← Джавами‘

Джавами‘ · id 7739

دروس للشيخ عبد الرحمن المحمود

عبد الرحمن بن صالح المحمود

Полный текст (616 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

احتجاج الفلاسفة على المتكلمين في التأويل تأول الفلاسفة نصوص المعاد على أحد وجهين: إما أن المعاد من الأساس كذب، كما يقول الله سبحانه عن الدهرية: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية:٢٤]، كيف ذلك؟! قالوا: إنما كذب الأنبياء لأجل إصلاح الناس، فهم يقولون لهم: إن فعلتم كذا فلكم جنان وكذا، حتى تتحسن أخلاقهم، وإلا فلا جنة ولا نار ولا عتاب ولا حساب ولا عقاب، كما يفعل الإنسان مع الطفل أحياناً حينما يعده بمواعيد يعلم أنها لن تتحقق، يريد أن يصلح من حاله الآن. وقسم آخر من الفلاسفة قالوا: المعاد يكون للروح، أما المعاد الجسماني، والجنان والنعيم، والنساء، والأكل والفواكه والطير وغير ذلك مما هو مذكور تفصيله في كتاب الله، وكذلك أيضاً بالنسبة لعذاب النار؛ هذه كلها لا حقيقة لها، والنعيم ما هو إلا نعيماً نفسياً روحياً فقط، أما المعاد الجسماني فلا، هذا هو قول الفلاسفة. فرد عليهم أهل السنة والمتكلمون وغيرهم وقالوا لهم: إن تأويل نصوص المعاد كفر وإلحاد بالله ؛ لأن الإيمان باليوم الآخر من أصول الأيمان، فمن أنكر حشر الأجسام وأنكر أن الله يبعث الناس يوم القيامة فهو كافر خارج عن دائرة الإسلام، فقال لهم الفلاسفة: ولماذا تكفروننا؟ قالوا: لأنكم تأولتم النصوص الصريحة في كتاب الله، فقالوا لهم: وأنتم أيضاً أيها المتكلمون في باب الصفات تأولتم النصوص الصريحة في كتاب الله. فلماذا تبيحون لأنفسكم التأويل ولا تبيحون لنا التأويل؟ كما يقول ابن القيم: ألكم على تأويلكم أجران ولنا على تأويلنا وزران تقول الفلاسفة للمتكلمين: إذا كانت نصوص الصفات على غير ظاهرها، كما في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، وأنتم تؤولونها وتقولون: استوى بمعنى استولى. وقول الله : ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر:٢٢]، وأنتم تقولون: الذي يأتي هو ملك، وهكذا بقية النصوص تتأولونها على غير ظاهرها، وتأتون لها بتأويلات بعيدة جداً، فنحن أيضاً نأتي إلى نصوص الجنة والنار فنتأولها تأويلات بعيدة جداً. انتبهتم إلى المأزق الذي أوقع فيه الفلاسفة أهل الكلام؛ لأنهم قالوا لهم: إذا كنتم قد أعملتم في بعض النصوص تأويلاً وأبحتم لأنفسكم ذلك، فلماذا لا تبيحون لنا نحن ذلك؟ ما الفرق بيننا وبينكم؟ إن قلتم: نصوص المعاد صريحة، قلنا لكم: ونصوص الصفات أيضاً صريحة، إن قلتم: يمكن تأويل نصوص الصفات دون المعاد، قلنا لكم: ويمكن تأويل نصوص المعاد أيضاً كما يمكن تأويل نصوص الصفات. أيها الإخوة! لقد فتح هؤلاء المتكلمون لأولئك الفلاسفة ذلك المدخل والباب المنحرف فتأولوا تلك النصوص، وجاء بعدهم إخوانهم الباطنية والقرامطة فلم يكتفوا بتأويل الصفات، وإنما أولوا نصوص الشريعة كلها، فقال هؤلاء: إن المقصود بالحج هو زيارة الأئمة، وإن المقصود بالصيام هو كتمان أسرار الدعوة، وإن المقصود بقوله: ﴿أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة:٦٧] عائشة ﵂، وأعملوا في نصوص الشريعة تأويلاً منحرفاً باطلاً، فقيل لهم: هذا إلحاد وزندقة وباطل، بل النصوص قاطعة في أن الصلاة والزكاة والحج والصيام ونحوها أمور معروفة في الشريعة الإسلامية، فقال أولئك الباطنية: نحن تأولنا كما تأولتم أيها المتكلمون. إذا قلتم: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] استوى بمعنى استولى، فنحن أيضاً نتأول الصيام، فنقول: إن المقصود بالصيام هو الإمساك عن كشف أسرار الدعوة، وبهذا فتح المتكلمون أيضاً للباطنية والقرامطة باباً دخلوا منه وهو باب التأويل.

стр. 72

الآثار المترتبة على تأويلات أهل الكلام لآيات الصفات يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: فإن غلط هؤلاء المتكلمين مما سلط أولئك الفلاسفة، وظنوا أن ما يقوله هؤلاء وأمثالهم هو دين المسلمين، أو قول الرسول وأصحابه. لو أن الفلاسفة والباطنية ظنوا أن هؤلاء المتكلمين منحرفون عن الجادة لكان الأمر يسيراً، لكن المشكلة أنهم ظنوا أن هذا الذي يقوله أهل الكلام هو الدين الحق، وهو الذي يقوله عامة المسلمين وأئمة المسلمين، بل هو قول النبي ﷺ وأصحابه. يعني: كأن هؤلاء المتكلمين ينسبون عقائدهم وتأويلاتهم إلى رسول الله ﷺ وأصحابه، كأن الرسول هو الذي يتأول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، وهو الذي يتأول: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥]، وهو الذي يتأول بقية الصفات تلك التأويلات العجيبة. إذاً: أولئك الفلاسفة ظنوا أن ما يقوله هؤلاء فعلاً هو الذي جاء به الرسول صلى الله وسلم، فإذا كان فعلاً هو الذي جاء به الرسول ﷺ ، إذاً هذا التأويل الذي تأوله وحكاه من بعده يجيز لنا نحن أن نتأول تلك النصوص بتأويلات أخرى، ولو كانت هذه التأويلات بعيدة؛ لأنها ليست بأبعد من تأويلات المتكلمين. ولذا يقول شيخ الإسلام بعد ذلك: ولهذا كانت مناظرة ابن سيناء هي للمعتزلة، ومناظرة ابن رشد الفيلسوف للكلابية الذين هم شيوخ الأشعرية، وكانوا إذا بينوا فساد بعض ما يقوله متبعة أهل الكلام يظنون أنه لم يبق حق إلا ما يقولونه هم، مع أن ما يقوله مبتدعة أهل الكلام فيه خطأ مخالف للشرع والعقل، لكن ما تقوله المتفلسفة في الإلهيات والنبوات والمعاد والشرائع أعظم من خطأ المتكلمين. هذا كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه ((نقض المنطق)) مطبوع الجزء الأول صفحة (٢٢٣). ومعنى كلام شيخ الإسلام ابن تيمية أننا حينما نقول: إن المتكلمين كانوا سبباً في تسلط الفلاسفة، إنما نبين قضية التأويل الباطل وإلا فهؤلاء المتكلمون أفضل من الفلاسفة، وكلام أولئك الفلاسفة باطل من جميع الوجوه، فلا مقارنة بين الفلاسفة والمتكلمين. وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في معرض ذكره لقصة تسلط الحركات الباطنية في العالم الإسلامي، على إثر مقالات أهل الكلام وهو يتحدث عن الدليل الذي جاء به المعتزلة والأشعرية وغيرهم وهو حدوث الأجسام يقول: فطريقتهم -أي: طريقة المعتزلة والأشاعرة التي أثبتوا بها أنه خالق للخلق مرسل للرسل- إذا حققت عليهم وجد لازمها أنه ليس بخالق ولا مرسل، فيبقى المسلم العاقل إذا تبين له حقيقة الأمر متعجباً كيف انقلب العقل والسمع على هؤلاء! ولهذا تسلط عليهم بها أعداء الإسلام من الفلاسفة والملاحدة وغيرهم لما بينوا أنه لا يثبت بها خلق ولا إرسال، فادعى الفلاسفة قدم العالم، وأثبتوا موجداً بذاته، وقالوا: إن الرسالة فيض يفيض على النبي من جهة العقل الفعال، لا أن هناك كلاماً تكلم به الله تعالى وأنه قائم به، وكان في الوقت الذي أظهرت الجهمية مقالتهم الأولى وامتحنوا أئمة الإسلام كـ أحمد بن حنبل وغيره، قد ظهر أصل كلمة هؤلاء الملاحدة الباطنية باطناً؛ وذلك في خلافة المأمون ثم المعتصم، وتجدد بعد ذلك من الحوادث العظيمة التي كانت في الإسلام في أثناء المائة الرابعة ما يطول شرحه، مما تتزلزل به أقطار البلاد الإسلامية. وما يشير إليه بالمائة الرابعة يقصد به نشوء الدولة العبيدية الباطنية، وأيضاً أحداث القرامطة الخطيرة التي وقعت في العالم الإسلامي.

стр. 73

ردود أهل الكلام على الفلاسفة والباطنية وبطلانها سأضرب لكم مثالاً على كيفية معالجة المتكلمين لهذه القضية، فإن أشهر المتكلمين أبو حامد الغزالي وهو من الأشاعرة والصوفية، وأبو حامد الغزالي أيضاً من أشهر العلماء في الرد على الفلاسفة والرد على الباطنية؛ فإن له كتابين من أشهر الكتب: أحدهما اسمه: ((تهافت الفلاسفة)) والثاني اسمه ((فضائح الباطنية)). أبو حامد الغزالي ﵀ في أحد كتابيه ينقض على الفلاسفة مذهبهم، وفي الثاني ينقض على الباطنية مذهبهم، والكتابان موجودان مطبوعان، فماذا قال في ((تهافت الفلاسفة)) عن قضية البعث وحشر الأجساد، وهو يرد على هؤلاء الفلاسفة ويبين كفرهم بذلك؟ يقول أبو حامد الغزالي: فإن قيل ما ورد في الشرع -أي: من نصوص المعاد- أمثال ضربت على حد أفهام الخلق، كما أن الوارد من آيات التشريف وأخباره أمثال على حد أفهام الخلق، والصفات الإلهية مقدسة عما يتخيله عوام الناس. المقصود بآيات التشريف آيات الصفات. يقول الغزالي: والجواب أن التسوية بينهما تحكم، بل هما يفترقان من وجهين: أحدهما: أن الألفاظ الواردة في التشبيه تحتمل التأويل على عادة العرب في الاستعارة، وما ورد في وصف الجنة والنار وتفصيل تلك الأحوال بلغ مبلغاً لا يحتمل التأويل، فلا يبقى إلا حمل الكلام على التلبيس بتخييل نقيض الحق لمصلحة الخلق؛ وذلك ما يتقدس عنه منصب النبوة. الثاني: أن أدلة العقول دلت على استحالة المكانة والجهة والصورة ويد جارحة وعين جارحة وإمكان الانتقال والاستقرار على الله . ما هذه التي أشار إليها الغزالي؟ إنها صفات الله، يقول: العقول دلت على أن هذه الصفات مستحيلة، فيستحيل أن يكون الله على العرش استوى، أو أن يكون في العلو، أو أن يكون له يدان أو أن له عيناً كما ورد بذلك النصوص، أو أنه ينزل إلى سماء الدنيا كل ليلة، إلى غير هذا، فوجب التأويل بأدلة العقول، وأما ما ورد من أمور الآخرة فليس محالاً في قدرة الله تعالى، فيجب إجراؤه على ظاهر الكلام، بل على فحواه الذي هو صريح فيه، هذا جواب أبي حامد الغزالي. ويقول في كتابه ((فضائح الباطنية)) وهو يرد على الباطنيين الذين يتأولون النصوص: فإن قيل: فهلا سلكتم هذا المسلك في التنزيلات الواردة في صفات الله تعالى من آية الاستواء وحديث النزول ولفظ القدم إلى غير ذلك من أخبار لعلها تزيد على ألف، وأنتم تعلمون أن السلف الصالحين ما كانوا يؤولون هذه الظواهر، بل كانوا يجرونها على الظاهر، ثم إنكم لم تكفروا منكر هذه الظواهر بل اعتقدتم التأويل وصرحتم به؟! انظر إنها عبارات قوية، فماذا يقول أبو حامد الغزالي جواباً على هذا الكلام؟ يقول: قلنا: كيف تستتب هذه الموازنة والقرآن مصرح بأنه ليس كمثله شيء، والأخبار الدالة عليه أكثر من أن تحصى، ونحن نعلم أنه لو صرح مصرح فيما بين الصحابة بأن الله تعالى لا يحويه مكان ولا يحده زمان، ولا يماس جسماً، ولا ينفصل عنه بمسافة مقدرة وغير مقدرة، ولا يعرض له انتقال وجيئة وذهاب وحضور وأفول، وأنه يستحيل أن يكون من الآفلين والمتنقلين والمتنكرين إلى غير ذلك من نفس صفات التشبيه لرأوا ذلك عين التوحيد والتنزيه. ولو أنكر الفلاسفة الحور والقصور والأنهار والأشجار والزبانية والنار لعد ذلك من أنواع الكذب والإنكار، ولا مساواة بين الدرجتين. خلاصة رد الغزالي: أن نصوص الصفات محتملة، أما نصوص المعاد فهي كثيرة بحيث بلغت مبلغاً لا يحتمل التأويل، ثم إن أدلة العقول عنده أوجبت تأويل نصوص الكتاب، أما نصوص المعاد فلا تؤول؛ لأنها لا تخالف أدلة العقول. لكن الفلاسفة يقولون: لا فرق بين هذه وهذه، أنت أيها الغزالي قلت: إن النصوص الواردة في الصفات تزيد على ألف نص، فكيف سمحت نفسك بتأويلها ثم كفرتنا لما تأولنا نصوص المعاد؟! ولهذا تجد أن أبا حامد الغزالي عندما رد عليهم رد عليهم بكلام غير ذكي؛ لأن الفيلسوف سيقول له: تلك النصوص أيضاً كان السلف الصالح قبلكم يثبتونها ولا يتأولونها، وكانوا أيضاً لا يتأولون نصوص المعاد فمنهجهم واحد، فأنت أيها المتكلم كيف تأولت هذه النصوص التي تعد بالمئات، ثم منعتنا من تأويل نصوص المعاد؟ ثم سيقول له الفلاسفة: إذا قلت: إنه يستحيل أنه يكون لله صفة كذا وكذا من الصفات الواردة، كذلك أيضاً نحن نقول: يستحيل أن يكون هناك جنة ونار وبعث وغير ذلك، بل نقول: يستحيل أن الله يرى يوم القيامة، وقد قال به إخوانكم المعتزلة. إذاً: ما هو الغرض من هذا أيها الإخوة؟ الغرض من هذا بيان أن منهاج المتكلمين حماقة في باب التأويل؛ لأنهم تأولوا النصوص تأويلات باطلة بلا شك، فتسلط عليهم الفلاسفة والقرامطة والباطنية وقالوا لهم: لماذا لا نتأول بقية النصوص؟ ولاشك أن صنيع أهل الكلام كان سبباً ظاهراً جلياً في تسلط الفلاسفة على المسلمين. أما منهاج الحق منهاج أهل السنة والجماعة رحمهم الله تعالى فهو يأخذ منهجاً واحداً، سواء تعلقت النصوص بالصفات أو تعلقت بالمعاد أو تعلقت بالأحكام الشرعية، وسواء كانت النصوص من القرآن، أو بما ثبت من سنة رسول الله ﷺ فهي نصوص قطعية، ومن ثم فإن رسول الله ﷺ وأصحابه والسلف الصالح أثبتوها على منهاج واحد دون تفريق. إن قضية سلامة المنهج وكونه على وتيرة واحدة بدون تناقض، هي التي تؤدي إلى أن يكون الإنسان فعلاً منصفاً، ويكون كلامه أيضاً مستقيماً لا لبس فيه ولا غلو، فالنصوص واحدة، والله خاطبنا بما نفهم وبما نستطيع أن نعي، ومن ثم نجد أن أصحاب النبي ﷺ تلقوا القرآن وتلقوا أحاديث الرسول ﷺ وكانوا يسألون عما يشكل عليهم ﵃، ولما كانت هذه حالهم علمنا وأيقنا أنهم أثبتوا تلك النصوص ومدلولها دون أن يخوضوا في تأويل النصوص.

стр. 74

أسباب ظهور الحداثيين وأصول مذهبهم أيها الإخوة في الله! إن هذه القضية التي أشرت إلى جزء منها أردت منها مدخلاً لقضية قديمة لكنها تتجدد في كل وقت، فنحن ضربنا أمثلة بمنهاج المتكلمين والفلاسفة وكيف تسلط هؤلاء على هؤلاء، وكيف أن المتكلمين صارت أجوبتهم ضعيفة بالنسبة لأدلة وأسئلة أولئك الملاحدة من الفلاسفة وغيرهم؛ لأنهم ورطوا أنفسهم أولاً حيث وقعوا في التأويل ومنعوا غيرهم من التأويل، فقال لهم أولئك: كيف تفرقون بين هذا وهذا والنصوص واحدة وصريحة؟! أقول: إن هذا الذي جرى لم يتوقف على تلك المرحلة التاريخية ونحوها، وإنما امتد إلى عصرنا الحاضر، وذلك بوجود دعوات ومناهج فكرية تنهج نهج هذا التأويل الباطل، وعلى رأس هؤلاء أصحاب الفلسفات الإسلامية الحديثة، ومفكرو الحداثة. عندما نقول: مفكرو الحداثة، فإننا نتحدث عن الحداثة كفكر، ولا ينفصل الفكر والمضمون عن الأداة والأسلوب وهو الأدب؛ لأن كثيراً من مفكري الحداثة يخدع الناس بالفصل بينهما، يقول لك: الحداثة ما هي إلا شيء جديد يرفض القافية أو يرفض التفعيلة التي وضعها الخليل، وهذا ما فيه شيء؛ لأنها أشكال جديدة في الأدب، ونحن نقول: لو اقتصر الأمر على أن تكون أشكالاً جديدة في الأدب فليس هناك إشكال ولا مشاحة في الاصطلاحات، لكنهم استخدموا هذه المناهج الأدبية بفلسفاتها الأوروبية من دنيوية وفوضوية وعبثية ومادية وغير ذلك؛ استخدموها ليخلطوا بين المضمون وبين الشكل والأداة؛ ليقدموا لنا أدباً حداثياً يحمل فكراً إلحادياً. ولهذا تجد أن أصحاب هذه الأفكار سواء من يسمون أنفسهم بأصحاب الفكر المستنير أو مفكرو الحداثة أو غيرهم من الذين يتبنون اتجاهات فكرية وعلمانية حديثة، أقول: إن هؤلاء استخدموا ذلك المنهاج الذي استخدمه سلفهم الفلاسفة مع المتكلمين، فقالوا: نحن لا نرفض الدين كدين، وأيضاً لا نأخذ النصوص كنصوص، لكن يجوز لنا أن نتعامل معها كما تتعاملون معها أنتم أيها المسلمون، والنتيجة التي يريدها هؤلاء هي أن الواحد منهم يبحث في التاريخ الإسلامي والفقه الإسلامي وتفسير القرآن وشروح الأحاديث، بل ويبحث في نفس النصوص ويدرسها بأي منهج شرقي أو غربي ويتعامل معها ويتأولها، ومن ثم فلا حرج عليه في ذلك؛ لأن هذه النصوص مقدسة وهو يستخدمها بأي منهج يريد. وحينما تناقشه فإنه يحتج بالفرق الكلامية ويقول: انظر إلى مناهج المعتزلة لم يجمدوا عند نصوص معينة، وإنما استخدموا عقولهم في دراسة النصوص والأخذ منها، انظر إلى غيرهم من مفكري الإسلام وفلاسفة الإسلام الذين نظروا إلى النصوص باحترام، لكنهم أيضاً عملوا في فهمها ومعانيها، وأبدعوا حتى وصلوا إلى أفكار عجيبة. وكثير من هؤلاء تعجبه الحركات الباطنية من قرمطية وإسماعيلية وغيرها على أساس أنها ثارت على أصول التراث التقليدي عند أهل السنة والجماعة، ولذا تجد مثلاً ابن سيناء يعتبر عندهم من العظماء، فهو فيلسوف إسلامي تعامل مع النصوص من خلال الفلسفة، كذلك ابن رشد يعتبر عندهم من العظماء وفيلسوف إسلامي تعامل مع النصوص من خلال فلسفته، وكذلك الإسماعيلية عندهم هي فرقة مبدعة، وكذلك القرامطة فرقة ثورية مبدعة فعلاً في المجتمعات الإسلامية. وكما تلحظون مثلاً مهيار الديلمي شاعر من شعراء الدولة الباطنية الإسماعيلية، وديوانه مطبوع في مجلدين كبيرين. مهيار الديلمي هذا أستاذ أدباء الحداثة القدماء، وكذلك أستاذ كل خارج عن عقيدة الإسلام وآداب الإسلام وغيره. إذاً: عندنا هنا فكر حديث ينطلق من خلال مناهج قديمة ويعتمد عليها ويتكئ عليها، والسبب في ذلك أيها الإخوة هو عدم انضباط المنهج، عندما أخذ كثير من المسلمين بمناهج متعددة وتأثروا بالمناهج الغربية والمناهج الكلامية وغيرها نشأت عندهم هذه الانحرافات والتأويلات وغيرها، فصارت مجالاً رحباً ينطلق منه أولئك الملاحدة قديماً وحديثاً. ولهذا تجد بعضهم يكتب كتاباً في مجلدات تحت عنوان: دراسات عن التراث الإسلامي، ويركز على تلك الفرق المنحرفة ويظهرها على أنها هي الفرق المبدعة في تاريخ الإسلام، ويسخر من السلفية والسلف ومن أهل السنة والجماعة سخرية عجيبة كما كان يسخر من سبق.

стр. 75

الهدف من عرض المناهج الكلامية والفلسفية نحن هنا حينما نعرض لهذا في مثل هذا الوقت القصير، أريد أن أفتح آفاقكم حول هذه القضية التي هي قضية المناهج الكلامية والفلسفية قديماً وحديثاً، وأثرها في حياة المسلمين المعاصرين. والخطأ في المنهاج يؤدي في الغالب إلى أخطاء متراكبة، كما هو معلوم بالنسبة للانحراف، فإنه يبدأ صغيراً ثم لا يزال يكبر كالزاوية، فإن الزاوية الحادة مثلاً تبدأ من التقاء العمودين، لكن كلما امتد الخطان إلى الأمام زاد الانحراف. وإذا كان الأمر كذلك فهل عودتنا واعتمادنا على منهاج السلف في هذه الأزمنة التي تتلاطم أمواجها محل خيار بالنسبة لنا؟

стр. 76

حقيقة منهاج السلف في التعامل مع النصوص الشرعية أقول: أيها الإخوة! إن بعض الناس يظن أن منهاج السلف هو منهاج الكسالى الذين يتلقون ثم يقولون ما تلقوه بدون تفكير، أي: خذ النص وقل النص واسترح. ولاشك أن هذا الذي يقوله هؤلاء خطأ محض؛ لأن منهاج السلف مبني على أسس علمية صحيحة، ومنهاج المتكلمين والفلاسفة مبني على أسس باطلة، ولهذا فإننا نقول عن قناعة: إن المنهاج الحق هو أن تعطي الدليل حقه، وتأخذ بالدليل على منهاج صحيح.

стр. 77

ضرورة خضوع العقل في الغيبيات للكتاب والسنة ودعوني أضرب لكم مثالاً: الأمر الغيبي الذي لا يمكن أن نعلمه كيف نستطيع أن نعلمه؟! لو جاءنا واحد الآن ووقف أمامنا وقال: يا جماعة في شيء اسمه سكنجبين ما هو؟ وبدأنا نشغل عقولنا فجاء واحد وقال: السكنجبين عصارة، وقال الثاني: السكنجبين شتلة تباع في جنوب أفريقيا، وقال الثالث: السكنجبين هذا نوع من القماش يصنع في اليابان، وقال الرابع: السكنجبين هو نوع من السيارات، وقال الخامس: السكنجبين: لعبة أطفال بلاستيكية، وهكذا. هل سننتهي إلى نتيجة؟ لن ننتهي إلى نتيجة؛ لأن هذا أمر غيبي، ما هو الحل السليم؟ الحل السليم أن نأتي للخبير الذي عنده علم ونقول له: ما هو السكنجبين؟ سيقول: هو مركب دوائي من مجموعة من الأشياء كان معروفاً عند القدماء اسمه السكنجبين. انتهى الإشكال. الآن لو جئت إلى المناهج الفلسفية والكلامية مثلاً لوجدت أنه يريد أن يفسر ظواهر غيبية ما شاهدها بتفسيرات عقلية ومناهج كلامية، والله يقول: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ [الكهف:٥١]. لهذا تجد الفيلسوف مثلاً يمضي عشرات السنين وهو يبحث عن علم ما بعد الطبيعة وما وراء الطبيعة، هل هناك إله أو ليس هناك إله؟ وكيف تم الخلق؟ ومتى وجد الخلق؟ إلى آخره، ثم ينتهي به الأمر بعد ستين أو خمسين عاماً إلى نتيجة واحدة، ألا وهي: أن هذا الكون معلول لابد له من علة، ولابد له من صانع. نقول: بعد خمسين سنة تنتهي إلى هذه النتيجة؟ هذه النتيجة يعرفها الصغار منا، فهم يعرفون أن هذا الكون لابد له من خالق، ولذا فنحن نقول: إن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يبدءون من حيث ينتهي الفلاسفة، الفلاسفة ينتهون إلى إثبات أن هذا الكون لابد له من خالق يسمونه صانعاً، الأنبياء يقولون: أنتم مفطورون على أنه لابد له من صانع فاعبدوا هذا الصانع.

стр. 78

عجز العقول عن إدراك حقائق الغيب إن من أعظم نعم الله علينا أن الله تعالى أرسل لنا الرسل بالوحي المبين؛ ليشرحوا لنا كيف تم هذا الخلق وكيف وجد، وما هي صفات الله وما هي أسماء الله؛ حتى لا نشغل أنفسنا بما لا نستطيع عمله، فإذا ما تم لنا ذلك يأتي المنهاج العملي عند الأنبياء ليقول لك: إن هذا الخالق لابد أن تعبده وحده لا شريك له. إنه خالق يعلم أعمالك ويعلم أفعالك، وهو محسن إليك، ومن ثم فالواجب عليك أن تعبده وحده لا شريك له، وأن هناك جنة وناراً وحساباً وجزاءً إلى آخره. إن منهاج الأنبياء منهاج عمل، ولذا فإنهم عليهم الصلاة والسلام جاءوا بالأخبار والمعلومات الصحيحة من عند الله ، لم يأتوا بشيء لا يستطيع العقل البشري إدراكه، دعوني أضرب لكم مثالاً: الفكر الغربي ظل أكثر من ثلاثة قرون يتخبط في نشأة الإنسان على هذه الأرض، وجاءت قضية نشأة الحياة في الأرض، والجرثومة وتقسمها، ونشأة الحياة وتطور الإنسان، ثم انتهاؤه قبل المرحلة الأخيرة إلى القرد، وهذه القضية ألف فيها مئات المجلدات، ودرست في جميع الجامعات في أنحاء العالم حتى في العالم الإسلامي. إذاً: هل نحن بحاجة إلى هذه القضية بالذات في الفكر الإسلامي؟ أبداً؛ لأنها محسومة عندنا في آية من كتاب الله: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة:٣٠]، إذاً: نشأة الإنسان خلقه الله ثم أنزله إلى هذه الأرض وخلق منه زوجة ثم تكاثر الإنسان في هذه الحياة، هذه قضية معلومة يقينية مائة في المائة لا تحتاج إلى تلك المجلدات وإلى تلك المناقشات. إذاً: استراحت البشرية من قضية كبرى، أليس كذلك؟ بلى، وكذلك أيضاً بقية القضايا، ومنها السماوات وكيف خلقت، وماذا وراءها؟ هذه قضايا لا نستطيع نحن والعلم الحديث بقدراته إلا على أشياء يسيرة جداً، الأرض وهي الأرض لا ندركها إلى الآن تماماً، أما بالنسبة للنجوم والكواكب وغيرها فهناك كواكب يئس من أن يصل إليها، وهناك نجوم وكواكب تبعد عنا مئات الملايين من السنين الضوئية، واحتاروا في الشمس هل يستطيع مركب أن يصل إليها؟ ومن أين لها هذا الوقود الذي يتوهج؟ سؤال ليس عندهم له جواب. إذاً: لو تأملت هذه الأشياء لوجدت أن العقل إذا أدخل أنفسه فيها لم ينته إلى نتيجة إلا بخبر صادق، لهذا فإن الله أنعم على البشرية بأن بين لهم هذه القضايا بياناً واضحاً ثم أمرهم بالعمل. انتبهوا معي! توحيد الألوهية هو توحيد العبادة وتوحيد العمل، وتوحيد الربوبية هو التوحيد النظري الذي يقر الإنسان فيه بالله وصفاته، وانتهى الإشكال، لكن القضية الأساس التي بعث بها جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام هي عبادة الله وحده لا شريك له، فكيف تعبده؟ إنك لن تستطيع أن تعبده على منهج يرضاه إلا بشريعته التي أتى بها الأنبياء، ثم إن الله كتب على البشرية بأنه لابد من بعث وجزاء ووقوف بين يدي الله، وأنه سيحاسب الجميع، ولهذا تجد الصحابة ﵃ وأرضاهم أهل عمل، إن جئت إليه في العبادة فهو صاحب عبادة، وإن جئت إليه في الخلق فهو صاحب خلق، وإن جئت إليه في الإحسان إلى الناس فهو صاحب إحسان، وإن جئت إليه في عمران الأرض فهو صاحب فتوحات وإبداع؛ لأنه يعمر الكون على منهاج ربه ، لكن لما نشأت الفرق الكلامية والمباحثات والمناقشات وغيرها شغلوا بهذه الأشياء النظرية عن العمل، حتى عن أعظم عمل وهو عبادة الله وحده لا شريك له.

стр. 79

ضرورة الرجوع إلى منهاج السلف في التعامل مع النصوص الشرعية إذاً: أيها الإخوة! ندعو إلى منهاج السلف؛ لأنه لا خيار لنا في الأمر، ولأن منهاج السلف هو المنهج العلمي الصحيح؛ لأنه أخذ الأمور من مصادرها الصحيحة وانطلق إلى العمل، أما التجريد الكلامي والفلسفي وغير ذلك فهذا لا يفيد، لأنه مستمد من مناهج إلحادية عقلانية بشرية، وبالتالي لا توصل صاحبها إلى المنهج الحق ولا إلى فهم الحق. وأكبر دليل على ذلك أن كثيراً ممن عاش التجربة الكلامية والفلسفية تأسف على ما مضى في آخر حياته. إن الحديث عن نماذج من حيرة المتكلمين والفلاسفة في آخر الأمر يحتاج إلى محاضرة مستقلة، واحد منهم عاش ستين سنة وهو في علم الكلام والمناقشات والردود، وألف عدداً من الكتب، ثم يأتي ويقول في آخر حياته: لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية، فما رأيتها تشفي عليلاً ولا تروي غليلاً، ثم رجعت إلى القرآن فوجدت فيه الخير، اقرأ في الإثبات: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] هذه تجربة لأكبر فيلسوف كلامي، ومؤلفاته في عشرات المجلدات مطبوعة. إذاً: ألا نستفيد نحن من تجارب هؤلاء؟ أو نظل على حالنا في هذه الأيام نقلد الغرب بكل ما فيه، ثم إذا وقع الفأس على الرأس قلنا: تعالوا نراجع! يا أخي هذه دول تعيش معنا، ألا نستفيد نحن منها؟ أو لابد أن نصل نحن معهم إلى نهاية الطريق بالانحرافات، ثم نبدأ نستيقظ ونراجع أنفسنا، هذه كتلك أيها الإخوة. إن منهاج السلف منهاج مقنع من الناحية العلمية، منهاج الصفاء بالإيمان وبالفهم السليم، منهاج ينقل الإنسان من العلم إلى العمل مباشرة، منهاج يحول الإنسان إلى أداة خير في هذه الحياة، منهاج يجعل الإنسان مستريح النفس منشرح الصدر، وكيف لا يكون كذلك ومصدره كتاب الله وسنة رسوله: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ [طه:١٢٤] لما أعرض الفلاسفة عن ذكره ومنهجه تحولت معيشتهم إلى ضنك، لما أعرض المتكلمون في كثير من الأمور تحولت معيشتهم إلى ضنك، إذا أعرضنا عن ذكر الله وعن الشغل بالقرآن تتحول معيشتنا إلى ضنك: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ [طه:١٢٤]، هذا في الدنيا، أما في الآخرة: ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه:١٢٤] نسأل الله العافية. ويقول ﵎: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء:٨٢]، ويقول تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤]، ويقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ * قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس:٥٧ - ٥٨]. إذاً: النظر إلى منهاج السلف ومن يتمسك به على أنه منهج تقليدي؛ هذا كله ما هو إلا هراء لا حقيقة له من الواقع، وإنما يقصد به التنفير فقط، وإلا فيكفي أن هذا المنهج هو الذي سار عليه محمد بن عبد الله ﷺ وسار عليه أصحاب الفتوحات الإسلامية الذين نشروا النور في مشارق الأرض ومغاربها، وهو الذي سار عليه عمر بن عبد العزيز الذي أعاد الحق إلى نصابه في خلافته القصيرة، وهو المنهج الحق الذي يخافه اليوم أعداء الإسلام، ولهذا فالأفكار المستنيرة والحداثية والغربية والفلسفية والباطنية وغيرها يرحب بها أعداء الإسلام، ويركز عليها المبشرون والمستشرقون في دراساتهم عن الإسلام، فهذا يتخصص في ابن رشد، وهذا يتخصص في ابن سيناء، وذلك يتخصص في الحلاج، وهذا يتخصص في التصوف الإسلامي عموماً، وذلك يتخصص في القرامطة؛ لأنها هي الاتجاهات المنحرفة التي يريدون بعثها في عالمنا الإسلامي، أما المنهاج السلفي الذي هو منهج أهل السنة والجماعة على استقامة، فهذا مرفوض عندهم ويجب أن يوصم بالأصولية والإرهاب والتطرف وغير ذلك. إنني أدعوكم وأدعو نفسي وأدعو إخواني جميعاً إلى أن نجعل عودتنا إلى منهاج السلف، ليست فقط عودة تقليدية، وإنما هي عودة إلى ناحية تأصيلية، نرى أن الحق فيها وأن الصواب فيها، والله المستعان.

стр. 80

الأسئلة

стр. 81

الفرق بين الفلاسفة والمتكلمين من حيث قربهم من الحق السؤال ما الفرق بين الفلاسفة والمتكلمين من حيث قربهم إلى العقيدة؟ الجواب لاشك أن المتكلمين أقرب إلى الحق من الفلاسفة وقد أشرنا إلى ذلك.

стр. 82

أهمية توحيد الألوهية على غيره السؤال ما رأيك فيمن يقول: إننا في هذا الزمان نحتاج إلى إثبات وجود الله ، حيث إنه يوجد في زماننا هذا من ينكر وجود الله تعالى؟ الجواب نحن نقول: قد يوجد، لكن إنكار وجود الله قليل؛ لأن قضية الإيمان بوجود الله قضية فطرية، حتى الملحد الذي يؤلف الكتب ويقرر ويؤصل للإلحاد، هو في قرارة نفسه مؤمن بالله، وهو في قرارة نفسه إذا نزلت به مصيبة من مرض أو من غيره توجه إلى الله، فإذا كان هذا أستاذ الملاحدة فكيف بغيره؟ ولذا فإنني أقول: إن بيان عظمة الله وقدرته في الأنفس والآفاق مما يقوي الإيمان، لكن الخطر اليوم بالنسبة للأمة الإسلامية هو في انحرافها عن توحيد الألوهية ولوازمه، أما الإقرار بوجود الله فهذا يقر به حتى اليهود والنصارى وغيرهم، ولذا نقول: إن الله سبحانه لما بعث الرسل إنما بعثهم ليعبدوا الله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦]. لماذا لم يذكر الربوبية؟ لأنها مستقرة، فهاهم مشركو مكة الذين بعث فيهم رسول الله ودعاهم وقاتلهم كانوا مقرين بالربوبية بنص القرآن، يقول الله عنهم: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان:٢٥] وقال : ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ [يونس:٣١]، إذاً: الأصل هو توحيد الألوهية ولوازمه.

стр. 83

أهم الكتب التي ينصح بقراءتها في الردود على أهل البدع السؤال ما هي الكتب التي تنصحون بقراءتها؟ الجواب كتب شيخ الإسلام فهو الذي أشار إلى هذه القضية وخاصة في المجلد الأول من كتاب (درء تعارض العقل والنقل) فهو مفيد.

стр. 84

تقويم كتاب: الفكر الفلسفي الإسلامي السؤال ما رأيكم في كتاب: الفكر الفلسفي الإسلامي؟ الجواب الكتاب هذا يستفيد منه المتخصص فقط، لكنه لا ينطلق في هذه القضية من منهاج السلف.

стр. 85

وجه دخول أصحاب النظرة العقلية تحت منهج المتكلمين السؤال ألا يدخل تحت منهج المتكلمين في تأويل الصفات أصحاب النظرة العقلية؟ الجواب نعم يدخلونه بل يتبنونه، حتى إن محمد عمارة دعا إلى أن يكون للمعتزلة تجمع كما أن للسلفية ولغيرها تجمع، ولاشك أن مثل محمد عمارة يعتبر من ناشري المذهب الاعتزالي حديثاً، وله كتب كثيرة في نفس منهج المعتزلة، لكن ليس هو وحده من نشر فكر المعتزلة، وإنما المذهب العقلاني عموماً، فإن هذا المذهب لاشك أنه مذهب اعتزالي بعيد عن المنهج الحق.

стр. 86

حكم تكفير أهل الكلام من أشاعرة وفلاسفة وباطنيين السؤال أولئك المتكلمون مثل الأشاعرة والباطنية والفلاسفة، فهل هم كفار أو بعضهم؟ الجواب لا، إنهم يختلفون، الفلاسفة الذين قالوا بما ذكرنا هم كفار وكذلك أيضاً الباطنية، أما بالنسبة للأشاعرة فليسوا بكفار، بل فيهم علماء وفضلاء.

стр. 87

الحكم على أبي حامد الغزالي وكتبه السؤال ذكرتم أبا حامد الغزالي وتأويله لنصوص الصفات، فهل هذا يدل على أنه مخالف للسنة ولمنهج السلف الصالح، وأن قراءة كتبه يجب أن تكون بحذر؟ الجواب نعم، هذا الذي يقوله مخالف لأهل السنة والجماعة، صحيح أنه قبيل وفاته رجع إلى مذهب أهل السنة والجماعة، لكن لم يؤلف في ذلك كتباً، ونحن نقول: لعله مات على مذهب أهل السنة، ويكون إن شاء الله من أهل الجنة، لكن نحن نتكلم عن كتبه التي تركها، فكتبه أشعرية صوفية؛ لذلك فيجب أن يقرأها القارئ بحذر، أما هو فكما قلت لكم ما نستطيع أن نجزم عنه بشيء، وإنما نرجو له أن يكون ما قيل عنه قبيل وفاته أنه صحيح.

стр. 88

حقيقة تراجع كثير من المتكلمين عن مذهبهم السؤال هل هناك من المتكلمين من تراجع عن تأويل الصفات؟ الجواب أنا ذكرت لكم أن بعض المتكلمين عند وفاته تراجع عن مذهبه الكلامي والفلسفي وقال: وجدت الصواب في منهج القرآن، وكثير من المتكلمين أيضاً تراجعوا.

стр. 89

حكم القراءة في كتاب إحياء علوم الدين للغزالي السؤال كتاب إحياء علوم الدين للغزالي هل هو جدير بالقراءة؟ الجواب كتاب إحياء علوم الدين في الحقيقة فيه قضايا خطيرة وفلسفات وكشوفات صوفية خطيرة جداً، لهذا فنحن نقول: يجب أن يقرأ منه الإنسان بحذر، لكن فيه مواطن تتعلق بأعمال القلوب كمعالجة الكبر والعجب والمراقبة وغير ذلك يستفيد منها الإنسان مع الحذر.

стр. 90

حكم الأخذ بكلام أهل الكلام في الرد على الفلاسفة السؤال كيف نأخذ بكلام المتكلمين كـ أبي حامد الغزالي في الرد على الفلاسفة، وهو في منهجه نظر حيث إنه كلامي كما ذكرت؟ الجواب نحن ما أخذنا بكلام الغزالي وإنما بينا أن منهج الغزالي وإخوانه المتكلمين كان سبباً في تسلط الفلاسفة، فنحن نقول: المنهاج الحق هو منهاج السلف الذين لا يتأولون النصوص جميعاً، فيسلم لهم المنهج، أما الغزالي وغيره لما تأول جزءاً وترك جزءاً تسلط عليه أولئك المتكلمون من الفلاسفة وغيرهم.

стр. 91

ذكر مراجع هذا الدرس السؤال هذا يطلب مرجع لنفس الدرس؟ الجواب هذه الدروس دروس عامة، وهي مأخوذة من مجموعة كتب وليس من كتاب واحد، ودرسنا لهذه الليلة أيضاً مأخوذ من مجموعة كتب شيخ الإسلام ابن تيمية، ونقلنا من كلام الغزالي.

стр. 92

وجوب تحقيق التوحيد وأثره أعظم ما أمر الله به عباده هو توحيده وإخلاص العبادة له سبحانه، ولذلك فالواجب على العباد تحقيق هذا الأمر على أكمل وجه، ومن تمام ذلك: البعد عن جميع الطرق والسبل التي تؤثر على التوحيد، سواء كان ذلك بنقصه أو بنقضه من أساسه، ومن ذلك: الوقوع في الشرك الأكبر والأصغر بجميع أنواعه وصوره، وكذلك تعليق التمائم، وتعاطي السحر، أو الذهاب إلى السحرة لأجل العلاج ونحوه، وكذلك تعظيم التماثيل والنصب التذكارية؛ فإن جميع ذلك إما شرك أكبر أو أصغر، وهو ينقض التوحيد من أساسه، أو يذهب بكثير منه.

стр. 93

الأسباب الداعية إلى طرق موضوع التوحيد بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. هذا الموضوع المتعلق بتحقيق التوحيد هو موضع خطير ومهم جداً في حياة المسلم، وفي حياة الأمة كلها. ومن ثم فإننا حينما نطرق هذا الموضوع المتعلق بتحقيق التوحيد لله فإنما نطرقه لأسباب، منها: أولاً: أن العقيدة هي الأساس الذي تبنى عليه الحياة، وتبنى عليه أعمال الإنسان، ولهذا فإن الله لا يقبل من العبد حين يقدم عليه -ولابد من أن يقدم- أي عمل وأي ثواب وأي أمر قدمه في هذه الدنيا يبتغي به وجه الله لا يقبل منه ذلك إلا إذا كان مبنياً على هذا الأساس المتين توحيد الله . ولما كان الأمر كذلك كان الحرص من جانب المؤمن ومن جانب الدعاة إلى الله في كل زمان ومكان على هذا الأمر لابد منه، ولابد من أن يراقب الإنسان نفسه دائماً لخطورة هذا الموضوع. ثانياً: لأن مجتمعاتنا بدأت تظهر فيها ظواهر خطيرة، يجب على الدعاة أن يقفوا عندها ليعالجوها، ومن ذلك: تعلق النفوس بغير الله توكلاً ومحبة، وغير ذلك، وهذا أمر خطير جداً، ولقد شاهدنا أمثالاً لذلك من خلال ما يمر بمجتمعات المسلمين من أزمات. ومنها أيضاً كثرة السحرة والكهنة، وتعلق النفوس بهم، وكون بعض الناس يظن أن هؤلاء لهم سيطرة ولهم قدرات، وأن هؤلاء بيدهم الشفاء، ولا شفاء إلا بأيديهم، وهذا أمر خطير يجب أن ينتبه له. ومن ذلك أيضاً التوسع في أبواب الرقى لتشمل رقىً غير مشروعة، وتلك الرقى غير المشروعة حينما تكثر ربما تؤدي إلى أنواع من السحر والكهانة والشعوذة، وذلك كله مما يصادم أصل العقيدة أو كمالها. لهذه الأسباب كان لابد من طرق هذا الموضوع (تحقيق التوحيد وأهميته ووجوبه)، ومن هنا فإننا نعرض أولاً لقضية مهمة جداً، ألا وهي: ما معنى تحقيق التوحيد؟ وتحقيق التوحيد الذي يعلمه الجميع -والحمد لله- مقتضاه أن يحقق الإنسان شهادة أن (لا إله إلا الله)، بأركانها وشروطها، فكون الإنسان ينطق بهذه الكلمة ويقول: لا إله إلا الله، وكون هذا الإنسان يعود من كفر ومن شرك ومن انحراف وإلحاد ومن جاهلية بمجرد أن يعلن إسلامه وينطق بكلمة التوحيد نقول: إن هذه النقلة لها مقتضى عظيم جدا، وليست مجرد كلمة تقال باللسان.

стр. 94

وجوب تحقيق أركان كلمة التوحيد وشروطها و (لا إله إلا الله) تقتضي أول ما تقتضي أمرين متلازمين لابد منهما: أما أحدهما فهو أن ينفي الإنسان أي نوع من أنواع العبادة لغير الله تعالى، فلا يصرف أي نوع من أنواع العبادة، سواء أكانت صلاة أم نذراً أم حباً أم خوفاً، أم توكلاً أم دعاءً أم استغاثة أم استعاذة أم توسلاً أم غير ذلك، لا يصرف أي نوع من هذه الأنواع لأي مخلوق من المخلوقات، سواء كان ذلك المخلوق ملكاً، أم نبياً، أم ولياً، أم رجلاً صالحاً، أم نجماً، أم حجراً، أم شجراً، أم غير ذلك. وهذا الأمر لا يتم إلا بالأمر الثاني، ألا وهو أن يصرف أنواع العبادة كلها لله وحده لا شريك له، فهما ركنان دلت عليهما هذه الكلمة (لا إله إلا الله) (لا إله) نفي. (إلا الله) إثبات، فهي تنفي صرف أي نوع من أنواع العبادة لغير الله، ثم تثبت تلك الأنواع كلها لله وحده لا شريك له. ومن هنا فإن الله يقول في كتابه العزيز: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ * وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يونس:١٠٤ - ١٠٧]. (أقم وجهك للدين حنيفا) بعبادة الله وحده لا شريك له، والبراءة والبعد من الشرك وأهله. ومن هنا فإن هذه الكلمة تقتضي ما ذكرناه سابقاً، وذلك بهذين الركنين العظيمين مع لوازم وشروط (لا إله إلا الله) المعروفة. علم يقين وإخلاص وصدقك مع محبة وانقياد والقبول لها هذه الشروط السبعة إذا تكاملت عند المؤمن علماً وعملا فإنه -والحالة هذه- يكون قد حقق هذا التوحيد العظيم. ولكن ينبغي أن نعلم أن مقتضى شهادة التوحيد (لا إله إلا الله) الذي ذكرناه سابقاً يلزم منه أمر مهم جداً، ألا وهو البعد عن الشرك بجميع أنواعه، ولهذا يقول الله في كتابه العزيز: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [النحل:٣٦] أي: وحده لا شريك له ﴿وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦] أي: بجميع أشكاله وصوره.

стр. 95

الشرك أعظم الذنوب وهذا يشمل أن يجتنب الإنسان الشرك الأكبر والشرك الأصغر، ومن هنا فإننا نفرد للكلام عن الشرك فقرة خاصة، فنقول: إن هذا الشرك ينبغي أن يُعلم أنه أعظم الذنوب، كما ذكر ذلك لنا رسول الله ﷺ . وإنما كان الشرك أعظم الذنوب لأسباب، منها: أن الله لا يغفره إذا مات عليه الإنسان، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء:٤٨]، فمن كان عاصياً وتاب إلى الله فإن الله يتوب عليه، ومن كان مشركاً ثم تاب من شركه فالله يتوب عليه. لكن إذا مات الإنسان على هذا الشرك انقطع الأمل، فمغفرته ﵎ للشرك إنما تكون إذا وقعت التوبة منه في الدنيا، أما في الآخرة فلا يغفر لصاحبه أبداً. ثانياً: أن صاحبه مخلد في نار جهنم -نسأل الله السلامة والعافية-، ونحن نعلم أن من الأمور القاطعة في عقيدتنا، والتي دل عليها كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، والتي لا يشك فيها مؤمن أبداً أن الناس في يوم القيامة لابد أن يفترقوا إلى فريقين لا ثالث لهما أبداً، فريق في الجنة وفريق في السعير، فمن كان من أهل التوحيد فهو في الجنة، ومن كان من أهل الكفر فهو في النار خالداً مخلداً فيها أبداً، ولهذا فإن من أعظم عقوبات الشرك بالله أن صاحبه مخلد في نار جهنم، نسأل الله السلامة والعافية. الأمر الثالث: أن الشرك الأكبر محبط لجميع الأعمال الصالحة، فالكافر إذا عمل أعمالاً صالحة في الدنيا يجازى عليها في الدنيا، لكن إذا جاء يوم القيامة بتلك الأعمال الصالحة لا تقبل منه، قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان:٢٣]. لكن المؤمن الموحد يأتي يوم القيامة بالأعمال الصالحة التي أخلص فيها لربه ، والله يثيبه عليها. من هنا فإن الرسول ﷺ تحقيقاً لهذا التوحيد وحماية له حذر من أنواع الشرك الأكبر والأصغر.

стр. 96

أنواع الشرك الأكبر الشرك الأكبر أنواعه كثيرة، وأهمها أربعة أنواع: النوع الأول من الشرك الأكبر: شرك الدعوة، وذلك بأن يدعو الإنسان غير الله ، وهذا -ولا حول ولا قوة إلا بالله- منتشر كثيراً في كثير من بلاد المسلمين، تتعلق القلوب بولي، أو تتعلق بالنبي محمد ﷺ ، أو تتعلق بقبر من القبور، فيؤدي هذا التعلق إلى دعائها من دون الله ، فإذا دعاها من دون الله ﵎ وقع هذا الداعي في الشرك الأكبر. النوع الثاني من أنواع الشرك الأكبر: شرك الإرادة والقصد، وذلك بأن يقصد غير الله بنوع من أنواع العبادة، كالمحبة، أو التوكل، أو الاستغاثة أو غير ذلك، فإذا وجه هذا النوع من العبادة لغير الله فقد أشرك مع الله غيره. النوع الثالث: شرك الطاعة، وذلك بأن يطيع غير الله في معصية الله ، وهذا باب خطير جداً، فشرك الطاعة أن يأتي المشرعون من دون الله وواضعوا القوانين المخالفة لشرع الله ، فيشرعون هذه الشرائع، ويضعون هذه النظم والقوانين، ثم يأتي هؤلاء الأتباع فيطيعونهم فيها من دون الله تعالى، ويتبعونهم عليها مع علمهم أنهم مغيرون للشريعة. فهذا سماه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى شركاً أكبر حين علق على حديث عدي بن حاتم حين دخل على رسول الله ﷺ وهو يتلو قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣١]. فقال عدي -وكان يعرف أحوال النصارى-: يا رسول الله! إنهم لا يعبدونهم -يعني: لا يعبدون الأحبار والرهبان؛ فلا يسجدون لهم ولا يركعون- فقال الرسول ﷺ : (أليسوا يحلون الحرام فيحلونه، ويحرمون الحلال فيحرمونه؟ قال: بلى. قال: فتلك عبادتهم)، وهذا حديث حسن. ومن ثم فإن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى قال: وهذا الاتباع نوعان: النوع الأول: قوم اتبعوهم على تبديلهم، يعني: علموا أنهم مغيرون لشرع الله واتبعوهم على ذلك، فهؤلاء مثلهم. والنوع الثاني: أناس علموا شرع الله الحق، ولكنهم اتبعوا أولئك معصية، أي أنهم فعلوا ما يخالف الشرع من باب المعصية، فهؤلاء فساق عصاة، وليسوا بكفار. أما بالنسبة للأحبار والرهبان أنفسهم المغيرين لشرع الله تعالى فهؤلاء لاشك في أنهم واقعون في الشرك الأكبر الذي هو شرك الطاعة. النوع الرابع من أنواع الشرك الأكبر: شرك المحبة، وذلك بأن يحب غير الله كمحبة الله ، وهذا يقع فيه بعض الناس حينما تتعلق قلوبهم بغير الله، فيجعلون محبة أولئك مقدمة على محبة الله أو مساوية لمحبة الله، وهذا يختلف عن المحبة الطبيعية، والمحبة في الله هي جزء من الإيمان بالله .

стр. 97

أقسام الشرك الأصغر القسم الثاني من أنواع الشرك: الشرك الأصغر، والشرك الأصغر قسمان: القسم الأول منه: شرك في الأعمال، وهذا الشرك في الأعمال هو الشرك الخفي، وهو الرياء الذي حذر منه رسولنا ﷺ حين قال: (أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر) وهو الرياء، وهذا الرياء شرك أصغر لا يخرج صاحبه من الملة، لكنه -ولا حول ولا قوة إلا بالله- قد يمتد خطره فيؤدي إما إلى أن يرقى بصاحبه إلى الشرك الأكبر، وإما -وهذا على أقل تقدير- أن يحبط عمله. فليحذر المسلم وهو في عباداته، وهو في أعماله الخيرية، وهو في صلاته، وهو في صيامه، وهو في أمره بالمعروف وفي نهيه عن المنكر، وفي دعوته إلى الله يحذر من هذا المدخل الشيطاني الخفي. النوع الثاني من الشرك الأصغر: هو شرك الأقوال، كالحلف بغير الله، وقول: (ما شاء الله وشئت) وقول (لولا فلان ما حدث كذا) وغير ذلك من الألفاظ التي يتساهل فيها بعض الناس، وهي من الأمور التي حذرنا منها رسول الله ﷺ حماية للتوحيد وتحقيقاً له. ولما جاءه رجل فقال: يا رسول الله! ما شاء الله وشئت غضب رسول الله ﷺ وقال له: (أجعلتني لله نداً؟! بل ما شاء الله وحده)، ونهى عن الحلف بغير الله، وغير ذلك.

стр. 98

أمور تنافي حقيقة التوحيد أو كماله بعد تلك الفقرات المتعلقة بمعنى تحقيق التوحيد، ومعنى (لا إله إلا الله)، ومعنى الشرك وأنواعه باختصار، ننتقل إلى الموضوع الثالث المتعلق بموضوعنا، ألا وهو (أمور تنافي حقيقة التوحيد أو كماله) ابتلي فيها كثير من الناس، ومن ذلك: التمائم فإن مما اشتهر عند بعض الناس -خاصة في بعض البلاد الإسلامية- تعليق التمائم التي يضن أن تعليقها يحمي هذا الإنسان، أو هذا الطفل من العين أو من الجن أو من المرض أو غير ذلك، ولهذا ورد عن عقبة بن عامر الجهمي (أن رسول الله ﷺ أقبل إليه رهط، فبايع تسعة وأمسك عن واحد، فقالوا: يا رسول الله! بايعت التسعة وتركت هذا؟ قال ﵊: إن عليه تميمة) فهجره ﷺ ولم يبايعه. قال الراوي: (فأدخل يده فقطعها فبايعه، فقال ﵊: من علق تميمة فقد أشرك) رواه الإمام أحمد، والحديث صحيح. والتمائم خرزات أو نحوها تعلق على صدور الأولاد أو في أكتافهم أو في أيديهم يتقون بها العين، ويدخل في هذه التمائم بعض الخرزات التي يضعها بعض السائقين على المرآة في السيارة ونحوها، ويظنون أنها تقيهم الصدام أو الحوادث أو غير ذلك. وبعضهم قد يضع نعلاً في مقدمة السيارة أو في مؤخرتها لهذا السبب، وبعضهم -كما أخبرني بعض الإخوة- يعلق شيئاً من ذلك في دكانه يطلب به الرزق، أو يتقي به عين الذي يمر عليه. ومن ذلك أيضاً اعتقاد بعض الناس أنه إذا أمسك عنده ذئباً أو قطعة من جلده أو نحو ذلك أن هذا يمنع الجن عنه، فهذه من الأمور التي اشتهرت عند كثير من الناس، وبعضهم يتساهل فيها، وهي إما أن تكون من الشرك الأكبر إن اعتقد فيها أنها هي التي تنفع وتضر من دون الله ﵎، أو أنها تكون من الشرك الأصغر إذا اعتقد أنها سبب. ولهذا انتشر هذا الأمر حتى عند كثير من الصوفية، وما أكثر الشركيات عند كثير من الصوفية، حتى يقول صاحب (دلائل الخيرات) وهو يصلي على النبي ﷺ ، يقول في سجعه: اللهم! صل على محمد وعلى آله محمد ما سجعت الحمائم، وحامت الحوائم، وسرحت البهائم، ونفعت التمائم! فكأن قضية نفع التمائم تنفع كل يوم وكل دقيقة مثلما تسرح البهائم أو مثلما تسجع الحمائم وغير ذلك، وكأن هذا الأمر مسلم عنده.

стр. 99

حكم تعليق التمائم من القرآن وهنا قد يقول قائل: وإذا علقت تميمة من القرآن كما يفعل بعض الناس حينما يكتبون آيات من القرآن ويخيطونها بقطعة قماش أو نحو ذلك ويعلقونها على صدر الطفل أو في كتفه أو في غير ذلك فما الحكم؟ والذي يظهر -وإن كان في المسألة خلاف- أن مثل هذا الأمر لا يجوز، لعدة أمور: الأمر الأول: أنه بدعة فلم يفعله السلف رحمهم الله تعالى. الأمر الثاني: أنه ذريعة إلى الوقوع في المحرم؛ لأن تعلق النفس بهذا الأمر فقط يبعد التوكل على الله ، وربما لو حدث لهذا الطفل مرض لقيل: ما نفعته، ائتونا بتميمة أخرى. وهكذا، وما أضعف نفسي الوالدين أمام مرض ابنهم -خاصة الأم-، فلربما أدى بهم إلى أن يقعوا فيما هو محرم صراحة. الأمر الثالث: أن وجود الآيات القرآنية على كتف الصبي أو في صدره أو نحو ذلك يؤدي إلى امتهان القرآن، فإنه يدخل دورات المياه، وإذا تعلقت النفوس بهذه التميمة فإن الأم لا تستطيع أن تفكها ولو للحظات؛ لأنها ظنت أنها لو أزالت هذه التميمة التي هي من القرآن عن ابنها وهو داخل الحمام فلربما أدى به إلى أن يصاب بأذى، فتضطر إلى أن تدخل التميمة التي فيها كلام الله إلى الأماكن التي يجب أن ينزه القرآن منها، ولهذه الأسباب فإن مثل هذا الأمر لا يجوز.

стр. 100

الرقية الشرعية وشروطها وينبغي أن نعلم أن هذه المسألة كثر في هذه الأيام الحديث عنها، ما هي الرقية الشرعية؟ وما الرأي في هؤلاء القراء الذين صاروا ينتشرون في كل مكان؟ وهذا الأمر يحتاج منا إلى وقفة. فأقول: يجب أن يعلم أولاً أن الرقية الشرعية لا تصح إلا بشروط: منها: أن تكون بكلام الله تعالى وبأسمائه وصفاته. وأن تكون -وهذا الشرط الثاني- باللسان العربي. والثالث: أن يعتقد أن الرقى لا تؤثر بذاتها، بل هي سبب من الأسباب، والنافع الضار الشافي هو الله . ومن هنا فإن من المهم جداً أن أُذكر بعدة أمور: أولها: كثير من الناس يغفل عن الرقية الشرعية التي يقوم بها الإنسان نفسه حين يرقي نفسه أو أحداً من أهل بيته، وهذا يجب أن يتنبه له الجميع، فإذا كان عند الإنسان مريض فعليه أن يرقيه بنفسه، وأن يخلص في رقيته وفي دعائه، فإن الله قد يجعل مثل هذه الرقى سبباً في الشفاء. فإذا مرض الإنسان فعليه أن يرقي نفسه، أو يرقيه من حوله، أما ما يفعله كثير من الناس، وهو أنه إذا وجد عندهم المريض رأساً يتجهون إلى غير الله ، سواء أكانوا قراء أم أطباء، فيجب على الأسرة أن تكون صابرة محتسبة، ويجب عليها أن تبذل الوسائل الشرعية، ولا مانع من فعل الأسباب. الأمر الثاني: ليس كل من قيل عنه: إنه يقرأ يُذهب إليه مباشرة، بل يجب عليك أن تبحث عن القارئ الذي تعرف عنه الصلاح والتقوى، فإذا عرفت من حال القارئ أنه من أهل الصلاة وأنه من أهل الصلاح فحينئذ لا مانع من أن تذهب إليه. لكن ما نجده اليوم من انتشار كثير من القراء، وبعضهم لا يعرف حاله، وبعضهم يستراب في أمره، ومع ذلك فإن الناس يقبلون إليهم زرافات ووحدانا، بل جماعات، نقول: إن مثل هذا الأمر مما يجب أن يحتاط له وأن ينتبه له. لقد تعلقت النفوس بغير الله ، وأصاب الناس كثير من الوهن والضعف، فلنحذر من هذا الأمر، وإذا ما احتجنا وأردنا أن نطلب من أحد أن يقرأ فعلينا أن نبحث عن القارئ الذي نعرف صلاحه وتقواه، ويجب أن نتقي الله في هذا الأمر العظيم.

стр. 101

خطورة السحر وانتشاره الأمر الآخر انتشار السحر والكهانة في كثير من بلاد المسلمين، وهؤلاء السحرة والكهنة والعرافون الذين يدعون علم الغيب ويقولون: إنهم يعالجون الناس بأنواع من العلاجات هؤلاء كثروا لا كثرهم الله تعالى. وينبغي أن نعلم أن الله يقول في كتابه العزيز: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن:٦] هذه الآية جاءت خبراً عن الناس في الجاهلية، فإن العرب كانوا في الجاهلية يخافون من الجن خوفاً شديداً، حتى إن الواحد منهم إذا نزل وادياً وهو في سفر خاف من الجن في هذا الوادي، فإنه يتعوذ من سفهاء هذا الوادي بسيد هذا الوادي من الجن، فإذا نزل قال: أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه، فلما رأت الشياطين أن هؤلاء يخافون منهم هذا الخوف تسلطوا عليهم فزادوهم رهقاً وتعباً وطغياناً. وانظر إلى الحالة اليوم، فالناس لما ضعف إيمانهم تعلقت نفوسهم بغير الله ، وصاروا يخافون من غير الله ﵎، فتسلطت الشياطين، وتسلط السحرة وكثروا، وصاروا يفتنون الناس، وزادوهم تعباً ومشقة ورهقاً، وهذا أمر خطير جداً يجب أن ينتبه له الجميع. والواجب في مثل هؤلاء السحرة أن يقام فيهم حكم الله ، وهو تكفيرهم على القول الراجح؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٠٢]. وإذا كان الأمر كذلك فينبغي أن نعلم أن هؤلاء يجب أن يحذر منهم الحذر الشديد، فهؤلاء السحرة يدعون علم الغيب، وادعاؤهم لعلم الغيب ادعاء كاذب؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل:٦٥]، فلا يعلم الغيب إلا الله وحده لا شريك له. وما يخبرون به إنما هو عن طريق الشياطين، حينما يأتي ضعيف من ضعفاء النفوس وعنده مريض فيقال له: هناك رجل يعالج في المكان الفلاني اذهب إليه. وهذا الرجل ساحر، فتأتي الشياطين إلى ذلك الساحر وتخبره، وتقول له: سيأتيك رجل اسمه فلان بن فلان، وأمه اسمها فلانة، وخالته اسمها فلانة، وجرى له قبل عشرة أيام كذا، وقبل سنة كذا، وهذه من الأمور المعلومة. فيدخل هذا المسكين على هذا الساحر، فإذا دخل عليه وجلس بين يديه قال: أنت اسمك فلان بن فلان، وجرى لك كذا، وجدك اسمه كذا، وجرى لكم كذا، فإذا بهذا الإنسان يدهش ويسقط بين يديه، ويظن أن هذا الساحر قد امتلك قدرة عظيمة منها علم هذه المغيبات؛ لأنه قد يخبره بأشياء لا يعلمها أقرب الناس إليه، بل حتى جيرانه وبعض أقاربه لا يعلمها، فكيف علمها هذا الرجل الذي يعيش في تلك البلدة؟! ولقد حدثني أحدهم -وكان عنده مرض- يقول: ذهبت للعلاج في إيطاليا، فدخلت على طبيب فأخبرني من أسرار أسرتنا ما لا يعلمه أحد، أخبرني عن أمور خاصة جداً فمن الذي أخبر هذا الساحر الكاهن في روما؟ أخبرته الشياطين. فهؤلاء السحرة يدعون علم الغيب، ثم إن هؤلاء السحرة يستعينون بالشياطين، ولا يعينونهم إلا حينما يقعون في الشرك، ولا حول ولا قوة إلا بالله. ومن ثم فإنك تجدهم أحياناً يطلبون من الشخص أن يذبح ذبيحة، ولا يذكر اسم الله عليها لتكون ذبيحة لغير الله، وهذا هو الشرك. فينبغي أن ننتبه لهذه القضية، وأن هؤلاء السحرة الذين انتشروا وبلي الناس بهم يجب أن يقام فيهم حكم الله ، يجب أولاً أن يحذر منهم، وأن يحذر كل إنسان من يلتقي به من هؤلاء، ثم يجب ثانياً أن يردعوا عملياً وأن يقام فيهم حكم الله ، فإذا أقيم فيهم حكم الله وهو القتل فإنهم يرتدعون ويسلم الناس من شرهم. أما إذا تركوا يعبثون بعقائد الناس وبأمورهم وتتعلق النفوس بهم فهذا لا يجوز السكوت عنه أبداً، ومن المحزن حقاً أن من هؤلاء السحرة من لهم نفوذ، حتى يقال: إن كثيراً من زعماء العالم لهم كهان وسحرة يخبرونهم عما يجري، وعما يمكن أن يجري ويقع، وتتعلق نفوس هؤلاء الكبار بهؤلاء السحرة، ويؤدي هذا إلى حمايتهم. والواجب أن نحذر من ذلك حذراً شديداً، وكثير من الناس يقع في شيء من هذا، ومن ذلك أن بعض الناس يذبح للجن خوفاً منهم، أو تقرباً إليهم، حتى إنني سمعت من ذلك نماذج غريبة جداً، فبعضهم يذبح للمزارات، وقد أخبرني أحد الإخوة أنه سمع إحدى الإذاعات العربية تقول: ذهب أمير المنطقة الفلانية إلى مزار سيدي فلان، وكانت معه الأبقار، وذبحوها عند قبر السيد. وكأنه خبر إسلامي، وكأن هذا الخبر من الأمور المسلمة عندهم! وهذا أمر خطير. ومن ذلك أيضاً أنني أخبرت أن بعض الناس إذا أراد أن ينزل منزلاً جديداً يذبح ذبيحة وينثر دمها على أسوار البيت، وأحياناً ينثر دمها على أسوار البيت من الداخل، ويظن أنه إذا سكن البيت دون أن يذبح هذه الذبيحة ربما أصيب هو أو أولاده، وذلك لأنه يخاف من الجن، وهذه ظواهر وأمور خطيرة جداً ينبغي أن ننتبه لها.

стр. 102

خطورة الغلو في رسول الله ﷺ ومن الأمور التي تتعلق بهذا الموضوع -أقصد موضوع تحقيق التوحيد ووجوبه- الغلو في رسول الله ﷺ . فإن الغلو في رسول الله ﷺ كثر في هذه الأيام، وتعلقت به النفوس؛ لأن الرسول ﷺ واجبة محبته، بل يجب على الإنسان أن يحب الرسول ﷺ أشد من محبته لنفسه وولده ووالده والناس أجمعين. فجاء بعض الناس وزعم أن هذه المحبة لا تتحقق إلا بأن يُتوسل برسول الله ﷺ ، فوقع كثير من هؤلاء في الشرك، وهذا أمر خطير يحتاج إلى تفصيل مستقل، لكنني أذكر به في معرض هذه الفتنة التي وجدت عند بعض المسلمين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

стр. 103

خطورة تعظيم التماثيل والنصب التذكارية ومن ذلك أيضاً تعظيم التماثيل والنصب التذكارية وغيرها، والرسول ﷺ نهى عن التصوير؛ لأنه من وسائل الشرك؛ فإن التصوير الذي يؤدي إلى وجود تماثيل أو غيرها يُعد وسيلة من وسائل الشرك، كما ذكر الله عن قوم نوح وكيف وقع فيهم الشرك كما ذكر ذلك ابن عباس ﵄. وتعظيم التماثيل من الأمور التي يجب أن ينتبه لها؛ لأن كثيراً من الناس يدخلها في باب الآثار، وباب الآثار باب عريض، فقد تدخل فيه الآثار التي يعد الاهتمام بها أمراً مباحاً، لكن كثيراً ما تدخل فيها بعض الآثار التي تعظم وتقدس، ويؤدي تعظيمها إلى أنواع من التعلق بها. وتعلم ما يجري، فترى لوحة عبث فيها ملحد أو نصراني أو غيرهما فخطها قبل ثلاثين سنة أو مائة سنة أو مائة وخمسين سنة تجدها تباع بملايين الدولارات، ولو عثر على صنم هبل الآن وقد كسر وقيل: هذا جزء من حجر هبل والله لبيع بالملايين! فتعظيم الآثار -خاصة آثار الرسول ﷺ يؤدي أحياناً إلى أنواع من التعلق بها والشرك بالله تعالى، وهذا مدخل خطير يجب أن نحذر منه جميعاً. أيها الأخ المسلم! ينبغي أن نعلم أن تحقيق التوحيد ضروري لبناء الإيمان، وإن من أعظم الأمور التي لابد منها في تحقيق هذا التوحيد هو الحذر من الشرك الأكبر والأصغر بجميع أشكاله وصوره، ولنعلم أن الأمر خطير، وأنه مدخل من المداخل الخطيرة. أسأل الله أن يقيني وإياكم شرها، وأن يرزقني وإياكم تحقيق التوحيد، وأن يجعلنا ممن يموت على كلمة (لا إله إلا الله محمد رسول الله) غير واقع في شرك ولا في غيره مما يضاد هذا التوحيد.

стр. 104

الأسئلة

стр. 105

أهمية التركيز على التوحيد ولا يلزم من ذلك إهمال غيره السؤال يوجد أناس يقولون: التوحيد قبل كل شيء، فلا تطلب العلم إلا بعد التوحيد، وبعد ذلك تعلم ما بدا لك. فتجده جاهلاً في كثير من أمور دينه؛ لأنه أهملها وركز على التوحيد، فما الحكم في هذه الحالة؟ الجواب هذه الحالة وغيرها ينبغي أن ينظر فيها من خلال ما فعله الرسول ﷺ ، ما هي سنة الرسول ﷺ ؟ وما هي سيرته في هذا الأمر؟ فنقول: لاشك أن تحقيق التوحيد وبناءه والتركيز عليه لابد منه، لكن لا يلزم من التركيز على التوحيد إهمال غيره، ونحن نعلم أن رسول الله ﷺ مات والدين كامل، فبعد فرض الصلاة هل كان الرسول ﷺ إذا جاء رجل وأسلم قال: علموه التوحيد والبعد عن الشرك ثم إذا جاء بعد شهرين أو ثلاثة ائتوا به نعلمه الصلاة؟ لا. وإنما كان ﷺ إذا شهد عنده الرجل شهادة الحق علمه الوضوء والصلاة؛ لأن الوضوء والصلاة توحيد. فالانفكاك بين هذه الأمور خطأ، وأبو بكر الصديق ﵁ وأرضاه لما ارتدت الجزيرة العربية وانتقل ﷺ إلى الرفيق الأعلى وتولى الخلافة من بعده أبو بكر ماذا فعل المرتدون؟ قسم من المرتدين اتبعوا المتنبئين الكذابين، فهؤلاء منكرون لنبوة محمد ﷺ ، أو مقرون معها بنبوة غيره فهم مرتدون. وقسم منهم قال: نحن على الإسلام، ونؤدي الصلاة، لكن هذه الزكاة لا نؤديها. فماذا صنع أبو بكر؟ هل قال أبو بكر: أهم شيء عندنا التوحيد أهم شيء عندنا أن يقروا، فما دام أنهم يقرون بنبوة محمد فهذا الذي نركز عليه؟! ولما احتج عمر على أبي بكر -كما هو معروف- بحديث: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله)، ورأى بعض الصحابة أن يترك هؤلاء الذين منعوا الزكاة ولا يقاتلون على منع الزكاة قام أبو بكر الصديق ﵁ وأرضاه وقال: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة. وقاتلهم على ذلك. ففعل أبي بكر الصديق ﵁ وأرضاه قد أجمع عليه الصحابة فيما بعد، فصار إجماعاً منهم، فيعد سنة؛ لأن الرسول ﷺ يقول: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين)، ويقول: (اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر). لهذا فإنني أقول: إن مثل هذه القضية -وهي قضية التركيز أو عدم التركيز- يخطئ بعض الناس في فهمها وفي تطبيقها أحياناً، وإلا فلا أظن أن هناك إنساناً يفقه دين الله ينازع في أن الأمر لابد أن يبنى على العقيدة، وأنك حينما تجد مجتمعاً ضعفت فيه العقيدة أو كثرت فيه الشركيات أنه يجب عليك أن تركز على هذه الشركيات، لكن مع ذلك تدعوهم إلى الله . فشعيب دعا قومه إلى (لا إله إلا الله) ودعاهم فقال: ﴿وَلا تَنقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ﴾ [هود:٨٤]، والأمر -إن شاء الله- واضح.

стр. 106

حكم الذهاب إلى الكهنة السؤال لو ذهب شخص إلى أحد الكهنة لكي يخبره عن المولود القادم له هل هو ذكر أو أنثى، وما ذهب إلا حباً للاستطلاع، لكنه لا يصدق ما يخبر به، فما حكم ذلك؟ الجواب ورد في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: (من أتى كاهناً فصدقه فقد كفر بما أنزل على محمد)، وفي بعض الروايات: (من أتى كاهناً) بدون (فصدقه)، فإتيانه حرام لا يجوز لأمور. أولاً: لأن فيه تكثيراً لسواده وتعظيماً له. ثانياً -وهو الأخطر-: اعتقاد أنه يعلم الغيب، وإلا لما ذهبت إليه، فلماذا لم تذهب إلى غيره لتقول: هل مولودي ذكر أو أنثى؟ إذاً ما ذهب إلى هذا الكاهن إلا وهو يظن أنه ربما يصدق في قوله، ونحن نعلم أن الكهنة في الجاهلية كانوا يسترقون السمع، يركب الجن فوق بعض حتى يصلون إلى السماء فيسمعون الوحي، فإذا سمعوا به ربما قيل: يؤمر السحاب بأن يمطر بلد بني فلان في يوم الثلاثاء. فأحياناً يدركه الشهاب فيحرقه، وأحياناً يبلغه قبل أن يدركه، فتصل إلى الكاهن فيقول الكاهن: يوم الثلاثاء سيأتي مطر لبني فلان. قال ﷺ : (فيضيف إليها تسعاً وتسعين كذبة)، وكل الكذبات يتبين كذبه فيها، لكن لأنه صدق في تلك المرة تتعلق النفوس به، فيقال: ألا ترون أنه صدقنا في يوم كذا. لكن بعد ذلك حرست السماء، فلا مجال لاستراق السمع أبداً، أي أنه لا مجال لأي إنسان مهما بلغت قدرته أن يطلع على الغيب، لكن أن يطلع على ما يمكن أن يطلع عليه بالأسباب هذا أمر لا شيء فيه، لكن أن يطلع على الغيب لا يمكن أبداً، مهما كان: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل:٦٥]، فمن أتى كاهناً فهو ضعيف الإيمان في هذا الجانب.

стр. 107

اتباع الهوى ودرجاته السؤال هل كل من اتبع هواه يعد مشركاً؟ الجواب اتباع الهوى درجات، اتباع الهوى إذا أدى بالإنسان إلى الكفر بالله أو الوقوع في أنواع من الشرك فهذا يقال فيه: اتبع هواه وأدى به إلى الكفر. وما نزل عن ذلك فهو بحسبه، فمن اتبع هواه مثلاً وقصر في العبادة نقول: هذا متبع لهواه، أي أنه مقصر في هذه العبادة. وهكذا. فالأمر في هذه المسألة على درجات، وينبغي أن ينتبه لذلك؛ لأن بعض الناس يعمم ويقول: من اتبع هواه فقد اتخذه إلهاً من دون الله فهو كافر. فيدخل فيه من اتبع هواه في مسألة أو في أمر دنيوي، أمر دنيوي أدى به إلى كسل عن صلاة أو كسل عن واجب، فهذا الاتباع لا يقال عنه: إنه شرك. فهذا أمر فيه تفصيل كما تقدم.

стр. 108

حكم الاستغاثة بالغائب السؤال لو استغاث شخص برجل قادر ولكنه لا يسمعه حالة استغاثته، فما حكم ذلك؟ الجواب إذا كان نطقه بهذا الكلام عند من سيبلغ ذلك الرجل القادر، فهذا مثلما لو كان حاضراً، فهذه من الأسباب المعروفة في حياة الناس ولا شيء فيها. أما إذا استغاث به وهو يعلم أنه لا يسمعه وليس هناك أحد يبلغه فهو في هذه الحالة بحسب اعتقاده في هذه المقالة، وأقل أحوالها أن تكون من الشرك الأصغر.

стр. 109

خطورة الاسترسال مع الوهم السؤال كثير من الناس يصاب بالسحر أو يتوهم أنه مصاب بالسحر، فتضيق عليه الأرض، وكذا على أهله، فيضطر هو وأهله إلى الذهاب إلى السحرة والكهنة ليحلوا ذلك السحر، وإذا قيل لهم: إن هذا كفر أو شرك قالوا: إذا رجعنا تبنا إلى الله . وما الطريقة المثلى، أو الطريقة الشرعية لحل السحر؟ الجواب هذا السؤال مهم، وينبغي أن يعلم أنه كما أخبر الله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن:٦]. فالسبب هو ضعف الإيمان، وضعف الإيمان يؤدي بالإنسان -أحياناً- إلى الوهم، فلو أن إنساناً أصيب -مثلاً- في ليلة أو ليلتين بالأرق وقيل له: أصابتك عين أو أصابك سحر فصدق وتوهم فلا يمكن أن يبيت، ولا يمكن أن ينام، بل يصبح هاجسه ليلاً ونهاراً هذا المرض، بينما الرجل ليس فيه مرض، لكن لما قيل له: إنه مريض وصدق بهذا أدى به إلى هذا. ولهذا تجد كثيراً من الأمراض هي أمراض في بداياتها سهلة عادية، لكن تتعقد بالوهم، وهذا معروف حتى في المرض العضوي، فالإنسان إذا أصيب بألم في بطنه أو بجرح معين أو بشيء من ذلك فإذا أعطاه قدره المناسب وتشجع وصار يأكل ويأخذ الأسباب ونفسيته طيبة فإن ذلك يعجل الشفاء، لكن إذا قيل له: هذا مرض خطير بدأ الوهم عنده. وتعلم أن الوهم يهد الإنسان خلال ساعات، بل خلال وقت قصير، فإذا هد هذا المريض، وصار لا يأكل، وصار مهموماً، وصار مغموماً مرض واشتد مرضه، وضاق صدره، بل إنك تجد أحياناً بعض الناس وهو في أشد حالات المرض في المستشفى؛ لأنه واهم وخائف، فإذا جاءه الطبيب وقال: الحمد لله، طلعت التقارير سليمة وليس فيك شيء فكأنما نشط من عقال، وصار يحدث من حوله، وصار يبتسم ويشتهي ويأكل وتتحسن حالته، والعكس بالعكس. فهذا أمر. الأمر الثاني: أن من وقع عليه ابتلاء في مثل هذه الأمور مما ذكره السائل فيجب عليه أن يتقي الله ، فإن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم، (ما من داء إلا وله دواء)، وليس هناك مرض إلا وله دواء إلا الموت، أما ما عدا ذلك فله دواء، وهذا الدواء شرعي. وحينئذ فإنني أقول: إن من ابتلي بمثل هذا المرض فعليه أن يتقي الله ، وعليه أن يدرك أموراً: أولاً: لا يجوز له أن يذهب إلى هؤلاء السحرة، وخداعه لنفسه أنه يقول: إذا رجعنا نتوب هذا كلام خطير يخشى على صاحبه، وهو مثل ذلك الشخص الذي يقول: أقع في المعصية ثم أتوب، وإذا لم تتب؟! وإذا جاءك الأجل وأنت على المعصية ماذا ستقول لربك ؟! وكذلك -أيضاً- نقول لهؤلاء: وأنتم راجعون لو وقع حادث سيارة ومتم قبل أن تتوبوا! فاتقوا الله . الأمر الثاني: أنه يجب على هؤلاء أن يبحثوا عن الرقية الشرعية، ومثل السحر وغيره توجد له رقى شرعية، هذه الرقى تنفع بإذن الله مع الإخلاص والتعلق بالله ، فإن الله يشفي صاحبها، وقد تكون إرادة الله أن يبتلى هذا الرجل وأن يستمر عليه البلاء زمناً، فلا ييأس الإنسان. فينبغي أن ننتبه لهذه القضية، فلا يجوز الذهاب إلى هؤلاء، ولا يجوز علاج السحر بسحر مثله على القول الراجح، خاصة في هذه الأيام التي انتشر فيها هؤلاء السحرة.

стр. 110

وجوب التحذير من السحرة والمشعوذين السؤال ما حكم من يعلم عن حال كاهن يفد الناس إليه جماعات، لكنه لا يستطيع أن يعمل شيئاً، فما الواجب عليه؟ الجواب قوله: لا يستطيع ليس بصحيح، فعليه أن يأتي إلى أهل الخير والعلم من أبناء هذه المدينة التي هو فيها أو قريباً منها ويشرح حاله ويحذر منه، ومن المهم أن يقام فيهم حكم الله حتى لا يستفحل شرهم، وقد استفحل.
следующие страницы →