← Джавами‘

Джавами‘ · id 7739

دروس للشيخ عبد الرحمن المحمود

عبد الرحمن بن صالح المحمود

Полный текст (616 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

تكييف الدعاء بلفظ (برحمتك) السؤال هل قول (برحمتك) من دعاء الصفة؟ الجواب لا. فالتعوذ بالصفة يجوز، فنقول: أعوذ بالله، أعوذ برضاك. أما دعاء الصفة بقولك: يا رحمة الله ارحميني، فهذا لا يجوز.

стр. 37

العلاقة بين التوحيد والعقيدة السؤال ما هي العلاقة الشرعية بين التوحيد والعقيدة؟ الجواب أساس العقيدة هو التوحيد.

стр. 38

آثار الإيمان بأسماء الله وصفاته السؤال لا شك أن الأسماء والصفات لها من الآثار الحميدة والمعاني الجليلة ما يزيد في الإيمان ويبعث في النفس حب الله ورسوله والمؤمنين، أرجو توضيح أهمية هذا الأمر؟ الجواب نعم. له أثر عظيم جداً، والحقيقة أن الإيمان بأسماء الله وصفاته يجب أن يتحول من الإيمان النظري إلى إيمان عملي، ولهذا قال ﷺ : (إن لله تسعة وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة) قالوا: وإحصاؤها هو حفظها والقيام بمعانيها. والأمر في هذا يطول جداً.

стр. 39

تحقيق التوحيد والخوف الطبيعي السؤال الخوف شيء فطري في الإنسان، فالإنسان يخاف من الطواغيت والظلمة، ويخاف من جميع ما يضر به، فكيف يحقق الإنسان المسلم التوحيد في ذلك؟ الجواب الخوف الطبيعي لا يدخل، كذلك أيضاً الحب الطبيعي، بأن يحب الإنسان والديه، ويحب ولده، ويحب الطعام إذا كان جائعاً، فهذا كله من الحب الطبيعي الذي لا يضر، كذلك أيضاً الخوف الطبيعي كما سبق بيانه، لكن الخوف المقصود هو خوف السر، أن تخاف من غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله.

стр. 40

دعوى كون الكافرين أصدق في التعامل من المسلمين السؤال ما هو الرد على القائلين بأن الكافرين أصدق في تعاملهم من المسلمين، والعياذ بالله؟ الجواب هذه دعوى إفك، والله يقول موصياً المؤمنين: ﴿رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الممتحنة:٥]، فكيف نكون فتنة للذين كفروا؟ حينما نذل بإسلامنا ويكون الكفار أعزة بكفرهم، فنكون نحن فتنة؛ لأنهم يقولون: لو كان الإسلام حقاً لكانوا أعزة. فنحن بذلنا وتخلينا عن ديننا نتحول إلى فتنة للكفار. الآن يأتي الواحد من الكفار إلى بلاد المسلمين معتزاً بجنسيته الكافرة، ويرفض جنسية المسلمين لأنه يجد الذلة عند المسلمين والعزة عند الكافرين، فنحن بذلنا فتنا الذين كفروا، لكن لما كنا نعتز بديننا كان الواحد يرى قمة العزة في الإسلام فيبحث عن الإسلام، بل كان كثير من أهل الذمة في البلاد المفتوحة يدخلون في الإسلام لأنهم يرون العزة في الإسلام، والكلام في هذه الجزئية طويل، وهو كلام مهم جداً لعله يرد تفصيله في موضع آخر.

стр. 41

دور المسلم في تحقيق التوحيد في نفسه وأمته السؤال ما هو دور المسلم في تحقيق التوحيد في نفسه وأمته؟ الجواب هو دور خطير وعظيم جداً، أن يقوم بالنسبة لنفسه وبالنسبة لأسرته وبالنسبة لأمته، فيتحول إلى داعية إلى هذا التوحيد.

стр. 42

معنى قوله ﷺ : (تعس عبد الدرهم) السؤال ما معنى قول النبي ﷺ : (تعس عبد الدرهم)؟ الجواب هذه العبودية ليس معناها أن يعبده ويسجد له ويركع، وإنما أن يتعلق قلبه به، فيتحول الحب والبغض على أساس هذا الدرهم.

стр. 43

كمال التوحيد مع الخوف من الظلمة وأعوانهم السؤال هل الخوف من الطغاة وأعوانهم ينافي كمال التوحيد؟ الجواب إذا كان في أمر يقدرون عليه فلا، وإذا كان في أمر لا يقدر عليه إلا الله فنعم ينافي كمال التوحيد.

стр. 44

كيفية تنمية المحبة لله تعالى في القلب السؤال كيف ننمي المحبة في قلوبنا والتي هي أساس بالنسبة للعقيدة؟ الجواب ننمي محبة الله في قلوبنا بأمور كثيرة: أولها: ذكر الله ليلاً ونهاراً. ثانيها: الصلاة، فإنها تغرس في القلب محبة الله. ثالثاً: تذكر نعم الله عليك، فإذا تذكرت أن الله هو الذي أنعم عليك بالصحة والعافية والأمان والمال وغير ذلك؛ فإنك تتعلق بهذا الذي أنعم عليك، إلى غير ذلك من الأمور، فنعم الله لا تعد ولا تحصى. أسأل لي ولكم التوفيق، والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

стр. 45

خصائص أهل السنة والجماعة في السلوك والأخلاق للأخلاق في ديننا الإسلامي منزلة رفيعة، ومكانة كريمة، فقد بعث رسولنا الكريم ﷺ ليتمم مكارم الأخلاق، فكان ﷺ في ذلك هو القدوة العظمى والأسوة الحسنة، ويكفيه في ذلك شهادة ربه . ثم جاء صحابته من بعده فضربوا في ذلك بسهم وافر، ونهلوا من ذلك حتى ضربوا بعطن، فرضي الله تعالى عنهم وأرضاهم. والأخلاق أصل معاملة المؤمن مع ربه، وهي الرابطة المتينة بينه وبين إخوانه، وهي خير أسلوب يدعى به غير المسلمين من الملل الأخرى، فكم من أمة أسلمت بسبب حسن الخلق، والتاريخ خير شاهد على ذلك.

стр. 46

أهمية السلوك والأخلاق في الإنسان المسلم بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم! إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى وحسن الأخلاق. بعون الله تعالى وتوفيقه سنعرض لبعض الخصائص التي يتميز بها المسلم في باب الأخلاق وفي باب السلوك. وتعلم -أخي الكريم- أهمية موضوع الأخلاق والسلوك في الحياة، وأهميته بالنسبة للمسلم خاصة، وبالنسبة للداعية إلى الله بشكل أخص؛ لأن الأخلاق والسلوك في حياة الإنسان المسلم أصل علاقته بربه، وأصل علاقته بأهل بيته، وأصل علاقته بالمؤمنين من حوله، وأصل علاقته بغير المؤمنين من الأمم الأخرى، وكم من خلق تمسك به صاحبه رفعه الله به درجات، والنبي ﷺ يقول: (إن العبد ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم). كم من خلق يرتفع بصاحبه ليكون في منازل عليا عند الله ! وكم من صفة تميز بها المؤمن كانت سبباً في هداية شخص أو أمة، وهكذا. فالأخلاق لها أهميتها، ومن ثم جاءت هذه الكلمات التوجيهية -أسأل الله أن يثيب الجميع عليها- جاءت لتبين أصول الأخلاق، ولتبين أيضاً ما يضاد الأخلاق الإسلامية من الصفات التي يجب أن يتنزه عنها المؤمن.

стр. 47

خصائص أهل السنة في السلوك والأخلاق هناك بعض الملحوظات حول هذا العنوان: الأولى: أننا حينما نقول: (خصائص) فإن المقصود بها الصفات الجامعة التي يتميز بها المؤمن، ولا نقصد بذلك استيعاب مسائل الأخلاق المتعددة التي تكلم عنها العلماء وألفوا فيها تآليف متعددة. الثانية: أننا حينما نقول (أهل السنة) لا نقصد بذلك أن هذه الخصائص إنما يختص بها فئة معينة، وإنما المقصود أن هذه الخصائص تميز بها أعلام أهل السنة وأئمتها، وإلا فكل مؤمن ومؤمنة وكل مسلم ومسلمة سار على الدرب الصحيح اعتقاداً على مذهب أهل السنة والجماعة أخلاقاً وسلوكاً وكان متبعاً في ذلك رسول الله ﷺ فلا شك أنه من أهل السنة، ومن ثم فحينما نطلق أهل السنة أو حينما نطلق صفات المؤمن فالغاية منهما واحدة، ولكننا نشير إلى خصائص أهل السنة، أي: الصفات التي تميز بها أئمة أهل السنة ودعاتها والمنافحون عنها رحمهم الله تعالى، وجعلنا ممن يسلك سبيلهم ويقتفي أثرهم. الثالثة: العنوان فيه: (في السلوك والأخلاق)، وهذا من باب عطف الخاص على العام؛ لأن السلوك والأخلاق بينهما تداخل، فإذا أطلق السلوك لوحده، فقيل: فلان سلوكه حسن دخلت فيه الأخلاق، كذلك أيضاً الأخلاق أو الخلق لوحده إذا أطلق وقيل: فلان خلقه حسن دخل فيه السلوك، وإذا جمع أحدهما مع الآخر فإن السلوك يكون أعم من الخلق؛ لأن الأخلاق صفات يتخلق بها الإنسان فهي خلق له، ولكن السلوك يشمل جوانب الأخلاق ويشمل الأمور الأخرى في طبيعة حياة الإنسان قد يقال: إنها لا تدخل في باب الأخلاق.

стр. 48

مناهج المنحرفين في تحديد السلوك والأخلاق كثيراً ما نقرأ في الساحة كتباً تتحدث عن الأخلاق، وهذه الكتب التي تتحدث عن الأخلاق كتب متنوعة مختلفة المشارب، فأيها يوافق منهج أهل السنة والجماعة في هذا الباب؟ هذا الذي أردنا بيانه هنا؛ لأن هناك عدة مسالك ومناهج في باب الأخلاق تخالف منهج أهل السنة والجماعة، ومنها المنهج الفلسفي. والمنهج الفلسفي هو الذي يربط الخلق برابطة عقلية أو مادية بحتة، فتجدهم أحياناً يجعلون مناط الأخلاق حسنها وسيئها هو العقل، وهذا تحكم، بينما منهج أهل السنة والجماعة في الأخلاق أن يجعلوا مناطها هو الشرع، وصحيح أن الشرع لا يمكن أن يخالف العقل الصحيح السليم. تجد بعض المناهج يجعل غاية الخلق هو اللذة، وهذه مناهج عقلية موجودة، وهناك دعاة لها من أصحاب الإباحية وغيرهم. وهناك من يرى أن عماد الخلق هو المنفعة، وهذه هي أخلاق الغربيين الآن. هذه الأخلاق لا تقوم على مبدأ الدين وإنما تقوم على المنفعة، ومن العجيب أن كثيراً منا يعجب بما يتصفون به من صفة الصدق في بيعهم وشرائهم، ولكنهم يجهلون أن هذه الصفة إنما هي صفة مادية بحتة، يريد أصحابها منها منفعة عاجلة، فهو يريد أن يكون صادقاً حتى يربح أكثر؛ لأنه يعلم أنه لو كذب لفضح ولبارت تجارته. وهناك منهج آخر منحرف وهو المنهج الصوفي الذي يريد أن يربي الإنسان على الانقطاع عن هذه الحياة، وذلك من خلال ما يريد أن يصل إليه من جلب أو كسب صوفي أو غير ذلك، ويظن أصحاب هذا الخلق أن عماد الأخلاق أن تنقطع عن هذه الحياة فلا تختلط بالناس ولا تدعو إلى الله، ولا تكون ممن يعمر هذا الكون كما أمر الله عمراناً فيه نصرة للمؤمنين وقوة ودافع لهم للجهاد في سبيل الله ولدعوة الناس إلى دين الله، بل يريد أن يحصرهم في هذا النطاق الضيق. إذاً هذا منهج منحرف، ومن أجل ذلك كان لا بد أن نبين المنهج الإسلامي ومنهج أهل السنة والجماعة رحمهم الله تعالى في هذا الباب الذي هو باب الأخلاق والسلوك.

стр. 49

اهتمام أهل السنة والجماعة ببيان الأخلاق وأهميتها القضية الثالثة: هي مسألة مدى اهتمام أهل السنة والجماعة في بيان هذه الأخلاق وأهميتها، وهذا جزء أصيل من منهجهم. فأهل السنة والجماعة -وعلى رأسهم القائد القدوة رسولنا محمد بن عبد الله ﷺ ثم أصحابه من بعده، ثم التابعون لهم- بينوا لنا هذه الأخلاق وشرحوها. ومن هنا فإن عائشة ﵂ وأرضاها لما سئلت عن خلق رسول الله ﷺ أتت بكلمة جامعة، ما قالت: كان خلقه الصدق، وخلقه الحياء، وخلقه الشجاعة. لا، بل أرجعتهم إلى مصدر أصيل في الأخلاق، فقالت: (كان خلقه القرآن) ﵊. إذاً -معنى ذلك أن من أراد أن يبحث عن خلق رسول الله ﷺ فليتمسك بالقرآن فسيجد فيه تفصيلاً لأخلاقه ﷺ ، ومن ثم ليقتد بها، ثم إنه ﷺ كان مثال الخلق الرفيع ﵊. لقد دون أهل العلم وأهل الحديث رحمهم الله تعالى سنة النبي ﷺ ، وكان مما دونوه واهتموا به بيان الأخلاق والسلوك. لقد دونوا العقائد، ودونوا الأحكام الشرعية، ودونوا أيضاً الأخلاق والسلوك وبوبوها وفصلوها، وذكروا فيها الأحاديث والروايات الواردة، وانظر إلى أي كتاب من كتب السنة، فإنك ستجد تلك الأبواب مخصصةً لبيان الفضائل والأخلاق. فـ البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه كتاب اسمه (كتاب الأدب)، وكتاب اسمه (كتاب الرقائق)، وكتاب اسمه: (الزهد)، بل إنه رحمه الله تعالى ألف كتاباً منفرداً لم يحصره في الصحيح سماه (كتاب الأدب المفرد). وسمي (المفرد) لأنه أفرد عن صحيح البخاري، وهذا اهتمام منه رحمه الله تعالى بهذه القضية المهمة؛ لأنها أساسية في حياة المؤمن، وفي حياة الداعية، وفي حياة واعي حديث رسول الله ﷺ ، وكذلك أيضاً الإمام مسلم وأصحاب السنن رحمهم الله تعالى، ومن جمع في هذا الباب سواء على طريقة تبويب الأبواب كـ البخاري ومسلم وأصحاب الكتب الستة، أو على طريقة المسانيد والمعاجم كالإمام أحمد والطبراني وغيرهما فإنهم يذكرون في ثنايا معاجمهم ومسانيدهم الأحاديث الدالة على الفضائل. وهكذا اهتم العلماء في بيان هذا وألفوا كتباً مفردة في الآداب والزهد والرقائق وغير ذلك، بينوا ما يجب على المؤمن من خلق، ونحن يجب أن نعلم أننا لا نتحدث عن تفاصيل الأخلاق حديثاً مفصلاً، وإنما نذكر كيف كان أهل السنة والجماعة يؤصلون هذه الأخلاق ويبينونها، بل إن ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى -وهو من علماء الحديث المشهورين- جمع أجزاءً حديثيةً تزيد على مائتي جزء، وهذه الأجزاء تجدها في الغالب أحاديث في باب الأخلاق، جزء في باب التواضع، وجزء في باب الصمت، وجزء في باب الصحبة، وجزء في باب الصدق، وجزء في باب التزكية، وهكذا، وجمع فيها بين الأحاديث المرفوعة وبين الآثار عن الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وإن كان فيما يرويه من الروايات المسندة المرفوعة إلى النبي ﷺ ما هو مظنة الضعف ويحتاج إلى تحقيق وتمحيص حديثي.

стр. 50

أصول الأخلاق التي يتميز بها المؤمنون نحن نعلم جميعاً أن الإنسان إذا نظر في تاريخ السلف رحمهم الله تعالى وفي أحوالهم وتعاملهم وآثارهم يجدهم قد تخلقوا بأخلاق وتأدبوا بآداب كانت تلك الأخلاق والآداب سبباً في محبة الناس لهم وتأثيرهم في الناس وشيوع ذكرهم في الخير، وكانت سبباً في نشر دين الله، وفي مجاهدة المبطلين والمنحرفين؛ لأن أخلاقهم كانت أخلاقاً إسلامية مبنية على كتاب الله وعلى سنة رسوله ﷺ ، وهذه الأخلاق التي بنيت على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ جعلتهم على هذه الحالة وعلى هذه الصفة من التأثير والاشتهار بالذكر بالخير عند الناس، ولم يقتصر الأمر على هذا بل صاروا يؤثرون على غيرهم وهم في قبورهم. يقرأ الإنسان قصة وموقف إمام من الأئمة، فإذا ما قرأها وتبينها تأثر بها، وربما دمعت عيناه، هذا التأثر وهم في قبورهم إنما منبعه ما كان عندهم من خلق، كانوا صادقين فيه فيما بينهم وبين الله .

стр. 51

الأسس التي تقوم عليها الأخلاق في الإسلام إن أخلاق السلف رحمهم الله تعالى وأخلاق كل مؤمن يحب أن يسير على منهاجهم تقوم على أسس:

стр. 52

ارتباط الخلق بدليل الوحي الأساس الثالث: أن الخلق مربوط بالدليل من الكتاب والسنة، وهذه ميزة مهمة جداً. تجد المؤمنين الصادقين المتبعين دائماً يسأل عن الدليل، هل فعل هذا رسول الله ﷺ ؟ هل أمر بهذا رسول الله ﷺ ؟ هل ورد هذا في القرآن العظيم؟ المؤمن يتبع، ويجتنب كل ما نهي عنه، ولا يأتي ويجعل الأخلاق مبنية على عادات الناس وما يهواه الناس وما تهواه القبيلة والمجتمع. وإنما يجعل مناط أخلاقه ما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وهذا هو الاقتداء بالنبي ﵊، ولقد كان أصحابه ﵃ وأرضاهم والأئمة من بعدهم في أخلاقهم وسلوكهم يبحثون دائماً عن الدليل في تفاصيل الخلق من كل جوانبه، سواء منها ما يتعلق بأمور عظمى كمهمة الوالي والإمام وقائد الجهاد في سبيل الله، أو ما يتعلق بأقل القليل كمعاملة الإنسان لخادمه أو أولاده أو غير ذلك. هذه هي الأسس الثلاثة التي تقوم عليها الأخلاق في الإسلام.

стр. 53

النية من الأسس التي تقوم عليها الأخلاق الأساس الثاني: النية. بمعنى أن الإنسان وهو يتخلق بالخلق ويعامل الآخرين أو يقول أو يفعل أو يتصرف أو ينفق أو يجاهد أو يسافر أو يفعل أي شيء تجد عمله هذا مربوطاً بالنية، والنبي ﷺ يقول: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى)، ولهذا تجد السلف رحمهم الله تعالى كان الواحد منهم إذا فجأه الأمر لا يفعله بسرعة، وإنما يقول: دعني قليلاً لأنوي. هذا هو الفارق بين أخلاق المؤمنين الذين يقصدون بأعمالهم وجه الله تعالى وبين غيرهم، الفارق هو تلك النية. تجد الكافر ينفق على أولاده، وينفق على من تجب نفقته عليه من أقاربه، تجده قد يحسن إلى الناس، وقد يفعل الخير، لكنك تجد هذه الأعمال التي يفعلها بغير نية لا يكتب له شيء من أجرها. وكذلك أيضاً من عمل من المؤمنين عملاً بغير نية، أو قصد به غير وجه الله تعالى فإنه لا يُقبل منه، ويُرد على صاحبه، لكن المؤمن هو الذي إذا أعطى وإذا منع وإذا قال وإذا تصدق يقصد بذلك وجه الله ، ولذلك نجد أن المؤمن إن سار أو مشى أو فعل يستشعر أن أفعاله كلها يؤجر عليها؛ لأنه يقصد بها وجه الله. ومن هنا فإن النبي ﷺ جعل من الصدقة ما تضعه في في امرأتك، ومعنى هذا أن هذه النفقة الواجبة عليك إذا نويت بها تؤجر عليها.

стр. 54

الإيمان بالله تعالى من الأسس التي تقوم عليها الأخلاق الأساس الأول: الإيمان بالله. وهذا أساس مهم جداً؛ لأن أي خلق يتمسك به الإنسان ويتخلق به لا يكون مبنياً على الإيمان فإن هذا الخلق لن ينفع صاحبه، وإن نفعه فسيكون نفعه عاجلاً لا آجلاً، كأخلاق الكفار، فإن الله تعالى يقول عنهم: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان:٢٣]. والنبي ﷺ لما قيل له: (الرجل يقاتل حميةً، ويقاتل لأن يرى مكانه، ويقاتل للمغنم، أي ذلك في سبيل الله؟ قال: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله) انظر إلى الفرق! ذاك شجاع خاض المعركة وتحدثت عنه وسائل الإعلام وسطرت الكتب تاريخ قيادته وشجاعته، ولكنه خلق جاء من كافر، وأي عمل وأي خلق لا يكون مبنياً على الإيمان بالله والإخلاص له فإنما هو خلق لا ثمرة له في الدار الآخرة، ولا تأثير فيه إلا ذلك التأثير النفعي العاجل، وهكذا في بقية الأخلاق التي قد يتخلق بها غير المؤمنين، لكن المؤمنون يتخلقون بأخلاق بنيت على أساس الإيمان بالله، ولهذا فإن النبي ﷺ قال في الحديث الصحيح: (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب)، فالقلب المربوط بالله إيماناً به وإخلاصاً وتصديقاً له لا بد أن يؤدي بالإنسان إلى أن يمتثل في جوارحه ولسانه ورجله ويده، وكل ما يمكن أن يتصرف به يمتثل به على منهاج واضح؛ لأنه يقصد بذلك وجه الله تعالى، وهذا هو الفارق الأصيل بين أخلاق الكفار وأخلاق المؤمنين، وهذا هو الفارق الأصيل بين خلق المؤمن المتمسك بدينه وبين ذلك المنحرف الذي قد يتخلق بخلق لكن لا يقصد به وجه الله تعالى.

стр. 55

أبرز الصفات الأخلاقية التي يتميز بها المسلم والأئمة من أهل السنة نأتي بعد ذلك إلى أبرز الصفات الأخلاقية التي يتميز بها المسلم، وتميز بها الأئمة من أهل السنة والجماعة رحمهم الله تعالى، وأحب أن أنبه إلى أن هذه الصفات البارزة إنما اخترناها لأهميتها أولاً، ولكونها أخلاقاً جامعة ثانياً، ولحاجة المؤمنين والمسلمين الذين يحبون أن يتبعوا أولئك الأئمة في أخلاقهم ثالثاً، مع العلم أن هذه الأخلاق قد يدخل بعضها في بعض، وسأشير إليها باختصار. والنصوص الدالة على الصدق كثيرة جداً في كتاب الله وفي سنة رسوله ﷺ ، ولما ذكر الله ﵎ قصة الثلاثة الذين خلفوا وصدقوا رسول الله ﷺ عند مرجعه من غزوة تبوك، أولئك الثلاثة الذين لم يفعلوا فعل المنافقين ويحلفوا بالكذب، وإنما صدقوا رسول الله ﷺ ، فأخبرنا ﵎ عنهم بقوله: ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة:١١٨]، فنزلت هذه التوبة لهم، وبشروا ﵃ وأرضاهم بذلك، يقول كعب بن مالك ﵁ وأرضاه فرحاً مستبشراً لأن الله تاب عليه وأنزل توبته من فوق سبع سماوات، يقول: (فما حدثت نفسي بعد ذلك في أي كذب فيما بقيت من عمري، وأسأل الله أن يرزقني الثبات على ذلك إلى أن ألقاه). فماذا قال الله تعالى بعد ذكر قصة هؤلاء الذين تاب الله عليهم؟ قال بعدها مباشرة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة:١١٩]. والصدق من أبرز صفات المؤمنين، ولقد برزت في أئمة أهل السنة رحمهم الله تعالى بروزاً عظيماً. فلماذا هي من أهم الصفات؟ لأنه ورد عن النبي ﷺ أنه سئل: (هل يكون المؤمن جباناً؟ قال: نعم. هل يكون بخيلاً؟ قال: نعم. هل يكون كذاباً؟ قال: لا)، وهذا يعطيك أهمية الصدق في حياة المسلم، بحيث يصدق الإنسان مع ربه ﵎ ولا يخادع نفسه، فإذا خلا بنفسه بينه وبين ربه تخلى عن نظر الخلق وإعجاب الخلق ومدح الخلق وقول الخلق، إذا وقف بين يدي ربه ليصدق مع ربه في إيمانه وفي إخلاصه وفي أعماله وفي أقواله وفي تصرفاته كلها؛ لأنه قد يخدع الخلق، لكنه لا يمكن أن يخدع ربه ، يصدق مع نفسه ويصدق مع الآخرين. يقول النبي ﷺ في الحديث المعروف: (ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً)، وكيف برزت عند أئمة أهل السنة والجماعة صفة الصدق؟ برزت حينما أخذوا يبلغون وحي الله ﵎ إلى من بعدهم، القرآن محفوظ، لكن السنة النبوية دخل فيها الكذب، فقام أئمة أهل السنة والجماعة ليتحروا في هذا الجانب تحرياً شديداً، ويكون المقياس الأساسي والشرط الأكبر لقبول الرواية مع الشروط الأخرى هو أن يكون الرجل صادقاً. لقد بلغ من تحريهم رحمهم الله تعالى أن الإمام البخاري صاحب الصحيح رحمه الله تعالى ذهب مسافراً إلى شيخ من الشيوخ ليروي عنه حديثاً عن رسول الله ﷺ ، فدخل المدينة لا يعرف أين الشيخ، فلما دخل في أحد شوارعها وجد رجلاً مع فرس وهو يريد أن تلحق به الفرس، ووجد أنه قد رفع ثوبه كأنه يحمل في حجره شيئاً، فرأى الفرس تلحق به، فلما وصل إلى بيته أمسك بالفرس وفتح حجره وإذا به خالياً ليس فيه شيء، فلما نظر البخاري إلى هذه الفعلة قال له: أريد فلان بن فلان. فقال له الرجل: وماذا تريد منه؟ قال: لا أريد منه شيئاً سوى أني حدثت أنه يروي عن فلان عن فلان عن فلان عن رسول الله ﷺ كذا وكذا. وذكر الحديث، فقال هذا الرجل: أنا فلان، وحدثني فلان عن فلان عن فلان عن رسول الله ﷺ أنه قال كذا. فماذا صنع البخاري؟ البخاري أبى أن يروي عنه، وقال: إذا كان الرجل يكذب على بهيمته فأخشى أن يكذب على رسول الله ﷺ . إذاً أئمة أهل السنة ﵏ دونوا السنة وتحروا فيها، وكان الصدق صفتهم وكان الصدق ديدنهم في جميع أمورهم رحمهم الله تعالى. ولذلك -كما يقال-: لا تجد كذاباً إلا وقد فضحه الله ، نسأل الله أن يوفقنا للصدق في جميع أقوالنا وأفعالنا.

стр. 56

الشجاعة الصفة السادسة: الشجاعة: والشجاعة معناها أن الإنسان يواجه الأخطار لتحقيق الخير للأمة، وتتمثل الشجاعة في أمور، على رأسها الجهاد في سبيل الله، فالذي يقدم نفسه في سبيل الله رخيصةً هو الشجاع؛ لأنه بذل روحه خالصة لربه ﵎، ولذلك كان من صفات الشجعان أنهم يثبتون ولا يفرون من الزحف. ومن الشجاعة أن يقول قولة الحق، وأن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ولو أدى ذلك إلى لومه أو إيذائه، ومن هنا فإن النبي ﷺ قال: (أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر)، وذكر خير الشهداء (رجل تكلم بكلمة الحق عند إمام جائر فقتله). ومن الشجاعة أيضاً أن يرجع الإنسان إلى أخطائه، هذه شجاعة؛ لأن الذي يقع في الخطأ ولا يحب أن يعترف بخطئه هذا عنده جبن، ولو كان شجاعاً لكان جريئاً ولقال: نعم أنا أخطأت في هذه المسألة، والحق مع فلان أو مع غيري. ويبينها، ولقد كان الأئمة رحمهم الله تعالى على مثال عظيم من هذا، وانظر إلى أقوالهم وفتاويهم رحمهم الله تعالى، فإنهم كانوا رجاعين إلى الحق. أيها الأخ المسلم! هذه صفات بارزة متى تكاملت تكوّن لدينا الخلق الإسلامي والسلوك الإسلامي الفاضل، الذي يحمل صاحبه على أن يكون منارة يقتدى به إن تكلم وإن قال وإن فعل وإن كتب؛ لأن أخلاقه وسلوكه كلها متمثل فيها بما جاء به كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .

стр. 57

الحياء الصفة الخامسة: الحياء. والحياء أيضاً يشبه التواضع في كونه يفهم على غير وجهه الصحيح؛ لأن بعض الناس يظن أن الحياء أن تشاهد المنكر وتخجل من أن تنكره، أو أن تكون في موقف ينبغي أن تقول فيه كلمة الحق فلا تقولها، وهذا ليس حياءً وإنما هو خور. الحياء: هو الخلق الذي يبعث على ترك المستقبح من الأمور المحرمة ونحوها. ولذا فإن النبي ﷺ -كما نعلم جميعاً- قال في الحديث المشهور: (إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت)، ويقول أيضاً في حديث شعب الإيمان: (والحياء شعبة من شعب الإيمان)، وقد ورد عن النبي ﷺ حديث رواه الترمذي والإمام أحمد والحاكم وهو حديث حسن، يقول النبي ﷺ : (استحيوا من الله حق الحياء. قال: فقلنا: يا رسول الله! إنا نستحيي والحمد لله. قال: ليس ذلك، ولكن الاستحياء من الله حق الحياء أن تحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، وتذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الحياة الدنيا، فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء)، بل إن النبي ﷺ ميز الحياء بمثل قوله: (إن لكل دين خلقاً، وخلق الإسلام الحياء). وهذا الحديث إسناده حسن رواه ابن ماجة والطبراني وغيرهما. وأيضاً ورد في البخاري قول النبي ﷺ : (إن الحياء لا يأتي إلا بخير). إذاً الحياء خلق وصفة في النفس تمنع صاحبها من أن يقع في المعاصي والمحرمات، ولهذا نجد الشاعر يقول: ورب قبيحة ما حال بيني وبين ركوبها إلا الحياء فكان هو الدواء لها ولكن إذا ذهب الحياء فلا دواء وينبغي أن يعلم أن الحياء الذي يحمل الإنسان على أن يتخلق بالأخلاق الحسنة ويبتعد عن الرذائل أن لا يكون مانعاً للإنسان عن قول كلمة الحق والجهر بها. كما أن الحياء لا ينبغي أن يمنع الإنسان عن طلب العلم، ولهذا روى البخاري في صحيحه تعليقاً عن مجاهد ﵀ أنه قال: (لا يتعلم العلم مستحٍ ولا مستكبر). فالمستحي تأتيه المشكلة والمسألة وغيرها ويخجل أن يسأل عنها، فيمنعه حياؤه عن تفهم مسائل العلم فلا يتعلم، والمستكبر هو الذي يأنف بنفسه أن يسأل هذا السؤال، فيمنعه كبره عن تعلم العلم. وهذه الصفة -صفة الحياء- قد تتمثل في بعض الناس بشكل واضح، كـ عثمان بن عفان ﵁ وأرضاه، فإنه قد عرف من حيائه ما عرف، حتى أن النبي ﷺ لما غطى فخذه حين دخل عليه عثمان وسئل: دخل أبو بكر ثم دخل عمر ولم تغط فخذك، فلما دخل عثمان غطيته! قال النبي ﷺ : (ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة) ﵁ وأرضاه.

стр. 58

العدل الصفة الرابعة: العدل. والعدل ورد به القرآن، فجاء مرة بالأمر بالعدل، وجاء مرة باسم الميزان، ومرة باسم القسط، وهذا كله لبيان أن العدل مهم جداً، وهذه صفة برزت وظهرت في عامة أهل الإسلام رحمهم الله تعالى، فتجد عدل الأمراء، ومن منا يجهل عدل عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وأرضاه، الذي كان يعدل في كل أمر من أموره، وعدل بقية الخلفاء الراشدين، وعمر بن عبد العزيز وغيره، وعدل أئمة أهل السنة، تجد الواحد منهم يتمثل بهذه الصفة في جميع أحواله حتى مع أقرب الناس إليه. ففي باب الولاء والبراء -مثلاً- تجده عادلاً، نحن الآن نظراً لأن أخلاقنا مهلهلة نجدنا في باب الولاء والبراء لا نعدل مع الآخرين، فنوالي هذا في الله ونعادي هذا في الله، فنحن مع أقربائنا وأبناء عمومتنا وأولادنا تقودنا العواطف والعلاقات وغيرها، فقد نوالي من لا يستحق الولاء، وقد نعادي من يستحق الموالاة، وكم من شخص تجده بين أقربائه يرحب به ويوسع له في المجالس، ويستقبل إذا جاء، ويودع إذا سافر، وتذبح له الولائم ويحترم ويقدر، ومع ذلك هو من الذين لا يصلون لله ركعة، هل يعقل هذا؟! أين الولاء والبراء؟ تجد هذا الشخص نظراً لأمور وأمور يختلف عندهم المقياس في التعامل معه. وإنما ضربت بهذا المثل لأن العدل في أمور كثيرة، سواء أكان مع الرعية أم في الإنفاق أم في غير ذلك، ولذلك تجد أن كثيراً من الأئمة من خوفهم أن لا يوفوا العدل حقه يستعيذون ويفرون من القضاء، وإلا فالقاضي العادل والإمام العادل إذا اتقيا الله ما استطاعا فإن الله لا يحرمهما الأجر المضاعف. ينبغي أن نعلم أن العدل ليس معناه المساواة في كل شيء، وإنما العدل أن تعطي كل ذي حق حقه، والله فضل المجاهدين على القاعدين بقوله: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى الآية﴾ [النساء:٩٥]. وكذلك كل من كان في باب الولاء والبراء أقرب إلى الله وأتقى لله فإنك تزيده أنت ولاءً ومحبةً في الله، ومن كان أقل فقد يقل عندك الولاء والمحبة له.

стр. 59

ربط القول بالعمل الصفة الثالثة: ربط القول بالعمل. وهو أن يوافق قوله فعله، وأن لا يكون من الذين قال الله فيهم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف:٢]، فتش عن السلف المؤمنين في تاريخهم رحمهم الله تعالى تجدهم يربطون القول بالعمل، إذا قالوا عملوا، ولا تخالف أقوالهم أعمالهم، وهذه سمة مهمة جداً في باب الأخلاق، لا تختص بخلق معين، ولا بصفة معينة، وإنما هي سمة عامة في خلق المؤمن أنه لا يخالف قوله فعله. ولهذا فإن النبي ﷺ -كما في الحديث الصحيح عند مسلم - قال: (لم يكن نبي قط إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يتبعون أمره ويهتدون بسنته، ثم يأتي من بعد ذلك أمراء يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون)، وفي بعض الألفاظ: (ثم يخلف بعد ذلك خلوف، يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون). إذاً هذه سمة من سمات المؤمنين، أن كل قولهم يوافق أفعالهم، ونعلم جميعاً أهمية ذلك التأثير على الآخرين، إذا وجد الإنسان يخالف قوله فعله ترك ولم يتأثر به في هذا الخلق أو في هذه الصفة أو نحو ذلك.

стр. 60

التواضع وشروطه وجوانبه الصفة الثانية: التواضع. والتواضع قد يفهم أحياناً على غير وجهه الصحيح، فيظن أن التواضع خمود وخضوع وفقط، وليس الأمر كذلك، التواضع: هو الخضوع للحق والانقياد له، ولو كان على نفسك. وهو أيضاً: قبول الحق من كل من جاء به ولو كان أقل منك. وهو أيضاً -بعد ذلك- لين الجانب وخفض الجناح. وينبغي أن نعلم! أن التواضع مثل غيره من الأخلاق له شروط، لكن أبرزها شرطان: الأول: الإخلاص. أي: الإخلاص لله في تعاملك، فلا تتخلق بهذا الخلق ليقال كذا، وإنما تتخلق به إخلاصاً لله. الثاني: القدرة. لأن الإنسان قد يتواضع قهراً، لكن يبرز التواضع ويظهر من القادر. ثم بعد ذلك ينبغي أن نعلم أن هذا التواضع يظهر في سلوك وأخلاق المؤمنين من خلال عدة جوانب أشير إليها باختصار: الجانب الأول: التواضع الأعظم والأكبر، وهو الانقياد لما جاء به النبي ﷺ ، سواءٌ أكان في كتاب الله أم في سنة رسوله ﷺ ، وهذا سمة بارزة من سمات المؤمنين برزت على يد أعلام أهل السنة والجماعة. إذا نظرنا إلى بعض أخلاق المستكبرين ممن يقال له: ما أعدله. ما أحسنه. ما أفضله. وليس في قلبه مثقال ذرة من إيمان تجد أمثال هؤلاء إذا أتى أحدهم حديث من رسول الله ﷺ يستكبر، فيقول: الرسول قال هذا في عهود قديمة، وقد تغيرت العصور. أو غير ذلك. نقول: لا. إن من سمات التواضع عند المؤمن أنه يسلم وينقاد لما جاء به الكتاب والسنة، وهذا تواضع. يقول الرسول ﷺ : (إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه، ثم لينزعه، فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء)، وكم من إنسان لا يستسلم للرسول ﷺ حين يسمع مثل هذا الحديث وأشباهه، لكن المؤمن الصادق هو الذي يسلم، فقط يقول: هل صح؟ هل ثبت؟ هل جاء الدليل؟ أما ما عدا ذلك فيسلم بما جاء به الرسول ﷺ في كل أمر من الأمور ولا يعترض. ثم إن المؤمن بعد تسليمه ينتقل إلى العمل بما جاء به كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ولا يعترض على الحديث النبوي بعقله ولا بذوقه ولا بقول شيخه ولا بغير ذلك، وهذا هو التواضع الذي يتسم به المؤمن، لكن تجد المستكبر يأتي ويلوك بعقله وذهنه ليرد حديثاً عن رسول الله ﷺ ، فأين هذا من التواضع؟! بينهما فرق كبير. الجانب الثاني في باب التواضع: تواضع المسلم مع أخيه المسلم. فيقول ﵊: (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يحقره ولا يخذله)، إلى آخر النصوص الواردة في هذا الباب. إذاً تواضع المؤمن لأخيه المؤمن. الجانب الثالث في باب التواضع: قبول الحق ممن جاء به، وهذه قضية مهمة جداً، لو فتشنا في منهج علماء الإسلام رحمهم الله تعالى لوجدنا أنهم كانوا يقبلون الحق ممن جاء به أياً كان، لكن تفتش عن حالنا اليوم فتجد -ولا حول ولا قوة إلا بالله- تغيراً، لا يقبل الحق أبداً إلا إذا جاء من طائفته، أو إلا إذا جاء من أهله، أو إلا إذا جاء من ابن جلدته أو ابن عمه، وهذا كله خلاف التواضع، المؤمن هو الذي يقبل الحق ممن جاء به، جاءك أخوك المسلم بالحق بدليله فاخضع له، وهذه من سمات أئمة أهل السنة والجماعة وأخلاقهم التي تميزوا بها في تطبيقهم العملي وسلوكهم الأخلاقي في حياتهم. الجانب الرابع من جوانب التواضع: قبول العذر من أخيك إذا أخطأ عليك فإذا خالف لك أمراً تقبل عذره، ولا شك أن المؤمن الصادق الذي يحب لأخيه ما يحب لنفسه هو الذي يبحث لأخيه عن العذر، وذلك فيما أخطأ به عليه، لكن ما كان خطؤه للأمة فإن الإنسان يبين الحق بدليله ولا ضير في ذلك، وقد كان العلماء رحمهم الله تعالى يناقش بعضهم بعضاً، ويرد بعضهم على بعض في مسائل من العلم، ولم يكن يهجر بعضهم بعضاً، إلا إذا كان هناك سبب من بدعة أو غير ذلك.

стр. 61

السمات الإيجابية في سلوك المؤمن وأخلاقه هناك بعض السمات التي تميز بها المؤمن في الأخلاق، ومن هذه السمات: الإيجابية والإيجابية في سلوك المؤمن هي التي تجعله يحب المتعة للآخرين، ولا يكون أنانياً لا يريد الخير إلا لنفسه، وإنما تنظر إليه فتجده دائماً يحب الخير للناس، هذه العلامة الأولى من علامات إيجابيته. أيضاً من علامات الإيجابية البارزة فيه أنك تجده يحرص على التيسير على الناس، وهذه ناحية إيجابيه في خلق المسلم، ولا يعني ذلك أنه يتعدى الحق والدليل من أجل أن ييسر على الناس، لا، هذا عبث في دين الله لا يرضى به الإسلام. والنبي ﷺ ما خير بين أمرين إلا أختار أيسرهما، ويقول ﵊: (يسروا ولا تعسروا)، ولذلك تجد أن من منهج الإسلام في باب أصول الفقه أنه لا يقصد إلى المشقة، وبعض الناس يخطئ في هذا، ويخلط بين هذا وبين القول بأن الأجر على قدر المشقة. هناك أمور وعبادات لا تأتي إلا بمشقة يؤجر عليها، لكن الإسلام لا يقصد أولاً المشقة، فمثلاً: حينما تريد أن تزور أخاك، وهو -مثلاً- في العلية فالإسلام لا يقول لك: اذهب واتجه إلى جهة الجنوب، ودر في الرياض دورتين ثم اذهب إلى أخيك بعد ساعة من أجل أن تكون وصلت إليه بعد مشقة، لا، وإنما تأخذ أيسر السبل في الوصول إلى أخيك، إلا ما كان من أمر فيه عبادة دعا الإسلام أو الشرع إليه، ولذلك تجد من خلق المؤمن أنه يؤثر على الناس حتى بطريقة تعامله، فالرسول ﷺ ما كان فاحشاً ولا متفحشاً، فنظافة اللسان وحسن الأدب والتعامل الطيب مع إخوانك المؤمنين لا شك أنها ناحية مؤثرة، تجعل الإنسان يتأثر بسهولة وبسرعة. أيضاً منها: أن الأخلاق الإسلامية تقوى وتتناسق عند المؤمن، حتى تكاد أن تكون من طبعه، فيصبح خلقاً ثابتاً مستقراً، ولذلك تجد أن الإنسان الذي يتربى على الصدق يصبح صدوقاً، حتى إذا حكي عنه شيء مما يتعلق بما يقول يقال: فلان لا يمكن أن يقول هذا؛ لأنه رجل صادق. فتصير سمة بارزة معروفة عنه. وأبو بكر ﵁ وأرضاه سمي بـ الصديق، فلو جاء إليه شخص ليقول: إن الرسول ﷺ فعل كذا فما تتوقع رد فعل أبي بكر؟ رد الفعل البدهي أنه سيصدق، وهكذا في بقية الأخلاق الإسلامية تتحول إلى سلوك مستمر ثابت يتميز به هذا الشخص، وهذه واضحة جداً. ثم إن سلوك المؤمن سلوك متكامل لا يطغى فيه جانب على جانب، وهذه سمة مهمة جداً، تجد عند المؤمن الشجاعة، وتجد عنده التواضع، وتجد عنده الحياء، وتجد عنده القوة في الحق، وتجد عنده الذلة لأخيه المؤمن، فهو خلق متكامل، هذا التكامل في الخلق هو الذي يجعل الإنسان داعية إلى الله بأخلاقه، والرسول ﷺ لما لقيه أحد الصحابة قبل أن يسلم قال: (فلما رأيت وجهه علمت أنه ليس بوجه كذاب). إذاً هذه السمة تبرز في خلق المؤمن إذا تخلق بها. ثم إن الحب في الله والبغض في الله يتمثل في أخلاق عديدة، في تعامل المسلمين مع إخوانهم، في إيثارهم، وإفشاء السلام لهم، والتبسم في وجوههم، والقصد في الحب والبغض. وأحب أن أقف عند عدم المبالغة في الحب والبغض قليلاً، أقول: قد ورد في ذلك حديث عن النبي ﷺ جاء في صحيح الجامع الصغير، يقول فيه النبي ﷺ : (أحبب حبيبك هوناً ما، عسى أن يكون بغيضك يوماً ما، وأبغض بغيضك يوماً ما عسى أن يكون حبيبك يوماً ما)، وهذا توسط، لكن بعضهم إذا أحب غالى، وإذا كره وأبغض غالى، وقد يكون هذا في إخوانه المؤمنين، لا، كن معتدلاً، ولا يكون الاعتدال إلا من التوازن في نظرتك لأخيك المؤمن، انظر إلى أخيك المؤمن بكامله، قد تجد عنده من الأخلاق الفاضلة كذا وكذا وكذا، فأحبه لأجلها، وقد تجد عنده خلقاً غير فاضل، فأبغضه من أجله، لكن بعض الناس يجعل هذا الخلق السيئ وكأن أخلاقه كلها صارت سيئة، فيبغضه بغضاً تاماً، وبالعكس قد تجد من أهل الفسق وغيرهم عنده خلق فاضل فتحبه لأجل هذا الخلق وتنسى فسقه وفجوره وأموره الأخرى. التوازن الشرعي في هذا مطلوب؛ لأن هذا هو قاعدة الولاء والبراء، أن تحب المؤمن على قدر إيمانه، وأن تبغضه إذا كان مرتكباً لمعصية على قدر معصيته. وحتى لا نطيل نقف عند هذا في بيان بعض هذه الجوانب. ولا شك أن من أراد أن يكون خلقه إسلامياً أن عليه أن يجاهد نفسه بأمور: أولاً: بالعلم. باب العلم قبل القول والعمل، فيعلم ما هي أخلاق الرسول ﷺ وما هي الأمور التي أمر بها فيتعلمها ويمتثلها، ثم بعد ذلك يعمل فيجاهد نفسه في الاتباع والعمل وتمثل الأخلاق، ليعلم الإنسان المؤمن أنه حينما يمتثل الأخلاق الإسلامية فإن الله يوفقه ويكتب له القبول. أسأل الله أن يجعلنا ممن تمثل الأخلاق الفاضلة وتمسك بها قاصداً بها وجهه الكريم، كما أسأله أن يعيذنا من سيئ الأخلاق. اللهم! وفقنا لما تحبه وترضاه في أقولنا وأفعالنا وأمورنا كلها. اللهم! إنا نعوذ بك من فتنة القول وفتنة العمل. والله أعلم.

стр. 62

الأسئلة

стр. 63

أهمية التربية بالقدوة والتأثير بها السؤال ما مدى أهمية التربية بالقدوة كمصدر من مصادر اكتساب الأخلاق الحميدة، أرجو بيان ذلك نظراً لإغفال الكثير لهذا الجانب في وقتنا الحاضر؟ الجواب لا شك أن القدوة أساس في التأثير، والإسلام انتشر في مشارق الأرض ومغاربها بالقدوة، فقد كان المسلمون من الصحابة ومن غيرهم في تعاملهم مع الآخرين في شتى أمور الحياة كان الواحد منهم قدوة، وكم من إنسان دخل في هذا الدين بسبب تأثره بخلق واحد من أخلاق المؤمنين، ولذلك تجد أن الإنسان قد يتأثر بموقف عملي أكثر بكثير مما لو ألقيت عليه عدة خطب أو قرأ عدة كتب، فالقدوة لها أساس، والإنسان الذي يقتدي بغيره إنما يقتدي به لأنه رأى الخلق متمثلاً به عملياً، وهذا التمثل العملي هو أن يوافق قوله فعله، أي: أن يكون قدوة.

стр. 64

إرشادات إلى كتاب في الأخلاق السؤال ما هو أحسن كتاب في الأخلاق؟ الجواب لا أذكر كتاباً؛ لأن الكتب التي ألفت في باب الأخلاق كتب قد يكون عليها ملاحظات، فمثلاً: (أدب الدنيا والدين) للماوردي جيد يستفاد منه، لكن ليس منهجه متكاملاً من جهة الثبات على الكتاب والسنة في صفائها. كذلك الغزالي في (إحياء علوم الدين)، يتحدث عن بعض جوانب الأخلاق، لكن تجد عنده نقصاً كبيراً في أخلاق مهمة، كما تجد فيه أيضاً أحاديث ضعيفة ونحو ذلك. وحاول بعض طلبة العلم أن يجمع رسائل في باب الأخلاق، كرسالة (التواضع)، ورسالة (الحب في الله والبغض في الله) ونحو ذلك. أقول: إن هذه الرسائل التي تجمع على الدليل وتمحيص الأحاديث الواردة عن النبي ﷺ وبيان صحيحها من ضعيفها هي مصدر جيد. علماً بأن الأساس للأخلاق هو ما جاء في كتاب الله وفيما صح من سنة رسوله ﷺ ، خاصةً في الصحيحين ونحوهما. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

стр. 65

طرق معالجة الحدة وسرعة الغضب السؤال كيف يتغلب المسلم على حدة الطبع وسرعة الغضب والغلظة في القول أو العمل، وكيف يجعلها تنقلب إلى خلق حسن؟ الجواب بعض الناس يروي حديثاً ضعيفاً عن النبي ﷺ معناه أن الرسول ﷺ قال: (الحدة تعتري كبار علماء أمتي) أو نحو ذلك؛ لأن بعض الناس إذا شاهد أحداً عنده حدة جاء يستشهد بهذا الحديث الضعيف. فالحدة ليست خلقاً فاضلاً، فإذا كان الإنسان في خلقه حدة فعليه أن يبحث عن أنواع العلاجات التي يعالج بها هذا الخلق، والنبي ﷺ أوصى الرجل المغضب بأن يتوضأ وأن يتعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فتحاول في مواقف أن تجعل لنفسك وقفة تراجع فيها نفسك عند الغضب بحيث تنتقل من حالة إلى حالة، وهذا الانتقال يعطي الإنسان فرصة للتراجع، واسأل ربك ﵎ وادع أن يخفف عنك هذه الحدة.

стр. 66

حكم من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر مع مخالفة قوله فعله السؤال هل يمنع من يخالف قوله فعله أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر؟ الجواب هذه المسألة تكلم فيها العلماء رحمهم الله تعالى، وقالوا عند كلامهم عن صفة الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر: إنه يجب أن يكون ممن يوافق قوله فعله. وذكروا أيضاً رحمهم الله تعالى أن كونه لم يعمل لا يعذر به؛ لأن أمره بذلك هو أمر واجب؛ لأنه قد أوجب الله عليه أن يأمر بالمعروف وأن ينهى عن المنكر، أما فعله هو لذلك فهو أمر آخر منفصل عنه، هكذا قال العلماء، وينبغي أن نعلم جميعاً أن من تمام التأثير في الآخرين، ومن الأمور التي هي سبب لامتثالهم لما تأمرهم به وانتهائهم عما تنهاهم عنه أن تكون ممن يعمل بما يقول، لكن لا يمنعك عدم عملك به من أن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر.

стр. 67

تسلط الملاحدة من أسباب تسلط الفلاسفة والباطنية على المسلمين: دخول أهل الكلام من المعتزلة والأشاعرة في تأويل آيات الصفات وتحريفها، مما جعل الفلاسفة يؤولون آيات المعاد من بعث وجنة ونار ونعيم وعذاب، فهم ينكرون وقوع هذه الأشياء من أساسها، فكان لزاماً علينا أهل السنة أن نبين بطلان منهج المتكلمين من المعتزلة والأشاعرة، ومنهج الفلاسفة والباطنية، وأن ننشر المنهج الحق الذي هو منهج السلف الصالح من الصحابة ومن بعدهم في العالمين، فلا ندع بيت مدر ولا وبر إلا ونشرناه فيه.

стр. 68

المتكلمون هم سبب تسلط الملاحدة والفلاسفة والباطنية على المسلمين الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن سار على نهجهم واهتدى بهداهم واقتفى أثرهم إلى يوم الدين. أما بعد: فدرسنا في هذه الليلة هو بعنوان: لماذا تسلط الملاحدة والفلاسفة والباطنية على المسلمين؟ أقول: يا أيها الإخوة! إن المتأمل لقضية تاريخ عقيدة هذه الأمة وتاريخ الفرق والطوائف يجد أن هناك سؤالاً محيراً خلاصته: أن هناك حركات باطنية إسماعيلية أو قرمطية ملحدة، وهناك أيضاً فلاسفة أنكروا النبوات وقالوا بقدم العالم، وأنكروا البعث بعد الموت، إلى غير ذلك من الأمور التي هي مصادمة للإسلام وللعقيدة الإسلامية مصادمة ظاهرة. المتأمل فيها يجد أن هذه الحركات الفلسفية والباطنية كانت تقوم على صريح الكفر والإلحاد وتعطيل الشرائع، فكيف وجدت لها موطئ قدم بل أتباعاً بين المسلمين؟! وكيف لا تمضي فترة على شهرة الفيلسوف إلا وقد صار له أتباع وتلاميذ؟! وكيف قامت الدولة الباطنية المسماة بالفاطمية وأرسلت دعاتها في مختلف أقطار العالم الإسلامي ليدعوا إلى نحلتهم، ثم بعد ذلك يجد هؤلاء الدعاة إلى ذلك المذهب الباطني من يستجيبون لهم؟ صحيح أن كثيراً من هؤلاء يستخدمون أساليب ملتوية، ويتظاهرون بالتشيع ومحبة آل البيت والرفض، ويقصدون أنواعاً من المناطق لا تخلو من وجود من يتستر بالزندقة. أيها الإخوة! هذا السؤال الذي طرحته قبل قليل يجب أن نقف عنده وقفة، وخلاصة الأمر كيف وجد في عالمنا الإسلامي مكان لتلك الدعوات الإلحادية؟ وكيف صار لها دعاة وأتباع؟ إن الجواب على ذلك يقتضي منا وقفة مع قضية من القضايا الكبار في تاريخ العقيدة الإسلامية، ألا وهي أن نماذج المتكلمين الذين دخلوا في قضايا كلامية ومنطقية وفلسفية، ثم دخلوا في باب التأويل من أوسع أبوابه ونسبوا ذلك إلى الإسلام، إن هؤلاء كانوا من أهم الأسباب التي أدت إلى تسلط أولئك الفلاسفة والباطنية على الأمة الإسلامية. فالفيلسوف أو القرمطي لن يجد المشقة في إقناع أتباعه بما عنده من سفسطة أو قرمطة، إذا أطلعهم على أقوال وتأويلات هؤلاء المتكلمين، وقد يكون فيهم من هو من فقهاء الأمة وأعلامها وسيجد عنده مقالات عجيبة، وتلك المقالات التي نهجها أولئك المتكلمون فتحت الطريق لأولئك الفلاسفة والقرامطة، ودخلوا من ذلك الباب وانتهى بهم الأمر إلى ما سبق ذكره قبل قليل من أقوال إلحادية كفرية لا يقبلها أحد أبداً.

стр. 69

أسباب ابتداع أهل الكلام للمناهج العقلية الكلامية المنحرفة أيها الإخوة: أريد أن أبين هذه القضية بعد أن قدمت هذه المقدمة من خلال شرح هذه المسألة من أساسها. نحن نعلم أن السلف الصالح رحمهم الله تعالى كان لهم منهج واضح محدد في التعامل مع النصوص، ومع قواطع العقيدة وضوابطها، ولهذا تجد منهجهم واحداً لم يتغير، فمنهج السلف في القرن الثاني أو الخامس أو العاشر أو الخامس عشر هو واحد؛ لأن الأصول والمنطلقات واحدة. لكن الذي وقع بالنسبة لهؤلاء المتكلمين هو أنهم ابتدعوا مناهج عقلية وطرقاً كلامية لتأييد العقيدة أو لإيضاحها أو نحو ذلك، وهذا لا يكاد يخلو منه أحد من أهل الكلام، ومن ثم فإنهم استعاروا بعض أصول الفلاسفة، ثم جاءوا ليدرسوا نصوص العقيدة وقضاياها من خلال تلك الأصول. ودعوني أضرب لكم مثالاً واحداً يبين كيف دخلوا من خلال تلك الأصول: أرادوا أن يثبتوا أن هذا العالم حادث، ونحن نعلم أن منهاج القرآن في ذلك منهج واضح جلي، ألا وهو الاستدلال بنفس المخلوقات على الخالق، أي: أن هذا الكون لابد له من خالق، وهذه قضية بدهية يعرفها الجميع، يقول الأعرابي: البعرة تدل على البعير، والأثر يدل على المسير، ثم يقول: سماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج، ألا يدل ذلك على العليم الخبير؟! هذه بدهية. ومن ثم تجد أن القول بالأسباب حتى عند الأطفال، فلو أنك كنت عند طفل عمره ثلاث سنوات ثم ضربته على حين غفلة منه، ثم جاء يبحث عن الضارب، فلو قلت لهذا الطفل الصغير: لم يضربك أحد هل سيصدق؟ لا يمكن أن يصدق، سيقول لك: لابد أن يكون هناك أحد ضربني. إذاً: الاستدلال بنفس المخلوقات، كما قال تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور:٣٥]، الاحتمالات ثلاثة: إما أن يكونوا خلقوا من غير شيء، أو يكونوا هم الخالقين لأنفسهم، وهذان الاحتمالان باطلان، فبقي الاحتمال الثالث الصحيح ألا وهو: أن لهم خالقاً خلقهم، هذا المنهج الصحيح.

стр. 70

خطأ المتكلمين في الاستدلال بصفات الأجسام على حدوث العالم فجاء أولئك المتكلمون ليأخذوا بمنهج آخر في إثبات حدوث العالم وليقولوا: إن حدوث العالم إنما دلت عليه صفات الأجسام، أي: كون هذه الأجسام فيها صفات من تغير وتنقل واستحالة ونحوها، ومن ثم فهي حادثة، ومعنى ذلك: أننا نستدل على أن القمر مخلوق بأن هذا القمر يتحرك، ونستدل على هذه الأرض بأنها مخلوقة أنها تسبح في هذا الكون وكذا الشمس وكذا غيرها. فاستدلوا بصفات الأجسام على أنها مخلوقة، وقالوا: كل جسم تحدث فيه صفات ومتغيرات فهو حادث. قد يقول الإنسان وهو ينظر إلى هذا الدليل: إن هذا فيه شيء من الصحة، لكن في الحقيقة هو باطل، وفتح عليهم باباً عظيماً جداً من أبواب الضلالة؛ لأن هؤلاء قيل لهم: هل هذا هو الدليل الوحيد على حدوث العالم، وأن الأعراض إذا حلت في الأجسام دلت على أن الأجسام حادثة؟ قالوا: نعم، فجاءهم بعض المنحرفين من المتفلسفة وغيرهم وقالوا لهم: إذاً ماذا تقولون في صفات الله وصفات الله أعراض؟ إن قلتم إن هذه الصفات تقوم بالله، فيقوم به صفة العلم وصفة الإرادة وصفة الخلق وصفة الاستواء وصفة المجيء وصفة الضحك وصفة المحبة وغير ذلك من الصفات الواردة؛ فيلزمكم على هذه القاعدة أن يكون الله جسماً، وأن يكون حادثاً فينتقض عليكم أصلها، أنتم أردتم أن تثبتوا أن الله أزلي، وتثبتوا أن ما سواه مخلوق، وأن هذا الكون حادث، فعلى أصلكم هذا انتقض عليكم الدليل، وصار مجالكم مجال المدافعة، لتنفوا عن الله أنه جسم لئلا يكون حادثاً. وفعلاً صدقوا بهذه المناقشة، فقالت المعتزلة: إذاً لا يتم الدليل إلا بنفي الصفات عن الله؛ لأننا لو أثبتنا الصفات لله لكان مثل الأجسام فيكون حادثاً، فنفوا عن الله جميع الصفات. وجاءت طائفة أخرى وهم الأشاعرة والكلابية فقالوا: نفرق بين الصفات الذاتية وبين الصفات الفعلية. فالصفات الذاتية لا نسميها أعراضاً ونثبتها لله، كالعلم والإرادة والقدرة والسمع والبصر ونحوها، أما الصفات الفعلية التي يفعلها ربنا متى شاء إذا شاء، مثل خلقه للسماوات والأرض، ومثل كونه يتكلم إذا شاء متى شاء، ومثل كونه استوى على العرش، ومثل كونه يجيء يوم القيامة، ومثل كونه يحب عبده هذا اليوم إذا أطاع ويغضب عليه غداً إذا عصى؛ قالوا: هذه صفات أفعال تدل على تغيرات فننفيها عن الله . وبذلك نفوا الصفات من خلال دليل عقلي استمدوه من غيرهم، ولو أنهم أخذوا بالدليل الصحيح لما احتاجوا إلى مثل هذا، ولما وقعوا في هذه الورطة التي أوقعوا بها أنفسهم من خلال أخذهم بمناهج غريبة، ولهذا السبب نفسه أيضاً نجد أن هؤلاء المتكلمين ردوا نصوصاً كثيرة صريحة من أجل تلك الأصول العقلية. أيها الإخوة! بما أن الأدلة تدل على علو الله وأنه فوق خلقه، وأنه على العرش استوى، وهذه الأدلة كثيرة جداً تبلغ المئات، بل تزيد عليها في كتاب الله وفي سنة رسوله ﷺ ، وتدل دلالة صريحة على أن الله في السماء، وأنه بائن من خلقه، ومع هذا كله جاء هؤلاء بأدلة عقلية وشبه وهمية فقالوا: إن القول بأن الله فوق العالم باطل، وتأولوا هذه النصوص الصريحة كلها وردوها، ثم إذا قيل لهم: إذا كنتم تنكرون أن يكون الله فوق العالم، فأين الله؟ فقال بعضهم: إن الله في كل مكان، وهذا شبيه بقول الحلولية إن الله في كل مكان، إذاً: ربنا لا يتميز لا بذات ولا بصفات. وقال بعضهم قولاً لا يقبله عقل، قال: إن الله لا داخل العالم ولا خارجه، فقيل لهم: هذا مستحيل، إن الله إذا لم يكن داخل العالم فهو خارج العالم، وإذا لم يكن خارج العالم فهو داخل العالم، فكيف يكون لا داخل العالم ولا خارجه؟! هذا لا يقبله عقل. وهكذا تأولوا نصوص الصفات كالاستواء والوجه واليدين والمحبة والرضا وغير ذلك، وتألوا نصوص العلو، وتأول بعضهم نصوص الرؤية وقال: إن الله لا يرى كما هو مذهب المعتزلة، فلما أعملوا في النصوص تأويلاً تسلط عليهم الفلاسفة والقرامطة وقالوا لهم: أيضاً نحن نعمل في النصوص تأويلاً، فقال الفلاسفة: أنتم تأولتم نصوص الصفات وهي كثيرة، فنحن أيضاً نتأول نصوص المعاد الواردة في القرآن، فنقول: إن المعاد غير حقيقي وإنما هو وهم.

стр. 71

احتجاج الفلاسفة على المتكلمين في التأويل تأول الفلاسفة نصوص المعاد على أحد وجهين: إما أن المعاد من الأساس كذب، كما يقول الله سبحانه عن الدهرية: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية:٢٤]، كيف ذلك؟! قالوا: إنما كذب الأنبياء لأجل إصلاح الناس، فهم يقولون لهم: إن فعلتم كذا فلكم جنان وكذا، حتى تتحسن أخلاقهم، وإلا فلا جنة ولا نار ولا عتاب ولا حساب ولا عقاب، كما يفعل الإنسان مع الطفل أحياناً حينما يعده بمواعيد يعلم أنها لن تتحقق، يريد أن يصلح من حاله الآن. وقسم آخر من الفلاسفة قالوا: المعاد يكون للروح، أما المعاد الجسماني، والجنان والنعيم، والنساء، والأكل والفواكه والطير وغير ذلك مما هو مذكور تفصيله في كتاب الله، وكذلك أيضاً بالنسبة لعذاب النار؛ هذه كلها لا حقيقة لها، والنعيم ما هو إلا نعيماً نفسياً روحياً فقط، أما المعاد الجسماني فلا، هذا هو قول الفلاسفة. فرد عليهم أهل السنة والمتكلمون وغيرهم وقالوا لهم: إن تأويل نصوص المعاد كفر وإلحاد بالله ؛ لأن الإيمان باليوم الآخر من أصول الأيمان، فمن أنكر حشر الأجسام وأنكر أن الله يبعث الناس يوم القيامة فهو كافر خارج عن دائرة الإسلام، فقال لهم الفلاسفة: ولماذا تكفروننا؟ قالوا: لأنكم تأولتم النصوص الصريحة في كتاب الله، فقالوا لهم: وأنتم أيضاً أيها المتكلمون في باب الصفات تأولتم النصوص الصريحة في كتاب الله. فلماذا تبيحون لأنفسكم التأويل ولا تبيحون لنا التأويل؟ كما يقول ابن القيم: ألكم على تأويلكم أجران ولنا على تأويلنا وزران تقول الفلاسفة للمتكلمين: إذا كانت نصوص الصفات على غير ظاهرها، كما في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، وأنتم تؤولونها وتقولون: استوى بمعنى استولى. وقول الله : ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر:٢٢]، وأنتم تقولون: الذي يأتي هو ملك، وهكذا بقية النصوص تتأولونها على غير ظاهرها، وتأتون لها بتأويلات بعيدة جداً، فنحن أيضاً نأتي إلى نصوص الجنة والنار فنتأولها تأويلات بعيدة جداً. انتبهتم إلى المأزق الذي أوقع فيه الفلاسفة أهل الكلام؛ لأنهم قالوا لهم: إذا كنتم قد أعملتم في بعض النصوص تأويلاً وأبحتم لأنفسكم ذلك، فلماذا لا تبيحون لنا نحن ذلك؟ ما الفرق بيننا وبينكم؟ إن قلتم: نصوص المعاد صريحة، قلنا لكم: ونصوص الصفات أيضاً صريحة، إن قلتم: يمكن تأويل نصوص الصفات دون المعاد، قلنا لكم: ويمكن تأويل نصوص المعاد أيضاً كما يمكن تأويل نصوص الصفات. أيها الإخوة! لقد فتح هؤلاء المتكلمون لأولئك الفلاسفة ذلك المدخل والباب المنحرف فتأولوا تلك النصوص، وجاء بعدهم إخوانهم الباطنية والقرامطة فلم يكتفوا بتأويل الصفات، وإنما أولوا نصوص الشريعة كلها، فقال هؤلاء: إن المقصود بالحج هو زيارة الأئمة، وإن المقصود بالصيام هو كتمان أسرار الدعوة، وإن المقصود بقوله: ﴿أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة:٦٧] عائشة ﵂، وأعملوا في نصوص الشريعة تأويلاً منحرفاً باطلاً، فقيل لهم: هذا إلحاد وزندقة وباطل، بل النصوص قاطعة في أن الصلاة والزكاة والحج والصيام ونحوها أمور معروفة في الشريعة الإسلامية، فقال أولئك الباطنية: نحن تأولنا كما تأولتم أيها المتكلمون. إذا قلتم: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] استوى بمعنى استولى، فنحن أيضاً نتأول الصيام، فنقول: إن المقصود بالصيام هو الإمساك عن كشف أسرار الدعوة، وبهذا فتح المتكلمون أيضاً للباطنية والقرامطة باباً دخلوا منه وهو باب التأويل.

стр. 72

الآثار المترتبة على تأويلات أهل الكلام لآيات الصفات يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: فإن غلط هؤلاء المتكلمين مما سلط أولئك الفلاسفة، وظنوا أن ما يقوله هؤلاء وأمثالهم هو دين المسلمين، أو قول الرسول وأصحابه. لو أن الفلاسفة والباطنية ظنوا أن هؤلاء المتكلمين منحرفون عن الجادة لكان الأمر يسيراً، لكن المشكلة أنهم ظنوا أن هذا الذي يقوله أهل الكلام هو الدين الحق، وهو الذي يقوله عامة المسلمين وأئمة المسلمين، بل هو قول النبي ﷺ وأصحابه. يعني: كأن هؤلاء المتكلمين ينسبون عقائدهم وتأويلاتهم إلى رسول الله ﷺ وأصحابه، كأن الرسول هو الذي يتأول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، وهو الذي يتأول: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥]، وهو الذي يتأول بقية الصفات تلك التأويلات العجيبة. إذاً: أولئك الفلاسفة ظنوا أن ما يقوله هؤلاء فعلاً هو الذي جاء به الرسول صلى الله وسلم، فإذا كان فعلاً هو الذي جاء به الرسول ﷺ ، إذاً هذا التأويل الذي تأوله وحكاه من بعده يجيز لنا نحن أن نتأول تلك النصوص بتأويلات أخرى، ولو كانت هذه التأويلات بعيدة؛ لأنها ليست بأبعد من تأويلات المتكلمين. ولذا يقول شيخ الإسلام بعد ذلك: ولهذا كانت مناظرة ابن سيناء هي للمعتزلة، ومناظرة ابن رشد الفيلسوف للكلابية الذين هم شيوخ الأشعرية، وكانوا إذا بينوا فساد بعض ما يقوله متبعة أهل الكلام يظنون أنه لم يبق حق إلا ما يقولونه هم، مع أن ما يقوله مبتدعة أهل الكلام فيه خطأ مخالف للشرع والعقل، لكن ما تقوله المتفلسفة في الإلهيات والنبوات والمعاد والشرائع أعظم من خطأ المتكلمين. هذا كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه ((نقض المنطق)) مطبوع الجزء الأول صفحة (٢٢٣). ومعنى كلام شيخ الإسلام ابن تيمية أننا حينما نقول: إن المتكلمين كانوا سبباً في تسلط الفلاسفة، إنما نبين قضية التأويل الباطل وإلا فهؤلاء المتكلمون أفضل من الفلاسفة، وكلام أولئك الفلاسفة باطل من جميع الوجوه، فلا مقارنة بين الفلاسفة والمتكلمين. وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في معرض ذكره لقصة تسلط الحركات الباطنية في العالم الإسلامي، على إثر مقالات أهل الكلام وهو يتحدث عن الدليل الذي جاء به المعتزلة والأشعرية وغيرهم وهو حدوث الأجسام يقول: فطريقتهم -أي: طريقة المعتزلة والأشاعرة التي أثبتوا بها أنه خالق للخلق مرسل للرسل- إذا حققت عليهم وجد لازمها أنه ليس بخالق ولا مرسل، فيبقى المسلم العاقل إذا تبين له حقيقة الأمر متعجباً كيف انقلب العقل والسمع على هؤلاء! ولهذا تسلط عليهم بها أعداء الإسلام من الفلاسفة والملاحدة وغيرهم لما بينوا أنه لا يثبت بها خلق ولا إرسال، فادعى الفلاسفة قدم العالم، وأثبتوا موجداً بذاته، وقالوا: إن الرسالة فيض يفيض على النبي من جهة العقل الفعال، لا أن هناك كلاماً تكلم به الله تعالى وأنه قائم به، وكان في الوقت الذي أظهرت الجهمية مقالتهم الأولى وامتحنوا أئمة الإسلام كـ أحمد بن حنبل وغيره، قد ظهر أصل كلمة هؤلاء الملاحدة الباطنية باطناً؛ وذلك في خلافة المأمون ثم المعتصم، وتجدد بعد ذلك من الحوادث العظيمة التي كانت في الإسلام في أثناء المائة الرابعة ما يطول شرحه، مما تتزلزل به أقطار البلاد الإسلامية. وما يشير إليه بالمائة الرابعة يقصد به نشوء الدولة العبيدية الباطنية، وأيضاً أحداث القرامطة الخطيرة التي وقعت في العالم الإسلامي.

стр. 73

ردود أهل الكلام على الفلاسفة والباطنية وبطلانها سأضرب لكم مثالاً على كيفية معالجة المتكلمين لهذه القضية، فإن أشهر المتكلمين أبو حامد الغزالي وهو من الأشاعرة والصوفية، وأبو حامد الغزالي أيضاً من أشهر العلماء في الرد على الفلاسفة والرد على الباطنية؛ فإن له كتابين من أشهر الكتب: أحدهما اسمه: ((تهافت الفلاسفة)) والثاني اسمه ((فضائح الباطنية)). أبو حامد الغزالي ﵀ في أحد كتابيه ينقض على الفلاسفة مذهبهم، وفي الثاني ينقض على الباطنية مذهبهم، والكتابان موجودان مطبوعان، فماذا قال في ((تهافت الفلاسفة)) عن قضية البعث وحشر الأجساد، وهو يرد على هؤلاء الفلاسفة ويبين كفرهم بذلك؟ يقول أبو حامد الغزالي: فإن قيل ما ورد في الشرع -أي: من نصوص المعاد- أمثال ضربت على حد أفهام الخلق، كما أن الوارد من آيات التشريف وأخباره أمثال على حد أفهام الخلق، والصفات الإلهية مقدسة عما يتخيله عوام الناس. المقصود بآيات التشريف آيات الصفات. يقول الغزالي: والجواب أن التسوية بينهما تحكم، بل هما يفترقان من وجهين: أحدهما: أن الألفاظ الواردة في التشبيه تحتمل التأويل على عادة العرب في الاستعارة، وما ورد في وصف الجنة والنار وتفصيل تلك الأحوال بلغ مبلغاً لا يحتمل التأويل، فلا يبقى إلا حمل الكلام على التلبيس بتخييل نقيض الحق لمصلحة الخلق؛ وذلك ما يتقدس عنه منصب النبوة. الثاني: أن أدلة العقول دلت على استحالة المكانة والجهة والصورة ويد جارحة وعين جارحة وإمكان الانتقال والاستقرار على الله . ما هذه التي أشار إليها الغزالي؟ إنها صفات الله، يقول: العقول دلت على أن هذه الصفات مستحيلة، فيستحيل أن يكون الله على العرش استوى، أو أن يكون في العلو، أو أن يكون له يدان أو أن له عيناً كما ورد بذلك النصوص، أو أنه ينزل إلى سماء الدنيا كل ليلة، إلى غير هذا، فوجب التأويل بأدلة العقول، وأما ما ورد من أمور الآخرة فليس محالاً في قدرة الله تعالى، فيجب إجراؤه على ظاهر الكلام، بل على فحواه الذي هو صريح فيه، هذا جواب أبي حامد الغزالي. ويقول في كتابه ((فضائح الباطنية)) وهو يرد على الباطنيين الذين يتأولون النصوص: فإن قيل: فهلا سلكتم هذا المسلك في التنزيلات الواردة في صفات الله تعالى من آية الاستواء وحديث النزول ولفظ القدم إلى غير ذلك من أخبار لعلها تزيد على ألف، وأنتم تعلمون أن السلف الصالحين ما كانوا يؤولون هذه الظواهر، بل كانوا يجرونها على الظاهر، ثم إنكم لم تكفروا منكر هذه الظواهر بل اعتقدتم التأويل وصرحتم به؟! انظر إنها عبارات قوية، فماذا يقول أبو حامد الغزالي جواباً على هذا الكلام؟ يقول: قلنا: كيف تستتب هذه الموازنة والقرآن مصرح بأنه ليس كمثله شيء، والأخبار الدالة عليه أكثر من أن تحصى، ونحن نعلم أنه لو صرح مصرح فيما بين الصحابة بأن الله تعالى لا يحويه مكان ولا يحده زمان، ولا يماس جسماً، ولا ينفصل عنه بمسافة مقدرة وغير مقدرة، ولا يعرض له انتقال وجيئة وذهاب وحضور وأفول، وأنه يستحيل أن يكون من الآفلين والمتنقلين والمتنكرين إلى غير ذلك من نفس صفات التشبيه لرأوا ذلك عين التوحيد والتنزيه. ولو أنكر الفلاسفة الحور والقصور والأنهار والأشجار والزبانية والنار لعد ذلك من أنواع الكذب والإنكار، ولا مساواة بين الدرجتين. خلاصة رد الغزالي: أن نصوص الصفات محتملة، أما نصوص المعاد فهي كثيرة بحيث بلغت مبلغاً لا يحتمل التأويل، ثم إن أدلة العقول عنده أوجبت تأويل نصوص الكتاب، أما نصوص المعاد فلا تؤول؛ لأنها لا تخالف أدلة العقول. لكن الفلاسفة يقولون: لا فرق بين هذه وهذه، أنت أيها الغزالي قلت: إن النصوص الواردة في الصفات تزيد على ألف نص، فكيف سمحت نفسك بتأويلها ثم كفرتنا لما تأولنا نصوص المعاد؟! ولهذا تجد أن أبا حامد الغزالي عندما رد عليهم رد عليهم بكلام غير ذكي؛ لأن الفيلسوف سيقول له: تلك النصوص أيضاً كان السلف الصالح قبلكم يثبتونها ولا يتأولونها، وكانوا أيضاً لا يتأولون نصوص المعاد فمنهجهم واحد، فأنت أيها المتكلم كيف تأولت هذه النصوص التي تعد بالمئات، ثم منعتنا من تأويل نصوص المعاد؟ ثم سيقول له الفلاسفة: إذا قلت: إنه يستحيل أنه يكون لله صفة كذا وكذا من الصفات الواردة، كذلك أيضاً نحن نقول: يستحيل أن يكون هناك جنة ونار وبعث وغير ذلك، بل نقول: يستحيل أن الله يرى يوم القيامة، وقد قال به إخوانكم المعتزلة. إذاً: ما هو الغرض من هذا أيها الإخوة؟ الغرض من هذا بيان أن منهاج المتكلمين حماقة في باب التأويل؛ لأنهم تأولوا النصوص تأويلات باطلة بلا شك، فتسلط عليهم الفلاسفة والقرامطة والباطنية وقالوا لهم: لماذا لا نتأول بقية النصوص؟ ولاشك أن صنيع أهل الكلام كان سبباً ظاهراً جلياً في تسلط الفلاسفة على المسلمين. أما منهاج الحق منهاج أهل السنة والجماعة رحمهم الله تعالى فهو يأخذ منهجاً واحداً، سواء تعلقت النصوص بالصفات أو تعلقت بالمعاد أو تعلقت بالأحكام الشرعية، وسواء كانت النصوص من القرآن، أو بما ثبت من سنة رسول الله ﷺ فهي نصوص قطعية، ومن ثم فإن رسول الله ﷺ وأصحابه والسلف الصالح أثبتوها على منهاج واحد دون تفريق. إن قضية سلامة المنهج وكونه على وتيرة واحدة بدون تناقض، هي التي تؤدي إلى أن يكون الإنسان فعلاً منصفاً، ويكون كلامه أيضاً مستقيماً لا لبس فيه ولا غلو، فالنصوص واحدة، والله خاطبنا بما نفهم وبما نستطيع أن نعي، ومن ثم نجد أن أصحاب النبي ﷺ تلقوا القرآن وتلقوا أحاديث الرسول ﷺ وكانوا يسألون عما يشكل عليهم ﵃، ولما كانت هذه حالهم علمنا وأيقنا أنهم أثبتوا تلك النصوص ومدلولها دون أن يخوضوا في تأويل النصوص.

стр. 74

أسباب ظهور الحداثيين وأصول مذهبهم أيها الإخوة في الله! إن هذه القضية التي أشرت إلى جزء منها أردت منها مدخلاً لقضية قديمة لكنها تتجدد في كل وقت، فنحن ضربنا أمثلة بمنهاج المتكلمين والفلاسفة وكيف تسلط هؤلاء على هؤلاء، وكيف أن المتكلمين صارت أجوبتهم ضعيفة بالنسبة لأدلة وأسئلة أولئك الملاحدة من الفلاسفة وغيرهم؛ لأنهم ورطوا أنفسهم أولاً حيث وقعوا في التأويل ومنعوا غيرهم من التأويل، فقال لهم أولئك: كيف تفرقون بين هذا وهذا والنصوص واحدة وصريحة؟! أقول: إن هذا الذي جرى لم يتوقف على تلك المرحلة التاريخية ونحوها، وإنما امتد إلى عصرنا الحاضر، وذلك بوجود دعوات ومناهج فكرية تنهج نهج هذا التأويل الباطل، وعلى رأس هؤلاء أصحاب الفلسفات الإسلامية الحديثة، ومفكرو الحداثة. عندما نقول: مفكرو الحداثة، فإننا نتحدث عن الحداثة كفكر، ولا ينفصل الفكر والمضمون عن الأداة والأسلوب وهو الأدب؛ لأن كثيراً من مفكري الحداثة يخدع الناس بالفصل بينهما، يقول لك: الحداثة ما هي إلا شيء جديد يرفض القافية أو يرفض التفعيلة التي وضعها الخليل، وهذا ما فيه شيء؛ لأنها أشكال جديدة في الأدب، ونحن نقول: لو اقتصر الأمر على أن تكون أشكالاً جديدة في الأدب فليس هناك إشكال ولا مشاحة في الاصطلاحات، لكنهم استخدموا هذه المناهج الأدبية بفلسفاتها الأوروبية من دنيوية وفوضوية وعبثية ومادية وغير ذلك؛ استخدموها ليخلطوا بين المضمون وبين الشكل والأداة؛ ليقدموا لنا أدباً حداثياً يحمل فكراً إلحادياً. ولهذا تجد أن أصحاب هذه الأفكار سواء من يسمون أنفسهم بأصحاب الفكر المستنير أو مفكرو الحداثة أو غيرهم من الذين يتبنون اتجاهات فكرية وعلمانية حديثة، أقول: إن هؤلاء استخدموا ذلك المنهاج الذي استخدمه سلفهم الفلاسفة مع المتكلمين، فقالوا: نحن لا نرفض الدين كدين، وأيضاً لا نأخذ النصوص كنصوص، لكن يجوز لنا أن نتعامل معها كما تتعاملون معها أنتم أيها المسلمون، والنتيجة التي يريدها هؤلاء هي أن الواحد منهم يبحث في التاريخ الإسلامي والفقه الإسلامي وتفسير القرآن وشروح الأحاديث، بل ويبحث في نفس النصوص ويدرسها بأي منهج شرقي أو غربي ويتعامل معها ويتأولها، ومن ثم فلا حرج عليه في ذلك؛ لأن هذه النصوص مقدسة وهو يستخدمها بأي منهج يريد. وحينما تناقشه فإنه يحتج بالفرق الكلامية ويقول: انظر إلى مناهج المعتزلة لم يجمدوا عند نصوص معينة، وإنما استخدموا عقولهم في دراسة النصوص والأخذ منها، انظر إلى غيرهم من مفكري الإسلام وفلاسفة الإسلام الذين نظروا إلى النصوص باحترام، لكنهم أيضاً عملوا في فهمها ومعانيها، وأبدعوا حتى وصلوا إلى أفكار عجيبة. وكثير من هؤلاء تعجبه الحركات الباطنية من قرمطية وإسماعيلية وغيرها على أساس أنها ثارت على أصول التراث التقليدي عند أهل السنة والجماعة، ولذا تجد مثلاً ابن سيناء يعتبر عندهم من العظماء، فهو فيلسوف إسلامي تعامل مع النصوص من خلال الفلسفة، كذلك ابن رشد يعتبر عندهم من العظماء وفيلسوف إسلامي تعامل مع النصوص من خلال فلسفته، وكذلك الإسماعيلية عندهم هي فرقة مبدعة، وكذلك القرامطة فرقة ثورية مبدعة فعلاً في المجتمعات الإسلامية. وكما تلحظون مثلاً مهيار الديلمي شاعر من شعراء الدولة الباطنية الإسماعيلية، وديوانه مطبوع في مجلدين كبيرين. مهيار الديلمي هذا أستاذ أدباء الحداثة القدماء، وكذلك أستاذ كل خارج عن عقيدة الإسلام وآداب الإسلام وغيره. إذاً: عندنا هنا فكر حديث ينطلق من خلال مناهج قديمة ويعتمد عليها ويتكئ عليها، والسبب في ذلك أيها الإخوة هو عدم انضباط المنهج، عندما أخذ كثير من المسلمين بمناهج متعددة وتأثروا بالمناهج الغربية والمناهج الكلامية وغيرها نشأت عندهم هذه الانحرافات والتأويلات وغيرها، فصارت مجالاً رحباً ينطلق منه أولئك الملاحدة قديماً وحديثاً. ولهذا تجد بعضهم يكتب كتاباً في مجلدات تحت عنوان: دراسات عن التراث الإسلامي، ويركز على تلك الفرق المنحرفة ويظهرها على أنها هي الفرق المبدعة في تاريخ الإسلام، ويسخر من السلفية والسلف ومن أهل السنة والجماعة سخرية عجيبة كما كان يسخر من سبق.

стр. 75

الهدف من عرض المناهج الكلامية والفلسفية نحن هنا حينما نعرض لهذا في مثل هذا الوقت القصير، أريد أن أفتح آفاقكم حول هذه القضية التي هي قضية المناهج الكلامية والفلسفية قديماً وحديثاً، وأثرها في حياة المسلمين المعاصرين. والخطأ في المنهاج يؤدي في الغالب إلى أخطاء متراكبة، كما هو معلوم بالنسبة للانحراف، فإنه يبدأ صغيراً ثم لا يزال يكبر كالزاوية، فإن الزاوية الحادة مثلاً تبدأ من التقاء العمودين، لكن كلما امتد الخطان إلى الأمام زاد الانحراف. وإذا كان الأمر كذلك فهل عودتنا واعتمادنا على منهاج السلف في هذه الأزمنة التي تتلاطم أمواجها محل خيار بالنسبة لنا؟
следующие страницы →