Полный текст (1 023 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
ومن دخله كان آمنا
إن الله اختار مكة المكرمة لتكون مكاناً يعبد فيه وخصه عن سائر بقاع الأرض، فجعل في هذا المكان البركة في المطعم والمشرب، وجعل أفئدة الناس تهوي إليه، ومن خصائصه أيضاً أن الله جعله أمناً للخائف، وليس ذلك في عهد النبي ﷺ فقط، بل من قبل أن يأتي النبي ﷺ بمئات السنين، وما زالت حرمته إلى اليوم.
стр. 317
خصائص الحرم المكي
الحمد لله المتفرد بالخلق والاختيار، القائل في محكم التنزيل: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ [القصص:٦٨] أحمده تعالى على نعمه الغزار، وأشكره على فضله المدرار، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له العزيز الغفار، سبحانه هو الله الواحد القهار، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله المصطفى المختار، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله الأطهار، وصحبه الأبرار، والتابعين ومن تبعهم بإحسان ما تعاقب الليل والنهار.
أما بعد:
أيها المسلمون! اتقوا الله ﵎ واشكروه على نعمه الظاهرة والباطنة.
عباد الله: إن المتأمل في أحوال هذا الكون، يجد أنَّ من أعظم الدلائل على وحدانية الله، وأكبر الشواهد على ربوبيته وكمال حكمته وعلمه وقدرته، أنه جل وعلا يختار ما يشاء من الأشخاص والأمكنة، ويخص ما يريد من الأشياء والأزمنة، لمقاصد عُظمى تقوم عليها مصالح العباد، فلا شريك له سبحانه يختار كاختياره، ويدبر كتدبيره: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ [القصص:٦٨].
ومن ذلك اختياره -سبحانه- للملائكة المقربين، والأنبياء والمرسلين، فاصطفى -سبحانه- الأنبياء من ولد آدم، واختار الرسل منهم ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام:١٢٤] واختار من الرسل أولي العزم، واختار من أولي العزم الخليلين إبراهيم ومحمداً عليهما الصلاة والسلام، ومن ذلك اختياره ولد إسماعيل من أجناس بني آدم، ثم اختار منهم بني كنانة من خزيمة، ثم اختار من بني كنانة قريش، ثم اختار من قريش بني هاشم، ثم اختار من بني هاشم سيد ولد آدم محمداً ﷺ ، واختار له أصحاباً هم أفضل الأمة بعده، واختار أمته وفضلها على سائر الأمم ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠].
فلله القدرة النافذة، والحكمة البالغة فيما يخلق ويختار، وإن مما اختاره الله لعباده من الأمكنة المباركة هذا البلد الحرام، خير الأماكن وأشرف البقاع على الإطلاق، اختاره الله لنبيه محمد ﷺ ، وجعل عرصاته مناسك لعباده، وأوجب عليهم الإتيان إليه من كل فجٍ عميق، فيدخلونه متواضعين متذللين متجردين عن لباس أهل الدنيا.
стр. 318
الأمان لمن دخل البلد الحرام
عباد الله! لقد جعل الله هذا البلد حرماً آمناً، ومكاناً مباركاً، وهدى للعالمين، يجدون عنده الهدى بدين الله، هو أول بيتٍ وُضع في الأرض للعبادة، وخُصِّص لها، فلا يخرج به عنها بحال من الأحوال، من دخله كان آمناً، فهو بمثابة الأمن لكل خائف، وليس هذا لمكان آخر في الأرض سواه، وقد بقي هكذا منذ أن رفع قواعده إبراهيم وإسماعيل ﵉، وحتى في جاهلية العرب، وفي الفترة التي انحرفوا فيها عن دين إبراهيم، وقد بقيت حُرمة هذا البيت سارية، وستبقى -بإذن الله- إلى أن يرثَ اللهُ الأرضَ ومن عليها وهو خير الوارثين، فقد حماه الله فلم يغلب عليه جبَّار، ولم يعلو فيه صوت على صوت الحق، ولم ترتفع فيه راية غير راية التوحيد، ولم يُرفع فيه شعارٌ مناهض للإسلام.
لقد كان الرجل في الجاهلية يلقى قاتل أبيه أو أخيه في البلد الحرام والشهر الحرام فلا يعرض له، كيف وقد امتن الله بذلك على الناس بقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت:٦٧] ويقول جل وعلا: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْء﴾ [القصص:٥٧] بل لقد تعدَّى الأمر الإنسان إلى الحيوان والطير والنبات والزرع والشجر والمال والجماد، أخرج الشيخان في صحيحيهما من حديث ابن عباس ﵄، أن رسول الله ﷺ قال يوم فتح مكة: ﴿إن هذا البلد! حرَّمه الله يوم خلق السماوات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يُسفك فيه دم، ولا يُعضد فيه شوك، ولا يُنفَّر فيه صيد، ولا يختلى خلاه، ولا تلتقط لقطته إلا لمن عرّفها﴾.
стр. 319
تكفير الذنوب وتعظيم الحسنات
كما جعل المولى -جل وعلا- قصد هذه البقعة المباركة؛ مكفراً للذنوب، ماحياً للأوزار، حاطاً للخطايا، بل لم يرضَ لقاصده ثواباً دون الجنة، فلو لم يكن هذا البلد الأمين خير البلاد وأحبها إلى الله لما جعلها مناسك لعباده، وفرض عليهم قصدها، وجعل ذلك ركناً من أركان الإسلام، وأقسم به جل وعلا في موضعين من كتابه الكريم، في سورتي البلد والتين، وليس على وجه الأرض بقعة يجب على المستطيع السعي إليها والطواف بالبيت الذي فيها سواها، وجعل فيها من المقاصد والخصائص والمزايا الجم الوفير، فالصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة فيما سواه، كما في المسند والنسائي وابن حبان بسند صحيح، وهي قبلة المسلمين، ومهوى الأفئدة، ومهبط الوحي، ومهد الرسالة، ومنبع النور، ومصدر إشعاع الهدى للبشرية قاطبة.
стр. 320
الحرم منطقة أمن ودار سلام
إخوة الإيمان! لقد جعل الله للناس منطقة أمان، ودار سلام، وواحة اطمئنان، تلكم هي هذه البقاع الطاهرة، يستوي في ذلك جميع عباد الله ممن تشرَّف بالإسلام: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ [الحج:٢٥].
ولقد كان النهج الأمني الذي شرعه الله في البيت الحرام سابقاً لكل محاولات البشر في إيجاد منطقة حرام يلقى فيها السلاح، ويأمن فيها المتخاصمون، وتُحقن فيها الدماء، ويجد كل مسلم فيها مأواه.
стр. 321
الأدب مع حرم الله
وإذا كان الإسلام يُقرر أن هذا البلد واحة سلام، ومنطقة أمن وأمان، فإنه يُهدد ويتوعد كل من يريد اعوجاجاً عن هذا النهج المستقيم بالعذاب الأليم، فرتب العقاب على الهم والإرادة بالسيئة وإن لم تفعل، يقول تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج:٢٥] فكيف بمن يريد ويفعل؟
إن في هذا التعبير البليغ زيادةٌ في التحذير ومبالغة في التوكيد.
стр. 322
تعظيم الحرم عند السلف الصالح
ولقد ضرب السلف الصالح أروع الأمثلة في الأدب مع حرم الله ، يقول عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: [[كنا نعد لا والله وبلى والله من الإلحاد في الحرم]] وقال بعضهم: "إن احتكار الطعام وظلم الخادم إلحاد في الحرم".
وروي عن عمر بن الخطاب ﵁ قوله: [[لأن أُخطئ سبعين خطيئة بركبة، أحب إلي من أن أخطئ خطيئة واحدة في الحرم]].
أيها المسلمون! حقاً لقد ظهر سر تفضيل هذا المكان المبارك في انجذاب أفئدة المسلمين وهوي قلوبهم، وانعطاف نفوسهم ومحبتهم له، يثوبون إليه على تعاقب الأعوام من جميع الأقطار، ولا يقضون منه وطراً.
لا يرجع الطرف عنها حين ينظرها حتى يعود إليها الطرف مشتاقا
فلله كم لهذه البقعة المباركة من محب أنفق في حبها الأموال والأرواح، ورضي بمفارقة فلذات الأكباد، والأهل والأحباب والأوطان؟!
محاسنه هيولا كل حسن ومغناطيس أفئدة الرجال
يحدوهم الشوق، ويحفزهم الأمل في مغفرة الله ورضوانه.
أيها المسلمون! يقول الله : ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَاماً لِلنَّاسِ﴾ [المائدة:٩٧] ويقول سبحانه: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدىً لِلْعَالَمِينَ * فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً﴾ [آل عمران:٩٦ - ٩٧].
مكة المكرمة أفضل البقاع عند الله، وأحب البلاد إلى رسول الله، فقد أخرج الإمام أحمد في المسند والترمذي والنسائي وابن حبان، عن عبد الله بن عدي بن الحمراء أنه سمع رسول الله ﷺ وهو واقف على راحلته بـ الحزورة -موضع بـ مكة - يقول: ﴿والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أخرجت منكِ ما خرجت﴾.
بـ مكة نور يهز الشعور وينطق كل فتى أخرس
يجاذب قلبي إليها الهوى ففي غيرها القلب لم يأنس
وبيت العتيق لنا قبلة نُفدِيه بالنفس والأنفس
لقد ظلت مكة عبر التاريخ، وعلى مر القرون بناءً شامخاً، وصرحاً منيعاً، تتهاوى الدول، وتتساقط كأوراق الخريف، وتحفظ مكة بحفظ الله، رمزاً للإيمان والأخوة، وموئلاً للعقيدة، ومصدراً للدعوة، ومركزاً لأعظم حضارة إسلامية انبثقت من تلك البقاع، حتى غيَّرت مجرى التاريخ، وهزَّت كيان العالم، وزلزلت كيان الوثنية، وحطَّمت عروش الجاهلية.
الله أكبر! بـ مكة عبق الذكريات الخالدة، وشذا البطولات الماجدة.
مكة المكرمة مركز العالم وواسطة الدنيا، وقطب الرحى في كيان هذه الأمة، اسألوا عن ذلك التاريخ من عهد آدم ﵇ إلى إبراهيم حيث بناء البيت، وحيث المقام والحطيم وزمزم وهاجر وإسماعيل، إلى هود وصالح وموسى وعيسى ﵈، إلى محمد بن عبد الله عليه صلوات الله وسلامه، يصدع بدعوة التوحيد في تلك الربى والبقاع، إلى أن يعود إليها فاتحاً مظفراً، إلى الصحابة الكرام والفاتحين العظام، حتى هيأ الله لهذه البقاع المباركة تلك الدولة المباركة، ترعى شئون الحرمين وتوليهما العناية والاهتمام، أخلص الله أعمالها، وسدد أقوالها وأفعالها، وجعل ما تقدمه في موازينها، وليمت الحاسدون بحسدهم، والغائظون بغيظهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران:١١٩].
стр. 323
عتابٌ لمن أساء الأدب في الحرم
أيها المسلمون! إن الواجب علينا -جميعاً- أن نراعي الآداب الشرعية، ونحن نعيش في هذه البقاع الطاهرة، ولكن الله المستعان! لقد أساء أقوام الأدب مع الله، ومع حرمه ومع عباده، فهل من الأدب أن يمارس العبد ما يخالف العقيدة؟! أو يقترف بدعة أو خرافة؟! أو خطيئة أو معصية؟!
هل من الأدب! وحسن الجوار أن تضيع الصلاة ويتساهل في الطاعات؟!
هل من الأدب اقتراف الذنوب من وقوع في الزنا أو تعامل بالربا أو تعاطٍ للمسكرات والمخدرات، وجلبها إلى أفضل البقاع؟!
هل من حسن الجوار: السباب والشتائم، والغيبة والنميمة والبهتان، والظلم والتعدي والغش والتزوير، أو إعلان المعازف ورضع الملاهي، أو التبرج والسفور والاختلاط المحرم، وما يفعله بعض السفهاء من قلة الحياء في حرم الله وأمنه؟!
هل من الأدب مع حرم الله أن يحول إلى جلب منشورات، أو يحول إلى مزايدات ومهاترات؟!
فاتقوا الله ربكم -أيها المسلمون- وأحسنوا الأدب مع هذه البقاع الطاهرة.
стр. 324
نداء لأهل أم القرى في موسم الحج
أيها المسلمون! هاهي طلائع عباد الرحمن وفدت إلينا، وفدت إليكم يا أهل أم القرى، فماذا أعددتم لهم من قِرى، إن القِرى المطلوب قِرى الروح والخلق وحسن التعامل، فليتق الله المسئولون عن الحجيج، وليتق الله المطوفون والمسئولون عن حملات الحج والعمرة، ليخلصوا أعمالهم لله، وليرعوا شئون عباد الله، وليعلموا أنهم مسئولون عنهم أمام الله، وليكونوا عند حسن الظن بهم، فلقد كان العرب وهم في جاهليتهم يُكرمون الحجيج، وما السقاية والرعاية والرفادة والوفادة إلا دليل على ذلك، فأهل الإسلام أولى بذلك وأحرى.
فاتقوا الله -عباد الله- والتزموا -جميعاً- بالآداب الإسلامية، وعلينا -جميعاً- أن نحمد الله ونشكره على ما حبانا من نعمة هذه البقاع المباركة، وأن نرعى الأدب فيها.
نسأل الله تعالى أن يرزقنا التأدب بآداب الإسلام، وأن يرزقنا اتباع سنة سيد الأنام بمنه وكرمه، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 325
تعظيم الشعائر من تقوى الله
الحمد لله الذي جعل بيته الحرام مثابةً للناس وأمنا، وأشهد أن لا إله إلا الله أغنى وأقنى، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله، بَلَغَ من المراتب أشرفها وأسنى، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه الذين مدحهم ربهم وأثنى، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فاتقوا الله -عباد الله- وعظِّموا المشاعر والشعائر ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج:٣٢] ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [الحج:٣٠] واشكروه جل وعلا على ما حباكم من نعمة الأمن والطمأنينة، لا سيما في هذه البقاع الشريفة، والحرمات الآمنة المُنيفة، واعلموا أنكم كما تعيشون في الأمكنة المباركة، فإنكم تعيشون في الأزمنة المباركة، وهي أشهر الحج، والأشهر الحُرم التي قال الله فيها: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة:٣٦]، فيجب عدم ظلم النفس بالوقوع في المعاصي في هذه الأزمنة والأمكنة المباركة.
ألا وإن من شُكر نعمة الله التحدث بما حبا الله هذه البلاد المباركة، حيث هيأ لهذين الحرمين الشريفين من الرجال الأفذاذ من يقومون برعايتهما وصيانتهما، من ولاة الأمر -وفقهم الله- الذين بذلوا ويبذلون قصار جهدهم في صيانة الحرمين الشريفين إعماراً وتطهيراً وتوسعة وصيانة، وصدقاً وإنصافاً للحق والتاريخ، إنه لم يشهد الحرمان الشريفان عناية ورعاية، وخدمةً للحجيج، كما حصل أو يحصل في هذه البلاد المباركة، نقولها حقاً لا نريد بها نفاقاً ولا مجاملة، وليمت الحاسدون بحسدهم، لا سيما والمسلمون يعيشون هذه الأيام فرحة كبرى بوضع اللبنة الأخيرة لمشروع توسعة المسجد النبوي الشريف، وهي أعظم توسعة عرفها التاريخ، فباسم المسلمين جميعاً، وباسم الحجاج والعمار والزوار، نرفع أكف الضراعة لمن كان خلف هذا العمل الإسلامي الجليل، أن يجزيهم الله خير الجزاء وأوفره، وأن يجعل ذلك في موازين أعمالهم، وأن يزيدهم من الهدى والتوفيق بمنه وكرمه.
ألا وصلوا وسلموا -رحمكم الله- على الرسول المجتبى، والحبيب المصطفى، كما أمركم بذلك ربكم جل وعلا، فقال عز من قائل: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبينا وحبيبنا وقدوتنا محمد بن عبد الله، وأرض اللهم عن الخلفاء الراشدين، وعن الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنَّا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين!
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، وسلِّم الحجاج والمعتمرين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين.
اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح واحفظ أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم وفق إمامنا بتوفيقك، وأيده بتأييدك، اللهم وفقه لهداك، واجعل عمله في رضاك، وهيئ له البطانة الصالحة التي تدله على الخير.
стр. 326
الإمام القدوة
إن سير العلماء وأعظمها سيرة النبي الأعظم ﷺ ، تعتبر حافزاً كبيراً، ومنهجاً قويماً يسير عليه طلاب العلم، وينهجون فيه إلى الصراط المستقيم، وإن من أهم تلك السير هي سيرة إمام أهل السنة أحمد بن حنبل ﵀، وقد بين الشيخ في هذا الدرس كيف كانت حياته ونشأته على طلب العلم، وزهده وورعه، ومدافعته للمحن والفتن، والذب عن سنة إمام المرسلين محمد بن عبد الله الصادق الأمين.
стр. 327
أهمية قراءة سير العلماء
الحمد لله، جعل من الرسل بقايا من أهل العلم، ينفون عن دين الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، أحمده تعالى وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، وأسأله لي ولسائر المسلمين الهدى واليقين، والعز والنصر والتمكين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي المؤمنين، وخالق الخلق أجمعين، وقيوم السماوات والأرضين، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله إمام المتقين، وأشرف الأنبياء والمرسلين، وقائد الغر المحجلين، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحابتة الغر الميامين، والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
أما بعد:
عباد الله: فأوصيكم ونفسي بتقوى الله، فاتقوا الله رحمكم الله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٨٢].
عباد الله: إن في تاريخ العظماء لخبرا، وإن في سير العلماء لعبرا، وإن في أحوال النبلاء لمدّكرا، وأمتنا الإسلامية أمة أمجادٍ وحضارة، وتاريخ وأصالة، وقد ازدان سجلها الحافل عبر التاريخ بكوكبة من الأئمة العظام، والعلماء الأفذاذ الكرام، مثلوا عقد جيدها وتاج رأسها، ودري كواكبها، كانوا في الفضل شموساً ساطعة، وفي العلم نجوماً لامعة، فعدوا بحقٍ أنوار هدى، ومصابيح دجى، وشموعاً تضيء بمنهجها المتلألئ، وعلمها المشرق الوضاء غياهب الظُلَم، وتبددها أنوار العلوم والحكم.
إخوة الإيمان: في تاريخ الإسلام علماء ربانيون، وأعلامٌ عاملون، وأئمة مهديون، هم من منة الله على هذه الأمة، قاموا بالإسلام وللإسلام، يحيون بكتاب الله الموتى، ويبصرون به أهل العمى، ويرشدون به من ضل منهم إلى الهدى، فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه، وكم من ضالٍ تائه قد هدوه، يقتبسون من نور الوحي، ويسبرون على مشكاة النبوة، عقيدة وعلماً وعملاً ومنهجاً ودعوة، فكم نفع الله بهم البلاد، وكم هدى بهم من العباد.
وإن ارتباط الأجيال اللاحقة والناشئة المعاصرة بسلفهم من العلماء الأفذاذ، ينتفعون بسيرتهم ويسيرون على منهجهم، ويقتبسون من نور علمهم وفضلهم، لهو من أهم الأمور التي ينبغي أن نعني بها، لا سيما العلماء وطلاب العلم والدعاة إلى الله، ورجال الحسبة والإصلاح، كيف ونحن نعيش في أعقاب الزمن حيث كثرت الفتن، وطمت المحن، واستحكمت الأزمات، وعمت الخلافات، وتباينت المشكلات والمعضلات، ولا مخلص منها إلا الاعتصام بالكتاب والسنة، والسير على منهج علماء سلف هذه الأمة ﵏ الذين يعدون أمثلة حية ونماذج فريدة، تمثل التطبيق الحي السليم، والمنهج العملي الصحيح للإسلام، عقيدة وسلوكاً.
ولهذا قال بعض أهل العلم: سير الرجال أحب إلينا من كثيرٍ من الفقه، غير ألا عصمة لأحدٍ من سائر الناس، والتعصب للرجال مذموم وخير الهدي هدي من لا ينطق عن الهوى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٤].
стр. 328
سيرة الإمام أحمد
أمة الإسلام: وكان من أجل هؤلاء الأئمة، وأفضل هؤلاء العلماء، عالمٌ لا كالعلماء، وعلمٌ لا كالأعلام، جبلٌ أشم، وبدرٌ أتم، وحبرٌ بحر، وطودٌ شامخ، يعد بجدارة إمام القرن الثالث الهجري، فريد عصره، ونادرة دهره، قَلَ أن يجود الزمن بمثله، إنه أئمة في شخص إمام، وأمة في رجل.
قال عنه الإمام الشافعي ﵀: خرجت من العراق فما خلفت فيها رجلاً أفضل ولا أعلم ولا أتقى لله منه.
وقال عنه الإمام الذهبي ﵀: عالم العصر، وزاهد الدهر، ومحدث الدنيا، وعَلَمُ السنة، وباذل نفسه في المحنة، قَلَ أن ترى العيون مثله، كان رأساً في العلم والعمل، والتمسك بالأثر، ذا عقلٍ رزين، وصدقٍ متين، وإخلاصٍ مكين، انتهت إليه الإمامة في الفقه والحديث والإخلاص والورع، وهو أجل من أنه يمدح بكلمي أو أن أفوه بذكره بفمي.
أتدرون -يا رعاكم الله- من تعطرون أسماعكم بذكر سيرته؟!
إنه إمام أهل السنة الإمام الفذ والعالم الجهبذ، الإمام المفضل، والعالم المبجل، أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل ﵀، من عرفته الدنيا، وذاع ذكره، وشاع صيته في الآفاق، إماماً عالماً فقيهاً محدثاً مجاهداً صابراً لا يخاف في الله لومة لائم، يتحمل المحن في سبيل الله، والذب عن سنة رسول الله، ويقارع الباطل بحكمة نادرة، لا تزعزعه الأهواء، ولا تميد به العواصف، حتى عد قمة عصره وما بعد عصره، وأجمع على جلالته وقدره، إلا عند من لم يعبأ بهم.
قال عنه يحيى بن معين: أراد الناس منا أن نكون مثل أحمد لا والله ما نقوى على ما يقوى عليه أحمد ولا على طريقة أحمد.
стр. 329
مولد الإمام أحمد
أيها الإخوة في الله: على ثرى بغداد ولد الإمام ونشأ وترعرع، ومن أصلٍ عربيٍ أصيلٍ انحدر نسبه ﵀، وعلى عصامية اليتم تربى ودرج في صباه مما ساعد على سمو نفسه وعلو همته، ونمو مداركه وتعرفه على أحوال مجتمعه، وكانت بغداد آنذاك ليست كما هي في عقب الزمان والله المستعان، حيث كانت حاضرة العالم الإسلامي، ومهد العلوم والحضارة، تموج بأنواع الفنون والمعارف، وتزخر بشتى الأفكار والعلوم، وعصره عصر نضوج الفقه وظهور الفقهاء، واشتداد الجدل الفكري بين العلماء، مع عدم استقرار الحالة السياسية، وكثرة الفتن مما ساعد على حسن توجه الإمام ﵀، فاتجه إلى تحصيل العلم ولزوم السنة، فلم يحرض على فتنة، ولم يواجه ذا سلطان مع قوة في الحق، وحبٍ للخلق، وذبٍ عن السنة وتحذيرٍ من البدعة.
стр. 330
همة الإمام أحمد في طلب العلم
معاشر المسلمين: لقد أقبل الإمام الرقيق النحيل، الربعة من الرجال والطوال، ذو اللون الأسمر والتواضع الجم، ينهل من العلم، فحفظ القرآن وأقبل على الحديث والأثر حتى حفظ مئات الألوف من الأحاديث، وما كتابه المسند إلا دليلٌ على طول باعه في علم السنة، في مجال الرواية، وقد جمعه من أكثر من سبعمائة وخمسين ألف، واستغرق في جمعه أكثر من خمس عشرة سنة.
أما الدراية فهو ابن بجدتها والصيد في جوف الفرى، ملتزماً بفقه السنة، والعناية بالدليل والأثر، والأخذ بفتاوى الصحابة ﵃.
رحل في طلب العلم إلى كثيرٍ من البلدان، حتى قال عنه ابن كثير: لقد طاف في البلاد والآفاق ليسمع من المشايخ، وكانت له همة عالية في الطلب والتحصيل، فما ترك لحظة من لحظات شبابه وكهولته، إلا حرص فيها على سماع حديث، أو تصحيح رواية، وما قصته في سماعه من عبد الرزاق بن همام الصنعاني في مكة وسفره معه إلى بلاده، مع بعد الشقة وانقطاع النفقة، إلا دليلٌ على علو الهمة ومضاء العزيمة، حتى عد حافظ زمانه.
قال ابن المديني: ليس في أصحابنا أحفظ منه.
وقيل لـ أبي زرعة من رأيت من المشايخ المحدثين أحفظ؟ قال: أحمد بن حنبل، حزرت كتبه في اليوم الذي مات فيه، فبلغت اثني عشر جملاً وأكثر، كلها يحفظها عن ظهر قلب.
ومع هذا العلم الجم، فقد خاف الإمام على نفسه البروز والشهرة والتصدر، فلم يجلس للتدريس إلا بعد الأربعين من عمره، كما قال ابن الجوزي ﵀، وما ذاك إلا مراعاة لسن النضج والاستيثاق من العلم.
وكان من شدة ورعه ﵀ أنه لا يحدث إلا في كتاب خشية الزلل، مع قوة حافظته وشدة عارضته، ولا يسمح بتدوين فتاواه، ولا يرى تأليف الكتب تقوىً وورعاً منه عليه رحمة الله، قيل إنه لسعة علمه أجاب عن ستين ألف مسألة بقال الله وقال رسوله وفتاوى الصحابة ﵃.
стр. 331
موقف الإمام أحمد من المحنة
إخوة العقيدة: ومن أهم حياة الإمام أبي عبد الله ﵀ منهجه في العقيدة، والتزامه نهج الكتاب والسنة، وما عليه سلف الأمة في التوحيد والصفات وإنزال القرآن، حتى أوذي وامتحن، فصبر وصابر ولم يتزحزح عن قول الحق، حتى ربط موقفه في محنته بموقف الصديق ﵁.
يقول علي بن المديني: لقد أعز الإسلام برجلين، بـ أبي بكر يوم الفتنة، وبـ أحمد بن حنبل يوم المحنة.
ولم يكن الإمام بمعزلٍ عن الأمة والمجتمع، بل كان عالماً عاملاً، مصلحاً مجاهداً، آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر، لكنه مع ذلك يلتزم مسالك الرفق والحكمة، ملتزمٌ بالطاعة، موافقٌ للجماعة، بعيدٌ النظر في الإصلاح.
يقول ابن عمه حنبل بن إسحاق بن حنبل ﵀ فيما أخرجه الخلال في كتاب السنة: اجتمع فقهاء بغداد في ولاية الواثق إلى أبي عبد الله -يعني الإمام أحمد ﵀ وقالوا له: يا أبا عبد الله إن الأمر قد تفاقم وفشى -يعنون إظهار القول بخلق القرآن وغير ذلك- ولا نرضى بإمارته وسلطانه، فناظرهم في ذلك وقال عليكم بالإنكار في قلوبكم، ولا تخلعوا يداً من طاعة، لا تشقوا عصا المسلمين، ولا تسفكوا دماءكم ودماء المسلمين معكم، وانظروا في عاقبة أمركم، واصبروا حتى يستريح ضَرٌ ويُستراح من فاجر، وقال: ليس هذا صواباً -أي: نزع اليد من الطاعة- هذا خلاف الآثار.
وفي ذلك عبرة على مدى التاريخ أن سلطان العلم، لا بد له من منهجٍ سليمٍ يتخذ مع سلطان الحكم، تحقيقاً للمصالح ودرأً للمفاسد، وتجنيباً للأمة غوائل الشرور وعاليات الفتن.
الله أكبر! ما أعظم العلم! وما أهم الفقه! وما أجل مكانة العالم إذا ثبت على السنة! لم تستمله العواطف، ونظر بعين الحكمة في مصالح الأمة.
أمة الإسلام: ولقد ضرب الإمام أروع الأمثلة في الثبات على المبدأ والصبر أمام الفتن، لقد أوذي وسجن، وضرب وأهين؛ فلم تلين له قناة، وبذل مهجته في سبيل الله، ولم يتزحزح عن حقٍ يراه ولو كلفه حياته، وهذه دروسٌ للعلماء والدعاة في كل زمانٍ ومكان.
لقد سخر بالأهوال التي حاطت به، والمخاطر التي حفت به، والمؤامرات التي أحيكت ضده، وهزأ بالسياط التي تلهب ظهره، ولم يبالي بالحديد الذي كبل فيه، والسجن الذي أودع به، وبالتالي ثبت أمام المغريات، كل ذلك هين ما دام في سبيل الله، وصيانة كتابه من عبث العابثين، وحفظه من اعتقادات المخالفين.
стр. 332
عبادة الإمام أحمد وزهده
أيها الأحبة: صفحة أخرى في حياة هذا الإمام الهمام، صفحة العبادة وتصفية الروح، وتزكية النفس بالصلاة والذكر والدعاء والتلاوة، وكذلك صفحة الخلق الرفيع والسجايا الحميدة، زهدٌ وحياء، تواضعٌ وورع، تعففٌ وجود، بذلٌ وكرم، حبٌ للفقراء والمساكين، بعدٌ عن الشهرة والأضواء وحب الظهور وكثرة الجماهير، مجانبة للرياء، وضعف الإخلاص.
قال ابنه عبد الله: كان أبي أحرص الناس على الوحدة، لم يره أحدٌ إلا في المسجد، أو حضور جنازة أو عيادة مريض، وكان يكره المشي في الأسواق، ولا يدع أحداً يتبعه، وتلك والله مقامات العظماء، ومناهج العلماء الأتقياء.
فاتقوا الله عباد الله! اتقوا الله يا علماء الإسلام! اتقوا الله يا دعاة الإسلام! ويا طلاب العلم ويا أرباب الإصلاح! وليت الأمة اليوم وليت شبابها يتوجهون بعقولهم إلى علماء سلفهم؛ ليتذكروا القدوة الصالحة، والأسوة الحسنة حتى تحيي في أنفسهم سيرة سلفهم الصالح ﵏، وسيرتهم خير طريقٍ لسعادة الدنيا والآخرة، وضمانة من الفتن، وبعدٌ عن المحن والله المستعان، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً * لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً﴾ [الأحزاب:٢٣ - ٢٤].
نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبسنة سيد المرسلين، وبسير سلفنا الصالحين.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين فاستغفروه إنه كان للأوابين غفوراً.
стр. 333
معاشرة الإمام أحمد لأهله وأولاده
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله الملك الحق المبين، منَّ على المسلمين بأئمة هداة مهتدين، وعلماء صادقين عاملين، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله الذي أكمل به الدين، وأرسله رحمة للعالمين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الراشدين المرشدين، والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
أما بعد:-
فاتقوا الله عباد الله! ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٨١].
واعلموا -رحمكم الله- أن الأمة إذا لم تعتز بماضيها، وسير علمائها، والاستفادة من تاريخها؛ ضيعت حاضرها ومستقلبها، واضطربت مكانتها، وتخبط أجيالها، وسير سلفنا الصالح ﵏ شموعٌ على طريق العلم والدعوة والإصلاح، بهم يستفاد تصحيح المسار وتوجيه المسيرة، وتوازن الخطى.
ولقد ضل أقوامٌ زهدوا بسير سلفهم، والتفتوا يمنة ويسرة، يخبطون في شتى المذاهب، ويتذبذبون بين جديد المشارب: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلاً﴾ [النساء:٨٣].
أيها الإخوة في الله: وحينما نقلب صفحة أخرى من حياة هذا الإمام نرى العجب العجاب، إنه الجانب الأسري، وتربية الأولاد، فلم تشغله هموم العلم والدعوة والإصلاح والجهاد عن أسرته وحسن العشرة لأهله وزوجه، يقول الإمام أحمد ﵀: تزوجت أم صالح فأقامت معي ثلاثين سنة فما اختلفت أنا وهي في كلمة واحدة.
أيها الإخوة في الله: وثمة صفحة أخرى من سجل هذا الإمام الخالد، هي إنصافه للمخالف، وسلامة صدره للمسلمين، وتقديره لأهل العلم وإن اختلف معهم، ولما عتب عليه بعضهم وأرادوا إثارة الخلاف بينه وبين الشافعي قال: مه! ما رأت عيناي مثل الشافعي، وقال: إني لأدعُ الله للشافعي في صلاتي منذ أربعين سنة.
стр. 334
وفاة الإمام أحمد ﵀
وإذا أردنا أن نقلب صفحات حياة هذا الإمام كلها لطال المقام، ولكن حسبنا الإشارة والتذكير وفاءً لعلمائنا وأداءً لبعض حقهم علينا، وربطاً للناس بسيرهم التي ورثوها من المنهج النبوي، واستقوها من معين الكتاب والسنة في بعدٍ عن التعصب المذهبي، والمسلك التحزبي، وفي مجانبة لمسالك الغلو في الأئمة، والجفاء لهم والحط من مكانتهم، وبعد حياة حافلة بالخير بجميع جوانبه، قدم فيها أبو عبد الله جهده وجهاده، وأيقظ في الأمة الاعتزاز في الإسلام، وشدة التمسك بالسنة والمنهج الصحيح.
بعدها مرض بالحمّى، يقول ابنه عبد الله لما حضرت أبي الوفاة، جلست عنده فجعل يغشى عليه ثم يفيق ثم يفتح عينيه ويقول بيده: لا بعد، لا بعد، لا بعد، ثلاث مرات، ففعل هذا مرة ثانية وثالثة، فلما كانت الثالثة قلت له: يا أبتِ! إنك قلت كذا وكذا.
فقال: ما تدري، هذا إبليس قائم حذائي عاضٌّ على أنامله يقول: فتني يا أحمد! وأنا أقول: لا بعد حتى أموت.
قال صالح فجعل أبي يحرك لسانه بالشهادة حتى توفي ﵀ وله سبعٌ وسبعون سنة وأيام، وقد شهدت جنازته كما تقول كتب السير جمعاً لم يُشهد مثله، حتى قيل أن غير المسلمين أسلموا ذلك اليوم، وكان ﵀ يقول: قولوا لأهل البدع: بيننا وبينكم الجنائز، وأوصى ﵀ عند موته لأهله وذريته وللمسلمين خيراً.
تلك صفحاتٌ ناصعة، وذلك غيضٌ من فيض لا يوفيه حقه، وكم من معانٍ يعجز اللسان عن تصويرها، وحياة الإمام كلها معانٍ ومواقف، وحسبه إنه إمام السنة في علمه وعمله ودعوته وجهاده، وأنه حربٌ على الجهل والانحراف والبدعة، وقد خلف للأمة تراثاً علمياً، ومذهباً فقيهاً، له من المزايا والخصائص ما ليس لغيره، فرحمه الله رحمة واسعة، ورفع منزلته في عليين مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً.
وثمة تنبيه أخير: وهو أنه ليس الحديث عن عالم حطاً من مكانة غيره من العلماء فـ أبو حنيفة ﵀ ومالك والشافعي ﵏ وسائر الأئمة لهم حظهم الوافر في خدمة الإسلام وأهله، فرحمهم الله ورضي عنهم.
هذا وصلوا وسلموا رحمكم الله على خير الورى، على النبي المصطفى والحبيب المجتبى، كما أمركم بذلك ربكم جلَّ وعلا فقال عز من قائل: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦].
اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبينا وحبيبنا وقدوتنا محمد بن عبد الله، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين، وعن الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين.
اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم وفق إمامنا بتوفيقك، وأيده بتأييدك، اللهم وفقه لهداك واجعل عمله في رضاك، وهيئ له البطانة الصالحة يا ذا الجلال والإكرام!
اللهم وفق ولاة المسلمين للحكم بشريعتك واتباع سنة نبيك ﷺ يا سميع الدعاء!
اللهم انصر إخواننا المجاهدين في سبيلك في كل مكان، اللهم عجل بنصرهم يا قوي يا عزيز.
اللهم عليك بأعدائك أعداء الدين، اللهم عليك بهم فإنهم لا يعجزونك، اللهم أنزل عليهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين.
رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ.
عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ فاذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.
стр. 335
علامة محبة النبي ﷺ
يحتاج كل مسلم في هذه الحياة أن يرسم منهجاً سليماً من التعثر، بعيداً عن الزيغ والضلال؛ ليضمن الوصول إلى هدفه المنشود، لا سيما مع كثرة الفتن وغلبة الهوى وشيوع مظاهر المخالفة للكتاب والسنة، فإن للدين معالم رئيسية يجب التمسك بها والولاء لها والرسوخ عليها.
стр. 336
أهمية معرفة التأصيل المنهجي لدين الإسلام
الحمد لله، أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيداً، أحمده وأشكره وأتوب إليه وأستغفره، وكفى به ولياً حميداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه وتمجيداً، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله، نبي شرح الله صدره ورفع ذكره ووضع وزره وأعلى في العالمين قدره، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمره، بعثه الله بالهدى ودين الحق فأشاد صرح العقيدة، وأرسى قواعد الملة، وأكمل الله به الدين وأتم به النعمة، فالخير ما جاء به، والدين ما شرعه، والحق ما التزمه، فصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه خير هذه الأمة وأطوعها له وأحبها لرسوله ﵊، وأكثرها اتباعاً له، فرضي الله عنهم وأرضاهم ومن لزم هديهم ودعا بدعوتهم إلى يوم الدين.
أما بعد:
فيا أيها المسلمون: وصيتي إليكم من هذه البقعة الطاهرة تقوى الله ، والقيام بعبادته أداء لحقه، وطمعاً في مرضاته، وخوفاً من عقابه، كما أوصيكم ونفسي بطاعة رسول الله ﷺ ، وتنفيذ أوامره، والبعد عن زواجره، ولزوم سنته، والتعبد لله بشريعته؛ لنحقق الفوز بالسعادة الأبدية، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [النور:٥٢].
عباد الله: يحتاج المسلم في هذه الحياة أن يرسم لنفسه -إن أحب نجاتها- منهجاً سليماً من التعثر، بعيداً عن السبل، يضمن وصوله -بإذن الله- إلى هدفه المنشود.
فكما أن الناس في أمور دنياهم يعدون الخطط ويرسمون المناهج للوصول إلى مبتغاهم وما يؤملون دون تعقيد ولا مصاعب، فمن أراد سفراً فإنه يجتهد غايته، ويبذل وسعه في إتقان خطة السير لمعرفة الطريق وسلامته من المخاوف، والوصول بأقصى سرعة دون ضياع ولا عقبات، فكذلكم -يا عباد الله- من كان مسافراً إلى الآخرة، باحثاً عن السلامة والنجاة، راغباً في نعيم الله وجنته، خائفاً من عقابه وناره؛ فأولى له ثم أولى له أن يجتهد غاية الاجتهاد في معرفة الطريق الموصل إلى الله دون زيغ ولا ضلال؛ خشية أن يفجعه الأجل فيلقى ربه على غير هدى من الله، ولا أثارة من علم بسنة رسول الله ﷺ .
ولكن يجب على المسلم في هذه الحياة -لا سيما مع كثرة الفتن وغلبة الاختلاف والهوى، وشيوع مظاهر المخالفة للكتاب والسنة- أن يسير في حياته ملتزماً بكتاب الله، مقتدياً بسنة رسول الله ﷺ ، مقتفياً آثار سلف هذه الأمة من صحابة رسول الله ﷺ ، وتابعيهم بإحسان من أهل القرون الثلاثة المفضلة، المشهود لها بالخيرية من رسول الهدى ﵊.
ولما كادت معالم هذا المنهج أن تخفى، وأوشكت دلائله أن تمحى، وآثاره أن تندثر، ومعالمه أن تلتبس؛ كان لزاماً أن يذكر المسلمون به؛ فيعملوا به؛ ليعود لهم سالف عزهم، وظاهر مجدهم، وسابق حضارتهم، فالمسلمون في أعقاب الزمن لغلبة الجهل بدين الله، وقلة البصيرة بسنة رسول الله ﷺ ؛ محتاجون لوضع تأصيل علمي وعملي، وتقعيد منهجي شرعي، يكون منطلقاً للعمل المثمر والجهد البناء الذي يوصلهم إلى الله دون مخالفة ولا مجاوزة، لا سيما في قضايا الاعتقاد والاتباع.
стр. 337
المعالم الرئيسية لدين الإسلام
ومن الخطوط العريضة والمعالم الرئيسية في هذا المنهج ما يلي:
стр. 338
الوعي بالرسالة والعمل لها
المعلم الأول: وعي المسلم العميق برسالته في هذه الحياة، وعي يسري في روحه وقلبه مع سريان الدم في جسده، فلا يغفل عن تحقيقها طرفة عين، ولا يعزب عن العمل بها ساعة من ليل أو نهار، تحقيقاً لقوله سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦].
стр. 339
الإخلاص والمتابعة
المعلم الثاني: أن هذه العبادة قائمة على شرطين مهمين، وأصلين عظيمين لا تقبل إلا بتحقيقهما، هما: الإخلاص لله، والمتابعة لرسول الهدى ﷺ ، يقول : ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ [الكهف:١١٠] ويقول ﵊: ﴿من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد﴾ أخرجه الشيخان من حديث عائشة ﵂ وفي رواية مسلم: ﴿من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد﴾.
стр. 340
لزوم طاعة الله
المعلم الثالث: أنه لا طريق للهداية والصلاح والفوز والسعادة في العاجل والآجل؛ إلا بطاعة الله ورسوله، يقول سبحانه: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧١] ويقول جل وعلا: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [النور:٥٤] وقد روى الإمام مسلم في صحيحه أنه ﵊ قال: ﴿إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به فلن تضلوا بعدي أبداً: كتاب الله -وفي رواية- كتاب الله وسنتي﴾.
стр. 341
لزوم سنة الرسول ﷺ
المعلم الرابع: أن لزوم سنة رسول الله ﷺ ، واقتفاء أثره، والوقوف عند هديه؛ هو الضمانة الأكيدة لنجاة الأمة وسلامتها من الفتن، ولذا فقد كان النبي ﷺ -وهو الرءوف الرحيم بأمته- شديد الحرص على أن تلتزم أمته سنته، وكان كثير الأمر بذلك ﵊.
стр. 342
التأسي بسيرة الرسول ﷺ
المعلم الخامس: أن سيرة المصطفى ﷺ هي النبراس الوهاج الذي يستضيء به كل مؤمن موحد، والغيث الثجاج الذي يرتوي من نميره وينهل من معينه كل محب متبع، غير أنها ليست روايات تتلى وتسرد، ولا قصائد تسجع وتورد في أوقات محدودة وأزمنة مشهودة، بل إنها منهاج شامل لإصلاح الحياة كلها في العمر جميعه.
وشخصية الحبيب المصطفى ﷺ ليست شيئاً مغموراً، ولا في ثنايا التاريخ مطموراً؛ بل إن ذكره ﵊ يرتفع على المنابر ويدوي عبر المنائر دائماً وأبداً، ولكنه مع ذلك ليس رباً فيعبد، ولا إله فيقصد؛ وإنما هو رسول يطاع ويتبع، وقد حذر أمته ﷺ من إطرائه والغلو فيه، يقول ﵊ فيما رواه البخاري: ﴿لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله﴾.
стр. 343
محبة النبي ﷺ
المعلم السادس: أن محبة الحبيب المصطفى ﷺ دين يدين لله به كل مسلم، بل هو أمر واجب لا خيار فيه، فهو ﵊: إمامنا وقدوتنا وحبيبنا، سيد الأولين والآخرين، ورحمة الله للعالمين، وحبه يفوق حب النفس والأهل والمال والولد، يقول ﵊ في الحديث الصحيح عن أنس ﵁: ﴿لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين﴾ بيد أنه يجب أن تقاس محبته -بأبي هو وأمي ﷺ بمقياس الشرع المطهر، وتوزن بميزان النقل الصحيح ومعيار الكتاب والسنة.
فشتان بين المحبة الحقيقة الصادقة وبين المحبة المزيفة المدعاة! وفصل ما بينهما تحقيق المتابعة للمحبوب، وقديماً زعم أقوام محبة الله ورسوله؛ فأنزل الله مطالبتهم بصدق برهانهم في دعوى المحبة بقوله سبحانه: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران:٣١].
فالمحبة الصادقة -يرعاكم الله- تقتضي اتباع سنته، ولزوم منهجه، والتأسي به ظاهراً وباطناً، قولاً وفعلاً واعتقاداً، ومنهجاً وسلوكاً وأخلاقاً؛ لقوله سبحانه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١].
وأما المحبة المدعاة فهي القائمة على الألفاظ دون المعاني، والمظاهر دون الحقائق، والشكليات دون المعنويات، والادعاء والشقشقة دون العمل والمتابعة، والذكريات والمناسبات في أيام وليال معلومات، دون الاتباع مدى الحياة إلى الممات، فانظر لنفسك أيها المحب من أي الفريقين أنت!
يا أحبة رسول الله ﷺ ! إن حب الله وحب رسوله ﵊ أمر كامن في شغاف النفوس، وفي قلوب أهل الإيمان متأصل ومغروس؛ لكن هيهات هيهات أن يكون في سجع المدائح وهز الرءوس!
محبة الله ورسوله عبادة يتقرب بها إلى الله، مقدمة عند أهل الإيمان على محبة كل محبوب، ولما قال عمر ﵁ للحبيب ﷺ : ﴿والله لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي.
قال ﵊: لا.
والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك.
قال: بل أنت أحب إلي من كل شيء حتى من نفسي.
قال: الآن يا عمر﴾ رواه البخاري.
يقول الإمام العلامة ابن القيم ﵀: ومنزلة المحبة هي: المنزلة التي تنافس فيها المتنافسون، وإليها شخص العاملون، وإلى عالمها شمر السابقون، وبروح نسيمها تروح العابدون، فهي قوت القلوب وغذاء الأرواح وقرة العيون، وهي الحياة التي من حرمها فهو من جملة الأموات، والنور الذي من فقده فهو في بحار الظلمات، والشفاء الذي من عدمه حلت بقلبه جميع الأسقام، واللذة التي من لم يظفر بها فعيشه كله هموم وآلام إلى آخر ما قاله ﵀ في هذا المقام.
فيا أيها المسلمون! أيها المحبون! لقد عرف سادات المحبين ﵏ معنى المحبة وضوابطها الشرعية؛ فوقفوا عند حدود ما جاء به المحبوب ﷺ ، وعلموا أن عصيان أمره ومخالفة منهجه دليل على كذب الادعاء.
هل يجرأ أحد من المحبين أو مدعي المحبة أن يزعم أنه أحب لدين الإسلام ولرسول الإسلام ﵊ من أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃ وأرضاهم، ومن بعدهم من القرون المفضلة؟!
أين العقول المفكرة؟! وأين البصائر الحية؟!
ولكن، صلوات الله وسلامه على الحبيب المصطفى والنبي المجتبى، القائل: ﴿فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة﴾ أخرجه أهل السنن من حديث العرباض بن سارية.
ألا ما أحوجنا أمة الإسلام -وقد انعكست كثير من المفاهيم، وتغيرت كثير من المعايير- أن تحيي في النفوس الحب المنهجي لا الحب العاطفي، وأن يستبدل الحب في الادعاء والمظهر بالصدق في الحقيقة والجوهر، ووالله الذي لا إله غيره إن ما أصاب المسلمين من ذل ومهانة، واختلاف وتفرق، سببه عدم الرجوع إلى المنبع الصافي، والمنهل العذب ما كان عليه رسول الهدى ﷺ وأصحابه ﵃ وأرضاهم.
стр. 344
النجاة كل النجاة في الاعتصام بالكتاب والسنة
أمة الإسلام! إن المرحلة الخطيرة التي يمر بها المسلمون اليوم سببها ضعف ولائهم لعقيدتهم، وتفريطهم في متابعة رسولهم ﷺ .
إن مما يؤسف كل غيور على دينه أن تكون فئام من الأمة يسيرون دون تحقيق ولا اتباع، والله إنها لأحوال مبكية وأوضاع مزرية، هؤلاء مسئولية من أيها المسلمون؟! على ماذا يحيون؟! وعلى ماذا يموتون؟!
والويل لمن حيا ومات على غير سنة النبي المصطفى ﷺ ، إلى متى تستمر الغثائية التي أثقلتها التكاليف الشرعية فعمدت إلى مظاهر محدودة، وعاطفة مشبوبة، دون تأصيل ولا منهجية؟!
إلى متى يستمر بعض المسلمين يعيشون حياة الادعاء للإسلام والتسمي به دون تحقيقه في عقيدة واتباع؟!
ماذا جنت الأمة من تمييع القضايا العقدية، وإذابة شخصيتها الإسلامية في تعتيمات وغمومات؟!
نعم.
كانت ولا زالت سبباً فيما وصل إليه حالها، فالله المستعان!
أمة الإسلام: بهذه المعالم الواضحة، والمقومات الظاهرة في قضية الاتباع، يستطيع كل ذي لب وبصيرة، ويتأهل كل ذي عقل رشيد ورأي سديد، أن يحكم على ما جدّ في حياة الناس اليوم، وما أحدث في مجتمعاتهم، فيدفعه ذلك إلى التمسك الصحيح بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ؛ ففيهما السلامة والعصمة.
إن الاعتصام بالوحيين قضية عقدية منهجية لا تخضع للتغييرات الجغرافية الضيقة، ولا النظرات الإقليمية المحدودة، بل إنها تتجسد بعيداً عن التعصب المذهبي والتحزب المنهجي الذي يسلكه بعض من قل فقهه وآثر الهوى على الهدى.
إن أمة الإسلام اليوم بحاجة ماسة إلى العودة إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ بعد أن أصبحت غرضاً للسئام، وطعمة للئام، وعبثاً للأقزام، وما هذه الحروب والويلات والتحديات والمؤامرات حتى استحلت المقدسات، وتُحِكمت في كثير من المقدرات؛ إلا دليل على ذلك، وإن تخلي كثير من أبناء المسلمين عن عقيدتهم، وتأثرهم بقيح شعارات براقة، وصديد ثقافات نافذة؛ أخرج أجيالاً بعيدة الانتماء عن مصدر عزها وسعادتها، وينبوع مبادئها وقيمها ومثلها، فلماذا كل هذا -أيها المسلمون- كأن لم يكن بيننا كتاب وسنة!
بأيديهم نوران ذكر وسنة فما بالهم في حالك الظلمات
ولقد كان سفلنا الصالح ﵏ يعظمون أمر السنة، وكانوا شديدي التمسك بها.
يقول الزهري ﵀: كان من مضى من علمائنا يقولون: الاعتصام بالسنة نجاة.
الله أكبر! وبعد يا حماة السنة! كيف هي الحال؟ لقد خلفت قلوب تعرف منهم وتنكر.
فلنتقي الله يا عباد الله، ولنروض أنفسنا على الاعتصام بالكتاب والسنة في كل الأمور اعتقاداً وقولاً وعملاً وسلوكاً وأخلاقاً، ولنحرص على إشاعتها وتعليمها والعمل بها، ودعوة الناس إليها، وتربية البيوت والأسر والنشء عليها، وإن على من أوتوا فيها حظاً من العلم ونصيباً من الفقه والفهم مسئولية كبرى في ذلك، فما ارتفعت رايات المخالفات إلا لما خلت لها الساحات، وتوارى بعض أهل الحق عن إرشاد الخلق.
فيا أمة محمد ﷺ ! أبدعاً والسنة ظاهرة؟! أمحدثات والسنن واضحات؟! أيتحول دين الله في رابعة النهار لهواً ولعباً، ويترك ميراث النبوة نهباً للعوادي؟!
فالله المستعان! ولكن قد صح عن سيد البشر ﵊ قوله: ﴿لا تزال طائفة من هذه الأمة على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك﴾.
نسأل الله تعالى أن يرزقنا صدقاً في التمسك بكتابه، وحسن المتابعة لرسوله ﷺ ، إنه جواد كريم.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام:١٥٣].
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بهدي سيد المرسلين.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 345
أهمية الولاء للمبادئ والثوابت
الحمد لله معز من أطاعه واتقاه، ومذل من خالف أمره وعصاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله، أكمل الله به الدين وأتم به النعمة وأقام به الحجة، وسد كل طريق إلى الجنة إلا من طريقه، فصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه.
أما بعد:
فاتقوا الله عباد الله! واعلموا أن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.
عباد الله! إن قيمة الأفراد والمجتمعات ومكانة الأمم والحضارات؛ تكمن في ولائها لمبادئها، وانتمائها لأصولها وثوابتها، وإن انتماء المسلم وولاءه يجب أن يكون لدينه وعقيدته، ولكتاب ربه وسنة نبيه ﷺ مهما طالت السنون، ومرت القرون، ولله در إمام دار الهجرة ﵀ حيث يقول: لن يصلح حال هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، وما لم يكن يومئذ ديناً فلا يكون اليوم ديناً.
كتب عمر بن عبد العزيز ﵀ إلى عامل له فقال: أما بعد:
فإني أوصيك بتقوى الله، والاقتصار على أمره، واتباع سنته وسنة رسوله ﷺ ، وترك ما أحدثه المحدثون بعده مما جرت به سنته، وكفينا مؤنته، فعليك بلزوم السنة؛ فإنها لك بإذن الله عصمة، واعلم أن السنة إنما سنها من علم ما في خلافها من الخطأ والزلل والحمق والتعمق، فارض لنفسك ما رضي به القوم لأنفسهم، فإنهم السابقون وإنهم عن علم وقفوا، وببصر نافذٍ كفوا، ولهم كانوا على كشف الأمور أقوى، وبفضل فيه لو كان أحرى، فلئن كان الهدى ما أنتم عليه فقد سبقتموهم إليه، وقد تكملوا فيه بما يكفي، ووصفوا منه ما يشفي، لقد قصر دونهم أقوام فجفوا، وطمح عنهم آخرون فغلوا، وإنهم بين ذلك لعلى هدى مستقيم.
وما أحسن ما قاله الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود ﵁: [[من كان منكم مستناً فليتسن بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة أولئك أصحاب محمد ﷺ كانوا أفضل هذا الأمة، وأبرها قلوباً، وأعمقها علماً، وأقلها تكلفاً، قوماً اختارهم الله لصحبه نبيه ﷺ ، فاعرفوا لهم فضلهم وتمسكوا بما استطعتم من آثارهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم]].
ألا ما أحوجنا أمة الإسلام اليوم، بعد أن أوشكت أمواج الفتن وأعاصير المحن أن تعصف بسفينة الأمة، وتطيح بها بعيداً عن ساحل الأمان، وشاطئ السلامة والنجاة، ما أحوجنا أن نراجع أنفسنا وننظر في أحوالنا ومناهجنا! ما مدى التزامنا بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ؟ ما مدى صدق دعوانا في عقيدتنا وتمسكنا بسنة رسول الهدى ﷺ ؟ إن مقياس ذلك الذي لا يتغير ومعياره الذي لا يتبدل هو النظر في التطبيق والاتباع.
هذا وإني أوصي المسلمين جميعاً من هذه البقعة التي انتشرت فيها رايات الكتاب والسنة -إعذاراً وبلاغاً للأمة، وبراءة للذمة- أن يتقوا الله ، ويتمسكوا بهدي سلفهم الصالح، ويبتعدوا عما أحدثه المحدثون وابتدعه المبتدعون.
فخير الأمور السالفات على الهدى وشر الأمور المحدثات البدائع
هذا وصلوا وسلموا -رحمكم الله- على الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، نبيكم محمد بن عبد الله، كما أمركم بذلك ربكم جل في علاه، فقال عز من قائل: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبينا وحبيبنا وقدوتنا محمد بن عبد الله ما ذكره الذاكرون الأبرار، وصلِّ عليه ما تعاقب الليل والنهار، وصلِّ عليه وعلى المهاجرين والأنصار، اللهم صلِّ عليه ما تلاحمت الغيوم، وما تعاقبت النجوم يا رب العالمين!
اللهم ارض عن خلفائه الراشدين وعن الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين!
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمنا مطمئناً وسائر بلاد المسلمين، اللهم آمنا في أوطاننا، وأدم الأمن والاستقرار في ربوعنا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم وفق إمامنا بتوفيقك وأيده بتأييدك، اللهم وفقه لهداك واجعل عمله في رضاك، وهيئ له البطانة الصالحة التي تدله على الخير وتعينه عليه.
اللهم هيئ لأمة الإسلام من أمرها رشداً، اللهم أصلح أحوال المسلمين في كل مكان، اللهم ولِّ عليهم خيارهم، واكفهم شر شرارهم يا ذا الجلال والإكرام!
اللهم انصر إخواننا المجاهدين في سبيلك في كل مكان، اللهم انصرهم في فلسطين وكشمير وفي كوسوفا وفي غيرها يا رب العالمين! اللهم عجل بنصرهم يا قوي يا عزيز!
ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكون من الخاسرين، ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين، الأحياء منهم والميتين، برحمتك يا أرحم الراحمين!
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 346
ألا لله الدين الخالص
إن الله أنزل هذا الدين على نبيه محمد ﷺ وأمره بالإخلاص له في الدعوة؛ لكي تثمر دعوته ويكثر الله أتباعه، ثم إن الله أمر المؤمنين أن يخلصوا في طاعتهم لربهم في شتى العبادات، كالعلم والدعوة والعبادة وغير ذلك وقد تعرض الشيخ في هذا الدرس لأهمية الإخلاص وتعلقه بالدين قولاً وعملاً واعتقاداً.
стр. 347
الإخلاص وجوانب أهميته
إن الحمد لله، نحمده ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله، بلَّغ الرسالة، وأدَّى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، تركنا على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك.
فصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:-
أيها الإخوة في الله! سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، ومرحباً بكم في هذا اللقاء الطيب المبارك في مدينة جدة عبر هذه الكلمة المتواضعة التي منّ الله بها عليّ، فالتقيت بإخوة فضلاء نُحبهم في الله، جمعنا بهم طريق الهدى، ومنهج الإسلام والتقى، والدعوة إلى الله ﵎، فإنها لنعمة عظيمة أن نلتقي في هذا المكان الطيب المبارك، قرب بيتٍ من بيوت الله، ولعل هذا من نشاط إخواننا في جدة -وفقهم الله- الذين لم تقتصر محاضراتهم على المساجد فقط، وإنما شملت حتى الميادين، ويذكرنا هذا اللقاء برحلة برية نلتقي فيها عبر الهواء العليل، والظل الظليل، والمكان المناسب.
كيف لا؟! وكل اجتماع خير تحفه ملائكة الرحمن، ويذكر الله الحاضرين فيمن عنده، نسأل الله أن يشملنا وإياكم بمنه وكرمه.
وليس المراد المكان بقدر ما يكون المراد اللقاء والتوجيه والمشاركة والذكرى، فإن الذكرى تنفع المؤمنين.
أشكر الله تعالى أولاً وآخراً على جميع مننه وآلائه، ثم أشكر المنظمين لهذه المحاضرة في مركز الدعوة وغيرهم من إخوة نذروا أنفسهم لله، ويعملون وينظمون المحاضرات التعاونية بتوجيه ومعونةٍ لإخوانهم في المراكز الرسمية، فأثابهم الله وبارك في جهود الجميع، ثم نشكر جميع الحاضرين الذين آثروا اللقاء في هذه الليلة المباركة، رغم أنها ليلة من الليالي التي يكثر فيها انشغال الناس، لا سيما والوقت عشاء، فلعل صاحبكم لا يطيل عليكم بالكلمة المختصرة التي تشمل موضوعاً غايةً في الأهمية، لا يستغني عنه كل مسلم؛ بل يحتاجه كل إنسانٍ في هذه الحياة؛ لأن مصيره الأخروي وحياته الدنيوية وصلاحها واستقامتها وسعادتها، مرهونةٌ بتحقيق هذا الأمر المهم، ألا وهو أمر الإخلاص لله تعالى.
أيها الإخوة! ما أهمية هذا الموضوع، وما جوانب أهميته؟
وما تعريف الإخلاص عند أهل اللغة، وما أقوال أهل العلم في تعريف الإخلاص؟
وما هي الآيات والنصوص الدالة على هذا الأمر المهم؟
وما هي الأحاديث النبوية الشريفة التي جاءت في هذا الجانب؟
وما هي أقوال السلف في هذا الأمر المهم؟
ثم ما هي أحوالنا وما أوضاعنا تجاه هذه القضية المهمة؟
لننظر في أحوالنا وفي واقعنا، هل حققنا الإخلاص لله، أم أن هناك شوائب أُخرى أثَّرت على إخلاصنا، وإيماننا وتوحيدنا وعقيدتنا؟
ما هي أسباب وجود الإخلاص في نفس العبد، وما دوافع ذلك، وما مجالات الإخلاص التي تحول دون تحقيق الإخلاص؟
ما هي الأسباب التي تؤثر على الإخلاص، وما الآثار النافعة التي يُحققها الإخلاص في الدنيا والآخرة؟
هذه بعض الجوانب التي يحتاجها المتحدث والسامع لهذه القضية المهمة.
إن هذا الموضوع المهم -الذي هو موضوع الإخلاص- تأتي أهميته من ثلاثة أمور:
стр. 348
الإخلاص شرط لقبول الأعمال
الأمر الأول: أن هذا الموضوع يعتبر من الأهمية بمكان، حيث إنه شرطٌ لقبول الأعمال، فالأعمال لا تُقبل إلا إذا كانت خالصةً لله ، صواباً على سنة الحبيب المصطفى ﷺ ، فأمرٌ هذه مكانته، جدير بنا أن نتواصى به! ألا يجدر بنا أن نذكر به؟! ألا يجدر بنا أن نعرفه وأن نربط أنفسنا به؟ لأن هذا أمرٌ مهم! ولا تُقبل الأعمال إلا إذا حققت هذا الشرط.
стр. 349
اعتناء الشريعة بموضوع الإخلاص
الأمر الثاني: أن هذا الموضوع المهم قد جاءت به نصوص الشريعة، من كتاب الله وسنة رسوله ﵊، فعشرات الآيات والأحاديث تركز على هذا الموضوع المهم، وما ذاك إلا لأهميته، وأنه أساس متين ينبغي على كل عاملٍ وعالمٍ ومسلمٍ أن يعرفه ليطبقه.
стр. 350
إهمال الناس لجانب الإخلاص
الأمر الثالث: تفريط كثيرٍ من الناس في هذا الجانب المهم إي والله! تفريطٌ عظيم، وتقصير كبير، فكم من الأمور التي تزاحم الإخلاص؟! وكم من الاهتمامات التي تعوق مسيرة الإخلاص؟! وكم من الأمور التي تخالط النفوس والقلوب؛ فتؤثر في مجراها الصحيح، لتصرف العمل لغير الله، أو تصرفه لله مع ما يلحقه من الشوائب المنقصة للعمل، أو المحبطة له والعياذ بالله!!
إننا في زمانٍ غلبت فيه الماديات، وكثرت فيه المغريات، وأصبح الإخلاص عزيزاً عند كثيرٍ من الناس، وأصبح الإخلاص قليلاً في اهتمامات كثير من العاملين، ومع الأسف الشديد!!
ولهذا قال بعض السلف: "إن الناس كلهم هلكى؛ إلا العالمون، والعالمون كلهم هلكى؛ إلا العاملون، والعاملون كلهم هلكى؛ إلا المخلصون، والمخلصون على خطرٍ عظيم! ".
هناك أعداء ضد تحقيق الإخلاص، من داخل النفس ومن خارجها، أمورٌ زيَّنها الشيطان لكثيرٍ من الناس؛ في العلم والدعوة والإصلاح في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في العبادة في السلوك، حتى انحرفت بهم الجادة إلى غير الطريق المستقيم، عافانا الله وإياكم: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾ [الكهف:١٠٣ - ١٠٤].
стр. 351
تعريف الإخلاص
стр. 352
الإخلاص في اللغة
الإخلاص في اللغة: من خلص يخلص خلوصاً، وأخلص يخلص إخلاصاً، وهذه اللفظة ذات الحروف الثلاثة (الخاء واللام والصاد) تدل على السلامة، وعلى الصفاء والنقاء من الشوائب.
تقول: (ذهب خالص) إذا كان سالماً من الشوائب التي تؤثر على صفائه ونقائه، وتقول: عمل خالص: إذا كان محققاً للشروط التي تجعله مقبولاً وصالحاً ومتبعاً فيه سنة النبي ﷺ .
стр. 353
الإخلاص في الشرع
عرَّف عُلماء السلف الإخلاص بأنه: العمل لله دون شوائب محبطة له، أو دون الشوائب التي تنقصه وتؤثر عليه.
стр. 354
حقيقة الإخلاص
إخلاصٌ لله بأن الله هو الخالق الرازق الرب المحيي المميت المعبود، فلا معبود بحقٍ سواه، الذي يجب أن تصرف له العبادة: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣].
هذا هو الإخلاص، أن تكون الحياة وأن يكون الممات وأن تكون الصلاة وأن يكون النسك والعبادة كلها خالصة لوجه الله، لا تصرف لأحد، ولا لبشر، ولا لحجر، ولا لبقر، ولا لطاغوت، ولا لوثن، ولا لأحد من الناس كائناً من كان، هذه هي العبادة لله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥]، وهذا الأمر هو حقيقة دعوة الرسل عليهم الصلاة والسلام، فالرسل عليهم صلوات الله وسلامه إنما بُعثوا لدعوة الناس إلى الإخلاص في عبادة الله وحده لا شريك له، وترك ما يعبده الآباء والأجداد والأهل ترك ما يعبده كل الناس من عبادةٍ ما سوى الله ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ [النساء:٣٦]، ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء:٢٣]، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥].
وكل نبيٍ يُبعث إلى قومه يقول: اعبدوا الله ما لكم من إله غيره، فلا دعوة إلى أشخاص، أو إلى زعامات، أو جماعات، أو أحزاب، أو مناصب، أو للدنيا وكل أمرٍ وجانبٍ منها، بل دعوة لله وإلى الله؛ يقول تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف:١٠٨].
هذه هي القضية التي ينبغي أن يرتبط بها الناس والأجيال، ويرتبط بها الدعاة قضية العقيدة والإيمان والتوحيد لله، وإخلاص العمل لوجه الله ﵎، هذا هو الأمر الذي ينبغي أن نهتم به.
أيها الشباب أيها الدعاة أيها الإخوة الأحباب! أينما كنتم وحيث ما حللتم، نحن أمة نرتبط بمنهج وبتوحيد، ونرتبط بعقيدة صحيحة، وبإيمانٍ بالله الواحد القهار، فيجب أن نعلمه ونعمل به، وأن ندعوا إليه، وأن نصبر لما يصيبنا من الأذى فيه، وأن تكون حياتنا ومماتنا كلها في هذا السبيل، هذه هي حقيقة الإخلاص.
أيها الإخوة الذين نحسبكم مخلصون ولا نزكي على الله أحداً! وما هذا الموضوع إلا للتذكير بهذه القضية، في وقتٍ زاحمت فيه كثيرٌ من الاهتمامات الجانب الرئيس في الإخلاص، وأصبح ولاء الناس -بل كثيرٌ من الناس- لغير الإخلاص عياذاً بالله، فينبغي أن يراجع الإنسان نفسه، وأن يحاسبها، وأن يقومها على منهج السلف الصالح ﵏ ورضي عنهم.
стр. 355
الأدلة من الكتاب والسنة على وجوب الإخلاص
أيها الإخوة! حديثٌ عظيم -كلكم يعرفه- يقول فيه النبي ﷺ : ﴿إنما الأعمال بالنيات! وإنما لكل امرئٍ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه﴾.
حديث عظيم في النية ومكانتها، والنية: هي التي ينبني عليها الإخلاص لله ، فالعمل بلا نية -كما قال أهل العلم- عناء، وعمل بلا إخلاص هباء، والعياذ بالله، يقول الله : ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾ [الفرقان:٢٣].
وقاعدة النية قاعدة عظيمة، اعتنى بها علماء الإسلام، وصدر كثيرٌ من أهل العلم في الحديث وغيرهم كتبهم بهذا الأمر المهم، تذكيراً بشأن النية، وأن على المسلم أن يكون ذا نية، وأن يكون مخلصاً نيته لله ﵎، يقول الله : ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر:٢] أمرٌ بالعبادة؛ والعبادة لا تكون عبادة إلا إذا كانت خالصة لوجه الله: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ * أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر:٢ - ٣].
بلى والله! لله الدين الخالص، وتعالى الله عما يُشرك به المشركون علواً كبيراً.
الله سبحانه هو الذي منّ علينا في هذه الحياة وخلقنا ورزقنا، وما بنا من نعمة فمنه وحده، ومن قلة الحياء عقلاً أن تتوجه إلى غيره، فكيف وقد جاءت النصوص الشرعية، وأصبح إيمان العبد لا يصح إلا بتحقيقه لله وحده.
الله سبحانه يجب أن تُصرف له العبادة بكل ما تحمله كلمة (العبادة) من معنى، فكل تحرك ينبغي أن يكون لله، ولهذا ينبغي على المسلم المحب نجاته أن يعرف خطواته كم منها لله؟ وكم منها لغير الله؟
وأن يعرف لقاءاته وجلساته، وأن يعرف اهتماماته، هل هي لله أو تشوبها شوائب من العمل للدنيا أيَّن كانت؟
يقول تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة:٥] ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ * وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ * قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ * قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي * فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر:١١ - ١٥].
إن يرضى عني الناس أو إن يسخطوا أنا لم أعد أسعى لغير رضاك
على المسلم أن يلتمس رضا الله وإن سخط الناس كل الناس، عليه أن يسير على منهج كتاب الله وسنة رسوله ﵊ وفهم السلف الصالح، المأخوذ من العلماء الربانيين الذين يبينون للناس ما خفي عليهم، ويبينون الحق عند التنازع والاختلاف من كتاب الله وسنة رسوله ﵊.
أما الذين يعملون لغير الله؛ فإن أعمالهم وبالٌ عليهم والعياذ بالله! أو من يعملون أعمالاً لكنهم يقعون في الرياء الذي يُناقض الإخلاص أو ينقصه، والعياذ بالله.
أن ينظر الإنسان إلى أعمال الناس وإلى أقوالهم، وأن يلتمس مدحهم وثناءهم وإعجابهم، فالناس هم الذين يوجهونه، وهم الذين يريدون منه أن يفعل كذا فيفعل، ويلتمس رضاهم ويبحث عن ثنائهم، ويسأل عن مدى إعجابهم، هذه هي البلية التي تناقض الإخلاص، والعياذ بالله!
﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود:١٥ - ١٦].
﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ [الشورى:٢٠] ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَدْحُوراً * وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً﴾ [الإسراء:١٨ - ١٩].
أيها الإخوة! فلنكن ممن يريد الآخرة بعمله، فالدنيا سوف تأتيك وهي راغمة ولن يأتيك من الدنيا إلا ما كُتِبَ لك، فلا تنظر إلى الناس ولا إلى مدحهم، كباراً كانوا أو صغاراً، بل يجب عليك أن تسلك رضا الله وإن سخط الناس.
نعم! المسلم يأتيه مدح الناس وثناؤهم؛ لكنه لا يتطلع إليه إن جاءه شيء، فذلك مشجعٌ له على الخير؛ كما قال ﵊ في الصحيح حينما سُئِلَ ﵊: ﴿إن الرجل ليعمل بالعمل ابتغاء وجه الله فيمدحه الناس، قال: تلك عاجل بُشرى المؤمن﴾.
لكن الخطر كل الخطر! أن يلتمس الإنسان رضا الناس على معنى أنه يعمل فيما يرضيهم، وإن سخط الناس أحجم عن العمل وإن كان عملاً شرعياً، ولهذا يقول بعض السلف: "ترك العمل لأجل الناس رياء، والعمل لأجل الناس شرك".
أن تعمل لأجل أن يراك الناس، أو لأجل الناس فهذا شرك والعياذ بالله!!
أما أن تترك العمل الصالح للناس فذلك من باب الرياء؛ لأنك لم تنظر إلى ما يريده الله، وإنما نظرت إلى آراء الناس وكلامهم ورضاهم، وليس معنى ذلك: أن الإنسان يضرب بآراء الناس عرض الحائط، لكن يسمع كلام الناس ويأخذ منهم، ويفتح قلبه وصدره لهم، ويناقشهم ويجادلهم بالحسنى، لكن الحق أحق أن يُتَّبع، أما إذا رضي الناس إلا أن تترك الخير، أو تترك السنة، أو تترك المعروف، فليسخط الناس كلهم، ولكن على الإنسان أن يبين لإخوانه في الله، ويبين للناس ما ينبغي أن يعرفوه من أمور دينهم، ولا ينبغي أن يعرفوه عند الاختلاف والتنازع، وأن يكون معروفاً مأخذه ورأيه، ومستنداً إلى دليل من كتاب أو سنة، ويكون أهل العلم هم الذين يبينون النزاع فيما وقع فيه النزاع: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء:٨٣].
следующие страницы →