Полный текст (616 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
إرادة المنافقين قتل النبي ﷺ عند عودته من تبوك
وأخطر حادثة وقعت في هذه الغزوة هي ما فعلوه عند رجوع رسول الله ﷺ من هذه الغزوة، فإن الرسول ﷺ لما رجع منها وصل به المسير إلى عقبة، فتجمع عدد من المنافقين يزيدون عن العشرة وتلثموا، ولحقوا برسول الله ﷺ ، وكان يقود ناقته حذيفة بن اليمان وعمار بن ياسر، فلحقوا بالنبي ﷺ عند العقبة يريدون قتله، فلما رآهم عمار بن ياسر لحق بهم وصار يطاردهم بحربته حتى فروا، فأقبل على الرسول ﷺ ، فقال له: (يا عمار -وفي رواية: يا حذيفة! - هل تعلم القوم؟ قال: لا؛ إنهم كانوا ملثمين.
فقال: هل تعلم ماذا كانوا يقصدون؟ قال: الله ورسوله أعلم.
قال ﷺ : لقد عزموا على أن يطرحوني في العقبة فيقتلوني).
إنهم منافقون، وهكذا كانوا من قصة إلى قصة، ومن حادثة إلى حادثة يتنقلون فيها وهم داخل جيش المسلمين يصنعون ما ذكرنا من النماذج، وما أكثر النفاق في كل زمان وفي كل مكان! خاصةً حينما ترتفع للمسلمين رايةٌ وصحوة.
стр. 387
نماذج من أحداث المنافقين مع النبي ﷺ
لقد وقعت من المنافقين أحداث عجيبة، وهاك نماذج منها: فأول موقف منهم هو أنه لما أمر الرسول ﷺ بالجهاد صار هؤلاء المنافقون يثبطون المسلمين، ويقولون -كما قال الله تعالى حاكياً عنهم-: ﴿وَقَالُوا لا تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾ [التوبة:٨١]، فكان الواحد منهم يجتمع بالعدد من أصحاب الرسول ﷺ -وهو منافق، ولا يُعلم بأنه منافق؛ لأنه يتظاهر بالإسلام- فيقول لهم: كيف يخرج بنا رسول الله ﷺ في هذا الحر الشديد؟ الحادثة الثانية: أن بعض المنافقين قال للنبي ﷺ : يا رسول الله! ائذن لي ولا تفتني ومن هؤلاء الجد بن قيس الذي قال له النبي ﷺ : (يا جد! هل لك في جلاد بني الأصفر؟) فقال الجد بن قيس: يا رسول الله! إنك تعلم أنني مغرم بالنساء، وإنني أخاف إن رأيت نساء بني الأصفر ألا أصبر عنهن فأفتن عن ديني.
فأذن لي يا رسول الله.
فأنزل الله تعالى فيه: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ [التوبة:٤٩] أي أنه قال: إنه يخاف من فتنة النساء وهو كاذب، فسقط في فتنة النفاق، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
وهذا الرجل هو الذي قال لولده -وكان له ولد صحابي فاضل اسمه عبد الله-: ما لي وللخروج في الريح والحر الشديد والعسرة إلى بني الأصفر، فأنا أخالفهم في منزلي فأغزوهم، وإني لعالم بالدوائر! أي: ينتظر الدوائر برسول الله ﷺ .
فقال له ولده صاحب العقيدة الصلبة: لا والله! ولكنه النفاق، والله لينزلن بك قرآناً.
فضربه أبوه ضربة على وجهه بنعله، فانصرف عنه ابنه ولم يكلمه.
ومن الحوادث أيضاً أن الرسول ﷺ وهو يتهيأ لتلك الغزوة علم أن ناساً من المنافقين يجتمعون في بيت سويلم اليهودي يثبطون الناس عن غزوة تبوك، فبعث رسول الله ﷺ إليهم طلحة بن عبيد الله مع نفر وأمره أن يحرق عليهم بيت سويلم هذا ففعل، فاقتحم المنافقون جدران البيت وفروا.
ومن الأحداث -أيضاً- أنه كان أولئك المتخلفون عن غزوة تبوك من المنافقين على قسمين: قسم منهم غلبهم الخوف والذعر والجبن والخور، فجاؤوا إلى رسول الله ﷺ وطلبوا بأن يكونوا مع الخوالف، وأذن لهم الرسول مع أنه يعلم نفاقهم، كما قال تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾ [التوبة:٤٣].
وقسم آخر من هؤلاء المنافقين قعدوا ولم يعتذروا، ولا شك أن قعودهم هذا فيه ما فيه من التثبيط للرسول الله ﷺ ولأصحابه.
ولم يكتف المنافقون بمثل هذا، بل سار بعضهم مع رسول الله ﷺ يرجفون بالجيش الإسلامي كلما سنحت فرصة.
ومن ذلك أنه لما خلف رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب في أهل بيته أرجف المنافقون، فقالوا: ما ترك علي بن أبي طالب إلا استثقالاً له! فلما سمع بذلك علي بن أبي طالب أتى إلى رسول الله ﷺ وقال: (يا رسول الله! أسمعت ما يقول أولئك؟! فقال ﷺ له: أما ترضى -يا علي - أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى)، فرجع ﵁ وأرضاه راضياً ممتثلاً لأمر رسول الله ﷺ .
ومن ذلك أيضاً لمزهم للمتطوعين من المؤمنين في الصدقات، فلما جاء عبد الرحمن بن عوف ﵁ وأرضاه بأربعة آلاف دينار قال المنافقون: ما جاء بها إلا رياءً.
ولما جاء صحابي آخر لا يملك إلا صاعين من تمر، فأبقى صاعاً لأولاده طعاماً وأتى بالصاع الثاني إلى رسول الله ﷺ ، فلما وضعه بين يديه قال المنافقون: إن الله ورسوله غنيان عن صاعك هذا، فأنزل الله : ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ [التوبة:٧٩].
ومن ذلك أيضاً أنه كان يقول بعض المنافقين للمسلمين: أتحسبون جلاد بني الأصفر كقتال العرب بعضهم لبعض؟ والله! لكأنا بكم غداً مقرنين في الحبال.
يقولون هذا إرجافاً وترهيباً للمؤمنين، ولهذا كان هؤلاء الذين قالوا ما قالوا في أثناء الغزوة يقولون: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء -يعنون رسول الله ﷺ والخلص من أصحابه- أرغب بطوناً ولا أجبن عند اللقاء.
فأنزل الله فيهم قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً﴾ [التوبة:٦٥ - ٦٦].
هكذا كانت أحوال المنافقين، ومن ذلك ما سبق ذكره قبل قليل حين أرجفوا بناقة رسول الله ﷺ حين ضلت، ولم يعلم الرسول ﷺ أين هي إلا بعد أن أخبره الله .
стр. 388
قصة الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك
الوقفة الرابعة مع هذه الغزوة وقفة مع قصة الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك، وقصتهم مشهورة رواها البخاري في صحيحه عن كعب بن مالك أحد الثلاثة، ولما كانت القصة معروفة لدى الجميع فإنني أحب أن أقف معها وقفات، فأقول: أولاً: هؤلاء الثلاثة مؤمنون صادقون تخلفوا لأسباب من ضعف الإيمان في ذلك الوقت، وبقوا في المدينة، فلما رجع رسول الله ﷺ اعتذر من اعتذر من المنافقين، وقبل الرسول ﷺ عذرهم، إلا هؤلاء الثلاثة فإنهم صدقوا رسول الله ﷺ ، وقالوا: يا رسول الله! ما لنا من عذر.
فأمر النبي ﷺ بهجر هؤلاء الثلاثة، فهجرهم المسلمون لا يكلمونهم ولا يسلمون عليهم، وجرى لهم ما جرى، حتى أنزل الله عليهم التوبة، فتاب الله عليهم، كما قال تعالى: ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة:١١٨].
ونحب أن نقف مع قصة هؤلاء الثلاثة عدة وقفات؛ فإننا أحوج ما نكون في هذه الأيام إلى أن نقف هذه الوقفات، فأول هذه الوقفات هي مع أسباب تخلفهم.
إن المتأمل لهؤلاء الثلاثة يرى عدة أنواع من الأسباب، أما أولهم -وهو مرارة بن الربيع - فإن سبب تخلفه أنه كان له حائط -بستان جميل-، وكان في ذلك الوقت قد أزهر وأينع وأثمر، فصار ينظر إليه ويتردد هل يذهب مع الرسول أو يبقى مع حائطه حتى فاته الغزو.
وأما الثاني -وهو هلال بن أمية - فكان له أهل قد تفرقوا، ففي ذلك الوقت اجتمع أهله وجمع من أقاربه في المدينة، فأحب أن يمكث معهم ويأنس بهم، وتردد في الذهاب مع رسول الله ﷺ حتى فاته الغزو.
وأما الثالث -وهو: كعب بن مالك - فإن سبب تخلفه هو التردد، فقد كان كل مرة يريد أن يتأهب، ثم يحاول أن يتأهب فما يصنع شيئاً، فيعود مرة ثانية، وهكذا في اليوم الأول والثاني والثالث حتى فاته الغزو مع رسول الله ﷺ ، ولهذا فإن أحد الصحابة -وهو أبو خيثمة - تداركه الله برحمته فلم يجعله مع هؤلاء الثلاثة، وإن كانت له قصة مشابهه لقصتهم، فإن أبا خيثمة لما تجهز رسول الله ﷺ وسار ذهب إلى بيته، فوجد أن زوجتيه قد صنعت كل واحدة منهما عريشاً ورشته بالماء، وأتت بالطعام الطيب، فلما وقف نظر إلى هذه الزوجة وقد أحسنت في صنعها وهيأت أطايب الظلال والثمار، ونظر إلى الأخرى فإذا بها قد صنعت مثل ذلك، فتوقف، واستيقظ الإيمان في قلبه ﵁ فقال: سبحان الله! رسول الله ﷺ في الريح وحر القيظ وأبو خيثمة مع زوجتيه في ظل بارد وثمر طيب، والله لا يكون هذا، والله لا دخلت بيت إحداكن إلا وقد هيأت لي ما أتزود به.
ولم يدخل بيت واحدة منهما حتى هيأتا له زاده وراحلته، فلحق بالنبي ﷺ ، وما زال يسير ويسير حتى كان رسول الله ﷺ هناك في تبوك بين أصحابه، فأقبل رجل من بعيد، فقالوا: يا رسول الله! هذا راكب قد قدم.
فقال ﷺ : (كن أبا خيثمة)، فلما أقبل إذا به أبو خيثمة ﵁ وأرضاه.
وقارن بين هذه العزيمة وبين تردد كعب بن مالك ﵁ وأرضاه، وكيف جرى لهذا ما جرى ﵃ أجمعين.
الوقفة الثانية مع قصة الثلاثة هي أن هؤلاء خلفوا، ومعنى أنهم خلفوا: أنهم لم يبين حالهم، كما أخبر كعب بن مالك بذلك، أي أن أولئك المنافقين عذرهم الرسول ووكلهم إلى سرائرهم، لكن هؤلاء الثلاثة خلفوا، ولم يحسم ويقطع في الحكم فيهم إلا بعد خمسين ليلة، حيث أنزل الله: ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ [التوبة:١١٨]، وليس المقصود به: التخلف، كما قد يفهمه بعض الناس من ظاهر الآية.
وقد كان في المتخلفين الثلاثة شيخان كبيران، وهما: هلال بن أمية ومرارة بن الربيع، ولهذا لما أمر النبي ﷺ بعد مرور أربعين ليلة هؤلاء الثلاثة بأن يعتزلوا نساءهم قال كعب بن مالك لامرأته: الحقي بأهلك.
وهلال بن أمية قال لامرأته: الحقي بأهلك.
لكنه كان شيخاً كبيراً، فذهبت إلى النبي ﷺ وقالت: (يا رسول الله! هل تأذن لي أن أخدم هلالاً؛ إنه والله ليس له خادم، وهو شيخ ضائع، فهل تكره -يا رسول الله- أن أخدمه؟ فقال ﷺ : لا بأس، على أن لا يقربك، قالت: وأين هو من ذاك؛ إنه لم يزل يبكي ليلاً ونهاراً).
ولهذا فإن هؤلاء الثلاثة الذين امتحنوا هذه المحنة وهجرهم المسلمون جرى لهم من المحنة القاسية ما لا يمكن أن يصفه واصف، فـ هلال بن أمية ومرارة بن الربيع اعتزلا المسلمين، وصارا يبكيان ليلاً ونهاراً، أما كعب بن مالك فكان أجلدهم، وكان يأتي يصلي الجماعة مع رسول الله ﷺ .
стр. 389
دروس ووقفات في قصة الثلاثة
هؤلاء الثلاثة الذين تخلفوا عن رسول الله ﷺ وجرى لهم ما جرى أنزل الله توبتهم قرآناً يتلى إلى يوم القيامة، ومن الواجب أن يقف الإنسان مع هذه الدروس وقفات.
стр. 390
أهمية الصدق
أما الدرس الأخير من دروس هذه الغزوة فهو أهمية الصدق، فإن هؤلاء الثلاثة لما صدقوا صدقهم الله .
يقول كعب بن مالك: فلما أنزل الله توبتي علمت أن هذا هو الصدق، فعزمت على أن لا أقع في أي شيء من الكذب بقية عمري.
وهكذا كان ﵁ وأرضاه، فالصدق منجاة، فيجب على المسلم الصدق مع الله، والصدق مع النفس، والصدق مع الناس، وليحذر من الكذب والدوران والتمويه وغير ذلك، فإنه لا يمكن أن يفيد صاحبه أبداً.
فقد جاء المنافقون وكذبوا على رسول الله ﷺ ، وقالوا: يا رسول الله! لدينا أعذار، ولدينا كذا، ولدينا كذا، فكان عاقبة ذلك أن جعل الله ذلك نفاقاً في قلوبهم، أما أولئك الصحابة الذين صدقوا ربهم فإن الله ﵎ قد أنزل عليهم توبة فرحوا بها فرحاً عظيماً.
يقول سعيد بن زيد: لما نزلت هذه الآية أتيت إلى بني واقفة -أهل هلال بن أمية؛ لأن هلال بن أمية واقفي- فبشرته، فسجد لله شكراً، فما ظننته يرفع رأسه حتى تخرج نفسه؛ لما كان فيه من الجهد؛ ولأنه امتنع من الطعام حتى كان يواصل الأيام صائماً لا يفتر عن البكاء.
أما كعب بن مالك فإنه لما نزلت توبته نزع ثوبيه اللذين كان لا يملك غيرهما وأعطاهما البشير، ثم استعار ثوبين وأتى إلى رسول الله ﷺ .
وهكذا عاقبة الصدق، حتى لو أن الإنسان امتحن، ولو أن الإنسان واجه ما واجه، إلا أنها عاقبة خير، ولهذا قال النبي ﷺ لـ كعب بن مالك: (أبشر -يا كعب - بخير يوم من أيامك)؛ لأنه يوم التوبة الذي تاب الله فيه على هؤلاء الثلاثة ﵃.
стр. 391
العقوبة بالهجر
ومن الدروس أيضاً أن هؤلاء الثلاثة قد عاقبهم الله بهذا الهجر، فبقية المنافقين تخلفوا، لكن ما عوقبوا، لكن هؤلاء الثلاثة عاقبهم الله حتى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، كما أخبر الله .
ومن هنا فإن هذه سنة الله مع عباده المؤمنين الصادقين، فإذا وقع الواحد منهم في ذنب كان من علامة محبة الله له أن يعجل الله عقوبته، وهذا ما يوجب أن يكون الإنسان حذراً من ذنوبه مستيقظاً.
стр. 392
تنكر الأشياء للعاصي
ومن الدروس أيضاً قول كعب بن مالك في قصة تخلفه: (حتى تنكرت لي الأرض فما هي بالتي أعرف)، يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: هذا التنكر يجده الخائف والحزين والمهموم في الأرض، وفي الشجر والنبات، حتى يجده فيمن لا يعلم حاله من الناس، ويجده أيضاً المذنب العاصي بحسب جرمه، حتى في خلق زوجته وولده وخادمه ودابته، ويجده في نفسه أيضاً، فتتنكر له نفسه حتى ما كأنه هو، ولا كأن أهله وأصحابه ومن يشفق عليه بالذين يعرفهم، وهذا سر من الله لا يخفى إلا على من هو ميت القلب، وعلى حسب حياة القلب يكون إدراك هذا التنكر والوحشة.
فالمؤمن الصادق هو الذي إذا وقع في المعصية أحس بالذنب وتنكرت له نفسه وأحس بالوحشة، ولا ترجع له نفسه إلا بتوبة صادقة وعمل صالح.
стр. 393
استغلال أعداء الإسلام للخلاف إذا وقع بين المسلمين
ومن الدروس أيضاً أن أعداء الإسلام يستغلون الخلاف بين المسلمين، فإذا ما رأوا بين المسلمين فرقة استغلوا هذا استغلالاً مشيناً، ويؤخذ هذا من قصة ملك غسان، فإنه لما سمع بقصة كعب بن مالك أرسل له رسالة، وجاء الرسول النبطي إلى المدينة يقول: أين كعب بن مالك؟ فلما دلوه عليه بالإشارة أعطاه الخطاب، فإذا خطاب ملك غسان يقول له فيه: يا كعب! إنا سمعنا أن صاحبك -يعني رسول الله ﷺ قد هجرك وقلاك، وإنك لست في دار مذلة، فالحق بنا نواسك.
يقول كعب: (فلما قرأتها رأيت أن هذا من البلاء) لكن ماذا صنع كعب بن مالك ﵁ وأرضاه؟ استغفر ربه، وذهب إلى التنور وأحرق الرسالة.
فانظر إلى أعداء الإسلام كيف دخلوا إلى كعب في لحظة هجر النبي صلى الله علي وسلم له، وهكذا يدخلون على المؤمنين حينما يقع بينهم شيء من الخلاف، فليتق الله المسلمون، ولتتقوا الله -أيها المؤمنون- فيما بينكم، ولتكونوا يداً واحدة حتى لا ينفذ أعداء الإسلام إليكم.
стр. 394
تخلي المؤمن عن لذاته وشهواته في حال الجهاد
وفي أمر الرسول ﷺ لهؤلاء الثلاثة باعتزال نسائهم درس لكل مؤمن أنه في حال الجهاد وفي حال العبادة عليه أن يتخلى عن لذاته وشهواته، فلما مضت أربعون ليلة على أولئك أمرهم النبي ﷺ بأن يعتزلوا نساءهم حتى يتفرغوا للعبادة، وهذه سنة الله، كما في وقت الحج وكما في وقت الصيام وغيره.
стр. 395
وجوب استغلال فرص الطاعة والقربة
من تلك الوقفات والدروس أن الرجل ينبغي له إذا حانت له فرصة القربة والطاعة لله فعليه أن ينتهزها ولا يتردد، وهذا مأخوذ من قصة تردد كعب بن مالك ﵁ وأرضاه.
стр. 396
دروس من غزوة تبوك
وفي الختام فإنني أختم الحديث عن هذه الغزوة التي استعرضنا فيها جوانب معينة ولم نستعرضها كاملاً بعدد من الدروس العامة في هذه الغزوة.
стр. 397
دعوة الإسلام دعوة عالمية
الدرس الأخير: عالمية الدعوة، فإن النبي ﷺ علم المسلمين من هذه الغزوة التي لم يقع فيها قتال أن هذا الدين يجب أن ينتشر في مشارق الأرض ومغاربها، ومن هنا فإن حقيقة الجهاد الإسلامي وحقيقة الدعوة الإسلامية يجب أن يعيها الداعون في كل وقت، خاصة في هذه الأيام، فإنها لا تقيدها قيود، ولا تقيدها نظم الأمم المتحدة ولا غيرها، إنها دعوة إيمانية ترتبط بهذا الإسلام، وقد بشرنا رسول الله ﷺ أنه ستبلغ ما بلغ الليل والنهار.
أسأل الله أن يجعلنا من الدعاة إلى دينه والمجاهدين في سبيله، وأن يعيذنا من الفتن ما ظهر وما بطن، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
стр. 398
الصراع مع النصارى صراع عقائدي
الدرس السادس: أن نصارى العرب كانوا مع الروم في حربهم لرسول الله ﷺ ، ونسأل: هل نفعت القوميات؟ والعروبة والقومية التي تقول: يجب أن نجتمع على اللغة العربية، أو على الأرض، أو على التراب هل نفعت؟ إن المتأمل في تاريخ المسلمين قديماً وحديثا يجد أن الصراع صراعاً عقدياً، فهاهم نصارى العرب يتعاونون مع أعداء الله ؛ لأنهم معهم في العقيدة، فهل يعي المسلمون هذا الدرس؟ وهل يجعلون من أخوة الإسلام وأخوة الإيمان ما يجتمعون عليه ويوالون عليه ويعادون؟
стр. 399
أهمية الجهاد في سبيل الله بالمال
الدرس الثاني: أهمية الجهاد بالمال.
فإن رسول الله ﷺ حث على الجهاد في هذه الغزوة، وأنفق الصحابة نفقة عظيمة، فقد أنفق أبو بكر في هذه الغزوة كل ماله، وأنفق عمر ﵁ وأرضاه نصف ماله، وجهز عثمان بن عفان ﵁ وأرضاه جيش العسرة، حتى قال فيه النبي ﷺ : (ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم)، وقال: (اللهم! ارض عن عثمان فإني عنه راضٍ)؛ لأنه جهز ﵁ وأرضاه جيشاً كاملاً.
والمال لا شك أن له أهميته الكبرى في الدعوة إلى الله في كل وقت وفي كل زمان، ومن هنا فإن من أعجب ما في هذه الغزوة هو حال أولئك الذين لم يجدوا النفقة، ولم يجد رسول الله ﷺ ما يحملهم، وهم البكّاؤون الذين أتوا إلى رسول الله ﷺ وقالوا: يا رسول الله! ما عندنا نفقة ولا مال، ونريد أن نجاهد معك فقال لهم النبي ﷺ : (ولكني لا أجد ما أحملكم عليه)، كما قال الله تعالى: ﴿وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ﴾ [التوبة:٩٢]، فانظر إلى هذه النفوس المؤمنة، وكيف كان الواحد منهم يرجع وهو يبكي، وأما رؤوس النفاق فكانت فرائصهم ترتعد، وكانوا يبحثون عن المعاذير الكاذبة خوفاً، وهؤلاء يسح الدمع من أعينهم على وجوههم لأن رسول الله ﷺ لا يجد ظهراً يركبهم عليه، فشتان شتان بين المؤمنين الصادقين والمنافقين المخادعين، أسأل الله السلامة والعافية.
стр. 400
وجوب النفير على من استنفره الإمام
الدرس الثالث: أن الإمام إذا استنفر المسلمين وجب عليهم جميعاً النفير.
وهذه من الحالات التي يكون الجهاد فيها فرض عين، فإذا استنفر الإمام الشرعي الأمة للجهاد وجب على الجميع الجهاد، وهذه إحدى الحالات الثلاث التي يكون الجهاد فيها فرض عين.
стр. 401
التحذير من دخول ديار المعذبين والمغضوب عليهم
الدرس الرابع: أن النبي ﷺ لما أقبل على ديار ثمود في الحجر قال: (لا تدخلوها إلا وأنتم باكون) أي: لا تدخلوا على القوم الذين قد عذبهم الله .
وهذا فيه درس، وهو أنه لا ينبغي أن يأتي الإنسان إلى ديار المعذبين والمغضوب عليهم، وأنه يجب عليه إذا مر بهم أن يسرع، أخذاً بهذا من هذه القصة، وقارن ذلك بما يفعله أهل الآثار اليوم الذين يقدسون آثار الكفرة والمعذبين، وينفقون في سبيلها الملايين والأموال، والناس يذهبون إليها سائحين، ورسول الله ﷺ يقول: (لا تدخلوها إلا وأنتم باكون) أي: لا تدخلوا على القوم الذين عذبوا مخافة أن يصيبكم مثل ما أصابهم.
стр. 402
وجوب الثبات على طريق الدعوة
الدرس الخامس: أن كثيراً من الناس يسير في ركب الدعوة إلى الله ، ثم إذا طال عليه الطريق، أو رأى بعض المشاق تردد، وهذا في الحقيقة مما ينبغي أن ينتبه له الجميع، فإن الله يقول في كتابه العزيز: ﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ﴾ [التوبة:٤٢]، وكثير من الناس أو بعض الناس يطول عليهم الطريق، فإذا طال عليهم الطريق بدأت تسقط عزائمهم ويترددون، وبدأت في نفوسهم ألوان من الضعف والخور، وهذا لا ينبغي، ولا يجب أن يكون عليه مؤمن صادق أبداً، فإن المؤمن الصادق هو الذي إذا رأى البلاء ورأى طول الطريق قال كما قال الله عن أصحاب النبي ﷺ : ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران:١٧٣]، ويلزم الثبات على الطريق مهما طال الطريق، ومهما عظم البلاء والامتحان، ومهما حاول أعداؤنا، ومهما حاربنا أعداؤنا، إنه الثبات على الطريق حتى يلقى العبد ربه.
أسأل الله أن يجعلنا ممن ألهمه الله ذلك.
стр. 403
وجوب الجهاد في سبيل الله
أولها: وجوب الجهاد في سبيل الله، فإن الله تعالى قال عن هذه الغزوة في سورة براءة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ * إِلَّا تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التوبة:٣٨ - ٣٩]، فيؤخذ من هذا وجوب الجهاد في سبيل الله، والرسول ﷺ علمنا في هذه الغزوة أن الجهاد في سبيل الله هو ذروة سنام الإسلام، وعلمنا في هذه الغزوة أن الأمة إن لم تجاهد في سبيل الله فستكون العاقبة كما الله تعالى: ﴿لَّا تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [التوبة:٣٩] أي: عذاباً بالذل في الدنيا، وعذاباً بالهوان وغزو الأعداء لنا في هذه الدنيا، وعذاباً في الآخرة، وقال : ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٨].
ولهذا فإن أصحاب النبي ﷺ كانوا حينما يقرؤون هذه الآيات تتحرك في قلوبهم أشجان الجهاد في سبيل الله، فهذا أبو طلحة الأنصاري لما صار شيخاً كبيراً جداً قرأ سورة التوبة، فلما بلغ قول الله : ﴿انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة:٤١] قال لأولاده: (جهزوني؛ إني أرى ربنا قد استنفرنا شيوخاً وشباناً) فقال له بنوه: يرحمك الله، لقد غزوت مع رسول الله ﷺ حتى مات، وغزوت مع أبي بكر حتى مات، وغزوت مع عمر بن الخطاب حتى مات، ونحن نغزو عنك! فقال أبو طلحة ﵁ وأرضاه: (لابد أن أركب) وركب وغزا في البحر، فمات وهم في السفينة، ومكثوا تسعة أيام يبحثون عن جزيرة ليدفنوه فيها فما وجدوا المكان إلا بعد هذه الأيام التسعة، فدفنوه في إحدى الجزر، ووجدوا جسده لم يتغير ﵁ وأرضاه.
وحين تنظر إلى واقع المسلمين اليوم تجد الواحد منهم إذا بلغ سن الكهولة نزلت به وبدنياه تلك المثبطات، فتثبطه عن الجهاد في سبيل الله، ويقول: الجهاد للشباب ولا شك أن الشباب مرحلة قوة، لكن -أيضاً- الشيوخ يجب أن يكون لهم دور في خدمة هذا الدين والدعوة إليه والجهاد في سبيله في مواطن الجهاد.
стр. 404
الأسئلة
стр. 405
تآمر أعداء الإسلام على المسلمين
السؤال
ما رأيكم فيما يحدث للمسلمين اليوم، وخاصة في البوسنة والهرسك؟ ولماذا لا يدعى للجهاد حتى ننقذ إخواننا هناك ونناصرهم؟
الجواب
الحقيقة أن سؤال السائل لا شك أنه دليل -إن شاء الله- على حرقة إيمان يجدها كل مؤمن في هذه الأيام، والمتأمل في قضية البوسنة والهرسك يجد أن العالم كله يكاد أن يكون متآمراً ضد المسلمين هناك، إما بالأصل وإما بالتبع، إما بالأصل وهذا الذي يقوم به الصرب لعنهم الله وقاتلهم، أو يقوم به من وراءهم من النصارى في أوروبا وأمريكا الذين يحافظون على النتائج، أو بالتبع من دول العالم الأخرى التي لا تستطيع أن تصنع شيئاً، ولا تريد أن تصنع شيئاً إلا إذا أذن أولئك الأسياد من خلال النظام العالمي الجديد الذي يقولونه، حتى رافضة إيران الذين هم حرب على الإسلام أشد من حرب اليهود والنصارى يطنطنون بالإسلام ومع ذلك ما صنعوا شيئاً، فنقول: هي مصيبة الأمة الإسلامية من أولها إلى آخرها، فنسأل الله أن يوقظ الأمة لتقوم بواجب الجهاد في سبيل الله وتبعد عنها هذه الذلة والمهانة التي يجدها كل مسلم وهو يشاهد تلك الأحداث الرهيبة تجري على إخوانه المسلمين هناك.
والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، وسلم تسليماً كثيراً.
والحمد لله رب العالمين.
стр. 406
سبب نهي النبي ﷺ عن مس العين التي في تبوك
السؤال
ما سر منع رسول الله ﷺ من مس العين التي في تبوك؟ وهل ذلك يعتبر معصية لأمر الرسول عمداً؟ وهل ما زالت العين موجودة حالياً؟
الجواب
أما سر منعه فظاهر الرواية أن الرسول ﷺ كان يريد أن تبقى هذه العين عيناً معيناً ينبع منها الماء ويجري، فأمر الرسول ﷺ بأن لا يمسها أحد، وكان أمره واجباً، لهذا فإن الذين لم يأتمروا بأمره ﷺ قد عصوه ﵊.
أما هذه العين فليس عندي علم عنها الآن، ولا أدري هل هي موجودة أم لا.
стр. 407
علة الأمر بالإسراع عند المرور بمدائن صالح
السؤال
لماذا أمر رسول الله ﷺ الصحابة بالإسراع وتغطية وجوههم عند المرور قرب مدائن صالح؟ ألا يكون الوقوف عندها هو من باب أخذ العبرة؟ وهل يجوز الآن زيارة تلك الأماكن من باب المعرفة بالشيء والاطلاع عليه؟
الجواب
سئل رسول الله ﷺ عن هذا السؤال الذي سأله السائل، كما جاء في بعض الروايات أنهم قالوا: (يا رسول الله! إنما ننظر إليها لنعتبر ونتعظ.
فقال ﷺ : لا؛ إني أخاف أن يصيبكم مثل ما أصابهم)، فالعلة واضحة، وهي أن هذه ديار معذبين، ومن ثمَّ فلا يجوز للإنسان أن يمكث فيها، بل لابد أن يظهر على قلبه وعلى فعله الأثر من هذا العذاب، فكون الإنسان يذهب إلى هذا المكان ويضحك فيه ويلعب.
وهو مكان قد أنزل الله فيه على قوم عذاباً بسبب كفرهم لا يليق.
أما بالنسبة لمن أراد أن يزور هذه الأماكن فالأولى أن يمتثل لأمر الرسول ﷺ ، بمعنى أنه لا يذهب إليها، فإن مر بها فليمر بها وهو باكٍ متأثر حزين القلب، وليمر بها مسرعاً خوفاً من أن يصيبه ما أصاب هؤلاء.
стр. 408
الطريقة السليمة للتدريب على الصبر والجهاد
السؤال
لقد كانت غزوة تبوك مدرسة ربى الرسول ﷺ بها الصحابة على الصبر والجهاد، فما هي الطريقة السليمة لتدريب الشباب المسلم على الصبر والجهاد؟
الجواب
إن المسلم الصادق في هذه الأيام والشاب الصادق في هذه الأيام يعيش في كل يوم أحداث تربية وجهاد في سبيل الله، وقد لا يوجد الجهاد الصريح إلا في أماكن متفرقة من عالمنا الإسلامي، لكن المسلم اليوم يواجه من أعدائه أنواعاً من الحرب وأنواعاً من التشريد والطرد، مما يقارب بعض ما لاقاه أصحاب النبي ﷺ ، وإلا فكيف تفسر هذه الحرب العالمية التي توجه إلى الإسلام في كل مكان باسم التطرف؟! لقد أصبح الشاب المسلم الملتزم بعقيدته وسلوكه يلاحق في كثير من بلدان المسلمين، فإن لم يقتل سجن، وإن لم يسجن طورد، حتى يطارد في رزقه وفي أمنه واستقراره، وهذا في كثير من بلاد المسلمين، وهذا كله موطن تربية، إنها تربية جهادية.
لقد قال أحد الزعماء العرب: إن أخطر ما يواجه بلدنا هو التطرف الإسلامي! ثم قال: وإني أدعوكم - يخاطب شعبه- إلى أن تقتلوا كل متطرف بلا محاكمة! وإسرائيل أبعدت المجاهدين من أهل حماس، وتعيش مع منظمة التحرير العلمانية مرحلة سلام، أما المجاهدون المبعدون فلا؛ لأن المجاهدين تآمر عليهم اليهود وبقية العرب، فإسرائيل قالت للعرب لما قالوا لها: مشكلة المبعدين قالت لهم: هؤلاء المبعدون هم أهل التطرف الذين تحاربونهم في بلدانكم، لكنكم تحاربونهم بأساليب غير حضارية، ونحن نحاربهم بأسلوب حضاري، وهو إبعادهم عن البلد ونقول: اذهبوا إلى أي بلد تريدون، لكن أنتم تفعلون بهم ما هو موجود في بعض بلاد المسلمين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
стр. 409
الأجر يشمل كل أنواع الجهاد
السؤال
هل الأجر المترتب على الجهاد في سبيل الله مقتصر على جهاد العدو، أم يشمل جهاد النفس والشيطان؟
الجواب
لا شك أن كل جهاد يؤجر عليه الإنسان، فمجاهدته لنفسه يؤجر عليها، وجهاده بالمال يؤجر عليه، وجهاده بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يؤجر عليه؛ لأن كل ذلك جهاد، لكن الجهاد الأعظم هو الجهاد الذي هو موطن الشهادة الذي يقتل فيه الإنسان وهو يجاهد في سبيل الله، وهو قتال العدو، ولهذا فإن الأمور السابقة كلها تسمى جهاداً، لكن الجهاد في المصطلح الشرعي هو قتال الكفار، فمن قاتلهم لتكون كلمة الله هي العليا فهذا هو الجهاد الذي ورد الأجر العظيم فيه من الله .
стр. 410
حكم الهجر أكثر من ثلاثة أيام
السؤال
نفهم من أحاديث الرسول ﷺ أنه لا يجوز الهجر إلا لثلاثة أيام، فكيف هجر النبي ﷺ الثلاثة الذين خلفوا خمسين يوماً؟
الجواب
الهجر لثلاثة أيام هو إذا كان لغير سبب شرعي، أما إذا كان لسبب شرعي فيجوز أكثر من ذلك بشروط الهجر المعروفة، فلو هجر الأب ابنه أو الأخ أخاه لسبب شرعي فإنه يهجره أكثر من ثلاثة أيام، والنهي الوارد هو عن الهجر لغير سبب شرعي.
стр. 411
معنى قوله تعالى: ((وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا))
السؤال
كلمة (خلفوا) تدل على أن شيئاً أجبرهم على التخلف، ولم نجد في عذرهم شيئاً، فما معنى ذلك؟
الجواب
ليس المقصود أنهم تخلفوا، وإنما (خلفوا) أي: من الله فلم ينزل في شأنهم قرآناً إلا بعد، ولهذا ورد في بعض الأقوال أن قول الله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ﴾ [التوبة:١٠٦]، قال بعض المفسرين - وإن كان هذا القول فيه ضعف-: إنهم الثلاثة.
فكلمة (خلفوا) أي: خلف الأمر فيهم، فلم ينزل فيهم القرآن إلا بعد مضي خمسين ليلة.
стр. 412
سبب تخصيص حذيفة ﵁ بأسماء المنافقين
السؤال
ما هو السبب الذي جعل الرسول ﷺ يخبر حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنه بالمنافقين ويكتم ذلك عن بقية الصحابة؟
الجواب
هذا علمه عند الله ؛ لأن الذين أرادوا قتل النبي ﷺ ورد في بعض الروايات -وإسنادها حسن- أن الرسول ﷺ أخبر حذيفة أنهم فلان وفلان وفلان وفلان، حتى عدَّ منهم اثني عشر، وقال: (لا تخبر بذلك أحداً)، حتى إنه كان عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه في زمن خلافته إذا جيء برجل قد مات وكان قد شك هل هو من أهل النفاق أم لا نظر، فإن وجد حذيفة صلى عليه صلى معه، وإن وجد حذيفة لم يصل عليه تنحى عمر مع حذيفة فلم يصل عليه وترك الناس يصلون عليه، فهذا الأمر اختصاص خصه الرسول ﷺ بهذا الصحابي الجليل ليكون صاحب سر رسول الله ﷺ .
стр. 413
متى يكون العلم نافعاً
في خضم انشغال الكفار بعلومهم ومعارفهم المادية، ومتابعتهم لتطورها في كل ساعة وحين، نسوا قضية بدهية لابد أن يفكر فيها كل عاقل، ألا وهي: الغاية التي من أجلها خلق الإنسان والحكمة التي من أجلها وجدت الأكوان، فمن العجب أن ترى حضارة عالية كبرى بلغت من التطور العلمي مبلغاً عجيباً، ومع هذا لا يعرف الفرد فيها ربه وخالقه! ولا يعرف الحكمة من وجوده! ولا يعرف مصيره ومنتهاه! فعلى تلك العقول العفاء، وحسبنا الله وحده وكفى.
стр. 414
العلم الذي يتميز به المسلمون عن غيرهم هو علم الشرع
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فاعلموا -أيها الإخوة- أن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.
أيها الإخوة في الله! نستقبل في هذه الأيام موسم الحصاد العلمي لأبنائنا وبناتنا، ولإخواننا من طلاب العلم، أسأل الله ﵎ أن يجعل ما يتعلمونه عوناً لهم على طاعة الله، وبصيرة لهم في دينهم، ورفعة وعزة لأمتهم الإسلامية، كما أسأله تعالى أن يوفق الجميع لما يحبه ويرضاه، وأن يرزقنا جميعاً التوفيق والنجاح في الدنيا والآخرة.
أيها الإخوة في الله! إن طرائق الدراسة والامتحانات مما أطبقت عليه في الجملة الأمم كلها مؤمنها وكافرها، فما الذي يميز أمة الإسلام في هذا العلم على مختلف فروعه وتخصصاته؟ إن العلم في منهاج الإسلام قسمان: القسم الأول: علم شرعي، عماده الكتاب والسنة والإجماع وأقوال سلف الأمة، وهذا العلم مما تميزت به أمة الإسلام في كونه علم عقيدة وشريعة تشمل جميع نواحي الحياة، وفي كونه علماً نابعاً من مصادر صحيحة ثابتة لا يتطرق إليها شك، ولا يدخلها تحريف، ولا تأويل؛ لأن الذي جاء بها هو خاتم النبيين محمد ﷺ ؛ ولأن الله تكفل بحفظ كتابه، وأمر رسوله ﷺ بأن يبلغ البلاغ المبين؛ فبلغ، ووصلت سنته ﷺ إلينا بجهود علماء الإسلام قديماً وحديثاً.
وهذه العلوم التي تميزت بها أمة الإسلام تختلف جذرياً في هذا الباب عن علوم وكتب أهل الكتاب المحرفة فضلاً عن علوم الأمم الأخرى الوثنية، هذا هو القسم الأول الذي تميزت به أمة الإسلام، وبه تفخر، وبه عزتها، وبتطبيقه والعمل به رفعتها إنه العلم الشرعي الذي ليس لأحد من أهل الأرض مثله إلا أن يؤمن بما آمنوا به ويتبع سبيلهم.
أما القسم الثاني: فهو بقية العلوم غير الشرعية، العلوم المادية التي تتساوى فيها أمم الأرض متى ما أخذت بأسبابها، وهذه العلوم لابد فيها -في منهاج الإسلام- من أمرين حتى يتحول هذا العلم إلى علم مطلوب في أمة الإسلام: أحدهما: أن يكون هذا العلم مفيداً غير ضار، وبهذا تخرج العلوم الضارة، أو العلوم التي لا فائدة منها على الإطلاق؛ لأن الانشغال بها مضيعة للوقت إن لم تكن مضرة.
الأمر الثاني: النية الحسنة بالنسبة لطالبه، وهذه النية مرتبطة بحاجة الأمة الإسلامية وضروراتها، وما يؤدي إلى استغنائها عن غيرها من الأمم، وهذه النية هي التي تحول تلك العلوم إلى علوم نافعة ينال أصحابها بها أجراً عند الله ﵎، وبها تتحول جهودنا وما نبذله من أوقات ومال من أجل إغناء الأمة الإسلامية عن أن تحتاج إلى غيرها من الكفار عبادة، ويتحول هذا العلم في منهاج الإسلام إلى علم مطلوب ينال عليه أصحابه أجراً عند الله ﵎.
وكل من العلم الشرعي أو العلم المادي -في منهج الإسلام- لابد فيه من نية صالحة تقوم على الإخلاص لله ، ورسول الله ﷺ هو الذي علمنا هذا، وهو الذي بلَّغ الشريعة، وهو الذي قال لأصحابه: (بلغوا عني ولو آية)، وهو الذي بعث البعوث، ونشر الرايات المجاهدة في سبيل الله، الداعية إلى الله ﵎، لتشق طريقها في مشارق الأرض ومغاربها، وهو الذي أمر أحد الصحابة ﵃ أن يتعلم لغة غير اللغة العربية لما احتاج إلى ذلك، وهو الذي استفاد أيضاً من خبرة الفرس العسكرية في إحدى ميادين القتال، وليست هذه إلا نماذج، ولكن أحببت أن أشير إشارات، والأمر في ذلك يطول.
أيها الإخوة في الله! ما مقياس العلم الذي ينفع والذي لا ينفع في منهاج القرآن، من العلم الحديث الذي يوجد أكثره عند الكفار اليوم، ويظهر كثيراً من شبابنا وبعض مثقفينا؟ ومتى يكون العلم المادي نافعاً وصحيحاً؟ نقف ثلاث وقفات مع ثلاث آيات في كتاب الله ﵎:
стр. 415
العلم الحديث يكون نافعاً إذا دل على الله وأورث خشيته
الوقفة الأولى: قال الله ﵎: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ * وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ [فاطر:٢٧ - ٢٨].
ففي هاتين الآيتين بيان لقدرة الله تعالى وكماله فيها، حيث يخلق الأشياء المتنوعة المختلفة من الشيء الواحد، وهو: الماء الذي ينزل من السماء، فيخرج به ثمرات مختلفاً ألوانها، فيها الأحمر والأبيض والأصفر والأسود إلى بقية الألوان! كما خلق تعالى الجبال مختلفة الألوان، بل خلق الناس والدواب والأنعام وهي مختلفة الألوان! وهذا خلق الله لا مدخل للبشر فيه، ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون:١٤].
ثم قال تعالى في نهاية هذه الآية: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ)، قال ابن عباس: الذين يعلمون أن الله على كل شيء قدير، وهذه إشارة من ابن عباس إلى أن العلم المادي إذا دل على الله ﵎ يتحول إلى علم عبادة وطاعة، أي: أن علمهم بما في الكون والأنفس، وربطهم ذلك بالله تعالى القادر هو الذي يولد الخشية لله تعالى المقتضية لعبادته وحده لا شريك له.
قال ابن عباس ﵄: العالم بالرحمن: من لم يشرك به شيئاً، وأحل حلاله، وحرم حرامه، وحفظ وصيته، وأيقن أنه ملاقيه، ومحاسب بعمله.
وعلى هذا فأي علم لا يوصل إلى الإيمان بالله، وخشيته وعبادته، فليس بعلم في الحقيقة، قال ابن كثير في هذه الآية: أي: إنما يخشاه حق خشيته العلماء العارفون به؛ لأنه كلما كانت المعرفة بالعظيم القدير العليم الموصوف بصفات الكمال، المنعوت بالأسماء الحسنى، أتم، والعلم به أكمل؛ كانت الخشية له أعظم وأكثر.
وبهذا الميزان -أيها الإخوة! - يمكن أن توزن علوم الحضارة المعاصرة، هل قادت أصحابها إلى الإيمان بالله أم أنها ركزت في عقولهم غروراً؛ فتكبرت على ربها ﵎، وصارت تحاربه بعلومها المادية ليلاً ونهاراً؟
стр. 416
الغاية من طلب العلم على مختلف فنونه هي عبادة الله
الوقفة الثانية: قال الله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [الزمر:٩]، هل يستوي القانت المطيع لله ورسوله ومن أشرك بالله وجعل له أنداداً؟ إنهم لا يفهمون أبداً.
وقد وصف هذا المطيع بأنه آناء الليل ساجداً وقائماً يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه، هو بين الخوف والرجاء مع كثرة عمله وصلاحه، ثم قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٩].
قال الإمام الطبري ﵀: يقول تعالى ذكره: قل -يا محمد- لقومك: هل يستوي الذين يعلمون ما لهم في طاعتهم لربهم من الثواب، وما عليهم في معصيتهم إياه من التبعات، والذين لا يعلمون ذلك فهم يخبطون في عشواء، لا يرجون بحسن أعمالهم خيراً، ولا يخافون بسيئها شراً؟ يقول: ما هذان بمستويين.
ونقل القرطبي ﵀ عن بعض العلماء أنه قال: الذين يعلمون هم الذين ينتفعون بعلمهم ويعملون به، فأما من لم ينتفع بعلمه، ولم يعمل به فهو بمنزلة من لم يعلم.
أيها الإخوة في الله! وهذا يشمل العلوم الشرعية وغيرها، ومن ثم فإن هذه الآية تدل على عدة أمور: أحدها: أن العلم الذي لا يوصل إلى الله تعالى؛ فليس بعلم حقيقي مهما كان.
الثاني: أن العلم الصحيح هو ما نقل صاحبه إلى العمل على وفق شرع الله ﵎ رغبة فيما عند الله تعالى، وحذراً من عقابه.
الثالثة: أن غاية الحياة -ومنها: طلب العلم على مختلف فنونه وفروعه- هي عبادة الله ﵎، وبهذا تضبط موازين الحياة.
стр. 417
الكفار يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون
الوقفة الثالثة مع قوله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [الروم:١ - ٥].
في هذه الآيات أخبر الله تعالى بنصر الروم على الفرس الوثنين الذين انتصروا عليهم أولاً، وفرح بذلك إخوانهم من مشركي مكة، فلما انتصر الروم فرح المؤمنون بذلك.
قال القرطبي رحمه الله تعالى: وقد ذكر الناس أن سبب سرور المسلمين بغلبة الروم، وهمهم أن تغلب؛ إنما هو أن الروم أهل كتاب كالمسلمين، وفارس من أهل الأوثان.
قال النحاس: وقول آخر وهو أولى: أن فرحهم إنما كان لإنجاز وعد الله تعالى، إذ كان فيه دليل على النبوة؛ لأنه أخبر ﵎ بما يكون في بضع سنين فكان فيه.
قال ابن عطية: ويشبه أن يعلل ذلك بما يقتضيه النظر من محبة أن يغلب العدو الأصغر؛ لأنه أيسر مئونة، ومتى غلب الأكبر كثر الخوف منه، فتأمل هذا المعنى مع ما كان رسول الله ﷺ ترجاه من ظهور دينه، وشرع الله الذي بعثه به، وغلب فيه على الأمم، وإرادة كفار مكة أن يرميه الله بملك يستأصله ويريحهم منه.
وقيل: سرورهم إنما كان بنصر رسول الله ﷺ ؛ لأن جبريل أخبر بذلك النبي ﵇ يوم بدرٍ.
قال تعالى بعد هذه الآيات: ﴿وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ * يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم:٦ - ٧]، أكثر الناس لا يعلمون، ولو بدا في الظاهر لدى عامة الناس أنهم علماء، وأنهم يعرفون الكثير من العلوم المتعلقة بالإنسان أو الأرض أو الفلك أو غير ذلك من العلوم، والسبب في ذلك أنهم كما قال الله تعالى: (يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا).
وظاهر الحياة الدنيا محدود جداً، لا يستطيع البشر استقصاءه في حياتهم المحدودة، فنسبة علمهم كنسبة هذه الأرض إلى غيرها من الكواكب والمجرات، وهذه الأرض والحياة منها ما هي إلا طرف صغير من هذا الوجود الهائل البعيد من ناحية الزمان والمكان.
والكفار وصفوا بأنهم لا يعلمون إلا ظاهراً من الحياة الدنيا، وذلك لأمور: أحدها: أن علومهم مادية سطحية، تتعلق بظاهر الحياة دون سننها الثابتة التي أرادها الله تعالى، فعلومهم مقطوعة عن خالقهم واهب هذه العلوم وخالقها ومقدرها، فلا يعرفون منها إلا قوانينها المادية البحتة، أما كيف جاءت؟ ولماذا جاءت؟ ومن الذي خلقها؟ فهذا كله هم عنه غافلون.
ثانياً: أنهم في خضم انشغالهم بعلومهم، ومعارفهم المادية، ومتابعتهم لتطورها في كل يوم نسوا قضية بدهية لابد أن يفكر فيها كل عاقل، ألا وهي: ما هي الغاية من خلق الوجود الإنساني؟ تأملوا حضارة عالمية كبرى، بلغت من التطور العلمي مبلغاً عجيباً، ومع هذا لا يعرف الفرد فيها الجواب الصحيح عن هذه الأسئلة البدهية: من الذين خلقني؟ ولماذا خلقني؟ وإلى أين المصير؟ وصدق الله إذا يقول عن الكفار مهما بلغ علمهم: ﴿أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ [الأعراف:١٧٩]، وأشهر متخصص في أي فن من الفنون العلمية المادية مادام لا يؤمن بالله على الوجه الحق فهو داخل في حكم هذه الآية.
ثالثاً: غفلتهم عن الآخرة والوقوف بين يدي الله تعالى للجزاء والحساب، قال تعالى في ختام هذه الآية: ﴿وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم:٧]، وإنكار الآخرة والبعث بعد الموت والغفلة عن ذلك يؤدي إلى اختلال عظيم في موازين الحياة الدنيا، وأي إنسان لا ينظر إلا إلى الحياة الدنيا فقط؛ فلابد أن يكون علمه سطحياً ناقصاً، ولا يمكن أن يتصور الحياة تصوراً صحيحاً بكل ما فيها من أحداث، وكل ما ينبثق منها من أمور.
أما المؤمن بالله واليوم الآخر فيختلف تماماً في ميزانه للأمور، وتعامله مع الحياة، ومقاييسه لها؛ حتى وهو يبني ويعمر، ويتقدم في علوم المادة؛ فهو يتعامل معها من خلال موازين وسنن ثابتة تربط الحياة الدنيا القصيرة الفانية بالحياة الأخرى الأبدية الباقية، وهذا هو الفرق بين ما تنتجه الأمة الإسلامية المؤمنة من حضارة، وما تنتجه حضارة العصر الكافرة من حضارة.
وحين نقارن بين الأمتين في هذا المجال يتبين: أنه لا يمكن أن يلتقي إنسان يؤمن بالآخرة ويحسب حسابها مع آخر يعيش لهذه الدنيا وحدها، ولا ينتظر ما وراءها، لا يلتقي هذا وذاك في تقدير أمر واحد من أمور هذه الحياة، ولا قيمة واحدة من قيمها الكثيرة، ولا يتفقان في حكم واحد على حادث أو حالة أو شأن من الشئون، فلكل منهما ميزان، ولكل منهما زاوية للنظر، ولكل منهما ضوء يرى عليه الأشياء والأحداث والقيم والأحوال، هذا يرى ظاهراً من الحياة الدنيا، وذلك -أي المؤمن- يدرك ما وراء الظاهر من روابط، وسنن شاملة للظاهر والباطن، والغيب والشهادة، والدنيا والآخرة، والموت والحياة، والماضي والحاضر والمستقبل، وعالم الناس والعالم الأكبر الذي يشمل الأحياء وغير الأحياء.
وهذا هو الأفق البعيد الواسع الشامل الذي ينقل الإسلام البشرية إليه، ويرفعها فيه إلى المكان الكريم اللائق بالإنسان.
لا يمكن أن تلتقي حضارة تبنى على الإيمان بالله واليوم الآخر، وحضارة تقوم على الكفر بالله وعدم الإيمان بيوم الحساب.
أيها الإخوة في الله! يا طلاب العلم! أيها الدارسون! أيها المتعلمون في فنون المعرفة! إن الأمة الإسلامية تنتظر منكم علماً نافعاً يغنيها عن غيرها، تنتظر منكم أن تقوم هذه الأمة بعلمها الشرعي أولاً وبعلومها الأخرى، تنتظر منكم أن تتحول هذه الأمة إلى أمة كما عهدناها رافعة الرأس شامخة تقود الأمم ولا تقاد، ينظر إليها بعين الرفعة والمكانة، لا كما هو حالنا اليوم! أسأل الله ﵎ أن يوقظ أمة الإسلام؛ حتى ترجع إلى دينها رجوعاً صحيحاً، وحتى تتعلم علومها على منهاج شرعي صحيح.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين.
اللهم ارفع شأن هذه الأمة الإسلامية.
اللهم إنا نسألك أن توفق كل طالب علم إلى منهاج سليم في حياته.
اللهم إنا نسألك الإيمان، والعلم النافع، والعمل الصالح.
اللهم إنا نسألك أن تحبب إلينا الإيمان، وأن تزينه في قلوبنا، وأن تكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، وأن تجعلنا من الراشدين.
اللهم أذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين في كل مكان يا رب العالمين! اللهم من أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بسوء فأشغله بنفسه يا رب العالمين! اللهم واجعل تدبيره تدميراً عليه يا رب العالمين! اللهم إنا نسألك أن ترحم موتى المسلمين جميعاً، اللهم اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا، ربنا إنك رءوف رحيم.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 418
معالم الإيمان بالقضاء والقدر وأثره في حياة المسلم
الإيمان بالقدر أحد أركان الإيمان الستة، ولا يقبل الله من عبدٍ صرفاً ولا عدلاً حتى يؤمن به وفق ما جاءت به النصوص، وللإيمان به معالم منها: الإدراك الجازم بأن الله حكم عدل لا يظلم أحداً، والاعتقاد الجازم بأنه سبحانه قد علم كل شيء أزلاً، وأنه قد أحاط بكل شيء علماً، وبهذا يصل العبد إلى كمال الراحة والطمأنينة فيما قدره الله تعالى له، فلا يجزع من مصيبة، ولا يضرب نصوص الشرع بعضها ببعض.
стр. 419
الإيمان بالقدر وأهميته
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: فسنقف -بإذن الله تعالى- مع قضية من قضايا العقيدة الكبرى؛ لأن أثرها في حياة الإنسان وفي حياة البشرية كبير جدا، ومستمر مع الإنسان منذ ولادته إلى أن يلقى ربه ﵎، ومن ثم كان عرض مثل هذا الموضوع وبيانه على منهاج السلف الصالح رحمهم الله تعالى مما ينبغي أن تربى عليه الأمة ويعنى به الدعاة والمصلحون؛ لأن أثر الإيمان بالقضاء والقدر على حياة الإنسان والأمة كبير جدا، وأي إشراك فيه قد يؤدي إلى انحراف أو انحرافات في حياة الإنسان الحر، أو في حياة الأمة جمعاء.
ولهذا فسأعرض هذه القضية من خلال القضايا التالية بعد المقدمة.
أولاها: أحوال بعض الصالحين مع القضاء والقدر.
وثانيها: المعالم الكبرى في مسألة القضاء والقدر.
وثالثها: أهم مسألة في قضية القدر وأخطرها.
ورابعها: أثر الإيمان بالقضاء والقدر في حياة الإنسان وحياة الأمة.
وأقول فيما يتعلق بالمقدمة: إن هذا الموضوع كثر البحث فيه، حتى ألفت فيه كتب عديدة، وقد عني سلفنا الصالح رحمهم الله تعالى بذلك عناية كبيرة، حتى بوب له الأئمة أئمة الحديث في كتبهم كـ البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي وغيرهم.
كما أن بعض العلماء ألفوا فيه كتباً مستقلة، كـ الكلابي والبيهقي وغيرهما من الأئمة رحمهم الله تعالى، ثم توالت بعد ذلك المؤلفات في هذا الموضوع لعلماء الإسلام قديماً وإلى عصرنا الحاضر، ومن ثم فلا يزال في الساحة كتب كثيرة في هذا الموضوع، وإن كان بعضها مما ينبغي أن يقرأه الإنسان بحذر؛ لأن أصحابها ربما تأثروا بمناهج الفلاسفة أو المتكلمين أو غيرهم، فلم تصبح دراستهم لهذا الموضوع المهم دراسة قائمة على منهاج سليم في جميع الوجوه.
وقد سبق أن ألقيت في هذا الموضوع محاضرات، ومن ثم فسأحرص -إن شاء الله تعالى- على عرض هذه القضية من خلال قضايا مجملة أحس أن كثيراً من الناس بحاجة إليها.
أما تفاصيل ما يتعلق بالقضاء والقدر وأدلته وقضاياه المتعددة فتلك موجودة في بطون الكتب، ويمكن أن نحيل على بعضها، وأقول: أيها الأخ في الله! إن الإيمان بالقضاء والقدر ركن من أركان الإيمان، ولقد كانت الأمة الإسلامية عبر القرون مؤمنة بالقضاء والقدر، ولم تكن تشكو من هذه القضية، وإنما الذي كان يشكو منها نزرٌ يسير من الناس استهواهم الشيطان أو استهواهم أصحاب البدع فانحرفوا في هذا المجال.
أما بقية الأمة فقد عاشت قروناً تؤمن بالقضاء والقدر وتعبد ربها وليس عندها مشكلة من هذه القضية، ونحن -والحمد لله- نشاهد أمثال ذلك فيما بيننا، فهل رأيت أباك أو أمك أو أحد أقربائك يوماً من الأيام يشكو من هذه المشلكة التي يشكو منها بعض الشباب؟ أم أنهم -والحمد لله- كانوا مؤمنين بالله مسلمين لقضائه وقدره عابدين لربهم ﵎، إن أصابتهم مصائب تذكروا أنها بقضاء الله وقدره فصبروا، وإن وقعوا في معايب وذنوب عرفوا أنهم أخطئوا فلم يحتجوا بقدر وإنما رفعوا أكف الضراعة إلى المولى القدير ليتوب عليهم ويعفو عنهم، ثم أبدلوا سيئاتهم بحسنات يرجون بها محو تلك السيئات السابقات، والحمد لله أننا ما زلنا نشاهد نماذج عديدة ومتعددة وكثيرة من هذه الأنواع المؤمنة المسلمة، وهذا يدل على أن قضية الإيمان بالقضاء والقدر هي قضية إيمانية حقة لا لبس فيها ولا غموض.
وإنما يحيط اللبس والشك والشبه حين ينحرف الإنسان عن منهج ربه .
стр. 420
منهج السلف الصالح تجاه القدر
لقد كانت أحوال الصالحين -وهذه هي القضية الأولى- مع الإيمان بالقضاء والقدر أحوالاً تبنى على منهج سليم، مؤمنين بقضاء الله وقدره، يفعلون الأسباب ويتوكلون على رب الأرباب، ثم إنهم بعد ذلك يؤمنون بالله ﵎ ويعبرون هذا الكون.
وتأمل تأملاً مجملاً في حياة الهادي البشير ﷺ وحياة صحابته من بعده فستجدها حياة مستقرة مؤمنة، حياة فيها الإيمان وفيها العمل، فيها الشجاعة وفيها الإقدام، فيها التقوى وفيها الإحسان، حياة مستقرة ليس فيها أمراض عصية ولا تعب ولا أحزان إلا ما يصيب الإنسان مما يبتلي الله به عباده، ومن ثم آمنوا بالله أولا، ودعوا إلى دين الله ثانيا، وفتحوا الفتوحات في مشارق الأرض ومغاربها ينشرون هذا الإيمان وهذا الدين بين الناس، وتلك حياة عاشوها ﵃ جميعاً تمثل تطبيقاً عملياً صحيحاً للإسلام عموما ولهذه القضية التي نتحدث عنها خصوصا.
وتوالت على ذلك أحوال السلف رحمهم الله تعالى، فكانوا مؤمنين ومسلمين رادين على أهل البدع جميعاً ومنها بدع أهل القدر وغيرهم، ولقد كانت حياتهم رحمهم الله تعالى حياة رضا وتسليم وإيمان وعمل جاد.
فهذا الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى كان يقول عن نفسه: ما أصبح لي هوىً في شيء سوى ما قضى الله .
وهذا هو الإيمان والتسليم.
وكان رحمه الله تعالى يدعو ويقول: اللهم! رضني بقضائك، وبارك لي في قدرك، حتى لا أحب تعجيل شيء أخرته ولا تأخير شيء عجلته.
ورحم الله عمر بن عبد العزيز، فتلك -والله- صفات المؤمنين الذين لا يفرحون بما آتاهم الله ولا يحزنون على ما فاتهم من أمور، وإنما يسلمون للقدر المكتوب.
يقول الحسن البصري رحمه الله تعالى: يصبح المؤمن حزيناً ويمسي حزيناً ويتقلب في النوم -أي: يتقلب في النوم مما فيه من أحزان وأكدار- ويكفيه ما يكفي العنيزة.
أي: يكفيه من البلاغ والطعام ما يكفي العنيزة.
فلماذا الأحزان والأكدار؟ هذا معنى كلام الحسن رحمه الله تعالى.
ويقول عبد الله بن مسعود ﵁: إذا طلب أحدكم الحاجة فليطلبها طلباً يسيرا؛ فإنما له ما قدر له، ولا يأت أحدكم فيمدحه فيقطع ظهره.
أي: لا يأتي إليه ليمدحه ويقطع ظهره حتى يعطيه أو يقضي له حاجته، بل إذا طلب أحدكم الحاجة فليطلبها طلباً يسيرا، فإن كان قد قدر فسيكون.
هذه أحوال المؤمنين.
ومن ثم قال يحيى بن معاذ الرازي رحمه الله تعالى: يا ابن آدم! لا تأسف على مفقود لا يرده عليك الفوت، ولا تفرح بموجود لا يتركه في يديك الموت.
كلمات فيها عبرة، إذا فاتك شيء لا تحزن، وكيف تحزن على شيء قد فاتك وهو لن يأتيك أبدا؟ ثم بعد ذلك لا تفرح بشيء موجود؛ لأن الموت أمامك، فإنه لن يتركه بين يديك، فكم من صاحب سلطان وجاه كان له في العالمين ذكر ثم إذا به يرحل؛ لأن الله كتب الموت على الجميع.
فلا تفرح بما عندك ولا تحزن على ما فاتك، ولقد روي أن رجلاً كان يمتدح رجلاً مثله بشعره لينال العطاء والمكانة، ثم ابتلاه الله بمرض أقعده، فهجره الممدوح وقلاه، فقال عن نفسه يصور حاله معه: أبعين مفتقر إليك نظرتني فرميتني من فوق أعلى شاهق لست الملوم أنا الملوم لأنني أنزلت حاجاتي بغير الخالق.
ويقول جنيد بن أحمد الطبري رحمه الله تعالى وهو يصور أحوال العباد: العبد ذو ضجر والرب ذو قدرٍ والدهر ذو دولٍ والرزق مقسوم والخير أجمع فيما اختار خالقنا وفي اختيار سواه اللؤم والشوم وصدق رحمه الله تعالى.
فإن الإنسان يؤمن بالقدر المقدور والأرزاق المقسومة، فإذا آمن بذلك استراح، أما إذا فكر فيه واعترض على قدره شقي ولن يأتيه إلا ما قدر له، والعاقل البصير هو الذي يعرف ذلك.
стр. 421
المعالم الكبرى في الإيمان بالقدر
стр. 422
اليقين بعدل الله تعالى
ثانياً: المعالم الكبرى في مسألة الإيمان بالقضاء والقدر.
إن هذه المسألة لابد من ضبطها بتلك المعالم حتى يستقيم فهم الإنسان لهذه القضية وإيمانه بهذا الركن على الوجه الصحيح؛ لأن كثيراً ممن انحرف في هذا الباب إنما انحرف لاختلال معلم من هذه المعالم التي سأذكرها، وهذه المعالم هي ما يلي: أولاً: اليقين التام بعدل الله ﵎ وأن الله تعالى لا يظلم أحدا، وهذه قضية كبرى يجب على العبد أن يؤمن بها إيماناً عميقا من غير شك ولا ريب، فالله حكم عدل لا يظلم الناس شيئاً، ويبنى هذا على عدد من الأسس.
أولاها: كمال صفات الله ، فهو العزيز الحكيم، وهو الغفور الرحيم، وهو العليم القدير، وهو الحكم العدل، ومن ثم فالإيمان بهذه الأسماء والصفات يجعل قلب المؤمن يقر بأن الله كامل، ويقر بأن الله لا يمكن أن يظلم أحدا.
والأساس الثاني في قضية عدل الله أن الله لا يمكن أن يظلم أحداً من الناس، قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء:٤٧]، ويقول الله ﵎ عن نفسه: ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٩]، قضية يقينية لابد أن تكون مستقرة في قلب الإنسان، أن الله لا يظلمك، بل إنه تعالى حرم على نفسه الظلم فقال تعالى -كما في الحديث القدسي الصحيح-: (يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا)، والذي يحتج بالقدر ويعترض على ربه هو بلسان حاله أو بلسان مقاله متهم لربه بهذا؛ لأنه يعترض على ربه، فهو يزعم أن التقدير ظلم من الله ﵎.
والثالث من قضايا هذا العدل أنه تعالى غني عن العالمين، فهو ليس بحاجة إلى عباده، ليس بحاجة إليهم حتى يظلمهم، ولو تأملنا أحوال العباد لوجدنا بعضهم يظلم بعضاً لأمور: إما لحب العلو في الأرض، أو لأجل أن يأخذ أموالهم، أو ليتسلط عليهم، أو لغير ذلك من الأسباب، أما ربنا فهو غني عن العالمين، لا تنفعه طاعة المطيعين ولا تضره معصية العاصين، ومن ثم قال الله ﵎ في الحديث القدسي الصحيح: (يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا، يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا).
إذاً فربنا غير محتاج إلى أحد، ومن ثم فهو ليس بحاجة إلى أن يظلم أحداً من الخلق، وبهذه القضية وبهذا المعلم وهذا الميزان يستريح الإنسان؛ لأن قلبه في هذه الحالة يستقر على يقين تام أن الله ﵎ في عليائه بأسمائه وصفاته غني عن العالمين، فهو غير محتاج إليهم، وأنه لا يمكن أن يظلمك أبدا، فإذا وقعت في معصية فتب إلى الله، وإذا أصابتك مصيبة أو رأيت الناس قد اختلفوا في أرزاقهم أو أحوالهم فلا تعترض على الله أبدا، وإنما أيقن يقيناً تاماً أن الله حكم عدل لا يظلم أحدا.
وهذه القضية -أيها المسلم- وهذا المعلم من المعالم المهمة التي يجب على كل واحد منا أن يذكر بها نفسه وأن يربي عليها من حوله؛ لأن القلب إذا استقر على ذلك استراح، ومن ثم كان السلف الصالح رحمهم الله تعالى يقررون هذه القضية مع أنها مقررة في الكتاب والسنة، لكن كانوا يقررونها ويعلمونها من حولهم.
روى أبو داود وابن ماجه وابن أبي عاصم والإمام أحمد رحمهم الله تعالى بإسناد حسن عن ابن الديلمي قال: أتيت أبي بن كعب فقلت له: وقع في نفسي شيء من القدر فحدثني لعل الله جل ثناؤه أن يذهبه من قلبي.
فقال: -أي: قال له أبي بن كعب -: (لو أن الله جل ثناؤه عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم كانت رحمته خيراً لهم من أعمالهم، ولو أنفقت مثل أحد ذهباً في سبيل الله ما تقبله الله منك حتى تؤمن بالقدر وتعلم أنما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك، ولو مت على غير هذا لدخلت النار).
فتأمل هذا التعليم، لو أن الله عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، قضية إيمانية؛ لأن الله غير محتاج إلى الخلق: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [العنكبوت:٦].
لهذا فإن الإنسان إذا استقر عنده هذا لا يكون في قلبه شيء، بل يؤمن بالقدر ولا يصبح في قلبه أي اعتراض على ما قدره الله وكتبه، وليس هذا منهج أبي بن كعب فقط، بل إن ابن الديلمي ذهب إلى مجموعة من الصحابة فقالوا له مثل ذلك، ذهب إلى عبد الله بن مسعود فقال له مثل ما قال أبي، وذهب إلى زيد بن ثابت فقال له مثل ذلك، وذهب إلى حذيفة بن اليمان فقال له مثل ذلك، فدل هذا على أن هذه الحقيقة مستقرة في نفوس أصحاب رسول الله ﷺ .
وقد روى مسلم عن أبي الأسود الدؤلي رحمه الله تعالى قال: قال لي عمران بن حصين -وعمران بن حصين هو الصحابي الجليل المعروف-: أرأيت ما يعمل الناس ويكدحون أشيء قضي عليهم من قدر قد سبق أو مما يستقبلون مما أتاهم به نبيهم وثبتت عليهم به الحجة؟ يقول أبي الأسود: قلت لا.
بل شيء قضي عليهم.
قال: فهل يكون ذلك ظلماً؟ قال: ففزعت من ذلك فزعاً شديداً وقلت: ليس شيءٌ إلا وهو خلق الله وملكه ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣].
فانظر إلى تسليم هذا التابعي ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣] بعد أن فزع من هذا الكلام، يقول: فقال لي عمران بن حصين: يرحمك الله! ني -والله- ما سألتك إلا لأحزر عقلك.
أي: لأختبر عقلك.
رجلاً من مزينة أتى إلى النبي ﷺ فقال: (أرأيت ما يعمل ويكدح الناس فيه اليوم أشيء قضي عليهم ومضى عليهم من قدر قد سبق، أو فيما يستقدمون مما أتاهم به نبيهم وثبتت عليهم به الحجة؟ قال: لا.
بل شيء قضي عليهم ومضى عليهم.
قال: ففيم العمل إذاً؟ قال: من كان خلقه الله لواحدة من المنزلتين فسييسره، وتصديق ذلك في كتاب الله : ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس:٧ - ٨]).
إذاً هل هذا ظلم؟ لا.
وهل يترك الإنسان العمل؟ لا.
وإنما يعمل، وكل ميسر لما خلق له، فإذا عمل فكيف يعمل هذا الإنسان والرسول ﷺ يقول: (اعملوا فكل ميسر لما خلق له)، كيف يعمل الإنسان وهو يجهل قدر الله؟
و
الجواب
يعمل الإنسان على مقتضى شرع الله ، فيعمل بالطاعات ويبتعد عن المعاصي، والله سبحانه وتعال ييسر الجميع لما خلقوا له.
هذا هو المعلم الأول من معالم الإيمان بالقضاء والقدر، وأهميته -أيها الأخ- تنبع من أن الإيمان به والتصديق يعين الإنسان على الرضا بالقضاء وعدم الاعتراض.
стр. 423
الإيمان بعلم الله تعالى السابق المحيط بكل شيء
المعلم الثاني: هو علم الله ﵎ الأزلي المحيط بكل شيء، وهذه قضية؛ لأن من كماله أنه العليم، وأنه متصف بصفة العلم أزلاً قبل أن يخلقنا وقبل أن يخلق السماوات وقبل أن يخلق العرش والكرسي وغير ذلك من المخلوقات؛ لأنه هو الأول الذي ليس قبله شيء، فمن صفات كماله ﵎ أنه قد أحاط بكل شيء علماً منذ الأزل.
وعلمه ﵎ كامل بما كان وما سيكون، بل إنه علم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون، وهذا الكمال لله خاصة، أما الخلق فمهما بلغوا فإنهم لا يعلمون إلا ما علمهم الله ، وعلم الله المحيط بكل شيء وبما كان وما لم يكن لو كان كيف كان يكون يجعل الإنسان يسلم بالقدر الصادق؛ لأن الله علم ما الخلق عاملون.
ولهذا فإن الله ﵎ علم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون، كما قال تعالى عن الكفار الذين يطلبون العودة إلى الدنيا إذا وقفوا بين يدي ربهم ورأوا حقائق الأمور، فرأوا انقسام الناس إلى أهل الجنة وأهل النار -أسأل الله أن يجعلني وإياكم من أهل الجنة وأن يعيذني وإياكم من النار- إذا رأوا هذه الحقيقة قالوا: يا ربنا! أعدنا إلى الدنيا، فلو أعدتنا إلى الدنيا بعدما عرفنا الحقائق ورأيناها بأم أعيننا لرجعنا وتبنا وعبدناك حق عبادتك.
فماذا قال الله وهو العليم بهم؟ قال: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام:٢٨]، فهذا ليس تقديراً، وإنما هو خبر وعلم حقيقي بأن هؤلاء لو أعيدوا إلى الدنيا مرة ثانية لعادوا لما نهوا عنه ولعادوا إلى الشرك والكفر بالله .
لأن الواحد منهم قد يتسلط عليه شيطانه فيما لو عاد إلى الدنيا، فيقول: انظروا! لقد قلنا لكم: إن البعث كذب، ها نحن قد عدنا إلى الدنيا مرة ثانية! ثم يعود إلى كفره وضلاله.
لكن قوله تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام:٢٨] حقيقة لا شك فيها.
إذاً علم الله سبحانه وتعال قد أحاط بكل شيء، فما تصنعه أنت -أيها الإنسان- وما تفعله وما يعمله الناس جميعاً وما يقع من أي شيء من شجرة تنبت أو بحر يموج أو سمكة تغوص أو حشرة تمشي أو غير ذلك كل هذا في علم الله ﵎ الأزلي ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا﴾ [الأنعام:٥٩]، فأي ورقة في شجرة في أي مكان من الدنيا في جزيرة أو جبل أو شعب أو فضاء أو غير ذلك إذا سقطت هذه الورقة فإن الله يعلمها، فكيف لا يعلم بحالك أنت أيها المخلوق المكلف؟! إذاً علم الله الأزلي أحاط بكل شيء، وعلم الله الأزلي يقتضي بقية المراتب الأربع التي هي أسس الإيمان بالقضاء والقدر.
فمراتب القدر أربع: الأولى: العلم.
الثانية: الكتابة.
أي أن الله كتب في اللوح المحفوظ ما هو كائن إلى يوم القيامة على مقتضى علمه.
الثالثة: المشيئة.
فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.
الرابعة: الخلق.
أن الله خالق كل شيء.
ومن هنا يتبين ضلال من أراد أن يخرج من قضية القدر مثل المعتزلة وغيرهم بقولهم: إن الإنسان له قدرة مستقلة وله إرادة مستقلة عن الله.
هكذا زعموا أنهم يحلون مشكلة القدر بأن يقولوا: إن الإنسان له إرادة مستقلة، فإذا أراد الله أمراً وأراد المخلوق أمراً فالذي يقع إرادة المخلوق؛ لأن المخلوق هو الذي يريد الطاعات والمعاصي.
ويقولون أيضاً: إن الله لا يخلق أفعال العباد، وإنما الذي يخلق أفعال العباد هم العباد أنفسهم.
فنقول لهم: ماذا تقولون في علم الله؟ فالإمام الشافعي رحمه الله تعالى قال كلمة مهمة جداً في هذا الباب، وهي قوله: ناظروا القدرية -يعني المعتزلة- بالعلم، فإن أنكروه كفروا وإن أقروا به خصموا.
هذه العبارة هي التي أردت أن أوضحها هنا في قضية أهمية علم الله والإيمان به كمعلم بارز من المعالم.
فإننا نقول للقدري المعتزلي الذي يقول: إن الإنسان حر وله إرادة مستقلة نقول له: ماذا تقول في علم الله الأزلي الكامل؟ هل تؤمن به أو لا؟ فماذا سيقول؟ إن أنكره وقال: لا أؤمن بعلم الله الأزلي كفر؛ لأن هذا مذهب الغلاة من القدرية الذين أنكروا العلم فكفرهم الصحابة ﵃ وأرضاهم وكفرهم أئمة السلف، فهم الذين يقولون: الأمر بالنسبة لله أنُفٌ، أي: لا يعلمه إلا بعد وجوده.
فالمعتزلي إن أنكر العلم كفر، وإن أقر به -وهو أصلاً يقر به؛ لأنَّه يؤمن بالعلم ويؤمن بالكتابة- إن أقر بالعلم خصم، فنقول له: أنت قلت: إن الإنسان له إرادة مستقلة عن إرادة الله، فله أن يفعل هذا أو يفعل هذا.
فنقول لك: علم الله بما سيفعله العبد واحد أو متعدد؟ فسيقول: علم الله واحد.
فهل سيخرج العبد عن علم الله؟ هل سيفعل العبد فعلاً يخالف علم الله؟ فسيقول: لا يفعل العبد فعلاً يخالفه ما في علم الله.
فنقول له: إذاً ما فائدة الحرية التي أعطيتها إياه إذا كان علم الله الأزلي السابق قد أحاط بكل شيء، وإذا كان العبد لم يخرج عما في علم الله .
لهذا فلا مخرج في قضية القضاء والقدر إلا بالإيمان به على منهج السلف الصالح وإثبات علم الله الأزلي المحيط بكل شيء، إذاً عندنا معلمان بارزان: أولهما: عدل الله وأن الله لا يظلم.
والثاني: علم الله المحيط بكل شيء، وأن كل ما يجري فإنما يجري على وفق علم الله الأزلي.
стр. 424
الإيمان بقيام حجة الله على عباده
المعلم الثالث: هو قيام حجة الله على عباده.
فالإنسان لو تأمل حاله لوجد نفسه يفعل بإرادته وقدرته، ولوجد نفسه غير مكره، ولو أكره على أمر لم يحاسب عليه، وقيام حجة الله على عباده جاءت بأمور أربعة: أولها: أن العبد قد أعطاه الله قدرة بها يفعل، ولذلك يفعل العبد أفعاله بقدرته، فهو الذي يذهب ويصلي ويصوم، وهو الذي -أيضاً- يفعل المعاصي بقدرته.
الثالث: أن له مشيئة ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ [التكوير:٢٨]، وهذه المشيئة أعطاه الله إياها، وهي خاضعة لمشيئة الله ، قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير:٢٩]، لكن العبد له مشيئة بها يفعل، فلو فعل فعلاً بغير مشيئة فإنه لا يحاسب.
الرابع: أن الله لا يكلفه إلا بعد البلوغ ووجود العقل، أي أن التكليف مربوط بالعقل والبلوغ، فغير العاقل لا يكلف، وغير البالغ أيضاً لا يكلف، فانتبه لمعالم قيام الحجة.
الرابع من معالم قيام الحجة: أن الله بين لك الطريق، فأرسل إليك الرسل وأنزل عليهم الكتب، فبينوا لك الطريق بياناً واضحاً مثل الشمس، ومن ثم فإن رسل الله قامت بهم حجة الله ﵎ على عباده، فإذا تأملت هذا الإنسان وجدته عنده قدرة، وله إرادة، وهو بالغ عاقل، وقد بينت له الطريق والمحجة فقيل له: افعل هذا ولا تفعل هذا، إن فعلت ما أمرت به فلك الأجر، وإن عصيت وتركت أو فعلت ما نهيت عنه فعليك الوزر.
بيان واضح أقام الله به الحجة على عباده، ومن ثم فهذا الإنسان لو تأملت أحواله في هذه الحياة لوجدتها تنقسم إلى قسمين: قسم يجري على الإنسان في هذه الحياة لا إرادة له فيه، فهذا لا يحاسب عليه، مثل كون الإنسان وجد وولد في يوم كذا من أبوين هما فلان وفلان، وعمره كذا، وطوله كذا، وشكله ولون بشرته كذا، فلا يحاسب الإنسان على هذه الأشياء فيؤتى به يوم القيامة فيقال له: لماذا أنت قصير؟ أو: لماذا أنت طويل؟ كذلك أيضاً ما يجري على الإنسان بغير إرادة منه، فإذا مرض وما استطاع أن يذهب إلى المسجد، أو إذا أصابته مصيبة أو غير ذلك من الأمور هل يحاسب الإنسان عليها؟ لا؛ لأنها أمور جرت عليه بغير إرادة منه فلا يحاسب عليها.
فمن وقعت عليه مصيبة يؤمر بالصبر؛ لأنَّه يؤجر على ذلك، لكن لا يقال له: لماذا وقعت عليك المصيبة؟ فهذا هو القسم الأول من أقسام ما يجري عليك أنت أيها الإنسان، فهذا قسم لا تحاسب عليه؛ لأنه لا إرادة لك فيه، وإنما جرى عليك بغير إرادة.
القسم الثاني: هو ما يفعله العبد بإرادته، أي: ما يقدم عليه الإنسان بإرادته وقدرته فيفعله، فهو يتكلم بإرادته، ويمد يده بإرادته، ويمشي برجله بإرادته، ويفعل بجسمه بإرادته، فهذه الأشياء التي تقع بإرادته هي موطن التكليف والحساب.
إذاً فهنا يتبين أن الإنسان الذي يحتج بالقدر ثم يأتي ليقول: أنا مكره وأنا ملزم نقول له: لا.
يأتي وقد فعل المعصية فنقول له: هل فعلت المعصية بإكراه؟ هل أكرهك أحد عليها وأنت فعلتها؟ فيقول: قطعاً أنا الذي ذهبت إلى المعصية.
إذاً لا تلومن إلا نفسك، ولا حجة لك على ربك في هذا، وهكذا بقية أمور الدين.
стр. 425
حكم الله تعالى في القدر
المعلم الرابع من معالم الإيمان بالقضاء والقدر هو: هل لله في القدر حكمة وسر؟ نحن نقول: يجب التسليم بالقضاء والقدر، والنبي ﷺ ورد عنه النهي عن الخوض في القضاء والقدر فقال: (إذا ذكر القدر فأمسكوا).
لكن هذا النهي لا ينصب على الإيمان بالقضاء والقدر ومعرفته بأنه ركن من أركان الإيمان مذكور في القرآن وفي السنة، فالإيمان به وتوضيحه على منهاج صحيح هذا أمر واجب؛ لأن القضاء والقدر أحد أركان الإيمان الستة، وإنما نهى النبي ﷺ عن الخوض في القدر على وجه الباطل، مثل أن يحتج به على المعاصي ولا حجة له، ومثل أن يتمادى في القدر ويقول: هذا مجبور، هذا مخير.
أو يعترض على القدر وعلى ما قدره الله ، فالخوض في القدر على منهاج أهل الأهواء أو على طريقة الاعتراض على قدر الله هو الذي نهى عنه الرسول ﷺ ، فهذه قضية.
القضية الثانية: هي أن الله له حكمة في خلق عباده وابتلائهم وامتحانهم.
لذلك فإن الله هو الذي أراد أن يوجد العباد على هذه الحالة، أن يكون منهم المؤمن والكافر، والمطيع والعاصي، وإلا فلو شاء الله لجعل الناس كلهم مهتدين، قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأنعام:٣٥]، ولو شاء لجعل الناس مثل الملائكة لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون.
إذاً لماذا جعلهم هكذا؟ لله في ذلك حكمة قد ندرك بعضها وقد لا ندرك كثيراً منها، فهو له حكمة في أن يوجد هذا الصراع بين الخير والشر، وبين الحق والباطل، وبين الكفر والإيمان، حتى يبتلي عباده فيبتلي بعضهم ببعض.
ومعرفة حكمة الله في هذا تجعل الإنسان يؤمن بقدر الله الأزلي، ومن ثم فإن الإنسان لا يعترض على سر الله في القدر، فما هو سر الله في القدر؟ يقول الأئمة رحمهم الله تعالى: سر الله في القدر كونه أمات وأحيا، وأفقر وأغنى، وأذل وأعز.
أي: كونه أراد بحكمته أن يوجد الناس على هذه الحال، فكما أن الإنسان لا يعترض ويقول: لماذا فلان مات وعمره عشر سنوات بينما فلان مات وعمره تسعين سنة؟ وذلك لأن الموت والحياة لله، فكذلك كونه أفقر وأغنى، فهذا غني وهذا فقير، فهذا لله ، وكذلك كونه أضل وهدى، وجعل الناس هكذا هذا لله فلا تعترض عليه، فلا يجوز لإنسان أن يقول: لماذا لم يجعل الله الناس كلهم أغنياء؟ ولماذا لم يجعلهم كلهم يعيشون ألف سنة مهتدين؟ فهذه أسئلة فيها اعتراض على أصل حكمة الله في المقدورات، ومن ثم فإن المؤمن هو الذي يسلم بقضاء الله وقدره.
следующие страницы →