]، وذكر أن عقابهم النار وأنهم ﴿فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً * إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً * مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً﴾ [النساء:١٤٥ - ١٤٧]. المنافقون يعملون أعمالاً صالحة فيما يظهر للناس، ولكن أمرهم إلى وبال؛ لأنهم أعداء للمسلمين، فهم وإن صاموا وصلوا وزعموا أنهم مسلمون! فنتيجة عدم إخلاصهم أن صار لهم العذاب الأليم في الدنيا والآخرة والعياذ بالله. فينبغي علينا -أيها الإخوة- أن نسلك سبيل المخلصين والمؤمنين، وأن نبتعد عن طريق المنافقين، وينبغي علينا -أيضاً- أن تكون كل تحركاتنا لله فعلمنا لله، وإخلاصنا لله، وأدبنا مع إخواننا، وأخلاقنا ينبغي أن تكون لله -الأخلاق والسلوك -أيضاً- ينبغي أن تكون لله- لا تكن أخلاقاً تجارية كما يراه بعض الناس لتسويق بضاعة، أو ليقال: فلان خلوق، لكنه يتخلق بالأخلاق الحسنة؛ لأنه يعلم أن الخلق الحسن مما يُثقِّل الموازين، وأنه ما من شيء أثقل في ميزان العبد يوم القيامة من حسن الخلق، وأن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم، وأن تبسمه في وجه أخيه صدقة، وأن الأخلاق عبادة يتقرب بها إلى الله ﵎، هذا هو الذي ينبغي أن يكون عليه المسلم، أن يكون بيته بيت إخلاص، لا يذكر فيه غير الله، ولا يُربى فيه الأبناء إلا على منهج الله. المرأة المسلمة! أين الإخلاص من المرأة المتبرجة التي تريد أن يرى الناس زينتها وأن تفتن الناس؟ إنها تعمل للناس، ولو عملت لله لأخلصت لله بحجابها وعفافها وحشمتها. وهكذا الرجل وهكذا الشاب المسلم وهكذا التاجر المسلم وهكذا الموظف المسلم يعمل لا ليقال: إداري ناجح، وإنما يعلم أن عمله أمانة، وأن عليه أن يخلص لله قبل كل شيء، عمله عبادة إذا أخلص فيه لله. ولهذا ينبغي علينا أن نحتسب، وأن نعلم أن وظائفنا وأعمالنا ودراستنا وطلبنا للعلم عبادة إن أخلصنا فيه النية لله ﵎. فيا أيها الرجل! الذي يقوم من الساعة السابعة، وقبل ذلك يقوم لأداء ما افترض الله عليه من الصلاة وبعد الصلاة، يقوم ليستعد هو وأولاده للعمل والمدرسة! عليك أن تُخلص، وأن تدرس الأبناء لا ليأخذوا امتيازاً ولا لينالوا الشهادة، ولا ليكونوا غداً موظفين مرموقين. ولهذا أسأل هذه الأفواج الهائلة من أبنائنا وشبابنا وطلابنا في المدارس والجامعات: لماذا تدرس يا أخي؟ وما هوايتك؟ يريد أن يكون أحسن طبيب، وهذا يريد أن يكون أحسن مهندس، وهذا يريد أن يكون دكتوراً يُشار إليه بالبنان، وهذا وهذا وهذا اهتمامات. أين الذي يقول: أنا أريد أن أعمل ابتغاء وجه الله، أخلص لله، أطلب العلم لرضا الله، ثم أعمل فيما يُرضي الله ولأخدم الإسلام وديني قبل كل شيء، ولأكون جندياً في ميدان الإسلام، وأن أخدمه عن طريق عملي وعلمي ووظيفتي؟ وليس معنى ذلك أننا لا ندرس أو لا نأخذ الشهادات العليا، أو لا نمتهن مهنة الطب أو الهندسة! لا، الأمة بحاجة إلينا؛ لكن علينا -نحن- أن نخلص، ولا ينافي الإخلاص أنك تطلب هذا العلم أو العمل الدنيوي لوجه الله. لكن عليك أن تحسن النية، أن تعمل لكن ابتغاء ثواب الله، وما يأتيك من أمور الدنيا: من الشهادة، والعمل، والمرتبة، والوظيفة، والترقية؛ فهذا من حظك ومن نصيبك ومن توفيق الله لك، لكن لا يكن قصدك هو هذا، على معنى أنه إن لم يحصل هذا فإنك تحجم. فيا أيها الإخوة! علينا أن نتواصى بهذا الأمر، وفهم الإخلاص يجب أن يكون دقيقاً، وليس معنى الإخلاص ترك العمل، أو ترك الدنيا!! لا، نريد من الإنسان أن يعمل في الوظيفة في التجارة في الطب، وأن يأخذ الشهادات العليا؛ لكن مع ذلك نذكره بإخلاص النية، والعمل لوجه الله، وما يأتي من أمور الدنيا فإنه تبع، ووسيلة وليس هذا هو الهم الأول والأخير، وإنما من وفق: ما أحسن الدين والدنيا إذا اجتمعا وأقبح الكفر والإفلاس في الرجل

стр. 359

أمور مهمة نحتاجها في الإخلاص أيها الإخوة! إن موضوع الإخلاص موضوعٌ مهم وأنا لن أطيل عليكم في هذه الكلمة ويكفي أني أشرت إلى أمورٍ مهمة ينبغي أن نتواصى فيها. أولاً: ينبغي أن يُعنى بهذه القضية المهمة على جميع المستويات في أمور الدعوة، ليست القضايا -فقط- قضايا أخلاق، ولا قضايا سلوك، ولا قضايا فكرية معينة، وإنما القضية قضية إخلاص منهج، وعقيدة خالصة لوجه الله ﵎، وهذا هو المنهج الصحيح يوم أن تعثَّرت المناهج الوافدة، ويوم أن أصبحت كثيرٌ من الاهتمامات يقع فيها الناس تعثراً ووقوعاً فيما لا يرضي، فينبغي على المسلم أن يكون على منهجٍ سليم، وأن يتواصى طلبة العلم، والدعاة إلى الله، والشباب المسلم، والآباء، والأمهات، والتجار، والأغنياء، والفقراء، والمأمورون، والأمراء، كلٌ في عمله، إخلاصاً لوجه الله ﵎. هذا الأمر المهم! أن يُخلص العمل لوجه الله كلٌ في موقعه، أنا لا أعمل للأمير الفلاني أو للوزير أو للمسئول عني في العمل، وإنما أبتغي قبل كل شيء رضا الله ﵎، ثم مع إخلاص المسلم لله لا يُنافي هذا أن يكون مُخلصاً في عمله، فيكون له النصيب الأكبر والقدح المُعلا في وظيفته وعمله، وتكون له السمعة الطيبة والشهرة، لكنها ليست مقصودة، هذه أتت وهي راغمة عندما أخلص العبد لوجه الله . ولهذا ينبغي أن نتواصى في هذا الأمر، وفي أنفسنا، وأن نحسن النية في إخواننا المسلمين، وألا نسيء الظن بأحدٍ من المسلمين، فلا نقول: هذا إنسان منافق، أو هذا إنسان يقصد بكلامه كذا وكذا، أو هذا إنسان يريد دنيا أو يريد منصباً، أو يريد جاهاً؛ لأن المقاصد علمها عند الله، ولا يجوز لنا أن نحكم على مقاصد المسلمين أو على نياتهم، فالنيات لا يعلمها إلا الله، والناس يقعون في الأعراض، لكن يجب على المؤمن ألا يقع في الأعراض، وإن وقع فليستغفر لإخوانه المسلمين، وليدع لهم بظهر الغيب، وليحسن النية، وليحسن القصد في إخوانه المسلمين، لا سيما طلاب العلم والدعاة إلى الله.

стр. 360

الإخلاص في الدعوة والعقيدة كذلك على الدعاة إلى الله أن يسلكوا السلوك الصحيح في الدعوة، وكذلك الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر؛ وليكون أقرب لهم إلى الإخلاص أن يدعو لا ليقول الناس: فلان قويٌ في الحق، أو شجاع، أو أنكر ما لم ينكره غيره، أو تكلم بكذا، أو عُدت أشرطته، أو عد من يحضروه في الحلقة! فهذه ليست هذه مقاييس، وإنما المقياس هو المنهج الصحيح على الكتاب والسنة، وعلى فهم السلف الصالح، والأخذ من العلماء الربانيين، ذوي العمق العلمي، والعقيدة الصحيحة، والتجربة الطويلة في الدعوة إلى الله. أيضاً: على المسلم أن يكون مخلصاً في عمله وفي وظيفته، ومخلصاً في جوانب العقيدة كلها، ومن جوانب العقيدة: أن يكون إخلاصه لله، مبنياً على متابعة لسنة النبي ﷺ ، فالإخلاص وحده لا يكفي بل لا بد من المتابعة، ولا بد أن يكون العمل على وفق السنة، الأقوال والأعمال لا بد أن تكون على وفق السنة العلم والدعوة إلى الله ﵎، أن يكون على منهجٍ سليم وعلى منهج النبي ﷺ الذكر والعبادة ينبغي أن يكون على وفق السنة، فما نفع كثيراً من الناس إخلاصهم لمبادئهم لما لم يتابعوا فيها السنة. فانتبهوا أيها الإخوة! لأن هذين الأمرين شرطان في قبول العمل؛ فإخلاصٌ بلا متابعة لا فائدة فيه، ومتابعة بلا إخلاص لا خير فيها، ولا تكون متابعة إلا إذا توفر فيها الإخلاص لله، كما قال الله : ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ [الملك:٢]. قال الفضيل بن عياض في تفسير قوله تعالى: ﴿أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [الملك:٢] قال: [[أخلصه وأصوبه قالوا: يا أبا علي! وما أخلصه وأصوبه؟ قال: أخلصه: أن يكون لله، وأصوبه: أن يكون على منهج محمدٍ ﷺ ]]. وقد قال الله : ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ [الكهف:١١٠]، ويقول : ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [النساء:١٢٥] قال المفسرون: (أسلم وجهه لله): بإخلاص العمل لله. (وهو محسن) أي: متبعٌ للسنة. فيا أيها الإخوة! حياتنا كلها لا خير فيها إن لم يتحقق فيها جانب الإخلاص. ويا أيها العلماء! عليكم أن تخلصوا لله، ولتجمعوا قلوبكم على منهج محمد بن عبد الله. ويا طلبة العلم! إنه ليس من الإخلاص أن تُعمر المجالس للوقيعة في بعضكم بعضاً، فالإخلاص إخلاصٌك في الدعوة أن تنكر المنكر على أيٍ كان بينك وبينه، ولا تشهر بأحد ولا تدعو إلى اتباع السوءات والنقصات وتكبر وتضخم الهِنات، فالناس بشر كلهم يخطئون ويصيبون؛ لكن عليك أن تناصح إخوانك -في الله- فيما بينك وبينهم، وإن لم يرضوا فالحق يسع الجميع في المسائل الاجتهادية. أما في مسائل الأصول وفي قضايا الاعتقاد فالحق فيها واحد، ينبغي أن يجتمع الناس عليه، ولا يسع الخلاف في القضايا الأصلية وقضايا الاعتقاد. وإننا لنحمد الله ﵎ أن هيأ في هذه البلاد العلماء الصادقين المخلصين -نحسبهم كذلك ولا نزكي على الله أحداً- فينبغي على شبابنا أن يلتحموا معهم، وعلى طلابنا أن يستفيدوا منهم، ومن منهجهم، أعمارهم كلها في الدعوة، ستون سنة، وخمسون سنة، ومع ذلك مخلصون فيها لله، ينصحون لله ولرسوله ولكتابه ولولاة الأمر وللعامة، كلٌ في مجاله؛ ليكون ذلك أقرب وأدعى إلى الإخلاص وقبول النصح وأدعى إلى إنكار المنكر. أما الإنكار العلني فإنه في الحقيقة له أضرار ومفاسد، وليس من الحكمة أن ينبه على أخطاء الناس في المجامع العامة، فالسنة أن يقال: ما بال أقوام؟ لكن فيما بينك وبين ولي الأمر، وفيما بينك وبين المنصوح أياً كان؛ فإنك تنبهه على خطائه بالحكمة والموعظة الحسنة على درجات الإنكار المعروفة، لكن في المجامع العامة يُحذِّر الناس عن الشرك، وعن الرياء، ويحذرون عن ترك الصلاة، وعن كل ما يخالف العقيدة، يحذرون من المحرمات: كالقتل، والربا، والزنا، والمفاسد الأخلاقية كلها يحذرون منها، لكن ينبغي أن يضع الحكيم نفسه، وأن يضع في كل موضعٍ موضعه، وفي كل مقامٍ مقال، ليكون أدعى لقبول عملك وإخلاصه لله، لأن هؤلاء الكثرة الذين يأتون إليك وينظرون إليك كلهم ينظر ما تقول، وبعد ذلك يخرج ليقول: قال فلان كذا، وفلان اليوم لم يُقصِّر في كلمته وتكلم بكذا! لا، ليس المراد هذا؛ بقدر المراد ما يكون منهج صحيح وسليم يحق الحق ويبعد الضرر عني وعنك وعن الدعوة وفيه -أيضاً- إخلاص لله ولرسوله ولولاة أمر المسلمين، بالدعاء لهم بالإخلاص والصلاح والهداية، لأن المسلم لا يدعو لهم لما عندهم من الدنيا، فالدنيا يأتي بها الله، رضي أولئك أم لم يرضوا، ولكنه يدعو لهم قربة إلى الله، عقيدة يعتقدها، وديناً يدين لله به، فإذا صلح ولاة أمر المسلمين صلح الناس. وهكذا ينبغي علينا أيها الإخوة! أن نتواصى في هذا الطريق، وأن نسلك طريق الإخلاص، وأن نعلم أن كثيراً من المشكلات والفتن والمحن التي حلت بأمة الإسلام ما هي إلا نتيجة لمؤثراتٍ جانبت الإخلاص، ولا ينبغي أن يحكم على أحدٍ بعينه، فليتنبه لهذا جيداً، ولكن ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى:٣٠] وقد يبتلي الله العبد، فالابتلاء سنة وتمحيص ورفعة في الدرجات، وتكفيرٌ في السيئات، لكن الرسول ﵊ لما ابتلي، والصحابة لما وقع منهم ما وقع في غزوة أحد قال لهم الله : ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران:١٦٥] لم يقل: هذا من بطش العدو، وهذا من كيدهم، وإنما قال: ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران:١٦٥].

стр. 361

الأسباب الباعثة على الإخلاص فينبغي علينا أن نعود إلى أنفسنا وأن نحاسبها ونسأل الله دائماً الإخلاص وهذه -أيضاً- من الأمور المهمة. ما هي الأسباب الباعثة على الإخلاص؟ الدعاء بالإخلاص في كل قول وعمل، تسأل الله وتلح عليه سراً وجهاراً، ليلاً ونهاراً؛ أن يرزقك الإخلاص، وهذا أمر مهم، الدعاء والالتجاء إلى الله، والاعتصام به، ومجالسة الأخيار الذين يُذكرونك بالله، ويبينون لك ضعف نفسك. كذلك من البواعث والأسباب التي تقوي الإخلاص: الرفقة الصالحة، وطلب العلم من أهله، ومجالسة الصالحين، والذكر والدعاء والعبادة، كلُّ ذلك مما يقوي الإخلاص لله . أيضاً: ينبغي على الإنسان أن يعرف مداخل الشيطان، وهذه من الأمور المهمة التي تُنافي الإخلاص وتُنقصه أو توقع صاحبه في الرياء، على الإنسان أن يحذر عدوه الشيطان بالاستعاذة بالله منه، وأن يبتعد عن الرياء ويدعو الله دائماً أن يُعيذه من الرياء، لكن عليه ألا يترك العمل الصالح لأجل الناس. هناك شبهة: بعض طلبة العلم يترك طلب العلم، ويترك تعليم العلم، ويترك الدعوة إلى الله، ويترك إمامة المساجد، ويقول: هذا أقرب إلى الإخلاص؟! وليس هذا بصحيح، ادع الله! واسأله الإخلاص وأخلص نيتك لله، وقم بهذا العمل. فلا تترك العمل لأجل الناس، ولا تعمل لأجل الناس، بل اعمل ابتغاء وجه الله واترك العمل إذا كان غير صالح وغير خالص، أما إذا كان العمل صالحاً فأقبل ولا تتردد أبداً، واعلم أن ترددك إنما هو من الشيطان. وعلينا أيها الإخوة! أن نتواصى في هذا ونتناصح؛ لنكون أقرب إلى الإخلاص بالأسلوب الحسن وبالحكمة والموعظة الحسنة، وأن نعود إلى أنفسنا. إلى متى يظل الإنسان يتبع الهوى؟! وإلى متى يظل الإنسان يُعجب برأيه؟! وإلى متى يضرب الإنسان بآراء إخوانه عرض الحائط؟ وإلى متى يجر الإنسان لنفسه ولأمته ولإخوانه الشر والفساد؟ لا بد من النظر في نصوص الشريعة ومقاصدها ولا بد من عرض أمورنا على القواعد الشرعية، وألا نتحرك كل التحرك ولا نعمل كل عمل إلا وأمامنا أهل العلم الربانيون المخلصون هكذا نحسبهم ولا نُزكي على الله أحداً. نسأل الله تعالى أن يمنَّ علينا وعليكم بالإخلاص، وأن يجعلنا وإياكم من المخلصين في أقوالنا وأعمالنا ونياتنا، وأن يرزقنا وإياكم صلاح النية، وصلاح الذرية، وصلاح القول والعمل، وأن نكون فيه مخلصين لله، متبعين فيه لسنة رسول الله ﷺ ، وأن يعيذنا من الرياء والسمعة، وأن يرزقنا رضاه وإن سخط الناس. نسأله تعالى أن يرزقنا الحق ويحببنا فيه، ويرزقنا اتباعه، ويجنبنا الباطل ويرزقنا اجتنابه، وأن يجعلنا وإياكم متآخين متعاونين على البر والتقوى، ونشهد الله ﵎ أننا نحبكم في الله، وأننا ندعو لكم وأن حضوركم هذا ما هو إلا دليل على إخلاص وحسن نية إن شاء الله، وما هو إلا دليل على الرغبة في الخير. نسأل الله تعالى أن يجمعنا وإياكم على الخير، وأن يرزقنا وإياكم التآخي والمحبة فيه، مخلصين فيه لوجه الله، فأنتم لا تحبوننا لدنيا عندنا، ونحن لا نحبكم لدنيا عندكم، فالذي يأتي بالدنيا ويصرفها هو الله، يؤتي الملك من يشاء وينزعه ممن يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء، هذا هو الاعتقاد الذي نعتقده، وأنه لا ينفع إلا الله، ولا يضر إلا الله كائناً من كان ذلك الإنسان أو ذلك الأمر. فينبغي علنيا أن نتآخى في الله وأن نتواصى فيه، وأن نخلص النية لله ، وأن نستحضرها في كل أعمالنا، في بيوتنا وأعمالنا ومدارسنا وطلبنا للعلم ودعوتنا وأمرنا بالمعروف ونهينا عن المنكر، في ولائنا لولاة أمرنا وفي غير ذلك من الأمور، كل ذلك نخلص فيه لله ﵎. ونسأله ﵎ أن يمنَّ علينا وعليكم بالقبول، وأن يرزقنا وإياكم جزاء المخلصين في جناتٍ ونهر في مقعد صدقٍ عند مليكٍ مقتدر، بمنه وكرمه. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين.

стр. 362

الأسئلة .

стр. 363

زكاة المال المعد للعلاج السؤال شخص مريض -نسأل الله لنا وله الشفاء- يقول في سؤاله: إنه جمع مبلغاً كبيراً من المال ليتعالج به، ثم إن هذا المال قد حال عليه الحول، فهل عليه زكاة؟ الجواب أولاً: نسأل الله تعالى أن يشفي هذا الأخ السائل ومن كان مسئولاً عنه، وأن يَمنَّ على الجميع بالشفاء من أمراض القلوب، ومن أمراض الأبدان، على أخينا السائل أن يعلم أن الزكاة واجبة في الأموال على حسب شروطٍ معينة معروفة عند أهل العلم، منها: تمام الحول، وملك النصاب ونحو ذلك من الشروط التي ذكرها أهل العلم، فما دام أن هذا المال لك وأنت ادخرته وملكته، فإنه من أموالك ولو ادخرته لأمرٍ من الأمور التي تريدها، وعليك أن تُبادر بالعلاج حتى لا يحول عليه الحول فتلزمك زكاته والله أعلم.

стр. 364

نصيحة لمن يبحث عن عيوب العلماء ويطعن فيهم السؤال أكثر من سائل يريدون توجيهاً إلى بعض الشباب الذين جعلوا ديدنهم البحث عن معايب بعض العلماء والطعن فيهم؟ الجواب على كل حال! هذه قضية مهمة جداً، وينبغي أن يتواصى فيها طلاب العلم؛ لأن المسلم إنما يبحث في هذه الحياة عن رضا الله، وما يقربه إلى الله، وعليه أن يسأل عن الحق الذي يُقربه إلى الله ﵎، ولا ينبغي للإنسان أن يعلم أو يعمل على ضوء أمرٍ يخالف كتاب الله وسنة رسوله ﵊، وطلاب العلم هم القدوة الذين ينبغي أن يقتدي بهم الناس في ضبط أوقاتهم، وعفة ألسنتهم، وسلامة قلوبهم من بعضهم لبعض، الخطأ ينبغي أن يبين للناس كائناً من كان، فليس أحدٌ معصوماً، وكل ابن آدم خطاء، فعلينا أن نبين الخطأ لكن ليس من ضرورة بيان الخطأ أن أقول: أخطأ فلان على الملأ. ينبغي أن يكون بين طلبة العلم ورائدهم الإخلاص لله في كل أعمالهم، في طلبهم للحق وفي بحثهم عنه، وفي تحريهم إياه، وفي السؤال عنه، فلا تقع في عرض مسلم لتتشهى في الوقيعة به، أو لتدمر مجلسك بالغيبة والنميمة لفلان وفلان، هؤلاء لا علينا من أعراضهم، لكن اربطوا أنفسكم -أيها الإخوة- بالمنهج، واربطوا أنفسكم بالدليل، فمن خالف الدليل ينبغي أن يُردَّ عليه، وأن يُعرف مأخذه، وإن كان في المسائل الاجتهادية فلا بأس بعذره، ولا يجعل من وسائل الخلاف الاجتهادية والوسائل التي فيها سعة وللرأي فيها مجال، لا ينبغي أن تكون مثارة خلاف، اختلف الصحابة واختلف الأئمة، ولكن كانت القلوب سليمة. أما المناهج الوافدة، والأحزاب المخالفة للحق، ومن يريدون أن يدعوا إلى أنفسهم، أو يدعوا إلى تكثير سوادهم، والأمة على خطر منهم، فينبغي أن تبين المناهج المخالفة، وإن لم تُسمَّ بأسمائها، وإن لم يسم أصحابها بأشخاصهم، فالأشخاص بينهم وبين الله، فالله هو الذي يطلع على نياتهم ومقاصدهم، فنحن لا نقول: فلان يريد كذا، ولا يريد كذا، لكن عمله وعلمه وسريرته عند الله ﵎. لكني أقول: إن الأسلوب -مثلاً- في مواجهة إنكار المنكر، وما يترتب عليه من ضرر أسلوبٌ خاطئ، وقد جُرِّب في كثير من البلدان فلم ينفع وإنما سبب الضرر، فالعقل والنقل والشرع والقواعد والمقاصد الشرعية كلها تدل على أنه ينبغي أن يوضع لكل مقامٍ مقال، ولا ينافي هذا أن يبين الحق للناس، لكن ليس من الضرورة أن يبين بأسلوبٍ قد يجر عليك وعلى دعوتك وعلى إخوانك المسلمين ضرر، فالبيان والبلاغ درجات ومراتب، وكلٌ يعرف المرتبة المناسبة له، فليس من الحكمة أن تتكلم مع عامة الناس فيما يحتاجه الخاصة، ولا تتكلم مع الخاصة في أمورٍ لا تناسبهم أو بأسلوبٍ لا يناسبهم، فينبغي أن يضع الداعية الحكيم لكل مقام موضوعاً، وحالة تناسبه، ولكل حالة لبوسها، ولكل مقامٍ مقال. ولكن أيها الإخوة! لا ينبغي أن يُؤدِّي الخلاف في وجهات النظر، أو في الآراء، أو في المسائل الاجتهادية أن ينقلب ذلك إلى عداوات شخصية، وإلى إحن وردود، ومخالفات بأساليب، يلتمس القارئ لها أن العاطفة أو الاندفاع أو عدم الأسلوب العلمي الهادئ الرزين المؤصل أنه هو المنهج الذي يسلك في هذا. فعلى كل حال! أوصي نفسي والحاضرين أن نُعمِّر أوقاتنا، وأن نضبط أنفسنا، وأن نحفظ الود لإخواننا في الله مهما خالفونا، هذا ينبغي أن يسير عليه الناس، فليس الناس كلهم نسخة واحدة. أنا أعلم أن في المجلس من يحضر، لكنه قد يكون يرى آراء معينة تخالف رأي المتحدث، لكنه لم يمنعه ذلك من الحضور والسماع، ثم لا يمنعني ذلك أن أقول: إني أحب ذلك الرجل في الله وإن خالف في هذا الرأي ما دام أن عقيدته عقيدة صحيحة، ومنهجه منهج سليم والحمد لله، فعلى ماذا الخلاف؟ إذا كان في الأساليب ووجهات النظر، وكلٌ سيعرف مدى نجاحه في أسلوبه أو عدمه اليوم أو غداً؟ لكننا نتواصى في المنهج الحق، والسير على منهج السلف الصالح، والأخذ من علمائنا -وفقهم الله- فهم أعلم منا وأكثر خبرة وتجربة. ثم علينا أن نحرص على اجتماع الكلمة، وترك الفوضى والاضطراب الفكري، والخلل والبلبلة بين الناس وبين الدعاة، ليست أمراً محموداً لا للمجتمع ولا للبلاد ولا للعباد ولا للدعوة نفسها، فينبغي أن يربأ الناس بأنفسهم عن هذه الأمور، ويعلموا أن كل ضرر يتسبب في أحد من الناس بسبب دعوته وأسلوبه الخاطئ، ينبغي أن يتحمله وأن يراجع نفسه، وأن يستفيد الناس من الناس في الدروس، وأن يكون لهم في الأحداث عبر، ومع ذلك لا يقعون في المجالس عرضة لطلاب العلم، ولا العلماء، فهذا مجانبة للصواب، فيجلسون في المجالس وكأنهم أحمد بن حنبل وابن حجر ويحيى بن معين والذهبي وغيره، ليس هذا بصحيح، وهذا من قلة البضاعة وقلة الإيمان، ويخشى أن يكون ذلك من إفرازات عدم إخلاصهم، فلو أخلصوا لواجهوا، لا تدوس الناس في المجالس، ولا تطرح كرامة الناس وتدوس بكرامتهم في مجالسك الخاصة، وتربي شبابك وأبناءك وأقاربك وإخوانك ومحبيك على هذا، لكنك واجه الناس -إن كنت شجاعاً- بالأسلوب والحجة، فالحكمة ضالة المؤمن. وإن الذي بيني وبين بني أبي وبين بني عمي لمختفٌ جداً فإن أكلوا لحمي وفرت لحومهم وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجداً ولا أحمل الحقد الدفين عليهم وليس شريف القوم من يحمل الحقدا بلينا بأحقاد وحزازات وحسد وبغضاء وأمور لا يعلمها إلا الله، فنسأل الله أن يتداركنا بعفوه، وأن يجمع قلوبنا على طاعته. إلى متى أيها الشباب؟ وإلى متى أيها الدعاة؟ وإلى متى نغتر بمن نعلم أنه يخالف ما عليه السلف الصالح ﵏؟ على أننا ينبغي ألا نخوض في عرض مسلم، وألا نتهم قصد أحد؛ بل نكل الأمور إلى الله، ونكل السرائر إلى الله ، فبئست البضاعة أن تُدِّمر المجالس بالغيبة والنميمة، لا سيما إذا كانت والوقيعة في طلاب العلم وقيعة خطيرة، ولحومهم مسمومة كما قال ذلك ابن عساكر ﵀؛ فعليك أن تحذر من الوقوع فيهم، ويخشى على من هذه حاله أن يُعاجله الله بموت القلب، ولهذا نجد الذين هذه بضاعتهم أعياهم العلم، فلا هم مبرزون في العلم ولا هم مبرزون في الدعوة إلى الله، ولا هم حلوا الساحة ودعوا إلى الله بأسلوبٍ حسن، وإنما يجلسون -فقط- يتفكهون في أعراض الناس وبئست البضاعة!! فعليكم بتقوى الله والخوف من الله. أين الخوف من الله؟ وأين الإيمان وأين الرقابة؟! ألا تخشى أن يسألك الله وأنت تقع في عرض مسلم، قد يكون أتقى وأعلم وأحرص منك على الخير للأمة، وقد يعلم ويعمل وأنت لا تعلم، أتريدون من الناس أن يكشفون أوراقهم في كل مجلس؟! هناك جنود مجهولون ينصحون لله ولرسوله ولولاة أمر المسلمين وللعامة، وينذرون أنفسهم، وهم قد لا يكونون معلومين لدى كثيرٍ من الناس، فعلينا أن نضبط أنفسنا -أيها الإخوة- وتصرفاتنا، وأن نكف عن هذه المجالس التي يكفي أنها معمورة على كبائر الذنوب من الغيبة والحسد والبغضاء. أما إذا كان الأمر لقصد بيان حق أو لبيان خطأ وقع فيه إنسان أو جماعة أو فرد أو أناس؛ فينبغي أن يبين الخطأ، كمنهج ينهج، لكن ليس علينا من الأشخاص ولا من الذوات، وإنما الإنسان يبين الحق ويقصد اتباعه، ويجرد قلبه من الغل والحقد لأحدٍ من إخوانه المسلمين من كانوا. لعل هذا هو المنهج المعتدل الذي أعلمه من منهج سلف هذه الأمة ﵏، وهو الذي عليه مشايخنا وعلماؤنا وفقهم الله، ووفق الجميع لما فيه الخير والسلام.

стр. 365

المناسبة بين البلاء والعقوبة السؤال هل كل ما أصاب الداعية من مصيبة دليلٌ على عدم إخلاصه، أو أن ذلك لابتلائه على قدر الإيمان؟ الجواب هذا سؤال مهم! وفعلاً قد يوقع لبساً عند بعض الإخوة. لا شك أن المؤمن يُبتلى، وأن الله قد كتب الابتلاء وجعله سنة، وأشدكم بلاءً الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل، يُبتلى الرجل على قدر دينه، لكن قد يبكي الإنسان أحياناً لأمرٍ وقع في نفسه، فلا تنافي بين الأمرين، وعليه إذا ابتلي أن يراجع نفسه، فدليل إخلاص الرجل أنه إذا أخطأ أن يتبين له الخطأ، وإذا حصل له ابتلاء عليه أن يلتجئ إلى الله، وأن يخلص ويفوض أمره إلى الله سبحانه: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران:١٦٥]. فمع أنهم علموا أن الابتلاء من الله، لكنهم لم يمنعهم ذلك أن يراجعوا أنفسهم وأنهم قد يكونوا قصروا في أمر من الأمور، فعلى الإنسان أن ينظر في نفسه وينظر في تقصيره، فإن علم أنه ليس منه تقصير فذلك ابتلاء من الله، والله سيرفعه به درجات، ويكفر عنه به سيئات، وليصبر وليحتسب ﴿أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور:٢٢] بلى! كل مسلم يُحب أن يغفر الله له، وأن يعافيه من الابتلاء، لكن لا يعرض الإنسان نفسه للبلاء. أحياناً: قد يعرض الإنسان نفسه للبلاء؛ إما من قلة علمه، أو إما لاستعجاله في أي أمرٍ من الأمور، فيقع في ابتلاء نتيجة أمرٍ في نفسه، فهذا ينبغي أن يعود إلى نفسه لعله استعجل أو لعله أخطأ في الأسلوب، ولعله ولعله من الأسباب التي يُوردها على نفسه، فأهم شيء ما بينك وبين الله، إذا أخطأت أو قد تكون استعجلت، أما وجود الغيرة لدى المسلمين؛ فهذا أمر طيب يشكرون عليه ﴿أتعجبون من غيرة سعد؟! لأنا أغير منه، والله أغير منّي﴾. إن الله يغار، ويجب على المسلم أن تتحرك غريزته وفطرته وأن يتحرك إيمانه حينما يرى أن حرمات الله تنتهك، لكن عليه أن يربط نفسه بالميزان الشرعي، وعليه أن ينكر على حسب حاله واستطاعته، وأن يرجع إلى أهل العلم. أما أن يضيع الإنسان نفسه، ويعرضها ويجعلها في محل التهم، ويستعجل في أمر له فيه أناة، ويقول له أهل العلم: رويدك يا أخي! وقد يتهم العلماء باتهاماتٍ لا تليق، فهذا إنما أوتي من قبل نفسه، فعليه أن يعود إلى نفسه؛ فإن ذلك أدعى إلى أن يراجع نفسه، وأدعى إلى إخلاصه، وليفهم الكلام جيداً، وليفهم هذا التفريق الطيب، ولا ينبغي أن يأخذ كلام المتحدث وكلٌّ يركبه على فهمه، ويقول الشيخ يقصد فلاناً أو يريد فلاناً، كلامنا ليس عن النية، فالنية عند الله، كلامنا في الإخلاص، والإخلاص لله ﵎. فنسأل الله أن يدل الجميع للحق، وأن يجعلنا وإياكم من المتحابين فيه، وأن يجعلنا وإياكم ممن ابتلوا في سبيله، فإن من ابتلي في سبيل الله وفي دعوته وفي إنكاره المنكر فإن هذا -إن شاء الله- خيرٌ له في دينه ودنياه، وقد يكون هذا من الخير أنه يراجع الصواب في بعض المسائل التي قد يكون أخطأ فيها، فإن لم يجد من نفسه خطأ فهذا ابتلاء: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ﴾ [الصافات:١٠٦]، ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [الملك:٢] ابتلاء لرفعة الدرجات، وتكفير السيئات، كما ابتلي الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وكما ابتلي الأئمة والعلماء والجهابذة قديماً وحديثاً في كثيرٍ من البلاد. ونسأل الله تعالى أن يُصلح أحوال المسلمين، وأن يمنَّ علينا وعليهم بالهداية والتوفيق، وأن يُجنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن؛ إنه جوادٌ كريم.

стр. 366

الشيخ عبد الرزاق عفيفي ذكر الشيخ في هذه المادة نبذة عن حياة الشيخ عبد الرزاق عفيفي، تحدث فيها عن مولده ونشأته وطلبه للعلم، ثم تكلم عن حياته في الدعوة إلى الله، وكيف كان يتعامل مع المخالفين له، وكذلك تعرض لحرصه على الخير وحبه للناس وحرصه على النصيحة بحكمة، مبيناً ما تعرض له الشيخ عبد الرزاق من ابتلاءات في حياته مثل: موت ثلاثة من أولاده ووالده وصبره وتجلده، وكذلك مرض الصرع الذي أتاه منذ السابعة من عمره. كما تحدث عن أخلاقه العالية وتواضعه، وأن الدنيا لم تشغله عن الفتاوى والعمل في الدعوة.

стр. 367

أهمية الحديث عن سير العلماء الحمد لله الذي جعل في كل زمانِ فترةٍ من الرسل بقايا من أهل العلم، ينفون عن دين الله تحريف الغالين وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين. وأشهد أن لا إله إلا الله ولي المتقين، وقيوم السماوات والأرَضين، وأشهد أن نبينا وحبيبنا محمداً عبد الله ورسوله، الذي بلغ البلاغ المبين، تركنا على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فصلى الله عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين، وأزواجه أمهات المؤمنين، وصحابته الغر الميامين، والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فيا أيها الإخوة الأحبة في الله: أحييكم بتحية الإسلام: فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته، وأسأل الله ﵎ بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، أن يجعل هذا اللقاء لقاءً طيباً مباركاً فيه، وأن يجعله في ميزان حسنات الجميع، الذين تركوا أعمالهم وأشغالهم في هذه الليلة وأوَوا إلى بيتٍ من بيوت الله ، فهنيئاً لهم أن تحفَّهم الملائكة، وأن تتنزل عليهم السكينة، وأن يذكرهم الله فيمن عنده. نسأل الله ﵎ أن يوفقنا وإياكم لحسن القول والعمل والتطبيق، ونشكر إخواننا في الله، في إدارة مركز الدعوة بمدينة جدة على إسهاماتهم الطيبة، ومن ذلك: الإسهام في هذه المحاضرات القيمة عن تراجم وسير العلماء الصالحين الصادقين الذين عُرِفوا بعلمهم وعُرِفوا بعملهم، وحسن معتقدهم، وعُرِفوا -أيضاً- بمنهجهم الصحيح في العلم والدعوة والحِسبة والإصلاح. أيها الأحبة: إن هذا الموضوع المهم الذي نحن بصدده -موضوع الحديث عن سير علمائنا الأفاضل وأئمتنا الكرام- موضوعٌ في غاية الأهمية، وتأتي أهمية هذا الموضوع من نواحٍِ كثيرة وأسبابٍ متعددة: السبب الأول: أن هؤلاء العلماء في الأمة هم أنوار هُداها، وهم مصابيح دُجاها، وهم الشموع التي تنير طريق العلم والعمل والدعوة إلى الله ، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورِّثوا ديناراً ولا درهماً، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظٍ وافر. فإذا كانت هذه مكانة العلماء، فإن الواجب على الأمة أن تعرف سِيَر علمائها، وأن يرتبط خَلَفُ الأمة بسلفها، وأن ترتبط الأجيال المعاصرة والناشئة في عقب الزمن بعلمائهم الذين ساروا على منهج السلف الصالح ﵏ ورضي عنهم. السبب الثاني: مكانة العلم، فالعلم له مكانةٌ عظيمة، وله منزلةٌ رفيعةٌ في هذا الدين، والجهل ظلامٌ وشؤمٌ وبُعدٌ عن الله : وفي الجهل قبل الموت موتٌ لأهله وأجسامهم قبل القبور قبورُ وإن امرؤٌ لَمْ يحيى بالعلم ميِّتٌ وليس له حتى النشور نشورُ ... ما الفخر إلا لأهل العلم إنهمُ على الهدى لمن استهدى أدلاءُ وقدر كل امرئٍ ما كان يحسنه والجاهلون لأهل العلم أعداءُ ففُزْ بعلمٍ تحيا به أبداً الناس موتى وأهل العلم أحياءُ وأجلُّ من ذلك وأبلغُ قولُ الحق ﵎: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة:١١] ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر:٩] ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨] ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران:١٨]. السبب الثالث: أننا نعيشُ في عصرٍ يمثل عصر غربة الإسلام، وعصر نقص العلماء الذين يسيرون على المنهج الصحيح، وما ذاك إلا لأن كثيراً من العلماء الأبرار انتقلوا من هذه الدار، وهذه ثُلْمَةٌ لا تسد، وفاجعةٌ لا تُعَدُّ ولا تُحَدُّ، فقبض العلماء وموت الأفذاذ من المصائب على الأمة، ويدل ذلك على أن الأمة بحاجةٍ إلى أن تأخذ علم علمائها قبل أن يُفْقَدوا، فإذا انخسفت النجوم وانكسفت وغابت أوشكت أن تضل الهداة. فالعلماء في الأرض بمثابة النجوم في السماء، وفي صحيح البخاري وصحيح مسلم: أن النبي ﷺ يقول: ﴿إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من قلوب الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، فإذا لم يبقَ عالم؛ اتخذ الناس رءوساً جهالاً فسُئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا﴾. هذه الأمور تجسد المسئولية على الأمة وعلى شبابها وطلابها أن يرتبطوا بكبار العلماء قبل أن يُفقَدوا وأن تستفيد الأمة منهم ومن علمهم وفضلهم، وأن تقتبس من نور سيرتهم ما يبين لها طريق الحق، هذا هو الواجب على الأمة الإسلامية وعلى شبابها وطلاب العلم فيها وناشئتها بصفةٍ خاصة. السبب الرابع: أننا نعيش في عصر الفتن، والخلافات وعصرٍ كثُر فيه النزاع والشقاق، وإعجاب كلُّ ذي رأيٍ برأيه، فيجب على الأمة أن تعرف العلم بدليله، وأن تأخذ الحق بناصع حجته وبيانه، وذلك لا يؤديه إلا من رسخت أقدامهم في العلم وثنوا ركبهم، وحنوا ظهورهم سنين عديدة في التحصيل والطلب، ومن ثَمَّ البذل والدعوة والتعليم والجهاد والبلاغ. السبب الخامس: أن الأمة اليوم يوجد من أعدائها مَن يُلَمِّع رموز الباطل ومن يزين للأمة أصنافاً من أهل العفن، الذين هم ضد قيم الأمة وأخلاقها وعقيدتها، فواجب الدعاة إلى الله وواجب العلماء، وطلاب العلم أن يبرزوا أمثال هؤلاء الأئمة للأمة؛ لأن إبرازهم من أقل الواجب علينا تجاههم. السبب السادس: أن هناك فجوةٌ كبيرة -ويؤسفنا أن نقول هذا- بين الشباب وبين علمائهم، فإذا سألتَ كثيراً من الشباب عن كبار علمائهم -لا سيما من تُوفُّوا إلى رحمة الله فستجدُ أن بعضهم لا يعرف عن هؤلاء شيئاً، وهذا والله هو العقوق، أن يظل علماء راسخون وأئمة مهديون، وجهابذةٌ بارزون، أن يظل أولئك في طي النسيان إذا ماتوا!! فيجب على الأمة وعلى العلماء وعلى طلاب العلم أن يبرزوا هؤلاء العلماء للأمة. ويؤسفني أن أقول: إن عَلَمَنا اليوم الذي نريد أن نتحدث عنه -مع أنه مر على وفاته أكثر من عامٍ وثلاثةِ أشهر أو لعام ونصف تقريباً- لم نر من طلاب العلم فينا ولا من المهتمين من أبرز سيرته، أو حرص على إبرازها أو ذكر نشاطه ونتاجه العلمي ومنهجه الدعوي، وذلك من الخطورة بمكان، فإن موت العالِم ثلمة في الأمة، ويجب على هؤلاء العلماء وطلاب العلم أن يكونوا على صلةٍ بعلمائهم فالعلماء هم الذين يبينون الطريق الصحيح للأمة، لا سيما في عصرٍ غلبت فيه الخلافات وكثر فيه النزاع والشقاقات. فيجب علينا -أيها الأحبة في الله- أن نحرص على سير علمائنا، وأن نستفيد منهم، ولهذا قال بعض أهل العلم: "سِيَر العلماء أحب إلينا من كثيرٍ من الفقه"؛ لأن كثيراً من الفقه إغراقٌ في مسائل فرضية أو في مسائل فرعية وجانبية، وقد يكون ليس لها أهمية في مجال العمل والتطبيق، أما سير العلماء -لا سيما إذا عُرفوا بحسن المعتقد وسلامة المنهج- فإبرازهم للأمة هو ترجمانٌ صريحٌ

стр. 368

إنزال أهل العلم منازلهم أيها الأحبة في الله: إن في سير العلماء خبرٌ أيُّ خبر! وإن في تراجم العظماء عبرٌ أيُّ عبر! وإن في أحوال النبلاء مُدَّكَرٌ أيُّ مُدَّكَر! هم صفحةٌ ناصعة ينبغي أن يمتثلها الجيل اليوم وأن يسيروا على ضوئها وأن يقتبسوا من نورها في عصرٍ طغت فيه الماديات، وكثر فيه تلميع أهل الباطل، والإقلال من أهل الخير والحق عند كثيرٍ من الناس، فينبغي أن يُبْرَز أولئك وأن يُبَيَّنوا للأمة لشبابِها وشيبِها، ولعلمائها وعامتِها، ليُعَرَف فضلهم على الأمة. أيها الإخوة: إن في تاريخ الإسلام العظيم كوكبةٌ من علماء الشريعة بذلوا جهودهم للتحصيل العلمي، وبذلوا أنفسهم وأوقاتهم في طلب العلم ونشره وبذله للناس. مِن علماء سلفنا الصالح ﵏ أمثال: الإمام أحمد ﵀، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه العلامة ابن القيم، والأئمة الكرام الذين برزوا في فنونٍ شتى، في فنون العقيدة والفِرَق، والحديث درايةً ورواية، والفقه، والأحكام، وأصول الفقه، واللغة العربية، وعلم التفسير، وعلوم القرآن، وعلم الأدب وغير ذلك من العلوم النافعة. فأمة الإسلام أمةٌ معطاءة خرَّجت العلماء والزعماء والقادة والعظماء والأدباء والنبلاء، وتاريخ الإسلام زاخر بهؤلاء الأئمة، فيجب علينا أن نعرف قدرهم وفضلهم، وأن نستفيد منهم وأن نرتبط بمنهجهم، وأن نسير على ما ساروا عليه؛ لأنهم أسبقُ منا وأرسخ قدماً في العلم، وأكثر خبرةً وتجربة وعمقاً في الأمور والنظر إلى العواقب والحكمة في طريق العلم والدعوة، والموقف من المخالف وما إلى ذلك من الأمور المهمة التي ينبغي علينا جميعاً أن نحرص على تجليتها حينما نتحدث عن سِيَر هؤلاء العلماء. إن في علمائنا المعاصرين من مشائخنا وكبار علمائنا لَمَنهجاً وأسوةً وقدوة ينبغي أن يستفيد شبابنا منهم، وحينما نقول ذلك لا نقول: إننا نغلو بهم، ولا نقول: إننا ندعي لهم العصمة، لكننا نعرف لهم فضلهم وسبقهم ولا خير في أمة لا يعرف شبابُها قدر علمائها، ولا خير في أمة لا يعرف ناشئتُها مكانة كبار علمائها. ويؤسفنا أن نسمع عن هؤلاء العلماء من يقول: إن فيهم وفيهم، وإنهم رجالٌ ونحن رجال، وإنهم لا يعرفون شيئاً من أمور العصر أو أمور الواقع أو غير ذلك من الأمور، وما أُتِيَ أولئك إلا مِن قِبَل جهلهم، وإلا مِن قِبَل سوء أدبهم مع علمائهم وتقديرهم لأهل الفضل منهم، ولا تسأل عما يعيشه هؤلاء من فُرقةً وخلاف وتخبطٍ في الجديد من المشارب والحديث من المذاهب.

стр. 369

مسيرة الشيخ عبد الرزاق عفيفي أيها الأحبة: عَلَمُنا اليوم؛ علمٌ لا كالأعلام، وأقولها بصراحة؛ لأنها عن خبرةٍ وتجربة، وإني لا أكتمكم أن الفرائص ترتعد، وأن الأعصاب تهتز، وأن الدموع تكاد تنسكب، وأن الأفئدة تكاد تضطرب، ونحن نتحدث عن رجل قدَّم لأمته ومجتمعه، وقدم للعالم نتاجاً علمياً وجهوداً جبارة، أصبحت عند كثير من الناس في طي النسيان والكتمان مع شديد الأسف: لعمرك ما الرزية فقدُ مالٍ ولا شاةٌ تموت ولا بعيرُ ولكن الرزية فقد شهمٍ يموتُ لموته بشرٌ كثيرُ ... وما كان هُلْكه هُلْك واحدٍ ولكنه بنيان قومٍ تصدعا الشيخ العلامة والحبر الفهامة شيخنا؛ الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀ من الجيل الذي يُعَد من بقية السلف الصالح ﵏، الذين عرفهم هذا العصر، علماء عاملين، وأئمةً ربانيين، ومجاهدين في سبيل العقيدة الصحيحة وفي سبيل نشرها وبذلها وتعليمها للأمة. الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀ أئمةٌ في إمام؛ إمامٌ في الحديث، لا يُشَّق له غبار، وإمامٌ في الفقه لا يجارى، وإمامٌ في الأصول لا يبارى، وإمامٌ في اللغة، وإمامٌ في علم التفسير وعلم القرآن، ﵀ رحمة الأبرار وجمعنا به في دار كرامته، إنه جوادٌ كريم ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً﴾ [النساء:٦٩]. إن العناصر التي يُتَحَدَّث عنها عند سيرة أي علَمٍ من الأعلام ينبغي أن تكون عناصر متكاملة، ولكن ماذا عساي أن أقول عن اثنتين وتسعين سنة من الجهاد والدعوة والعلم والتعليم والخير بجميع جوانبه، عن اثنتين وتسعين سنة من هذا الجهاد الكبير؟! ماذا أقول في ستين دقيقة أو في تسعين دقيقة؟! إنني لا أريد أن أطيل، وأنا أعد بذلك في أول هذه المحاضرة؛ لأنني لن أوفِ شيخنا ﵀ حقه، لكني أؤكد أن هذه المحاضرة ما هي إلا إشارةٌ ومفتاح، ونعيش فيها مع دقائق مباركة، من سيرة شيخنا ﵀، وحينما نتكلم عن سيرة شيخنا لا يهمنا في حياته الجانب الأسري، ولا يهمنا في حياته الجانب النظري، ولا يهمنا في حياته جانب أكله وغذائه وجانب أموره الشكلية، ورغم أنني سأذكر ذلك، ولكن يهمنا ما هو أهم من ذلك كله وهو: منهج الشيخ ﵀ في عقيدته، ومنهجه في العلم، ومنهجه في التعليم، ومنهجه في النشر والبذل والعطاء، ومنهجه في الدعوة إلى الله ، ومنهجه ومواقفه من ولاة الأمر، وموقفه من العلماء، وموقفه من الجماعات العاملة في حقل الدعوة الإسلامية، ومواقفه من أمورٍ شتى، تبين غزارة علم الشيخ وسليم منهجه ﵀. سأتناول في الحديث باختصار عن شيخنا ﵀، بل سنعطر أسماعنا وسنتوج لقاءنا هذا بذكر شيءٍ من حياته في ضوء النقاط الآتية: أ- اسمه ونسبه. ب- مولده ونشأته. جـ- طلبه للعلم وجهوده في ذلك. د- نبوغه المبكر وذكاؤه وحفظه. هـ- تخرجه ومؤهلاته. وأعماله في التدريس والدعوة. ز- أخلاقه وصفاته. ح- خَلْقُهُ وخُلُقُهْ. ط- شيوخه وأقرانه وتلاميذه. ي- منهجه في العلم والتعليم والدعوة والعقيدة وجهوده في ذلك. ك- احترامه لغيره وموقفه من المخالفين. ل- مواقف ولطائف في حياة الشيخ ﵀. م- ابتلاؤه وصبره. ن- ثناء الناس عليه، وثناؤه على غيره. س- زهده وورعه وتقواه وصلاحه وبُعده عن الأضواء والشهرة. ع- عمقه في العلم وتأصيله. ف- مكانته العلمية وجهوده العملية. ص- مرضه ووفاته. ق- جنازته وعزاؤه. ر- نتاجه العلمي ومؤلفاته، ومنهجه في ذلك. ش- أولاده ومخلفاته ومراثيه وما قيل فيه من ذلك. ت- ثم أخيراً نزف إليكم بشرى ونقترح مقترحات تليق بحياة شيخنا وعلمه ومنزلته ﵀. وأنا أجزم أن هذا الكلام يحتاج إلى ساعاتٍ طويلة، لكني أبشركم أنني لن آخذ في هذا كله أكثر من نصف ساعة، وأجعل لأسئلتكم النصف الآخر أو ما هو أقلّ من ذلك؛ لأنني لا أحب أن أثقل عليكم، ومهما قلتُ من الحديث والكلام فلن أوفي الشيخ حقه، وسأحيلكم إلى بعض المراجع في ذلك، ليستفيد مَن رَغِب الاستزادة من علم الشيخ ومنهجه ﵀. وبادئ ذي بدء أقول: إن كلام أصغر تلاميذ الشيخ فيه لا يوفيه حقه، فهذا المقام الذي أقفه اليوم أمامكم للحديث عن سيرة عالِمِنا المبجل، وإمامنا المفضل الشيخ عبد الرزاق ﵀ لا ينبغي أن يحدث أمثالي عن أمثاله: لا تعرِضَنَّ بذكرنا في ذكرهم ليس الصحيح إذا مشى كالمقعد ما المتحدث عن فضيلته ﵀ إلا أصغر تلاميذه، وفي علمائنا اليوم وفي كبار علمائنا مَن هُم مِن أبر تلاميذ الشيخ وأوثقهم صلةً به، فالشيخ بذل جهده ودعوته، وتعليمه قبل أن يولد المتحدث أمامكم، فكيف أتحدثُ عن شيخي ﵀ وأنا لَمْ أُدْرِك إلا سُنَيَّات عمره الأخيره؛ لكن هو حسن ظنٍ من إخواننا في مركز الدعوة، وهو الحقيقة حرصٌ على أن يفي تلاميذ الشيخ بمكانته وبحقه علينا، وعذري لكبار تلاميذه أنهم اليوم يتسنمون مناصب علمية وإدارية في الأمة قد تحول مشاغلُهم عن الحديث في الشيخ ﵀، لكن ذلك جهد المقل، وعسى أن يكون فيه خيرٌ وبركةٌ إن شاء الله.

стр. 370

نسب الشيخ عبد الرزاق ومولده أما اسم شيخنا ﵀؛ فاسمه: عبد الرزاق بن عفيفي بن عطية النوبي. هذا اسمه كاملاً، والشيخ ﵀ ولد في جمهورية مصر في قريةٍ تُسمى شنشور في محافظة المنوفية، وهذه القرية معروفةٌ بتمسكها بالإسلام وعاطفتها الدينية، ولهذا نشأ الشيخ ﵀ نشأةً دينية وتأصل في الإيمان والتربية الصحيحة على خير ما يتربى عليه ناشئٌ يافع. أما تاريخ ولادة الشيخ ﵀: فقد ولد في العام الثالث والعشرين بعد الثلاثمائة والألف من هجرة النبي المصطفى ﵊.

стр. 371

نشأة الشيخ عبد الرزاق لقد نشأ الشيخ نشأةً دينية ونشأةً علمية، فمنذ صباه ﵀ كان متوجهاً توجهاً دينياً وعلمياً، فالتحق بتحفيظ القرآن الكريم، فحفظ القرآن الكريم منذُ صغره، وهكذا ينشأ الناشئ من العلماء، ينشأ مرتبطاً بكتاب الله ، ومرتبطاً بدستور هذه الأمة، ويؤخذ من هذا: أن علينا أن نربي أبناءنا وناشئتنا على كتاب الله سبحانه. وينشأ ناشئ الفتيان منا على ما كان عوده أبوهُ وما دين الفتى بِحِجى ولكن يعوده التدين أقربوهُ ولنستمع -أيها الإخوة الأحبة- إلى مَن لازم الشيخ وعرفه أكثر مما عرفته أنا، وسأذكر اسمه جزاه الله خيراً في ثنايا هذه المحاضرة، يقول ﵀ وحفظه ووفقه لما فيه الخير وجميع علمائنا والمسلمين جميعاً: في قريةٍ هادئةٍ متواضعة تترابط أُسَرها وتمتزج في كيانٍ واحد وتتنسم عبير الإخاء والود في مجتمعٍ ريفي صغير، هي قرية شنشور، إحدى قرى محافظة المنوفية بـ مصر في هذه القرية ولد الشيخ عبد الرزاق سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة وألف، وكانت النشأة التي تغمرها العاطفة الدينية فتحرك مشاعر الإيمان، وتجعل من الدعوة إلى الله سياجاً حصيناً، وأصبح عبد الرزاق الفتى الموهوب في حفظه للقرآن وإقباله على العلم.

стр. 372

رحلة الشيخ عبد الرزاق في طلب العلم لقد منَّ الله على الشيخ ﵀ منذُ صباه ومنذُ صغره بالحافظة وبالرعاية السليمة وبالذكاء المتوقد وبميله إلى الحفظ مع الفَهم، فكان ﵀ حافظاً لكتاب الله، حافظاً للمتون العلمية في العقيدة والحديث والفقه وغير ذلك من الأمور. ثم بعد أن درس في المدارس الابتدائية، أو ما يُعرف بالكتاتيب التي تحفِّظ كتاب الله والقراءة والكتابة، التحق ﵀ بالأزهر وأنهى الدراسة العليا متخصصاً في الفقه وأصوله، والعالِمية -وهي الشهادة التي تسمى عندنا اليوم: شهادة الدكتوراه- ودرس في الأزهر بعد تخرجه بمعهد الإسكندرية عليه رحمة الله. وقد تدرج الشيخ ﵀ في سلك التعليم فدرس في المعاهد الأزهرية التي تمثل مثلما يمثل عندنا اليوم المدارس المتوسطة والثانوية ثم التحق بجامعة الأزهر -قبل أن تكون جامعة يوم أن كانت جامعاً أزهراً- وتخرج منها مع كوكبةٍ من علماء الأزهر القدامى. فالشيخ ﵀ أثناء تحصيله في مستواه الثانوي والإعدادي، وفي مستواه الجامعي كان معروفاً ﵀ بالحرص على التحصيل والمناقشة والرغبة في الفائدة والأخذ من العلماء والاستفادة منهم عليه رحمة الله. وتخرج من الجامع الأزهر ونال الشهادة العالية، التي هي بمثابة ما يسمى اليوم بالليسانس أو بالبكالوريوس، ثم أخذ التخصص الذي هو الماجستير، ثم نال الشهادة العالمية العالية وهي بما يسمى اليوم وبما يوازي عندنا اليوم شهادة الدكتوراه، فقد بلغ ﵀ من مراحل التعليم أجلَّها وأعظمها وأكبرها في عالَم شهادات اليوم، لكنه ليس طالب شهادة ﵀، ولم يكن يعترف بهذه الأمور، بل كان حريصاً على العلم، وحريصاً على التحصيل وعلى المواصلة حتى في آخر حياته ﵀، حتى وهو على مرضه، كان يُسأل وكان يَسأل، وكان يحرص على التحصيل والإفادة عليه رحمة الله. أيها الأحبة: هذه رحلةٌ زمنية من عمر شيخنا ﵀، وهي تمثل الرحلة العلمية النظامية التي كان الشيخ ﵀ فيها مبدعاً، وكان قد بَزَّ أقرانه، وكان يشار إليه بالبنان بين زملائه ومجالسيه وتلاميذه وأقرانه.

стр. 373

اهتمام الشيخ عبد الرزاق ببناء المساجد ومنذ كان الشيخ ﵀ في مراحله العليا، يمتزج معه روح العلم والعمل والدعوة إلى الله ﵎، فلم يكن مقتصراً على العلم فقط، وإنما كان يحرص على العلم والعمل وعلى التعليم أيضاً، وعلى الدعوة إلى الله ، وهو في قريته وبعد التحاقه بالأزهر، كان ﵀ حريصاً على الدعوة إلى الله، مركزاً على ما يحتاج إليه مجتمعه آنذاك، وهذه غاية معرفة بيئة الداعية لعصره وفقهه لواقعه الذي يعيشه، فالشيخ ﵀ وُجِد في عالَمٍ يموج في كثيرٍ منه بالبعد عن الله وبالوقوع في معتقداتٍ تخالف العقيدة الصحيحة، وبالوقوع في الشركيات والبدع وعبادة القبور والخرافات، فكان ﵀ داعيةً إلى التوحيد وهو في مقاعد التحصيل والعلم والدراسة، وكان له في ذلك أسلوبٌ حسن. ومن أساليبه ﵀ في الدعوة إلى الله أنه كان في قريته حريصاً ﵀ على أن يبني المساجد، وعلى أن يسهم فيها، وأن يوجد في كل مكانٍ من قريته مسجداً يجتمع فيه الناس ويؤدون فيه شعائر الإسلام، ولم يكُ ينظر إلى أن يؤدى فيه شعائر الإسلام فقط، وإنما رأى أن ذلك من رسالة المسجد التي ينبثق منها العلم والتعليم والدعوة إلى الله، وما المسجد إلى بمثابة قلعةِ إيمان وحصنِ فضيلة، ومحلٍّ للدعوة إلى الله وإشعاع النور في بيئةٍ تموج فيها الخرافة والعقيدة المخالفة لعقيدة أهل السنة ﵏. فكان الشيخ ﵀ حريصاً على عمارة المساجد، حتى يذكرون عنه أنه لا يرى صاحب عمارة إلا ويعرض عليه أن يجعل جزءاً منها مسجداً يجتمع فيه المصلون، وكما قلتُ لكم: كان ينظر إلى المسجد على أنه يؤدي رسالةً في التعليم والدعوة عن طريق الخطابة، وعن طريق الدروس، وعن طريق الندوات والمحاضرات. ويذكرون من لطائف ما يُذكر عنه في حسن أسلوبه في الدعوة وهو صغير عليه رحمة الله: أنهم كانوا قد عزموا على بناء مسجد في قريتهم، وكان بجانب المسجد مقهى، وكان صاحب المقهى لا يريدُ لهؤلاء أن يبنوا هذا المسجد، فما كان منه إلا أن عمل خصاماً مع جماعة المسجد، وقام أهل المسجد كلهم يريدون أن يمسكوا بتلابيبه، فما كان من الشيخ ﵀ إلا أن قال: دعوا أمره إليَّ، فذهب إليه ﵀ وهو في سنٍ مبكرة، لكنه كان حريصاً على الدعوة إلى الله وعلى منهج الدعوة الصحيح بالرفق والأسلوب الحسن والحكمة التي هي أحسن، والموعظة الحسنة. فذهب هو ومجموعةٌ قليلةٌ من أهل المسجد ووجهائه إلى صاحب المقهى في مقهاه، وسلموا عليه وجلسوا معه، وأشعروه بالأمان، وأنهم لا يريدون أن يدخلوا معه في خصام، وأنه ابن هذه البلدة التي عُرفت بالدين وعمارة المساجد وما إلى ذلك من الأمور، فتحدث الشيخ معه حديثاً موجزاً وجماعة المسجد ينتظرون من صاحب المقهى أن يضرب الشيخ أو يوقع فيه إيذاءً بأي أنواع الأذى، لكن ما كان من هذا الرجل وقد ذهبوا إليه في وقت المساء، إلى أن أتى معهم ليؤذن في هذا المسجد الذي سعى إلى إغلاقه وعدم السماح ببنائه بجانب مقهاه، فرجع هذا الذي كان مؤذياً للدعوة ومؤذياً لأهل الخير، رجع مؤذناً للمسجد، ولعل هذا من حكمة الشيخ ﵀، فأتاه بأسلوبٍ حسن، وعرض عليه هذا الأمر ولعله قبل، وهذا ينبغي أن يتفطن له أهل الخير والفضل والدعوة والإصلاح.

стр. 374

الشيخ عبد الرزاق رئيساً لجماعة أنصار السنة في مصر الشيخ ﵀ بعد تخرجه درَّس في المعاهد الأزهرية في بعض القرى وفي الإسكندرية، وكان حريصاً ﵀ على السنة، فأنشئت جماعة أنصار السنة في مصر، وهذه جماعة -أقولها بحق- ليست جماعةً حزبية، وإنما هي أُناسٌ نذروا أنفسهم للدعوة إلى الله ولنصرة السنة، وللتركيز على العقيدة الصحيحة وإلى دعوة الناس إلى الوحيَين والتمسك بكتاب الله وسنة رسوله ﵊، وقد رُشِّح الشيخ ﵀ في سنٍ مبكرة نائباً لرئيس جماعة أنصار السنة في الإسكندرية، ثم عين رئيساً لـ جماعة أنصار السنة في مصر كلها، خَلَفاً للشيخ/ محمد حامد الفقي ﵏ جميعاً، فالشيخ ﵀ التحق بالعلم والعمل والدعوة إلى الله وإحياء السنة والتركيز على العقيدة ونبذ البدع والخرافات، كل ذلك بأسلوبٍ حسن وهذا مما يبين الأولويات في الدعوة، وينبغي على الدعاة إلى الله أن يبنوا دعوتهم على الأولويات التي دل عليه الدليل من كتاب الله وسنة رسوله ﵊، وقضية العقيدة هي أم القضايا على الإطلاق، وهي أصل القضايا باتفاق، وهي دعوة الرسل الذين دعوا أقوامهم إلى التوحيد والعقيدة: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥]. ويكفي الشيخ في ذلك شرفاً أنه يسير على منهاج النبوة وعلى مشكاة الرسالة، وعلى منهج الأنبياء في الدعوة إلى الله ﵎.

стр. 375

قدوم الشيخ عبد الرزاق إلى السعودية مَنَّ الله على الشيخ وشَرُف الشيخ وشَرُفَت بلاد الحرمين الشريفين بالشيخ ﵀، فمن نعم الله على هذه الأمة وعلى هذه البلاد وعلى الجزيرة أن هيأ لها الإمام عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود، ﵀، فجمع الله به البلاد والعباد على منهجٍ واحد، فبعد أن ضربت الجزيرة في الفرقة والخلاف وفي القبائل وغير ذلك من الأمور الكثيرة، جمعهم الله على يد الإمام عبد العزيز بن عبد الرحمن ﵀، فقد رأى مع علماء هذه البلاد -وفي مقدمتهم سماحة المفتي السابق الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ ﵀ أن البلاد بحاجةٍ إلى مجموعةٍ من العلماء الذين عُرِفوا بعمقهم العلمي وبحسن منهجهم العقدي وبإثرائهم البلاد وأهلَها بالعلم والتحصيل والتوجيه فكان أن استُقْدِم مجموعةٌ مباركة من علماء الأزهر، مِن أهمِّهم وأولاهم وأفضلهم: شيخنا الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀، ومنهم أيضاً: الشيخ عبد الظاهر أبو السمح إمام الحرم المكي الشريف ﵀، ومنهم: الشيخ محمد بن عبد الرزاق حمزة، ومنهم: الشيخ: محمد خليل الهراس، ومجموعةٌ مباركة من كبار علماء الأزهر المعروفين بحسن عقيدتهم، وحسن منهجهم، فأتوا إلى هذه البلاد المباركة لما افتُتِحت المدارس عن طريق مديرية المعارف آنذاك، وافتتحت دار التوحيد بـ الطائف وافتُتِحت المعاهد العلمية التي هي نواة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية. ففي عام ألفٍ وثلاثمائة وثمانية وستين قَدِم الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀ إلى بلاد الحرمين الشريفين، لم يأتها طالباً للدنيا علم الله، ولم يأتها يريد المنصب، ولم يأتها يريد المال، كما يأتيها كثيرٌ من الناس اليوم ممن لم يصونوا العلم، لكنه أتى إليها حباً في الحرمين وأهلها، وحباً في الإسلام وعلماء الدعوة السلفية الذين ساروا على منهج الدعوة الإصلاحية، منهج الشيخ الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب ﵀، ولا شك أن هذه البلاد المباركة التي هي مأرز الإيمان وموئل العقيدة، عنيت بالمنهج الاعتقادي الصحيح، وكان الشيخ -وهو من كبار علماء السنة في العصر الحاضر- كان حريصاً على أن يكون في ظل هذه البلاد يستفيد منها ويفيد أجيالها وناشئتها. فكان أن شرُفت هذه البلاد به وشرُف بها، وأتى مع كوكبةٍ من علماء الأزهر، وكان لهم بعد الله الفضل والشرف في أن يُخرجوا جيلاً من العلماء.

стр. 376

بعض زملاء الشيخ وطلبته أقول لكم وبصراحة: إن كبار علمائنا اليوم هم من زملاء الشيخ وأقرانه ومن تلاميذه: اسألوا عن الإمام الشيخ العلامة والد الجميع. الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، فلقد كان زميلاً للشيخ وكان ممن أُعجب بالشيخ غاية الإعجاب، حتى إنه رشحه جزاه الله خيراًً نائباً للإفتاء، وعضواً في هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية، فكان أن أحسن الاختيار جزاه الله خيراً وأثابه على أعماله الطيبة. وأيضاً مَن سوى الشيخ عبد العزيز من علمائنا اليوم ومن كبار علمائنا، هم من تلامذة الشيخ جزاه الله خيراً ورحمه، اسألوا عن أهل الطبقة الذين هم اليوم كبار العلماء، والذين هم اليوم قضاة المحاكم وقضاة التمييز، وكبار الدكاترة وأوائل المدرسين والدعاة، هم من تلاميذ الشيخ ﵀، ومنهم على سبيل المثال: معالي الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي، وزير الشئون الإسلامية والأوقاف، فلقد كان من أبرز تلاميذ الشيخ ﵀، وكان الشيخ ﵀ هو الذي أشرف على رسالتيه في الماجستير والدكتوراه، ومنهم أيضاً: الشيخ: صالح بن محمد اللحيدان، والشيخ: عبد الله بن غديان، والشيخ: صالح بن فوزان، والشيخ: عبد الله بن جبرين، والشيخ: عبد الله بن سعود، وغيرهم كثير من كبار علمائنا اليوم، هم تلاميذ الشيخ ﵏، ورحمه الله، وجزاهم الله خيراً وبارك فيهم، ونسأل الله ﵎ أن يجعلهم خير خلفٍ لخير سلف. أيها الإخوة: أرى أن الموضوع كاد يتفلت مني وكنتُ أمسك بزمامه والأمور كثيرة، وأنا أمام بحرٍ لا ساحل له، ولعلي أن أعود إلى ما ذكرته في العناصر، حتى يكون طريقاً للجادة. أعماله في مصر في التدريس والدعوة، والتحاقه بـ جماعة أنصار السنة المحمدية. ومع أن الشيخ ﵀ ممن أُعجِب بهذه الجماعة، إلا أنه كان متعاوناً ومفيداً لسائر الجماعات في الساحة، فلم يكن يتعصب لجماعةٍ معينة، وكان ينظر إلى الجميع بمنظار العدل والإنصاف، وكان يناصح ويبين الخطأ لمن عنده خطأ من الأفراد أو الجماعات بالأسلوب الحسن.

стр. 377

المناصب التي تولاها الشيخ عبد الرزاق قدم إلى المملكة -كما قلتُ- ودرَّس في دار التوحيد، ودرَّس قبلها في المعارف، ثم درَّس في معهد عنيزة العلمي، واستفاد منه شيخنا الشيخ: محمد بن صالح العثيمين ﵀ كما استفاد الشيخ أيضاً من دروس الشيخ: عبد الرحمن بن سعدي في القصيم، وبعدها أيضاً، افتُتح معهد الرياض العلمي في العام السبعين بعد الثلاثمائة والألف، فأُتِي بالشيخ ليدرِّس في هذا المعهد الذي هو نواة للمعاهد العلمية -وهي نواةٌ مباركة- التي أصبحت اليوم جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وقبلها الرئاسة العامة للكليات والمعاهد العلمية، وكان مدير الكليات والمعاهد العلمية الشيخ: عبد اللطيف بن إبراهيم -وهو أخو المفتي الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀ معجباً بالشيخ عبد الرزاق ﵀، فكان أن أسند إليه مهمة اختيار المدرسين، وأيضاً مهمة وضع المناهج في المعاهد العلمية، وفي جامعة الإمام، وفي كلية الشريعة، وفي المعهد العالي للقضاء، وفي الجامعة الإسلامية بـ المدينة المنورة، وذلك يعطيه الثقة من ولاة الأمر ومن علماء هذه البلاد بارك الله فيهم جميعاً. وفي عام ثلاثة وسبعين وثلاثمائة وألف، افتتحت كلية الشريعة بـ الرياض، فطُلِب الشيخ مدرساً فيها لمواد العقيدة، وأصول الفقه، والفقه والتفسير فكان من خير المدرسين ﵀. وفي عام خمسة وثمانين وثلاثمائة وألف افتتح المعهد العالي للقضاء، الذي -كما تعلمون- يؤهل القضاة، فاختير الشيخ ﵀ أول مديرٍ لهذا المعهد، ووضع مناهج هذا المعهد، فكانت مناهج رائدة معروفة تنافس مناهج التعليم العالي في العالم الإسلامي. وفي عام ألف وثلاثمائة وواحد وتسعين، وبعد أن أحيل الشيخ على التقاعد من المعهد العالي للقضاء، حرص شيخنا الشيخ العلامة عبد العزيز بن باز حفظه الله أن يكون الشيخ عبد الرزاق بقربه وبجانبه في إدارة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، وكان الشيخ حفظه الله يحب الشيخ كثيراً ويُثني عليه ويُعجَب بعلمه وعقله وفضله وبُعد نظره ﵀. ففي عام ألف وثلاثمائة وواحد وتسعين عُيِّن الشيخ عبد الرزاق عفيفي نائباً لرئيس اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، وأيضاً عضواً في هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية، وعُرف ﵀ بجده واجتهاده وقيامه بالعمل خير قيام، فقد ضَرَب مثالاً في الرغبة والحرص والاحتساب، فلم يكن للعمل موظفاً يتقاضى أجراً فقط، وإنما كان ﵀ معروفاً بجده واجتهاده إلى أن اعتلت صحته، وهو يقاد بالعربة إلى مكتبه في إدارة البحوث العلمية والإفتاء حتى أقعده المرض، عليه رحمة الله. وقد جاورتُه ﵀، فكان يذهب للعمل أحياناً بعد صلاة الفجر يصلي معنا الفجر ثم ينتظر حتى تشرق الشمس، ثم يذهب إلى العمل، ويجلس في العمل، في الإفتاء، في الدعوة، في تحرير الفتاوى والكتابة فيها، وفي استقبال المستفتين، وفي الأعمال الإدارية والعلمية الكثيرة حتى الساعة الثانية والنصف أو الثالثة، ثم يأتي إلى البيت ويتناول طعام الغداء، ويستريح بعد صلاة العصر قليلاً وبعد صلاة المغرب يفتح أبوابه للراغبين من طلاب العلم؛ والمستفيدين؛ والعامة والخاصة؛ والشباب والشيب؛ والصغار والكبار؛ كلٌ يفد إلى بيته بعد صلاة المغرب من كل يوم. وكان لي أن شَرُفْت بلقاء الشيخ ﵀ في آخر أيامه، وكنت بعد صلاة المغرب أراوده وأختلف إليه لأستفيد من علمه وفضله ﵀، وبعد صلاة العشاء يتناول العشاء ثم يرجع إلى أعماله العلمية وإلى فتاويه والاستعداد العلمي ليوم غد، ثم ينام مبكراً، وفي آخر الليل يستيقظ يصلي ما كتب الله له. وهكذا، بابٌ مفتوح، علمٌ، وفضلٌ، ودعوة، وإصلاح، وحسبة، وأمرٌ بالمعروف ونهيٌ عن المنكر، وفتحُ بابٍ للمستفيدين والراغبين من طلاب العلم ومِن غيرهم، وأشرف على كثير من رسائل الماجستير والدكتوراه، حتى إنه أشرف على مئات الرسائل، وكان أن شرفتُ بإشرافه ﵀ في أول رسالة الماجستير في علم أصول الفقه، ويعلم الله أن السنوات التي قضيتها وهي بمثابة ثلاثٍ أو أربع إلى خمس سنوات من أعز أيام وليالي العمر، ولا أعرف أنني رأيت مثله ومثل شيخنا الشيخ عبد العزيز بن باز -حفظهم الله- فيما جبلهم الله من صفاتٍ متعددة في العلم والتعليم، وبذل النفس، والتحصيل، مع العقل والحصافة، وبُعد النظر، وإنزال الناس منازلهم، والتوجيه بالتي هي أحسن.

стр. 378

أخلاق الشيخ عبد الرزاق عفيفي أما أخلاق الشيخ وصفاته: فكان ﵀ مثالاً في الخُلُق الحسن، ومثالاً في الورع والزهد، لا يعرف الأضواء البته، حتى إن كثيراً من الناس لا يعرفون الشيخ؛ لأن الشيخ ليس صاحب شهرة، ولا صاحب أضواء، وكم يأتيه الإعلاميون من أرباب الصحافة والإذاعة والتلفزة وغيرها ليخرجوه للأمة، لكنه ﵀ يؤثر التواضع والبعد عن الأضواء والشهرة احتساباً، وحتى يكون بعيداً عن الرياء، وحتى يزداد تواضعاً إلى تواضعه ﵀. أما احترام الشيخ لغيره: فكان يحترم المخالِف بشكلٍ كبير، يحترمه أمام الناس وإن خالفه -هذا في مسائل الفروع طبعاً- ففي مسائل الفروع لا يحجر على أحد، حتى إن طلابه ليتمردون عليه أحياناً في الرسائل العلمية، ويقولون له: يا شيخ! نحن نخالفك في هذه المسألة؛ فيقول: أنتم أحرار، وأنتم وما ترون، هذه رسالتكم واكتبوا ما ترونه، لكنَّ رأيي كذا ودليلي كذا، والذي أراه كذا، فيقنعُ بالحجة والبرهان والدليل دون إزعاج، ودون جَلَبة، ودون ضوضاء، ودون انتصارٍ لرأيه، وبدون ردودٍ عقيمة لا تجدي شيئاً، وأيضاً بدون إسفافٍ في القول، أو تَنَزُّلٍ إلى الكلام في أعراض الناس. كان عفَّ اللسان ﵀ عن أعراض الناس، ولا يتكلم إلا بخير، ولا يُرَى إلا ذاكراً لله، معلماً، أو باذلاً للعلم، أو داعياً إلى الله، ولا يسمح لأحدٍ أن يتحدث في مجلسه في أعراض الناس، بل إنه يرى للناس فضلهم وسبقهم، ولا يسمح لأحدٍ أن يتحدث في أعراض الناس أمامه، ومجال النصح مشروع، ومع ذلك كان من أنصح الناس للناس، وإذا رأى على أحدٍ خطأً أو ملحوظةً نبهه على ذلك بحسن أدب، وحسن منطق، وبحجة وبرهان، لا ينتصر لنفسه ولا لرأيه، ولا يسُفُّ في التعامل مع المخالف أو يرميه بالكلام البذيء والفاحش من القول، بل يدعو بالتي هي أحسن عليه رحمة الله، حتى إن بعض تلاميذه في رسائل الماجستير والدكتوراه لَيثبتون أنهم يخالفونه في مسائل، ومع ذلك يجلُّهم ويقدرهم ويحترمهم ويجعل ذلك منهم مزيةً على غيرهم؛ لأنهم متمكنون وحريصون على إثبات شخصيتهم العلمية. أما الموقف من المخالف -إذا كان في أمور الاعتقاد- فإن الشيخ ﵀ لا يجامل أحداً، ولا يعرف المداهنة، لكنه يداري -والمداراة محمودة، والمداهنة مذمومة- لا يداهن وجيهاً لجاهه، ولا غنياً لغناه، ولا شريفاً لشرفه، ولا كبيراً لكِبَره ومنزلته، لكنه يبين بالحسنى، ويتلطف مع الناس بالأسلوب الحسن، ويصل إلى ما يريد بالأسلوب المناسب، حتى مع الجماعات المخالفة يبين ما لها وما عليها، عليه رحمة الله. وهناك مواقف ولطائف في حياة الشيخ، وفي تحصيله وبذله، وفي نشره للعلم، وفي معرفته وفراسته ﵀. الشيخ ﵀ ذو بالٍ واسع، ورجلٌ موسوعي، رجلٌ مهيب، أخلاقُه وخُلُقُه وخْلْقُه جَبَلَه الله على أحسن ما جبل عليه عباده الصالحين.

стр. 379

صفات الشيخ الخَلْقِية أما خَلْقُه وصفاته الخلقية: فكان الشيخ ربعةً بل إلى الطول قليلاً عليه رحمة الله، وكان ذا هيبة، وذا وقار، يهابه كل مَن يراه أو يجلس معه، وكان ﵀ متمسكاً بالسنة في مظهره، فلحيته طويلةٌ وكثة، ولا يأخذ منها شيئاً، ولباسه على حسب السنة، وكان ﵀ يطبق السنة تطبيقاً علمياً وعملياً عليه رحمة الله، وكان أبيض البشرة. أخلاقه متعددة، وما جبله الله عليه من السجايا الحميدة كثيرة أهمها: أن الشيخ ﵀ زَهِدَ في الدنيا، بيتُه المتواضع في بعض الأحياء الشعبية في الرياض، مَن يراه لا يليق بيته بأقل تلاميذه، ومجلسه متواضعٌ جداً، وهِنْدامه وشكله متواضعٌ جداً، لا يتعالى ولا يبين لكَ موقفه أنه دخلت عليه الدنيا أو غمرته بشهواتها ودرهمها ودينارها، بل إنه ﵀ كان لجوده وكرمه قد لا يدخر شيئاً من أمواله إلا ما يدخره لأبنائه، حتى إن بعض طلابه في كلية الشريعة، والمعهد العالي للقضاء ممن حالهم من الحال المتوسطة كان يسامحهم، ويعطيهم من أمواله، وكان ينفق عليهم ﵀، ويؤثرهم على نفسه. وأما علم الشيخ وفتاواه: فقد ذُكر عنه أيضاً أنه وقَّع على أكثر من أربع عشرة ألف فتوى في هيئة الإفتاء، أو اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد كما كانت سابقة.

стр. 380

بعض اللطائف من حياة الشيخ عفيفي هناك لطائف، والشيخ ﵀ له فراسة بالسائلين، وله فراسة بالناس، ولا يسمح لأحدٍ أحياناً أن يقل أدبه أمامه. يُذكر أن رجلاً من البادية أتى الشيخ في موسم الحج، فقال له: يا شيخ! إن ابني هذا صغير وقد أحرمت عنه، ولكن ابني مشاغب، فيفتيه الشيخ ويعلمه بأنك إن أردت الإحرام لابنك فلا بأس، فتمنعه من المحظورات، فيذهب الرجل ثم يرجع إلى الشيخ ويقول: يا شيخ! ابني فعل كذا، ثم الثانية ثم الثالثة، قال له الشيخ: وماذا أقول إذا كان ابنك بهيمة؟ فالشيخ ﵀ أسلوبُه هذا تربوي: ليس غضاً ولا فضاً، هو عَمِل للرجل فقابله وبيَّن له، ثم قابله ثانية، ثم قابله ثالثة، فكان من هذا المستفتي أدباً أن يعرف أدب الشيخ وأن يقدر مشاغله وظروفه وكثرة السائلين، فما كان من الشيخ إلا أن أعطاه درساً تربوياً، حرص بعده الرجل على تربية ابنه وألا يعود به إلى الشيخ، هذه من المواقف واللطائف التي تُذكر في أسلوبه التربوي التعليمي والدعوي. ومن مواقفه أيضاً: أنه أحياناً يتفقد أبناءه في المعهد العالي للقضاء وفي كلية الشريعة، فإذا رأى من أحدهم انحرافاً في بعض التصوُّر، أو بعض السلوك، قال له: يا فلان! احذر أن تسقط من الزنبيل، هكذا يقول، والطالب يعرف مراد الشيخ، والطلاب يعرفون مراد الشيخ، وهذا أسلوبٌ مناسب في أن الرجل يعود إلى نفسه وأن يصلح من حاله فيقول له: احذر أن تسقط من الزنبيل. يأتيه بعض الطلاب من الذين عندهم -أحياناً- شغبٌ وفوضى في الطلب فيكثرون عليه، وأحياناً تنعكس بعض المفاهيم وتختلف بعض المعايير، فكان ﵀ يقول: إن بعض هؤلاء كنبت البصل، رجلاه إلى أعلى ورأسه إلى أسفل. وهذا يبين أن الشيخ ﵀ كان متفرساً في الناس، وكان أيضاً يتخذ الأسلوب التعليمي التربوي. وكان يهابه كل من يسأله، لكنه مع ذلك كان منشرح الصدر لكل من يسأله، ويفتح صدره وبابه، حتى إنه يُسأل وهو على فراش المرض فيجيب، لكنه إذا رأى وتفرس في السائل أنه يحتاج إلى لذعة تكون أسلوباً تربوياً فإنه يبين له لعل ذلك يفيده في حياته.

стр. 381

ابتلاءات حصلت للشيخ عبد الرزاق مرت في حياة الشيخ مواقف، فابتُلي في هذه الدنيا، ببلاء المرض، فكان يصاب بالصرع وهو منذ سبع سنوات، وكان أصيب بالشلل مرتين، وأصيب أخيراً بالسكَّر وضغط الدم، وضعف في أجهزة الكبد والكلى، حتى توفي ﵀، ومع هذا كان الشيخ صابراً محتسباً متجلداً لا يعرف من يواجهه أو يلاقيه أن به مصيبة، وهذا من تجلد المؤمن قال رسول ﷺ : ﴿عجباً لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير﴾. وابتلي الشيخ ﵀ بفقد الولد، فلقد كان له خمسةٌ أبناء ثلاثةٌ منهم، توفوا والشيخ على قيد الحياة، هم أحمد أكبر الأولاد، وعبد الله وعبد الرحمن ﵏ جميعاً، لكن الوالد، انظر إلى موقف الوالد، الصابر المحتسب، تأتيه رسالة وهو يدرِّس في المعهد العلمي، فيفتح الرسالة في استراحة المدرسين -بين الحصص- فلا يزيد إلا أن يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله! إنا لله وإنا إليه راجعون! ويغلق الرسالة ويذهب يدرِّس الدرس الذي عليه بعد أن يسمع المصيبة، ماذا بالشيخ؟ توفي ولده ﵀. توفي أكبر أولاد الشيخ وهو في المعهد العالي للقضاء، جاءه خبره وذهب الشيخ كعادته يدرِّس في المعهد العالي للقضاء في يوم خبر وفاة ابنه ودخل إلى القاعة ودرَّس الطلاب في مادة التفسير، ودرسهم وكأن الشيخ ليس به شيءٌ البتة، ولم يُرَ عليه تلعثم ولا تلكؤ، بل أعطاهم المادة العليمة كخير ما تؤدى، وبعد ذلك يطرح عليه الطلاب الأسئلة الطلاب، فما إن خرج الشيخ من القاعة حتى توافد عليه إدارة المعهد والمدرسون يعزونه في وفاة ابنه الذي جاء خبر وفاته في ذلك اليوم. فيقول الطلاب: ليست دهشتنا من موت ابن الشيخ، وليست دهشتنا من أن الشيخ جاء ليدرس؛ لكن دهشتنا وانبهارنا من صبر الشيخ وتجلده! وكأنَّ شيئاً لم يكن، يرضى بقضاء الله وقدره، ولا يقعده ذلك عن العمل. لم يجلس ثلاثة أيام، ولم يجلس ليأخذ إجازة؛ لأنه جاءته مصيبة. يُتوفى ابنُه عبد الله -أيضاً- بسكتةٍ قلبية، ويموت أحب أبنائه إليه عبد الرحمن وكان زميلاً لنا في الكلية، يموت بحادث والشيخ متجلد وصابر ﵀، لم يظهر منه جزعٌ البتة، وكان لا يزيد على أن يسترجع. نسأل الله ﵎ أن يرفع منزلته ويجعل ذلك في ميزان حسناته بمنه وكرمه.

стр. 382

ثناء الناس على الشيخ عبد الرزاق الشيخ ﵀ ممن كَتَب الله له القبول في الأرض، ووضع الله له محبة الناس على اختلاف درجاتهم، فمِن الملك إلى أصغر الناس كان يحظى بتقديرهم، وثناء الناس عليه، الملك عبد العزيز ﵀ كان له درس في قصره في يوم الأربعاء ليلة الخميس، وكان العلماء يجتمعون عنده، وكان يطلب من الشيخ عبد الرزاق ﵀ أن يلقي درساً وموعظة فيستريح لها الملك ويدعو له كثيراً. نال الشيخ شهادة تقدير من ملك مصر فؤاد، ومن ملكها فاروق على مستوىً كبير، وما ذاك إلا لإخلاصه وحرصه ورغبته ونشاطه وإفادته البلاد والعباد بمنهجٍ سليم. وما عرفتُ أحداً إلا ويُثني على الشيخ وطلابه وتلاميذه يثنون عليه كثيراً. وهو كذلك يُثني على غيره، يحبُّ غيره ولا يتكلم في عرض أحد، بل يذكر الناس بالخير والجميل. والحقيقة أني لا أريد الإفاضة، لكني سأقتصر فيما بقي على اختصارٍ شديد. والشيخ عنده من الورع ما لا يوجد عند كثيرٍ من علمائنا اليوم، لا في منزله، ولا في بيته، ولا في سيارته، ولم يعرف ما عرفه الناس من خدم وحشم وسائقين وسيارات، وقصور، إلى غير ذلك من الأمور، بل آثر ما عند الله ﵎. وأيضاً مِن أهم جوانب حياة الشيخ: بُعده عن الأضواء والشهرة والظهور. ومن أهم منهج الشيخ أيضاً، وما يتميز به: أنه رجل موسوعي عميق العلم، عميق العلم في الاعتقاد، إذا تحدث كأنك تسمع وتقرأ لشيخ الإسلام ابن تيمية، وأقول ذلك بلا مبالغة، حتى إنه ﵀ يقول: أنا ما رأيت من العلماء مثل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، ما قرأتُ لعالمٍ من علماء السلف إلا وأرى أن له سلف، لكن شيخ الإسلام ﵀ كان يأتي بمنهجٍ سليمٍ مؤصَّل، على ضوء الكتاب والسنة، على ضوء صحيح المنقول وصريح المعقول. كان الشيخ ﵀ قليل الكلام، لكنه يتكلم بمجامع وجوامع الكلم، يتحدث بما يفيد، لا يعرف الثرثرة، ولا كثرة الكلام، ولا الكلام الإنشائي الذي يستطيع أقرانه ويستطيع أصغر الناس اليوم أن يتحدث به ساعاتٍ طويلة؛ لكنك لا تجد طائلاً منه، أما الشيخ فيتكلم كلاماً قليلاً لكن لو أراد الناس أن يشرحوها لشرحوها في كتب ومجلدات. كان الشيخ يؤصِّل تأصيلاً علمياً، يعتني بالدليل، ويؤصِّل المسائل، وكان الشيخ يعتني بتحرير الخلاف وتحرير محل النزاع وتحقيق المناط في المسائل، يرى أن ذلك يغني عن كلامٍ كثير في عدد من المسائل، حتى لربما أتاه الطلاب فكان يقول: انظر المسألة في كتاب كذا وكذا. كان الشيخ ﵀ لا يعتني بكثرة الكتب، ولم تكن عنده مكتبةٌ كبيرة، بل كان عنده أمهات الكتب فقط، وكان يحرص على أن يقرأ القرآن ويقرأ كتب السنة والأمهات، ولا يعتني بالكتب المعاصرة البتة، ويرى أنها لا تفيد، على كل حال هذا رأي الشيخ ﵀؛ لأنه يرى أن الأول لم يترك للآخِر شيئاً؛ لكن لا يمنع أن يستفيد الإنسان من كتب غيره؛ لكن أقصد أن هذه الكتب التي يعتني بها الناس اليوم -الكتب الفكرية، وحتى الكتب المعاصرة، وحتى الكتب العلمية- يرى أن الأوائل كفَوا في هذا المجال. وكان ﵀ يحفظ كثيراً، حتى إنه في السنين الأخيرة قد لا يطالع كتباً، وكان يقرأ من حفظه، وكان يدرس من حفظه، وما ذاك إلا لذكائه وموهبته وسعة حافظته ﵀.

стр. 383

منهج الشيخ العلمي والدعوي مما ينبغي أن يُذكر أيضاً: منهج الشيخ: منهجه في العقيدة، لا يعرف الذبذبة واللف والدوران، صاحب منهج توحيد، وعقيدة سلفية صحيحة، دليله (قال الله، قال رسوله) أثر، ونص من القرآن أو من السنة، ومنهج السلف الصالح، فلم يتميع في هذه الأمور ولم يتذبذب في المسائل، وإنما كان على رأيه، وكان يعتني بالتوحيد غاية العناية تعليماً ونشراً ودعوةً إلى الله ﵎ حتى نفع الله به نفعاً عظيماً. وأيضاً من منهج الشيخ: منهجه الدعوي، وله رسالة في هذا، اسمها: الطريقة المثلى في الدعوة إلى الله، تكلَّم عن الدعوة بوجهها المشرق، وبين مكانة الداعية، وأسلوب الداعية الصحيح، مؤصِّلاً وناظراً إلى دعوة الرسل عليهم الصلاة والسلام، عنايةً بالتوحيد والأسلوبِ الحسن، وما قصته التي ذكرنا إلا دليلٌ على حسن أسلوبه ﵀، فكان لا يواجه؛ لاقتناعه ﵀ أن المواجهة أحياناً قد تضر ولا تنفع، لكنه يصل سراً إلى ما يريد من الوصول إلى الخير، والوصول إلى الهدف، دون أن يرى الناس، وبدون جلبة ولا ضوضاء، وكان لا يحب الجماهير ولا يحب الظهور، ولا يحب كثرة الناس، كما يتطلع إلى ذلك غيره من الناس، وهذا مما يؤكد تواضعه ﵀ وإخلاصه وبعده عن الرياء والظهور والشهرة. وأيضاً: كان الشيخ ﵀ له موقف في الإصلاح والدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يتمشى مع مقاصد الشريعة، وقواعد الدين، ومقاصد الإسلام، لم يكن الشيخ عَجِلاً، ولم يكن الشيخ مندفعاً بل كان عاقلاً حصيفاً بعيد النظر في الأمور، حتى إنه لتأتيه الجماعة الذين هم من نبتٍ كنبت البصل الذين أرجلهم إلى أعلى ورءوسهم إلى أسفل، فيحثهم على التلطف والرفق بالناس وحسن التوجيه؛ لأن الداعية يريد الخير للأمة، لا يريد أن يُحدِث من دعوته ما هو أشد ضرراً وأكثر فتنة، فقد يكون أحياناً إنكار المنكر، إذا كان بأسلوبٍ ليس بسليم قد يأتي بضررٍ وعواقب وخيمة، فكان الشيخ ﵀ مع أنه لا يخاف في الله لومة لائم، وكان يقول الحق ويغار على حرمات الأمة وعلى عقيدتها وقيمها لكنه لا يندفع، يغار الغيرة المتعقلة والمنضبطة، وكان مع ذلك ينصح الخاص والعام، يكاتِب الولاة والمسئولين ويبين لهم ويعظهم، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ولا يُقِر منكراً ولا باطلاً؛ لكنه كان يسلك الأسلوب الحسن، مَن يراه في عالمنا اليوم، وفي تصنيفات الناس اليوم يراه مداهناً، ويراه أنه لا يتكلم بحق، ويراه مجاملاً، ويراه قد رضي بالدرهم والدينار، لكنه في الحقيقة كان مجاهداً قوياً في الحق، لا يخاف في الله لومة لائم؛ لكنه في بُعدٍ عن الأضواء والشهرة والجمهرة، وحتى أمام مجامع الناس لا يتكلم، إذا أراد أن ينصح المسئول نصحه بينه وبينه، وإذا رأى في مسئولٍ أو في أحدٍ مِمَّن لهم الأمر كاتبه وناصحه وبيَّن له، أو عن طريق سماحة الوالد الشيخ عبد العزيز، أو ما إلى ذلك من الأساليب الناجحة التي تفيد في إزالة الضرر، وتحصيل الخير، ولا تحدث شكاً ولا رِيبةً ولا إثارةً ولا فتنةً ولا بلبلة. والشيخ ﵀ يرى من ذلك مقصداً من مقاصد الشريعة وهو جمع كلمة المسلمين، وعدم الإثارة والفتن، وعدم الخلافات، وعدم إيغار الصدور، فكان ﵀ يحرص على المنهج السليم في دعوته وإصلاحه وحِسبته وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر. وكان الشيخ ﵀ مجاهداً صابراً عالماً معلِّماً، تخرج على يديه التلاميذ الكبار ممن عددتُ لكم.

стр. 384

منهج الشيخ في التأليف وكان ﵀ لا يرى التأليف، كان ﵀ مع غزارة علمه، وسعة إدراكه، وأنه بحرٌ في كثيرٍ من العلوم وموسوعي المعارف والعلوم لكنه كان لا يحب التأليف. كان الطلاب يأتونه ويقولون له: يا شيخ عبد الرزاق! لماذا لا تؤلف؟ فكان ﵀، يهز كتفه ويقول: حاجتنا إلى القراءة والإطلاع أكثر من حاجتنا إلى التأليف، وهذا صحيح، فالأرفف اليوم كثيرة وممتلئة من الكتب، والعالَم تؤلف والمطابع تنشر، وأصبح عالَم التأليف اليوم عالَم مليء بالعجائب. أين الناس الذين هم على عشرين سنة وعلى ثلاثين سنة وعلى أقل وأكثر في المراحل الجامعية والثانوية؟ أصبحوا الآن مؤلفين، وأصبحوا يردون على غيرهم في عددٍ من المسائل، ينبغي أن يستفيد هؤلاء من منهجٍ أولئك ﵏، وأنا مع مخالفتي للشيخ ﵀ في هذه المسألة إلا أنني لا أرى أن يتصدر الإنسان في التأليف، ولكن عليه أن يؤلف، وعليه أن ينشر علمه حتى يستفيد الناس منه، ومدار ذلك على إخلاص النية، وعلى نية المؤلف، فالشيخ ﵀ كان لا يحب التأليف وكان يقول: عندنا من الكتب ما يكفي ولم يترك الأول للآخِر شيئاً. ما عُرف عنه من الكتب والتراث العلمي إلا أشياء قليلة، لكنها تكتَب بماء الذهب، وهي الآن لو تولاها العلماء وطلاب العلم شرحاً وتعليقاً لؤلِّف منها مجلدات منها: مذكرة في التوحيد درِّست في المعاهد العلمية والكليات، وهي مذكرة في بيان توحيد العبادة، التوحيد الصحيح الذي هو حق الله على العبيد في عالمٍ يموج اليوم بسائر المعبودات من دون الله ﵎.

стр. 385

منهج الشيخ في توحيد الأسماء والصفات لقد بيَّن هذا، ورد على المعتزلة والأشاعرة بالأسلوب العلمي، والشيخ لا يعرف الرد على الأشخاص لذواتهم؛ لكنه يرد لبيان الحق، يرد لبيان المنهج الصحيح، ويرد على الطوائف والفرق وإن لَمْ يسمِّ، لكنه يؤصِّل منهج السلف الصالح تأصيلاً صحيحاً وحقيقياً وكافياً وشافياً لا يحتاج -في نظري- مَن قرأه إلى غيره، وحين تقرأ في كتبه كأنك تقرأ لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ الذي كان الشيخ محباً له ومغرماً بقراءة كتبه، حتى إني أكاد أقول: إنه استظهر كتب شيخ الإسلام ابن تيمية وكتب ابن القيم ﵀. وللشيخ أيضاً: (حاشية على تفسير الجلالين)، بيَّن فيها الخطأ في تفسير الجلالين في مسائل في الاعتقاد -لا سيما في الأسماء والصفات- بأسلوبٍ علمي، ﵀. ومما يُذكر عنه في مواقفه أنه في مصر كان هناك كلامٌ كثير حول قضايا الصفات، وقضية الاستواء، وكان كثيرٌ من علماء الأزهر ينحَون منحىً آخر في هذا، خلاف منهج السلف، وكان الشيخ ﵀ يبين مذهب السلف، وحتى كان بعض الذين يسيرون على منهج السلف، كانوا يواجهون أولئك بخصومات ومشاكل إلى درجة أنها أحياناً ترتفع أصوات في المسجد، فالشيخ ﵀ بأسلوبه يعلن عن محاضرة في منهج السلف في الصفات مثلاً أو الاستواء عند أهل السنة، فيأتي لمسألة الاستواء، فلا يقول فيها: قال بعض الناس كذا وأخطئوا في كذا، لا. بل يذكر المسألة، بدليلها وأقوال السلف فيها بالنقول، ويذكر ذلك حتى يخرج السامع إذا كان أشعرياً أو معتزلياً وقد رجع إلى عقيدة السلف، ولا يتكلم الشيخ فيه بأي شيء، وهذا منهج يحتاجه الدعاة إلى الله والعلماء، وطلاب العلم اليوم أحوج ما يكونون؛ لأننا نعاني من عدم منهجية صحيحة في الردود، وعدم ضوابط مناسبة يتخذها كثيرٌ من الناس، مما قد يضر ذلك، ويوغر الصدور ويفرق الكلمة أكثر مما ينفع. وقد ظل الشيخ ﵀ داعيةً مجاهداً صابراً محتسباً باذلاً نفسه إلى الأمة ماشياً في حوائج الناس وشفاعاتهم والكرم والبذل لهم، وفتح بابه للراغبين والطالبين والمستفتين، وشارك في مواسم الحج في التوعية بالحج سنين عدداً، وكان مخيمه في منى مفتوحاً للمستفتين والمستفيدين من طلاب العلم ومن العلماء ومن عامة الناس ومن سائر ضيوف وحجاج بيت الله الحرام وغيرهم، فكان الشيخ على ذلك إلى أن مرض ﵀ مرضاً في آخر حياته، وكان الشيخ ﵀ في مرضه ذلك مثالاً للتجلد والصبر والاحتساب حتى إن الولاة والعلماء والمحبين يشفقون عليه ويقولون: يا شيخ عبد الرزاق! جسمك وصحتك وراحتك أولى لنا، ولكنه مع ذلك من بعد صلاة الفجر يُدَف على العربة حتى يوصل إلى المكتب، فأمامه سيل من المعاملات ويفتي ويحرر ويكتب ويبين للأمة حتى نفع الله به نفعاً عظيماً.

стр. 386

الإنتاج العلمي للشيخ عبد الرزاق أقول: من نتاجه العلمي أيضاً -وإن كان مقلاً- تعليقٌ مِن أحسن ما رأت عيناي في علم الأصول: (تعليق على كتاب الأحكام في أصول الأحكام للآمدي)، علَّق عليه الشيخ عبد الرزاق تعليقات زُبَدٌ، تكتب بماء الذهب، وترك علم الكلام، ترك علم المنطق، ترك الإغراق في العقليات، وأصَّل علم الأصول زُبَداً على منهج الكتاب والسنة، والسلف الصالح، قاعدة ومثال؛ دليل وتطبيق؛ أصل، وفرع، وخذ على ذلك، أما الإغراق في علم الكلام والجدل فكان الشيخ بعيداً عنه؛ لأن الشيخ ﵀ تربى على الأثر. وللشيخ ﵀ تحقيقات خفيفة، وكتابات قليلة: حقَّق كتاب (العلو للعلي الغفار) للذهبي، ووضع تعليقاتٍ يسيرة على (العقيدة الطحاوية) وأرجع كل ما فيها إلى كتب شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم ﵀، وعلق على (العقيدة الواسطية)، وعلى (الفتوى الحموية)، وعلق على كتاب الاعتقاد في (سنن البيهقي)، كل ذلك يُكتب بماء الذهب لكنه قليل ومحفوظ. له كتابات في مجلة التوحيد ومجلة الهدي النبوي من أحسن ما يكتب، وينبغي أن يستفاد فيها، والحقيقة: أنه يُقترح أن يكون هناك دورات وجلسات وحِلَقٌ علمية يُستفاد فيها من منهج الشيخ ﵀، وإفادته في هذه المجالات كلها، وإني لأقترح على رئاسة الإفتاء وعلى جامعة الإمام وعلى وزارة الشئون الإسلامية والأوقاف -وكل أولئك هم زملاؤه وتلاميذه- أن يحرصوا على جمع فتاوى الشيخ ﵀ وكتاباته وتُخرج في كتابٍ موسوعي كبير يستفيد منه طلاب العلم، وإني لأرى على الجامعات في جميع أقسامها أن تُعنى بالاستفادة من منهج الشيخ، وأن يقدم في الشيخ وجهوده في العقيدة ومنهجه في العلم والدعوة ومنهجه أيضاً في علم الأصول، وردوده على الفرق المخالفة وطريقته في الدعوة والإصلاح، وموقفه من مسائل معاصرة، وله فيها إسهامات كبيرة، أقترح أن يُكتب عنه في كل مجال من هذه رسالة ماجستير أو دكتوراه: الشيخ عبد الرزاق عفيفي وجهوده في الدعوة. لماذا يلمَّع أناسٌ ما وصلوا إلى الركب في علم الشيخ، ومع هذا تجدهم الآن لهم صولة وجولة، ولمعان عند كثير من شبابنا وأبنائنا، وتجد أن الشيخ لا يُعرف له قدره وحقه في هذا، الشيخ جدير بأن يكتب فيه عشرات الرسائل العلمية، في كل منهجٍ ومجالٍ من المجالات وليس هذا والله بكثيرٍ عليه. وأنا أرجو إن شاء الله أن تكون هذه المحاضرة والكلمات المتواضعة نواةً لتأليف رسالة عن الشيخ ﵀، وأزف لكم بشرى أن هناك كتاباً مجلداً سيخرج عما قريب، لفضيلة الشيخ محمد أحمد السيد أحمد، المدرس في دار الحديث الخيرية الذي كتب عن الشيخ محمد نصيف ﵀، وهو زميلٌ للشيخ أيضاً، وكان الشيخ يجله ويكرمه، والذي كتب عن الشيخ محمد نصيف سيكتب عن الشيخ عبد الرزاق عفيفي وجهوده في هذا المجال، في المجالات العلمية والدعوية والإصلاحية، وما إلى ذلك من الأمور المهمة. أرجو أن أكون قد وفقت إلى إلقاء إطلالة على حياة الشيخ ﵀.

стр. 387

حياة الشيخ عبد الرزاق الاجتماعية أما قضية جانب بيته وأسرته: فكان الشيخ أيضاً حريصاً على بيته وأسرته لم يشغله العلم والدعوة عن بيته وأسرته، فقد كان حريصاً على حسن العشرة، وكان حريصاً على الأدب ورعاية شئون زوجه، وهذا يبين موقفه من المرأة، فقد كان حريصاً على إكرامها وتقديرها والسعي للعناية بها. خلَّف الشيخ من الأولاد خمسة ذكور، وثلاثاً من البنات، وكلهم -إن شاء الله- من أهل الخير والفضل وسائرون على منهجه ﵀، ثلاثة من أبنائه توفوا في حياته، واثنان موجودان، أحدهما في جدة، والآخر في الرياض، وهم -إن شاء الله- سائرون على منهجه، وحريصون -جزاهم الله خيراً وهذه أقولها لهم ونشكرهم- على نشر تراث الشيخ ﵀، ومستعدون لأي خدمةٍ في هذا المجال، عن تراث والدهم ووالد الجميع شيخنا العلامة الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀.

стр. 388

وفاة الشيخ عبد الرزاق توفي الشيخ ﵀ في يوم الخميس، الخامس والعشرين من الشهر الثالث، عام خمسة عشر وأربعمائة وألف للهجرة، أُدخل المستشفى العسكري بـ الرياض إثرَ تردي حالته الصحية ﵀، وبقي في المستشفى لمدةٍ تقرب من أسبوع أو أكثر بقليل، إلى أن فاضت روحه إلى بارئها عليه رحمة الله، وجمعنا الله به في دار كرامته بمنه وكرمه. لقد شَهِدَت -حقيقةً- جنازةََ الشيخ مشهداً عظيماً، بما قاله الإمام أحمد ﵀ لأهل البدع: "بيننا وبينكم يوم الجنائز"، فصُلِّي عليه في الجامع الكبير بمدينة الرياض، جامع الإمام تركي بن عبد الله، وقد أمَّ المصلين عليه سماحة الوالد الشيخ عبد العزيز، وقد ضج المسجد بالبكاء، وذهب الناس إلى مقبرة العَود في الرياض زرافاتٍ ووحداناً راجلين وركباناً أمام الجنازة وخلفها ومن حوالَيها، وشهدت جنازته مشهداً عظيماً لم يُشهد إلا في مشاهد كبار العلماء ﵏ جمعياً. وتركَ الشيخ ﵀ للأمة تلامذةًَ هم اليوم يقومون بمنهجه ويسيرون على طريقته في الإصلاح. والحقيقة: أنني -وإن كنت أقل من يتحدث عنه- عاشرت الشيخ وجاورته واستفدت من علمه وعمله، وأشهد أني لم أستفد من غيره ما استفدته منه هو وسماحة شيخنا الشيخ عبد العزيز ﵀، وأسأل الله ﵎ أن يرفع درجة الشيخ في عليين، وأن يرحمه رحمة الأبرار، وأن يجعلنا وإياكم ممن يستمع القول فيتبع أحسنه، وأن يجمعنا بعلمائنا في دار كرامته، وأن يجعلنا خير خلف لخير سلف، وأن يجعل أجيالنا المتأخرة مرتبطةً بعلمائها وسِيَرهم، وما ذلك إلا دليل خير في الأمة إذا التقى صغارها بكبارها، وإذا استفاد معاصروها من سلفها. وفق الله الجميع لما فيه الخير والسداد، وأستسمحكم العذر لإطالتي عليكم، وما إطالتي إلا وفاءً لشيخنا ﵀ الذي أحس وكأنني عندما أتحدث عنه أمام جبلٍ أشم، وبدرٍ أتم، وطود شامخٍ في العلم والمعرفة، وكأني أمامه الآن ﵀ أستفيد من علمه وعمله ومنهجه وتحصيله، فجزاه الله عني وعنكم وعن أمة الإسلام خير الجزاء.

стр. 389

بعض ما قيل في رثاء الشيخ عبد الرزاق كان من التوفيق أن سماحة الوالد ابن باز ﵀، بعث ببرقية عزاءٍ لولي الأمر خادم الحرمين الشريفين، بيَّن فيها مكانة الشيخ وأثره على هذه البلاد، فأرسل ولي الأمر وفقه الله رسالة عزاءٍ لأبناء الشيخ ولكبار العلماء، ولسماحة الشيخ عبد العزيز وللأمة جميعاً هو وولي عهده والنائب الثاني، وعددٌ من الزعماء والعلماء والقادة وطلاب العلم أيضاً، وقد قيلت فيه عددٌ من المراثي الشعرية، لعلِّي أن أشنف أسماعكم ببعضها ولا أطيل إن شاء الله. وقفت لكي أرثي العفيفي فصدني وجومٌ وقد حل النوى وبكاءُ وقمت أعزي فيه من رام علمه فقالوا وهل يسليك عنه عزاءُ فعدت أناجي ذكرياتٍ ترحلَتْ وقد ضمني والشيخ ثم لقاءُ وأبصرت فيها الشيخ يرقى بعلمه وعاينت فيها الشيخ وهو بهاءُ وناجيت فيها الشيخ فازوَرَّ طيفه وما في ازورار الطيف منه جفاءُ قد سار في درب الشريعة يافعاً يطير به عزمٌ له وإباءُ وأنفق في بسط الشريعة عمره يسيرُ به خوفٌ له ورجاءُ ثمانون عاماً والحياة مصاعبٌ وللشيخ فيها منهجٌ وسناءُ إذا المحفل الراقي تناظر جمعُه رأيتَ مقال الشيخ فيه سخاءُ شواهده الآيات جل دليلُها وحشد أحاديث لهنَّ صفاءُ يسربل بالإقناع كل مقالةٍ فيُصغي له الكتَّاب والخطباءُ إلى عرصات الخلد يا وافر النهى لعلك عند الله حيث تشاءُ وإن قصيدي حين يندى بذكركم حريٌ بأن يندى به الشعراءُ قالها: محمد بن سعد المشعان. لا فُضَّ فوه وجزاه الله خيراً. وهذه مرثيةٌ مختصرة لا نطيل بها عليكم، يقول فيها أحد تلاميذ الشيخ، وهو محمود عبد رب النبي محمد، من مصر: الشعر باكٍ والقصائد أدمُعُ والقلب مندوح المشاعر موجَعُ والحزن في شفتي نزفٌ دائمٌ صعبٌ على العشَّاق ألا يُفجَعوا وأسى الفجيعة ماثلٌ في خاطري في كل جسمٍ ليس يخلو موضعُ ماذا دهى عيني تجمد دمعها وكأنها أُخرى فليست تجزعُ إلى أخر ما قال، جزاه الله خيراً. أسأل الله ﵎ أن يكون ما قدمه الشيخ حُجةً له لا عليه، وأن يجعله في موازين حسناته يوم القيامة، وأن يقدِّس سرَّه وينوِّر ضريحه ويجمعنا به في دار كرامته بمنه وكرمه، وأن يجزيه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، وبارك الله في تلاميذه وفي أبنائه وجزى الله بلاد الحرمين الشريفين أن احتضنت أمثال هؤلاء العلماء الأفذاذ والجهابذة الكبار، فجزاهم الله خيراً، وما ذاك إلا تقديرٌ منهم للعلم وأهله، لا سيما من سار منهم على منهج السلف. والحمد لله رب العالمين.

стр. 390

مشكلاتنا الاجتماعية في ضوء الكتاب والسنة في هذا الواقع المرير كثيراً ما تقع المشكلات الاجتماعية بين المسلمين، وذلك نتيجة بعدهم عن هذا الدين واتباعهم سنن اليهود والنصارى، وإن علاج هذا إنما يكون بالتزام هدي رسوله ﷺ ، وسعي المصلحين وأرباب العلم والهدى بالدعوة لذلك.
следующие страницы →