Полный текст (616 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
المعالم الكبرى في الإيمان بالقدر
стр. 422
اليقين بعدل الله تعالى
ثانياً: المعالم الكبرى في مسألة الإيمان بالقضاء والقدر.
إن هذه المسألة لابد من ضبطها بتلك المعالم حتى يستقيم فهم الإنسان لهذه القضية وإيمانه بهذا الركن على الوجه الصحيح؛ لأن كثيراً ممن انحرف في هذا الباب إنما انحرف لاختلال معلم من هذه المعالم التي سأذكرها، وهذه المعالم هي ما يلي: أولاً: اليقين التام بعدل الله ﵎ وأن الله تعالى لا يظلم أحدا، وهذه قضية كبرى يجب على العبد أن يؤمن بها إيماناً عميقا من غير شك ولا ريب، فالله حكم عدل لا يظلم الناس شيئاً، ويبنى هذا على عدد من الأسس.
أولاها: كمال صفات الله ، فهو العزيز الحكيم، وهو الغفور الرحيم، وهو العليم القدير، وهو الحكم العدل، ومن ثم فالإيمان بهذه الأسماء والصفات يجعل قلب المؤمن يقر بأن الله كامل، ويقر بأن الله لا يمكن أن يظلم أحدا.
والأساس الثاني في قضية عدل الله أن الله لا يمكن أن يظلم أحداً من الناس، قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء:٤٧]، ويقول الله ﵎ عن نفسه: ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٩]، قضية يقينية لابد أن تكون مستقرة في قلب الإنسان، أن الله لا يظلمك، بل إنه تعالى حرم على نفسه الظلم فقال تعالى -كما في الحديث القدسي الصحيح-: (يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا)، والذي يحتج بالقدر ويعترض على ربه هو بلسان حاله أو بلسان مقاله متهم لربه بهذا؛ لأنه يعترض على ربه، فهو يزعم أن التقدير ظلم من الله ﵎.
والثالث من قضايا هذا العدل أنه تعالى غني عن العالمين، فهو ليس بحاجة إلى عباده، ليس بحاجة إليهم حتى يظلمهم، ولو تأملنا أحوال العباد لوجدنا بعضهم يظلم بعضاً لأمور: إما لحب العلو في الأرض، أو لأجل أن يأخذ أموالهم، أو ليتسلط عليهم، أو لغير ذلك من الأسباب، أما ربنا فهو غني عن العالمين، لا تنفعه طاعة المطيعين ولا تضره معصية العاصين، ومن ثم قال الله ﵎ في الحديث القدسي الصحيح: (يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا، يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا).
إذاً فربنا غير محتاج إلى أحد، ومن ثم فهو ليس بحاجة إلى أن يظلم أحداً من الخلق، وبهذه القضية وبهذا المعلم وهذا الميزان يستريح الإنسان؛ لأن قلبه في هذه الحالة يستقر على يقين تام أن الله ﵎ في عليائه بأسمائه وصفاته غني عن العالمين، فهو غير محتاج إليهم، وأنه لا يمكن أن يظلمك أبدا، فإذا وقعت في معصية فتب إلى الله، وإذا أصابتك مصيبة أو رأيت الناس قد اختلفوا في أرزاقهم أو أحوالهم فلا تعترض على الله أبدا، وإنما أيقن يقيناً تاماً أن الله حكم عدل لا يظلم أحدا.
وهذه القضية -أيها المسلم- وهذا المعلم من المعالم المهمة التي يجب على كل واحد منا أن يذكر بها نفسه وأن يربي عليها من حوله؛ لأن القلب إذا استقر على ذلك استراح، ومن ثم كان السلف الصالح رحمهم الله تعالى يقررون هذه القضية مع أنها مقررة في الكتاب والسنة، لكن كانوا يقررونها ويعلمونها من حولهم.
روى أبو داود وابن ماجه وابن أبي عاصم والإمام أحمد رحمهم الله تعالى بإسناد حسن عن ابن الديلمي قال: أتيت أبي بن كعب فقلت له: وقع في نفسي شيء من القدر فحدثني لعل الله جل ثناؤه أن يذهبه من قلبي.
فقال: -أي: قال له أبي بن كعب -: (لو أن الله جل ثناؤه عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم كانت رحمته خيراً لهم من أعمالهم، ولو أنفقت مثل أحد ذهباً في سبيل الله ما تقبله الله منك حتى تؤمن بالقدر وتعلم أنما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك، ولو مت على غير هذا لدخلت النار).
فتأمل هذا التعليم، لو أن الله عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، قضية إيمانية؛ لأن الله غير محتاج إلى الخلق: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [العنكبوت:٦].
لهذا فإن الإنسان إذا استقر عنده هذا لا يكون في قلبه شيء، بل يؤمن بالقدر ولا يصبح في قلبه أي اعتراض على ما قدره الله وكتبه، وليس هذا منهج أبي بن كعب فقط، بل إن ابن الديلمي ذهب إلى مجموعة من الصحابة فقالوا له مثل ذلك، ذهب إلى عبد الله بن مسعود فقال له مثل ما قال أبي، وذهب إلى زيد بن ثابت فقال له مثل ذلك، وذهب إلى حذيفة بن اليمان فقال له مثل ذلك، فدل هذا على أن هذه الحقيقة مستقرة في نفوس أصحاب رسول الله ﷺ .
وقد روى مسلم عن أبي الأسود الدؤلي رحمه الله تعالى قال: قال لي عمران بن حصين -وعمران بن حصين هو الصحابي الجليل المعروف-: أرأيت ما يعمل الناس ويكدحون أشيء قضي عليهم من قدر قد سبق أو مما يستقبلون مما أتاهم به نبيهم وثبتت عليهم به الحجة؟ يقول أبي الأسود: قلت لا.
بل شيء قضي عليهم.
قال: فهل يكون ذلك ظلماً؟ قال: ففزعت من ذلك فزعاً شديداً وقلت: ليس شيءٌ إلا وهو خلق الله وملكه ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣].
فانظر إلى تسليم هذا التابعي ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣] بعد أن فزع من هذا الكلام، يقول: فقال لي عمران بن حصين: يرحمك الله! ني -والله- ما سألتك إلا لأحزر عقلك.
أي: لأختبر عقلك.
رجلاً من مزينة أتى إلى النبي ﷺ فقال: (أرأيت ما يعمل ويكدح الناس فيه اليوم أشيء قضي عليهم ومضى عليهم من قدر قد سبق، أو فيما يستقدمون مما أتاهم به نبيهم وثبتت عليهم به الحجة؟ قال: لا.
بل شيء قضي عليهم ومضى عليهم.
قال: ففيم العمل إذاً؟ قال: من كان خلقه الله لواحدة من المنزلتين فسييسره، وتصديق ذلك في كتاب الله : ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس:٧ - ٨]).
إذاً هل هذا ظلم؟ لا.
وهل يترك الإنسان العمل؟ لا.
وإنما يعمل، وكل ميسر لما خلق له، فإذا عمل فكيف يعمل هذا الإنسان والرسول ﷺ يقول: (اعملوا فكل ميسر لما خلق له)، كيف يعمل الإنسان وهو يجهل قدر الله؟
و
الجواب
يعمل الإنسان على مقتضى شرع الله ، فيعمل بالطاعات ويبتعد عن المعاصي، والله سبحانه وتعال ييسر الجميع لما خلقوا له.
هذا هو المعلم الأول من معالم الإيمان بالقضاء والقدر، وأهميته -أيها الأخ- تنبع من أن الإيمان به والتصديق يعين الإنسان على الرضا بالقضاء وعدم الاعتراض.
стр. 423
الإيمان بعلم الله تعالى السابق المحيط بكل شيء
المعلم الثاني: هو علم الله ﵎ الأزلي المحيط بكل شيء، وهذه قضية؛ لأن من كماله أنه العليم، وأنه متصف بصفة العلم أزلاً قبل أن يخلقنا وقبل أن يخلق السماوات وقبل أن يخلق العرش والكرسي وغير ذلك من المخلوقات؛ لأنه هو الأول الذي ليس قبله شيء، فمن صفات كماله ﵎ أنه قد أحاط بكل شيء علماً منذ الأزل.
وعلمه ﵎ كامل بما كان وما سيكون، بل إنه علم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون، وهذا الكمال لله خاصة، أما الخلق فمهما بلغوا فإنهم لا يعلمون إلا ما علمهم الله ، وعلم الله المحيط بكل شيء وبما كان وما لم يكن لو كان كيف كان يكون يجعل الإنسان يسلم بالقدر الصادق؛ لأن الله علم ما الخلق عاملون.
ولهذا فإن الله ﵎ علم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون، كما قال تعالى عن الكفار الذين يطلبون العودة إلى الدنيا إذا وقفوا بين يدي ربهم ورأوا حقائق الأمور، فرأوا انقسام الناس إلى أهل الجنة وأهل النار -أسأل الله أن يجعلني وإياكم من أهل الجنة وأن يعيذني وإياكم من النار- إذا رأوا هذه الحقيقة قالوا: يا ربنا! أعدنا إلى الدنيا، فلو أعدتنا إلى الدنيا بعدما عرفنا الحقائق ورأيناها بأم أعيننا لرجعنا وتبنا وعبدناك حق عبادتك.
فماذا قال الله وهو العليم بهم؟ قال: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام:٢٨]، فهذا ليس تقديراً، وإنما هو خبر وعلم حقيقي بأن هؤلاء لو أعيدوا إلى الدنيا مرة ثانية لعادوا لما نهوا عنه ولعادوا إلى الشرك والكفر بالله .
لأن الواحد منهم قد يتسلط عليه شيطانه فيما لو عاد إلى الدنيا، فيقول: انظروا! لقد قلنا لكم: إن البعث كذب، ها نحن قد عدنا إلى الدنيا مرة ثانية! ثم يعود إلى كفره وضلاله.
لكن قوله تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام:٢٨] حقيقة لا شك فيها.
إذاً علم الله سبحانه وتعال قد أحاط بكل شيء، فما تصنعه أنت -أيها الإنسان- وما تفعله وما يعمله الناس جميعاً وما يقع من أي شيء من شجرة تنبت أو بحر يموج أو سمكة تغوص أو حشرة تمشي أو غير ذلك كل هذا في علم الله ﵎ الأزلي ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا﴾ [الأنعام:٥٩]، فأي ورقة في شجرة في أي مكان من الدنيا في جزيرة أو جبل أو شعب أو فضاء أو غير ذلك إذا سقطت هذه الورقة فإن الله يعلمها، فكيف لا يعلم بحالك أنت أيها المخلوق المكلف؟! إذاً علم الله الأزلي أحاط بكل شيء، وعلم الله الأزلي يقتضي بقية المراتب الأربع التي هي أسس الإيمان بالقضاء والقدر.
فمراتب القدر أربع: الأولى: العلم.
الثانية: الكتابة.
أي أن الله كتب في اللوح المحفوظ ما هو كائن إلى يوم القيامة على مقتضى علمه.
الثالثة: المشيئة.
فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.
الرابعة: الخلق.
أن الله خالق كل شيء.
ومن هنا يتبين ضلال من أراد أن يخرج من قضية القدر مثل المعتزلة وغيرهم بقولهم: إن الإنسان له قدرة مستقلة وله إرادة مستقلة عن الله.
هكذا زعموا أنهم يحلون مشكلة القدر بأن يقولوا: إن الإنسان له إرادة مستقلة، فإذا أراد الله أمراً وأراد المخلوق أمراً فالذي يقع إرادة المخلوق؛ لأن المخلوق هو الذي يريد الطاعات والمعاصي.
ويقولون أيضاً: إن الله لا يخلق أفعال العباد، وإنما الذي يخلق أفعال العباد هم العباد أنفسهم.
فنقول لهم: ماذا تقولون في علم الله؟ فالإمام الشافعي رحمه الله تعالى قال كلمة مهمة جداً في هذا الباب، وهي قوله: ناظروا القدرية -يعني المعتزلة- بالعلم، فإن أنكروه كفروا وإن أقروا به خصموا.
هذه العبارة هي التي أردت أن أوضحها هنا في قضية أهمية علم الله والإيمان به كمعلم بارز من المعالم.
فإننا نقول للقدري المعتزلي الذي يقول: إن الإنسان حر وله إرادة مستقلة نقول له: ماذا تقول في علم الله الأزلي الكامل؟ هل تؤمن به أو لا؟ فماذا سيقول؟ إن أنكره وقال: لا أؤمن بعلم الله الأزلي كفر؛ لأن هذا مذهب الغلاة من القدرية الذين أنكروا العلم فكفرهم الصحابة ﵃ وأرضاهم وكفرهم أئمة السلف، فهم الذين يقولون: الأمر بالنسبة لله أنُفٌ، أي: لا يعلمه إلا بعد وجوده.
فالمعتزلي إن أنكر العلم كفر، وإن أقر به -وهو أصلاً يقر به؛ لأنَّه يؤمن بالعلم ويؤمن بالكتابة- إن أقر بالعلم خصم، فنقول له: أنت قلت: إن الإنسان له إرادة مستقلة عن إرادة الله، فله أن يفعل هذا أو يفعل هذا.
فنقول لك: علم الله بما سيفعله العبد واحد أو متعدد؟ فسيقول: علم الله واحد.
فهل سيخرج العبد عن علم الله؟ هل سيفعل العبد فعلاً يخالف علم الله؟ فسيقول: لا يفعل العبد فعلاً يخالفه ما في علم الله.
فنقول له: إذاً ما فائدة الحرية التي أعطيتها إياه إذا كان علم الله الأزلي السابق قد أحاط بكل شيء، وإذا كان العبد لم يخرج عما في علم الله .
لهذا فلا مخرج في قضية القضاء والقدر إلا بالإيمان به على منهج السلف الصالح وإثبات علم الله الأزلي المحيط بكل شيء، إذاً عندنا معلمان بارزان: أولهما: عدل الله وأن الله لا يظلم.
والثاني: علم الله المحيط بكل شيء، وأن كل ما يجري فإنما يجري على وفق علم الله الأزلي.
стр. 424
الإيمان بقيام حجة الله على عباده
المعلم الثالث: هو قيام حجة الله على عباده.
فالإنسان لو تأمل حاله لوجد نفسه يفعل بإرادته وقدرته، ولوجد نفسه غير مكره، ولو أكره على أمر لم يحاسب عليه، وقيام حجة الله على عباده جاءت بأمور أربعة: أولها: أن العبد قد أعطاه الله قدرة بها يفعل، ولذلك يفعل العبد أفعاله بقدرته، فهو الذي يذهب ويصلي ويصوم، وهو الذي -أيضاً- يفعل المعاصي بقدرته.
الثالث: أن له مشيئة ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ [التكوير:٢٨]، وهذه المشيئة أعطاه الله إياها، وهي خاضعة لمشيئة الله ، قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير:٢٩]، لكن العبد له مشيئة بها يفعل، فلو فعل فعلاً بغير مشيئة فإنه لا يحاسب.
الرابع: أن الله لا يكلفه إلا بعد البلوغ ووجود العقل، أي أن التكليف مربوط بالعقل والبلوغ، فغير العاقل لا يكلف، وغير البالغ أيضاً لا يكلف، فانتبه لمعالم قيام الحجة.
الرابع من معالم قيام الحجة: أن الله بين لك الطريق، فأرسل إليك الرسل وأنزل عليهم الكتب، فبينوا لك الطريق بياناً واضحاً مثل الشمس، ومن ثم فإن رسل الله قامت بهم حجة الله ﵎ على عباده، فإذا تأملت هذا الإنسان وجدته عنده قدرة، وله إرادة، وهو بالغ عاقل، وقد بينت له الطريق والمحجة فقيل له: افعل هذا ولا تفعل هذا، إن فعلت ما أمرت به فلك الأجر، وإن عصيت وتركت أو فعلت ما نهيت عنه فعليك الوزر.
بيان واضح أقام الله به الحجة على عباده، ومن ثم فهذا الإنسان لو تأملت أحواله في هذه الحياة لوجدتها تنقسم إلى قسمين: قسم يجري على الإنسان في هذه الحياة لا إرادة له فيه، فهذا لا يحاسب عليه، مثل كون الإنسان وجد وولد في يوم كذا من أبوين هما فلان وفلان، وعمره كذا، وطوله كذا، وشكله ولون بشرته كذا، فلا يحاسب الإنسان على هذه الأشياء فيؤتى به يوم القيامة فيقال له: لماذا أنت قصير؟ أو: لماذا أنت طويل؟ كذلك أيضاً ما يجري على الإنسان بغير إرادة منه، فإذا مرض وما استطاع أن يذهب إلى المسجد، أو إذا أصابته مصيبة أو غير ذلك من الأمور هل يحاسب الإنسان عليها؟ لا؛ لأنها أمور جرت عليه بغير إرادة منه فلا يحاسب عليها.
فمن وقعت عليه مصيبة يؤمر بالصبر؛ لأنَّه يؤجر على ذلك، لكن لا يقال له: لماذا وقعت عليك المصيبة؟ فهذا هو القسم الأول من أقسام ما يجري عليك أنت أيها الإنسان، فهذا قسم لا تحاسب عليه؛ لأنه لا إرادة لك فيه، وإنما جرى عليك بغير إرادة.
القسم الثاني: هو ما يفعله العبد بإرادته، أي: ما يقدم عليه الإنسان بإرادته وقدرته فيفعله، فهو يتكلم بإرادته، ويمد يده بإرادته، ويمشي برجله بإرادته، ويفعل بجسمه بإرادته، فهذه الأشياء التي تقع بإرادته هي موطن التكليف والحساب.
إذاً فهنا يتبين أن الإنسان الذي يحتج بالقدر ثم يأتي ليقول: أنا مكره وأنا ملزم نقول له: لا.
يأتي وقد فعل المعصية فنقول له: هل فعلت المعصية بإكراه؟ هل أكرهك أحد عليها وأنت فعلتها؟ فيقول: قطعاً أنا الذي ذهبت إلى المعصية.
إذاً لا تلومن إلا نفسك، ولا حجة لك على ربك في هذا، وهكذا بقية أمور الدين.
стр. 425
حكم الله تعالى في القدر
المعلم الرابع من معالم الإيمان بالقضاء والقدر هو: هل لله في القدر حكمة وسر؟ نحن نقول: يجب التسليم بالقضاء والقدر، والنبي ﷺ ورد عنه النهي عن الخوض في القضاء والقدر فقال: (إذا ذكر القدر فأمسكوا).
لكن هذا النهي لا ينصب على الإيمان بالقضاء والقدر ومعرفته بأنه ركن من أركان الإيمان مذكور في القرآن وفي السنة، فالإيمان به وتوضيحه على منهاج صحيح هذا أمر واجب؛ لأن القضاء والقدر أحد أركان الإيمان الستة، وإنما نهى النبي ﷺ عن الخوض في القدر على وجه الباطل، مثل أن يحتج به على المعاصي ولا حجة له، ومثل أن يتمادى في القدر ويقول: هذا مجبور، هذا مخير.
أو يعترض على القدر وعلى ما قدره الله ، فالخوض في القدر على منهاج أهل الأهواء أو على طريقة الاعتراض على قدر الله هو الذي نهى عنه الرسول ﷺ ، فهذه قضية.
القضية الثانية: هي أن الله له حكمة في خلق عباده وابتلائهم وامتحانهم.
لذلك فإن الله هو الذي أراد أن يوجد العباد على هذه الحالة، أن يكون منهم المؤمن والكافر، والمطيع والعاصي، وإلا فلو شاء الله لجعل الناس كلهم مهتدين، قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأنعام:٣٥]، ولو شاء لجعل الناس مثل الملائكة لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون.
إذاً لماذا جعلهم هكذا؟ لله في ذلك حكمة قد ندرك بعضها وقد لا ندرك كثيراً منها، فهو له حكمة في أن يوجد هذا الصراع بين الخير والشر، وبين الحق والباطل، وبين الكفر والإيمان، حتى يبتلي عباده فيبتلي بعضهم ببعض.
ومعرفة حكمة الله في هذا تجعل الإنسان يؤمن بقدر الله الأزلي، ومن ثم فإن الإنسان لا يعترض على سر الله في القدر، فما هو سر الله في القدر؟ يقول الأئمة رحمهم الله تعالى: سر الله في القدر كونه أمات وأحيا، وأفقر وأغنى، وأذل وأعز.
أي: كونه أراد بحكمته أن يوجد الناس على هذه الحال، فكما أن الإنسان لا يعترض ويقول: لماذا فلان مات وعمره عشر سنوات بينما فلان مات وعمره تسعين سنة؟ وذلك لأن الموت والحياة لله، فكذلك كونه أفقر وأغنى، فهذا غني وهذا فقير، فهذا لله ، وكذلك كونه أضل وهدى، وجعل الناس هكذا هذا لله فلا تعترض عليه، فلا يجوز لإنسان أن يقول: لماذا لم يجعل الله الناس كلهم أغنياء؟ ولماذا لم يجعلهم كلهم يعيشون ألف سنة مهتدين؟ فهذه أسئلة فيها اعتراض على أصل حكمة الله في المقدورات، ومن ثم فإن المؤمن هو الذي يسلم بقضاء الله وقدره.
стр. 426
توهم التعارض بين الشرع والقدر ودفعه
بعد تلك المعالم الأربعة ننتقل إلى الأمر الثالث، وهو أهم قضية في مسألة القضاء والقدر، وهذه القضية هي توهم التعارض بين الشرع والقدر، فكل من انحرف في باب القضاء والقدر انحرف لأجل ما خطر بباله من وهم التعارض بين شرع الله وقدره.
فتجد الإنسان -مثلاً- يقول: لماذا يأمرني الله وقد قدر علي؟ أليس هذا هو السؤال الذي يسأله كثيرٌ من الناس؟ نقول: هذا قائم على الظن بأن هناك تنازعاً بين الشرع والقدر، والمؤمن هو الذي يسلم، فالقدر من الله والشرع من الله، قال تعالى: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف:٥٤]، فالخلق هو القدر، والأمر هو الشرع، وإذا كان كذلك فلا يمكن أن يكون ما صدر من الله متعارضاً أو متناقضا، فالله هو الذي قدر الأقدار، وهو الذي شرع الشرائع، فهل يكون بينهما تعارض؟ نقول: لا.
ومن ثم -والحمد لله- تجد المؤمن بالله مؤمناً بالقضاء والقدر مسلماً به، يعلم أن كل ما يجري فهو بقضاء الله وقدره، ثم -أيضاً- تجده في نفس اللحظة مؤمناً بالشرائع، فيفعل ما أمره الله به ويشكر الله على توفيقه، ويجتنب ما نهى الله عنه، ويتوب إلى الله إذا وقعت المخالفة.
هذه حال كل المؤمنين لا نزاع بينهم، والدليل على هذا أن الإنسان في حياته مأمور باتباع الشرع، أما القدر فلا علاقة له به، القدر أمر غيبي يسلم به، لكنَّه مأمور باتباع الشرع، ودعني أضرب لك مثالاً: حين يؤذن لصلاة فريضة ما نحن صانعون؟ وأولئك الذين سيسمعون الأذان هل يعلمون ما في قدر الله أو لا يعلمون؟ الحقيقة أنهم لا يعلمون، إذاً ماذا سيصنعون؟ فلو جاء أحد مسرف على نفسه وقال: يمكن في قدر الله أني لا أصلي، ثم ذهب ونام وما صلى، فهذا إنسان لا شك أنه مخطئ؛ لأنه ما الذي يدريك أنك في قدر الله وفي علم الله تصلي أو لا تصلي؟ لماذا لا يكون في علم الله أنك تصلي؟ ولهذا تجد الإنسان دائماً يستقبل أيامه بأحداث جديدة هو يجهلها، والواجب عليه أن يسير عليها على منهاج ربه، فإذاً أمرنا الله بالصلاة فنصلي، ونهانا الله عن ترك الصلاة أو عن فعل المعاصي فنجتنبها.
وهكذا في حياة الإنسان، فهو في كل لحظة وفي كل ساعة يستقبل أمراً مجهولاً، وإذا كان يستقبل هذا الأمر المجهول فالواجب عليه أن ينظر إلى الشرع فينفذ.
стр. 427
طوائف المتوهمين
إذاً هل هناك صراع بين القضاء والقدر وبين الشرع؟
الجواب
لا صراع.
ولهذا تجد أن الذين انحرفوا في هذه القضية -قضية التعارض بين الشرع والقدر- انحرفوا وانقسموا إلى أقسام، فقسم منهم مال إلى القول بحرية الإنسان حتى يقول: إن الشرع والأمر به صحيح، كما ذهب إليه المعتزلة وقالوا: الإنسان حر.
ومثلهم أصحاب مذاهب الحرية في العصر الحديث وغيرهم الذين يقولون: إن الإنسان حر تماماً.
وأخطر ما في هذا المذهب أنه يؤدي بالإنسان إلى الانسلاخ من الشريعة؛ لأن الإنسان إذا كان حراً عن قدر الله فهو أيضاً حر عن شرع الله، وإذا آمن الإنسان بقضاء الله وقدره وربوبيته على الخلق أجمعين آمن بأن الذي يملك هذا هو الذي شرع، فتجب طاعته في الشريعة.
ومن هنا تجاوز هذا الانحراف في فهم هذه القضية إلى أن قالت طائفة بالحرية المطلقة للإنس، وقابلتهم طائفة أخرى فقالت بالجبر، أي أن الإنسان مجبور، وهؤلاء الذين قالوا بالجبر قوم قالوا به وأضافوا إليه القول في الإرجاء في مسألة الإيمان، فأدى بهم هذا إلى الانسلاخ من الشريعة.
لأنه يقول لك: إنَّه مجبور.
كما يصنع أولئك الذين يحتجون بالقضاء والقدر، فإذا وقع في معصية قال: يا أخي! هذا مكتوب علي.
نقول له: هي مكتوبة عليك لكن أنت فعلتها.
فالاحتجاج بالجبر احتجاج باطل؛ لأن الإنسان لا يستطيع أن يحتج به في جميع أحواله، ولهذا تجد الإنسان مع الناس قدري لا يؤمن بالقدر ومع الله جبري، هذا الإنسان المنحرف إذا اعتدى أحد على ماله أو ضربه أو اعتدى على عرضه وقيل له: هذا بقضاء الله وقدره أبى وقال: لا.
بل هذا مجرم، هذا فعل كذا وكذا فيستحق العقوبة، ويجب أن يعاقب.
أليس الإنسان يقول هذا؟ بلى.
فإذا قيل له: هذا بقضاء الله وقدره قال: لا.
ما علي من قضاء الله وقدره، هذا الذي فعل هذه الخطيئة أو هذا الذنب فأخذ مالي أو ضربني أو اعتدى على ولدي أو أهلي أو غير هذا يستحق العقوبة.
فانظر إليه لا يحتج بالقدر مع أن الذي جرى هو بقضاء وقدر! فإذا ما جاءت القضية بينه وبين ربه اعترض وقال: قدر الله علي، فكيف يعذبني.
فلماذا فيما بينك وبين الله تكون جبرياً معترضاً على قضاء الله وقدره وفيما بينك وبين الخلق تأبى، ولو قيل لك: إن هذا بقضاء الله وقدره ما رضيت، وإنما تقول: يجب أن يعاقب هذا المجرم.
نقول أيضاً: أنت تستحق العقوبة؛ لأنك فعلت ما فعلت بإرادة منك وبقدرتك، ومن ثم أدت هذه المقالة -وهي قضية الانحراف في مسألة التعارض بين الشرع والقدر التي يظنها بعض الناس- أدت ببعض الطوائف مثل الصوفية إلى أن صاروا مع القدر حيث صار، أدى بهم الجبر -نسأل الله السلامة والعافية- إلى أن صاروا مع القدر حيث صار، حتى إنه إذا انتصر المسلمون قالوا: رضينا بانتصارهم لأن هذا من قدر الله.
وإذا انتصر الكفار قالوا: رضينا بانتصارهم لأن هذا من قدر الله.
وإذا وقع الكفر والفواحش قالوا: رضينا بها لأنها من قدر الله.
فتأمل هذا الإلحاد والخروج عن شريعة الله ما الذي سببه؟ سببه الميل إلى الجبر الذي أدى بهم إلى إنكار الشريعة.
ومن ثم فإننا نجد توهم التصادم بين الشرع والقدر هو الذي أدى بالكثير إلى نوع من الاضطرابات النفسية التي نراها ممن تسلط عليهم الشيطان فاحتجوا بالقدر على معاصيهم ولا حجة لهم، إذاً هذا الاعتراض في قضية علاقة الشرع بالقدر هذا الاعتراض هو الذي قد يؤدي ببعض الناس إلى الاحتجاج بالقدر، ونحن نقول: إن الذي يحتج بالقدر على المعاصي لا حجة له لأمور: أولها: أن الإنسان فعل ما فعل بإرادته ومشيئته، فهو غير مكره، والله قد أقام عليه الحجة.
الثاني: أننا نقول لهذا الإنسان الذي فعل المعصية واحتج بالقدر عليها نقول له: هل تحتج بالقدر في جميع أمورك؟ فلو جاء أحد واعتدى على مالك المفترض أن تقول له: هذا بقضاء الله وقدره.
فهل تصنع هذا؟ هو لا يصنع هذا.
ثم نقول: لو أتانا وقال: إنني فعلت المعصية وهي مكتوبة علي فهي مقدرة نقول له: وماذا أنت صانع بعد الآن؟ هل تعلم ماذا في قدر الله؟ أليس من الممكن أن يكون في قدر الله أنك تتوب إلى الله وتعود إليه وتعمل الصالحات وتكون من المؤمنين؟ افعل هذا فستجد أن في قدر الله أنك من المؤمنين المتقين، لكن إذا اعترض وقال: تبين أن الله ما يريد لي الهداية.
ثم أسرف على نفسه ومشى في العصيان نقول له: لا حجة لك.
стр. 428
منهج السلف رحمهم الله تعالى في التعامل مع الأقدار
منهاج السلف رحمهم الله تعالى أنهم ينازعون القدر بالقدر، وهذه حياة الإنسان، كل قدر نازعه بقدر، فقدر الجوع تنازعه بالأكل والشرب، وقدر العطش تنازعه بالذهاب لأن تشرب الماء، وقدر حاجات الإنسان ينازعها بقدر آخر، وقدر المعصية ينازعه بقدر آخر وهو التوبة، وقدر الطاعة ينازعه بقدر آخر وهو طاعة مثلها، وهكذا، فلو تأملت حياة الإنسان لوجدته لا يمكن أن يتوقف لحظة عن القدر، فهو في قدر دائم، والمؤمن الموفق هو الذي ينازع الأقدار بالأقدار على منهاج الحق، أي: على وفق شريعة الله .
فالإنسان في كل لحظة في قدر، ثم يستقبل اللحظات الأخرى وهي بقدر على وفق منهاج الله ، فلو جاءنا عاصٍ وقال: هي بقدر نقول: نعم.
ولا حجة لك، لكن نازع هذا القدر بقدر آخر وهو التوبة، فلو قال: تبين لي أن الله قدر علي أن أكون من العصاة وذهب إلى المعصية نقول: لا تلومن إلا نفسك؛ لأنه لا حجة لك، فلماذا تذهب إلى المعصية؟ لماذا لا تذهب إلى الطاعة؟ المؤذن يدعوك إلى الخير ولا تدري ماذا في قدر الله، ربك يناديك للصلاة فاذهب إلى الصلاة ستجد أن الله يعينك، وأن الصلاة التي تقوم بها طاعة لله هي بقضاء وقدر.
وهكذا يتبين أنه لا حجة للعبد أبدا.
стр. 429
أثر الإيمان بالقدر في حياة المسلم
стр. 430
زيادة الإيمان وقوته
الأمر الرابع: أثر الإيمان بالقضاء والقدر في حياة المسلم.
الحقيقة أن أثر هذا عظيم جدا في حياة الإنسان وفي حياة الأمة جميعاً، وسأجمل هذه الآثار، لكن ينبغي أن تعلم أن قضية الإيمان بالقضاء والقدر قضية تربية وقضية أعمال قلوب، فالإنسان الذي يعبد الله ويتبع شرعه يعمر الله قلبه بالإيمان فيصبح مؤمناً بالله وبقضائه وقدره فيستريح في حياته.
لهذا فهذه الأثار التي سأشير إليها ما هي إلا أثار سأذكرها بإجمال تبين لنا أهمية الإيمان بالقضاء والقدر وأثره في الحياة.
فمنها أولاً: زيادة الإيمان وقوته؛ لأن الإيمان بالقضاء والقدر ركن من أركان الإيمان، وكل ركن من أركان الإيمان إذا آمن به الإنسان وعمر قلبه به تصديقاً وإيماناً وعمل قلب زاد إيمانه وقوي قلبه.
стр. 431
دفع المؤمن نحو العلم والإنتاج
ثانياً: أن الإيمان بالقضاء والقدر يدفع الإنسان ويدفع الأمة إلى العمل، وليس كما يظن الناس أن الإيمان بالقضاء والقدر يدفع الإنسان إلى الكسل، لا، بل الحاصل هو العكس تماماً، فالعمل والسعي مأمور به، والمؤمن هو الذي يعلم أنه لابد أن ينازع الأقدار بالأقدار، فهو يسعى ويعمل، لكنه يختلف عن غيره بأنه يسعى ويعمل وهو مرتاح الضمير، فلا يحزن ولا يغضب إذا فاته شيء، بخلاف غير المؤمن فإنه يتحسر على كل شيء يفوته وهو يطلب رزقه مثلاً.
فإذاً الإيمان بالقضاء والقدر يجعل الأمة تعمل وهي تعلم أنها إنما تعمل على وفق قضاء الله وقدره، فهي تعمل مع الإيمان بالقضاء والقدر، ولهذا تجد النبي ﷺ قال في الحديث الذي رواه أبو هريرة ﵁ وهو في صحيح مسلم: (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا.
قل: قدر الله وما شاء فعل؛ فإن لو تفتح عمل الشيطان).
فهل تأملت كيف أن المؤمن القوي خير وأحب إلى الله؟ إنَّ المؤمن القوي هو القوي في إيمانه، القوي في الخير، القوي في نفع الناس، القوي في العمل، يعمر الأرض ويعمر الكون، وهو مؤمن مصدق بقضاء الله وقدره، لكنه لا يحزن إذا فاته شيء أو لم يقع هذا الشيء الذي أراده، لا يحزن ولا يكون كبعض الناس يقول: لو أني فعلت كذا كان كذا ويتحسر؛ لأن (لو) تفتح عمل الشيطان.
стр. 432
إراحة المؤمن من أكدار الدنيا
ثالثاً: الحياة أحزان وأكدار، والله يقول: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ [البلد:٤]، فهو قد يفرح أياماً لكنه يحزن أياماً أخرى، وهذا عام لجميع الناس أعلاهم منزلة دنيوية وأقلهم منزلة دنيوية، فتش عن أحوالهم تجدها متشابهة، فالملوك والأغنياء والرؤساء المشهورون والأثرياء والفقراء المرضى كلهم فتش عن حالهم تجد أحوالهم متشابهة، يحزنون أياماً ويفرحون أياما.
إذاً فمن هو الذي يستريح؟ لا يستريح إلا المؤمن الصابر على أقدار الله ﵎.
стр. 433
الرضا بقضاء الله وقدره في المصائب
رابعاً: الرضا بقضاء الله تعالى وقدره في المصائب، وهذا الرضا هو من أعظم نعم الله على الإنسان ومن أشدها أثراً على استقراره النفسي، فالحياة مصائب، والإنسان دائماً معرض لها؛ لأنها أقدار وأحكام قائمة.
فالمؤمن بقضاء الله وقدره هو الذي يرضى ويسلم ويؤمن بأن هذا قضاه الله وقدره، ولهذا لو فتشت عن أولئك الذين لا يؤمنون بالقضاء والقدر تجدهم أمام هذه المصائب على أحوال عجيبة، فمنهم -كما هو الحال في كثير من بلاد الغرب- من ينتحر، يؤدي به حاله إلى الانتحار وإزهاق نفسه، نسأل الله السلامة والعافية.
ومنهم من تتحول حياته إلى حياة بائسة، ينظر إلى الدنيا وإلى الحياة نظرة مظلمة، ومنهم من يتحول وتتحول حياته إلى مرض نفسي لوجود مصيبة، لكن المؤمن بالقضاء والقدر ليس هذا حاله، ومنهم من يتحول وتتحول حياته إلى النقمة من الآخرين.
إذاً هذه الأحوال من يسلم منها؟ يسلم منها ذلك الذي يؤمن بقضاء الله وقدره ويسلم، فإذا سلم ورضي حول الله ﵎ تلك المصيبة إلى خير وإلى نعمة وإلى رضاً وإلى استراحة نفس واستراحة قلب، حتى إن الإنسان ربما لو خير بين وقوع المصيبة وبين ما أعطاه الله من الخير على صبره عليها فلربما اختار الثانية، وهذا هو الغاية، وليس ذلك إلا للمؤمن.
стр. 434
القضاء على داء الحسد في القلوب
خامساً: والإيمان بالقضاء والقدر يقضي على داء من أخطر الأدواء في المجتمعات، ألا وهو داء الحسد الذي هو داء عضال يأكل صاحبه ويولد الضغائن بين الناس، لكن المؤمن بالقضاء والقدر يعلم أن ما يراه على الآخرين وحرمه هو من جاه أو مال أو غير ذلك إنما هو بقضاء الله وقدره، فهو ابتلاء لهم، كما أن حرمانه ابتلاء له ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء:٣٥].
وإذا كان كذلك فيسلم الأمر لله، فهو الذي يمن على عباده بما يشاء، وهو الذي أعطى هذا ومنع هذا بقضاء وقدر، وكل ذلك امتحان وتسليم، فلماذا تحسد الناس؟ ارض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس، هذه هي القاعدة، ومن ثم فإيمان الإنسان بقضاء الله وقدره يجعله ينظر إلى ما يجري في الكون وإلى ما يجري على الخلق وإلى تفاوت أحوالهم وأرزاقهم ومراتبهم الدنيوية ينظر إلى ذلك نظرة إيمانية قدرية ربانية تجعله يسلم الأمر لربه ويعلم أنه تكييف.
أما إذا اختل هذا عنده صار مسكيناً قلبه يتحسر، ينظر إلى هذا الرجل الغني فيتحسر حسداً له يود لو تلف ماله هذه اللحظة، وتحسره هذا كما قال الشاعر: اصبر على كيد الحسود فإن صبرك قاتله فالنار تأكل بعضها إن لم تجد ما تأكله تحسر الحسود لا يضر به إلا نفسه؛ لأن ذلك الذي أعطي هذا المال لن يزول عنه بحسده، ولأنك أيضاً لن تبلغ درجته، ولن يأتيك هذا المال بحسدك، فما الفائدة؟ لا فائدة.
إذاً الإيمان بالقضاء والقدر يقضي على هذا الداء العضال.
стр. 435
تربية المؤمن على الشجاعة
سادساً: الشجاعة، فللمؤمن بالقضاء والقدر شجاعة في ساحات الجهاد وعند كلمة الحق، ولقد كانت هذه سمة المسلمين على مدار تاريخهم الطويل، كانوا أهل جهاد في سبيل الله يخوضون المعارك لا يخافون؛ لأنهم يوقنون أن الأمر مقدر وأن الأجل لا يتقدم ولا يتأخر، دخلت المعركة أو لم تدخلها، جاهدت في سبيل الله أو لم تجاهد، فأجلك محدد، فإذا جاء يأتيك سواءٌ أكنت في معركة، أم على فراشك، أم بين يدي الأطباء، أم بين يدي أحب الناس إليك ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف:٣٤].
فإذا تكرر هذا عند المؤمن تحول إلى إنسان مقدام لا يخاف؛ لأنه يعلم أن الأجل مقدر، ولأنه يوقن أن الرزق مكتوب، ولأنه أيضاً يؤمن إيماناً تاماً أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوه بشيء لم ينفعوه إلا بشيء قد كتبه الله له، ولو اجتمعوا على أن يضروه بشيء لم يضروه إلا بشيء قد كتبه الله عليه، رفعت الأقلام وجفت الصحف، كما قال ذلك رسول الله ﷺ وهو يوصي عبد الله بن عباس.
ولهذا تجد مواقف المؤمنين أمام الطغاة وأمام الظلمة يواجهونهم بالحق لا يخافون في الله لومة لائم؛ لأنهم يعلمون أن هؤلاء لا يملكون من أنفسهم شيئاً فضلاً عن أن يملكوا من غيرهم شيئاً.
فهذا موسى ﵊ واجه فرعون الطاغية الذي كان يقول: (أنا ربكم الأعلى).
وكان معه الجنود المجندة بالألوف المؤلفة، ومع ذلك نصره الله ونجاه، وأغرق الله فرعون وقومه وهو ينظر.
ففي ميزان الماديات موسى ضعيف وفرعون ذو سلطان قاهر، لكن في ميزان الله نصر الله موسى وقومه وأذل فرعون وقومه.
وهذا خالد بن الوليد البطل الشجاع الذي خاض المعارك كلها كيف كانت وفاته؟ كانت وفاته على فراشه، وقال كلمته المشهورة: خضت أكثر من مائة معركة، وما في جسمي موضع أربعة أصابع إلا وفيه ضربة بسيف أو رمية بسهم أو طعنة برمح، وهاأنذا أموت على فراشي كما يموت البعير، فلا نامت أعين الجبناء.
هذا هو الإيمان بالقضاء والقدر، يؤتي الإنسان شجاعة في الحق، ويجعله لا يخاف.
стр. 436
تعليق رجاء العبد وخوفه بالله تعالى وحده
والإيمان بالقضاء والقدر -وهذا هو الأثر السابع- يجعل العبد لا يخاف إلا الله ولا يرجو سواه، كيف هذا؟ لو تأملت في حياة الناس اليوم -مثلاً- لوجدت أن الأم تخاف على ولدها، والأب يخاف، والإنسان يخاف، وكذلك أيضاً يرجو غيره.
لكن الإيمان بالقضاء والقدر يجعل خوفه ورجاءه لله ، وهذا هو الاعتدال الصحيح في حياة المؤمن، فلا يخاف الإنسان -مثلاً- من شيطان أو جني أو ساحر أو ولي يزعم أن له كرامات أو غير ذلك؛ لأنه يعلم أن هؤلاء لا يملكون شيئاً إلا بأمر الله ، وكذلك أيضاً لا يرجو المخلوقين في رزق ولا في غيره، وإنما يرجو ربه ، وهذا أثر عظيم في حياة الإنسان.
стр. 437
الشكر على النعمة والصبر على البلية وعدم التحسر على الفائت
الثامن: أن المؤمن إذا أصابته سراء شكر وإذا أصابته ضراء صبر، وهذا لا يكون إلا للمؤمن بقضاء الله وقدره.
التاسع: عدم التحسر على ما مضى، بل ينظر الإنسان دائماً إلى أمامه فيعمل، وهذه حياة المؤمن بالقضاء والقدر، فالإنسان قد يفكر أحياناً فيما مضى، يقول: لو أنني فعلت كذا، لو أنني اشتريت الأرض الفلانية إلى آخره، فلا يتحسر على ذلك؛ لأنه يعلم أنَّ هذا أمر مقدر، وإنما ينظر إلى ما هو أمامه فيفعل.
ومن ثم فإن الإنسان يعلم أن الله هو الذي استأثر بعلم الغيب، وهذا رسول الله ﷺ -وهو رسول الله- يأمره الله تعالى أن يقول: ﴿وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ [الأعراف:١٨٨].
العاشر: أن الإنسان قد يبتلى في هذه الحياة بمرض أو بولد معاق، أو يكون ممن لا يولد له إلا بنات، أو يكون عقيماً ممن لا يولد له، أو غير ذلك من أمور الحياة التي قد تبقى مع الإنسان طول حياته، فهذا كله بقضاء الله وقدره، لكن من هو الذي يستريح؟ لا يستريح إلا من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا ورضي بقضاء الله وقدره فسلم؛ لأن هذه الأشياء تعيش مع الإنسان ليل نهار، فهل تحسره واعتراضه على قدر الله يغير من واقع الأمر شيئاً؟ لا يغير.
لكن المؤمن هوالذي يرضى بقضاء الله وقدره، يقول: آمنا بقضاء الله وقدره، الحمد لله، اللهم! اؤجرني على مصيبتي.
فإذا آمن بذلك استراح وتحولت حياته إلى حياة عمل وطاعة وبذل للخير بأي شيء ابتغاء مرضات الله ، حتى يجد ذلك يوم السعادة العظمى يوم القيامة.
إذاً فنظام الدنيا عنده ليس كل شيء، وإنما ينظر إلى ميزان العقيدة، فمتى نظر ذلك الإنسان الذي لا يولد له لا يعترض حينما يرى الناس لهم أولاد، وإنما يعلم أن الدنيا فانية والآجال محددة، وهذه الدنيا كلها هباء، فيعمل الطاعات ويحسن إلى الآخرين؛ لأنه يعلم أن الله إن رضي عنه وأدخله الجنة فإنه سيجد هناك من النعيم والحبور ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
إذاً فالإيمان بالقضاء والقدر هو عماد الحياة المستقرة.
أسال الله أن يوفقني وإياكم للإيمان بقضائه وقدره على الوجه الصحيح، وأن يعيذني وإياكم من الفتن ومن المخالفات جميعاً.
стр. 438
الأسئلة
стр. 439
القدر والسبب في الحوادث
السؤال
عندما يتكلم الناس عن الحوادث التي تقع ويحصل فيها وفاة وغير ذلك يقول بعض الناس: هذا حصل بقضاء الله وقدره فيأتي من يقول: إن هذا حصل لأسباب أخرى كعدم الانتباه وغير ذلك.
فما القول الحق في هذه القضية؟
الجواب
القول الحق فيها أن ما كان منها مصيبة فهو بقضاء الله وقدره، ولا شك أن هذه الحوادث بقضاء الله وقدره، لكن هل يعني ذلك أن نغفل عن مسبباتها؟ لا.
لا نغفل عن مسبباتها، فنحن نعلم أن الإنسان إذا كان مفرطاً ومسرعاً وحدث الحادث فإننا نقول: لا شك أن الحادث هو بقضاء الله وقدره، لكنَّه أخطأ في السرعة، فلابد أن يحاسب عليها.
ولهذا لو توفي معه أحد في مثل هذا الحادث وجبت عليه الكفارة، أليس كذلك؟ بينما لو كان ليس له دخل في ذلك أصلاً لقلنا: لا تجب عليه الكفارة.
إذاً تبين هنا أن هذه المصيبة التي وقعت على من وقعت عليه هي بقضاء الله وقدره، لكن المسببات نبحث عنها ولا مانع من ذلك ولا اعتراض.
стр. 440
أذكار الصباح والمساء ومدى حمايتها من المصائب
السؤال
هل الحرص على أذكار الصباح والمساء مسلم من وقوع الحوادث والمصائب أم لا؟ وهل قولها بعد خروج الوقت ينفع أم لا؟
الجواب
ينفع -إن شاء الله- قولها بعد خروج الوقت، لكن الحرص عليها في أوقاتها أولى، إنما هل تنفع؟ نقول: هي من الأسباب التي أمر الله بها وأمر بها الرسول ﷺ ، وهذه الأسباب إذا وجدت قد توجد مسبباتها وقد لا توجد، لكنك مأمور، فهي شبيهة بإنسان يقول -مثلاً-: أنا لن أتزوج، إن كان الله كتب لي أولاداً فسأجد الأولاد تزوجت أم لم أتزوج.
فهذا نقول له: أنت عقلك فيه شيء؛ لأن الله أمرك بالنكاح على سنة الله وسنة رسوله ﷺ ، وهذا النكاح من الأسباب التي تؤدي إلى وجود الأولاد، فافعل الأسباب، فإذا أعرضت عن السبب بالكلية فأنت مخطئ، لكن إذا فعلت السبب قد يأتيك الولد وقد لا يأتي.
كذلك أيضاً نقول في الأذكار، فقد أمرنا الله بها وأخبرنا بأنها حصن تحمي هذا الإنسان، فنسمعه ونمتثل أمر الله بها، وهي عبادة، لكن هل معنى ذلك أن من فعلها لا يأتيه أي حادث أبداً؟ نقول: لا.
فقد يتأخر السبب لوجود مانع، فالمؤمن يحرص على الأذكار، وهي -بإذن الله ﵎ تحميه، لكن لو وقع عليه شيء لا يعترض، ولا يقول: أنا ذكرت الله، أنا دعوت في هذا الصباح.
وإنما قد يدعو الإنسان بقلب غافل، وقد يكون الله أراد لك خيرا.
فأنت تريد الخير بهذا الذكر لكن الله أراد لك خيراً بالذكر وبهذه المصيبة، فلا تعترض على ربك ، بل ارض بما قسم الله لك.
стр. 441
الاكتفاء بالإيمان المجمل بأمور العقيدة
السؤال
هل يكفي العامة إيمانهم المجمل بأبواب العقيدة؟ فمثلاً: هم يؤمنون بالقدر خيره وشره، ولكن لا يحفظون شيئاً في مهام القضاء والقدر، وكذلك في باب صفة الله وغيره من الأبواب؟
الجواب
نعم.
يكفيهم.
стр. 442
نصيحة لفاقد والديه
السؤال
ما رأيكم في شاب فقد أحبابه أباه وأمه، بل نشأ وهو لا يعرف أباه ولا أمه، فيرجو أن توصيه بوصية تقع في قلبه موقعاً يستفيد منها في بقية حياته؟
الجواب
أقول لك ولغيرك ممن ابتلاه الله بمثل ما ابتلاك به أو بجزء منه: إنَّ الكثير منهم من فقد أباه ومنهم من فقد أمه، والله أرحم بهم من الوالدة بولدها، لكنَّه يبتلي عباده ويمتحنهم ليكون هذا الابتلاء والامتحان خيراً للمؤمنين.
والذي أوصيك به -يا أخي- هو ثلاثة أشياء: أولها: الرضى بالقضاء، وأن توقن أن هذا مكتوب عليك قبل أن تخلق فلا تتحسر؛ لأنك لم تعرف أباك أو أمك، بل ارض بما قدر الله لك، واعلم أن الله رحيم بك قريب منك حينما تكون من أهل الخير والطاعة.
الأمر الثاني: أن تعلم أن الدنيا فانية وأن الآخرة هي دار الحيوان، فالدنيا أحزان وأكدار، فمن الناس من ضحكت له الدنيا وازدهرت عنده شرفاً وجاهاً ومالا وإذا بالأقدار تخطفها منه أو تخطفه منها في لحظة عين، هذه هي الحياة، ولو فتشت -يا أخي- عن أحوال الناس لوجدت كل بيت من البيوت فيه ابتلاء وامتحان، فلو خيرت لاخترت ما أنت عليه.
فالإنسان قد ينظر أحياناً إلى بعض الناس أو بعض البيوت -مثلاً- فيقول: سبحان الله! ما أسعدهم! ما أحسن أحوالهم! سيارات وأموال.
لكن فتش عنهم، وادخل داخل البيت ستجد هذا البيت قد ابتلي ببلية أو بمصيبة لو قيل لك: نعطيك الدنيا كلها وتحمل معك هذه المصيبة لما قبلت ذلك.
فأنت أنعم الله عليك بنعم عظيمة جدا لا تعد ولا تحصى، ولهذا دعني استطرد قليلاً وأسألك سؤالاً واحداً وأقول: لو جاء أعمى غير مبصر وقال لك: أنا عندي مليار ريال أو عشرة مليارات أريد أن أعطيك إياها وآخذ إحدى عينيك فهل أحدٌ يقبل هذا العرض؟ إذاً أنت بعينك هذه تملك أكثر من عشرة مليارات، فكيف بنعمة السمع والبصر وغير ذلك؟ إذاً أنت بنعم عظيمة، فلماذا يصبح عندك هذا الحصار في قلبك تنظر إلى الناس بهذه النظرة؟ لهذا سأقول لك: يا أخي! اعلم أن الدنيا أحزان وأكدار، والبيوت أسرار، وهي مملؤة بأحزانها وأكدارها، فارض بما قسم الله لك، فلربما لو قست نفسك على غيرك لوجدت أنك أحسن من كثير من غيرك، لهذا أقول: اعرف قدر الدنيا.
ثم أقول لك ثالثاً: انظر إلى الآخرة، واعمل في الدنيا، فكما أنك فقدت أبويك فابحث عن زوجة صالحة، فلعل الله يجعل فيها خيراً ويرزقك الولد لتعيش حياة ملؤها الرضا، ومن ثم فاجعل طريقك طريق خير تسير فيه على شرع الله ؛ فإن الله إذا علم منك حسن الإيمان بقضائه وقدره عوضك خيرا في الدنيا وفي الآخرة.
لهذا فالتفت إلى الآخرة، فانظر إلى ما بعد الموت، فتلك الحياة الحقيقية والسعادة الحقيقية.
هذه هي الأمور الثلاثة التي أحببت أن أذكرك بها.
فاعمر حياتك ومستقبل حياتك بطاعة الله، والله يعوضك عما فقدت بزوجة وأولاد صالحين إن شاء الله تعالى تعيش معهم حياة إيمانية رخية.
وأمامك أيضاً ما عند الله وما أعد لأهل النعيم من أهل الخير.
أسال الله أن يجعلني وإياك جميعاً ممن يسعد يوم القيامة.
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 443
مقدمة في العقيدة
خلق الله الإنسان في بداية نشأته كائناً متميزاً مفطوراً على التوحيد، وعلى عبادة الله ، وقد بقيت هذه الفطرة طيلة عشرة قرون، حتى جاءت الشياطين فاجتالت بني آدم عن عبادة الله إلى عبادة غير الله ، ومن هنا كانت مهمة الرسل والأنبياء دعوة الناس إلى عبادة الله، وتحذيرهم من عقابه ومقته سبحانه إن هم استمروا على العصيان والتمرد، وبهذا تظهر مهمة النبوة والإرسال إلى الخلق، وما زالت الرسل تترى حتى ختمت بحبيبنا وسيدنا محمد ﷺ ، ثم كان الأمر قائماً بعده والحجة مستمرة وباقية على ألسنة ورثة الأنبياء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم.
стр. 444
قضايا في أبواب العقيدة
стр. 445
لماذا النبوة
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: فإن هذه الدروس ستكون في قضايا العقيدة المختلفة، وقد ترددت بين أمرين بالنسبة لمنهج الدرس: أحدهما: أن أجعله درساً يقوم على دراسة كتاب من كتب العقيدة وشرحه، كما كان في دروس شرح لمعة الاعتقاد لـ ابن قدامة رحمه الله تعالى.
الأمر الثاني: أن نجعل هذه الدروس نظراً لقصر الوقت دروساً متفرقة حول قضايا مهمة في أبواب العقيدة، وقد رجحت أن يكون منهجنا في هذه الدروس هو المنهج الثاني، أي أننا سنعرض في كل درس إن شاء الله لقضية من قضايا العقيدة القديمة أو المعاصرة.
وسأفتتح هذه الدروس بمقدمة حول العقيدة ومنهاج السلف؛ لأن هناك قضايا مهمة ومسلمة يجب أن يعيها المسلمون جميعاً والدارسون للعقيدة الإسلامية بشكل أخص، وكثيراً ما وقع الاختلاف والتفرق بين المسلمين بسبب أنه ليست لهم قواعد ولا أصول ثابتة ينطلقون منها جميعاً، فحينما تختلف بهم المناهج والقواعد سرعان ما يتمايزون يميناً وشمالاً: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون:٥٣]، ونحن نعلم أن الله رحيم بعباده، ومن رحمته بهم أن أرسل لهم الرسل، وأنزل لهم الكتب، وبين لهم المحجة، حتى ترك كل رسول أمته على مثل البيضاء -الشمس- ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، وإذا كان الأمر كذلك فإن الخطأ إنما يقع من جانب الناس في تعاملهم مع النصوص.
أما النصوص من كتاب وسنة فهي وحي من الله : ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:٤٢]، وقد حفظ الله القرآن العظيم، فلم يترك حفظه لأحد، قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩]، وسنة الرسول ﷺ أيضاً هي وحي يوحى، كما قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣ - ٤].
إذاً الكتاب والسنة مصدران أصيلان من تمسك بهما لا يمكن أن يزل ولا أن يطغى، ولا أن ينحرف يميناً أو شمالاً، ولقد شهدنا هذا وسمعناه وقرأناه من خلال تجربة عملية قوية غيرت مجرى تاريخ البشرية، حين تمسك أولئك الصحب الكرام بذينك المصدرين وعملوا بهما، فكان لهم من الشأن ما هو معلوم ومعروف، ومن ثم فإن أي عودة للأمة الإسلامية، وخاصة في عصرنا الحاضر الذي تكالب فيه أعداء الإسلام مشرقاً ومغرباً، بل ومن داخل بلاد المسلمين تكالبوا فيه جميعاً على الإسلام وعلى المنهج الحق الذي يعتمد منهاج السلف الصالح ﵏ ﵎، وإذا كانت الحال كما نشاهد مما يحز في كل نفس مؤمن فإن العودة إلى العزة والكرامة وإلى الرفعة والتميز عن باقي الأمم جميعاً لن يكون إلا بالعودة إلى تلك الأصول الصحيحة، والله يقول -وهذا الخطاب يشمل الفرد ويشمل الأمة-: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه:١٢٤]، أما من اتبع ذكر الله والتزمه فإن له الحياة الحقيقية في الدنيا والآخرة، لهذا فنحن في هذه المقدمات سنعرض لقضايا تتعلق بالعقيدة وبمنهاج السلف الصالح رحمهم الله تعالى.
стр. 446
خلق الإنسان من بداية نشأته كائناً متميزاً
القضية الأولى: لماذا النبوة؟ ولماذا احتاجت البشرية إلى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام على مدار التاريخ؟ نحن نعلم ونوقن أن نشأة الإنسان على هذه الأرض نشأة متميزة، وهذا خلاف لتلك النظريات الغربية وغيرها التي تزعم أن الإنسان كائن متطور، كنظرية دارون وغيرها من النظريات التابعة لها، ففي منهاج الإسلام وفي عقيدة الإسلام ونصوصه الصريحة أن هذا الإنسان كائن متميز خلقه الله بيده، خلق آدم أبا البشر بيده، وأسكنه جنته، وأسجد له ملائكته، ثم إنه تعالى خلق حواء زوجه منه، وابتلاه وامتحنه، فلما عصى آدم وزوجه أهبطهما الله إلى الأرض، وجعل حياتهم في هذه الأرض حياة تكليف، تلك قصة نشأة البشرية، فلا قرود ولا تطور، ولا ما يذكره هؤلاء جميعاً، وهذه قضية بديهية تماماً في عقيدة الإسلام، وتعقبها قضية بديهية أخرى، ألا وهي أن آدم وزوجه لما أهبطهما الله إلى الأرض أهبطهما وهما على عقيدة التوحيد وعبادة الله وحده لا شريك له والتزام ما أمرهما الله بشرعه، وهكذا نمت ذريتهما من بعده.
إذاً هنا قضيةً أخرى، ألا وهي أن آدم لما أهبطه الله من الجنة كان على المعرفة والتوحيد الخالص، قال الله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة:٢١٣] إلى آخر الآية، وقد روى البخاري عن ابن عباس موقوفاً عليه قال: (كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام) فآدم وذريته من بعده كانوا على المعرفة الحقيقية اليقينية العلمية العبادية الصحيحة على منهج التوحيد الخالص، وهذا مقطوع به.
стр. 447
الإنسان نشأ عالماً عارفاً بالله
وبذلك أيضاً تبطل نظرية أخرى عند كثير من دارسي الأديان الذين يزعمون أن الإنسان في معرفته بالله تطور، يقولون: إن الإنسان أول ما نشأ على هذه الأرض -بصرف النظر عن كيفية نشأته- نشأ بدائياً لا يعرف شيئاً -أي: جاهلاً- ثم بدأ يتحرك في هذه الأرض، فنظر فبدأت تنشأ عنده عقيدة، رأى جبلاً ضخماً أمامه فخافه فعبده، رأى شمساً أو قمراً فنظر إلى عظمته وتكرره عليه فخافه وعبده، ثم لم يزل به هذا، أي أنه ابتداء قام على الشرك بالله وعبادة غير الله، ثم لم يزل به عقله ونموه يتطور حتى انتهى به إلى تكامل العقل البشري، وذلك من خلال العقيدة الصحيحة التي هي عقيدة التوحيد.
هذا المنهاج خاطئ من أوله إلى آخره، فالقول بتطور الإنسان كالقول بتطور الأديان أو تطور الدين عند الإنسان، فهنا قضيتان: القضية الأولى: أن الإنسان كائن متميز.
القضية الثانية: أن الإنسان أول ما نشأ على هذه الأرض نشأ عالماً عارفاً عابداً لله على وجه الحقيقة، أي أن عقيدته كانت على التوحيد الخالص.
ومن ثم نجد أن الله لما أخبر الملائكة بقوله: ﴿إني جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٣٠].
قال تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة:٣١] أي: علم آدم أسماء كل شيء.
ثم اختبر الملائكة، فلما لم يكن للملائكة علم إلا ما علمهم الله ما عرفوا هذه الأسماء، فلما أنبأهم آدم بهذه الأسماء تبين فضل آدم ﵊.
وهذه القضية التي تتعلق بنشأة اللغات أيضاً، وهي قضية عقدية فكرية طالما تكلم عنها الباحثون وخاصةً رواد الدنيوية وغيرها، هذه القضية المتعلقة باللغات نجدها قضية إيمانية موجودة في القرآن العظيم أن الله: ﴿عَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ﴾ [البقرة:٣١] ومن ثم فلو فكرنا قليلاً فمن أعظم نعم الله علينا في هذه الحياة تعليم الأسماء واللغات، أرأيت لو لم يكن في نظام الحياة البشرية هذه الأسماء كيف ستكون حياتنا؟ لن نستطيع أن نتفاهم إلا بحقائق الأشياء، فحين أخبرك بقولي: فلان صنع كذا لا يمكن أن يفهم عني من هو فلان هذا إلا إذا أتيت لك به، وعندما أقول: فعل كذا لا بد أن أفعل نفس الفعل حتى يفهم الذي أمامي، وعندما أقول: اشتريت سيارة لا يمكن أن يفهم مني معنى سيارة إلا حين آتي بنفس السيارة، وعندما أقول: صنعت خبزاً لا يفقه معنى الخبز إلا لما آتي بالخبز، فمن الله على عباده بتعليم اللغات، هذا التعليم اللغوي منذ آدم ﵊ به تستقيم حياة الناس، ولو لم يكن كذلك لأصبحت حياة الناس في غاية التعقيد والعناد، ولهذا كان تعليم اللغات يفتح آفاقاً من العلم والمعرفة في جميع جوانبها، سواء أكانت معرفةً بالله وأسمائه وصفاته وخلق السماوات ونشأة الكون وغير ذلك، أم فيما يتعلق برسل الله وتاريخهم، أم فيما يتعلق بالتاريخ عموماً، أم فيما يتعلق بالحياة كلها ماديةً وغير مادية.
إذاً هنا قضية أخرى، وهي أن الله لما أهبط آدم إلى الجنة مكث وذريته -كما في أثر ابن عباس - عشرة قرون على التوحيد، ثم نشأ فيهم الشرك، كيف نشأ الشرك فيهم؟ نشأ عن طريق الصور وتعظيم غير الله ، ولا نطيل في ذكر قصة نشأة هذا الشرك، لكن كانت كما أخبر الله عن قوم نوح الذين أرسل فيهم نوح، فهو أول الرسل، أما الأمم من قبله فقد كانوا على التوحيد، فنوح أرسل في قومه لما نشأ فيهم الشرك الأكبر الذي هو عبادة غير الله ، وعلى هذا فإن رسالة نوح ﵊ هي بداية الرسالات التي تعود بالأمة كلها إلى مسارها الصحيح من خلال العقيدة الصافية عبادة الله وحده لا شريك له.
стр. 448
لماذا كانت حاجة البشرية إلى الأنبياء ؟
وهنا تأتي عندنا قضية، وهي: ما هي مهمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؟ ولماذا كانت حاجة البشرية ماسةً إلى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؟ أظن أن الجواب وضح، ومن ثم فإنني يمكن أن أختصره في أمرين: أحدهما: تصحيح المسار، فكلما انحرفت الأمة عن منهاج ربها كان من رحمته تعالى أن يرسل إليهم رسولاً يصحح لهم هذا المسار، حتى تكون الأمة سائرة على منهاج واحد.
الأمر الثاني: هو تربية هذه الأمة، بحيث تكون حياتها على منهاج حق في عبادة الله وحده لا شريك له، سواء أكان هذا عبادة محضة، أم كان في قضايا من قضايا الحياة المختلفة سياسيةً أو اقتصاديةً أو اجتماعيةً أو غير ذلك، ومن ثم فإن البشرية لا تستطيع أن تستغني عن منهاج الأنبياء؛ لأن التعرف على الله وعلى كيفية عبوديته مما لا يدخل تحت قدرة البشر، ولهذا لما وجدت فئات من الناس تكبرت على الأنبياء ولم تسمع لكلامهم، وأرادت أن تتخذ لها منهاجاً خاصاً بها تصل به إلى الحقائق الكونية حقائق نشأة هذا الوجود، وحقائق وجود الله وعلاقته بخلقه إلى آخر القضايا العقدية وغير العقدية، هذه الفئة لما أرادت أن تنهج هذا النهج بعيداً عن منهاج الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ضلت وانحرفت، وأصابت أصحابها ومن سار على منهاجهم بالحيرة والاضطراب طول حياتهم، وهذا هو المنهج الفلسفي الذي أدى بأصحابه إلى ما تعرف من مناهج الفلاسفة.
إذاً عقول البشر ومناهج البشر مهما بلغت لا يمكن أن تستغني عن المنهاج الذي جاء به أنبياء الله ، ومن ثم فإن الله هو الذي امتن على عباده بإرسال الأنبياء، وهو الذي اختارهم، أي أنه لا اختيار للعباد في الرسل والرسالات، وإنما ربنا هو الذي أرسل، وهو الذي أنزل مع هؤلاء الكتب والشرائع ليكون سبباً في قيام الحجة على عباد الله ﵎، ومن ثم يتبين لنا أن النبوة والأنبياء عليهم الصلاة والسلام هم ضرورة بالنسبة للبشرية أشد من ضرورتهم إلى الطعام والشراب وما سوى ذلك.
стр. 449
مدلول ختم النبوة بمحمد ﷺ
وهنا ننتقل إلى القضية الثانية، ألا وهي ختم النبوة بمحمد ﷺ ومدلولاتها، والنصوص من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ قاطعة بذلك، والأدلة معروفة لا نعرض لها هنا، لكن ما مدلول ختم النبوة بمحمد ﷺ ؟ لها عدد من المدلولات نحب أن نقف عندها ونحن ندرس في هذه العقيدة.
أولها: عموم رسالته ﷺ إلى الناس كافة، وهذه القضية قد تجد في عصرنا الحاضر من يجادل فيها، وما الدعوة إلى الحوار بين الأديان التي نجدها في السنوات الأخيرة، ونجد لها صدىً إعلامياً واسعاً أحياناً إلا رسم لهذه القضية الكبرى، وهي قضية ختم الرسالة بمحمد ﷺ وعموم رسالته إلى الناس كافة.
ثانياً -وهي قضية كبرى أيضاً-: أن هذه الشريعة التي أتى بها رسول الله ﷺ هي شريعة كاملة لا تحتاج إلى تكميل ولا إتمام، لا من شرائع سابقة ولو كانت تنتسب إلى الأنبياء ولا من مناهج شرقية أو غربية، وكمال الشريعة مقتضاه صلاحية هذا الدين الإسلامي للتطبيق في كل زمان ومكان، فأولئك الذين يتحدثون -مثلاً- هذه الأيام عن أن الإسلام تعداه الزمن، وأنه لا يمكن تطبيق الإسلام أولئك يطعنون في الإسلام، ويطعنون في ختم النبوة، ويطعنون في كمال شريعة محمد ﷺ ، ومن ثم فإن الدعاة إلى منهاج السلف الصالح رحمهم الله تعالى في مشارق الأرض ومغاربها يجب أن تكون هذه عندهم قضية يقينية، يجب أن يدركوا إدراكاً تاماً أن مسألة كمال الشريعة وصلاحيتها للتطبيق هي قضية ربانية ثابتة لا تتغير أبداً، وعلى هذا: فيجب عليهم أن لا ييأسوا، ويجب عليهم أن لا يفتروا، وأن لا تخدعهم نظريات الغرب أو الشرق، ولا هجوم الغرب أو الشرق على الإسلام، ولا هجوم العلمانيين وغيرهم من داخل بلاد الإسلام على الإسلام؛ لأن من أخطر الأشياء على الداعية إلى الله الذي يحمل عقيدةً ومنهجاً أن تهتز قناعته بما يدعو إليه، ومن ثم فإن التصميم الجاد القوي لا يكون إلا من إنسان لديه القناعة التامة الكاملة بما يدعو إليه من منهاج، ونحن حينما نعرض لهذه القضية التي تتعلق بختم النبوة بمحمد ﷺ إنما هو لبيان أنه لا خيار لنا بين شيئين: إما أن نتهم هذه الشريعة التي جاء بها رسول الله ﷺ بأنها ناقصة لا تصلح للتطبيق، ومن ثم فمدلول ختم النبوة بمحمد ﷺ ما هو إلا مدلول نظري وليس عملياً.
وإما أن يكون رفضنا لهذه الشريعة بشكل مباشر، ونأخذ ممن جاء من الغرب أو الشرق أو غيرهما مناهجهم ولو ناقضت منهاج الإسلام، لهذا فإن ختم النبوة بمحمد ﷺ له مدلول في كل وقت، وله مدلول عظيم في زماننا هذا، هذا المدلول يتلخص في أنه ليس هناك منهج يمكن أن نبحث عنه إلا أحد منهجين: إما منهج الإسلام الذي جاء به الرسول، وإما مناهج أخرى غربية أو شرقية، فلا خيار للتدليس ولا للتلبيس ولا للترقيع ولا لغير ذلك من المناهج، وعلى هذا فإن الشيء الذي تيقنا به كمال هذه الشريعة ودوامها إلى أن تقوم الساعة هو حفظ الله ﵎ لهذا القرآن العظيم وحفظه لسنة محمد ﷺ ، وهما وحي من الله، وهما مصدر التشريع في هذه الحياة، ولذا فإن منطلقنا ونحن ندعو إلى منهاج السلف الصالح رحمهم الله تعالى هو منطلق واضح ممتد، يكون على ذلك المنهاج السليم الذي طبقه سلفنا الصالح، وسار عليه من تبعهم إلى عصرنا هذا، والقافلة سائرة إلى أن تقوم الساعة، كما قال النبي ﷺ في أخباره عن الطائفة المنصورة أنها قائمة بأمر الله مجاهدة، (لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله ﵎.
стр. 450
قضايا مهمة حول منهج السلف
بعد عرض تلك القضيتين المتعلقتين بنشأة الدين وبدء النبوات وختم النبوات بمحمد ﷺ ننتقل إلى الأمر الثالث، ألا وهو منهج السلف الصالح رحمهم الله تعالى ونظرة في بعض قضاياه، وهنا أشير إلى هذه القضية، وقد سبق أن ألقيت في ذلك وفي تفاصيله محاضرات متعددة، كما ألفت فيه عدداً من الكتب، لكني سأذكر هنا عدداً من القضايا التي أرى أن من المهم أن نقف عندها.
стр. 451
الزعم بأن الدعوة إلى منهج السلف رجعية
يظن بعض الناس أن الدعوة إلى منهاج السلف الصالح ما هو إلا نوع نكوص إلى الماضي، وخروج من الواقع الصعب الذي تعيشه الأمة الإسلامية، فيأتي بعض هؤلاء ليقول: إن هؤلاء الذين يدعون إلى منهاج السلف الصالح يريدوننا أن نعود إلى القرون الماضية، ويريدون منا أن نتخلى عن حياتنا المعاصرة، ثم هم أيضاً لديهم ناحية نفسية خلاصتها أنه حين يعيش في أزمته الحاضرة يحاول أن ينكص إلى الماضي ويرجع إليه ليتسلى بالماضي فقط.
هذه الفكرة خطأ جسيم إن كانت من إنسان صادق، وإلا فهي ضلال وإضلال من أولئك الدعاة إلى محاربة منهاج السلف الصالح رحمهم الله تعالى، ولهذا فإننا نقول: إن المطالبة بالعودة إلى منهاج السلف الصالح إنما هو عودة إلى تأصيل المنهج العقدي للأمة، وهذا لا خيار فيه لها، فالرسول ﷺ أمر باتباع سلف الأمة، وقبل ذلك أمر الله بطاعته وطاعة رسوله ﷺ ، والرسول يقول: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي)، وهذا الأمر بالتزام سنته وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعده ليس نكوصاً إلى الماضي، وإنما هو عودة إلى ثوابت وأصول وجذور هذا الدين وهذه العقيدة التي لا تتغير مهما اختلف الزمان والمكان، وهذا هو الدعوة إلى منهاج السلف الصالح.
إذاً الدعوة إلى منهاج السلف الصالح تقوم على الدعوة على تلك الأصول الثابتة التي لا تتغير بتغير الزمان والمكان، فعندما ندعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له إنما ندعو إلى منهج لا يتغير مهما اختلفت الظروف والأحوال، فالذي يطير في الطائرة أو في الصاروخ يجوب الفضاء أو يتعامل مع أدق الإلكترونيات والمخترعات العلمية وغيرها هذا هو نفسه مثل ذاك الذي يحلب الإبل ويشرب من ألبانها ويركبها، فالعبادة لله وحده لا شريك له لا تتغير مهما تغيرت الظروف والأحوال، فالدعوة إلى منهاج السلف الصالح رحمهم الله تعالى ليست دعوةً إلى أن نرجع إلى الماضي، وإنما هي دعوة تأصيلية لأن تكون تلك الثوابت العقدية والتشريعية وغيرها كما عاش بها سلفنا الصالح نعيش بها نحن أيضاً، ومن ثم فإن التقدم الحضاري المادي مطلوب بشرط أن يضبط وأن لا يتعارض مع تلك الثوابت، وهذا الذي فعله المسلمون من خلال تعاملهم مع مستجدات عصورهم لما اتسعت فتوحاتهم في مشارق الأرض ومغاربها، ولهذا فإن هذه القضية التي نطرحها هي قضية فكرية طالما طرحها دعاة الفكر الغربي والعلماني والقومي وغيرهم حينما يفسرون العودة إلى الأصول وإلى منهاج السلف الصالح بأنه نكوص، وأحياناً يسمونها رجعية، لكن أظن أن الحقيقة قد وضحت، فالعودة إلى منهاج السلف الصالح هي عودة تأصيلية لثوابت، أما متغيرات الحياة فلا، فإن متغيرات الحياة مطلوبة، بل ربنا يقول للمؤمنين وهو يبني فيهم روح الجهاد: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال:٦٠] (قوة) نكرة ﴿مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال:٦٠]، وعليه فواجب على الأمة أن تتقوى من جميع الجوانب، والقول بأن الدين يعارض العلم والتقدم العلمي هذه المقالة أظنها أصبحت مقالة قديمة كما يعبرون أحياناً، ولا أظن أن أحداً الآن يناقش في هذه القضية، منذ السنين الطويلة لما هجم الاستعمار الغربي والتبشيري النصراني على العالم الإسلامي -وهو لا يزال- كان في أول هجومه يتهم الإسلام بأنه عدو العلم والتقدم وغير ذلك، لكن قتلت هذه القضية بحثاً فأصبحت هذه القضية مما لا يحتاج إلى نقاش، فهذا الإسلام لا يتعارض مع العلم أبداً؛ لأن الكل من عند الله ، لكن هذا الإسلام وهذه العقيدة والشريعة تضبط العلم، والحضارة الغربية لما تقدمت بدون ضابط صارت حالتها إلى ما نحن نشاهده هذه الأيام، ونحن ما تقدمنا علمياً ولا تقدمنا في مناهجنا وأصولنا وثوابتنا، فأصبحنا على هذه الحالة التي هي حالة أقل ما يقال فيها أنها حالة يرثى لها، والله المستعان!
стр. 452
التلازم بين العقيدة والشريعة وموقف الطوائف الأخرى منه
ومن القضايا في منهاج السلف الصالح التي يجب أن نقف عندها ويقف عندها الدعاة إلى الله قضية التلازم بين العقيدة والشريعة، ومن المؤسف حقاً أن هذه القضية لا تزال مجال أخذ ورد من بعض من لم يفقه منهاج السلف الصالح رحمهم الله تعالى، والتلازم بين العقيدة والشريعة قضية كبرى من اختلت عنده اختل عنده النظر الصحيح إلى منهاج السلف الصالح رحمهم الله تعالى، ومقتضى هذا التلازم أن عقيدة الإسلام بتوحيدها وأركان إيمانها تنبثق منها شريعة كاملة لازمة له، وأن الإنسان الذي يؤمن بتلك العقيدة لا بد أن يلتزم بتلك الشريعة، وأنه لا انفصام بينهما، لكن لو تأملت في هذه القضية لوجدت أن المناهج قديماً وحديثاً ضلت في هذا الباب.
دعني أضرب لك مثالاً بالنسبة للزمان القديم حول هذه القضية: إن أئمة الإسلام منذ القرن الأول الهجري ردوا على طائفتين ضالتين من الطوائف التي تذكر في كتب الفرق الإسلامية، الطائفة الأولى: الخوارج، ومعهم المعتزلة، والطائفة الثانية: المرجئة، فما علاقة ردود أئمة الإسلام على هاتين الطائفتين بهذه القضية التي معنا، وهي قضية التلازم بين العقيدة والشريعة؟! الطائفة الأولى وهم الخوارج والمعتزلة جعلوا هذا التلازم تلازماً تاماً يؤدي إلى تكفير كل من خالف وعصى ربه ﵎، ومن ثم فمن وقع في كبيرة أخرجوه من دائرة الإسلام، وهو ما يسمى بقضية (كفر مرتكب الكبيرة)، هذا الفهم للتلازم بين العقيدة والشريعة لا يتوافق مع طبيعة البشر؛ فإن كل بني آدم خطاء، فإذا ما قال أحد بهذا القول أن كل مرتكب لكبيرة فإنه خارج عن دائرة الإسلام فمعنى ذلك أن هذا الإسلام الحق سينحصر في فئة قليلة جداً هي فئة هذه الطائفة التي تزعم نفسها جماعة المسلمين، وعلى هذا فإن هؤلاء أخطئوا في فهم منهاج الإسلام وتلازم عقيدته وشريعته من الناحية النظرية في تعريف الإيمان، وجعلهم للأعمال جميعها شرطاً فيه، ومن الناحية العملية حينما انحازوا بأنفسهم وظنوا أنهم هم جماعة المسلمين، ومن لم يدخل في جماعتهم فهو كافر خارج عن دائرة الإسلام، ومن ثم أدى هذا المعتقد إلى منهجية غريبة في التعامل مع النصوص تحولت إلى منهجية أغرب في التعامل مع الناس، ومنهاج السلف الصالح رحمهم الله تعالى يختلف عن منهاج الخوارج.
إذاً عندنا نوعية من الطوائف كانت موجودة قديماً ولا تزال إلى الآن تفهم التلازم بين العقيدة والشريعة على أنه تلازم كلي، وأي خلل فيه سواء أكان خللاً في باب التكذيب أم خللاً في باب العمل مهما كان فإنه يؤدي إلى الخروج عن دائرة الإسلام، بينما في منهاج الإسلام ومنهاج السلف الصالح لا يوجد هذا، ولهذا كانت عقيدة أهل السنة والجماعة أنهم لا يكفرون بكل كبيرة من الكبائر، كما قال الطحاوي ﵀: [ولا نكفر أحداً من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله] أي: لا نكفرهم بكل الذنوب.
فميزوا بين ذنب وذنب، ومن ثم تجد الواقعية في المنهاج الإسلامي وفي فهمه، فالمجتمع المسلم وهو يطبق هذا الإسلام لا يتحول إلى مجتمع ملائكة: ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦]، وإنما مجتمع مضبوطة أموره، وقضاياه مميزة، فإذا وجد من يعصي وتاب تاب الله عليه، وإذا وجد من يعصي وأقيم عليه الحد كان كفارة له، فجاءت أحكام الإسلام وحدوده لتبين كمال هذه الشريعة.
وقد يقول قائل: إذا كانت الشريعة كاملة فلماذا حد السرقة وحد الزنا وحد القتل؟ نقول: هذا فهم خاطئ، من كمال هذه الشريعة وجود هذه الحدود؛ لأن طبيعة الإنسان أنه يخطئ ويصيب، وطبيعة التكليف الرباني للإنسان في هذه الحياة أن الله يبلوه بالحسنات والسيئات، ويبلوه بالخير والشر فتنة إلى أن يرجع، فلما كان الأمر كذلك تبين أن من كمال هذه الشريعة أن شرع الله هذه الحدود لتضبط مسار المجتمع.
إذاً الطائفة الأولى أخطأت في فهم الإيمان وفهم التلازم بين العقيدة والشريعة.
والطائفة الثانية: المرجئة، وهؤلاء أمرهم عجيب أيضاً، فصل بين اعتقاد القلب وبين عمل القلب والجوارح، فصار الإيمان عندهم مجرد التصديق القلبي الخالي عن العمل، بل أحياناً يقولون: إنه مجرد المعرفة، وإن هذا كافٍ في وجود الإيمان وتحقيق الإسلام ومقتضى هذا المذهب أن الشريعة والعمل لا علاقة لهما بالعقيدة، فكل من صدق بالله بقلبه فهذا هو المسلم وإن رفض شريعة الإسلام، وإن رفض أحكام الله ، ولهذا تجد أن هذا المذهب الإرجائي الذي وجد في زمن قديم انتشر في الأزمنة المتأخرة انتشاراً عظيماً، فتجد الكثير من الناس يقول لك: ما دام أنه انتسب إلى هذا الدين فهو مسلم، ولو كذبه، ولو انتسب إلى مبادئ علمانية إلحادية، ولو رفض شريعة الله، ولو أنه شرع من دون الله .
وعلى هذا الفهم نجد عند هؤلاء لا علاقة للشريعة بالإيمان، سواء علاقة نظرية أو علاقة تؤثر في مدلول الإيمان وفي قضيته واعتقاده، وهذا أمر عجيب وغريب وخطير، ولهذا لما انتشر المذهب الإرجائي في الأمة الإسلامية في عصورها المتأخرة وجدنا من يكتفي بالهوية لينتسب إلى الإسلام فقط، وإذا فتشت عن حاله وعن خلقه عن سلوكه وعن قضاياه الأخرى كلها لا تجد فرقاً بينه وبين غيره من الكفار.
وأقول: عن طريق هذا المنهاج تسلل الغرب إلينا في العصور المتأخرة ليفرض علينا حياة غربية، ومناهج غربية، وقوانين جاهلية، ولا مانع مع ذلك بالبقاء على الانتساب إلى الإسلام، ومن ثم ترتب على هذا الفهم وعلى هذا الواقع العملي الذي عاشته الأمة الإسلامية أن تلك الفئة التي عرفت بمصطلح (العلمانية) وجدت في الغرب، ولكن الغريب جداً أن تنتقل إلى العالم الإسلامي؛ لأن العلمانية مقتضاها فصل العقيدة عن الحياة، ويسمونها أحياناً (فصل الدين عن الدولة)، ويسمونها أحياناً (فصل الدين عن الحياة)، وهي في الحقيقة فصل بين انتسابك إلى الإسلام وبين حياتك، وأن تكون على أي منهج، والأخطر من ذلك أن يكون لهذه العلمانية دعاة ومدارس تتبنى مبادئ قومية، أو مناهج أدبية، أو غيرها من المناهج لتركب عليها وتقود الأمة إلى هذا المنهج العلماني.
إذن لما نتحدث في منهاج السلف الصالح عن التلازم بين الشريعة والعقيدة لا نتحدث عن قضية جزئية، ولا نعرض لمسألة جانبية، وإنما نعرض لقضية كبرى تميز بها السلف الصالح رحمهم الله تعالى من خلال منهج مؤصل في هذا الباب.
وبهذا ينقض قول الخوارج وغلوهم وضلالهم، وبه ينقض قول المرجئة وتساهلهم وبدعتهم، وبه أيضاً تنقض العلمانية المعاصرة التي تريد أن تفصل بين عقيدة الإسلام وبين شريعة الإسلام، ومن هنا فإن الدعوة إلى منهاج السلف الصالح لا بد أن ينتبه إليها.
стр. 453
التمييز بين البدع والمصالح المرسلة
الأمر الآخر قضية البدعة والتمييز بين ما هو بدعة في الدين وبين ما هو مصلحة مرسلة جائزة، وهذه القضية أيضاً تعتبر من الأصول في منهاج السلف الصالح رحمهم الله تعالى، فقد أخطأ فيها طائفتان: إحداهما جعلت كل ما هو جديد بدعةً، فحكمت على كل جديد بذلك، وأعرضت عنه ودعت إلى رفضه، فلما رفضته دخل في ذلك ما هو بدعة حقاً -وأصابت في ذلك- لكنها أدخلت ما ليس ببدعة مما هو من الأمور المباحة في باب البدع وهذه قضية -أي: التعامل مع الحياة المعاصرة- استجدت حتى في حياة الصحابة ﵃ وأرضاهم لما انتقلوا من جزيرة العرب إلى بلاد الشام والعراق وما وراء ذلك، استجدت لهم أشياء مادية وغير مادية.
كذلك أيضاً نحن في عصرنا الحاضر استجدت للحياة المعاصرة أشياء كثيرة، فما هي طبيعة التعامل معها؟ الطائفة الأولى ترفض كل ما هو جديد مسميةً له بالبدعة.
فلما كان رأي هذه الطائفة بهذا العرض قابلتها الطائفة الثانية التي فتحت الباب على مصراعيه، فقبلت كل ما وجد، وأدخلت في ذلك كل ما هو مستجد من بدع مختلفة، وهكذا تميع الإسلام عند هؤلاء -أعني الطائفة الثانية- حتى أصبح الإنسان لا يميز في منهج هؤلاء بين الإسلام وبين الكفر.
أما منهاج السلف الصالح في ذلك فقد كان منهاجاً علمياً وسطاً مبنياً على الأدلة الصحيحة واستقرائها، ومن ثم فقد ميزوا بين البدع في باب العقائد التي هي عندهم ثوابت وبين غيرها مما استحدث وابتدع، فأنكروا بدع العقائد كلها، وبينوا منهاج الكتاب والسنة في ذلك، ومنهاج السلف الصالح رحمهم الله تعالى في تصفيتها، وعلى ذلك تجد المنهاج السلفي واضحاً, فهو الذي رفض فلسفة أرسطو لما ترجمت في القرن الثالث الهجري، وهو الذي يرفض في عصرنا الحاضر الفلسفات الوجودية والعبثية والوضعية وغيرها من الفلسفات الإلحادية؛ لأن العقيدة ثابتة، ومصدرها واحد، ولا حاجة بنا إلى عقائد أخرى.
ثانياً: ميزوا أيضاً بين ما هو من أصول الشريعة العبادية الثابتة سواء أكانت عبادات أم كانت أصول معاملات، ومن ثم جعلوا أي إحداث فيه تغيير أو ظن أنه يكمل ما يعتقد أنه ناقص جعلوه بدعة مرفوضة، ولهذا نجد أن التعريف الصحيح للبدعة أنها إحداث في الدين على وجه القربة.
فهو يريد أن يبتدع عبادة أو يتبع أصولاً تناقض أصولاً شرعية فتتحول القضية هذه إلى قضية بدعة، ولذلك تجد -مثلاً- أن من أراد أن يبتدع للأمة عبادة -ولو كانت نيته طيبة- جديدة من صلاة أو ذكر أو غير ذلك فإن فعله هذا بدعة مرفوضة، لأن البدعة تنقسم إلى قسمين: بدعة إضافية، وبدعة حقيقية، حسب التقسيم المعروف.
أقول: بدعته هذه بدعة مرفوضة؛ لأنه أراد أن يكمل هذا الدين بمكمل من عنده يتقرب به إلى الله ، وهذا يخالف القضية الكبرى التي ذكرناها سابقاً، وهي كمال هذا الدين، ومثله لو أراد أن يبتدع بدعةً ينقض فيها أصلاً من أصول الإسلام، وأضرب مثالاً على الوجه الثاني: الآن توجد دعوة في عالمنا الإسلامي تزعم أن الربا قضية عصرية ضرورية، ومن ثم فلا بد من أن نبحث في أدلة الإسلام عمَّا يدل على أنها جائزة، لماذا؟ قالوا: لأنها ضرورة عصرية، فهنا في هذا الحالة هل يساوم المؤمن على أصل من الأصول؟ لا يساوم، بل إن المتأمل اليوم لمشكلة العالم كله في عصره الحديث -بصرف النظر عن انحرافاته العقدية والفكرية والأخلاقية وغيرها- إذا نظرنا إليها من الناحية الاقتصادية فإنه يجد أن أكبر مشكلة هي مشكلة الربا، فالأزمات العالمية للدول الصناعية والدول الفقيرة إذا فتشنا عنها نجد أن سببها الربا، إذاً هذا أصل، فمن أراد أن يستبدل بهذا الأصل أصلاً آخر فإن هذا الاستبدال مرفوض.
ثالثاً: أن ما عدا ذلك من أمور الحياة مما يستجد من أشكالها وأنماطها فإن هذا يؤخذ به بشرط أن يتلاءم مع أصول العقيدة وقواعد الشريعة، وهذه أيضاً قضية في عصرنا القديم والحديث، والصحابة ﵃ وأرضاهم لما أتوا إلى أمور استجدت في البلاد التي فتحوها أخذوا بها.
أقول: الصحابة رضوان الله عليهم تعاملوا مع ما استجد مما واجهوه في البلاد التي فتحوها تعاملاً مبنياً على منهاج صحيح، فرفضوا ما يصادم أصول العقيدة، وأخذوا بمستجدات الحياة بما يتلاءم معها.
وإذا انتقلنا إلى عصرنا الحديث وجدنا أيضاً أن المنهاج السليم منهاج العقيدة لا يتعارض مع الحضارة، لقد مضى قبل خمسين سنة أو أربعين سنة ذلك الزمان الذي كان يقول فيه القائل: إن الإسلام يرفض الحضارة، ويرفض الاختراعات والسيارات والطائرات وغيرها.
مضى هذا الزمن، بل ومن نعمة الله أننا نجد أن كثيراً من شباب الصحوة -وفقنا الله وإياهم، وثبتنا وإياهم جميعاً- يتخصصون بتخصصات علمية دقيقة، وتجد الواحد من هؤلاء يحمل منهاجاً سلفياً صحيحاً، وفي نفس الوقت أيضاً يحمل أعلى التخصصات العالمية، ولا تعارض بين القضيتين، وهذه ما هي إلا نماذج عملية نشاهدها على مستوى الفرد، ويجب أن تكون على مستوى الأمة، بحيث يكون منهاجها في التعامل مع ما هو جديد منهاجاً مضبوطاً بمنهاج الكتاب والسنة على قضية ما سبق أن ذكرناه في مسألة البدعة.
فما هو من البدعة فإنه يتجنب، وما ليس ببدعة فلا يتجنب وإنما يستفاد منه، وهذه القضية تحتاج إلى مواقف عملية؛ لأن دعاة التغريب والعلمانية في بلاد الإسلام يصفون الدعاة إلى الله بأنهم إنما يريدون طمس الحضارة والقضاء على الحضارة، ويصفونهم أحياناً بصفات بشعة، منها أنهم ظلاميون، وأنهم متوحشون إلى آخر الصفات التي تسمع، ولا يزال الإعلام في كل حين يأتي بمصطلحات جديدة، فهذه العبارات الموجهة ضد الصحوة المعاصرة إنما هي موجهة إلى المنهاج الحق منهاج السلف الصالح ﵏، لكن لا بد من شماعات يعلقون عليها تهمهم وهجومهم على الإسلام والسلفية.
أما الغرب فإنه يريد إسلاماً غير مطبق، يريد للعالم الإسلامي أن يبقى على هويته الإسلامية في الشكل فقط، أما حياته ونظمه وعلاقاته وولاؤه وبراؤه وأحكامه وتشريعاته وغير ذلك فهي تبقى على ما هي عليه من علمنة وبعد عن الله، هذا الذي يريده الغرب، ومن هنا فإن الداعية إلى الله الذي يدعو إلى منهاج السلف الصالح عليه أن يبصر هذه القضايا ويتدبرها، وأن يعلم ويوقن أن هذه القضايا المعاصرة التي يكثر الحديث عنها في هذه الأيام وتوجه فيها السهام إلى الإسلام أن هذا الأمر إنما يدل على عظمة هذا الدين وصحة ذلك المنهاج، المسلمون اليوم ضعفاء ومتفرقون، وحالهم يرثى لها كما يشاهد، ومع هذا فلا تزال السهام ترسل قوية جداً إلى المسلمين، أرأيت لو عدنا إلى منهاج صحيح، وعدنا إلى ديننا وإلى عقيدتنا وإلى شريعتنا وطبقناها من خلال فهم صحيح مؤصل كيف ستكون الحال؟ لا شك أن الحالة ستتغير: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٢١].
إذاً العودة إلى منهاج السلف الصالح لا خيار للأمة الإسلامية فيها، والأمة الإسلامية إن ظنت أنها تستطيع أن تلحق بالغرب في تقدمه المادي فأظن أن مفكريها يدركون أن الغرب قد سبقهم إلى ذلك أشواطاً بعيدة، وأن الغرب حتى هذه اللحظة لا يسمح بنقل تلك الحضارة المادية وأصولها إلى المسلمين، لا يزال يحتفظ بمفاتيح مخترعاته على مختلف أنواعها وأشكالها، فمن ظن أنه يمكن بهذه الطريقة أن يعيد للأمة الإسلامية مجدها فهو مخطئ، لكن ما هي الطريقة الصحيحة التي تجمع بين الأمرين؟ هي العودة أولاً إلى هذا الدين وإلى هذا المنهاج، والعودة إلى هذا المنهاج ستكون أول سبب من أسباب الاستقلال والتميز لهذه الأمة عن مشرق أو مغرب، ومن ثم فإن هذه الحقيقة الناصعة يجب أن يدركها الجميع.
стр. 454
الأسئلة
стр. 455
التلازم بين العقيدة والشريعة عند أهل السنة وغيرهم من الفرق
السؤال
الخوارج يرون التلازم التام بين الشريعة والعقيدة، والمرجئة ينفون التلازم، ومنهاج السلف وسط بينهما، فكيف يرون التلازم بين العقيدة والشريعة؟ هل هو تلازم ناقص؟
الجواب
السلف يرون التلازم التام بين الشريعة والعقيدة، فمن الناحية النظرية قد يقرب منهاج الخوارج من منهاج السلف، ولذا تجد في كتب العقيدة الإيمان عند أهل السنة هو قولٌ واعتقاد وعمل.
وعند الخوارج: الإيمان هو قول واعتقاد وعمل.
فتعريفهم في الظاهر واحد، لكن اختلف في مقدار مدى نقض هذا التلازم للعقيدة، تجد الخوارج ينقضون العقيدة بمجرد ارتكاب الكبيرة، والسلف يخالفونهم في هذا، لهذا فالتلازم بين العقيدة والشريعة أصل من أصول الإسلام، فما هناك تلازم ناقص بالنسبة لأهل السنة والجماعة، لكن فهمهم لهذا التلازم ثم تطبيقهم العملي له يختلف عن منهاج الخوارج، كما أنه يختلف عن منهاج المرجئة.
стр. 456
الاستفادة الجائزة والممنوعة من التعليم الغربي
السؤال
ما حكم من يستفيد من الحياة الغربية من سلوك وأفكار تربوية واجتماعية لا تعارض العقيدة والشريعة كنظام التعليم وغيره؟
الجواب
القضية سهلة، كل شيء يرجع إلى أصوله، ومن ثم فأنت حينما تأتي بنظام التعليم من عند الغرب لتستفيد منه نقول: نظام التعليم القائم على جهة من نظام التعليم الغربي، يقوم إما على الإلحاد، أو على مبدأ دين النصرانية، أو على الفلسفة الإغريقيه أو غيرها، فحينئذ سواء أكان هذا علماً أم منهاج تعليم فإنه حين يعلمك منهجية التعليم بتلك المناهج الغربية تكون مرفوضة في منهاج الإسلام، هذا القسم الأول.
القسم الثاني: منهاج ترتيبي تنظيمي يمكن أن يستفيد منه الإنسان، كأن يستفيد في ترتيبه المكتبة أو ترتيب بعض القضايا الإدارية التي تتعلق بالتدريس أو التعليم أو غير ذلك، سواء أكان الإنسان يجلس على البسط -على ركبتيه- للتعلم، أو يجلس على الماسة، أو يستخدم الكمبيوتر، أو يستخدم الكتابة اليدوية أو غيرها، كل هذه من الأشكال يستفيد منها المسلمون ما استطاعوا، لكن يفرق بين الحالة الأولى والثانية.
стр. 457
الفرق بين العقيدة والشريعة
السؤال
ما الفرق بين الاصطلاحين: العقيدة والشريعة؟ وهل يشمل أحدهما الآخر؟
الجواب
العقيدة: هي ما اعتقده الإنسان، والشريعة: هي عبادات الإنسان ومعاملاته في هذه الحياة، هذا عندما نجمع بينهما، فإذا قلنا: العقيدة والشريعة صار للعقيدة معنى وللشريعة معنى آخر، لكن عند إطلاق أحدهما فإنه يدخل فيه الآخر، فإذا قلت: العقيدة الإسلامية فالشريعة الإسلامية داخلة فيها، وإذا قلت: الشريعة الإسلامية فالشريعة الإسلامية داخلة فيها العقيدة؛ لأنها لا بد أن تقوم على أساس عقدي.
стр. 458
معنى قول عمر: (نعمت البدعة)
السؤال
كيف نوفق بين كون الشريعة الإسلامية كاملة وقول عمر ﵁ في صلاة التراويح: (نعمت البدعة هي) عندما سئل عنها؟
الجواب
أبداً ليس فيه تعارض؛ لأن عمر ﵁ وأرضاه لما قال: (نعمت البدعة) قالها رداً لمن ظن أنها بدعة، فقال: (نعمت البدعة) وعمر ﵁ أراد بقوله: (نعمت البدعة تلك) ما يدل على أن عمر متيقن منها ومن صحتها، ودليل يقينه أن أصل التراويح شرعه لنا رسول الله ﷺ ، لكن النبي ﷺ ما أم الصحابة خوفاً من أن تفرض عليهم، فلما انتقل ﷺ إلى الرفيق الأعلى زال ذلك الخوف، فبقيت هذه الشرعة، فأعادها عمر ﵁ وأرضاه، وجمع الناس على قارئ واحد، فلما اعترض معترض بأن هذا ما كان موجوداً قال عمر: (نعمت البدعة تلك)، إذاً تسميتها بالبدعة سواءٌ أكانت تسمية لفظية أم تسمية من باب المشاكلة فإنها ليست بدعة؛ لأنها لها أصل في الشريعة.
стр. 459
متى يحكم على المفرط في الشرع أنه مرجىء
السؤال
هل يمكن أن نقول عن بعض الشباب الذين يؤمنون بالله ولكنهم لا يصلون ولا يتمسكون بالشريعة: إنهم مرجئة؟
الجواب
كونهم لا يصلون هذا يأتي في الخلاف في حكم تارك الصلاة، ولا نصفهم بالإرجاء فحسب، بل قد يوصفون بالخروج من الإسلام، وهذا على القول الراجح في أن تارك الصلاة بالكلية يكفر، أما إذا كان عن كونهم لا يتمسكون بالشريعة فهذه بحسبها، لكن ما منبع عدم تمسكهم بالشريعة في شئون حياتهم؟ نقول: إن كثيراً من الناس تقول له: يا أخي! اعمل.
فيقول لك: يا أخي! التقوى ها هنا، تقول له: يا أخي! افعل الخير.
يقول لك: الرسول ﷺ يقول: (من قال لا إله إلا الله دخل الجنة)، فهذه عقيدة ومذهب المرجئة، فإذا كان يحتج بهذا المنهاج فهو متأثر بمذهب المرجئة، أما إذا كان لا يحتج وإنما تغلبه نفسه وهواه فيفرط في بعض الواجبات ونحو ذلك فالأمر -والحالة هذه- قد يكون مبنياً على نوع من الفسق لا على اتباع لمذهب المرجئة.
стр. 460
قضية إبراهيم في سورة الأنعام كانت على سبيل المناظرة لا البحث
السؤال
كيف نرد على ما اشتهر من قصة إبراهيم ﵇ مع القمر والشمس، حيث قال: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ [الأنعام:٧٦] إلى آخره، فهل الناس مروا بفترة انقطع فيها الدين عن الحياة، أم أنه فقط أسلوب من أساليب الدعوة؟
الجواب
قول الله تعالى عن إبراهيم: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ * فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ * فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام:٧٥ - ٧٩].
هذه الآيات اختلف فيها المفسرون على قولين: القول الأول: إن هذا فهم وتدرج من إبراهيم نفسه.
أي أن إبراهيم نفسه ظن أن هذا الكوكب ربه، فلما غاب قال: (لا أحب الآفلين)، ثم لما رأى القمر قال كذلك، ثم لما رأى الشمس إلى أن تبين لإبراهيم نفسه أن هذه لا تستحق العبادة من دون الله، فوجه وجهه للذي فطر السماوات والأرض.
القول الثاني للمفسرين: إن هذا من إبراهيم من باب المناظرة والرد على قومه الذين كانوا يعبدون الكواكب والشمس والقمر، فإبراهيم أراد أن يبين لهم أن هذه لا تستحق العبادة من دون الله، فلما رأى الكوكب قال وقومه يسمعون: (هذا ربي)، فلما غاب الكوكب قال: (لا أحب الآفلين) كيف يكون ربي ويغيب؟! وهكذا علمهم إلى أن قال: (وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض)، فهذه الكواكب لا يجوز أن تعبد من دون الله.
والقول الثاني هو الصحيح، أما القول الأول وإن أورده بعض المفسرين فهو قول ضعيف؛ لأن إبراهيم مفطور على فطرة الإسلام، ولأن رؤية إبراهيم للكواكب والشمس والقمر لم تكن في يوم من الأيام حدثت له ولم تكن قبل ذلك، فإبراهيم كان يرى القمر ويرى الكواكب في كل يوم، فلماذا في هذا اليوم ينتقل وهو يعلم أن الكوكب سيغيب، ويعلم أن الشمس ستغيب، ويعلم أن القمر سيغيب؟! إذاً القول الصحيح أن هذا من باب المناظرة بالنسبة لإبراهيم مع قومه، وعليه فلا تدرج في الأديان ولا في غيرها، وهو شبيه بموقف إبراهيم ﵊ حينما كسر الأصنام وجعل الفأس معلقاً على رقبة كبيرهم، ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾ [الأنبياء:٥٨]، فلما رجعوا من عيدهم وجدوا أصنامهم مكسرة، فقالوا: من فعل هذا؟! تداولوا الرأي والأمر فقالوا: ﴿سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ [الأنبياء:٦٠]، فقالوا: ائتوا به على أعين الناس حتى نفضحه أمام العالمين، ونبين كيف أنه فعل جريمته الشنعاء حين كسر الأصنام، وجمعوا الناس جميعاً حينما أراد الله خزيهم وفضيحتهم، وأتوا بإبراهيم ﵊ للمحاكمة.
والقضية شبيهة بقصة الغلام والساحر، فلما اجتمعوا قيل لإبراهيم: ﴿أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا﴾ [الأنبياء:٦٢] هل أنت الذي كسرت الأصنام؟ وهنا جاء الجواب: ﴿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنطِقُونَ﴾ [الأنبياء:٦٣]، وهنا وقعوا في المأزق، ولذلك قال تعالى: ﴿فَرَجَعُوا إِلَى أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الأنبياء:٦٤] أنتم الذين جمعتم الناس وأوقعتم أنفسكم في هذا المأزق فافتضحتم.
فهذا منهاج دعوي لإبراهيم ﵊.
وفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
следующие страницы →