← Джавами‘

Джавами‘ · id 7738

دروس للشيخ عبد الرحمن السديس

عبد الرحمن السديس

Полный текст (1 023 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

أوهام السحر والعين عند الناس الحمد لله خلق فأمر، وملك فقهر، وكل شيء عنده بقضاء وقدر، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله الشافع المشفع في المحشر، القائل فيما صح عنه: ﴿لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر﴾ صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه السادة الغرر، والتابعين ومن تبعهم بإحسان، ما اتصلت عين بنظر، وأذن بخبر. أما بعد فاتقوا الله -عباد الله- ففيها الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، واعلموا أن أشد ما ابتليت به النفوس، وأصيبت به المجتمعات، دخول النقص عليها في أعز ما لديها؛ في عقيدتها وثوابتها. ومن ذلك أعمال السحر والشعوذة، والتطير والتشاؤم، والتعلق بالأوهام من بعض الشهور والليالي والأيام، وذوي العاهات والأمراض والأسقام. والمؤمن الحق يعيش نقي السيرة، صافي السريرة، لا يعرف الوهم إلى نفسه سبيلاً، ولا يجد الهلع عليه مدخلاً وطريقاً. أيها الإخوة! ومع أن السحر حقيقة واقعة، والمس والتلبس والإصابة بالعين كلها حقائق شرعية وواقعية، إلا أن بعض الناس يعيش حياة الوهم في كافة أموره، فكثيرون هم صرعى الأوهام والوساوس؛ إذا آلم أحدهم صداع، قال: هذا مس، وإذا أصيب بزكام قال: أواه! هذه عين، ومن المقرر أن الابتلاء سنة وتمحيص، والبشر عرضة للأمراض والأسقام.

стр. 422

علاج السحر والعين إخوة الإسلام! ومع تشخيص الداء، فلا بد من وصف العلاج والدواء، إلا أن الله سبحانه لم يجعل شفاء أمة محمد ﷺ فيما حرم عليها، والتداوي بالرقى المشروعة أو بألوان الطب الحديث أمر مشروع، ولا ينافي التوكل على الله، لكن لا بد من النظر في أهلية المداوي ديناً وعقيدةً واستقامةً وصدقاً وأمانةً. وحل السحر ودواء العين لا يكون بسحرٍ مثله، وهو ما يعرف بالنشرة، وهي حل السحر عن المسحور، وقد سئل عنها ﷺ فقال: ﴿هي من عمل الشيطان﴾ أخرجه أحمد وأبو داود بسند جيد. بل بالأدوية الشرعية، ولا يلزم أن يكون من يرقي معروفاً أو مشهوراً أو ممن اتخذ هذا الأمر حرفة؛ يستدر من خلالها أموال الناس، ويبتز جيوبهم؛ بل القرآن شفاء من كل مرض وداء: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفَاءٌ﴾ [فصلت:٤٤] ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَاراً﴾ [الإسراء:٨٢]. فعليكم -رحمكم الله- بالإقبال على القرآن، والبعد عن المعاصي، فلم تكن أعمال الشعوذة لتروج في بعض المجتمعات، لولا ضعف الإيمان لدى كثير من أهل الإسلام، وانتشار المعاصي في كثير من البيوتات والمجتمعات، وعليكم -يا رعاكم الله- بتحصين أنفسكم وأولادكم بالرقى المشروعة والأوراد المأثورة فهي حصن حصين وحرز أمين. حافظوا على أذكار الصباح والمساء، وأدعية الدخول والخروج والنوم. أكثروا من قراءة فاتحة الكتاب، وآية الكرسي، وخواتيم سورة البقرة، وسورة الإخلاص، والمعوذتين، فإنها حرز لصاحبها بإذن الله، من كل داء وبلا.

стр. 423

وصفة طبية نبوية لعلاج السحر والشعوذة وهاكم رحمكم الله وصفة طبية نبوية هي خير لكم وأمان. روى أبو داود والترمذي عن عبد الله بن حبيب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿اقرأ قل هو الله أحد والمعوذتين حين تمسي وحين تصبح ثلاث مرات، تكفيك من كل شيء﴾. وعن عثمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿ما من عبد يقول في صباح كل يوم ومساء كل ليلة: بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء، وهو السميع العليم، ثلاث مرات إلا لم يضره شيء﴾. الحمد لله الذي ما أنزل من داء إلا وأنزل له دواء، ونسأله تعالى أن يمن على الجميع بالشفاء والعافية من أمراض القلوب والأبدان إنه جواد كريم، ونشكره سبحانه أن هيأ في بلاد التوحيد ومؤئل العقيدة ومأرز الإيمان من يصلت الصارم البتار على رقاب هؤلاء السحرة الأشرار، وينفذ حكم الله فيهم، صلاحاً للعباد، وحفظاً لأمن البلاد، وتطهيراً لها من ألوان الشر والفساد. مهما حاول خفافيش الظلام إسدال الستار وتشويه الحقائق فلن يحجب ضوء الشمس كف دعي مغرض والله المستعان! ألا وصلوا وسلموا -رحمكم الله- على النبي المصطفى، والرسول المجتبى، والحبيب المرتضى، كما أمركم بذلك ربكم جل وعلا، فقال تعالى قولاً كريما: ً ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦]. اللهم صل على نبينا محمد ما ذكره الذاكرون الأبرار، وصل عليه ما اختلف الليل والنهار، وصل عليه وعلى المهاجرين والأنصار، وارض اللهم عن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم برحمتك وكرمك يا أكرم الأكرمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الملة والدين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين، اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، وأيد بالحق والتوفيق والتسديد إمامنا وولي أمرنا، اللهم وفقه لما تحب وترضى، وخذ بناصيته للبر والتقوى، اللهم ارزقه البطانة الصالحة التي تدله على الخير وتعينه عليه. اللهم وفق جميع ولاة المسلمين لاتباع كتابك، وتحكيم سنة نبيك ﷺ ، اللهم اجعلهم رحمة على عبادك المؤمنين. اللهم إنا نعوذ بك من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة. اللهم اكفنا شر الأشرار وكيد الفجار وشر طوارق الليل والنهار، إلا طارقاً يطرق بخير يا رحمن. اللهم انصر إخواننا المجاهدين في سبيلك في كل مكان، اللهم قو عزائمهم، وسدد سهامهم وآراءهم. اللهم عليك باليهود المعتدين فإنهم لا يعجزونك، اللهم أنقذ المسجد الأقصى من براثن المعتدين، اللهم عاجلاً غير آجل يا قوي يا عزيز. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ. عباد الله! إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ. فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أعلى وأجل وأكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 424

حوار الحضارات إن ما يشنه أعداء الله من حرب إعلامية ضد الإسلام، لتشويه معالمه، والطعن في الألوهية والرسالة المحمدية، كل هذا يوجب على الأمة أن تستيقظ من سباتها، وتتخذ الوسائل الموجبة للدفاع عن الدين الإسلامي الحنيف بالحوار والمناظرة، والإعلام والصحافة الإسلامية وغير ذلك.

стр. 425

الحرب الإعلامية على الإسلام إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١] أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلاله. أيها المسلمون: في عصر التحدي الحضاري، ودوامة التحامل الإعلامي على هذا الدين الإسلامي؛ تتعاظم حاجة الأمة الإسلامية إلى الاضطلاع بمهمة المشروع الحضاري الإسلامي، تقويماً للمسيرة، وتصحيحاً للرؤى، وتنسيقاً في الجهود والمواقف، وإعلاءً لمنظومة المثل والقيم، وإشاعة للود والتسامح والتراحم، وبثاً لرواح التعاون والتصافي والتفاهم، وبالتالي ارتقاءً بالإنسانية وإسعاداً للبشرية. معاشر المسلمين: واستقراءً لنصوص الوحي المطهرة، واعتباراً بحوادث التاريخ، وتأملاً في دنيا الواقع يخرج الغيور المستبصر، ويدرك المتابع المتأمل: أن آليات الهجوم على الإسلام وتشويه حقائقه وطمس محاسنه، تتنامى ولا تتناهى، وتكون أكثر خطورة وأشد ضراوة، حينما تشعل الحرب الإعلامية فتيلها، وتذكي الهجمة الدعائية أوارها. حيث لم تعد مقتصرة على بعض الأقلام الآحادية المغرضة، بل تبنتها مراكز أبحاث ودراسات، وتلقفتها دوائر ومؤسسات في ظاهرة من التحامل المنظم، والتخطيط المبرم، مما يستدعي من الأمة وقفة جادة متأنية، لدراسة أبعاد هذه الحملة ومراميها وأهدافها، ووضع البرامج والآليات العملية لمواجهتها والتصدي لها، ومن هنا جاءت الحاجة الملحة، لتبني الأمة للمشروع الحضاري الإسلامي الذي ينبغي على كل ذي دين وغيرة أن يسهم بما يستطيع لدعمه وتشجيعه ولو بإعطاء صورة مشرقة عن الإسلام، في حسن تعامله وتصرفاته وضبط سلوكياته وأخلاقياته.

стр. 426

بواعث طرح المشروع الحضاري

стр. 427

التعدي على مقام الألوهية والرسالة إخوة العقيدة: ولعل أهم بواعث طرح هذا المشروع الحضاري: تلك الحملات الموتورة التي تصوب سهامها ضد دين الأمة وقيمها، وثوابتها وبلادها، فتطاولت على مقام الربوبية والألوهية، ونالت من جناب صاحب الرسالة المصطفوية -بأبي هو وأمي ﷺ وسخرت من الحدود الشرعية وطالبت بإلغائها، وهاجمت الحجاب وقضايا المرأة المسلمة، وحملت على مناهج التعليم الإسلامي، واتهمت المؤسسات الخيرية والإغاثية والإنسانية، وشوهت دورها الريادي الذي تقوم به عالمياً، وسلطت ألسنة حداداً وأبواقاً شداداً على بلاد الحرمين -حرسها الله- في أهم جوانب كيانها ومكونات وجودها، تشويهاً للحقائق وتضخيماً للهنات والشقاشق، وما ذاك إلا لأنها محضن الإسلام، ومأرز الإيمان، ومتنزل القرآن، ولها المكانة الكبرى والقدح المعلى في تبني قضايا المسلمين والدفاع عن حقوقهم. والأدهى من ذلك الأساليب المنفرة التي تقوض دعائم السلام العالمي، وتخلخل ضمانات الأمن الدولي، وتسهم في إضعاف فرص التعايش بين الحضارات، وتدعم الصراع بين المؤسسات، وتغذي الإنسانية بالأحقاد، وتذكي لهجة الكراهية بين الشعوب، وتهز المصداقية والموضوعية في الطرح والرؤى، وتروج الأكاذيب والأراجيف والشنشنات الأخزمية، وكل ذلك لن يضير هذا الدين بحمد الله، بل لقد كان من أسباب الإقبال عليه والقراءة عنه. كما أن هذه الافتراءات سوف تتحطم -بإذن الله- أمام صخرة تمسك الأمة بثوابتها، وتتلاشى أمام سدها المنيع، المتمثل في عدم اهتزاز قناعات الأمة بدينها، وتلاحم رعاتها ورعيتها في مرحلة حرجة، وفترة عصيبة، تتطلب بُعْد النظر، وتغليب منطق العقل والحكمة، والإرجاء لصغار المصالح لئلا تفوت كبارها، والأخذ بأدنى المفاسد حتى لا تحصل عظامها، فالدين والأمة، والمجتمع والبلاد مستهدفة في أعز مقوماتها. ولذلك فإن تبني الأمة للمشروع الحضاري الإسلامي، يحقق الحفاظ على ثوابتها وعلى هويتها، ويوحد جهودها في مواجهة المخاطر، ويحفظها -بإذن الله- أن تستدرج لمعارك خاسرة، أو يستثار ويستفز بعض أبنائها في أنماط هامشية، تستجر الأمة من خلالها إلى ويلات من الفتن والمحن، وطوفان من الرزايا لا يعلم عواقبها إلا الله. كما أن الحفاظ على جبهة الأمة الداخلية ووحدة صفها الأرضية الصلبة التي ينطلق منها هذا المشروع الحضاري، ليتفيء العالم ظلاله خيراً وعطاء وسعادة ونماء وأمناً وسلاماً وتسامحاً ووئاماً، في بعد عن غوائل الشرور والعنف والإرهاب، ومسالك الظلم والإفساد والإرعاب.

стр. 428

توالي الحملات الغربية المغلفة إخوة الإيمان: ومما يؤكد أنه قد آن الأوان لتبني الأمة لهذا المشروع الحضاري: أن تلك الحملات المغرضة تقدم للعالم بقالب آخاذ تغطيه أصباغ خادعة، ومكايد حضارية مصطنعة، لا يلبث قناعها أن يسقط؛ ليتبدى زيف الشعارات وترنح هذا الحضارات، فقدمت الحملات تحت شعار حقوق الإنسان، ومكافحة الإرهاب، ومن أجل الحرية والعدالة والمساواة والرخاء والانفتاح، وتخليص الإنسانية من الجمود والتخلف، والتقدم بها نحو حياة تسودها مقايس التحديث والتقدم والحضارة، في حرب مصطلحات خطيرة، يوشك أن تخدع ببهرجتها كثيراً من المنهزمين من أبناء هذه الأمة. أمة الإسلام: لقد استهدفت هذه الحملات الدعائية القضاء على الوجه الإسلامي المتألق، وتشويه صورته الوضاءة، والهجوم على حضارتنا الإسلامية، وقيمنا الاجتماعية المحافظة، في عولمة مشبوهة تنفث سمومها لتفرض أنماطاً من الهيمنة الفكرية والأخلاقية على الأمة الإسلامية وتحمل أبعاداً عقدية خطيرة. ومن الأسف أن ينبري بعض المخدوعين من أدعياء الفكر والثقافة، بأصوات بغبغاوية، ليستعدي -أصحاب هذه الحملات المغرضة- على أمته وتاريخه وبلاده في تشويه متعمد، وآخرون في تشويه غير متعمد؛ ممن يجهلون أو يتجاهلون حقيقة رسالة الإسلام الحضارية، فلا يحسن عرضه وتقديمه للعالم بجمالياته ومحاسنه وأخلاقياته ليهلك من هلك عن بينة، ويحيا من حيَّ عن بينه.

стр. 429

اقتراح المشروع الحضاري في الحوار مع الأمم أمة الإسلام: إن سيبل المواجهة لهذه الحملات الإعلامية أضحى أمراً حتمياً على الغيورين، بعدما تبين خطورة الأمر وأبعاد المؤامرة، وأن القوم يعدون لأبعاد تآمرية على أمتنا الإسلامية، لا يمكن إغفالها أو تجاهلها، أوالاعتذار عنها وتبريرها، أو ظن أن التنازلات والاستجابة لشدة ضغوط هذه الحملات تستثني أصحابها عن تحقيق أحلامهم ضد هذه الأمة. وإذا ما أخذنا شاهداً حياً على ذلك: فإن قضية المسلمين الكبرى، قضية فلسطين المسلمة المجاهدة، تأتي مثلاً ساخناً على الأطماع الدنيئة لأصحاب هذه الحملات الدعائية العدوانية، حيث صورت المقاومة الشرعية والانتفاضة الجهادية على أنها عمليات إرهابية. واليوم يكاد أسفنا لا ينقضي ونحن نرى ونسمع ما يتحدى مشاعر أكثر من مليار وربع المليار من المسلمين ويمثل صدمة عنيفة لهم، وذلك بقرار خطير غير مسبوق يسلب مدينة القدس عروبتها وإسلاميتها، في تحدٍ للحقوق التاريخية والقرارات الدولية، مما يتطلب استنفاراً إسلامياً على كافة الأصعدة والمستويات؛ لمواجهة صهينة أولى القبلتين، ومسرى سيد الثقلين، ﷺ أقر الله الأعين بفك أسره وتحريره. ومن هنا: فإن تبني الأمة للمشروع الحضاري سوف يسهم بأفعال -لا بردود أفعال- إلى مواجهة مثل هذه الحملة وأبعادها بالأساليب الحضارية الهادفة إلى تثبيت هوية الأمة، وتفعيل دورها، من حيث كونها أمة الخيرية والرحمة والشهادة على العالمين، وإبراز دورها الحضاري، وحقها التاريخي ووجهها المشرق، وتصحيح الصور المغلوطة عن الإسلام وأهله، وتوعية الأمة بخطورة الحملة ضد دينها وثوابتها وبلادها ومقدساتها، والسعي في إصلاح أحوالها، وتفادي أزماتها لتقوية عقيدتها بربها، والتلاحم الصادق بين قياداتها وشعوبها، والمطالبة بتجاوز خلافتها الجانبية، ومعاركها الوهمية، والتوحد في وجه الطوفان الكاسح الذي يسعى لاجتياح الجميع، وأن يتم تنسيق الجهود بسد جميع الثغرات التي ينفذ منها المصطادون بالمياه العكرة، والحاجة ملحة لمقابلة الحملة بنفس وسائلها، وإلى وضع برنامج علمي إعلامي مدروس يتسم بحسن العرض، وأسلوب الخطاب، والمتمثل في قول الحق ﵎: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً﴾ [البقرة:٨٣] ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الإسراء:٥٣] ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل:١٢]، والحوار الحضاري للعالم بلغاته الحية، وتوضيح الحقائق أمامه، وبيان خطورة الحملات الظالمة، وما تجره من استعداء العالم، وإعلاء لهجة الحقد والكراهية والتميز، وما تجره من شقاء على الإنسانية. والحق أن غياب الإعلام الإسلامي الهادف ومواكبة التطور التقاني، واستثمار القنوات الإعلامية الفضائية، والشبكات المعلوماتية الإلكترونية كان من أكبر العوائق لوصول الكلمة الرصينة، والحوار الهادف إلى العالم، فهل يعي رجال الإعلام والأعمال في الأمة، حقيقة دورهم ووجوب إسهامهم في هذا المشروع الحضاري، دفاعاً عن دينهم وأمتهم وبلادهم؟! وهل يحسن علماء الشريعة ودعاة الإسلام عرض ما لديهم من حق وثوابت مرتبطاً بالمبادئ والغايات والمصالح والقيم والأخلاقيات والآداب والشرائع والجماليات في تنسيق للجهود، وسلامة للصدور، وبعد عن غوائل الشرور، ومراعاة للأولويات، وحسن تعامل مع المتغيرات المرتبطة بالوسائل والأساليب، حتى تقام الحجة، وتتضح المحجة، فالحق يعلو ولا يعلى عليه؟! وفي طلعة البدر ما يغنك عن زحل: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾ [الرعد:١٧]. نفعني الله وإياكم بهدي كتابه، وبسنة نبيه محمد ﷺ إن ربي لطيف لما يشاء، إنه هو العليم الحكيم، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولكافة المسلمين من كل ذنب فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 430

معالم وركائز المشروع الحضاري اللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، أحمدك ربي وأشكرك على إنعامك وإحسانك وتوفيك وامتنانك، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله، بعثه بالحق بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فاتقوا الله عباد الله! فإنها خير شعار، وأفضل دثار، وبها النجاة من سخط الجبار، ودخول الجنة دار القرار، وعليكم بالجماعة؛ فهي طريق الأخيار، وحاذروا مسالك الأشرار والفجار. أيها الإخوة في الله! من ملامح هذا المشروع الحضاري ومعالمه وركائزه؛ ليرسم طريق الخلاص للعالم من الواقع البئيس الذي يعيشه: أنه رباني عالمي، وسطي سلفي، أخلاقي إنساني حضاري، إيجابي شمولي واقعي، ترتبط الأصالة فيه بالمعاصرة، يلتزم المصداقية بلا تضخيم، والواقعية بلا انهزامية، والشفافية بلا تهريج. الإنصاف رائده، والعدل حاديه، والتسامح أسلوبه وقالبه، يعمل على حشد الطاقات في الأمة لا على تحديدها، يسلك مسالك الإخلاص للخالق والرفق والرحمة بالمخلوقين، يتسم بالعقل والتسامح والحكمة، ويحاذر الصلف والعنف والتهور والشطط، وبذلك تحقق أمتنا الريادة الحضارية وتستعيد أمجادها التاريخية، وتتخلص من أزماتها الخانقة، وتصلح أوضاعها المتردية بإذن الله. أيها الإخوة في الله: ولعل أولى الخطوات في ذلك: الرجوع إلى الذات، ومحاسبة النفس، والوقوف طويلاً للمراجعات، تصحيحاً في المعتقد، وسمواً في الخلق والسجايا، وسلامة في الاتباع، ومحاذرة للابتداع، ومعالجة لجوانب النقص التي دخلت على الأمة في عقيدتها ومنهجها، وأن تلتزم الأمة نور الوحيين ومنهج القرون المفضلة، وألا تجعل من أيام وليالٍ مخصوصة، مناسبات وعبادات لم يكن عليها سلف هذه الأمة ﵏، كما يعتقده بعض الناس في شهر رجب وليلة السابع والعشرين منه. يقول الإمام الحافظ ابن حجر عليه رحمة الله: لم يصح في فضل شهر رجب ولا في ليلة معينة منه -لا ليلة سبع وعشرين ولا غيرها- حديث صحيح يصلح للحجة، ولو صح لم يجز تخصيصها بعبادة لم يكن عليها رسول الهدى ﷺ وأصحابه، ولو كان خيراً لسبقونا إليه. وبمثله قال جمع من المحققين كشيخ الإسلام ابن تيمية، والحافظ ابن رجب، والشوكاني وآخرين. فيا أمة محمد ﷺ ! إنها فرصة للحوار مع الذات، فهي البنية التحتية للحوار مع الآخر، وما لم تصلح الأمة ما بينها وبين ربها، وما لم تتصالح فئاتها وفعاليتها على الكتاب والسنة، لن تستطيع أن تتصالح مع الآخرين، فضلاً أن تقدم ذلك للعالم بأسره. إن الصدق في الطرح، والجهر بالفكرة، والوضوح في الرؤية؛ من أهم سمات مشروع الأمة الحضاري، لكن لا يلزم من ذلك أن يكون ذلك بأسلوب التعصب والكراهية، ولهجة العنف والشدة، ولغة الحقد والتشنج، بل بأسلوب الرحمة والشفقة، والعدل حتى مع المخالف: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة:٨]. إن الفرصة متاحة للأمة في طرح ما لديها من عقيدة وموروث حضاري للعالم بأسره، ولا يفت في عضدها كثرة الفتن والابتلاءات، وهي الطريق إلى المعالي والمكرمات، وإن في طيات المحن لمنح، وفي ثنايا البلايا والرزايا منناً وعطايا. الله الله في العمل الجاد، والجهد الفاعل البَنَاء، ووضع آلياتٍ عملية ودراسات ومراكز أبحاث استراتيجية بعيدة المدى؛ لمواجهة هذه الحملات المغرضة، وكان الله في عون العاملين المخلصين لدينهم وأمتهم، ومجتمعهم وبلادهم، إنه جواد كريم ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْأِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود:٨٨]. ألا وصلوا وسلموا -رحمكم الله- على الرحمة المهداة والنعمة المسداة نبيكم محمد بن عبد الله؛ فقد أمركم بذلك ربكم جل في علاه، فقال تعالى قولاً كريماً: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦]. اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبينا وحبيبنا وقدوتنا محمد بن عبد الله، وارض اللهم عن آله الأطهار، وصحابته الأبرار، المهاجرين منهم والأنصار، والتابعين ومن تبعهم بإحسان ما تعاقب الليل والنهار. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين. اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمرنا، وأيد بالحق إمامنا وولي أمرنا، اللهم وفقه لما تحب وترضى، وخذ بناصيته للبر والتقوى، اللهم كن له على الحق معيناً وظهيراً ومؤيداً ونصيراً، اللهم ارزقه البطانة الصالحة التي تدله على الخير وتعينه عليه، اللهم وفق جميع ولاة المسلمين لتحكيم شرعك واتباع سنة نبيك ﷺ ، اللهم اجعلهم رحمة على عبادك المؤمنين. اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة، اللهم إنا نعوذ بك من زوال نعمتك، وتحول عافيتك، وفجاءة نقمتك وجميع سخطك، اللهم اجعل لنا وللمسلمين من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل بلاء عافية. اللهم يا حي يا قيوم! يا ذا الجلال والإكرام! نسألك أن تنصر إخواننا المجاهدين في سبيلك في كل مكان، اللهم انصرهم في فلسطين وكشمير والشيشان، اللهم احفظ المسجد الأقصى من الصهاينة المعتدين، اللهم احفظ المسجد الأقصى من الصهاينة الغاشمين، اللهم أخرجهم منه أذلة صاغرين يا ذا الجلال والإكرام! ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للدين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم. ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين! سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المسلمين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 431

الدعوة إلى الله أرسل الله رسوله داعياً إليه؛ فكانت هذه الدعوة خلاصة رسالات الرسل. وعلى طريق الرسول في الدعوة سار أتباعه بدءاً بالصحابة الكرام، ثم العلماء العاملين في مختلف العصور. ولحملة الدعوة نقوش خالدة على جدار الزمن، ولهم أياد بيضاء لا تطمسها الأحداث والفتن. وفي هذه المادة بيان لآثار هؤلاء ومآثرهم، وتوضيح لإشكاليات الدعوة في العصر الحديث، ووسائلها المستحدثة. مع بعض المقترحات لتحصين فكر الأمة وعقيدتها وأخلاقها. وفي ختام هذه الخطبة نبذة عن أحوال المسلمين في العالم، وجهودهم الدعوية، وصور من معاناة المضطهدين منهم.

стр. 432

مكانة الدعوة في الإسلام إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، نحمدك ربي وأنت أهل الحمد والجود والثناء، ونشكرك وأنت ذو الفضل والمن والعطاء، ونستعينك وأنت مُسْدِي النعماء، ومُسْبِغ الآلاء، ودافع البلاء، ونستغفرك ونتوب إليك وأنت الغفور لكل خَطَّاء، والسِتِّير على كل مَن أساء. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ذو العز والعظمة والكبرياء، رفع شأن الدعاة والعلماء، وأعلى قدرَهم حتى وصلوا ذرى العلياء، وأشهد أن نبينا وسيدنا محمداً عبد الله ورسوله، إمام الحنفاء، وسيد الأصفياء، وأفضل الدعاة، وأشرف الأتقياء، صلى الله عليه وعلى آله الشرفاء، وصحبه النجباء، الذين أشادوا بدعوتهم صروح الحضارة والمجد والبناء, والتابعين ومَن تبعهم بإحسان ما دامت الأرض والسماء، وسلَّم تسليماًَ كثيراً. أما بعد: فأوصيكم -عباد الله- ونفسي بتقوى الله، فإنها خير الزاد، وأعظم الوسائل لرضا رب العباد، وتطهير القلوب من الفساد، وبها النجاة يوم التناد، والفوز يوم المعاد.

стр. 433

حاجة الدعوة إلى القوى الكامنة أيها المسلمون: أرأيتم إلى القوى الكامنة في الجهاز المحرك لأي آلة سريعة معاصرة، كيف تدفع بها إلى أن تحَلِّق في آفاق السماء، وتجوب أجواء الفضاء؛ لتقطع المسافات الشاسعة لبرهة يسيرة؟! وأنه بحسب قوة دفع المحرك أو ضعفه تظهر آثار السير أو تتبين مواطن الخلل! إذا كان هذا في المعايير المادية، فإن الأمور المعنوية هي الأخرى كذلك بحاجة إلى قوىً كامنةٍ، تدفع بعجلة محرك الخير في الأفراد، وتشعل فتيله في المجتمعات؛ لتتفيء الأمة ظلال الأمن الوارف، ودوحة الإيمان البهية، وتجني ثمار الدعوة يانعةً شهية، لما تمثله الدعوة إلى الله من مادة حياة القلوب، وصلاح الأفراد والشعوب، وأمن وسلامة الأمة، ونسيم رَوحها، وقوة رُوحها، وسبب خيرها وسعادتها في الدنيا والآخرة.

стр. 434

الدعوة خلاصة رسالة الإسلام إخوة العقيدة: لقد أرسل الله رسله مبشرين ومنذرين، وختمهم بأشرف الأنبياء والمرسلين محمد ﷺ ، بعثه بالهدى ودين الحق بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، أرسله رحمة للعالمين، وقدوة للعاملين، ومناراً للسالكين، وحُجة على الخلق أجمعين، به أتم الله النعمة، وكمُلت به على الأمة المنة، واستبانت معالم الملة، فقامت به الحجة، ووضُحت به المحجة، دعا إلى الله على بصيرة، وجعل هذا نهجه ونهج أتباعه من بعده، كما قال سبحانه: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف:١٠٨]. لقد أوضحت هذه الآية العظمية أن رسالة المصطفى ﷺ تتلخص بكلمة واحدة هي: الدعوة.

стр. 435

قيام العلماء والدعاة بواجب الدعوة إلى الله معاشر المسلمين! لقد كان منهجه ﷺ في دعوته أعظم منهج وأكمله، وهديه فيها أتم هدي وأفضله، أولى جانب توحيد الله الاهتمام البالغ، وتحلى بالرفق والصبر والأناة والحكمة، فأثمرت دعوتُه رحمة بالأمة، ودخولاً لها في دين الله، ورفعة لكلمة الله، ومحبة وسلاماً ووئاماً بين عباد الله، وشهد العالم بحسن دعوته ﵊، حضارة إسلامية عالمية عريقة، لم يشهد التاريخ لها مثيلاًَ. وسار على منهجه في دعوته صحابته الكرام، عليهم من الله الرحمة والرضوان، والتابعون لهم بإحسان؛ فحفظ الله بهم الدين، فكانوا نِعْم الرجال المخلصين، والعلماء العاملين، وأصبحوا أسود الوغى وليوث العرين. رهبان ليل إذا جن الظلام بهم كم عابد دمعُه في الخد أجراهُ! وأسد غابٍ إذا نادى الجهاد بهم هَبُّوا إلى الموت يستجدون رؤياهُ وهكذا العلماء والدعاة في كل زمان وحين. هم الأئمة الأعلام، وبدور النور والتمام. الأمة بهم تهتدي، والناس بحسن دعوتهم تقتدي. هم الأقطاب الذين تدور عليهم معارك الأمة، والأنوار التي تنجلي بها غياهب الظلمة. هم نجوم الأمة اللامعة، وشموسها الساطعة. بالعلماء العاملين، والدعاة الصادقين يُحفظ دين الأمة، وتُشاد معالم الملة، وتُرفع راية السنة، وتُصان عزة الأمة وكرامتها. هم السياج المتين، والدرع المكين، والحصن الحصين، الذي يحول بين الدين وأعدائه المتربصين. وهم النور المبين، الذي تستنير به الأمة عند اشتباه الحق وخفائه. هم ورثة الأنبياء في أممهم، وأمناؤهم على دينهم. عليهم أُخذ العهد والميثاق لتبليغ ميراث النبوة. وهم شهداء الله في أرضه، والحماة لدينه وشرعه. ينفون عن دين الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين. فليس في الأمة مثل العلماء الربانيين، والدعاة الصادقين، نَصَحَةً ومخلصين. يعلِّمون دين الله، ويرشدون عباد الله، ويقودون الأمة إلى شاطئ الأمان وبر السلام. فكم تعبوا والناس مستريحون؟! وكم دأبوا والناس غافلون؟! وكم نفع الله بهم البلاد وأصلح بهم العباد؟! يحثون الأمة على الخير والرشاد، ويحذرونها من أسباب الشر والفساد. يدينون بالولاء، والنصح لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم. يؤلفون القلوب، ويصدون عن الأمة الغارات والخطوب. فهم صِمام الأمان في المجتمع حقاً، وأهل الخير في الأمة صدقاًَ. فحقٌ على الأمة معرفة فضلهم ومكانتهم وسبقهم، والقيام بتقديرهم وتكريمهم، وحقٌ عليهم أن يسلكوا المسار الصحيح في الدعوة، ويبذلوا جهودهم للنهوض بمستواها، والجد في دعوة الناس إلى ظلها وحماها.

стр. 436

صفات دعاة الإسلام إخوة الإيمان! ولم تزل الدعوة الإسلامية عبر القرون تسير في حفظ من الله ومَنَعَة، شامخة وضاءة، تضيء الطريق للسالكين، وتنشر النور والخير للخلق أجمعين. يحمل لواءها جهابذة علماء، ودعاة صلحاء: - قد ارتوَوا من نمير الوحيَين. - أخلصوا لله فخَلصَت دعوتهم إلى قلوب عباد الله. - دعوا إلى الله بعلم وبصيرة مستنيرين بالنصوص النقلية، ومستهدين بالقواعد الفقهية، والمقاصد الشرعية. - يدعون إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة. - يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر بالأساليب الشرعية. - يدرءون المفاسد، ويجلبون المصالح. - ويردُّون عن الأمة عاديات الفتن، وأمواج المحن. - يتمسكون بالثوابت، ويحسنون التعامل مع المتغيرات. - ويستلهمون الضوابط الشرعية في ترتيب الأولويات. - يَلْزَمون العقل في أقوالهم وأفعالهم، والرشد في تصرفاتهم وأحوالهم. - يبدءون بالأهم فالمهم، ويأخذون بالأصلح فالأصلح، مستهدين بمنهج القرآن والسنة في ذلك.

стр. 437

الدعوة في القرآن والسنة قال سبحانه: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل:١٢٥]. ويقول : ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت:٣٣] قال الحافظ ابن كثير ﵀: قال الحسن البصري لما تلا هذه الآية: هذا حبيب الله، هذا ولي الله، هذا صفوة الله، هذا خيرة الله، هذا أحب أهل الأرض إلى الله، أجاب الله في دعوته، ودعا الناس إلى ما أجاب الله فيه من دعوته، وعمل صالحاً في إجابته، وقال: إنني من المسلمين، هذا خليفة الله. ويقول ﷺ في حديث أبي هريرة ﵁ عند مسلم وغيره: ﴿مَن دعا إلى هدىً كان له مِن الأجر مثل أجور مَن تبعه، لا ينقص ذلك مِن أجورهم شيئاً﴾. ويقول ﵊ في الحديث الصحيح: ﴿بلغوا عني ولو آية﴾. وفي الصحيحين من حديث سهل بن سعد ﵁ أن رسول الله ﷺ بعث علياً يوم خيبر، وأمره بالدعوة إلى الإسلام، ثم قال: ﴿فوالله لأَن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم﴾. الله أكبر! يا له من فضل عظيم قد فرط فيه كثير من المسلمين ممن غفلوا عن أداء واجبهم في الدعوة إلى الله التي هي رسالة المجتمع الإسلامي بعامة، مما يتطلب نوايا مخلصة، وعزائم دائبة، ومساعي حثيثة، ووسائل قويمة مبنية على العلم النافع، والعمل الصالح، والأسلوب الأمثل، مؤسسة على الإخلاص لله، والتجرد من التحزب المقيت، والتعصب المذموم.

стр. 438

الدعوة في العصر الحديث أمة الإسلام، ولم تكن الحاجة إلى الدعوة بل الضرورة إليها ماسة في عصر من العصور، كهذا العصر الذي يشهد الصراع بين الحق والباطل على أشده. فقد بلغ دعاةُ الباطل ما لم يبلغوه في أي عصر مضى، واستخدموا من الوسائل ما يفطِّر قلوب أهل الحق، وتشيب منه نواصيهم، ولا يزال كثير من أهل الخير والحق في انشغال عن قضاياهم الأساسية، وإغراق في جزئيات وأمور هامشية، ولهذا ظهروا أمام غيرهم في شكل باهت داكن ومظهَر شاحب مرباد، شوهته الخلافات في عصر اتسم بالانفتاح والعولمة، وخطا دعاةُ الباطل إلى استثمار وسائل الاتصال الحديثة، كالقنوات الفضائية، والشبكات المعلوماتية، في نشر باطلهم، في موجات من الغزو المركز الذي يتطلب حصانة قوية، ووعياً عميقاً، كما يتطلب ضرورة استثمار هذه الوسائل في الدعوة الإسلامية؛ لأنها تعد الأكثر انتشاراً، والأبلغ رواجاً وتأثيراً. والمتأمل في واقع الدعوة يجد أن هناك ظروفاً تغيرت، وأحوالاً تبدلت، ووسائل استجدت، ولا بد من أخذ زمام المبادرة لشغلها بالحق، بدل أن تُشغل بالباطل. ماذا جنى المسلمون لما قصروا في المبادرات العملية في شَغل هذه الوسائل الحديثة؟! لقد ابتدرها أهل الأهواء والشهوات، فضلوا وأضلوا. إنه بالنظر إلى واقع التقانات الحديثة يرجع الغيور بالأسى وهو يرى الباطل يرفع عقيرته دونما خوف من الله ولا خجل من عباد الله.

стр. 439

الدعوة عبر الإنترنت خذوا على سبيل المثال: وسيلة من الوسائل المعاصرة، لم تحظَ وسيلة من وسائل نشر المعلومات ما نالته هذه الوسيلة تلكم هي: ما يعرف بـ (جهاز الإنترنت). ولكم أن تتصوروا أن الذين يستخدمونه في العالم بلغ ما يقرب من مائتي مليون نسمة، لما يتصف به من مزايا اللازمان واللامكان، مع التفاعلية والمجانية أو شبه المجانية، مع تنوع الاستخدامات، وسهولة الاستعمالات. والسؤال الذي يطرح نفسه: أليست هذه فرصة سانحة للدعاة إلى الله الذين يهمهم أمر هذا الدين؛ ليثبتوا للبشرية عالميتنا الحقة ورسالتنا السمحة؟! ويا لها من أمانة ومسئولية! وإن الغيور ليتساءل: ما مدى استفادة مؤسساتنا الدعوية من تِقانة الشبكات المعلوماتية، التي تشق طريقها إلى الاستمرار والتضخم، شئنا أم أبينا في ظل ما يسمى بـ (ثورة التقانات وتفجر المعلومات)؟! إن على الأمة الإسلامية ألا تقف موقف المتفرج، وإنما يجب عليها الدخول إلى حلبة السباق لتنافس في هذا المضمار، وأن تأخذ بزمام المبادرة في نشر الحق الذي معها، وإذا كان العالم الغربي ينافس في نشر عولمة مفضوحة، فإن عالميتنا الحقة أولى أن تؤثّر ولا تتأثر، وتقدم ولا تحجم، وتصدِّر ولا تستورد، وتنافس ولا تقلد، فالخطر في تزايد، والشرور في تكاثر، والسنن لا تتغير، والمستجدات لا تتمهل، والثقافات الوافدة والمناهج المستوردة تهدد الأمة في عقيدتها وقيمها، ويزداد الأمر خطورة حينما يتراجع أهل الحق عن الميدان، فيشغله أولياء الشيطان. فإلى المهتمين بشئون الدعوة الإسلامية، وإلى رجال المال والأعمال والإعلام: الله الله في الاضطلاع بهذا الدور المهم! فالدعوة مسئولية المسلمين جميعاً، كل في مجاله، وعلى حسب قدرته ومكانته، فكل على ثغر من ثغور الإسلام، فالله الله أن يؤتى الإسلام من قبله. كما أنه لا بد من التنسيق في ذلك بين المواقع الإسلامية، وأن تكون تحت إشراف هيئات علمية معتبرة، ومرجعية شرعية موثوقة، ومظلة دعوية مأمونة، حتى لا تنساق الأعمال الإسلامية وراء أخبار ملفقة، أو شائعات مغرضة، تبعث عليها عواطف مجردة، بعيداً عن التأصيل الصحيح، والمنهجية المدروسة. ألا ما أحوج البشرية اليوم إلى أن تتفيء ظلال هذا الدين القويم، وتسخر كافة الإمكانات ووسائل العصر لهذا الهدف النبيل، بعد أن سئمت حياة الماديات، وملت بريق الشعارات، مما يتطلب الجد في مجال العمل للإسلام، والنهوض بمستوى الدعوة الإسلامية، وتنسيق الجهود بين العاملين، والحذر من الفرقة والخلاف، التي لا يستفيد منها إلا العدو المتربص. إن هناك فرصاً عظيمة يؤسف كل غيور على أوضاع أمته أن تفرط الأمة في استثمارها، فالأرض خصبة جداً، والناس متعطشون، والفرص مواتية، وإن القضية ترجع إلى حاجة الأمة اليوم إلى وضع خطط سليمة، ومنهجية صحيحة، تخرج دعاة على مستوى العصر الذي يعيشونه لنثبت للعالم صدق توجهاتنا، ونبل مقاصدنا، بعد أن شُوِّه الإسلام من طرفَي الإفراط والتفريط، ودين الله وسط بين الغالي فيه والجافي عنه. أيعجز كل مسلم أن يقدم شيئاً ولو يسيراً في الدعوة إلى الله؟! فتكلفة أيسر رسالة تعريفية بالإسلام ومحاسنه والدعوة إليه أقل من دولار واحد، قناة إذاعية تبث القرآن والسنة والدعوة بمبلغ ليس بالكثير على نشر دين الله. فاحرص أخي المسلم على المشاركة في الدعوة إلى دينك القويم، والإسهام في الدعوة إليه، عن طريق الجهات الموثوقة، والهيئات المأمونة عقيدةً ومنهجاً وسلوكاً. أما الحلم الذي يراود كل غيور فهو تلك القناة الإسلامية العالمية، التي لم تَعْقَم بإذن الله أرحامُ أمهات أهل الإسلام فيمن يتبناها، ويقر عيون المسلمين ويثلج صدورهم بإيجادها وإنشائها في ظل هذا الزخم المسف من الفضائيات المأفونة التي تعلو فيها الرذائل وتُوأد فيها الفضائل. فأين الحمية الدينية؟! وأين الغيرة الإسلامية؟! أما لله والإسلام حقٌ يدافع عنه شُبان وشيبُ؟! فقل لذوي البصائر حيث كانوا أجيبوا الله ويحكمُ أجيبوا

стр. 440

كيفية تحصين الأمة في شتى المجالات فيا دعاة الإسلام! من أجل براءة الذمة، ونُصح الأمة، وحتى تندفع الفتن، وتزول المحن، وتسلم الأمة في دينها، وتتحصن في عقيدتها وفكرها، وأخلاقها وسلوكها: لا بد من القيام بالتالي: - بمهمة الدعوة إلى الله على نهج الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة. - والتلاحم مع العلماء الربانيين، والدعاة الصادقين، ذوي الأقدام الراسخة، والعقول الراجحة، والنفس الطويل. - وعدم الانخداع بكل ما يُشاع، والانسياق وراء كل ما يُذاع. - والتركيز على العقيدة والعلم. - وإرشاد الناس إلى ما يفيدهم في أمر دينهم ودنياهم. - والحرص على جمع القلوب، وسلامة الصدور. - والسعي إلى الاعتصام والائتلاف. - والبُعد عن الشقاق والخلاف. وهذا والله عين الشفقة والمحبة والنصيحة للأمة جميعاً؛ حتى تسلم الأمة من الفرقة والشقاق، وتشق الدعوة طريقها بأمن وأمان، وتُصان الدعوة الإسلامية وأهلها من كيد الكائدين، وتآمر الأعداء المتربصين: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْأِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود:٨٨]. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولكافة المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه إنه كان عفواً غفوراًً.

стр. 441

المسلمون في العالم بين الجهود الدعوية والمعاناة الحمد لله الذي تفرد بكل كمال، واختص بأبهى جمال، وأعظم جلال. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الكبير المتعال، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله المبعوث بكريم السجايا وشريف الخصال، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه خير صحب وآل، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم المآل. أما بعد: فاتقوا الله عباد الله. واعلموا أن أحسن الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي رسول الله ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة. إخوة الإسلام! إن المسلم يتفاءل كثيراً بأن المستقبل للإسلام، كما قال سبحانه: ﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم:٤٧]. وكما أخبر المصطفى ﷺ وبشر: ﴿ليبلغن هذا الدين ما بلغ الليل والنهار﴾. غير أن الواجب على الأمة الإسلامية أن يكون لها مزيد الاهتمام، وبذل جهود أكثر في خدمة الدعوة الإسلامية. أيها الإخوة في الله! إن لكم في بلاد العالم ولا سيما في العالم الغربي إخوة في العقيدة، يقومون بأعمال دعوية مباركة، عن طريق المراكز الإسلامية، والمؤسسات والجمعيات الخيرية، والصروح العلمية والحضارية، وهم بأمسِّ الحاجة إلى أن يتعرف المسلمون على أعمالهم الطيبة، ويطَّلعوا على مناشطهم الخيرة، ويسهموا معهم بما يحتاجون من دعم ومؤازرة مادياً ومعنوياً. كما أن لكم إخوة في الدين، في بلاد مرت بهم محن ورزايا، وحروب وبلايا، يحتاجون إلى جهود إعمارية وإغاثية، ودعوية وتعليمية، وأخص بذلك بلاد البوسنة والهرسك المسلمة الصامدة المجاهدة، وليس الخبر كالمعاينة. فلا تنسوهم وفقكم الله من دعمكم ودعائكم، وسائر إخوانكم المضطهدين في دينهم في كل مكان. ألا وإن من التحدث بنعم الله والعمل بقوله ﷺ : ﴿لا يشكر الله مَن لا يشكر الناس﴾ أخرجه أبو داود والترمذي. فالشكر بعد شكر الله لكل من جعل الدعوة قضيته، ونصرة دين الله همه ومهمته، ممن يبذلون الجهد المشكور، والعمل المذكور، وعند أهل الإنصاف غير منكور، من الجنود المغمورين، من أهل الخير والدعوة والإصلاح، ممن آثروا العمل بصمت ابتغاء ما عند الله. ولا يُنسى الدور الفاعل لبلاد الحرمين الشريفين حرسها الله في هذا المضمار، فلا تكاد توجد دولة من دول العالم إلا ولها فيها مركز أو مسجد أو صرح علمي أو حضاري أو إسهام دعوي أو خيري أو إغاثي، جعله الله خالصاً لوجهه الكريم، وضاعف مثوبتها، وزادها من الخير والتوفيق بمنه وكرمه. ألا وصلوا وسلموا رحمكم الله على النبي المصطفى، والرسول المجتبى، والحبيب المرتضى، كما أمركم بالصلاة والسلام عليه ربكم جل وعلا، فقال تعالى قولاً كريماً: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦]. اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبينا وحبيبنا وقدوتنا محمد بن عبد الله. وارضَ اللهم عن خلفائه الراشدين، وعن الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين. اللهم آمِنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، وأيِّد بالحق إمامنا وولي أمرنا. اللهم وفقه لما تحب وترضى، وخذ بناصيته للبر والتقوى، وارزقه البطانة الصالحة يا ذا الجلال والإكرام. اللهم وفق جميع ولاة المسلمين لتحكيم شرعك، واتباع سنة نبيك ﷺ يا سميع الدعاء. اللهم ادفع عنا الغلاء والوباء، والربا والزنا، والزلازل والمحن، والأمراض والأوبئة يا أكرم الأكرمين ويا أرحم الراحمين. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، وألف بين قلوبهم، وأصلح ذات بينهم، واهدهم سبل السلام، وجنبهم الفواحش والفتن ما ظهر منها وما بطن. اللهم انصر إخواننا المسلمين والمضطهدين في دينهم في كل مكان. اللهم انصرهم في كل مكان يا قوي يا عزيز. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين. عباد الله: إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون. فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 442

الصلاة عماد الدين إن الله جعل لكل أمة خصائص وشعائر، وإن من شعائر هذه الأمة الصلاة التي هي عماد الدين ولبه، ففيها يصلح عمل العبد كله في الدنيا والآخرة، وبها يفسد؛ وبها يفرج الله الهموم ويقضي الديون عن كل عبد، وبها يضيع الله العبد وينساه ولا يبالي به في أي واد هلك؛ فلذلك يجب علينا أن نحافظ عليها في أوقاتها بشروطها وواجباتها وأركانها وخشوعها وخضوعها حتى تقبل عند الله سبحانه.

стр. 443

مكانة الصلاة في الإسلام إن الحمد لله، نحمدك ربي ونستعينك ونستغفرك ونتوب إليك، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، سبحانك ربنا! لك الحمد والشكر والثناء، جعلت الصلاة عماد الدين، وعصام اليقين، وسلوى الطائعين، وقرة عيون المؤمنين، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله، ومصطفاه وخليله، أفضل البرية، وسيد البشرية، إمام المتقين، وقدوة المصلين الخاشعين، اللهم صلِّ وسلم وبارك على الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، نبينا محمد بن عبد الله، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحابته الغر الميامين، ومَن دعا بدعوته واهتدى بهديه إلى يوم الدين. أما بعد: فيا أيها المسلمون! اتقوا الله ربكم رب العالمين، وكونوا بدينكم مستمسكين، وعلى عموده محافظين، وفيه خاشعين خاضعين، تسْلُكوا سبيل المفلحين، وهذا وايم الله غاية العاملين. معاشر المسلمين: يحتاج الإنسان في خضم مشاغل الحياة الدنيوية، وما تفرزه الحضارة المادية من مشكلات نفسية، وتوتراتٍ عصبية، يحتاج حاجةً مُلِحَّةً إلى ما ينفِّس عن مشاعره، ويخفِّف من لأوائه ومصائبه، ويبعث في نفسه الطمأنينة القلبية، والراحة النفسية، بعيداً عن العُقَد والاكتئاب، والقلق والاضطراب، وهيهات أن يجد الإنسان ذلك إلا في ظل الإسلام وعباداته العظيمة، التي تمثل دواءً روحياً ناجعاً لا نظير له في الأدوية المادية. إخوة الإيمان! تَحُلُّ بالأمة حوادث وبلايا، وتُصاب بكوارث ورزايا تشغلها عن قضاياها الأصلية وثوابتها الشرعية، وتمر بالأمة المناسبات والمواسم، فتأخذ حقها من التذكير والاهتمام؛ غير أن حديث المناسبة وكل مناسبة موسمٌ عظيم، ومنهل عذبٌ كريم، يتكرر كل يومٍ خمس مرات، وكثيرٌ من الناس في غفلة عن تحقيق آثاره، والتنويه بمكانته وأسراره، والعناية بحِكَمِه وأحكامه. يقول ﷺ : ﴿أرأيتم لو أن نهراً غمراً بباب أحدكم يغتسل منه كل يومٍ خمس مرات! هل يبقى من درنه شيء؟ قالوا: لا يبقى من درنه شيء، قال: فذلك مَثَل الصلوات الخمس، يمحو الله بهن الخطايا﴾ متفق عليه. معشر المسلمين! إنه نتيجة لارتماء كثيرٍ من الناس في أحضان الدنيا، والتنافس في جمع حطامها، وانشغال القلوب والهمم بها، ونسيان الدار الحقيقية، والغفلة عن العمل لها في هذه الدوامة؛ تناسى بعضُهم مكانة هذه العبادة العظيمة، فلم يبالوا بها، ولم يكترثوا بإقامتها، وصَدَقَ فيهم قول الحق ﵎: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيَّاً﴾ [مريم:٥٩]. وصنفٌ آخر يؤديها؛ ولكن مع الوقوع في الزلل والاستمرار في الخلل، يصلُّون؛ ولكن لا تُرى آثار الصلاة عليهم، لا يتأدبون بآدابها، ولا يلتزمون بأركانها وواجباتها، صلاتهم صورية عادية؛ لإخلالهم بلُبِّها وروحها وخشوعها، يصلُّون جسداً بلا روح، وبدناً بلا قلب، وحركاتٍ بلا مشاعر وأحاسيس، صلاتهم مرتعٌ للوساوس والهواجس، يأتي الشيطانُ أحدَهم وهو في صلاته فيجعله يصول ويجول بفِكره في مجالات الدنيا، يتحرك ويتشاغل، يستطيل ويتثاقل، ويلتفت بقلبه وبصره إلى حيث يريد، فينفتل من صلاته ولم يعقل منها شيئاً، بل لعل بعضَهم لا يعقل منها إلا قليلاً. ثم لا تسأل عن الأحوال، وسيء الفعال، وقبيح الخصال بعد الصلاة؛ فحشٌ في القول، وإساءةٌ في الفعل، وأكلٌ للحرام، وتعسفٌ في الأخلاق، واجتراحٌ للسيئات، وإصرارٌ على المعاصي والمنكرات، وربما تساءل بعضهم: ألم يقل الله : ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت:٤٥]؟! فأين نحن من هذه الآية؟! فنحن نؤدي الصلاة؛ ولكن لا أثر لها في حياتنا، ولا ثمرة لها في واقعنا، وتغيير أحوالنا، وتحسن مناهجنا، وصلاح سائر جوانب حياتنا! إخوة العقيدة! إن الصلاة التي يريدها الإسلام هي التي تمثِّل المعراج الروحي للمؤمن؛ حيث تعرج به روحه كلما قام مصلياً في فريضةٍ أو نافلة، منتقلة من عالم المادة إلى عالم السمو والصفاء والطهر والنقاء، وفي ذلك مصدر السعادة والسرور، ومبعث الطمأنينة والحُبور، وكان ذلك ديدن الأنبياء جميعاً عليهم صلوات الله وسلامه، وهكذا كان الحبيب المصطفى القدوة ﵊: ﴿إذا حزبه أمرٌ فزع إلى الصلاة﴾ خرَّجه الإمام أحمد وأبو داود من حديث حذيفة ﵁.

стр. 444

فضل الصلاة والمحافظة عليها معاشر المسلمين! الصلاة غذاء القلوب، وزاد الأرواح، مناجاةٌ ودعاء، خضوعٌ وثناء، تذللٌ وبكاء، وتوسلٌ ورجاء، واعتصامٌ والتجاء، وتواضعٌ لكبرياء الله، وخضوعٌ لعظمته، وانطراحٌ بين يديه، وانكسارٌ وافتقارٌ إليه، تذللٌ وعبودية، تقربٌ وخشوع لجناب الربوبية والألوهية، إنها ملجأ المسلم، وملاذ المؤمن، فيها يجد البلسم الشافي، والدواء الكافي، والغذاء الوافي، إنها خير عُدةٍ وسلاح، وأفضل جُنة وكفاح، وأعظم وسيلة للصلاح والفلاح والنجاح، تُنشئ في النفوس وتُذْكي في الضمائر قوةً روحيةً، وإيماناً راسخاً، ويقيناً عميقاً، ونوراً يبدد ظلمات الفتن، ويقاوم أعتى المغريات والمحن، وكم فيها من الأسرار والحكم والمقاصد والغايات التي لا يعقلها كثيرٌ ممن يؤديها! فما أعظم الأجر، وأوفر الحظ لِمَن أداها على الوجه الشرعي! أخرج الإمام أبو داود في سننه: أن رسول الله ﷺ قال: ﴿خمس صلواتٍ افترضهن الله ، مَن أحسن وضوءهن، وصلاهن لوقتهن، وأتم ركوعهن وخشوعهن كان على الله عهدٌ أن يغفر له﴾. إخوة الإسلام! لا يخفى على كل مسلمٍ بحمد الله مكانة الصلاة في دين الله، ومنزلتها في شرع الله، فهي عمود الإسلام، والفاصل بين الكفر والإيمان، وإذا كان الأمر بهذه الأهمية والخطورة؛ فإن الذي يحز في النفس ويؤلم القلب أنه لا يزال في عداد المنتسبين للإسلام من لا يرفع رأساً بها، فما بال أقوامٍ يعيشون بين ظهرانَي المسلمين قد خف ميزان الصلاة عندهم، وطاش معيارها، بل لربما تعدى الأمر إلى ما هو أفظع من ذلك، ولا حول ولا قوة إلا بالله! فهل ينتهون قبل أن يحل بهم سخط الله؟ وتعاجلهم المنية وهم على هذه الحال السيئة؟! أيها الإخوة المصلون! لِتَهْنِكُم الصلاة! ويا بشرى لكم يا من شرح الله صدوركم بهذه الفريضة العظيمة! وهنيئاً لكم ثواب الله وفضله العاجل والآجل لقيامكم بهذا الواجب الشرعي العظيم!

стр. 445

الخشوع في الصلاة يا أيها المصلون! لتعلموا أن للصلاة المقبولة شروطاً وأركاناً، وواجباتٍ وآداباً، لابد من الوفاء بها، كما أن هناك مسائل مهمة، وأخطاءً شائعةً في هذه الفريضة، يحتاج المصلون إلى معرفتها، وقد ورد عند أحمد وغيره: ﴿إن أسوأ الناس سرقة: الذي يسرق من صلاته، وذلك بعدم تمام ركوعها وسجودها وخشوعها﴾ كما ورد عن أحمد وأبي داود والنسائي: ﴿إن المصلي لينصرف من صلاته وما كُتِب له إلا ربعها أو خمسها حتى بلغ عشرها﴾ وهذا يدعو المسلم المصلي إلى أن يتنبه لشأن صلاته؛ حتى لا يخسر الثواب، ويبوء بالعقاب، متعهداً طهارتها وشروطها وأركانها وواجباتها، مجتهداً في الخشوع فيها، فهو لُبُّها وروحها.

стр. 446

الخشوع في الصلاة عند السلف أمة الإسلام! لقد مدح الله المؤمنين وأثنى عليهم ووصفهم بالخشوع له في أجلِّ عباداتهم، ورتب على ذلك الفوز والفلاح، فقال جل وعلا: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون:١ - ٢]. قال الحافظ ابن كثير ﵀: أي قد فازوا وسعدوا وحصلوا على الفلاح. وقال ابن رجب: وأصل الخشوع: لين القلب ورقته وسكونه وخضوعه وانكساره وحُرْقته، فإذا خشع القلب تبعه خشوع جميع الجوارح؛ لأنها تابعة له. وقد رأى بعض السلف رجلاً يعبث بيده في الصلاة فقال: [[لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه]] رُوِي ذلك عن حذيفة وسعيد بن المسيب، ويُرْوَى مرفوعاً لكن بإسنادٍ لا يصح. وفي معنى الخشوع في الصلاة يقول علي بن أبي طالب ﵁: [[هو الخشوع في القلب وأن تُلِيْنَ كنفك للمرء المسلم، وأن لا تلتفت في صلاتك يميناً ولا شمالاً]]. وعن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون:٢] قال: [[خائفون ساكنون]]. وعن الحسن ﵀ قال: [[كان الخشوع في قلوبهم، فغضوا بذلك أبصارهم، وخفضوا الجناح]]. وقال ابن سيرين: [[كانوا يغضون أبصارهم إلى موضع سجودهم]]. وحُكِي أن مسلم بن يسار أنه كان يصلي في مسجد البصرة، فسقط حائط المسجد، ففزع أهل السوق لهدته، فما التَفَتَ، ولما هُنِّئ بسلامته عَجِبَ وقال: ما شعرتُ به. الله أكبر! هذا هو منهج السلف الصالح ﵏، الذين كانت قلوبهم تستشعر رهبة الموقف في الصلاة بين يدي الله، فتسكن وتخشع، فيسري الخشوع منها إلى جميع الجوارح، وكل الحركات والملامح، ويغشى أرواحهم جلال الله وعظمته، وهم يقفون بين يديه، فتختفي من أذهانهم جميع الشواغل عندما يشتغلون بلذيذ المناجاة للجبار ﷻ ، ويتوارَى عن حسهم في تلك الحالة كلُّ ما حولهم، فيتطهر وجدانهم من كل دنس، وينفضون عنهم كل شائبة، وعندئذٍ تتضاءل الماديات، وتتلاشى جميع الدنيويات، وحينئذٍ تكون الصلاة راحةً قلبيةً وطمأنينةً نفسيةً وقرة عين حقيقة، كما قال النبي ﷺ في الحديث الذي رواه الإمام أحمد والنسائي عن أنس ﵁: ﴿وجُعِلَت قرة عيني في الصلاة﴾. وفي المسند وغيره: أن رسول الله ﷺ قال: ﴿قُمْ يا بلال! فأرحنا بالصلاة﴾ رواه أحمد وأبو داود. الله أكبر! إنها الراحة الدائمة للنفوس المطمئنة؛ لكي تشعر من خلال أدائها أنها تناجي من بيده ملكوت كل شيء. وأن المصلي حينما يكبر ويرفع يديه؛ إنما هو تعظيم لله. وإذا وضع اليمنى على اليسرى؛ فهو ذل بين يدي مولاه، كما قال الإمام أحمد ﵀: هو ذلٌّ بين يدي عزيز. وإذا ركع؛ فهو إقرار بعظمة الله. وإذا سجد؛ فهو تواضعٌ أمام علوِّ الله، وهكذا يكون المسلم في صلاته يوثق الصلة بمولاه؛ ليفوز بوعد الله الذي لا يخلف الميعاد. أخرج الإمام مسلم في صحيحه: عن عثمان ﵁ عن النبي ﷺ قال: ﴿ما من امرئ مسلم تحضره صلاةٌ مكتوبة، فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها؛ إلا كانت كفارةً لما قبلها من الذنوب ما لم تؤتَ كبيرة، وذلك الدهر كله﴾.

стр. 447

ذهاب الخشوع من صلاة الناس أيها الإخوة المصلُّون! إن المصلي حقاً من يقيم الصلاة كاملة الفرائض والأركان، مستوفية الشروط والواجبات والآداب، يستغرق فيها القلب، ويتفاعل من خلالها الوجدان، ويحافظ عليها محافظةً تامةً قدر الطاقة، يبعثه على ذلك قلبٌ يقظ، وشعور صادق، وإحساس مرهف، وضمير حي، فينصرف بكليته إلى الصلاة؛ لأن الخشوع فيها إنما يحصُل لمن فرَّغ قلبه لها، واشتغل بها عما عداها، وآثرها على غيرها، ومنزلة الخشوع من الصلاة كمنزلة الرأس من الجسد، فالذي يجعل الصلاة مرتعاً للتفكير في أمور دنياه، ومحلاً للهواجس في مشاغله قلبه في كل واد، وهمه في كل مكان، يختلس الشيطان من صلاته بكثرة التفاته، وعبثه بملابسه ويده ورجله وجوارحه، وربما أخل بطمأنينيتها، ولم يعِ ما قرأ فيها، فيُخْشى أن ترد عليه صلاته، فقد ورد عند الطبراني وغيره أن صلاةَ مَن هذه حالُه: ﴿تُلَفُّ كما يُلَفُّ الثوبُ الخلِق، ثم يُرْمَى بها وجه صاحبها﴾ والعياذ بالله. أمة الإسلام! إنه لما طال بالناس الأمد، وقست قلوبهم، وأساءوا فهم شعائر الإسلام، أصبَحْتَ ترى مَن يخل ببعض شروط الصلاة وأركانها وواجباتها، فلم تعمل الصلاة عمَلَها في قلوب الناس، ولم تؤثر في حياتهم، فهل مَن يؤديها ولكن لا تنهاه عن الفحشاء والمنكر، ولا تمنعه مما يخدش العقيدة أو يخالف السنة أو يناقض مبادئ الإسلام، ولا تمنعه من تعاطي الربا، واقتراف الزنا، والرشوة، والغش، وشرب المسكرات، وتعاطي المخدرات، والتساهل في حقوق العباد، والوقيعة في أعراضهم، وما إلى ذلك من المحرمات، هل أولئك قد أقاموا الصلاة وأدَّوا حقها؟! والله لو فعلوا ذلك لانتهوا عن كل محرم، وأقلعوا عن كل ما يخالف شرع الله، ولكنه إضاعة جوهر الصلاة، ولا حول ولا وقوة إلا بالله! خرَّج الترمذي والنسائي من حديث جبير بن نفير: ﴿أن أول علمٍ يُرْفع من الناس الخشوع، فيوشك أن تدخل المسجد الجامع فلا ترى فيه رجلاً خاشعاً﴾ فالله المستعان! يا أمة محمدٍ ﷺ ! ما هي حالنا اليوم مع هذه الفريضة العظيمة؟! أجسادٌ تهوي إلى الأرض، وقلوبٌ غافلة، وأفئدة متعلقة بالدنيا، إلا من رحم الله.

стр. 448

إقامة الصلاة من أسباب النصر هل من عودة صادقة أيها المسلمون المصلون إلى ترسُّم خطى المصطفى ﷺ في هذه الفريضة العظيمة وغيرها من فرائض الإسلام؛ لتعود للأمة قوتها وهيبتها بعد أن مُنِيَت بنكسة خطيرة، أفقدتها كثيراً من مقوماتها التي تجعلها متماسكة قوية؟! ألا ما أحرى الأمة وهي تتجرع غصص الهزائم أن تتحرى الأسباب والدوافع لتقوم بالتغلب عليها، وإنها واجدةٌ في شعائر الإسلام وأعظمها الصلاة ما يكون سبباً في صقل الأفراد، وتهذيب المجتمعات، وصلاح الأحوال، والقضاء على أسباب الضعف والهزيمة وخواء الروح المعنوية في الأمة. نحن الذين إذا دعوا لصلاتهم والحرب تسقي الأرض جاماً أحمرا جعلوا الوجوه إلى الحجاز فكبروا في مسمع الروح الأمين فكبرا فلنتقِ الله -عباد الله- في أمورنا عامة وفي صلاتنا خاصة، فإن حظ المرء من الإسلام على قدر حظه من الصلاة، ولنفكر في حالنا ماذا جنينا من جراء التهاون في شعائر الإسلام كلها لاسيما الصلاة؟! إن أمة لا يقف أفرادها بين يدي الله في الصلاة لطلب الفضل والخير منه، لَجَدِيْرَةٌ ألا تقف ثابتة في مواقف الخير والوحدة والنصر والقوة؛ لأن هذه كلها من عند الله وحده. فإذا أصلحنا ما بيننا وبين الله؛ أصلح الله ما بيننا وبين الناس. وإن أمة لا يعفر أبناؤها وجوههم في التراب، ويمرغون جباههم في الأرض تعظيماً لخالقهم، وإعلاناً للعبودية التامة له، لَحَرِيَّةٌ ألا تثبت أمام التحديات والمتغيرات، وأن تذوب في خضم المغريات والابتلاءات، وسيول المحن والبلايا، وأن تغرق في مستنقعات الفتن والرزايا. وإن مَرَدَّ تَرَدِّي كثيرٍ من الأوضاع في شتى البقاع لتردي أبنائها في أودية المخالفات، وعدم القيام بما هو من أوجب الواجبات، ألا وهو الصلاة، فإلى الله المشتكى! ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم! والله المسئول أن يصلح أحوال المسلمين في كل مكان، ويرزقهم الفقه في دينه، والبصيرة فيه، وأن يجعلهم محافظين على شعائر دينهم، معظِّمين لها، قائمين بعمودها على خير وجه، إنه جوادٌ كريم. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة:٢٣٨]. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بهدي سيد المرسلين. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه إنه كان عفواً غفوراً.

стр. 449

أسباب إقامة الصلاة بخشوع الحمد لله الذي جعل لكل شيء عماداً، وجعل الصلاة لنا ذخراً وزاداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده، فلا شركاء له ولا أنداداً، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله أكمل الأمة إيماناً وصلاةً، وأعظمها عبادةً وجهاداً، صلى الله وسلم وبارك عليه صلاةً وسلاماً تامَّين متلازمَين لا نحصيهما أعداداً، وعلى آله وأصحابه إلى يوم يبعث الناس زرافاتٍ وفرادى. أما بعد: فاتقوا الله عباد الله، وعظموا شعائر دينكم، واستحضروا فيها عظمة بارئكم جل وعلا، وفرغوا قلوبكم من الشواغل الدنيوية، والعلائق المادية، وأقيموا صلاتكم بقلوبٍ حاضرة خاشعة. واعلموا -يا رعاكم الله- أن أكبر ما يعين على ذلك حضور القلب فيها، واستشعار عظمة وجلال الخالق جل وعلا، وتفريغ القلوب من الصوارف عن الله والدار الآخرة، والتخفف من مشاغل الدنيا، وعمارة القلوب بالإيمان، وسد مداخل الشيطان على الإنسان. ومما يعين على ذلك أيضاً: قَصْرُ النظر على موضع السجود، ووضعُ اليد اليمنى على اليسرى حال القيام، والتدبرُ فيما يُقْرأ بالقرآن وفيما يُرَدَّد من الأدعية، وعدم الالتفات، ومراعاة الطمأنينة، والحذر من العجلة ومسابقة الإمام، والعبث والحركة، كل ذلك مع توفيق الله من الأسباب التي تعين المسلم على إقامة الصلاة كما شرع الله، وكما سن رسوله ﷺ . أيها الإخوة في الله! إن من الظواهر الجديرة بالمعالجة والتي لها أثر كبيرٌ في انصراف المصلين عن الخشوع في الصلاة: ما قذفت به المدنية المعاصرة من وسائل الاتصال الحديثة، كالهواتف المتنقلة التي بُلِي بها كثيرٌ من الناس، فيصطحبونها في صلواتهم ومساجدهم وهي تسبب أذىً وإزعاجاً للمصلِّين، فأي خشوعٍ عند هذا المصلي عفا الله عنه، الذي يقطع حلاوةَ إقباله على ربه ولذيذَ مناجاته لخالقه رنينُ هاتفه المتكرِّر، فيُشْغِل نفسَه ويؤذي غيره؟! فهل هؤلاء الذين جاءوا إلى المسجد مصطحبين هذه الأجهزة مفتوحة جاءوا مصلين أم ماذا؟! ألا فليتقِ الله أولئك في صلاتهم، وليحذروا من إيذاء إخوانهم المصلين، وانتهاك حرمة بيوت الله، ومتى علم الله من عبده الرغبة في الخير وفَّقه له وأعانه عليه، ولو أن المسلمين اليوم أدوا هذه الصلاة كما سن رسول الله ﷺ ، لكانت بتوفيق الله انطلاقةً جادة لإصلاح أوضاعهم، وتغيير أحوالهم وسلامة مجتمعاتهم، وطريقاً إلى النصر على أعدائهم، وتحقيق ما يصبُون إليه في دنياهم وأخراهم؛ لأن في تطبيق شعائر الإسلام السلاح القوي، والدرع الواقي من كل مكروه بإذن الله؛ لأن الدافع إليه قوة الإيمان، وصدق اليقين، والشوق إلى الآخرة. ألا فاتقوا الله عباد الله، واحرصوا على إقامة صلاتكم؛ فإنها نور لكم في الأرض، وذخرٌ لكم في السماء، وإن المتأمل في آيات التنزيل لَيَجِدُ أن الأمر بالصلاة يأتي دائماً بأسلوب الإقامة، وفي ذلك زيادةُ معانٍ على مجرد الأداء، لأن الإقامة تعني: الإتمام والعناية، وإن مسئولية المصلين لَعَظِيمة بالنسبة لأنفسهم تعاهداً لها وعناية بها، وبالنسبة لغيرهم من معارف وأقارب وأبناءٍ وجيران؛ من حيث أمرهم ونصحهم في هذا الموضوع المهم كما قال سبحانه: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه:١٣٢] وعلى أئمة المساجد دورٌ كبيرٌ في ذلك؛ لأنهم يضطلعون بمهمة كبرى، فعليهم أن يقوموا بها عنايةً وتفقيهاً بأحكامها وحكمها كما قال ﷺ فيما أخرجه البخاري: ﴿صلوا كما رأيتموني أصلي﴾ ولابد من تحقيق التعاون بين الأئمة والمأمومين، وذلك بقيام كلٍّ برسالته؛ لتتحقق النتائج المرجوة بإذن الله. هذا وصلوا وسلموا رحمكم الله على خير مَن أقام الصلاة، صاحب المقام المحمود، والحوض المورود، واللواء المعقود، كما أمركم بذلك الرب المعبود، فقال تعالى قولاً كريماً: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦]. اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبينا وحبيبنا وقدوتنا محمد بن عبد الله، وارضَ اللهم عن الأربعة الخلفاء، والأئمة الحنفاء، الذين قضوا بالحق وبه كانوا يعدلون: أبي بكر، وعمر، وعثمان وعلي، وعن سائر الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، واخذل الطغاة والملحدين وسائر أعداء الدين. اللهم آمِنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، وأيِّد بالحق إمامنا وولي أمرنا. اللهم وفقه لما تحب وترضى، وخذ بناصيته للبر والتقوى. اللهم كن له على الحق مؤيداً ونصيراً، ومعيناً وظهيراً. اللهم هيء له البطانة الصالحة التي تدله على الخير وتعينه عليه. اللهم وفق جميع ولاة المسلمين لتحكيم شرعك، واتباع سنة نبيك ﷺ . اللهم اجعلهم رحمة على عبادك المؤمنين. اللهم يا قوي يا عزيز! يا ذا الجلال والإكرام! نسألك أن تصلح أحوال المسلمين في كل مكان، وأن تنصر إخواننا المجاهدين والمضطهدين في دينهم في كل مكان. اللهم انصرهم في فلسطين، وكشمير، والشيشان، وفي كل مكانٍ يا ذا الجلال والإكرام! اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين. اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا. اللهم اسقنا، اللهم اسقنا، اللهم اسقنا. اللهم أغث قلوبنا بالإيمان واليقين، وبلادنا بالخيرات والأمطار يا رب العالمين! رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

стр. 450

المسئولية في ظل شريعة الإسلام يجد المرء نفسه مسئولاً أمام الله تعالى عن كل شيء، حتى على النعمة المنعم بها عليه. وتتوزع مسئولية المسلم في كل شيء، فهو مسئول عن نعمه، وعن بيته، وأولاده، والقيام بتربيتهم تربية سوية، وعن مجتمعه، ثم تأتي المسئولية الجماعية ولوازمها مبتدأة بالإمامة الكبرى في تحكيم شرع االله، ومسئولية تربية الأجيال، ومسئولية قيام البيت المسلم، ومسئولية الإعلام في نصرة الإسلام. ثم القيام بمسئولية النصيحة، والحفاظ على قيمة الوقت لاسيما في الإجازات.

стр. 451

صور من المسئوليات إن الحمد لله، نحمدك ربي ونستعينك ونستغفرك ونتوب إليك، ونثني عليك الخير كله، سبحان ذي المنن والآلاء والعز والعظمة والكبرياء، المستحق لأعظم الشكر، وأجزل الثناء. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له المنزه عن الأنداد والنظراء، والأمثال والشركاء، جعل كل راعياً ومسئولاً عن رعيته من الرجال والنساء، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله إمام الحنفاء، وقائد الأصفياء، وأفضل من شرع أسس الإصلاح والبناء، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله الشرفاء، وصحبه الأوفياء، والتابعين ومن تبعهم بإحسان مادامت الأرض والسماء. أما بعد: فيا عباد الله: أوصيكم ونفسي بتقوى الله جل وعلا، اتقوه سبحانه في أنفسكم ومسئولياتكم؛ فتقوى الله هي العز من غير جاه ونسب، والشرف من غير منصبٍ وحسب، هي الغنى من غير مال، وبها صلاح الحال والمآل. أيها المسلمون: مقومات نهضة الأمم والمجتمعات، ودعائم تشييد الأمجاد والحضارات، يكمن في العناية بقضية غاية في الأهمية، قضية تُعدُّ بداية طريق البناء الحضاري، ولبنة مسيرة الإصلاح الاجتماعي، والمتأمل في دنيا الناس اليوم وواقع الأمة المعاصر، يهوله ما تعيشه الغالبية الساحقة من شعوب العالم من حياة الفوضى واللامبالاة، وعلى الرغم من توفر كثير من الإمكانات، وتسيير كافة التسهيلات، مما تقذفه رحم المدنية المعاصرة من وسائل التقنيات، وما يفرزه الواقع اليومي من شتى المغالطات، وكثرة المتناقضات، مع نسيج المتغيرات والمستجدات. كلما أنبتَ الزمان قناة ركب المرء في القناة سنان والمسلم الحق يتلمس دائماً طريق الإصلاح ليعيد للأمة شيئاً من عافيتها، بعد أن اشتدت عليها الأزمات وكثرت عليها السهام والتحديات، وهنا يأتي بيتُ القصيد في قضيتنا المطروحة بحرارة كمخرج للأمة من نفق التيه المظلم، لتنهض من كبواتها، وتحقق طموحاتها، إنها قضية المسئولية. معاشر المسلمين: إنَّ كلَّ لحظة من لحظات حياة المسلم تتجسد فيها المسئولية بكل صورها، أفراداً ومجتمعات، هيئات ومؤسسات، شعوباً وحكومات، روى البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: ﴿كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، فالإمام راع ومسئول عن رعيته، والرجل راع في أهله ومسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده ومسئول عن رعيته؛ فكلم راع وكلكم مسئول عن رعيته﴾.

стр. 452

معنى المسئولية في الإسلام إخوة العقيدة: المسئولية في الإسلام تعني أن المسلم المكلف مسئول عن كل شيء جعل الشرع له سلطاناً عليه، أو قدرة على التصرف فيه بأي وجه من الوجوه، سواء أكانت مسئولية شخصية فردية، أم مسئولية متعددة جماعية، فأما المسئولية الشخصية، فهي مسئولية كل فرد عن نفسه وجوارحه وبدنه، روحه وعقله، علمه وعمله، عباداته ومعاملاته، ماله وعمره، أعمال قلبه وجوارحه، وهي مسئولية لا يشاركه في حملها أحد غيره، فإن أَحسن تَحقق له الثواب، وإن أساء باء بالعقاب. روى الترمذي عن أبي برزة الأسلمي أن رسول الله ﷺ قال: ﴿لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيما أفناه، وعن علمه فيما فعل فيه، وعن ماله من أين أكتسبه وفيما أنفقه، وعن جسمه فيما أبلاه﴾. كما أن المرء -يا عباد الله- مسئول عن لسانه أن يلغ في أعراض البُرآء أو أن ينقل الأراجيف والشائعات ضد الصُلحاء، وعن قلبه أن يحمل الضغينة والشحناء، والغل والحسد والبغضاء: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ [الإسراء:٣٦]. أخوة الإيمان! وأما المسئولية الجماعية فتتضمن أولاً: المسئولية الكبرى في الإمامة العظمى؛ وفي تحكيم شرع الله في أرض الله على عباد الله، وكذا القيام بالمسئوليات في الوظائف العامة عدلاً في الرعية، وقسماً بالسوية، ومراقبة لله وحده في كل قضية، وكذا الحفاظ على الأموال والممتلكات والمرافق العامة، فليست المسئوليات غنماً دون غرم، ولا زعماً دون دعم، وسيتولى حارها من تولى قارها، في بعد عن الخلل الإداري، والتلاعب المالي، والتسيب الوظيفي، فلا تصان الحقوق إلا بتولية الأكفاء الأمناء، والأخذ على أيدي الخونة السفهاء، قياماً بالمسئولية والأمانة كما شرع الله، وتحقيقاً لما يتطلع إليه ولاة الأمر وفقهم الله، وهو ما يحقق مصالح البلاد والعباد.

стр. 453

المسئولية الأسرية في تربية الأجيال وفي إطار المسئولية الجماعية يأتي دور البيت والأسرة في حمل مسئولية التربية الإسلامية الصحيحة للأجيال المسلمة، وكذا معاقل التعليم المختلفة في تنشئة الطالبات والطلبة، ومسئولية المجتمعات في النهوض بالأفراد، ودور الإعلام في تهذيب الأخلاق والسلوكيات. إخوة الإيمان: إن مسئولية تربية الأجيال، وإعداد النساء والرجال مسئولية عظمى، وإن قضية العناية بفلذات الأكباد، وثمرات الفؤاد من النشأ والأولاد قضية كبرى يجب على أهل الإسلام أن يولوها كل اهتمامهم؛ لأن مقومات سعادتهم -أفراداً ومجتمعات- منوطة بها. وإنما أولادنا أكبادنا فلذاتنا تمشي على الأرض. ولذلك لا بد من الإعداد لها أيما إعداد، رسماً للمناهج، وإعداداً للبرامج، وتظافراً في الجهود، وتولية للأكفاء، لتتم المسئولية التربوية سليمة من تعثر الخطى، بعيدة عن التناقض والازدواجية، محاذرة للتقليد والتبعية، اعتزازاً بشخصيتنا الإسلامية، وشموخاً في مناهجنا الشرعية، مترسمين هدي القرآن الكريم ونهج السنة النبوية. معاشر الأحبة: إنَّ البيت هو الركيزة الكبرى، وعليه المسئولية العظمى في بناء الفرد، وتقع على كاهله تحديد شخصيات الأبناء، وتكوين ملامحهم الإيمانية، والفكرية، والروحية، والأخلاقية. فيا أيها المسلمون: ربوا أولادكم منذ نعومة أظفارهم على الإيمان بالله، واجعلوهم يستشعرون الأبعاد الحقيقة لكلمة التوحيد، بحيث يكون إيمانهم نابعاً من يقين ومعايشة، وإدراك لحقيقة الربوبية والألوهية، وفهم واضح لمعنى العبودية. معاشر المسلمين: إن كثيراً من الأسر مع شديد الأسف لا تعنى كثيراً بتأصيل الفهم العقدي الصحيح، زاعمين أن التوحيد من المسلَّمات البدهية التي لا تحتاج إلى مزيد عناية، وتلك -وايم الله- من التسطيح في النظرة، ومن نتائجها توهين الأسس العقدية الصحيحة في نفوس كثير من الأبناء. والبيت لا يبتنى إلا له عُمد ولا عماد إذا لم ترس أوتاد فعلى الأسرة أن تجتهد في تصحيح سلوكيات أبنائها، وغرس المثل الإسلامية في نفوسهم، وتأصيل الأخلاق الحميدة التي جاء بها ديننا الحنيف، وليكن الأبوان قدوة حسنة لأبنائهم، فلا يكون هناك تناقض بين ما يمارسونه من سلوك عملي، وبين ما ينصحون به أبناءهم في ظلام وكلام نظري. وينشأ ناشئ الفتيان فينا على ما كان عوده أبوه وإنها لمسئولية عظيمة أن يبني الأبوان شخصية أبنائهم على أساس العقيدة الصحيحة والاعتزاز بمبادئهم وتراث أمتهم، محاطين بالإيمان والهدى والخير والفضيلة، أقوياء في مواجهة المؤثرات المحيطة بهم، لا ينهزمون أمام الباطل، ولا يضعفون أمام التيارات الفكرية الزائفة. فيا أيها الأباء والأمهات: اتقوا الله في أولادكم، كونوا قدوة لهم في الخير، وإياكم ثم إياكم أن تكلوا عملية تربيتهم للخادمين والخادمات، فهم ضرر على الأسرة لما يحملونه في الغالب من أفكار وأخلاق وعادات ثبت في الواقع خطرها، وثبت لدى كل غيور شرها وضررها، أبعدوهم عن قرناء السوء، تابعوهم في صلواتهم، وخلواتهم، وجلواتهم، كونوا الرقابة المكثفة المقرونة بمشاعل المحبة والحنان والشفقة. حذارِ أن تتسلل إلى الأسرة ألوان من الغزو الفكري والأخلاقي، فتهدم ما بنيتموه، وتنقض ما شيدتموه، نشِّئوهم على الخير والفضيلة والهدى، والبعد عن الرذيلة والشر والردى. أيها المسلمون: كما تشمل المسئولية الأسرية حسن اختيار الزوجين على أساس الدين والأمانة والخلق، قال ﷺ : ﴿إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه؛ إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير﴾ رواه الترمذي وابن ماجة من حديث أبي هريرة ﵁. وبهذا الاختيار الحسَنَ، ينشأ جيل من الأفراد الصالحين الذين يحققون العبودية الخالصة لله رب العالمين. كما تتضمن المسئولية الأسرية، حُسنُ العشرة بين الزوجين، والقيام بالواجبات، وأداء الحقوق، والتعاهد على التربية، يقول : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم:٦]. فكيف يهنأ والد بالعيش وهذا الوعيد الشديد يطرق سمعه، وهذه العاقبة المحزنة تهدد أولاده، ألا فليتقِ الله القوَّامون على النساء من الأزواج والآباء، فليربوهنَّ وليأخذوا على أيديهنَّ، ويلزموهن بالقرار في البيوت والحجاب الشرعي، حتى لا يُفَتَنَّ ولا يَفتِنَّ، فيأتين على بنيان التربية من القواعد، وإن من الخطأ كل الخطأ والخيانة في الأمانة، إهمال قضايا المرأة في حجابها وعفافها واختلاطها بالرجال، والانسياق المحموم وراء الأزياء والموضات دون رقيب ولا حسيب. وتتضمن المسئولية الأسرية -يا عباد الله- تسهيل أمور الزواج وعدم المغالاة في المهور وتكاليف الزواج، والإسراف والتبذير وما يقع من منكرات في الأفراح. فيا أهل العفة والغيرة والحياء! يا أرباب الشهامة والرجولة والإباء! أليس هذا من الغش والخيانة، والتساهل في القيام بالمسئولية.

стр. 454

مسئولية المجتمع في الحفاظ على سفينة الأمة أمة الإسلام: وتقع على المجتمع مسئولية كبرى في الحفاظ على سفينة الأمة، وفي تعميق الروابط فيما بين أفرادها من التواد والتراحم، والأخوَّة والتفاهم، انطلاقاً من الركيزة الإيمانية لا من المصالح الدنيوية والعلاقات المادية، ولقد عُني الإسلام بالمجتمع وتشييد أركانه، بصورة متماسكة في بنيانه أمام الأفكار المسمومة، والآراء المذمومة، فليتواصى أبناء المجتمع على عبادة الله وحده، وعلى الاضطلاع بمهمة الدعوة الإسلامية والحسبة، وإعلاء راية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أمام سيل المنكرات، وطوفان المحرمات، والأخذ على أيدي المستهترين، وإنَّ السكوت على الأيدي الآثمة هو في الحقيقة إثم أكبر من إثمها، وإجرام أبشع من إجرامها: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠]. وهذا ما ينبغي أن تدركه الأمة الإسلامية لتعرف حقيقتها وقيمتها وتضطلع بمسئولياتها، وتعرف أنها أخرجت لتكون في الطليعة؛ لتكون لها القيادة؛ لأنها خير أمة: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحديد:٢٥].

стр. 455

مسئولية الإعلام في تحقيق مصالح الأمة أيها الإخوة المسلمون: أما وسائل الإعلام في عصر التفجر الإعلامي، وثورة المعلومات والتقنيات، فمسئوليتها من أعظم المسئوليات، ولا سيما القنوات الفضائية، والشبكات المعلوماتية، فالله الله -أيها التربويون- في استثمارها لخدمة ديننا الحنيف. وإن الغيورين ليأسفون أشد الأسف على المهازل الرخيصة، والجنوح اللامسئول مسئول بهذه الوسائل الإعلامية إلى ما يفرز ضد الأجيال إلى ما لا تحمد عقباه، في أعز ما تملكه الأمة في قدرات شبابها وفتياتها، فإلى الله المشتكى ولا حول ولا قوة إلا بالله! معاشر الأحبة: إن للإعلام دوراً كبيراً في تشكيل عقول الأفراد، وتحديد معالم الشخصيات، وتوجيه السلوكيات، وغرس القيم والأهداف بما يحقق المصالح الخاصة والعامة، فليتق الله القائمون على وسائل الإعلام المختلفة المرئية والمسموعة والمقروءة، فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته فلا يقدم لأفراد الأمة ومجتمعاتها إلا كل ما يدعو إلى الخير والفضيلة، ويرسخ القيم الإسلامية الأصيلة، والمبادئ القويمة، والمُثلُ العظيمة، وعليهم أن يستنقذوا أبناء هذه الأمة من التشويش الفكري، والغبش العقدي، والعفن الأخلاقي، الذي ينعكس على حياتهم العملية، وسلوكياتهم اليومية، مما تعج به سماء القضاء، ويرتج منه الأرض والأجواء، فرحماك ربنا رحماك! أيها الإعلاميون: الأعلام نبض الأمة، ومرآة المجتمع، فراعوا مسئولية الكلمة، وأمانة الحرف، وموضوعية الطرح، وشفافية الحوار، ومصداقية الرؤى، واعلموا أنه بالمبادئ والقيم وبالعقيدة والإيمان يتميز الإعلام عند أهل الإسلام، فكم تعاني المجتمعات البشرية اليوم من جرائم وحوادث، وكم تجرعت من ويلات وكوارث، لماذا ارتفعت معدلات الجريمة بما يذهل العقول؟ لم يكن ذلك ليحدث إلا لما أهمل الإنسان مسئوليته. إن من مسئوليات الأمة العظمى التصدي لألوان الغزو السافر، ضد عقيدتنا ومقدساتنا، والإبانة عن الموقف الحق ضد الحملات، التي تشن ضد ديننا وقيمنا ومبادئنا، والوقوف بحزم وحصانة، ورعاية وصيانة، لصد اخطبوط العولمة المفضوحة، بالحفاظ على مميزاتنا الحضارية، وثوابتنا الشرعية، والتصدي القوي لما تقوم به الصهيونية العالمية، في دعم من القوى الدولية، ضد مقدساتنا في فلسطين المسلمة، وما يقوم به أشياعهم في كشمير والشيشان، فمسئولية مَنْ مواجهة هذه الغطرسة الصهيونية الآثمة؟ وهذه الهجمة العدوانية العنصرية ضد أمتنا الإسلامية؟ إن كلاً منا على ثغر من ثغور الإسلام، فالله الله أن يؤتى الإسلام من قِبَله.

стр. 456

مسئولية نصرة الدين مسئولية مشتركة إن حقاً على أهل الإسلام أن يقوموا بمسئوليات في تحقيق نصرة هذا الدين بكل ما أوتوا من إمكانات، وأن تتكاتف في ذلك جميع القنوات. الأسر والبيوتات، الأباء والأمهات، المدارس والجامعات، المساجد والإعلام والمنتديات، الشعوب والحكومات، والمجتمع بكافة فئاته، ووسائل الإعلام بشتى قنواتها مسموعها، ومقروءها، ومرئيها، الكل يؤد واجبه، في التربية والبناء، وغرس القيم والأخلاق في البنات والأبناء، ليخرج جيل مثالي من الرجال والنساء، وبذلك يتحقق الأمر المنشود، ويتجدد المجد المفقود، والتطلع المعقود، وما ذلك على الله بعزيز. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ * وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال:٢٧ - ٢٨]. بارك الله لي ولكم في الوحيين، ونفعني وإياكم بهدي سيد الثقلين، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولكافة المسلمين والمسلمات من كل الذنوب والخطيئات، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 457

المسئولية تجاه الأبناء في الإجازة الحمد لله الذي خلق كل شيء فقدره تقديراً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وسع كل شيء رحمة وعلماً وتدبيراً، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله أرسله هادياً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فاتقوا الله -عباد الله- وقوموا جميعاً بما أنتم مسئولون عنه أمام ربكم، ثم أمام الأمة والتاريخ، فلقد علمتم عِظَم منظومة المسئولية؛ من الخدمة الصغرى إلى قمة الهرم في الإمامة العظمى. واعلموا -يا رعاكم الله- أن مسئولية النصيحة في هذه الأوقات ما يحدث من ظواهر اجتماعية، في أوقات الإجازات، فيا أيها الآباء والأمهات: يا أيها الطلاب والطالبات: يا أيها التربويون في كافة القنوات: ماذا أعددتم لشغل الفراغ والأوقات مدة هذه الإجازات؟! إن واجب النصح للأمة في هذه القضية المهمة ينبغي أن ينصب على كيفية شغل أوقات فلذات الأكباد، وثمرات الفؤاد بما يعود عليهم وعلى مجتمعهم بالنفع العظيم والخير العميم. أيها الإخوة الأحبة في الله: إن فرص استغلال الوقت في هذه الإجازة -لا سيما للشباب والفتيات- كثيرة بحمد لله، فينبغي أن نحرص على الفرص الشرعية المباحة، والمناسبات المرعية المتاحة، وليحذر العباد من تضيبع الأوقات في المحرمات والمشتبهات. ألا وإن أنَفس ما صُرفت فيه الأوقات؛ العناية بكتاب الله تعلماً، وتعليماً، وحفظاً، وتدبراً، وفهماً، وعملاً، وتطبيقاً، والقراءة والاطلاع على الكتب الشرعية النافعة، والالتحاق بالدروات العملية، والمخيمات الدعوية، والمراكز الصيفية، والمعاهد المهنية التي يقوم عليها أهل الخير والصلاح، والدعوة والإصلاح، بما يعود بفائدة كبرى في زيادة المعارف، وحفظ الأوقات، وتنمية المواهب واكتساب المهارات. ولا بأس بإدخال الفرح على الأهل والأولاد في سفر مباح في محيط بلاد الإسلام، ولنا مع السفر والمسافرين حديث قادم بإذن الله. وألا وإن من غير المنكور وجود الأتقياء الأمناء في الأمة بحمد لله، ممن جدوا في أداء مسئولياتهم مستشعرين معية الله جلَّ وعلا فيها، حريصين على تقوية الوازع الديني وضمير الإحساس الإنساني في أداء حقوق الله وحقوق عباد الله، وبمثل هؤلاء يصلح حال الأمة، وتسعد مجتمعاتها بإذن الله، والله المسئول أن يوفق الجميع لما يحبه ويرضاه، وإنه خير مسئول وأكرم مأمول. ألا وصلوا وسلموا رحمكم الله على معلم البشرية، المبعوث بالحنيفية، خير من قام بالمسئولية، كما أمركم بذلك ربكم رب البرية، فقال تعالى قولاً كريماً: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦]. اللهم صلِّ وسلم وبارك على حبيبنا وقدوتنا محمد بن عبد الله، وارض اللهم عن خلفاءه الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعن سائر الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنَّا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم أعزَّ الإسلام والمسلمين، وأذلَ الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين واحمِ حوزة الدين، واجعل هذا البلد آمناً مُطمئناً وسائر بلاد المسلمين. اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، وأيدَّ بالحق إمامنا وولي أمرنا، اللهم وفقه لما تحب وترضى، وخذ بناصيته للبر والتقوى، اللهم وفقه ونائبه لما فيه صلاح البلاد والعباد، يا من له الدنيا والآخرة وإليه المعاد. اللهم كن لهم على الحق مؤيداً ونصيراً، ومعيناً وظهيراً يا جواد يا كريم! اللهم وفق جميع ولاة المسلمين لتحكيم شرعك، واتباع سنة نبيك ﷺ ، اللهم اجعلهم رحمة على عبادك المؤمنين. اللهم انصر إخواننا المجاهدين في سبيلك والمضطهدين في دينهم في كل مكان، اللهم انصرهم في فلسطين وكشمير والشيشان، اللهم انصر إخواننا في فلسطين على اليهود المعتدين، والصهاينة الغاشمين. اللهم انصر إخواننا المجاهدين في سبيلك فوق كل أرض، وتحت كل سماء يا ذا الجلال والإكرام! اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات إنك سميع قريب مجيب الدعوات. اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق والأقوال والأعمال لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عنا سيئها لا يصرف عنا سيئها إلا أنت: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة:٢٠١]. عباد الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل:٩٠]. فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 458

أمل جديد مع عام جديد الأيام تمر، والأعمار تنقضي، والساعات تذهب، جيل يموت وجيل يخلق، عام يأتي وعام ينصرم، والكيس الفطن من يعتبر بغيره وإن التاريخ له أهمية في واقع الأمة؛ لتستعيد ثقتها بنفسها؛ وتنزع ما بها من انهزامية. وهناك دروس كثيرة تستفاد من التاريخ ذكرها الشيخ باختصار، كما نوه إلى أن الأمة بحاجة إلى مراجعة ووقفة تأمل ومحاسبة. ثم تكلم في آخر الخطبة عن فضل شهر الله المحرم، وفضل صيام يوم عاشوراء.

стр. 459

الاعتبار بما مضى الحمد لله الذي خلق كل شيء فقدره تقديراً، أحمده تعالى وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، ييسر عسيراً، ويجبر كسيراً، وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً، سبحانه وبحمده، جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادةً أدخرها ليوم كان شره مستطيراً، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله، بعثه بالحق بين يدي الساعة بشيراً ونذيراً، وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً، فصلوات الله وبركاته عليه، وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليماً كثيراً. أما بعد: فأوصيكم -عباد الله- ونفسي بتقوى الله، فمن رام خيراً غفيراً ورزقاً وفيراً ومقاماً كبيراً؛ فعليه بتقوى الله، فمن حققها حقق في الدنيا مجداً أثيراً، وفي الآخرة جنة وحريراً، ورَوحاًَ وعبيراً. أيها المسلمون: في ظل ازدلاف الأمة إلى عام جديد، وتطلعها لمستقبل مشرق رغيد؛ تبرز بجلاءٍ قضايا حولية، وموضوعات موسمية، جديرة بالإشادة والتذكير، وحفية بالتوقف والتبصير، علها تكون محركاً فاعلاً يستنهض الهمم ويشحذ العزائم لمراجعة الذات، وتدقيق الحسابات، وتحديد الرؤى والمواقف، وتقويم المسيرة لتستعيد الأمة تاريخها المجيد ومجدها التليد، وما امتازت به من عالمية فريدة، وحضارة عريقة، بوأتها في الطليعة بين أمم الأرض قاطبة، والإنسانية جمعاء. معاشر المسلمين: إن قضية المناسبة تكمن في وقفة المحاسبة، فاستقبال الأمة لعام جديد هو بمجرده قضية لا يُستهان بها، وإن بدا في أنظار بعض المفتونين أمراً هيناً لطول الأمل والغفلة عن صالح العمل. وإن في مراحل العمر وتقلبات الدهر وفجائع الزمان لعبرة ومزدجراً، وموعظة ومدَّكراً، يحاسب فيها الحصيف نفسه، ويراجع مواقفه، حتى لا يعيش في غمرة، ويؤخذ على غِرَّة، ويكون بعد ذلك عظة وعبرة. ولئن أُسدل الستار على عام مضى فإن كل ماضٍ قد يُسترجع إلا العمر المنصرم، فإنه نقص في الأعمال، ودنو في الآجال. نسير إلى الآجال في كل لحظةٍ وأيامنا تُطْوَى وهن مراحلُ وإذا كان آخر العمر موتاً فسواءٌ قصيرُه والطويلُ فكم من خطوات مُشيت، وأوقات صُرفت، ومراحل قُطعت؟! ومع ذلك فالإحساس بمضيها قليل، والتذكر والاعتبار بمرورها ضئيل، مهما طالت مدتها، وعظُمت فترتها، ودامت بعد ذلك حسرتها. إخوتي في الله: إن عجلة الزمن وقطار العمر يمضيان بسرعة فائقة، لا يتوقفان عند غافل، ولا يحابيان كل ذاهل، كم ودعنا فيما مضى من أخ وقريبٍ؟! وكم فقدنا من عزيز وحبيب، هزنا خبرُه، وفجعنا نبؤه؟! حتى إذا لم يدع صدقه أملاً شرقت بالريق حتى كاد يشرقني لقد كانوا زينة المَجالس، وأُنسها، سبقونا للقبور، وتركوا عامر الدور والقصور. فاللهم أمطر على قبورهم سحائب الرحمة والرضوان، ولا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم، واغفر لنا ولهم، لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى. فالله المستعان! إلى متى الغفلة يا عباد الله؟! ماذا ران على قلوبنا؟! وماذا غشي أبصارنا وبصائرنا؟! إن الموفق الواعي من سعى لإصلاح حاله ليسعد في مآله، وإن الكيس الملهم من أدام المحاسبة، وأكثر على نفسه المعاتبة، وتفقد رصيده الأخروي، وحاذر كل لوثة عقدية وفكرية وسلوكية؛ ليحيا حياة السعداء، ويبوَّأ نزل الشهداء، وما ذلك بعزيز على ذي المن والعطاء.

стр. 460

أهمية الرجوع إلى التاريخ إخوة العقيدة: ما أحوج الأمة الإسلامية اليوم وهي تتفيأ ظلال عام جديد مليء بالتفاؤل والتطلعات، بالخروج من الفتن والمشكلات، وتجاوز العقبات والأزمات، ومواجهة التحديات والنكبات، ما أحوجها أن تقرأ تاريخها! اقرءوا التاريخ إذ فيه العبرْ ضل قومٌ ليس يدرون الخبرْ اقرءوا التاريخ لتدركوا كيف كانت أحداثه العظام، ووقائعه الجسام، نقطة تحول كبرى لا في تاريخ الأمة الإسلامية فحسب، بل في تاريخ البشرية قاطبة. اقرءوا التاريخ الإسلامي لتروا كيف كانت وقائعه العظيمة منعطفاً مهماً غير مجرى التاريخ الإنساني برمته. اقرئي يا أُمتي تاريخك المجيد لتعلمي كيف أرست مصادرُه وأحداثه مبادئ الحق والعدل والأمن والسلام، وكم رسخت وقائعه منذ ما يزيد على أربعة عشر قرناً من الزمان مضامين الحوار الحضاري الذي يتنادى به العالم اليوم. أيتها الإنسانية الحائرة: لتسلمي من الأحكام الجزاف الجائرة، اقرئي تاريخ حضارتنا الإسلامية؛ لتري بأم عينيك كيف كفل الإسلام حقوق الإنسان بجدارة، فقد أزال الطبقات ومحى العنصريات، وألغى الفوارق والتمايزات، ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣] في وحدة تتضاءل أمامها الانتماءات العنصرية، والأواصر والعلاقات الدنيوية، بل تضمحل بها كل دعاوى الجاهلية. إخوة الإيمان: إن الارتباط التاريخي الوثيق، والانتماء الحضاري العريق، يؤكد أن ليس غير العقيدة الإسلامية جامعاً للعالم المتناثر، ومؤلفاً للشتات المتناكر، وناظماً للرأي المتنافر، فهل تعي الأمة ذلك بعد هذا التمزق المزري، والتخلف المخزي، والتيه في الأنفاق المظلمة، وسراديب الغواية المعدمة، إنه لا درب سوى الإسلام، ولا إمام غير القرآن، ولا نهج إلا نهج سيد الأنام ﵊. ألم تستيقن الأمة بعد طول سبات أن التخلي عن العقيدة، والتساهل بأمر الشريعة، والتفريط في الثوابت والمبادئ، والتقصير في المثل والقيم مآله شقاء المجتمعات، وانتقاض الحضارات، وهلاك العباد، وخراب البلاد، وطريق البوار، وسبب الانهيار، وحلول الثبار، وتحقق الدمار؟!! فهل يدرك أصحاب الرأي والنظر في الأمة أن التحديات السابقة والمعاصرة، وصور التصادم الحضاري، والعداء الثقافي والفكري إنما مرده إلى ثوابت عند الغير لا يتحقق الانتصار عليها إلا بالتمسك بموروثنا الحضاري العريق، الذي ينضح خيراً وسلاماً للبشرية، وأمناً وإسعاداً للإنسانية، في بُعد عن مسالك العنف والإرهاب العالمية التي أقضَّت المضاجع الإنسانية؟! وهنا ينبغي أن يتنادى العقلاء والمنصفون في العالم بإعلاء القيم الحضارية والأخلاقية، والمثل الإسلامية والإنسانية، والتأكيد على مبدأ الحوار الحضاري بلا تميع ولا انهزامية.
следующие страницы →