Полный текст (1 023 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
مسئولية نصرة الدين مسئولية مشتركة
إن حقاً على أهل الإسلام أن يقوموا بمسئوليات في تحقيق نصرة هذا الدين بكل ما أوتوا من إمكانات، وأن تتكاتف في ذلك جميع القنوات.
الأسر والبيوتات، الأباء والأمهات، المدارس والجامعات، المساجد والإعلام والمنتديات، الشعوب والحكومات، والمجتمع بكافة فئاته، ووسائل الإعلام بشتى قنواتها مسموعها، ومقروءها، ومرئيها، الكل يؤد واجبه، في التربية والبناء، وغرس القيم والأخلاق في البنات والأبناء، ليخرج جيل مثالي من الرجال والنساء، وبذلك يتحقق الأمر المنشود، ويتجدد المجد المفقود، والتطلع المعقود، وما ذلك على الله بعزيز.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ * وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال:٢٧ - ٢٨].
بارك الله لي ولكم في الوحيين، ونفعني وإياكم بهدي سيد الثقلين، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولكافة المسلمين والمسلمات من كل الذنوب والخطيئات، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 457
المسئولية تجاه الأبناء في الإجازة
الحمد لله الذي خلق كل شيء فقدره تقديراً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وسع كل شيء رحمة وعلماً وتدبيراً، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله أرسله هادياً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
فاتقوا الله -عباد الله- وقوموا جميعاً بما أنتم مسئولون عنه أمام ربكم، ثم أمام الأمة والتاريخ، فلقد علمتم عِظَم منظومة المسئولية؛ من الخدمة الصغرى إلى قمة الهرم في الإمامة العظمى.
واعلموا -يا رعاكم الله- أن مسئولية النصيحة في هذه الأوقات ما يحدث من ظواهر اجتماعية، في أوقات الإجازات، فيا أيها الآباء والأمهات: يا أيها الطلاب والطالبات: يا أيها التربويون في كافة القنوات: ماذا أعددتم لشغل الفراغ والأوقات مدة هذه الإجازات؟!
إن واجب النصح للأمة في هذه القضية المهمة ينبغي أن ينصب على كيفية شغل أوقات فلذات الأكباد، وثمرات الفؤاد بما يعود عليهم وعلى مجتمعهم بالنفع العظيم والخير العميم.
أيها الإخوة الأحبة في الله: إن فرص استغلال الوقت في هذه الإجازة -لا سيما للشباب والفتيات- كثيرة بحمد لله، فينبغي أن نحرص على الفرص الشرعية المباحة، والمناسبات المرعية المتاحة، وليحذر العباد من تضيبع الأوقات في المحرمات والمشتبهات.
ألا وإن أنَفس ما صُرفت فيه الأوقات؛ العناية بكتاب الله تعلماً، وتعليماً، وحفظاً، وتدبراً، وفهماً، وعملاً، وتطبيقاً، والقراءة والاطلاع على الكتب الشرعية النافعة، والالتحاق بالدروات العملية، والمخيمات الدعوية، والمراكز الصيفية، والمعاهد المهنية التي يقوم عليها أهل الخير والصلاح، والدعوة والإصلاح، بما يعود بفائدة كبرى في زيادة المعارف، وحفظ الأوقات، وتنمية المواهب واكتساب المهارات.
ولا بأس بإدخال الفرح على الأهل والأولاد في سفر مباح في محيط بلاد الإسلام، ولنا مع السفر والمسافرين حديث قادم بإذن الله.
وألا وإن من غير المنكور وجود الأتقياء الأمناء في الأمة بحمد لله، ممن جدوا في أداء مسئولياتهم مستشعرين معية الله جلَّ وعلا فيها، حريصين على تقوية الوازع الديني وضمير الإحساس الإنساني في أداء حقوق الله وحقوق عباد الله، وبمثل هؤلاء يصلح حال الأمة، وتسعد مجتمعاتها بإذن الله، والله المسئول أن يوفق الجميع لما يحبه ويرضاه، وإنه خير مسئول وأكرم مأمول.
ألا وصلوا وسلموا رحمكم الله على معلم البشرية، المبعوث بالحنيفية، خير من قام بالمسئولية، كما أمركم بذلك ربكم رب البرية، فقال تعالى قولاً كريماً: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦].
اللهم صلِّ وسلم وبارك على حبيبنا وقدوتنا محمد بن عبد الله، وارض اللهم عن خلفاءه الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعن سائر الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنَّا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين!
اللهم أعزَّ الإسلام والمسلمين، وأذلَ الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين واحمِ حوزة الدين، واجعل هذا البلد آمناً مُطمئناً وسائر بلاد المسلمين.
اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، وأيدَّ بالحق إمامنا وولي أمرنا، اللهم وفقه لما تحب وترضى، وخذ بناصيته للبر والتقوى، اللهم وفقه ونائبه لما فيه صلاح البلاد والعباد، يا من له الدنيا والآخرة وإليه المعاد.
اللهم كن لهم على الحق مؤيداً ونصيراً، ومعيناً وظهيراً يا جواد يا كريم!
اللهم وفق جميع ولاة المسلمين لتحكيم شرعك، واتباع سنة نبيك ﷺ ، اللهم اجعلهم رحمة على عبادك المؤمنين.
اللهم انصر إخواننا المجاهدين في سبيلك والمضطهدين في دينهم في كل مكان، اللهم انصرهم في فلسطين وكشمير والشيشان، اللهم انصر إخواننا في فلسطين على اليهود المعتدين، والصهاينة الغاشمين.
اللهم انصر إخواننا المجاهدين في سبيلك فوق كل أرض، وتحت كل سماء يا ذا الجلال والإكرام!
اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات إنك سميع قريب مجيب الدعوات.
اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق والأقوال والأعمال لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عنا سيئها لا يصرف عنا سيئها إلا أنت: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة:٢٠١].
عباد الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل:٩٠].
فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
стр. 458
أمل جديد مع عام جديد
الأيام تمر، والأعمار تنقضي، والساعات تذهب، جيل يموت وجيل يخلق، عام يأتي وعام ينصرم، والكيس الفطن من يعتبر بغيره وإن التاريخ له أهمية في واقع الأمة؛ لتستعيد ثقتها بنفسها؛ وتنزع ما بها من انهزامية.
وهناك دروس كثيرة تستفاد من التاريخ ذكرها الشيخ باختصار، كما نوه إلى أن الأمة بحاجة إلى مراجعة ووقفة تأمل ومحاسبة.
ثم تكلم في آخر الخطبة عن فضل شهر الله المحرم، وفضل صيام يوم عاشوراء.
стр. 459
الاعتبار بما مضى
الحمد لله الذي خلق كل شيء فقدره تقديراً، أحمده تعالى وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، ييسر عسيراً، ويجبر كسيراً، وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً، سبحانه وبحمده، جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادةً أدخرها ليوم كان شره مستطيراً، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله، بعثه بالحق بين يدي الساعة بشيراً ونذيراً، وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً، فصلوات الله وبركاته عليه، وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
فأوصيكم -عباد الله- ونفسي بتقوى الله، فمن رام خيراً غفيراً ورزقاً وفيراً ومقاماً كبيراً؛ فعليه بتقوى الله، فمن حققها حقق في الدنيا مجداً أثيراً، وفي الآخرة جنة وحريراً، ورَوحاًَ وعبيراً.
أيها المسلمون: في ظل ازدلاف الأمة إلى عام جديد، وتطلعها لمستقبل مشرق رغيد؛ تبرز بجلاءٍ قضايا حولية، وموضوعات موسمية، جديرة بالإشادة والتذكير، وحفية بالتوقف والتبصير، علها تكون محركاً فاعلاً يستنهض الهمم ويشحذ العزائم لمراجعة الذات، وتدقيق الحسابات، وتحديد الرؤى والمواقف، وتقويم المسيرة لتستعيد الأمة تاريخها المجيد ومجدها التليد، وما امتازت به من عالمية فريدة، وحضارة عريقة، بوأتها في الطليعة بين أمم الأرض قاطبة، والإنسانية جمعاء.
معاشر المسلمين: إن قضية المناسبة تكمن في وقفة المحاسبة، فاستقبال الأمة لعام جديد هو بمجرده قضية لا يُستهان بها، وإن بدا في أنظار بعض المفتونين أمراً هيناً لطول الأمل والغفلة عن صالح العمل.
وإن في مراحل العمر وتقلبات الدهر وفجائع الزمان لعبرة ومزدجراً، وموعظة ومدَّكراً، يحاسب فيها الحصيف نفسه، ويراجع مواقفه، حتى لا يعيش في غمرة، ويؤخذ على غِرَّة، ويكون بعد ذلك عظة وعبرة.
ولئن أُسدل الستار على عام مضى فإن كل ماضٍ قد يُسترجع إلا العمر المنصرم، فإنه نقص في الأعمال، ودنو في الآجال.
نسير إلى الآجال في كل لحظةٍ وأيامنا تُطْوَى وهن مراحلُ
وإذا كان آخر العمر موتاً فسواءٌ قصيرُه والطويلُ
فكم من خطوات مُشيت، وأوقات صُرفت، ومراحل قُطعت؟! ومع ذلك فالإحساس بمضيها قليل، والتذكر والاعتبار بمرورها ضئيل، مهما طالت مدتها، وعظُمت فترتها، ودامت بعد ذلك حسرتها.
إخوتي في الله: إن عجلة الزمن وقطار العمر يمضيان بسرعة فائقة، لا يتوقفان عند غافل، ولا يحابيان كل ذاهل، كم ودعنا فيما مضى من أخ وقريبٍ؟! وكم فقدنا من عزيز وحبيب، هزنا خبرُه، وفجعنا نبؤه؟!
حتى إذا لم يدع صدقه أملاً شرقت بالريق حتى كاد يشرقني
لقد كانوا زينة المَجالس، وأُنسها، سبقونا للقبور، وتركوا عامر الدور والقصور.
فاللهم أمطر على قبورهم سحائب الرحمة والرضوان، ولا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم، واغفر لنا ولهم، لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى.
فالله المستعان!
إلى متى الغفلة يا عباد الله؟!
ماذا ران على قلوبنا؟!
وماذا غشي أبصارنا وبصائرنا؟!
إن الموفق الواعي من سعى لإصلاح حاله ليسعد في مآله، وإن الكيس الملهم من أدام المحاسبة، وأكثر على نفسه المعاتبة، وتفقد رصيده الأخروي، وحاذر كل لوثة عقدية وفكرية وسلوكية؛ ليحيا حياة السعداء، ويبوَّأ نزل الشهداء، وما ذلك بعزيز على ذي المن والعطاء.
стр. 460
أهمية الرجوع إلى التاريخ
إخوة العقيدة: ما أحوج الأمة الإسلامية اليوم وهي تتفيأ ظلال عام جديد مليء بالتفاؤل والتطلعات، بالخروج من الفتن والمشكلات، وتجاوز العقبات والأزمات، ومواجهة التحديات والنكبات، ما أحوجها أن تقرأ تاريخها!
اقرءوا التاريخ إذ فيه العبرْ ضل قومٌ ليس يدرون الخبرْ
اقرءوا التاريخ لتدركوا كيف كانت أحداثه العظام، ووقائعه الجسام، نقطة تحول كبرى لا في تاريخ الأمة الإسلامية فحسب، بل في تاريخ البشرية قاطبة.
اقرءوا التاريخ الإسلامي لتروا كيف كانت وقائعه العظيمة منعطفاً مهماً غير مجرى التاريخ الإنساني برمته.
اقرئي يا أُمتي تاريخك المجيد لتعلمي كيف أرست مصادرُه وأحداثه مبادئ الحق والعدل والأمن والسلام، وكم رسخت وقائعه منذ ما يزيد على أربعة عشر قرناً من الزمان مضامين الحوار الحضاري الذي يتنادى به العالم اليوم.
أيتها الإنسانية الحائرة: لتسلمي من الأحكام الجزاف الجائرة، اقرئي تاريخ حضارتنا الإسلامية؛ لتري بأم عينيك كيف كفل الإسلام حقوق الإنسان بجدارة، فقد أزال الطبقات ومحى العنصريات، وألغى الفوارق والتمايزات، ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣] في وحدة تتضاءل أمامها الانتماءات العنصرية، والأواصر والعلاقات الدنيوية، بل تضمحل بها كل دعاوى الجاهلية.
إخوة الإيمان: إن الارتباط التاريخي الوثيق، والانتماء الحضاري العريق، يؤكد أن ليس غير العقيدة الإسلامية جامعاً للعالم المتناثر، ومؤلفاً للشتات المتناكر، وناظماً للرأي المتنافر، فهل تعي الأمة ذلك بعد هذا التمزق المزري، والتخلف المخزي، والتيه في الأنفاق المظلمة، وسراديب الغواية المعدمة، إنه لا درب سوى الإسلام، ولا إمام غير القرآن، ولا نهج إلا نهج سيد الأنام ﵊.
ألم تستيقن الأمة بعد طول سبات أن التخلي عن العقيدة، والتساهل بأمر الشريعة، والتفريط في الثوابت والمبادئ، والتقصير في المثل والقيم مآله شقاء المجتمعات، وانتقاض الحضارات، وهلاك العباد، وخراب البلاد، وطريق البوار، وسبب الانهيار، وحلول الثبار، وتحقق الدمار؟!!
فهل يدرك أصحاب الرأي والنظر في الأمة أن التحديات السابقة والمعاصرة، وصور التصادم الحضاري، والعداء الثقافي والفكري إنما مرده إلى ثوابت عند الغير لا يتحقق الانتصار عليها إلا بالتمسك بموروثنا الحضاري العريق، الذي ينضح خيراً وسلاماً للبشرية، وأمناً وإسعاداً للإنسانية، في بُعد عن مسالك العنف والإرهاب العالمية التي أقضَّت المضاجع الإنسانية؟!
وهنا ينبغي أن يتنادى العقلاء والمنصفون في العالم بإعلاء القيم الحضارية والأخلاقية، والمثل الإسلامية والإنسانية، والتأكيد على مبدأ الحوار الحضاري بلا تميع ولا انهزامية.
стр. 461
دروس من التاريخ
اقرءوا التاريخ أيها المنهزمون من بني جلدتنا؛ لتدركوا أن الحوار مع الآخر يجب أن يُبنى أولاً على الإصلاح من الداخل، حين تمتلئ النفوس محبةً ومودةً وحناناً، حينما توضع الكوابح المرئية، وترسم الضوابط الشرعية لحركة الانفتاح الفكري والثقافي والتربوي والإعلامي المتسارعة، التي لا تعرف التمهُّل؛ فقنوات، وفضائيات، وتقنيات، وشبكات معلومات.
واللهم حوالينا ولا علينا.
يجب أن تُعاد الثقة إلى الذات، ويُعالج الانهزام النفسي لدى كثير من المعنيين في مجالات التربية والثقافة والإعلام، الذين لهثوا وراء عفن الأمم؛ عَبُّوا منها طويلاً، فلم تغنهم، ولم تغن أمتهم فتيلاً ولا نقيراً ولا قطميراً.
وهنا يتأكد تعزيز جانب الحسبة في الأمة، حتى لا تغرق سفينة المجتمع، كما يجب الذب عن أهلها، وعدم الوقيعة بهم، وتضخيم هيناتهم، والكف عن التمادي في اتهامهم، والطعون في أعراضهم، في وشايات مأفونة، أو مقالات مغرضة، أو أقلام متشفية؛ فأي شيء يبقى للأمة إذا انتُقصت معالم خيريتها.
أمة الإسلام: حينما تتقاذف سفينةَ الأمة أمواجُ الفتن، فإن قوارب النجاة وصمامات الأمان مرهونة بولاء الأمة لدينها، وتمسكها بعقيدتها، وحينما يدير الغيور نظره في واقع أجيال من المنتسبين إلى أمتنا اليوم، ويرى التبعية والانهزامية أمام تيارات العصر الوافدة، ومبادئ المدنية الزائفة، ويقارن بينهم وبين جيلنا التاريخي الفريد، يدرك كم كانت وقائع تاريخنا المشرق الوضاء، وحوادث سيرتنا العطرة سبباً في عزة الأمة وكرامتها، وبذلها وتضحياتها وإن تنكر فئام من الأمة لمبادئ دينهم ولهثهم وراء شعارات مصطنعة، ونداءات خادعة، لَهُوَ الأرضية الممهدة للعدو المتربص، مما جرأ علوج صهيون على العبث بمقدسات الأمة، وممارسة إرهاب الدولة، بكل ما تحمله من معاني الصلف والوحشية ضد إخواننا في الأرض المباركة فلسطين تحت سمع العالم وبصره.
كما أن من الدروس المستفادة لتحقيق مصالح الأمة: جواز عقد المعاهدات والمهادنات لا الاستسلام والمداهنات.
يا أمة التوحيد والتاريخ: في خضم هذه الظروف الحوالك التي اختلطت فيها المسالك، يتأمل قراء التاريخ ويتساءلون: أين دروس الهجرة وعبرها من شعارات العصر بإنسانيته الزائفة وديمقراطياته المزعومة التي تحسب على دعاتها مغانم، وعلى غيرهم مغارم، في غياب المنهجية الشوروية المصطفوية؟!
أين دروس التاريخ وعبر الهجرة، وأخوة المهاجرين والأنصار من أناس مزقهم التفرق والتشرذم، وأحلوا العداوة والخصام محل المحبة والوئام، وترسبت في سويدائهم الأحقاد، وتأجج في قلوبهم سعير الحسد والبغضاء والغل والشحناء، حتى تمزقت الأواصر، وساد التفكك الأسري والاجتماعي في كثير من المجتمعات؟! فرحماك ربنا رحماك!
اقرءوا التاريخ؛ لتجدوا كم تحتاج العقيدة إلى دولة وسلطان، ينافح عن كيانها، ويذود عن حماها، كما هي منة الله سبحانه على بلاد الحرمين ومدارج الهجرة وأرض التاريخ والرسالة حرسها الله.
ألا فليتيقن دعاة الإصلاح في الأمة أنه لا عقيدة ولا تمكين إلا بجماعة، ولا جماعة إلا بولاية، ولا ولاية إلا بسمع وطاعة؛ لتُدرَأ عن الأمة غوائل الشرور والفتن، وعاديات الاضطراب والمحن.
وفي الميدان التربوي يجب أن يقرأ التربويون تاريخنا؛ ليروا كيف تربى المرء المسلم عبر كافة قنوات التربية على نصرة العقيدة والولاء للقيادة.
وليقرأ التاريخ شبابنا المعاصر الذين خُدع كثير منهم ببريق حضارة مادية أفرزت غزواً في الصميم، تَنَكَّب من خلاله كثير من شباب الأمة طريق الهداية الربانية، وعاشوا صرعى حرب الشهوات، وضحايا غزو التفرق والشبهات، ويبرز ذلك في مجال التشبه والتبعية والتقليد والمحاكاة للغير في كثير من المجالات، وقد قال ﷺ فيما أخرجه أحمد وأبو داود: ﴿من تشبه بقوم فهو منهم﴾.
لتقرأ التاريخ وتستلهم دروسَه وعبرَه المرأةُ المسلمةُ المعاصرة؛ لتدرك أن عز المرأة ومكانتها في تمسكها بقيمها ومبادئها حجاباً وعفافاً، واحتشاماً وقراراً، وأن وظائفها ومسئولياتها التربوية والأسرية والاجتماعية في الأمة كبيرة التبعة، عظيمة الجوانب والآثار، لا كما يصورها أعداؤها الذين يوحون إلى أوليائهم ومولياتهم أن الحجاب والعفاف فقدان للشخصية، وسلب للحرية، فأخرجوها دُمية تفتش عن سعادة موهومة، وحرية مزعومة، كان من نتائجها دوس العرض والشرف، والعبث بالعفة والكرامة من ذئاب مسعورة لا ترعى الفضائل، ولا تبالي باقتراف الرذائل.
стр. 462
حاجة الأمة إلى وقفة تأمل ومحاسبة
تلك -أيها المسلمون- إلماحة عابرة إلى شيء من وقائع التاريخ ودروس السيرة وعبرها، تظهر في حدث الهجرة النبوية والتاريخ بها، تُقدَّم للأمة اليوم وهي تعيش مرحلة من أخطر مراحلها، علَّها تكون نواة لمشروع حضاري إسلامي يسهم في صلاح الحال، وتقويم المسار لسعادة المآل، ويمثل بلسماً شافياًَ لعلاج الحملات الإعلامية المسعورة، وسهام الحقد الطائشة ضد ديننا وأمتنا وبلادنا، التي ما فتئ أعداء الإسلام يصوبونها تجاهنا؛ مستغلين نقاط الضعف في الأمة، متصيدين في الماء العكر أخطاء بعض أبنائها.
ألا ما أشد حاجتنا -ونحن نستشرف آفاق العام الهجري الجديد- إلى وقفات تأمل ومحاسبة ومراجعة جادة؛ لاستكمال كل ما يعزز مسيرة أمتنا؛ لتزدلف إلى عام جديد وهي أكثر عزماً وأشد مضاءً؛ لفتح آفاق جديدة لإسعاد الإنسانية؛ لتتبوأ مكانتها الطليعية، ومنزلتها الريادية فوق هذا الكوكب الأرضي، الذي ينشد سكانه مبادئ الحق والعدل والسلام، ويرومون الخير والأمن والوئام، ولن يجدوه إلا في ظل الإسلام، وتعاليم الإسلام، زادنا في ذلك موروث حضاري وتاريخي وعقدي وقيمي لا ينضب، ونهل من معطيات العصر وتقنياته في خدمة دين الأمة ومثلها وقيمها.
والله المسئول أن يجعل هذا العام عام خير وبركة، ونصر وتمكين للإسلام والمسلمين، وعام أمن وأمان وعدل وسلام للإنسانية قاطبة، وأن يجمع فيه كلمة المسلمين على الحق والهدى، ويوحد صفوفهم، ويطهر مقدساتهم، وينصرهم على أعدائهم، وأن يجعل حاضرنا خيراً من ماضينا، ومستقبلنا خيراً من حاضرنا، إنه خير مسئول وأكرم مأمول: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٩].
بارك الله لي ولكم في القرآن، ونفعني وإياكم بما فيه من الهدى والبيان، ورزقنا التمسك بسنة المصطفى من ولد عدنان.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولكافة المسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات: إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ، وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ.
стр. 463
فضل صيام يوم عاشوراء
حمداً لك اللهم أنت الملك القدوس السلام، تجري الليالي والأيام، وتجدد الشهور والأعوام، أحمد ربي تعالى وأشكره على ما هدانا للإسلام.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جعل شهر المحرم فاتحة شهور العام، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله سيد الأنام، وبدر التمام، ومسك الختام، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله البررة الكرام، وصحبه الأئمة الأعلام، والتابعين ومن تبعهم بإحسان ما تعاقب النور والظلام.
أما بعد:
فاتقوا الله عباد الله! وتمسكوا بدينكم، فهو عصمة أمركم، وتاج عزكم، ورمز قوتكم، وسبب نصرتكم.
واعلموا أن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي رسول الله ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة.
أيها الإخوة في الله: تعيشون -يا رعاكم الله- هذه الأيام فاتحة شهور العام شهر الله المحرم، شهر من أعظم الشهور عند الله ﵎، عظيمةٌ مكانتُه، قديمةٌ حرمتُه، هو غرة العام، وأحد أشهر الله الحُرُم، فيه نصر الله موسى والمؤمنين معه على فرعون ومن معه.
وقد ندبكم نبيكم ﷺ إلى صيامه، فقد قال فيما أخرجه مسلم في صحيحه: ﴿أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم﴾ لا سيما يوم عاشوراء، ففي الصحيحين عن ابن عباس ﵄ قال: ﴿قدم النبي ﷺ المدينة فوجد اليهود صياماً يوم عاشوراء، فقال لهم: ما هذا اليوم الذي تصومونه؟ قالوا: هذا يوم عظيم أنجى الله فيه موسى وقومه وأغرق فرعون وقومه، فصامه موسى شكراً، فنحن نصومه، فقال ﷺ : نحن أحق بموسى منكم، فصامه ﷺ وأمر بصيامه﴾.
وفي صحيح مسلم عن أبي قتادة ﵁، أن رسول الله ﷺ سئل عن صيام يوم عاشوراء، فقال: ﴿أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله﴾.
الله أكبر! يا له من فضل عظيم من مولىً كريم ورب رحيم!
وقد عزم ﷺ على أن يصوم يوماً قبله مخالفة لأهل الكتاب، فقال ﷺ : ﴿لئن بقيتُ إلى قابل لأصومن التاسع﴾.
قال العلامة ابن القيم ﵀: فمراتب صومه ثلاث:
أكملها أن يُصام قبله يوم وبعده يوم.
ويلي ذلك أن يُصام التاسع والعاشر، وعليه أكثر الأحاديث.
ويلي ذلك إفراد العاشر وحده بالصيام.
فينبغي للمسلمين أن يصوموا ذلك اليوم؛ اقتداءً بأنبياء الله، وطلباً لثواب الله، وأن يصوموا يوماً قبله أو يوماً بعده؛ مخالفة لليهود، وعملاً بما استقرت عليه سنة المصطفى ﷺ .
وإن صيام ذلك اليوم لَمِن شكر الله على نعمه، واستفتاح هذا العام بعمل من أفضل الأعمال الصالحة التي يُرجى فيها ثواب الله .
فهنيئاً للصائمين! ويا بشرى للمشمرين! ويا خسارة المفطرين! ويا ندامة المقصرين!
فاتقوا الله عباد الله! واستفتحوا عامكم بالتوبة والإنابة والمداومة على الأعمال الصالحة، وخذوا من مرور الليالي والأيام عبراً، ومن تصرم الشهور والأعوام مدَّكراً ومزدجراً، وإياكم والغفلة عن الله والدار الآخرة!
ثم صلوا وسلموا -رحمكم الله- على النبي المصطفى، والرسول المجتبى، والحبيب المرتضى، كما أمركم بذلك المولى جلَّ وعَلا فقال تعالى قولاً كريماً: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦].
اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيد الأولين والآخرين، وأفضل الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد بن عبد الله وعلى آله الأطهار، وصحابته الأبرار، والتابعين ومن تبعهم بإحسان ما تعاقب الليل والنهار.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام وانصر المسلمين، واخذل الطغاة والمفسدين وسائر أعداء الدين.
اللهم آمِنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، وأيد بالحق إمامنا وولي أمرنا، اللهم وفقه لما تحب وترضى، وخذ بناصيته للبر والتقوى، اللهم هيء له البطانة الصالحة، اللهم كن له على الحق معيناً وظهيراً ومؤيداً ونصيراً يا ذا الجلال والإكرام!
اللهم وفق جميع ولاة المسلمين لتحكيم شرعك، واتباع سنة نبيك ﷺ ، اللهم اجعلهم رحمة على عبادك المؤمنين.
اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، إنك سميع قريب مجيب الدعوات.
اللهم فرِّج هَمَّ المهمومين من المسلمين، ونفس كرب المكروبين، واقضِِ الدين عن المدينين، واشفِ مرضانا ومرضى المسلمين.
اللهم فارج الهم، كاشف الغم، رحمان الدنيا والآخرة ورحيمهما، نسألك اللهم رحمة من عندك تغنينا عن رحمة مَن سواك.
اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق والأعمال والأقوال لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عنا سيئها لا يصرف عنا سيئها إلا أنت.
اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة.
اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك وعبادك المؤمنين.
اللهم كن لإخواننا المجاهدين في سبيلك في كل مكان، اللهم انصرهم على عدوك وعدوهم يا قوي يا عزيز!
اللهم انصر إخواننا في فلسطين، وفي كشمير، والشيشان، وفي كل مكان يا رب العالمين.
اللهم عليك باليهود المعتدين، والصهاينة الغاشمين، اللهم عليك بهم فإنهم لا يعجزونك.
اللهم طهر مقدسات المسلمين من عبث العابثين، وعدوان المعتدين يا رب العالمين.
رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا، رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ.
سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
стр. 464
حسن الخلق
الأخلاق هي صرخات الضمير في وجه الرذيلة، وهي معيارٌ لبقاء الأمم وزوالها.
والتاريخ الإنساني لم يعرف ينبوعاً ولا معيناً للأخلاق أصفى وأعذب من أخلاق النبي الخاتم ﷺ ، وهنا دعوةٌ للتحلي بتلك الأخلاق، وبيان لها، وشهادة بروعتها.
كما يتضمن هذا بياناً لمكانة أهل الأخلاق في الدار الآخرة.
стр. 465
عقيدة الإسلام
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شرع لنا ديناً قويماً، وهدانا إليه صراطاً مستقيماً، وأشهد أن نبينا وحبيبنا محمداً عبد الله ورسوله، أرسله هادياً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح لهذه الأمة، فجزاه الله عن أمته خير ما جزى نبياً عن قومه، وصلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
أيها المسلمون! اتقوا الله ﵎ واشكروه على ما هداكم للإسلام وجعلكم من أمة خير الأنام ﵊.
عباد الله! إن أعظم نعمة أنعم الله بها علينا نعمة الإسلام، ذلكم الدين القويم، والصراط المستقيم، الذي خلق الله خلقه لأجله وبه أرسل رسله وبه أنزل كتبه ولا يقبل الله من أحد ديناً سواه ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران:٨٥]، أتمه وأكمله وارتضاه ولا يقبل من أحد ديناً سواه، والاستسلام المطلق والانقياد التام لله جل وعلا قولاً وفعلاً واعتقاداً، تضمنت تعاليمه السمحة ومبادئه السامية كل ما فيه صلاح البلاد والعباد في المعاش والمعاد، فيه صلاح النفوس والقلوب، ونور العقول والبصائر، وسعادة الأفراد والمجتمعات والأمم، وتحقيق الأمن والاطمئنان للبشرية جميعاً.
أيها المسلمون! يقوم هذا الدين على أصل عظيم وأساس متين، ألا وهو توحيد الله وإفراده بالعبادة، وإخلاص العبادة له وحده دون سواه، وتخليصها من كل شائبة، وتجريد المتابعة للحبيب المصطفى ﵊، وسد كل طريق يوصل إلى ثلم العقيدة أو إضعاف التوحيد أو الإخلال بالمتابعة للنبي ﷺ ، ولقد أكد الإسلام على هذا الجانب تأكيداً بالغاً، بل لم يحظ جانبٌ في الإسلام بمثل ما حظي به الجانب العقدي، وما ذاك إلا لأنه القاعدة الكبرى التي تنبني عليها الأقوال والأفعال، ولقد كان هذا الأمر مفتاح دعوة الرسل عليهم الصلاة والسلام: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥]، ومحل عناية القرآن الكريم والسنة النبوية قولاً وفعلاً ومنهاجاً ودعوة، فالمسلم الحق يعتقد أن الله سبحانه هو الخالق الرازق المعبود المالك المتصرف المحيي المميت الضار النافع، وأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأن أحداً لا يستطيع أن يجلب نفعاً أو يدفع ضرراً من دون الله : ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأنعام:١٧]، وأنه جل وعلا متصف بكل كمال منزه عن كل نقص، له الأسماء الحسنى والصفات العلى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١].
فلا يجوز صرف شيء من أنواع العبادة لغير الله، فهو سبحانه يعطي ويمنع، ويضر وينفع، والعبادات كلها من صلاة وطواف ودعاءٍ ونذر وذبح واستغاثة وحلف واستعاذة وغيرها كل ذلك محض حقه سبحانه لا شريك له ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ [النساء:٣٦]، بذلك طهر الإسلام النفوس، وأعلى مكانتها، وحارب ما يناقض ذلك ويضاده من ضروب الإشراك بالله ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام:٨٨]، حتى لا تنحط النفوس إلى عبادة من لا يملك لنفسه شيئاً فضلاً عن أن يملك لنفسه ضراً أو نفعاً أو موتاً أو حياة أو نشورا، وحتى لا تخضع القلوب إلا لمن له الملك والخلق والأمر والعبادة وحده ﷻ .
هكذا جاء الإسلام بهذه العقيدة الصافية وهذا التوحيد الخالص؛ ليخرج الناس من ظلمات الجهل والشرك والضلالة والأوهام والأباطيل ويرفع النفوس من هوة الشرك وحضيض الوثنية وهوة الكفر والإلحاد إلى نور الحق والإيمان.
стр. 466
الإسلام دين الأخلاق
إخوة الإسلام! وكما جاء دين الإسلام منهج هداية للبشرية في تصحيحها عقائدها، كذلك جاء لتهذيب نفوسها وتقويم أخلاقها وأخلاق مجتمعاتها ونشر الخير والفضيلة بين أفرادها، ومحاربة الشر والرذيلة وإطفائها عن بيئاتها، وسد منافذ الفساد أن تتسلل إلى صفوفها؛ لذلك فقد كانت مكارم الأخلاق ومحاسن الآداب ومعاني القيم وفضائل الشيم وكريم الصفات والسجايا من أسمى ما دعا إليه الإسلام، فقد تميز بمنهج أخلاقي فريد لم ولن يصل إليه نظام بشري أبداً، وقد سبق الإسلام بذلك نظم البشر كلها؛ ذلك لأن الروح الأخلاقية في هذا الدين منبثقة من جوهر العقيدة الصافية، لرفع الإنسان الذي كرمه الله وكلفه بحمل الرسالة، وتحصين العبادة من درك الشر والانحراف وبئر الرذائل والفساد لرفعه قمم الخير والصلاح، وأوج الاستقامة والفلاح ليسود المجتمع السلام والمحبة والوئام، رائده نشر الخير والمعروف ودرء الشر والمنكر والفساد.
стр. 467
أهمية الأخلاق للأمم
أمة الإسلام! الأخلاق في كل أمة عنوان مجدها، ورمز سعادتها، وتاج كرامتها، وشعار عزها وسيادتها، وسر نصرها وقوتها:
وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت فإن هُمُ ذهبت أخلاقهم ذهبوا
فصلاح الأفراد والأمم مرده إلى الإيمان والأخلاق:
صلاح أمرك للأخلاق مرجعه فقوم النفس بالأخلاق تستقم
وضعف الخلق أمارة على ضعف الإيمان، وإذا أصيبت الأمة في أخلاقها فقل ﵍
وإذا أصيب القوم في أخلاقهم فأقم عليهم مأتماً وعويلاً
فقد آذنت بتصدع أركانها وزعزعة أمورها، وخراب شئونها وفساد أبنائها.
стр. 468
الأخلاق في السنة النبوية
أمة الإيمان والأخلاق! لقد بلغ من عظم مكانة الأخلاق في الإسلام أن حصر رسول الله ﷺ مهمة بعثته وغاية دعوته بكلمة عظيمة جامعة، فقال فيما رواه البخاري في الأدب المفرد وغيره: ﴿إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق﴾، وفي هذا أكبر دليل وأنصع حجة على أن رسالة الإسلام حققت ذروة الكمال وقمة الخير والفضيلة والأخلاق، كما أن قدوة هذه الأمة ﵊ كان المثل الأعلى والنموذج الأسمى للخلق الكريم، وحسبنا في ذلك ثناء ربه عليه في قوله سبحانه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤]، فكان ﵊ أحسن الناس خلقاً، وقد وصفته أم المؤمنين عائشة ﵂ بوصف جامع فقالت فيما رواه مسلم وغيره: ﴿كان خلقه القرآن﴾، وعن أنس ﵁، قال: ﴿كان رسول الله ﷺ أحسن الناس خلقاً، والله ما مسست ديباجاً ولا حريراً ألين من كف رسول الله ﷺ ، ولا شممت رائحة قط أطيب من رائحة رسول الله ﷺ ، ولقد خدمت رسول الله ﷺ عشر سنين فما قال لي: أف قط، ولا قال لشيء فعلته لم فعلته، ولا لشيء لم أفعله ألا فعلت كذا﴾ رواه مسلم.
وعنه ﵁ قال: ﴿إن كانت الأمة لتأخذ بيد رسول الله ﷺ فتنطلق به حيث شاءت، فكان إذا استقبله الرجل فصافحه لا ينزع يده من يده حتى يكون الرجل هو الذي ينزع يده، ولا يصرف وجهه عن وجهه حتى يكون الرجل هو الذي يصرفه، ولم ير مقدم ركبتيه بين يدي جليس له﴾ رواه الترمذي.
وعنه ﵁، قال: ﴿كنت أمشي مع رسول الله ﷺ وعليه برد غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي فجذبه جذبة شديدة حتى نظرت إلى صفحة عاتق رسول الله ﷺ وقد أثرت بها حاشية البرد من شدة جذبته، ثم قال: يا محمد! مر لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه رسول الله ﷺ فضحك وأمر له بعطاء﴾ متفق عليه.
وعن عبد الله بن الحارث ﵁، قال: ﴿ما رأيت أحداً أكثر من تبسماً من رسول الله ﷺ ﴾ رواه الترمذي.
وعن عائشة ﵂، قالت: ﴿ما كان أحد أحسن خلقاً من رسول الله ﷺ ، ما دعاه أحد من أصحابه ولا من أهل بيته إلا قال: لبيك﴾، وقال جرير بن عبد الله ﵁: ﴿ما حجبني رسول الله ﷺ منذ أسلمت، ولا رآني إلا تبسم﴾، وتقول خديجة ﵂ في كلامها التاريخي: ﴿كلا والله لا يخزيك الله أبداً إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق﴾، الله أكبر بأبي هو وأمي ﷺ ، ما أكرم شمائله المحمدية، وما أعظم أخلاقه المصطفوية.
أفلا يجدر بأمة محمد ﷺ في أعقاب الزمن، وقد عصفت بها موجات الفساد والفتن من كل جانب، وأعاصير الشر والإلحاد والمحن من كل وسيلة وطريقة، أن تسلك سبيله، وتترسم خطاه، وتتمسك بسنته، إن أرادت الخير والأمن والنصر والسلام، وكما كانت سيرته العملية وسنته الفعلية نبراساً للأخلاق والشمائل، فقد زخرت سنته القولية بالإشارة والإشادة بمكارم الأخلاق، ومكانة أهلها وعظيم ثوابها، وهي مبثوثة في كوكبة من مشكاة النبوة في الصحاح والسنن وغيرها، منها قوله ﷺ : ﴿البر حسن الخلق﴾ رواه مسلم، ﴿إن من خياركم أحسنكم أخلاقاً﴾ متفق عليه، ﴿ما من شيء أثقل في ميزان المسلم يوم القيامة من حسن الخلق﴾ رواه الترمذي، ﴿إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم﴾ رواه أبو داود، ﴿أنا زعيم ببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه﴾ رواه أبو داود، ﴿إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً﴾ رواه الترمذي، ﴿وخالق الناس بخلق حسن﴾.
ولما سئل ﷺ عن أكثر ما يدخل الناس الجنة، قال: ﴿تقوى الله وحسن الخلق﴾ رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
стр. 469
الأخلاق عند السلف
أيها المسلمون! لقد كانت الأخلاق السمة البارزة في سيرة الرعيل الأول من سلف هذه الأمة، فأولوها اهتمامهم قولاً وعملاً وسلوكاً، يقول الحسن البصري ﵀: [[حسن الخلق بسط الوجه، وبذل الندى، وكف الأذى]] ويقول عبد الله بن المبارك ﵁ ورحمه الله: [[حسن الخلق في ثلاث خصال: اجتناب المحارم، وطلب الحلال، والتوسعة على العيال]]، حتى قال بعضهم: لأن يصحبني عاصٍ حسن الخلق أحب إلي من عابد سيئ الخلق.
وقال أهل العلم في علامة ذي الخلق الحسن: أن يكون كثير الحياء، قليل الأذى، كثير الصلاة، صدوق اللسان، قليل الكلام، كثير العمل، قليل الزلل، قليل الفضول، براً وصولا، وقورًا صبوراً شكوراً، رضياً حليماً، وفياً مؤثراً، عفيفاً، لا لعاناً، ولا طعاناً، لا مغتاباً ولا نماماً، لا فاحشاً ولا متفحشاً، لا كذاباً، ولا غاشاً، ولا خائناً، لا حقوداً، ولا حسوداً، ولا متكبراً، هاشاً باشاً، يحب في الله ويبغض في الله، حكيم في الأمر، قوي في الحق، هذا غيض من فيض ما زخر به كتاب الله سبحانه، من ذكر صفات وأخلاق أهل الإيمان.
стр. 470
أين نحن من أخلاق الإسلام ؟
وبعد ذلك كله يا إخوة الإسلام! لنتأمل في واقع أخلاقنا وسلوكنا مع أنفسنا وأهلينا وأولادنا وأسرنا وإخواننا المسلمين، إن الواقع في هذا يبعث على الأسى، فقد زهد كثير من الناس رجالاً ونساء شباباً وشيباً بأخلاق القرآن، في الوقت الذي نشط فيه أعداء الإسلام بنشر الغزو الأخلاقي المركز المختلف الوسائل، المتعجل القوارب ضد المسلمين، وأسرهم ومجتمعاتهم، فكثر الفساد وانتشرت المخالفات والمنكرات، وانتشر سوء الأخلاق وقل الحياء في سلوك كثير من الناس ومعاملاتهم، فهل من عودة يا أمة الإيمان والأخلاق لأخلاق القرآن والسنة؟! وهل من يقظة يا شباب الإسلام ترشد إلى المثل العليا، وتبعد عن سفاسف الأخلاق ومساوئ الأعمال؟!
وهل من رجعة أيتها الأخت المسلمة إلى التزام أحكام وأخلاق الدين القويم بالمحافظة على الحجاب والعفاف والاحتشام والبعد عن الاختلاط والتبرج والسفور؟
هل من عودة صادقة يا أمة الإسلام؟! إلى خلق الإسلام في حياتنا كلها بكل جوانبها؟ هذا الرجاء والأمل وعلينا الصدق والعمل، والله المستعان.
اللهم اهدنا لأحسن الأعمال والأخلاق والأقوال لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عنا سيئها لا يصرف عنا سيئها إلا أنت، اللهم أعذنا من منكرات الأخلاق والأقوال والأعمال والأهواء والأدواء يا سميع الدعاء.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 471
نداء للتحلي بأخلاق الإسلام
الحمد لله على نعمائه، والشكر له على فضله وآلائه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله، الذي عبد ربه في سرائه وضرائه، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه.
أما بعد:
فاتقوا الله عباد الله وتخلقوا بأخلاق الإسلام الفاضلة، واحذروا التأثر بأخلاق غير المسلمين، ألا وإن أولى الناس بمراعاة الأخلاق الفاضلة والتزام السجايا الكريمة هم أهل العلم وطلابه والمنتسبون إلى الحسبة والدعوة والإصلاح؛ ليتأثر الناس بهم ويكون لهم الأثر البالغ في مجتمعهم، وليعطوا صورة حسنة عن أخلاق الإسلام وسماحته ورفقه وحكمته، فذلك يجب أن يسود الأدب بين طلبة العلم في مسائل الخلاف، كذلك -أيها الإخوة- يجب أن ترفرف رايات الأخلاق على الأسرة، لا سيما بين الزوجين معاشرة بالمعروف، ومعاملة بالحسنى؛ حتى تسلم الأسرة من عواصف التصدع والتفكك والانهيار، وهكذا الأبناء مع آبائهم، والطلاب مع معلميهم، خلقاً ناشئاً عن عبادة وإيمان لا عن رياء ونفاق وتملق كما هو حال الكثير من المفتونين بالدنيا، الذين استبدلوا أخلاق القرآن بأخلاق تجارية، ومعاملة النزاهة والإخلاص بمعاملات مادية، يرى أحدهم مع أهله ومع الناس صفيق الوجه عبوساً مقطب الجبين، معوج السلوك، غير آبه بأحد، لكنه إذا لاح له طمع، أو خاف من فزع، أو بدت له حاجة؛ تصنع وتملق، حتى إذا ما ظفر بحاجته عاد إلى قبح فعله، وذلك لعمر الحق غاية الإفلاس، فالواجب على أهل الإسلام التخلق بأخلاقه والتأدب بآدابه، فمن الأخلاق ما هو جبلي وفطري، ومنها ما هو مكتسب بالتخلق والمعاهدة:
هي الأخلاق تنبت كالنباتِ إذا سقيت بماء المكرمات
ويا أيها الآباء والأمهات! والمدرسون والمدرسات! كونوا قدوة حسنة لمن تحت أيديكم:
لا تنه عن خلق وتأتي مثله عار عليك إذا فعلت عظيم
وربوا أجيالكم وناشئتكم على أخلاق القرآن، أدباً وصدقاً وبراً وحسن معاملة؛ ليكونوا أعضاء صالحين في مجتمعهم نافعين لبلادهم وأمتهم، والله المسئول أن يوفق الجميع لما يحبه ويرضاه.
ألا وصلوا وسلموا رحمكم الله على صاحب الخلق العظيم، كما أمركم بذلك الرءوف الرحيم فقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦]، اللهم صل وسلم وبارك على نبينا وحبيبنا وقدوتنا محمد بن عبد الله، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين وعن الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين، اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا.
стр. 472
خطبة الاستسقاء (نعمة الغيث والقطر)
أنزل الله من الغيث ما تحيا به القلوب، كما أنزل من الغيث ما تحيا به الأبدان، وربط بعضها ببعض، وكما قال علي ﵁: [ما نزل بلاء إلا بذنب، وما رفع إلا بتوبة].
فإذا أهمل العباد غيث القلوب ماتت، وبموتها تموت أبدانهم وأرضهم، لذا كان لزاماً عل الناس الأخذ بكلا الغيثين ليتحقق لهم ما يريدون من رضا الله عليهم، ونزول مطره إليهم.
стр. 473
الماء أصل نماء الحياة
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، مغيث المستغيثين، ومجيب دعوة المضطرين، وجابر كسر المنكسرين، ورافع البلاء عن المستغفرين.
لا إله إلا الله! مجيب الدعوات، وغافر الزلات، وفارج الكربات، ومنزل البركات، وغادق الخيرات، سبحانه مِن إله كريم، ورب رحيم، عم بفضله وكرمه جميع المخلوقات.
لا إله إلا الله الولي الحميد، لا إله إلا الله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، سبحان مَن يعطي ويمنع! ويخفض ويرفع! ويصل ويقطع! ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود:٥٦].
اللهم لك الحمد كله، ولك الشكر كله، وإليك يُرجع الأمر كله، علانيته وسره، فأهلٌ أنت أن تُحمد، وأهلٌ أنت أن تُعبد، وأنت على كل شيء قدير.
لك الحمدُ كلُّ الحمد لا مبدا له ولا منتهىً والله بالحمد أعلمُ
وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله، ومصطفاه وخليله، خاتم النبيين، وإمام المرسلين، وسيد ولد آدم أجمعين، صلى الله عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحابته الغر الميامين، والتابعين ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلَّم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
فيا عباد الله! اتقوا الله تعالى حق تقواه، فإن مَن اتقى الله حفظه ووقاه، ومَن سأله منحه وأعطاه، ومَن توكل عليه كفاه وآواه.
أيها المسلمون: إن دلائل وحدانية الله وآيات قدرته كثيرة، لا تُعدُّ ولا تُحصى، وشواهدُ عظمته وفيرة، لا تُحد ولا تُستقصَى.
فواعجباً كيف يُعصى الإله أم كيف يجحده الجاحدُ
ولله في كل تحريكةٍ وتسكينةٍ أبداً شاهدُ
وفي كل شي له آيةٌ تدل على أنه الواحدُ
﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل:٦٣].
ولكن القلوب عن آيات الله غافلة، والنفوس عن شواهد قدرته لاهية، والعقول عن دلائل عظمته شاردة، إلا من رحم الله.
فأين المتفكرون؟! وأين المتأملون؟! أين أولو الألباب؟! وأين أهل البصائر، عن التفكير في عظمة رب الأرباب، وقدرة مسبب الأسباب، وخالق الناس من تراب؛ ليقودهم ذلك إلى توحيد ربهم جلَّ وعَلا، وإخلاص الدين له، وإفراده بالعبادة دون سواه؟!
إخوة الإسلام: هنالك نعمة من نعم الله، وآية من آياته، لا غنى للناس عنها، هي مادة حياتهم، وعنصر نمائهم، وسبب بقائهم، منها يشربون ويسقون، ويحرثون ويزرعون، ويرتوون ويأكلون، تلكم -يا رعاكم الله- هي نعمة الماء والمطر وآية الغيث والقطر.
إخوة الإيمان: الماء أصل النماء الفائق على الهواء والغذاء والكساء والدواء، هو عنصر الحياة وسبب البقاء، مَن الذي أنشأه من عناصره إلا الله؟! ومَن الذي أنزله من سحائبه إلا الله؟!
﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ * لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ [الواقعة:٦٨ - ٧٠] ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنبياء:٣٠] ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً * لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَاماً وَأَنَاسِيَّ كَثِيراً * وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً﴾ [الفرقان:٤٨ - ٥٠].
تلك كوكبة من آيات كتاب الله، تدل على عظمة هذه النعمة، وأهمية تلكم المنة.
стр. 474
نعمة المطر وأثر الذنوب في منعها
أمة الإسلام: إنه لا يَقْدُر هذه النعمة قَدْرَها إلا مَن حُرِمَها، تأملوا في أحوال أهل الفقر والفاقة التي تغلب على حياة من ابتلوا بالجدب والقحط والجفاف والمجاعة، سائلوا أهل المزارع والمواشي: في أي حالة من الضُّرِّ يعيشون، من قلة الأمطار وغور المياه، وهي سبب خصب مزارعهم وحياة بهائمهم؟!
أرأيتم يا من تنعمون بوفرة المياه: ماذا لو حُبِسَ الماء عنكم ومُنعتم إياه؟! هل تصلح لكم حال؟! وهل يقر لكم قرار؟! وهل تدوم لكم حياة؟! ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾ [الملك:٣٠].
إنه لا منجى ولا ملجأ من الله إلا إليه.
ومن حكمته ﵎ ألا يديم عباده على حالة واحدة، بل يبتليهم بالسراء والضراء، ويتعاهدهم بالشدة والرخاء، ويمتحنهم خيراً وشراً، نعماً ونقماً، محناً ومنحاً: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء:٣٥] ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة:١٥٥].
ومن ابتلاء الله لعباده: حبسُ القطر أو تأخيرُه عنهم، أو نزعُ بركته منهم، مع ما للمطر من المنافع العظيمة للناس والبهائم والزروع والثمار؛ وما في تأخيره من كثير من المضار.
معاشر المسلمين: إن للغيث أسباباً جالبة وأخرى مانعة، هل سألنا أنفسنا ونحن في مواسم الغيث؟! هل أخذنا بأسباب نزوله؟! أم قد نكون نحن بأفعالنا سبباً في منعه؟!
تعالوا بنا نعرض شيئاً من أحوالنا، لعلها تكون ذكرى نافعة، وسبباً في تقويم أوضاعنا على منهج الله، لنحظى برزقه الوافر الذي لا يُنال إلا بمرضاته، فالغيث جماع الرزق، قال تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات:٢٢] والمطر أصل البركات، قال سبحانه: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف:٩٦].
فيا عباد الله: لنحاسب أنفسنا: ألم نقصر في تحقيق الإيمان والتقوى؟!
ألم تتسلل إلى بعض أهل الإسلام لوثات عقدية، ومظاهر شركية، وأخرى بدعية؟!
ما ميزان الصلاة، وهي ثاني أركان الإسلام، والفارق بين الكفر والإيمان، وقد خف مقدارها، وطاش ميزانها عند كثير من الناس؛ إلا من رحم الله؟!
وإذا سألت عن الزكاة المفروضة وإخراجها، ترى العَجَب العُجاب من بخل بعض الناس وتقصيرهم في أدائها، مما نزع البركة من الأموال، وكان سبباً كبيراً في منع القطر من السماء، أخرج البيهقي والحاكم وصححه من حديث ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: ﴿ولم ينقص قوم المكيال والميزان إلا أُخذوا بالسنين وشدة المئونة وجور السلطان عليهم، ولم يَمنعوا زكاة أموالهم إلا مُنعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا﴾.
لقد راجت المنكرات، وعمت المحرمات في كثير من المجتمعات، فلم يتمعَّر منها وجه، ولم يشمئز منها قلب إلا من عصم الله؛ قتلٌ وزنا، ظلمٌ وربا، خمورٌ ومسكرات، مجونٌ ومخدرات.
وفي مجال المعاملات غشٌّ، وتزوير، وبخسٌ، ومماطلة، ورشاوى، في انتشار رهيب للمكاسب المحرمة، والمعاملات المشبوهة، وتساهل في حقوق العباد.
وعلى الصعيد الاجتماعي: هناك مشكلاتٌ أسرية معقَّدة، وعلاقات اجتماعية مفكَّكة، ساد كثيراً من القلوب الحسدُ، والبغضاء، والحقد، والضغينة، والشحناء، وقل مثل ذلك في مظاهر التبرج والسفور والاختلاط، وما أفرزته موجات التغريب من مساوئ في النساء والشباب، مما يذكي الجريمة، ويثير الفتنة، ويشحذ الغريزة، من مظاهر محرمة، وصور ماجنة، وأفلام خليعة، يتولى كِبْرَ ذلك كثيرٌ من الوسائل الإعلامية، والقنوات الفضائية، والشبكات المعلوماتية، حتى ضعفت الغيرة في النفوس، وقل التآمر بالمعروف، والتناهي عن المنكر، مع أنه قِوام أهل الدين، وبه نالت هذه الأمة الخيرية على العالمين، وحصل القصور في مجال التربية والدعوة والإصلاح، مع شيء من مظاهر التحلل والإباحية والعولمة والانفتاح.
فأين الغيرة الإيمانية؟! وأين الحمية الإسلامية؟!
وأين الشهامة الإنسانية؟!
وعلى الصعيد العالمي والدولي: هناك حروب وحوادث، ومصائب وكوارث؛ فتن وبلايا، ومحن ورزايا، ظُلْم وإرهاب، وفوضى واضطراب.
فاللهم سلِّم سلِّم! ورُحماك ربنا رُحماك! وإلى الله المشتكى! ولا حول ولا قوة إلا بالله!
عباد الله: إن ذنوبنا كثيرة، ومعاصينا عظيمة، وإن شؤم المعاصي جسيم وخطير، يقول الإمام ابن القيم ﵀: وهل في الدنيا شر وبلاء إلا سببه الذنوب والمعاصي؟!
الذنوب ما حلت في ديار إلا أهلكتها، ولا في مجتمعات إلا دمرتها، ولا في نفوس إلا أفسدتها، ولا في قلوب إلا أعمتها، ولا في أجساد إلا عذبتها، ولا في أمة إلا ألَمَّتْها؛ إنها تُقِضُّ المضاجع، وتدَع الديار بلاقع.
فاتقوا الله عباد الله! واعلموا أن ما عند الله لا يُسْتَنْزَل إلا بالتوبة النصوح، يقول أمير المؤمنين علي ﵁: [[ما نزل بلاءٌ إلا بذنب، وما رُفع إلا بتوبة]].
عباد الله: لقد شكوتم إلى ربكم جدب دياركم، وتأخر المطر عن إبَّان نزوله عن بلادكم وأوطانكم، فما أحرى ذلك أن يدفعكم إلى محاسبة أنفسكم ومراجعة دينكم!
﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١].
﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران:١٦٥].
﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى:٣٠].
﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم:٤١].
وما ابتلي المسلمون اليوم بقلة الأمطار، وغور المياه, وانتشار الجدب والقحط، وغلبة الجفاف والمجاعة والفقر في بقاع كثيرة من العالم إلا بسبب الذنوب والمعاصي.
رأيتُ الذنوبَ تميتُ القلوب وقد يورث الذل إدمانُها
وتركُ الذنوبِ حياةُ القلوب وخير لنفسك عصيانُها
***
стр. 475
أسباب منع القطر من السماء
أيها الأحبة في الله: إن تشخيص الداء في هذه القضية يحمل في طياته أسباباً كثيرة، منها:
١ - غفلة العباد.
٢ - وقسوة قلوبهم.
٣ - وضعف إيمانهم.
٤ - وانتشار الذنوب والمعاصي بينهم، لا سيما منع الزكاة.
٥ - ونقص المكاييل والموازين.
٦ - والتقصير في الدعاء والضراعة.
٧ - والإعراض عن التوبة والتسويف فيها.
٩ - وإغفال الاستغفار، الذي هو السبب العظيم في إسْتِنْزال المطر من السماء.
يقول تعالى عن نوح ﵇: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً﴾ [نوح:١٠ - ١٢].
وقال سبحانه عن هود ﵇: ﴿وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ [هود:٥٢].
واستسقى عمر ﵁ فلم يزد على الاستغفار، فقيل له في ذلك، قال: [[لقد طلبتُ الغيث بمجاديح السماء التي يُسْتَنْزَل بها المطر]].
فالاستغفار -يا عباد الله- هو الدواء الناجع في حصول الغيث النافع، ولا بد في الاستغفار أن يكون صادقاً، فقد قال بعض السلف: استغفارنا يحتاج إلى استغفار.
فلنتقِ الله عباد الله! ولنعلم أنه ليس طلب الغيث بمجرد القلوب الغافلة والعقول اللاهية، وإنما يتطلب تجديد العهد مع الله، وصدق العمل بشريعة الله، وفتح صفحة جديدة من حياة الاستقامة، وإصلاحاً شاملاً في كل مرافق الحياة، ومع هذا كله ففضل الله واسع، ورحمتُه وسعت كل شيء، وعفوه عَمَّ كلَّ التائبين.
فما ضاق أمرٌ إلا جعل الله منه مخرجاً، ولا عَظُم خطبٌ إلا جعل الله معه فرجاً، فمنه يكون الخوف، وفيه يكون الرجاء.
هاهو جلَّ وعَلا ينادي عباده للتوبة والإنابة: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣].
ويقول سبحانه: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى﴾ [طه:٨٢].
وإن مواعظ ربنا لجليلة، وعطاياه لجزيلة، بابه للسائلين مفتوح، وعطاؤه للمقبلين ممنوح، وفضله للراغبين يغدو ويروح، فاشكروه على ما أعطى، وارجعوا عن المعاصي والأخطاء، جددوا التوبة لغياثكم، واتركوا التشاحن، واخرجوا من المغانم، وأحسنوا الظن بربكم، وتسامحوا وتراحموا، ولا تقنطوا من رحمة الله، وادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة.
وإني لأدعو الله حتى كأنما أرى بجميل الظن ما الله صانعُ
стр. 476
أنواع الغيث
أيها الإخوة في الله: مِن رحمة الله بعباده أن أنزل لهم من الغيث نوعين اثنين:
أحدهما: معنوي.
والآخر: حسي.
فالأول: غيث القلوب والأرواح بالكتاب والسنة، وهذا الغيث هو مادة حياة القلوب، وصفاء الأرواح، وبه تتحقق سعادة الدارَين، وصلاح الحياتَين، وهذا الغيث -يا عباد الله- هو ما يفتقده الناس اليوم على الحقيقة، بل إن ضرورتهم إليه وحاجتهم له أشد من الغيث الحسي، وهو غيث الأرض بالمطر.
ولا يحصل الثاني إلا بتحقق الأول.
فعلينا -يا عباد الله- أن نتفقد قلوبنا: هل رَوِيت من القرآن، أم هي ظامئة عطشى؟!
يجب علينا أن ننظر في صحائفنا: هل هي ربيع بوحي الله، أم قاحلة جدباء؟!
لعل ذلك يدفعنا إلى إصلاح حالنا، وتقوية الإيمان في قلوبنا.
عباد الله: يا من خرجتم تستغيثون! هنيئاً لكم اجتماعكم هذا، لقد أجبتم داعي الله، وأحييتم سنة رسول الله ﷺ ، وامتثلتم أمر ولي الأمر وفقه الله.
فلا حرمكم الله فضله وثوابه، وحقق آمالكم، واستجاب دعاءكم.
وإنه لمن الحرمان العظيم تساهل بعض الناس في حضور دعوة الخير، وإحياء سنة المصطفى ﷺ .
هذا وإن الارتباط بين الغيث المعنوي والحسي عظيم ووثيق؛ فإذا أجدبت الأحاسيس والمشاعر، وقحطت المعاني الخيرة والمثل العليا في النفوس والضمائر، وساد الناسَ جفافٌ في الإيمان والسلوك، ذلَّت الأمة بمنع القطر، وإذا رويت بالإيمان والتقوى سَعِدَت في الأولى والأخرى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ * فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام:٤٢ - ٤٣].
فيا عباد الله: ألم يأن لنا أن تخشع قلوبنا لذكر الله؟!
فلنتقِ الله عباد الله! ولنتأس بنبينا الحبيب المصطفى ﷺ ، فقد خرج يوم الاستسقاء متخشعاً متذللاً متضرعاًَ مجتهداً في الدعاء؛ لأن الاجتهاد في الدعاء من أعظم الأمور التي يُسْتَنْزَل بها المطر.
يقول سبحانه: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النمل:٦٢].
﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة:١٨٦].
﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠].
وقد ورد أن الله يستحيي من عباده إذا رفعوا أيديهم إليه أن يردها صفراً، أي: خائبتَين.
أتهزأ بالدعاء وتزدريهِ ولم تدرِ ما صنعَ الدعاءُ
سهامُ الليل لا تخطي ولكن لها أمد وللأمد انقضاءُ
إذا علمتم ذلك -يا عباد الله- فارفعوا قلوبكم وأيديكم إلى ربكم ومولاكم، والهجوا بالثناء عليه سبحانه، طالبين الغيث منه، راجين لفضله، مؤمِّلين لكرمه، مُلِحِّين عليه بإغاثة القلوب والأرواح، وسقي البلاد والعباد، ومتى علم الله إخلاصكم وصدقكم وتضرعكم أغاث قلوبكم بالتوبة إليه، وبلدكم بإنزال المطر عليه.
لا إله إلا الله غياث المستغيثين، وراحم المستضعفين، وجابر كسر المنكسرين!
لا إله إلا الله العليم الحليم!
لا إله إلا الله رب السماوات ورب الأرض ورب العرش الكريم!
نستغفر الله، نستغفر الله، نستغفر الله.
نستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم ونتوب إليه.
اللهم يا حي يا قيوم برحمتك نستغيث، فلا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، ولا أقل من ذلك.
﴿عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [يونس:٨٥ - ٨٦].
﴿لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف:١٤٩].
لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين.
اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين.
اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين.
اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا.
اللهم إنا خلقٌ من خلقك فلا تمنَعَنَّا بذنوبنا فضلك.
اللهم آنس قلوبنا بالإيمان واليقين، وبلادنا بالخيرات والأمطار يا رب العالمين.
اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفاراً، فأرسل السماء علينا مدراراًَ.
اللهم أغثنا غيثاً هنيئاً مريئاً مريعاً سحاًَ غدقاًَ طبقاً عاماً واسعاً مجللاً نافعاً غيرَ ضار، عاجلاً غيرَ آجل.
اللهم سُقيا رحمة، لا سُقيا عذاب ولا بلاء ولا هدم ولا غرق.
اللهم اسقِِ عبادك وبهائمك، وانشر رحمتك، وأحي بلدك الميت.
اللهم أغثنا غيثاً مباركاً تحيي به البلاد، وتسقي به العباد، وتجعله بلاغاً للحاضر والباد.
اللهم أنزل علينا الغيث واجعل ما أنزلته عوناً لنا على طاعتك وبلاغاً إلى حين.
اللهم أنبت لنا الزرع، وأدر لنا الضرع، واسقنا من بركاتك، وأنزل علينا من بركات السماء، وأخرج لنا من بركات الأرض.
اللهم ارفع عنا الجَهد والقحط والجفاف، وعن بلاد المسلمين يا رب العالمين، واكشف عنا من الضر ما لا يكشفه غيرك.
اللهم إنَّ بالعباد والبلاد من اللأواء والجَهد والضنك ما لا نشكوه إلا إليك.
اللهم ارحم الشيوخ الركَّع، والبهائم الرتَّع، والأطفال الرضَّع.
اللهم اكشف الضر عن المتضررين، والكرب عن المكروبين، وأسبغ النعم، وادفع النقم عن عبادك المؤمنين.
اللهم صلِّ وسلم وبارك على خاتم النبيين، وإمام المتقين، وأشرف المرسلين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين.
اللهم ادفع عنا الغلاء والوباء والربا والزنا والزلازل والمحن والقحط وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن.
اللهم وفق إمامنا بتوفيقك، وأيده بتأييدك.
اللهم وفقه لهداك، واجعل عمله في رضاك، وهيئ له البطانة الصالحة يا رب العالمين.
اللهم أمِدَّ بالعون والتسديد والتوفيق أميرنا وسائر المسلمين.
ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين.
ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
عباد الله: لقد كان من سنة نبيكم ﷺ بعدما يستغيث ربه أن يقلب رداءه، فاقلبوا أرديتكم اقتداءً بسنة نبيكم ﷺ ، وتفاؤلاً أن يقلب الله حالكم من الشدة إلى الرخاء، ومن القحط إلى الغيث، وليكون ذلك شعاراً وعهداً تأخذونه على أنفسكم بتغيير لباسكم الباطل إلى لباس الإيمان والتقوى، بدلاً من لباس الذنوب والمعاصي.
ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، واغفر لنا ولوالدِينا ولجميع المسلمين، الأحياء منهم والميتين، برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم لا تردنا خائبين، ولا عن بابك مطرودين، ولا من رحمتك محرومين.
اللهم هذا الدعاء ومنك الإجابة، وهذا الجهد وعليك التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، والتابعين ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلَّم تسليماً كثيراً.
стр. 477
ظاهرة التفكك الأسري
إن ما يشهده العالم الإسلامي اليوم من تفكك ونزاع قبلي وسياسي، ونزاعات على مستوى الجماعة، وعلى مستوى الأسرة؛ إنما ذلك بسبب الذنوب والمعاصي، وعدم الأخذ بالدين من جميع جوانبه التي تأمر بالاجتماع والترابط والتزام الجماعة، مع ما يرتكب من أمور تفسد الأخوة والمودة في الدين.
стр. 478
أهمية الترابط الاجتماعي
الحمد لله ذي المن والعطاء، يوالي على عباده النعماء، ويرادف عليهم الآلاء، أحمده تعالى حث على الصلة وحذر من القطيعة والجفاء، وأشكره على حال السراء والضراء، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تنزه عن الأنداد والشركاء، وتعالى عن الأمثال والنظراء، هو الأول بلا ابتداء، والآخر بلا انتهاء، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله إمام الحنفاء، وسيد الأصفياء صلى الله عليه وعلى آله الأوفياء، وصحابته الأتقياء، والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ ما دامت الأرض والسماء، وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
فأوصيكم -عباد الله- ونفسي بتقوى الله الملك العلام؛ فإن تقواه سبحانه عروة ليس لها انفصام، وجذوة تنير القلوب والأفهام: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ [النساء:١].
أيها المسلمون! القاعدة الكبرى في تحقيق سعادة المجتمع وضمان استقراره، والركيزة العظمى في إشادة حضارة الأمة وبناء أمجادها، تكمن بعد عقيدتها وإيمانها بربها في نسيجها الاجتماعي المترابط، ومنظومتها القيمية المتألقة، التي تنظم عواطف الود المشترك، والحب المتبادل والتصافي المشاع، والصلة المستديمة، في بُعدٍ عن الضغائن والبغضاء، وغوائل التقاطع والجفاء، وإثارة الأحقاد والشحناء.
معاشر المسلمين! إن المستقرئ للأوضاع الاجتماعية في كثير من المجتمعات الإسلامية ليدرك أنه في خضم المتغيرات الاجتماعية وفي ظل تداعيات النقلة الحضارية، وفي دوامة الحياة المادية، ومعترك المشاغل الدنيوية حدثت أنواعٌ من السلوكيات والأنماط الخطيرة التي يُخشى أن تؤثر في إختلال نظام الأمة الاجتماعي، ويأتي الانفتاح العالمي، والأخطبوط العولمي ليذكي غوار هذه السلوكيات، ويشعل هذه السلبيات؛ مما يؤكد أهمية تمسك الأمة بعقيدتها وقيمها الحضارية وأخلاقها الاجتماعية الأصيلة.
стр. 479
تردي الأوضاع الاجتماعية
ولعل من أخطر الظواهر والمشكلات التي أذكتها المتغيرات في الأمة ما يتعلق بالأوضاع الاجتماعية، وما جد عليها من مظاهر سلبية، يوشك أن تعصف بالكيان الأسري، وتهدد التماسك الاجتماعي، فكثرت ظواهر عقوق الأبناء، وتساهل الآباء، وتقلصت وظائف الأسرة، وكثر جنوح الأحداث، وارتفعت نسب الطلاق والمشكلات الاجتماعية، وتعددت أسباب الجريمة ومظاهر الانحراف والانتحار والعنف العائلي، والمشكلات الزوجية، ووهت كثيرٌ من الأواصر، وضعف التواصل بين الأقارب والأرحام، وسادت القطيعة والجفاء، وحلت محل الصلة والصفاء، وضعفت وشائج الأخوة، وروابط المودة، وشاعت قيم الأنانية والآحادية، بدل القيم الإيثارية والجماعية، مما ينذر بإشعال فتيل أزمة اجتماعية خطيرة، يجب المبادرة إلى إطفائها والقضاء عليها بإيلاء قضايانا الاجتماعية حقها من العناية والرعاية والاهتمام.
стр. 480
ظاهرة التفكك الأسري
إخوة العقيدة! وهذه وقفة مع قضية من أخطر القضايا الأسرية، تشخص ظاهرة من أخطر الظواهر الاجتماعية التي لها آثارها السلبية على الأفراد والأسر والمجتمع والأمة، تلكم هي ظاهرة التفكك الأسري والخلل الاجتماعي الذي يوجد في كثير من المجتمعات اليوم مما ينذر بشؤمٌ خطير، وشر مستطير، يهدد كيانها، ويزعزع أركانها، ويصدع بنيانها، ويحدث شروخاً خطيرة في بنائها الحضاري، ونظامها الاجتماعي مما يهدد البنى التحتية لها، ويستأصل شأفتها، وينذر بهلاكها وفنائها.
стр. 481
ظاهرة العصرنة وأثرها على المجتمع
إخوة الإيمان! إن الترابط الأسري والتماسك الاجتماعي ميزة كبرى من مزايا شريعتنا الغراء، وخصيصة عظمى من خصائص مجتمعنا المسلم المحافظ الذي لحمته التواصل، وسداه التعاون والتكافل، ويوم أن زبعت زوابع العصرنة والتحديث على كثير من المجتمعات الإسلامية عاشت مرحلة انتقالية افتقدت من خلالها ما كان يرفرف على جنباتها من سلامٍ أسري ووئام اجتماعي، مما أفرز جيلاً يعيش على أنماطٍ اجتماعية وافدة، وينحدر إلى مستنقعٍ موبوء، ووحلٍ محموم، من أمراض حضارة العصر التي سرت عدواها إلى بعض المجتمعات الإسلامية فاجتاحت المثل الأخلاقية العليا، والقيم الاجتماعية المثلى، وكأنها الإعصار المدمر لقيم الأمة ومثلها.
стр. 482
ظاهرة العقوق
أمة الإسلام! إن النظرة الفاحصة لما تعيشه المجتمعات الغربية لتأكد أن أقسى ما تعانيه هذه المجتمعات اليوم هو التفكك الأسري والفردية المقيتة، التي ضاقت بها بيوتهم بعد أن ضاقت بها قلوبهم، ولا عجب أن يطلب أهل الحي فيهم الجهة الأمنية لأن مسناً قد مات، فأزكمت رائحته الأنوف بعد تعفنه دون أن يعلم بموته أحد.
فسبحان الله! عباد الله: إنها الماديات حينما تغلب على القيم والأخلاقيات، والأعجب بل الأدهى من ذلك والأمر أن يسري هذا الداء إلى بعض المجتمعات الإسلامية! وهي ترى بأم عينها كيف أوشكت الأسرة الغربية على الانقراض، فكم نصنع من مظاهر التفكك، وصور الخلل والعقوق في بعض المجتمعات.
فهذا أبٌ لما كبرت سنه ووهن عظمه، واحتاج لأولاده، لم يجد ما يكافئه إلا بالتخلص منه في دور الرعاية وكأن لسان حاله يتمثل قول الأول المكلوم:
غذوتك مولوداً وعلتك يافعاً تعل بما أجني عليك وتنهل
إذا ليلة ضاقتك بالسقم لم أبت لسقمك إلا ساهراً أتململُ
فلما بلغت السن والغاية التي إليها مدى ما كنت فيك أأملُ
جعلت جزائي غلظة وفظاظة كأنك أنت المنعم المتفضل
فليتك إذ لم ترع حق أبوتي فعلت كما الجار المجاور يفعلُ
ولما سمع ﷺ ذلك بكى وأخذ بتلابيب الابن وقال: ﴿أنت ومالك لأبيك﴾.
وهذا آخر، طاعنٌ في السن يدخل المستشفى وهو على فراش المرض ويعاني من مرارة العقوق والحرمان، ويقول: لقد دخلت هنا منذ أكثر من شهر، ووالله ما زارني أحدٌ من أبنائي وأقاربي.
بل تعدى الأمر إلى ما هو أفظع من ذلك، فهذا مأفونٌ لما بلغت أمه من الكبر عتياً، تبرم وضاق بها ذرعاً، فما كان منه إلا أن أمر الخادمة فأخرجتها خارج المنزل، لتبيت المسكينة على عتبة الباب حتى يحسن إليها الجيران من الغد.
وهذا آخر يطلق النار على أبيه فيرديه قتيلاً من أجل مشادة كلامية، يا ألله! رحماك يا إلهي! أي جريمة ارتكبها هؤلاء العاقون في حق أعز وأقرب الناس إليهم، ويحهم على قبيح فعالهم حتى لكأن قلوبهم قدت من صخر أو هدت من صلب والله المستعان!
ونماذج العقوق والقطيعة في زمن الأعاجيب كثيرة، فأين الرحمة عند هؤلاء والديانة؟!
بل أين المروءة والإنسانية؟!
стр. 483
ظاهرة قطع ذوي الأرحام
وإذا كان هذا في حق الوالدين فما بالكم بموقف هؤلاء من الأقارب والأرحام؟!
﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ [محمد:٢٢ - ٢٣].
لقد وصل الحال ببعض الناس أن يمتلئ قلبه غيظاً وحقداً على أقاربه وذوي رحمه فيقاطعهم، بل يعاديهم ويخاصمهم بل يقاضيهم، ويتمنى لهم الموت الزؤام من أجل أمرٍ تافهٍ حقير يتعلق بحفنة من الحطام، أو وشاية غرٍ لئيم، أو زلة لسان، أو شجارٍ بين الأطفال، فتمر الأشهر والسنوات وقلبه يغلي عليهم، ونفسه تموج غلاً ضدهم كما يموج البركان المكتوم، فلا يستريح إلا إذا أرغى وأزبد، وآذى وأفسد، وانبلجت أساريره بنشر المعايب، وإذاعة المثالب، وسرد القبائح، وذكر الفضائح، وتلك لعمر الحق من دلائل الصغار واللؤم وخسة الطبع وقلة المروءة لدى أقوامٍ لا يتلذذون إلا بالإثارة والتشويش، ولا يرتاحون إلا بالتحريش والتهويش.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: المؤمن لا يطالب، ولا يعاتب، ولا يضارب.
إن غليان مراجل القطيعة في المجتمع لا سيما بين أبناء الأسرة وذوي الرحم والقربى، وطغيان المآرب الشخصية، والمصالح الذاتية أدواءٌ فتاكة إذا تمكنت من جسد الأمة أثخنتها، فهي مصدر كل بلاء، وسبب كل عداء، ومنبع كل شقاء، بل هي السلاح البتار الذي يشهره الشيطان ضد القلوب فيفرقها والعلاقات فيمزقها، في غلياناتٍ شيطانية، وهيجاناتٍ إبليسية إذ أرخي لها الزمام، وأطلق لها الخطام، قضت على حاضر الأمة ودمرت مستقبلها، وإذا تنافر ود القلوب كسرت زجاجات التواصل، وتمكن الشر في النفوس، وعاد الناس ذئاباً مسعورة، ووحوشاً كاسرة: ﴿يَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [الرعد:٢٥].
стр. 484
فضائل صلة الأرحام وآثارها الخيرة
أمة الإسلام! ويوم أن ضعف التدين في قلوب الكثيرين، وكثر الجهل بالشريعة، وطغت المادة؛ ضعفت أواصر التواصل، وتعددت مظاهر القطيعة، وإلا فلا تكاد فضائل الصلة وآثارها الخيرة تخفى على العاقل اللبيب، فهي صفة أهل الإيمان قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ﴾ [الرعد:٢١].
وهي ثمرة من ثمار الإيمان بالله واليوم الآخر.
أخرج الشيخان من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ﴿من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه﴾.
وهي سببٌ للبركة في الرزق والعمر يقول ﷺ : ﴿من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له أجله فليصل رحمه﴾ مخرجٌ في الصحيحين من حديث أنس ﵁، وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ﴿إن الله خلق الخلق، حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم فقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة قال: نعم.
أما ترضين أن أصل من وصلك، وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى.
قال: فذلك لك﴾ وعن جبير بن مطعم ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ﴿لا يدخل الجنة قاطع﴾ قال سفيان: يعني قاطع رحم، رواه البخاري ومسلم.
إن حقاً على كل قاطع رحم أن يبادر بالصلة وهذا الوعيد يقرع سمعه قبل فوات الأوان، ولا أظن أن أحداً يعذر بعد خدمة الاتصالات الحديثة، فرحم الله عبداً يصل رحمه وإن قطعوه، يتعهدهم بالزيارة ويتخولهم بالهدية وإن جفوه، يقول ﷺ : ﴿ليس الواصل بالمكافئ، وإنما الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها﴾ خرجه البخاري وعند مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ أن رجلاً قال: ﴿يا رسول الله! إن لي قرابة أصلهم ويقطعوني، وأحسن إليهم ويسيئون إلي، وأحلم عنهم ويجهلون علي، قال ﷺ : لئن كنت كما قلت فكأنما تسفهم المل، ولا يزال معك من الله ظهيرٌ عليهم ما دمت على ذلك﴾ فهنيئاً لقريب أعان على صلته بقبول العذر والصفح والعفو والتغاضي عن الهفوات، والتغافل عن الزلات، إن أحسن فلا يمن، وإن أعطى فلا يظن، لا يعرف السباب، ولا يكثر العتاب، فليست تدوم مودة وعتابُ، يتجنب المراء والجدال، ويحسن الأقوال والفعال، يشارك أقاربه آلامهم وآمالهم ويشاطرهم أفراحهم وأتراحهم مفتاحٌ لكل خير، مغلاقٌ لكل شر، ينصح ولا يفضح، ويستر ولا يعير، وفي ذلك ذكرى للذاكرين وعبرة للمعتبرين، والله المسئول أن يصلح الحال، ويسعد المآل إنه جزيل العطاء والنوال.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولكافة المسلمين من كل ذنبٍ، فاستغفروه وتوبوا إليه فيا لفوز المستغفرين، ويا لبشرى التائبين، اللهم أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين.
стр. 485
خطوات في إصلاح ظاهرة التفكك الأسري
الحمد لله الذي هدانا للإسلام، وأمرنا بصلة الأرحام، وأشهد أن لا إله إلا الله الملك القدوس السلام، منَّ علينا بقرب حلول شهر الصيام والقيام، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله بدر التمام، ومسك الختام، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله البررة الكرام، وصحابته الأئمة الأعلام، والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ ما تعاقب النور والظلام.
أما بعد:
فاتقوا الله عباد الله! ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٨١] واعلموا أن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمدٍ ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة.
أيها الإخوة في الله! وبعد تشخيص الداء لظاهرة القطيعة والتفكك الاجتماعي يأتي وصف الدواء، وأخذ التدابير الواقية للتصدي لهذه المشكلة الاجتماعية الخطيرة، ولعل أولى خطوات العلاج:
إصلاحٌ النفوس بالخوف من الله ومراقبته، واستشعار معيته وتعظيم أمره ونهيه في ذلك، وتربية النفوس على التكافل والإحسان، وحفظ اللسان، والتثبت عند إطلاق الشائعات، والحذر من الغضب، وكظم الغيظ والسعي في الإصلاح مع الصبر والتحمل، والعفو والتجمل واليقين بأن قوة الأمة إنما تكمن في تماسكها وترابط أبنائها.
стр. 486
الاستعداد لأغلى المواسم
أيها الأحبة في الله! ولعل التذكير بهذه القضية والأمة على أبواب شهر الخير والبركة من أكبر الدوافع على الأخذ بالخطوات العملية في إصلاح النفس والمجتمع، وبمثل هذا ينبغي أن تستقبل الأمة شهرها الكريم مع الحاجة الماسة في أن يولي المتخصصون هذه الظاهرة وأمثالها الدراسة الجادة والحلول العملية الناجعة.
فيا أيها المسلمون! يا من هبت رياح اشتياقكم ببلوغ شهر رمضان المبارك ماذا أعددتم لاستقباله؟
أولستم تريدون الفوز بالجنان؟
أين زادكم وعدتكم، وقد قربت أيام المرابحة؟
أين تدريبات العزائم والاستعداد لأغلى المواسم؟ إن الكيس الصادق من أعد للسباق والمنافسة، حتى إذا ما هل الهلال المبارك انطلق لا يلتفت، وشمَّر لا يفترك، عالي الهمة، لبلوغ القمة، غايته نصب عينيه، وشوقه حاديه على مواصلة الجد في ميدان التسابق حتى يفوز بالموعود.
إذا نزل الناس إلى أسواق الدنيا لشراء ما لذ وطاب من المطاعم والمشارب؛ نزل إلى أسواق الجنان يرابح ويغالب.
ألا فلتهنأ الأمة بشهرها، ولتستعد لحسن الاستقبال بتوبة عامة، وإنابة شاملة مخلصة، في شتى المجالات، وفتح صفحة المحاسبة لمستقبلٍ أفضل تعالج فيه مشكلاتها، وتتوحد فيه كلمتها، وتنتصر بإذن الله على أعدائها، وما ذلك على الله بعزيز.
ألا وصلوا وسلموا رحمكم الله على النبي المصطفى، والرسول المجتبى، كما أمركم بذلك المولى جل وعلا، فقال تعالى قولاً كريماً: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦].
اللهم صل وسلم على سيد الأولين والآخرين، وأفضل الأنبياء والمرسلين نبينا وحبيبنا وقدوتنا محمد بن عبد الله، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعن سائر الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم برحمتك يا أرحم الرحمين!
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين.
اللهم آمنا في أوطاننا، وأيد بالحق إمامنا وولي أمرنا، اللهم وفقه لما تحب وترضى، وخذ بناصيته للبر والتقوى، اللهم كن له على الحق مؤيداً ونصيراً، ومعيناً وظهيراً، اللهم ارزقه البطانة الصالحة التي تدله على الخير وتعينه عليه، اللهم وفق جميع ولاة المسلمين لتحكيم شرعك، واتباع سنة نبيك ﷺ ، اللهم اجعلهم رحمة على عبادك المؤمنين.
اللهم من أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بسوء فأشغله بنفسه، ورد كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميره يا سميع الدعاء!
اللهم انصر إخواننا المجاهدين في سبيلك في كل مكان، اللهم انصرهم في فلسطين وكشمير والشيشان، اللهم عليك باليهود المعتدين، اللهم عليك بالصهاينة الغاشمين، اللهم عليك بهم فإنهم لا يعجزونك، اللهم أنزل عليهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين.
اللهم ادفع عنا الغلاء والوباء والربا والزنا والزلازل والمحن، وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن عن بلدنا هذا خاصة، وعن سائر بلاد المسلمين عامة يا رب العالمين!
رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ.
رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغث قلوبنا بالإيمان واليقين، وبلادنا بالخيرات والأمطار يا رب العالمين!
اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفاراً، فأرسل السماء علينا مدراراً، ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
стр. 487
محبة النبي ﷺ بين الوهم والحقيقة
إن رسول الله ﷺ أفضل الأنبياء والمرسلين، ومحبته واجبة على كل من يؤمن بالله واليوم الآخر؛ محبة لا إفراط فيها ولا تفريط، وهكذا أمر ﷺ هذا ما بينه الشيخ، وذكر أنه لابد من اتباع سنته ﷺ حتى يعود للأمة عزها ومجدها وصلاحها، ثم ذكر فضل الصحابة وآل البيت، وفضل الصلاة والسلام عليه ﷺ .
стр. 488
أهمية معرفة سيرة المصطفى ﷺ
الحمد لله مَنَّ على هذه الأمة ببعثة خير البرايا، وجعل التمسك بسنته عصمة من الفتن والبلايا، أحمده تعالى وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، وأسأله الثبات على السنة والسلامة من المحن والرزايا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له عالم السر والخفايا، والمطلع على مكنون الضمائر والنوايا، وأشهد أن نبينا وحبيبنا وقدوتنا وسيدنا محمداً عبد الله ورسوله كريم الخصال وشريف السجايا، والمجبول على معالي الشمائل والمعصوم من الدنايا، عليه من الله وعلى آله وأصحابه وأتباعه أفضل الصلوات وأزكى التسليمات وأشرف التحايا.
أما بعد:
فيا عباد الله: اتقوا الله ﵎، فإن تقواه سبحانه وصيته للأوائل والأواخر، وبها تسمو المشاعر، وتحيا الضمائر، وبها النجاة يوم تبلى السرائر.
أيها المسلمون: إن المتأمل في تاريخ الأمم والحضارات يجد أنه ما من أمة زخر تاريخها بالعظماء كهذه الأمة؛ أمة محمد ﷺ ، كما يرى الناظر في سير عظماء التاريخ، وصناع المجد وبناة الحضارة أن الشخصية الفذة -بلا منازع- التي تتضاءل عند عظمتها عظمة كل عظماء البشرية هي شخصية الحبيب المصطفى، والرسول المجتبى؛ أبي القاسم محمد بن عبد الله بن عبد المطلب الهاشمي القرشي صلوات ربي وسلامه عليه حبيب القلوب، والمبلغ عن علام الغيوب، بأبي هو وأمي ﷺ ، فأعظم به من نبي! وأكرم به من رسول!
فأعظم منه لم تر قط عينٌ وأعظم منه لم تلد النساءُ
وسيرته العطرة بما فيها من شمائل نبوية، ومعجزات محمدية، ووقائع مصطفوية، كلها معينٌ وينبوعٌ صافٍ متدفق، يرتوي من معينه ويستقي من رحيقه كل من أراد السلامة من لوثات الوثنية، والنجاة من آصار الجاهلية، بل هي الشمس الساطعة، والسنا المشرق المتلألئ، والمشعل الوضاء، والنور المتألق الذي يبدد ظلمات الانحرافات: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة:١٥] ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة:١٦].
معاشر المسلمين: إن حاجة الأمة إلى معرفة سيرة المصطفى ﷺ والاقتباس من مشكاة النبوة فوق كل حاجة، بل إن ضرورتها إلى ذلك فوق كل ضرورة، وستظل السيرة العطرة الرصيد التاريخي والمنهل الحضاري، والمنهج العلمي والعملي الذي تستمد منه الأجيال المتلاحقة، من ورثة ميراث النبوة وحملة مشاعل الهداية زاد مسيرها، وأصول امتدادها، وعناصر بقائها، فكل من يرجو الله واليوم الآخر يجعل الرسول ﷺ قدوته، والمصطفى ﵊ أسوته: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ [الأحزاب:٢١].
وأهل الإيمان الحق عبر العصور يستمدون من الهدي النبوي منهاج حياتهم، فلا يستقيم السبيل إلا بذلك، فبهديه ﵊ يهتدون، وعلى ضوء سنته يسيرون، ومن معين نبوته يرتوون، ولأعلام هدايته يحملون، وتحت لوائها ينضوون أسقطوا الرايات المشبوهة، ودحضوا الشعارات الزائفة، ولم يرفعوا إلا شعار التوحيد والمتابعة، عليه يحيون، وعليه يموتون، وفي سبيله يجاهدون، وعليه يلقون الله رب العالمين.
стр. 489
إشارات إلى أهم الجوانب من سيرته ﷺ
أمة الإسلام! أحباب سيد الأنام ﵊: ولد ﷺ في هذه البقاع الشريفة، وكانت ولادته إيذاناً ببزوغ فجر الحق وأفول شمس الباطل
ولد الهدى فالكائنات ضياءُ وفم الزمان تبسمٌ وثناءُ
الله أكبر! إنه ضياء الحق والإيمان أشرق على الدنيا فبدد ظلام الجاهلية، وقضى على معالم الشرك والوثنية، وارتقى بالإنسانية إلى آفاق الحرية الشرعية، وقمم أمجادها الحضارية التي لم تشهدها على امتداد تاريخها وبين تلك الربى والبطاح نشأ وترعرع ﵊، ودرج مدارج الصبى محفوظاً بحفظ الله من أرجاس الوثنية ولوثات الجاهلية نشأ يتيماً تكلؤه عناية الله، وعندما بلغ الأربعين من عمره الشريف أكرمه الله بحمل الرسالة، وبعثه إلى كافة الناس بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً.
وكم لقي في سبيل تبليغ دعوة ربه من الأذى، فصبر وصابر، وجاهد وثابر ثلاثٌ وعشرون سنة لم تلن له قناة، ولم يفتر عن تبليغ رسالة الله أيده الله بالمعجزات الباهرة، والآيات الظاهرة، والحجج القاهرة، وجبله على أكرم سجية، وخصه بأفضل مزية، عليه من الله أفضل صلاة وأزكى سلامٍ وتحية وهبه من الأخلاق أعلاها، ومن المكارم أزكاها، ومن الآداب أفضلها وأسناها، وحسبكم بما وصفه ربه بقوله سبحانه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤].
وعندما اشتد أذى خصومه له في مكة أذن الله له بالهجرة إلى المدينة؛ طيبة الطيبة، قاعدة الدعوة، ومنطلق الرسالة، ومأرز الإيمان، وأساس دولة الإسلام، فأعلى راية الجهاد والدعوة إلى الله حتى انتهت بعز الإسلام ودخوله ﷺ مكة فاتحاً، ودخل الناس في دين الله أفواجاً، وبعد حياة حافلة بجليل الأعمال وكريم السجايا والفعال، توفاه الله ، ولحق بالرفيق الأعلى بعد أن بلغ البلاغ المبين، وأنار الطريق للسالكين، فجزاه الله عن أمته خير ما جزى نبياً عن قومه، وصلوات الله وسلامه عليه دائماً وأبداً إلى يوم الدين.
تلك يا أمة محمد ﷺ إشاراتٌ إلى أهم الجوانب في شخصية وسيرة المصطفى ﵊، التي لم تكن غائبة يوماً ما عن سلوك محبيه، رفع الله ذكره، وأعلى في العالمين قدره، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمره.
стр. 490
محبة النبي ﷺ بين الإفراط والتفريط
إخوة الإيمان: ولم تكن حاجة الأمة في عصرٍ ما إلى معرفة السيرة العطرة معرفة اهتداءٍ واقتداء أشد إليها من هذا العصر الذي تقاذفت فيه الأمة أمواج المحن، وتشابكت فيه حلقات الفتن، وغلبت فيه الأهواء، واستحكمت الزعوم والآراء، وواجهت فيه الأمة ألواناً من التحديات، وصنوفاً من المؤامرات، من قبل أعداء الإسلام على اختلاف مللهم ونحلهم، يتولى كبر ذلك من لعنهم الله وغضب عليهم، وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت، من اليهود الصهاينة، ويوالي مسيرتهم دعاة التثليث وعباد الصليب، ويشد أزرهم المفتونون بهم، والمتأثرون بصديد أفكارهم وقيح ثقافاتهم من أهل العلمنة ودعاة التغريب.
ويزداد الأسى حينما يجهل كثيرٌ من المسلمين حقائق دينهم، وجوهر عقيدتهم، ويسيرون مع التيارات الجارفة دون تمحيصٍ ولا تحقيق، أو يجمدون على موروثات مبتدعة دون تجلية ولا تدقيق، وحينما يضرب المثل في ذلك على نظرة كثيرٍ من المسلمين للسيرة العطرة فإنك واجدٌ العجب العجاب.
ففئاتٌ تغلو في الجناب المحمدي وترفعه إلى المقام الإلهي، وفئات تجفوا وتعرض، والميزان الشرعي في ذلك توجيهه ﵌ لأمته بقوله: ﴿لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبدٌ فقولوا: عبد الله ورسوله﴾ خرجه البخاري ومسلم من حديث عمر ﵁ فهو ﵊ ليس إلهاً فيعبد، ولا رباً فيقصد، وإنما هو رسول يطاع ويتبع.
من الناس من نظر إلى السيرة النبوية على أنها قصصٌ تورد، وروايات تسرد، دون متابعة واقتداء فلا تحرك قلوباً، ولا تستثير همماً.
وأبو القاسم محمدٌ ﷺ فوق كونه عظيماً من عظماء التاريخ؛ فإن شرف النبوة وتاج الرسالة هو الذي يحتم له المحبة والاتباع، وإن صلة الأمة وارتباطها برسولها وحبيبها ﷺ وسيرته العطرة ليس ارتباط أوقاتٍ ومناسبات، ولا حديث معجزاتٍ وذكريات، بل إنه ارتباطٌ وثيق في كل الظروف وجميع الشئون وأحوال الحياة إلى الممات.
وشخصيته ﷺ ليست شخصية مغمورة في زوايا السير، ولا مطمورة في جنبات التاريخ، تروى قليلاً وتطوى كثيراً حاشاه ﵊ فداه أبي وأمي بل إن ذكره يملأ الآفاق، والشهادة برسالته تدوي عبر المآذن والمنابر، وتنطلق عبر الحناجر والمنائر، والمسلم الذي لا يعيش الرسول ﷺ في ضميره، ولا تتبعه بصيرته في علمه وعمله وتفكيره في كل لحظة من لحظاته لا يغني عنه أبداً التغني بسيرته، ولا صياغة النعوت في مدائحه، وليس هناك أغلى وأعلى من مدح ربه جلَّ وعلا له وثنائه عليه.
وما جنح بعض المسلمين إلى مثل هذا اللون في الإفصاح عن تعلقهم بنبيهم ﷺ إلا يوم أن زهدوا في الثوابت واليقينيات، وانبهروا بالمظاهر والشكليات، وتركت نفوسهم الجد والعزمات، واستسلمت للتواني والدونيات، فالجهد الذي يتطلب العزائم هو: الاستمساك والاقتداء، فينهض المسلم الجاد إلى تقويم نفسه وإصلاح شأنه؛ حتى يحقق الاقتداء والاهتداء برسوله ﷺ ، وحتى يترجم تلك الدعاوى إلى واقعٍ عملي في كل شئونه في معاشه ومعاده، في حربه وسلمه، في علمه وعمله، في عباداته ومعاملاته وإن تحويل الإسلام إلى هزٍ للرءوس، وجمود على مظاهر وطقوس، يصاحب ذلك تعلقٌ بأذكارٍ وتسابيح، وترنمٌ بقصائد وتواشيح؛ لشيءٌ عجيب يحار العقل في قبوله!
والأدهى من ذلك أن تكون هذه الأمور معايير لصدق المحبة وعدمها، ومقاييس يُرمى كل من تركها واستبان عوارها بتنقصه لجناب الحبيب المصطفى ﷺ وتلك شنشنة معروفة من أخزم، فحب رسولنا ﷺ يتغلغل في أعماق نفوسنا، ويتربع في سويداء قلوبنا، ولا يغيب حبه إلا من قلب أهل النفاق والزندقة، ونشهد الله الذي لا إله غيره أنه أحب إلينا من أنفسنا ووالدينا وأولادنا والناس أجمعين كيف لا ومحبة المصطفى ﷺ دينٌ يدين لله بها كل من تشرف للإسلام؟! بل لا يستحق أحدٌ شرف الإيمان إلا بتحقيقها، يقول ﷺ : ﴿لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين﴾ خرَّجه الشيخان من حديث أنس ﵁.
وعند البخاري من حديث عمر ﵁ قال: ﴿قلت: يا رسول الله! لأنت أحب إلي من كل شيءٍ إلا من نفسي.
فقال: والذي نفسي بيده! حتى أكون أحب إليك من نفسك.
فقال له عمر: فإنك الآن أحب إلي من نفسي، قال: الآن يا عمر﴾.
стр. 491
حقيقة محبته ﷺ
إن المعول -أيها المحبون رعاكم الله- على صدق المحبة ولوازمها وحقيقتها بالاتباع والاهتداء والتأسي والاقتداء، يقول سبحانه: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران:٣١ - ٣٢].
ومن الأسف أن أعداء الملة وخصوم السنة وسماسرة الخرافة، تمكنوا في غفلة من المصلحين أن يصدعوا البناء، ويشوبوا الصفاء، ويكدروا النقاء، ويتركوا دينهم لعباً ولهواً ﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ [الأنعام:٧٠].
فكيف -يا أحباب رسول الله ﷺ يترك ميراث النبوة نهباً للعوادي؟! وكيف يكون التبديل والتغيير في دين الله في غفلة وسكون؟! وكيف يمهد للجاهلية الأولى أن تعود من جديد؟!
ألا فليفقه المسلمون سيرة رسولهم ﷺ فقهاً مؤصلاً بالدليل والبرهان، والسير على منهج سلف الأمة ﵏، قبل أن تأخذ السبل الملتوية بهم فتطيح بهم بعيداً عن جادة الحق والهدى ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾ [الكهف:١٠٤].
стр. 492
اتباع السنة هو مصدر عز الأمة وصلاحها
أمة الإسلام! لقد جربت الأمة هذه المظاهر والشكليات بعد انحسار القرون الثلاثة المفضلة، فلم تحقق عزة، ولم تورث منعاً، ولم تعد مقدسات، وإذا كانت الأمة في هذه الظروف الحرجة التي تمر بها تتحدث عن سيرة المصطفى ﷺ ؛ فكيف يطيب الحديث والذكريات؟ وكيف يحلو الكلام والمناسبات ومقدسات المسلمين يعيث فيها أعداء الإسلام والمسلمين؟
كيف يجمد الحديد وأعداء الإسلام من الملحدين يصرون على صلفهم وعدوانهم ضد إخواننا في الشيشان المجاهدة؟ كيف يحلو الكلام وأعداء الإسلام من الوثنيين يمعنون في حقدهم السافر ضد إخواننا في كشمير؟ كيف وكيف وقضايا المسلمين معلقة وأوضاعهم متردية إلا من رحم الله؟ ألا حق أن نذرف الدموع الحراء على أحوال السنة الغراء!
إن الأمة بحاجة ماسة إلى تجديد المسار، وتصحيح المواقف، والوقوف طويلاً للمحاسبة والمراجعة، نريد من مطالعة السيرة ما يزيد الإيمان، ويزكي السريرة، ويعلو بالأخلاق، ويسمو بالقيم، ويقوم المسيرة.
ويخطئ كثيراً من يظن أن انتكاسات الأمم، وهزائم الشعوب، وزوال الحضارات؛ راجعٌ إلى ضعفٍ مادي، أو نقصٍ حربي أو تقني؛ ولكن الحقيقة أن ذلك راجع إلى التفريط في الثوابت ودخول النقص في المبادئ والمعتقدات.
إن عز الأمة وسعادتها وصلاحها وهدايتها مرهونٌ باتباع سنة المصطفى ﷺ ، وشواهد ذلك جلية في نصوص الشرع وحوادث التاريخ.
فيوم أن كانت الأمة متمسكة بإسلامها الحق، مهتدية بنور الوحيين، مقتفية آثار النبوة؛ دانت لها المشارق والمغارب، وتحققت لها العزة والمجد المؤثل، والشرف المؤصل اجتمعت كلمتها، وتوحدت صفوفها، ولم تجد البدع والأهواء طريقاً إلى مجتمعها وتمر القرون، وتمضي الأعصار والسنون، وتبتلى هذه الأمة بالفرقة والاختلاف في أمور دينها، حتى تسربت إلى صفوف الأمة ألوانٌ من العقائد المنحرفة، وتسللت عبر الحصون ضروبٌ من الطوق الفاسدة التي تشوش على الأمة في أعز ما تملك في عقيدتها، واتباعها وحبها لرسولها ﷺ ، وأضل سرادق الخرافة عقول كثيرٍ من أبناء أهل الديانة، مما يجسد المسئولية على حماة السنة وحراس الملة أن يهبوا من رقدتهم، ويبذلوا مزيداً من الجهود المنسقة في الدعوة إلى الكتاب والسنة، والتحذير مما يخالفها، والذب عن سنة المصطفى ﷺ تعلماً وتعليماً، ودعوة وجهاداً.
يقول الإمام النيسابوري ﵀: الذب عن السنة أفضل من الجهاد في سبيل الله.
ألم يئن الأوان -يا أمة الإسلام- أن تجتمع القلوب، وتتوحد الدروب على الكتاب والسنة بمنهج سلف الأمة؟ وإذا كانت الأمة تعيش عصر الانفتاح والعولمة فإن ترميم بنائها من الداخل ضمانة -بإذن الله- لوجود الحصانة من التأثير السلبي ضد عقيدة الأمة وقيمها ومثلها، ولن يكون ذلك إلا بتحقيق الاتباع، والحذر من الابتداع، ولو كان خيراً لسبقونا إليه والله المستعان!
﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ * فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ [التوبة:١٢٨ - ١٢٩].
بارك الله لي ولكم في الوحيين، ونفعني وإياكم بهدي سيد الثقلين.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولكافة المسلمين من كل ذنبٍ فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو البر الرحيم.
стр. 493
فضل الصحابة وآل البيت
الحمد لله رب العالمين، القائل في محكم كتابه المبين: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران:١٦٤].
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له جعل العاقبة الحميدة للمتقين المتبعين، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله الصادق الأمين، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحابته الغر الميامين، والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
أما بعد:
فاتقوا الله عباد الله! واعلموا أن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمدٍ ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة.
أيها الإخوة الأحبة في الله: إن شأن المسلم الحق التمسك بالثوابت التي كان عليها خير القرون، وهم سادات المحبين، ولا شك أنهم أحب لرسول الله ﷺ ممن جاء بعدهم، وهيهات أن يأتي أدعياء المحبة في أعقاب الزمن بمحدثاتٍ يزعمون أنها ترجمان المحبة، وهي لا تزيدهم من المحبة إلا بعداً، ولطالما كان سبباً في توسيع هوة الفرقة في الأمة، وإن من يدعو إلى الاعتصام بالوحيين داعية وفاق وخير للأمة، لا من يتعصب لهواه على حساب هداه: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص:٥٠].
أخي المحب المبارك: ومما يلحق بمنزلة المصطفى ﷺ المختار مكانة أهل بيته الأطهار، وصحابته الأبرار، وآله الأخيار، وزوجاته أمهات المؤمنين، وحبهم ومعرفة قدرهم وفضلهم جميعاً، وعدم تنقصهم أو الوقيعة بهم؛ فإن ذلك أمارة الخسران، والكف عما شجر بينهم؛ فإنه علامة الإيمان، والترضي عنهم جميعاً ﵃ وأرضاهم، وجمعنا بهم مع رسولنا الحبيب ﷺ في دار كرامته بمنه وكرمه.
стр. 494
فضل الصلاة والسلام على رسول الله
ألا واعلموا -رحمكم الله- أن من أفضل ما تقرب به المتقربون، وعبر به الصادقون عن محبتهم لرسولهم ﷺ كثرة الصلاة والسلام عليه؛ فقد أمر الله بذلك بقوله جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦]، كما حث رسول الله ﷺ على ذلك وأخبر أن فيه الأجر العظيم، كما في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: ﴿من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشراً﴾ وروى الإمام أحمد والنسائي بسندٍ صحيح عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿من صلى عليَّ صلاة واحدة صلى الله عليه عشر صلوات، وحط عنه عشر سيئات، ورفع له عشر درجات﴾، ولما قال له أبي بن كعب ﵁: ﴿إني أكثر الصلاة عليك، فكم أجعل لك من صلاتي؟ قال: ما شئت -إلى قوله- أجعل لك صلاتي كلها؟ قال: إذاً تكفى همك، ويغفر لك ذنبك﴾ رواه الإمام أحمد والترمذي بسندٍ صحيح، والحاكم ووافقه الذهبي.
فيا من يريد الخير في الدارين! أكثر من الصلاة والسلام على سيد الثقلين، لكن ذلك الأجر مرهونٌ بالإخلاص والمتابعة، والالتزام بالصلوات المشروعة دون المبتدعة، وأجمعها الصلاة الإبراهيمية، التي يقرؤها المسلم في تشهده: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميدٌ مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميدٌ مجيد.
فأكثروا -رحمكم الله- من الصلاة على الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، صلاة متبعٍ له، مقتفٍ لسنته.
اللهم صل على محمدٍ ما ذكره الذاكرون الأبرار، وصل على محمد ما تعاقب الليل والنهار، وصل على محمدٍ وعلى المهاجرين والأنصار.
اللهم صل على نبينا محمد ما ازدهرت النجوم، وتلاحمت الغيوم.
اللهم صل وسلم على صاحب المقام المحمود، والحوض المورود، واللواء المعقود.
اللهم صل وسلم وبارك على صاحب الوجه الأنور، والجبين الأزهر، والمقام الأطهر، والمجد الأظهر.
اللهم ارزقنا شفاعته، وأوردنا حوضه، وأسقنا بيده الشريفة شربة لا نظمأ بعدها أبداً، إنك أكبر مسئول، وخير مأمول.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين،،واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين.
اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، وأيد بالحق إمامنا وولي أمرنا، اللهم وفقه لما تحب وترضى، وخذ بناصيته للبر والتقوى، وارزقه البطانة الصالحة التي تدله على الخير وتعينه عليه.
اللهم وفق جميع ولاة المسلمين للحكم بشريعتك، واتباع سنة نبيك ﷺ ، اللهم اجعلهم رحمة على عبادك المؤمنين يا ذا الجلال والإكرام.
اللهم أصلح أحوال المسلمين في كل مكان، اللهم أصلح أحوال المسلمين في كل مكان.
اللهم انصر إخواننا المجاهدين والمضطهدين في دينهم في سائر الأوطان، اللهم انصرهم في فلسطين وكشمير والشيشان، وفي كل مكان يا ذا الجلال والإكرام.
اللهم ألف بين قلوب المسلمين، واهدهم سبل السلام، وجنبهم الفواحش والفتن، ما ظهر منها وما بطن اللهم ادفع عنا الغلاء والوباء، والربا والزنا، والزلازل والمحن وسوء الفتن، ما ظهر منها وما بطن.
ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين.
عباد الله: إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
стр. 495
مفاهيم صحيحة للإجازة
ناقش الشيخ حفظه الله في هذه المادة بعض المفاهيم التي تتعلق بواقع الناس في الإجازة الصيفية، وقد بين الآثار السلبية لغياب الضوابط الشرعية لاستغلال الإجازة.
следующие страницы →