Полный текст (616 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
كيف نحيا بالقرآن؟ [١]
إذا أردنا أن ننتفع بالقرآن في حياتنا فعلينا أن نستشعر أننا نحن المخاطبون به، وأننا نحن المعنيون بأحكامه، وأن نعتقد أن القرآن صالح لكل زمان ومكان، وأن نجعله المقدم على أهوائنا في جميع شئوننا وحياتنا.
ولقد علم أعداء الله في القديم والحديث أثر القرآن على المجتمع المسلم، فحرصوا على إبعاد الأمة الإسلامية عنه؛ ليحل محله حب الدنيا، والتطلع إلى الشهوات والملذات، فتصبح الأمة أمة شهوانية بعيدة عن الدين، وحينئذ لا يستحقون النجاء، ولا النصر على الأعداء.
стр. 492
كيف نتلقى القرآن ؟!
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن صار على نهجهم واهتدى بهداهم واقتفى أثرهم إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا أيها الأخ المؤمن! كيف نحيا بالقرآن؟ وقبل الجواب ينبغي أن نعني بقضية مهمة في هذا الموضوع، وهي القضية التي تتمثل في الثقة المطلقة في هذا القرآن، وبما فيه من حقائق متنوعة، سواءٌ أكانت أخباراً عن الماضي أو المستقبل، أم أموراً تشريعية، أم آداباً كتب الله لها الكمال والبقاء والثبات، أم مسائل عقدية متنوعة تتعلق بالله واليوم الآخر وما بين ذلك، أم إشارات عملية تتعلق بالكون والإنسان ونحو ذلك.
ونستكمل اليوم جانباً من الجواب عن هذا السؤال الكبير: كيف تحيا أمة الإسلام بالقرآن؟ ولذا نقول: ينبغي أن نعيش مع القرآن تلاوة وتعلماً وتعليماً وكأننا نحن المخاطبون به بكل ما فيه من أمثال وقصص وأحكام وآداب، فنقرأ القرآن ونحن على ثقة مطلقة به، نقرؤه على أنه موجه إلينا، كما أنه موجه إلى من قبلنا وإلى من سيأتي بعدنا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
أيها الأخ المسلم! إن من أكثر الأخطاء التي نقع فيها أحياناً ونحن نتعامل مع القرآن شعورنا بأن هذا القرآن خوطب به الرسول ﷺ وأصحابه فقط؛ حيث نزل عليه القرآن مفرقاً حسب الأحوال والحوادث والمناسبات، ثم لما جمع القرآن صار وكأنه يحكي تاريخاً سابقاً وحوادث ماضية، وليس لنا من ذلك إلا مجرد أخذ العبرة من الحادثة وملابستها والآيات التي نزلت فيها كما نأخذ العبر من بعض حوادث التاريخ.
إن هذا من أكبر أخطائنا ونحن نتعامل مع القرآن العظيم، نتعامل معه على أنه قرآن نزل في حوادث خاصة، وانتهت تلك الحوادث والأحوال والمناسبات، أما نحن فنحن في عهد جديد وعصر جديد، ولا نتلو القرآن، ولا نتعلم القرآن على أنه يعالج أحوالنا ومشاكلنا نحن أيضاً.
ومع أن معرفة أسباب النزول والمناسبات التي نزلت فيها بعض الآيات من صلب وقواعد التفسير وفهم كتاب الله تعالى على الوجه الحق إلا أن الاقتصار على هذا -إذ العبرة بعموم اللفظ كما تعلم- بل حصر القرآن كله في أنه نزل على قوم آخرين سابقين أوجد فجوة كبرى بيننا وبين القرآن والتعامل مع القرآن والحياة بالقرآن بكل صوره وآياته وقصصه ومواعظه وأوامره وأحكامه.
إن هذه قضية يجب أن نقف معها طويلاً؛ لأن من الواجب أن نقرأ القرآن وأن نتلقاه كما تلقاه الصحابة ﵃، وكما كان يتلقاه سلفنا الصالح رحمهم الله تعالى، نتلقاه أفراداً، ونتلقاه أمةً، ونتلقاه من خلال الأحداث التي نمر بها في كل يوم، وفي كل فترة، وفي كل مرحلة زمنية تمر بها أمة الإسلام.
نتلقاه ونحن نواجه كل يوم أنواع الشهوات والشبهات، نتلقاه ونحن نربي نفوسنا الجامحة المائلة إلى الدنيا وشهواتها وملذاتها، نتلقاه ونحن نعبد الله تعالى كما يحب ويرضى في عباداتنا وأذكارنا وفرائضنا ونوافلنا.
نتلقاه ونحن نجاهد النفس الأمارة بالسوء التي تقعد بنا في كل يوم عن طاعة الله والدعوة إلى دينه والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله.
نتلقاه ونحن نواجه شياطين الجن والإنس الذين يسعون جاهدين بشتى الوسائل في غوايتنا وإضلالنا، نتلقاه ونحن نواجه الأعداء من المشركين واليهود والنصارى وأذنابهم وغيرهم من الكفار وهم يشنون حرباً على الإسلام على مختلف الأصعدة، وبأنواع الأساليب.
نتلقاه ونحن نعاني من النفاق المتسلل داخل صفوف المسلمين، يظهر الإسلام ويبطن الكفر والزندقة، ويبطن حرب الله ورسوله وعباده المؤمنين، نتلقاه في مجاهدة النفس من الداخل، وفي مجاهدة الأعداء من الخارج، نتلقاه في زمن الغربة والفتن التي أخبرنا عنها رسول الله ﷺ وعلمنا كيف نخرج منها.
نتلقاه والمسلمون في المشارق والمغارب يواجهون الأذى والابتلاء على مختلف صنوفه وأشكاله، نتلقاه والمسلمون تتقلب بهم الأحوال بين القوة والضعف، والقلة والكثرة، والأمن والخوف في المشارق والمغارب، نتلقاه ونحن نعبد الله تعالى في أماكن وأزمنة نعبد الله بمختلف درجاتها الفاضلة.
نتلقاه ونحن نربي الأسرة داخل البيت المسلم، ونحصنها من وسائل التدمير والفساد، نتلقاه في حلق التعليم رسمية وخيرية، ابتدائية وجامعية، على مستوى الأمية والمتعلمين، نتلقاه في مجالات تطبيق أحكام القرآن لا نخاف في الله لومة لائم ولا اعتراض معترض في أحكام القرآن، وفي الحدود، وفي العلاقات الاجتماعية والأسرية، وفي القضايا السياسية والعسكرية، وفي أمورنا الاقتصادية وغيرها.
نتلقاه في جميع شئون الحياة؛ لأنه كتاب ربنا أنزله الله علينا رحمة وهدى للعالمين، نتلقاه ونحن نطلب الشفاء به على الوجه المشروع لجميع أمراضنا النفسية والعضوية والاجتماعية.
نتلقى هذا القرآن ونحن أمة إسلامية لا تعرف مصدراً غير القرآن في التربية والأحكام والآداب والأخلاق والتوجيهات وغيرها، لا تعرف لها مصدراً إلا هذا القرآن العظيم، نتلقاه بعزة المؤمنين وهم يحملون هذا القرآن فوق أيديهم ليقولوا للعالمين جميعاً مشرقاً ومغرباً: إن معنا ما يكفينا ويحيينا.
نتلقاه في كل شأن من شئون الحياة، وكأننا اليوم مخاطبون به كما خوطب به من قبلنا، ونتلقاه كما تلقوه بنفس المشاعر والإيمان، وأعمال القلوب وخشوعها وخضوعها لمن تكلم بالقرآن وأنزله رحمة للعالمين.
إن هذا بيت القصيد في قضيتنا الكبرى (كيف نحيا بالقرآن)، لن نحيا بالقرآن ونحن إنما نقدس أوراقه كقرابين، لا نحيا بالقرآن ونحن نتخذه قراطيس كما اتخذه اليهود قراطيس: ﴿قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً﴾ [الأنعام:٩١].
لن نحيا بالقرآن ونحن ننشغل ونعتمد في أمور حياتنا على غير القرآن العظيم، إن حياتنا بالقرآن مرهونة بأن نرجع إلى هذا القرآن في آياته وسوره وأحكامه، وكأنه يتنزل علينا هذه اللحظة، نتلقاه نعالج به مشاكلنا في كل وقتٍ وآن، في كل حادثة ووقعة، نتلقى هذا القرآن على أنه كلام رب العالمين وكفى.
نتلقاه على أنه أحكام قاطعة من عند العليم الخبير وكفى، نتلقاه على أنه لا حياة لنا ولا عزة ولا رفعة إلا بهذا القرآن العظيم، نتلقاه على أنه توجيهات حاضرة تعالج أوضاعنا ومشاكلنا، ونبني عليه خطط مستقبلنا، نتلقاه وكأننا نخاطب به أول مرة، وكلنا ثقة وتعظيم وتصديق بهذا القرآن المبين.
يتلقاه المؤمن في خاصة نفسه وشجونه وأحزانه ورضاه وفرحه، وزيادة إيمانه ونقصه، وفي مشاكله الصغيرة المحدودة، وفي مجاهدته لنفسه وهواه، وتتلقاه الأمة الإسلامية كلها بمواقفها وجهادها وأحكامها وعلاقتها، كلهم يتلقونه بتلك الروح والإيمان العظيم الذي به تلقى أصحاب النبي ﷺ هذا القرآن، فكان من أمرهم ما كان.
إن هذه الأمة قد أكرمها الله تعالى بحفظ هذا القرآن وبقائه، وتلك نعمة ومنة كبرى، فما علينا إلا أن نتوكل على ربنا، وأن نعود إلى هذا القرآن عودة حقيقية لا شكلية، عودة جادة لا تردد فيها، عودة عملية تنبثق من كل واحد منا في خاصة نفسه، ومن ولاه الله ﵎ ولاية من أهل أو ولد أو غير ذلك.
نعود إلى هذا القرآن عودة عملية، نعود لنشبع منه، ولنتزود منه، ولنرجع إليه، ولنعالج به شتى أمراضنا وأكدارنا وأحزاننا، لنعالج به شتى الأمراض الاجتماعية والاقتصادية وغيرها من الأمراض.
نعود إلى هذا القرآن بخلاصة شديدة هي أن نعود إليه كما عاد إليه سلفنا الصالح رحمهم الله تعالى، فكانوا أمة ظاهرة في العالمين.
стр. 493
جهود أعداء الله في محاربة القرآن وإبعاده عن المجتمعات الإسلامية
لقد أدرك أعداء الإسلام هذه الحقيقة المتمثلة في أن هذه الأمة لديها موطن عزها ورفعتها ونهوضها، وذلك باعتصامها بالقرآن وبسنة الرسول ﵊، ومن ثم عمل هؤلاء الأعداء على صرف المسلمين عن هذا القرآن حتى لا يتلقوه كما ينبغي ويجب، وحتى يعرضوا عنه ويهجروه وينشغلوا بغيره.
وتأمل قول الله ﵎ بعد ذكره لصيحة الرسول ﷺ في قومه أنهم اتخذوا هذا القرآن مهجوراً: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا * وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا * وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا * وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [الفرقان:٣٠ - ٣٣].
فجهود المجرمين من الأعداء متواصلة لصد المؤمنين عن هذا القرآن الذي هو منار هداية ومصدر قوة، ولقد صدوا عن هذا القرآن لما نزل، وهاهم اليوم وفي كل وقت يبذلون الجهود لصد هذه الأمة عن كتابها، ولإشغالها بمختلف وسائل اللهو والعبث، حتى لا تجد لقلوبها، بل ولا لأوقاتها، بل ولا لمشاعرها وعواطفها مكاناً لهذا القرآن الذي يقول الله فيه: ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا * وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [الفرقان:٣٢ - ٣٣].
ومهما حاول الأعداء فسيبقى هذا القرآن مصدر قوة لهذه الأمة، ومتى؟ حين تتلقاه على أنه منهج كامل للحياة، وسيبقى هذا القرآن أيضاً مصدر قلق للأعداء مهما نجحوا في مخططاتهم وصرف هذه الأمة عن هذا القرآن، سيبقى مصدر عزة وقوة لهذه الأمة، وسيبقى في مقابل ذلك مصدر قلق لأعداء الله في المشارق والمغارب، مهما حاولوا، ومهما ظنوا أن مخططاتهم نجحت لصرف هذه الأمة عن القرآن العظيم.
ويقول الله ﵎ عن هذا القرآن: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا * وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا * فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان:٥٠ - ٥٢] (وجاهدهم به) أي: بالقرآن.
تأمل في هذه الآيات نهي الله رسوله ﷺ عن أن يطيع الكافرين، وأمره أن يجاهدهم بالقرآن جهاداً كبيراً، فلا تطع الكافرين الذين يسعون لصرفك عن هذا لقرآن بشتى أساليب الصرف، ولقد كان كبراء قريش يقولون للناس: ﴿لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت:٢٦].
وإن هذا ليدل على مبلغ الخوف والذعر الذي به تضطرب نفوسهم ونفوس بقية الناس من تأثير هذا القرآن العظيم، وكيف لا وهم يرون الناس في كل يوم وليلة منذ زمن الرسول ﷺ وإلى عصرنا الحاضر يؤخذون بعظمة وبلاغة هذا القرآن وعظمة تشريعه، فيدخلون في دين الله تعالى زرافات ووحداناً، حتى في وسط عواصم الكفر والشرك.
стр. 494
معرفة الأعداء قدر القرآن والإسلام
إن الإنسان ليعجب من تأثير هذا القرآن حتى على كبار الأعداء، ولولا أنهم أحسوا بعظمة هذا القرآن وروعته وعظيم أثره لما حذروا منه هذا التحذير الذي يدل على مبلغ معرفتهم بأثر هذا القرآن في النفوس، وإنها والله لمفارقة عجيبة أن يدرك أعداؤنا من عظمة هذا القرآن ما لا ندرك، وأن يعملوا جاهدين على طمس ومحو آثاره في العباد والبلاد؛ لأنهم يخافون من هذا القرآن، ولأنهم يعرفون عظيم أثره في الأمة حين تعود إليه وتحيا به.
إنها لمفارقة عجيبة أن يعرفنا أعداؤنا قدر القرآن والإسلام، ونحن في مقابل ذلك لا ندرك من ذلك إلا قليلاً، وتأمل هذه القصة في السيرة النبوية، فقد روى ابن إسحاق قال: حدثني محمد بن مسلم بن شهاب الزهري أن أبا سفيان بن حرب وأبا جهل بن هشام والأخنس بن شريق خرجوا ليلة ليستمعوا من رسول الله ﷺ وهو يصلي من الليل في بيته، فأخذ كل رجل منهم مجلساً يستمع فيه، وكل لا يعلم بمكان صاحبه، فباتوا يستمعون له، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا فجمعهم الطريق فتلاوموا، وقال بعضهم لبعض: لا تعودوا؛ فلو رآكم بعض سفهائكم لأوقعتم في نفوسهم شيئاً ثم انصرفوا.
حتى إذا كانت الليلة الثانية عاد كل رجل إلى مجلسه، فباتوا يستمعون له حتى إذا طلع الفجر تفرقوا، فجمعهم الطريق، فقال بعضهم لبعض مثلما قالوا أول مرة، ثم انصرفوا.
حتى إذا كانت الليلة الثالثة أخذ كل رجل منهم مجلسه، فباتوا يستمعون له حتى إذا طلع الفجر تفرقوا، فجمعهم الطريق، فقال بعضهم لبعض: لا نبرح حتى نتعاهد أن لا نعود.
وتعاهدوا على ذلك، ثم تفرقوا، فلما أصبح الأخنس بن شريق أخذ عصاه، ثم خرج حتى أتى أبا سفيان في بيته، فقال: أخبرني يا أبا حنظلة عن رأيك فيما سمعت من محمد؟ فقال: يا أبا ثعلبة! والله لقد سمعت أشياء أعرفها وأعرف ما يراد بها، وسمعت أشياء ما عرفت معناها، وما عرفت ما يراد بها.
قال الأخنس: وأنا والذي حلفت به.
قال: ثم خرج من عنده حتى أتى أبا جهل فدخل عليه بيته، فقال: يا أبا الحكم! ما رأيك فيما سمعت من محمد؟ فقال: ماذا سمعت؟! تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف، أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا، حتى إذا تجاثينا على الركب وكنا كفرسي رهان قالوا: منا نبي يأتيه وحي من السماء، فمتى ندرك مثل هذه؟ والله لا نؤمن به أبداً ولا نطيعه.
لقد كان هؤلاء الصناديد في وقت الشرك -ومنهم من مات على الشرك بعد ذلك، ومنهم من هداه الله إلى الإسلام- يغالبون أنفسهم أن تهفوا إلى هذا القرآن، فتغلبهم إلا أن يتعاهدوا على عدم العودة إليه مرة أخرى، لقد أدركوا وسحروا، لقد أدركوا عظمة هذا القرآن، فصاروا يتعاهدون ويرجعون وهم قادة قريش وقادة الكفر والجاهلية في ذلك الوقت، فيجتمعون على سماع القرآن من رسول الله ﷺ .
هكذا كفار الأمس أدركوا حقيقة القرآن، فعملوا على صرف الناس عن القرآن، وكفار اليوم -أيضاً- أدركوا هذه الحقيقة العظيمة.
فهل تعلم أن من الكفار اليوم من يحفظ القرآن عن ظهر قلب وهو كافر؟! وهل تعلمون أن من الكفار من يفني عمره في دراسات عن القرآن؟ هل تعلم أن من الكفار من يعلمون حقيقة عظمة هذا القرآن وأثره في نفوس الناس وفي نفوس المسلمين؟! ومن ثم فهم يحذرون من هذا القرآن، ويعملون جاهدين على صرف أمة الإسلام عن هذا القرآن، لقد صرحوا بذلك في عدد من المناسبات، وقال بعضهم: مادام هذا القرآن والكعبة منصوبة في بلاد المسلمين لا نستطيع القضاء عليهم، ولن يقر لنا قرار.
هكذا قال أعداء الإسلام.
أيها الأخ الحبيب! إنها مفارقة عجيبة أن يعلم أعداؤنا عن عظمة ديننا وقرآننا ما لا نعلمه، وأن يدركوا ما لا ندركه، إنها مفارقة عجيبة ينبغي أن نتأمل فيها، ونحن نحاول أن نحيا بالقرآن مرة أخرى.
إنه -كما قلنا ونقول وسنقول- لا خيار لهذه الأمة وهي اليوم على مفترق الطرق، فإما أن تعود إلى ربها وقرآنها ودينها وإلا كانت الأخرى: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٨].
اللهم! اجعلنا ممن يحيا بالقرآن، اللهم! اعمر قلوبنا بالقرآن، اللهم! املأ قلوبنا وقلوب أسرنا وأولادنا بالقرآن، وأفرغها من الأغاني واللهو العبث، واجعل مكانها قرآناً يتلى ويحفظ ويعمل به يا رب العالمين.
اللهم! أبرم لأمة محمد ﷺ أمر رشد تعود فيه إلى دينها وإلى كتابها.
اللهم! أعز الإسلام والمسلمين، وانصر عبادك المؤمنين المجاهدين في كل مكان.
اللهم! دمر أعداء الدين؛ اللهم! دمر أعداء الدين.
اللهم! من أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بسوء فاشغله بنفسه يا رب العالمين، اللهم! اشغله بنفسه، اللهم! اشغله بنفسه، اللهم! اجعل كيده في نحره يا سميع الدعاء.
اللهم! إنا نسألك أن تكفي المسلمين جميعاً شر أعدائهم مشرقاً ومغرباً.
اللهم! اكف المسلمين في البوسنة والهرسك وفي كل مكان شر أعدائهم يا رب العالمين.
اللهم! دمر اليهود وأعوانهم، والنصارى وأشياعهم، والمنافقين والعلمانيين، وكل ملحد لا يؤمن بالقرآن ولا بيوم الحساب.
اللهم! إنا نسألك أن تقر أعيننا وأعين المسلمين جميعاً بنصرة الإسلام يا رب العالمين، وخذلان أعدائه يا قوي يا عزيز.
اللهم! إنا نسألك أن تصلي على نبينا محمد، اللهم! صل وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين، وأخص منهم الأربعة الخلفاء، والعشرة المبشرين، وأزواجه وآل بيته الطيبين الطاهرين، وبقية الصحابة أجمعين، ومن سار على نهجهم إلى يوم الدين.
اللهم! واحشرنا في زمرتهم يا رب العالمين.
стр. 495
كيف نحيا بالقرآن؟ [٢]
لقد عاش الصحابة مع القرآن حياة تدبر وتمعن وحفظ وتطبيق وعمل وإيمان وسعادة، فقد تلقوه بلهف وشوق إلى تلاوته، وإلى سماع عبره وقصصه، وكان ذلك مع كونهم يعيشون حالة الاستضعاف والاضطهاد من قبل كفار قريش، فكان لذلك أعظم الأثر في ثباتهم وصبرهم وإصرارهم على دينهم، وكان له أعظم الأثر في مواجهة أعدائهم.
стр. 496
كيفية حياتنا بالقرآن
الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.
هذا هو الدرس الثالث من دروس (كيف نحيا بالقرآن؟).
стр. 497
نتلو القرآن تلاوة تدبر وتمعن
حقائق القرآن عند المسلمين لا تتغير؛ لأنه كلام الله تعالى، يقول الله ﵎: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام:١١٥ - ١١٦].
ويقول تعالى مبيناً أن العاقبة والنصرة لرسل الله تعالى ولأتباعهم: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأنعام:٣٤].
ويقول تعالى مبيناً اطلاعه وشهوده لجميع أعمال العباد -ومنها قراءتهم وتلاوتهم للقرآن- وكل شأن من شئونهم، ثم مبيناً أن أولياء الله لهم الأمن والبشرى في الدنيا والآخرة: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ * أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [يونس:٦١ - ٦٤].
ويأمر الله رسوله ﷺ بتلاوة القرآن تلاوة تدبر وتمعن، فيقول تعالى: ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ [الكهف:٢٧]، والمعنى: اتبع القرآن؛ فإنه لا مبدل لكلمات الله، ولا خلف فيها، ولن تجد إن أعرضت عن اتباع القرآن وخالفته ملتحداً، أي: ملجأً تلجأ إليه وتميل.
وصدق الله ﵎، فمن أعرض عن القرآن العظيم فإلى أين سيذهب؟! لن يجد، ولن تجد أمة الإسلام إن أعرضت عن القرآن العظيم ولم تتبعه وخالفته ملجأ آخر تلجأ إليه فينفعها في دنياها وأخراها، فكلمات الله الشرعية لا تبديل فيها ولا تغيير.
هكذا نتلو القرآن ونحن نعلم ونوقن بذلك يقيناً كاملاً أنه لا تبديل لكلمات الله ولا تغيير، فهي حق وصدق، وما أخبرت عنه من أخبار، وما ذكرت به من مواعظ وأمثال، وما بينته من أحكام وآداب كله كلمات الله لا تغيير ولا تبديل فيها أبداً.
كلمات الله الشرعية لا تبديل فيها، كما أن كلمات الله الكونية واقعة ولا تغيير فيها، ولا يملك لها أحد من الخلق مهما كان تحويلاً ولا تغييراً ولا تبديلاً.
أيها الأخ في الله! كلمات الله الكونية في أقداره بين العباد واقعة على الجميع، الحياة والموت، الصحة والمرض، الفقر والغنى، تحولات الأمم وتقلباتها، آيات الله المتنوعة التي يبتلي بها عباده في كل مكان، كل ما قدره الله تعالى كوناً فهو واقع لا محالة، ولا يستطيع أحد أن يرد شيئاً منه.
كذلك أيضاً كلمات الله الشرعية نقرؤها ونتلوها ونؤمن بها على أنها حق وصدق، ولا تبديل لها أبداً، ولقد كان من ضمن الآيات التي لا تبديل فيها قول الله تعالى عن إخوان القردة: ﴿لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ﴾ [الحشر:١٤].
وجاءت أحداث الجدار الفاصل لتؤكد هذه الحقيقية القرآنية، وصدق الله تعالى: ﴿وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾ [الأنعام:٣٤]، فهل تعي هذا أمة الإسلام؟ هل يعي هذا المسلمون؟ هل يعون هذه الحقائق القرآنية وأنه لا مبدل لكلمات الله؟ إننا سنقدم هذه النصيحة لجميع إخواننا المسلمين، ونقول لهم: اقرؤوا القرآن، وتدبروا معانيه، وأحضروا له قلوبكم، وافتحوا له صدروكم، تدبروه وأنتم على يقين أن هذا القرآن أولاً نورٌ ينير القلب والفؤاد، وينير للعبد حياته في جميع أحوالها، وينير للأمة الإسلامية مسيرها، قال الله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة:١٥ - ١٦].
стр. 498
نتلو القرآن على أنه فرقان بين الحق والباطل
ثانياً: نتلوه على أنه فرقان يفرق به بين الحق والباطل، وينير للإنسان طريقه حين تختلط عليه الطرق في وسط الفتن والشبهات، قال الله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان:١].
стр. 499
نتلو القرآن على أنه برهان قامت به الحجة على العباد
ثالثاً: نتلوه ونتدبره على أنه برهان قامت به الحجة على العباد، وهو برهان واضح في دلالاته وحقائقه، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا * فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [النساء:١٧٤ - ١٧٥].
стр. 500
نتلو القرآن على أنه بصائر للناس
رابعاً: نتلوه على أنه بصائر للناس تهدي قلوباً حية لينة خاشعة، قال الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ * اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الزمر:٢٢ - ٢٣].
والقرآن بصائر في جميع الأوقات وعلى مختلف الأحوال، قال الله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ [الأنعام:١٠٤]، وقال تعالى: ﴿هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف:٢٠٣]، ثم أمر تعالى بعد ذلك بالإنصات لقراءة القرآن.
وقال تعالى في شمول الشريعة وكمالها ووجوب اتباعها: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ * إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ * هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [الجاثية:١٨ - ٢٠].
стр. 501
نتلو القرآن على أنه شفاء لما في الصدور
خامساً: نتلوه على أنه شفاء لما في الصدور، وموعظة لها، تشفى به الصدور من وساوسها وشكوكها وأمراضها، أمراض الشبهات وأمراض الشهوات، قال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ [الإسراء:٨٢]، والآية التي قبلها مباشرة: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء:٨١].
وهذا الشفاء يمتد من الفرد إلى الأمة في أمراضها الاجتماعية والنفسية والأخلاقية وغيرها: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس:٥٧].
стр. 502
نتلو القرآن على أنه كلام الله
سادساً: نتلوه على أنه كلام الله تعالى، تكلم به الذي خلق السماوات والأرض وكل شيء، والله ﵎ خالق كل شيء، تكلم به الذي يسبح له ما في السماوات والأرض، ويسجد له من في السماوات ومن في الأرض، تكلم به من بيده ملكوت كل شيء، تكلم به من إذا أراد شيئاً فإنه يقول له: (كن) فيكون، تكلم به من قلوب العباد بين إصبعين من أصابعه يقلبها كيف يشاء.
نتلوه ونحن نؤمن بأن الذي تكلم به الملك الجبار، العزيز الحكيم، القوي المتين، أخذ الظالمين أخذ عزيز مقتدر، أخذ عاداً لما كفروا بالريح العقيم، وأخذ ثمود لما طغوا بالصيحة التي قطعت قلوبهم داخل صدروهم، وأغرق فرعون والناس ينظرون، وخسف بقارون وهو في زينته ومن حوله لا يكادون يصدقون.
تكلم به الذي أخذ طواغيت قريش في بدر فأصبحوا صرعى، فرماهم المصطفى ﷺ في القليب وخاطبهم: (هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقاً؟ فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقاً).
تكلم به الذي رد الأحزاب وقد تحزبوا وتجمعوا في جيوش جرارة، فأنزل الله وأرسل إليهم ريحاً وجنوداً لم يروها فكان ذلك نصر الله لعباده المؤمنين.
تكلم به الذي أنزل اليهود من صياصيهم وحصونهم ﴿مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ [الحشر:٢].
تكلم به الذي نصر المؤمنين الصادقين في معارك الإسلام الفاصلة في القادسية واليرموك وعين جالوت وحطين، فكانت آيات وعبراً للمعتبرين.
نتلوه على أنه كلام الله ملك الملوك ومالك الملك، جميع الخلق فقراء إليه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر:١٥].
نتلوه ونحن نؤمن بالله بأسمائه وصفاته وبكماله ﵎، نتلو هذا القرآن على أنه كلام الله ﵎، نستحضر هذا مع كل كلمة وآية وسورة من القرآن العظيم.
стр. 503
كيف عاش الصحابة مع القرآن
سنعرض لنماذج عن حياة السلف بالقرآن، ونبدأ بالصحابة الذين عايشوا وشاهدوا التنزيل مع من نزل عليه القرآن محمد ﷺ ، كيف كانوا يتلقونه؟ وكيف كانوا يؤمنون به ويصدقونه ويعملون به؟ وأرجو أن لا يعجب أحد فيقول: إن الصحابة عاشوا مع القرآن وهو ينزل على حسب الأحداث التي عاشوها وراعوها، فكيف يمكن أخذ العبرة من أحوالهم ومواقفهم؟ وجواباً على ذلك نقول: كيف كان حال رسول الله ﷺ وأصحابه في الفترة المكية التي نزل فيها كثير من القرآن؟! بل كيف كان حالهم في شطر كبير من العهد المدني حيث الحروب والغزوات وتحزب الأحزاب على المسلمين؟ لقد عاش رسول الله ﷺ ثلاثة عشر عاماً في مكة سنوات كلها إعراض من قومه عن الاستماع لهذا القرآن، وصدٌ لغيرهم عن الإصغاء إليه، واضطهاد وتعذيب لتلك الفئة القليلة التي آمنت به، ثم المقاطعة له ولعشيرته، ومحاصرتهم مدة غير يسيرة في شعب من شعاب مكة، ثم مؤامرات سرية أو علنية على قتله ﷺ أو نفيه أو أسره، وفيما بين ذلك هجرة طويلة شاقة إلى الحبشة من جانب بعض أصحابه، ورحلة دامية إلى الطائف، ووصف له بأبشع الصفات تمثلها وسائل الإعلام القرشية في مواطن تجمعات الناس، في الحج، وفي سوق ذي المجاز، وفي سوق عكاظ، وفي غيرها من مجامع القبائل، واصفةً رسول الله ﷺ مرة بأنه مجنون، ومرة بأنه ساحر، ومرة بأنه كاهن، ومرة بأنه كذاب، ومرة بأنه صابئ، ومرة بأنه مفرق للأمة، وأصحابه ﷺ معه يعانون ما يقال.
عاشوا في هذه الأجواء وهم بعد لا يعلمون ما في غيب الله المجهول، بل رسول الله ﷺ لا يدري ما الذي يفعل به، وقد قص الله عليه أن من الرسل من قتل، فلا يدري رسول الله ﷺ كيف ستكون النتيجة عملياً لدعمه، ولا يدري أصحابه من بعد كيف تنزلت عليه ﷺ وعلى أصحابه السور والآيات المكية تحمل حقائق التوحيد والألوهية وقصص الأنبياء ووعد الله بنصر عباده المؤمنين.
فكيف كانوا يستقبلون ويتلون هذه الآيات والسور وهم في تلك الأحوال مستضعفين مطاردين من جانب الكفار وأعوانهم؟ إن دارس السيرة النبوية ينبغي أن يقف مع هذا
السؤال
كيف كان أصحاب رسول الله ﷺ مدة ثلاثة عشر عاماً في مكة يستقبلون القرآن؟ كيف كانوا يتلقون الوحي من الله وهم بعد لم يجدوا مكاناً آمناً، ولم ينتصروا على المشركين، ولم تفتح لهم مكة، ولم يدخل الناس في دين الله أفواجاً؟ كيف كانوا يتلقون القرآن في أيام العهد المكي والمسلمون مطاردون، بل يعذبون في بطحاء مكة، ورسول الله وأصحابه ينظرون، بل وفيهم من يموت تحت وطأة التعذيب ورسول الله ﷺ وأصحابه يرون هذه الحقائق؟ كيف كانوا يتلقون الآيات القرآنية؟ أيها الإخوة في الله! إن الموضوع يطول جداً، ولكنني أقول لكم: في تلك الأجواء والمضايقات والمطاردات في مكة كيف كان رسول الله ﷺ وأصحابه يستقبلون سورة الأنعام المكية؟! كيف كانوا يستقبلون قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ * إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ [الأنعام:٣٥ - ٣٦]؟ كيف كانوا يستقبلون: ﴿وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ [الأنعام:٣٦]؟ كيف كانوا يستقبلون: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأنعام:٣٥]؟ أين الآيسون من رحمة الله ونصر الله؟ كيف كان رسول الله ﷺ يستقبل هذه الآيات؟ وكيف كانوا يستقبلون قول الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأنعام:٥٥]؟ كيف كانوا يستقبلون هذه الآيات في سورة الأنعام المكية؟ كيف تلقوا قول الله تعالى في هذه السورة: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [الأنعام:١٢٣] وغيرها من الآيات في هذه السورة العظيمة؟! أيها الإخوة في الله! كيف تلقى المسلمون مثل هذه الآيات في سورة الأعراف المكية: ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ * وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ﴾ [الأعراف:١٩٦ - ١٩٧]؟! كيف تلقى المسلمون والرسول معهم قول الله تعالى في سورة يونس المكية: ﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ﴾ [يونس:٤٦]؟ وقوله تعالى في هذه السورة: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ﴾ [يونس:٥٣] أين المتوددون؟ ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [يونس:٥٣]، وقوله في هذه السورة أيضاً: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ * وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ * إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ * وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ﴾ [يونس:٩٤ - ٩٧].
انتبهوا واستحضروا أن هذه الآيات نزلت في مكة، والمسلمون فيها على ما تعلمون -أيها الإخوة في الله- في مطاردة وتشريد وتعذيب، فكيف كان أصحاب النبي ﷺ يتعاملون مع هذه الآيات وهم لا يعلمون غيب الله المكنون؟! أيها الأخ المسلم! لما جرى على المسلمين في غزوة أحد ما جرى، ورأى المسلمون فيها من العبر والدروس العظيمة قال الله تعالى بعد هذه الغزوة: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ [آل عمران:١٧٩]، فواجهوا الأحداث مواجهة مباشرة حتى تكون التربية ويكون الإيمان ويكون العيش مع القرآن.
وتأمل قوله تعالى في هذه السورة المكية: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ * وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ * قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ * فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ * ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس:٩٩ - ١٠٣].
كيف تلقوا هذا الوعد الصادق وهم مطاردون في مكة؟ كيف سمع الرسول وتلقى الصحابة هذه الآيات في سورة هود: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا﴾ [هود:١١٢]، إنه كتاب موجه إلى رسول الله ﷺ وصحابته وهم مستضعفون فقراء في المدينة، يقول الله له: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنصَرُونَ * وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفِيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ * وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [هود:١١٢ - ١١٥].
ثم يقول في آخر السورة: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ * وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ * وَانتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ * وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [هود:١٢٠ - ١٢٣].
كيف تلقى الصحابة قصة يوسف وما جرى فيها، وقول الله تعالى في أواخرها: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ [يوسف:١١٠]، وهي سورة مكية؟! كيف تلقوا قول الله تعالى في سورة إبراهيم المكية: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ ي
стр. 504
مقدمة في السيرة
معرفة سيرة النبي ﷺ من أهم الأمور التي ينبغي أن يعرفها على كل مسلم؛ لأن العلم يشرف بشرف معلومه، والمعلوم في هذا العلم هو رسول الله ﷺ ، ولابد لمن يريد معرفة سيرة النبي ﷺ أن يستقيها من المصادر المعتمدة، وأن يحذر من دسائس المستشرقين، وأن يتبع المنهج الصحيح في دراستها.
стр. 505
أهمية السيرة النبوية
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: فلاشك أن مثل هذه الدروس العلمية لها فائدتها الكبيرة؛ لأن مدارسة سيرة رسول الله ﷺ سواء في عهدها المكي أو فيما تلا ذلك من العهد المدني بتفاصيله الكبيرة، هي من الإيمان ومن مقتضيات محبة رسول الله ﷺ ، وانطلاقاً من هذا فسيكون هذا الدرس -إن شاء الله تعالى- عن المقدمات التي ينبغي أن نستوعبها ويستوعبها الدارسين لسيرة هذا النبي الكريم ﵊.
وسنعرض إن شاء الله تعالى ثلاث قضايا: أولاها: أهمية السيرة النبوية.
وثانيها: مصادرها.
وثالثها: المنهج الصحيح لدراسة هذه السيرة.
فأما القسم الأول وهو المتعلق بأهمية هذه السيرة، فلاشك أن رسولنا ﷺ هو خاتم الرسل، وسيد ولد آدم، وهو أفضلهم ﵊، ولاشك أن هذه السيرة تعنينا نحن أمة محمد ﷺ عناية خاصة؛ فهو رسولنا ونحن أمته، وهو خاتم الرسل، ولا ننتظر رسولاً بعده أبداً، وعيسى ﵊ أخبرنا النبي ﷺ أنه ينزل في آخر الزمان، ولكنه إذا نزل يكون متابعاً لرسول الله ﷺ ، وحاكماً بالقرآن، وقاتلاً للخنزير، وكاسراً للصليب، ورافعاً للجزية، فلا يقبل من اليهود والنصارى إلا الإسلام على شريعة محمد بن عبد الله ﷺ أو السيف، ثم إنه يدفن بعد ذلك عند رسول الله ﷺ في المدينة.
стр. 506
الأمور التي تبرز من خلالها أهمية السيرة النبوية
وأهمية سيرة النبي ﵊ تبرز من خلال عدة أمور: منها: عناية السلف رحمهم الله تعالى بهذه السيرة النبوية الكريمة: ولو أن الإنسان تدبر كيف كان أصحاب رسول الله ﷺ يحبون هذا النبي الكريم لوجد أنهم كانوا يحبونه محبة عظيمة جداً، حتى إنهم ﵃ وأرضاهم لما انتقل الرسول ﷺ إلى الرفيق الأعلى، وعلموا أنهم قد فقدوه، وأنه انقطع الوحي بينهم وبين السماء، أصيبوا بصدمة عظيمة ذهلت لها عقولهم، حتى إن أحد الصحابة يعبر عن ذلك ويقول: (فلما أن دفنا رسول الله ﷺ تنكرت لنا قلوبنا؛ فما هي والله بالتي نعرف).
وصار أصحاب رسول الله ﷺ يتنقلون في الشوارع والطرقات في المدينة، وكأنهم طير بلله المطر ينتقل من زاوية إلى زاوية؛ من شدة ما لقوا من الحزن لفقد هذا النبي الكريم والرحمة المهداة ﷺ .
فإذا كانت هذه عناية هؤلاء الصحابة فعناية سلفنا الصالح من التابعين ومن بعدهم كانت على مثل ذلك، فحرصوا على متابعته، وحرصوا على مدارسة سيرته ﷺ ؛ حتى إن أحد أئمة التابعين -وهو الإمام الزهري الذي يُعتبر أحد من دون مغازي رسول الله ﷺ ؛ كان يقول عن علم المغازي: إنه علم الآخرة والدنيا.
وقد روي عن إسماعيل بن محمد بن سعد قال: (كان أبي يعلمنا مغازي رسول الله ﷺ وسراياه ويعدَّها علينا، ويقول: يا بني! هذه مآثر آبائكم فلا تضيعوا ذكرها)، يربي رحمه الله تعالى عليها أولاده.
وعن علي بن الحسين قال: (كنا نعلم مغازي نبي الله ﷺ كما نعلم السورة من القرآن).
وهذا منهم رحمهم الله تعالى دليل على حرصهم على أن يربوا أولادهم على معرفة هذه السيرة النبوية الكريمة، وعلى معرفة تفاصيلها؛ حتى تمتلئ قلوبهم محبة لهذا النبي العظيم وعظمة لهذا الدين وهذا الإسلام، ولئلا تمتلئ قلوبهم بمحبة الخرافات والأساطير وقصص الممثلين والممثلات وغيرهم مما لا فائدة منه أبداً، فيجب أن تملأ قلوب الصغار وتملأ قلوب الأولاد بمغازي رسول الله ﷺ وسراياه وسيرته وتفاصيلها، وإن قلباً امتلأ محبة لرسول الله ﷺ وعلماً بسيرته وبسراياه ومغازيه وأموره كلها، لقلب قمن أن يكون قلباً تواباً أواباً رجاعاً إلى ربه ﵎ عاملاً بالإسلام داعياً إليه خادماً له معتزاً به.
وما أحرانا أيها الإخوة المسلمون! في عصرنا الحاضر أن نغرس في قلوب أولادنا هذه السيرة النبوية الكريمة! بدل أن يغرسها وتغرسها وسائل الإعلام بقصص الكافرين والكافرات والفاسقين والفاسقات، نسأل الله السلامة والعافية.
ولقد كتب ابن القيم رحمه الله تعالى في (زاد المعاد) مقدمة عظيمة عن أهمية سيرة رسول الله ﷺ ، وعن منزلة هذا النبي الكريم ﵊، ومما قاله بعد مقدمة طويلة: ومن هنا تعلم اضطرار العباد فوق كل ضرورة إلى معرفة الرسول وما جاء به، وتصديقه فيما أخبر به، وطاعته فيما أمر؛ فإنه لا سبيل إلى السعادة والفلاح لا في الدنيا ولا في الآخرة إلا على أيدي الرسل، ولا سبيل إلى معرفة الطيب والخبيث على التفصيل إلا من جهتهم، ولا يُنال رضا الله البتة إلا على أيديهم، فالطيب من الأعمال والأقوال والأخلاق ليس إلا هديهم وما جاءوا به، فهم الميزان الراجح الذي على أقوالهم وأعمالهم وأخلاقهم توزن الأقوال والأخلاق والأعمال، وبمتابعتهم يتميز أهل الهدى من أهل الضلال، فالضرورة إليهم أعظم من ضرورة البدن إلى روحه، والعين إلى نورها، والروح إلى حياتها، فأي ضرورة وحاجة فُرضت فضرورة العبد وحاجته إلى الرسل فوقها بكثير، وما ظنك بمن إذا غاب عنك هديه وما جاء به طرفة عين فسد قلبك، وصار كالحوت إذا فارق الماء؟! وإذا كانت سعادة العبد في الدارين معلقة بهدي النبي ﷺ فيجب على كل من نصح نفسه وأحب نجاتها وسعادتها أن يعرف هديه وسيرته وشأنه وما يخرج به عن الجاهلين به، ويدخل به في عداد أتباعه وشريعته وحزبه.
وعلى هذا فإن سيرة رسولنا ﷺ إنما هي سيرة خاصة، ونحن محتاجون إليها إذا أردنا أن نكون من المؤمنين المتقين الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
والعجيب! أن كثيراً ممن يهتم بتاريخنا الإسلامي تجده يركز على قضايا مادية، كالزخرفة والفنون والبنايات وغيرها، ويجعلها هي رمز الحضارة الإسلامية، ويؤلف في ذلك المؤلفات الطويلة، ثم يغفل عن إظهار وإشهار سيرة رسول الله ﷺ وما فيها من عظمة، وما فيها من جهاد، وما فيها من دروس وعبر، فلاشك أن هذه السيرة النبوية مليئة ومليئة للمسلمين بأن يكون هذا النبي ﷺ قدوة لهم؛ فكلٌ يقتدي به ﵊، فالمؤمن الذي يريد أن يهتدي بهدى الله يقتدي بالنبي ﵊، وهكذا يقتدي به المجاهد الذي يقود الجهاد في سبيل الله، والداعية الذي يدعو إلى الله ، والزوج الذي يريد أن يربي أسرته على المنهج الصحيح، والرجل الذي يريد أن يعلم أصحابه وأولاده ما يريدونه من العلم، وهكذا.
فسيرة رسول الله ﷺ تتميز بشمولها التام، وبأنها سيرة متكاملة شاملة لجميع مناحي الحياة، قد نجد عند الناس في تواريخهم من برز في القتال، أو من برز في العلم، لكن أن نجد من هو قدوة يجب اتباعه ومن برز في جميع الأمور؛ فلا نجد ذلك إلا في هذا النبي الحبيب الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم.
стр. 507
أهمية دراسة سيرة الخلفاء الراشدين
وأود بهذه المناسبة أن أشير في ختام هذه المقدمة القصيرة عن أهمية سيرة نبينا ﷺ إلى أن من المهم مدارسة سيرة الخلفاء الراشدين ﵃؛ لأن النبي ﷺ أمر بالاقتداء بهم فقال: (اقتدوا باللذين من بعدي)، وقال: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين).
والأمر الثاني -وهو المهم جداً- أن الخلافة الراشدة بعد رسول الله ﷺ هي أول تطبيق عملي للإسلام بدون الرسول ﵊، حتى لا يأتي قائل ويقول: أين نحن من سيرة النبي ﵊ وهو رسول الله مؤيد بالوحي ومؤيد بالمعجزات إلى آخره؟ فنقول له: نعم، هذه سيرة واجب اتباعها، ورسول الله ﷺ بذل الأسباب، وكان بشراً ﵊، لكنه كان نبياً، أما خلافة الخلفاء الراشدين فهي تطبيق عملي قريب متكامل لما أراده الرسول ﷺ ، فينبغي أن نهتم بدراسة تاريخهم وسيرتهم ﵃ وأرضاهم، وأن نمحصها.
وننتقل بعد ذلك إلى الفقرة الثانية وهي المتعلقة بمصادر سيرة رسول الله ﷺ .
стр. 508
مصادر سيرة الرسول ﷺ
стр. 509
القرآن الكريم مصدر من مصادر سيرة الرسول ﷺ
ومصادر سيرة الرسول ﷺ كثيرة جداً.
وأولها: القرآن الكريم، والقرآن الكريم هو كتاب الله ووحيه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
ولأن القرآن الكريم نزل على النبي ﷺ مفرقاً حسب الأحوال والحوادث فإن هذا الكتاب الكريم كان تطبيقاً عملياً لما كان عليه الرسول ﷺ بدءاً بدعوته إلى أن انتقل ﵊ إلى الرفيق الأعلى، ومن ثمَّ فإن القرآن الكريم يتميز عن غيره من المصادر بعدة ميزات: أولاها: أنه كلام الله، فمدارسته عبادة، والنبي ﷺ أخبرنا فقال: (من قرأ حرفاً من كلام الله كان له به عشر حسنات)، فكون الإنسان يقرأ القرآن ويتدارسه هو عبادة أولاً.
الميزة الثانية: أن في القرآن العظيم إشارات تفصيلية لبعض الأحداث في السيرة النبوية لا يمكن أن نجدها في كتب السيرة الأخرى، ومن تدبر كلام الله سيجد ذلك واضحاً بيناً، فمن قرأ سورة التوبة وكيف قص الله علينا ما جرى في غزوة تبوك، أو قرأ سورة آل عمران وما جرى في غزوة أحد، أو قرأ سورة الأحزاب وما جرى في غزوة الأحزاب؛ سيجد في هذه الآيات القرآنية من التفاصيل ما لا يجده في كتب السيرة النبوية.
والميزة الثالثة للقرآن وكونه مصدراً مهماً لسيرة النبي ﵊: أن القرآن فيه ربط عجيب بين سير الحدث وقصة الحدث وربطه بالعقيدة والإيمان والقضاء والقدر، بمعنى: أن كتب السيرة تسرد عليك الأحداث سرداً، لكن إذا قرأتها من القرآن العظيم تجده يعقب عليها بتعقيبات تزن هذه الأحداث وتقومها، وتربطها بالملك العلي ﷻ ، وما دام الأمر كذلك فأنت حينما تقرأ الآيات المتعلقة ببعض أحداث سيرته ﷺ ، تجد ربطها بالإيمان بالله وبأسمائه وصفاته وبما كتبه الله وقدره وبعلامات الإيمان، وتجد فضح المنافقين وأحوالهم وأوصافهم إلى آخره.
الميزة الرابعة: أن السيرة أحياناً تكون مرتبطة بزمان أو مكان أو حدث معين، ولكن في القرآن العظيم تتحول هذه الحادثة من قصة معينة إلى درس كبير ومنهج متكامل يتعدى ظروف الزمان والمكان، ويتعدى ظروف الحدث، ومن ثمَّ يأتي في هذه الآيات الكريمات تحليل لهذا الحدث وتعقيب عليه؛ بحيث يتحول إلى درس يقرؤه الإنسان ولا يمله إلى يوم القيامة، وهذه ميزة القرآن العظيم أنه لا يمله الإنسان، ولا يخلق من كثرة الرد أبداً.
الميزة الخامسة: أن هناك أحداثاً جاءت في سيرة رسول الله ﷺ ، لكن جاء تفصيلها في القرآن أكثر مما جاء في السيرة، ومن الأمثلة على ذلك ما ورد في قصة زواج النبي ﷺ من زينب بنت جحش وزواجها قبله من مولاه زيد بن حارثة ﵁ وأرضاه، فإن الله ذكر ذلك في قصة الأحزاب بما لا نجد تفاصيله وتعقيباته في غيره من كتب السيرة.
الميزة السادسة: أن كتاب الله وهو يذكر هذه الأحداث يركز على خصائص سيرة النبي ﷺ ، فيركز على عموم رسالته، وعلى أن مهمة الرسول هي البلاغ، كما أنه يركز على أن الرسول ﷺ بشر وليس ملكاً، كما أنه يبين أن النبي ﷺ خاتم النبيين ولا نبي بعده، وهكذا.
وينبغي أن نعلم أن مدارسة هذا القرآن العظيم وتتبع السيرة النبوية من خلاله لابد لها من أمور، فلابد من مراجع، ومن أهم هذه المراجع كتب التفسير، ومن أهم كتب التفسير تفسير الطبري وتفسير ابن كثير رحمهما الله تعالى، ثم يأتي بعد ذلك كتب أسباب النزول وغيرها.
وأود أن أشير بهذه المناسبة إلى أن أحد الكتاب حاول أن يكتب سيرة النبي ﷺ من القرآن الكريم فقط، وهو الأستاذ محمد عزت؛ وذلك في كتابه (سيرة الرسول) التي كتبها في مجلدين، فأراد أن يقتصر على سيرة النبي ﵊ من القرآن الكريم، ولكن ينبغي أن يعلم أنه لا يُكتفى بالقرآن العظيم؛ لأن كثيراً من التفصيلات لابد من الرجوع فيها إلى كتب الحديث النبوي وإلى كتب السيرة؛ ليتبين المراد منها، لكنها محاولة جيدة منه.
стр. 510
الحديث النبوي مصدر من مصادر سيرة النبي ﷺ
المصدر الثاني من مصادر سيرة النبي ﵊ هو حديث الرسول ﷺ : وينبغي أن نعلم أن حديث النبي ﷺ والذي عني المسلمون بتدوينه عناية تامة، فيه من تفاصيل أحداث السيرة الأمر العجيب، ولدينا ما صح من الحديث النبوي، أقصد ما أُلف بقصد جمع الصحيح، فهناك من ألف كتابه وجعله صحيحاً، كـ البخاري ومسلم رحمهما الله تعالى، وفيهما من أحداث السيرة النبوية الشيء الكثير والكثير جداً، وعليك أن تقرأه بثقة واطمئنان؛ لأنه ثابت صحيح عن رسول الله ﷺ .
فتجد في البخاري وفي مسلم أبواباً في فضائل الصحابة، وتجد أبواباً في سيرة الرسول ﷺ ، وتجد أبواباً في المغازي، وتجد أبواباً في معاملة النبي ﷺ ، وجهاده للكفار، وهكذا، ففيها من التفصيلات ما قد لا تجده في غيرها من المصادر الأخرى، إضافة إلى كتب السنة الأخرى كبقية السنن الأربع: الترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجة، وهكذا مسند الإمام أحمد وكتب المعاجم، كمعاجم الطبراني الصغير والكبير والأوسط، ومسند أبي يعلى الموصلي، وغيرها من دواوين السنة الكبرى، والأجزاء الحديثية الصغرى، فهذه كلها فيها الكثير والكثير مما لو جمع لكان سيرة متكاملة لرسول الله ﷺ .
ولكن هذه الكتب الحديثية منها ما هو مرتب على الأبواب فيسهل أحياناً الوصول إليها، كما في البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي؛ حيث يسهل وصول الإنسان إلى الأبواب التي يريدها وتتعلق بسيرة النبي ﵊، وهناك كتب أخرى ليست كذلك، بل تحتاج إلى العلماء، وتحتاج إلى الفهارس؛ حتى نستفيد منها، كمسند الإمام أحمد؛ لأن الإمام أحمد جعله على مسانيد الصحابة، ومن ثمَّ فإن الإنسان الذي يريد أن يستفيد من هذا المسند لابد أن يتتبع المسند من أوله إلى آخره، ويستعين -مثلاً- بالفتح الرباني وإن كان لم يذكر الأحاديث المكررة، لكن الفتح الرباني حول المسند إلى الأبواب.
وكذلك أيضا المعجم الكبير للطبراني أو المعجم الأوسط أو مسند أبي يعلى الموصلي أو غيرها، فهذه كلها مسانيد جاءت على ترجمة الصحابة، وأحياناً على ترجمة شيوخ أولئك المحدثين، فالوصول إلى أحداث السيرة فيها يحتاج إلى فهرسة، ويحتاج إلى جهود العلماء في ذلك.
وينبغي أن نعلم أن حديث النبي ﷺ وما صح منه -كما في البخاري ومسلم مثلاً- فيه من البيان والتوضيح لبعض الأحداث المشكلة الشيء الكثير، وسأذكر بعض الأمثلة المتعلقة بالعهد المدني: مما كان في العهد المدني أن النبي ﷺ غزا غزوة بني المصطلق التي تُسمى غزوة المريسيع، فتجد -مثلاً- في سيرة ابن إسحاق أنه يذكر فيها أن النبي ﷺ دعاهم إلى الإسلام ثم قاتلهم، لكن تجد في صحيح البخاري أن النبي ﷺ داهمهم وهم غارون، فبحث العلماء هذه القضية: هل لابد قبل القتال من الدعوة إلى الإسلام؟ وكيف نجمع بين حديث البخاري وما قاله ابن إسحاق في سيرته؟ فهنا نجد أن البخاري رحمه الله تعالى أوثق، وأن النبي ﷺ فعلاً هجم على بني المصطلق وهم غارون، حيث هجم عليهم هجوماً صاعقاً، وسبى ذراريهم، وغنم أموالهم، وجرى في تلك الغزوة ما جرى، لكن يبقى
السؤال
هل معنى ذلك أن النبي ﷺ ترك الحديث الآخر الذي في صحيح مسلم وفيه: (وإذا لقيت عدوك فادعهم إلى ثلاث خصال أو إحدى ثلاث خصال: إلى الإسلام)، يعني: ادعهم قبل ذلك، فهل معنى ذلك: أن النبي ﷺ -كما في صحيح البخاري - داهمهم ولم يدعهم؟
الجواب
لا، بل الراجح أنه داهمهم، لكن كان بنو المصطلق قد بلغتهم الدعوة، وإذا كان الأمر كذلك يزول الإشكال في هذه المسألة، وهكذا إذا حلل الإنسان يجد في كتب الحديث النبوي من الترجيحات الشيء الكثير والكثير جداً.
стр. 511
كتب الشمائل المحمدية مصدر من مصادر سيرة النبي ﷺ
القسم الثالث من مصادر سيرة النبي ﵊: كتب الشمائل المحمدية التي تشرح شمائل الرسول ﷺ وأخلاقه وصفاته الخلقية والخلقية ﵊: ومن أهم المراجع في هذا الباب: كتاب الترمذي صاحب الجامع الصحيح، فله كتاب اسمه (الشمائل المحمدية)، وهذا الكتاب طبع، وقد اختصره وحكم على أحاديثه الشيخ ناصر الدين الألباني جزاه الله خيراً، فمختصره موجود، وفيه شرح لشمائل النبي ﷺ .
ومن الكتب التي طبعت في الشمائل ولكن إلى الآن لم تحقق: كتاب (أخلاق النبي ﷺ وآدابه) لـ أبي الشيخ الأصبهاني المتوفى سنة (٣٦٩هـ)، لكن هذا الكتاب حتى الآن -على حد علمي- لم يحقق تحقيقاً متكاملاً.
والكتاب الثالث -وهو كتاب مشهور عند كثير من الناس- هو: كتاب (الشفا بتعريف حقوق المصطفى) للقاضي عياض المتوفى سنة (٥٤٤هـ)، وهذا الكتاب خرج أحاديثه السيوطي رحمه الله تعالى في كتاب مطبوع اسمه (مناهل الصفا في تخريج أحاديث الشفا)، وهو مطبوع، ولكن ينبغي أن نعلم أن كتاب (الشفا) للقاضي عياض وإن كان أجاد فيه في بعض المواضع إلا أنه ﵀ قد وقع في الخطأ في بعضها، ومن ثمَّ نجد للصوفية عناية كبيرة بهذا الكتاب، فالكتاب فيه أشياء جيدة، لكن من الملاحظات عليه أنه تكلم -مثلاً- عن زيارة قبر النبي ﷺ والسفر إليه، ورجح جواز ذلك، وهذا كما هو معلوم مخالف لعقيدة السلف رحمهم الله تعالى.
الأمر الثاني: أنه لما ذكر أسماء الرسول ﷺ صار يقرنها بأسماء الله، فيقول أن الله من أسمائه: الأول والآخر، ومن أسماء النبي ﷺ : أنه أول من تنشق عنه الأرض إلخ.
وأقول: إن في مثل هذه المسائل نوع مبالغة لا تنبغي؛ لأن النبي ﷺ بشر، وقد أمر ﵊ بألا نرفعه فوق منزلته.
ومن الكتب الجيدة الممتازة جداً: (الشمائل) للحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى، وهذا الكتاب جزء من البداية والنهاية، وقد طبع مستقلاً، وسيأتي إن شاء الله مزيد بيان عن سيرة ابن كثير رحمه الله تعالى.
стр. 512
كتب دلائل النبوة مصدر من مصادر سيرة النبي ﷺ
الرابع من مصادر السيرة: كتب دلائل النبوة التي فيها شرح لدلائل نبوته ﷺ ومعجزاته: لأن النبي ﷺ له معجزة هي القرآن الكريم، وله ﵊ معجزات أخرى كثيرة جداً كان أصحاب رسول الله ﷺ يرونها كبيرة، وقد عني العلماء بذكر هذه الدلائل وتفاصيلها؛ لأنها دالة على نبوته ﷺ وفي أثناء هذه الدلائل شرح كبير لكثير من أحداث السيرة النبوية.
ومن كتب الدلائل -وهو أهمها-: كتاب دلائل النبوة للفريابي وقد طبع أخيراً، وهو كتاب صغير، لكنه جيد.
وهناك كتاب آخر مطبوع اسمه: (دلائل النبوة) لـ أبي نعيم الأصبهاني.
وهناك أيضاً كتاب ثالث طبع أخيراً واسمه (دلائل النبوة) للبيهقي، لكن كتاب البيهقي هذا كتاب كبير يقع في عدة مجلدات، وفيه بعض الأحاديث الضعيفة، فينبغي لمن اطلع عليه أن يميز صحيحها من ضعيفها.
وللسيوطي رحمه الله تعالى كتاب اسمه: (الخصائص الكبرى) وقد طبع هذا الكتاب قديماً، ثم طبع أخيراً بتعليقات للشيخ محمد خليل الهراس رحمه الله تعالى.
стр. 513
كتب السيرة النبوية مصدر من مصادر سيرة النبي ﷺ
القسم الخامس من مصادر سيرة النبي ﷺ : كتب السيرة النبوية: وبدء تدوين السيرة النبوية ليس هذا مناسبة شرحه، وربما أنها سبقت في مناسبة أخرى، لكن نعرض لبعض كتب السير المشهورة، ومن أهمها: سيرة ابن إسحاق المتوفى سنة (١٥٠ أو سنة ١٥١هـ)، وسيرة ابن إسحاق رحمه الله تعالى كانت مسطورة، ثم هذبها ابن هشام، وعرفت عند الناس جميعاً باسم: سيرة ابن هشام، وفيها اعتماد كامل على سيرة ابن إسحاق، مع بعض الحذف والاختصار في بعض المواضع.
وسيرة ابن إسحاق الأصل وجد منها قطعة تقع في مجلد، طبعت أخيراً بتحقيق محمد حميد الله، ثم طبعت طبعة أخرى بتحقيق سهيل بكار.
وسيرة ابن هشام هذه هي السيرة النبوية المشهورة بين الناس، والتي عمل العلماء لها شروحاً، وممن شرح غريبها الخشني، وشرحه مطبوع، وممن شرحها الإمام السهيلي واسم شرحه (الروض الأنف)، وقد طبع قديماً في أربعة أجزاء، ثم طبع أخيراً قبل سنوات في سبعة مجلدات بتحقيق عبد الرحمن الوكيل طباعة جيدة، وقد حرص السهيلي على بعض التعليقات وبعض التعقيبات، وشرح بعض الغوامض.
وينبغي أن يعلم أن سيرة ابن هشام هذه هي سيرة ينبغي التثبت من أحداثها تصحيحاً وتضعيفاً، فليس ما فيها كله صحيح، وإنما يجب مقارنتها بغيرها من السير وبحديث الرسول ﷺ ؛ لأن فيها بعض الروايات الضعيفة، وخاصة ما يتعلق بعهد الجاهلية أو بحياة النبي ﷺ الأولى وما يتعلق بولادته ونحوها، لكن ابن إسحاق ثقة في باب المغازي، فإذا لم نجد ما يعارضه من الأحاديث الصحيحة فإننا نعتمد ما قاله ابن إسحاق رحمه الله تعالى.
وهناك جزء من السيرة لـ أبي إسحاق الفزاري المتوفى سنة (١٨٦هـ)، وأبو إسحاق الفزاري روى له الجماعة، فهو أحد الثقات، وقد طبع أيضاً جزء من كتابه هذا، وهو كتاب جيد لم يقتصر فيه على السيرة النبوية، وإنما ذكر فيها ما يتعلق بالأمور المتعلقة بمعاملة الناس في أثناء الجهاد والغنائم، ففيه تفصيلات وأحكام أخرى.
ومن المغازي المشهورة مغازي الواقدي المتوفى سنة (٢٠٧هـ)، لكن الواقدي هذا متروك، ولما كان ضعيفاً نجد المستشرقين عنوا عناية كبيرة بسيرة الواقدي ومغازيه، وتركوا سيرة ابن إسحاق رحمه الله تعالى، وكان الأولى هو العكس: تقديم سيرة ابن إسحاق على مغازي الواقدي.
ومن كتب السيرة أيضاً: ما كتبه محمد بن سعد كاتب الواقدي المتوفى سنة (٢٣٠هـ) -وهو ثقة- مقدمة لكتابه (الطبقات الكبرى)، ففيه تفصيلات بالأسانيد لسيرة النبي ﷺ ، وهو مرجع مهم.
ومن كتب السيرة أيضاً: (الدرر في اختصار المغازي والسير) لـ ابن عبد البر القرطبي الإمام المشهور المتوفى سنة (٤٦٣هـ) وكتابه مطبوع، وقد تابع فيه ابن إسحاق، لكنه رحمه الله تعالى زاد على ذلك بروايات من الحديث النبوي من صحيح البخاري ومن سنن أبي داود ومن غيرها من الكتب.
وهناك كتب أخرى فيها عناية بسيرة الرسول ﷺ مفصلة، ومنها: (شرح المواهب اللدنية) للقسطلاني، وهو كتاب كبير جداً حاوٍ لكثير من المسائل المتعلقة بشمائل الرسول وسيرته ومغازيه وصفاته وأحواله، ففيه تفصيل كبير، ويتميز أن فيه تحقيقات حديثية وترجيحات، فتجده إذا ذكر الحديث يرجع إلى كتاب البخاري أو إلى كتاب مسلم، ويذكر الروايات، ويناقشها، ويرجح بينها، فهو مرجع مهم في هذا.
ومن كتب السير المشهورة: كتاب (السيرة الحملية) وهي مطبوعة، لكن يُحذر مافيها من روايات ضعيفة؛ لأن فيها روايات إسرائيلية كثيرة.
ومن السير أيضاً: كتاب (سبل الهدى والرشاد) لـ محمد بن يوسف الدمشقي الشامي المتوفي سنة (٩٤٢هـ)، وقد طبع من الكتاب ستة أجزاء وهو كتاب كبير، لكنه كتاب شامل، وفيه ما يجب أن يحذر منه من بعض القضايا العقدية، ومن بعض الروايات الضعيفة.
стр. 514
كتب تراجم الصحابة ﵃ مصدر من مصادر السيرة النبوية
السادس من مصادر سيرة الرسول ﷺ : الكتب التي ألفت عن الصحابة، وترجمت لهم: ففيها تفاصيل لسيرة الرسول ﷺ .
والكتب المؤلفة عن الصحابة كثيرة، منها (معرفة الصحابة) لـ أبي نعيم الأصبهاني.
ومنها (أسد الغابة) لـ عز الدين ابن الأثير، ومنها (الإصابة) لـ ابن حجر العسقلاني، رحمهم الله تعالى، وغيرها كتب كثيرة، وهي مشهورة، وفيها تفاصيل حياة الصحابة المتعلقة بسيرة النبي ﷺ .
стр. 515
كتب التاريخ مصدر من مصادر سيرة النبي ﷺ
ومن المصادر لسيرة النبي ﷺ التي يستفاد منها: كتب التاريخ.
وكتب التاريخ نوعان: النوع الأول: الكتب التي دونت لتاريخ الحرمين الشريفين، مثل (تاريخ مكة) للفاكهي، ومثل (تاريخ مكة) للأزرقي، ومثل (العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين)، ومثل (خلاصة الوفا بأخبار دار المصطفى) للسمهودي، فهذه الكتب وإن كانت كتباً تاريخية هامة إلا أن من يريد أن يبحث في سيرة رسول الله ﷺ فسيجد منها ما يفيده، على أن يمحص هذه الروايات ويدرسها.
القسم الثاني من كتب التاريخ هي: كتب التاريخ العامة، مثل (تاريخ الطبري)؛ فإن تاريخ الطبري هذا فيه من التفاصيل في سيرة النبي ﷺ الشيء الكثير، لكنه ﵀ كان يسوقها بأسانيدها، ومن أسندك فقد أحالك، فعلى الإنسان ألا يأخذ ما يرد في تاريخ الطبري على أنه قضية مسلمة، وإنما عليه أن يدرس أسانيدها، ويمحصها، ويقارن بينها وبين الروايات الأخرى، ومثلها كتاب (أنساب الأشراف) للبلاذري؛ فإن في مقدمة هذا الكتاب ترجمة وافية للرسول ﷺ .
ومنها: كتاب (البداية والنهاية) لـ ابن كثير؛ فإنه أسند سيرة مطولة للنبي ﷺ ، وقد طبعت مستقلة باسم (السيرة النبوية لـ ابن كثير)، ويُعتبر هذا الكتاب من أهم كتب السيرة؛ لأن ابن كثير رحمه الله تعالى كان مهتماً بالحديث، وكان مهتماً بمقارنة أحداث السيرة التي يذكرها ابن إسحاق أو غيره بما في صحيح البخاري ومسلم والترمذي وغيرها من الروايات، فكتابه هذا مفيد جداً، ونقول: إنه من أفضل كتب السيرة التي يجب أن يُعتنى بها.
وهناك أيضاً كتاب آخر وهو: كتاب (التاريخ) للذهبي رحمه الله تعالى، فإنه أفرد مجلدين كبيرين أحدهما للسيرة النبوية، والثاني لمغازي رسول الله ﷺ ، وقد كان الذهبي إماماً محدثاً، ومن ثمَّ فإنه رحمه الله تعالى حرص حرصاً شديداً على مقارنة هذه السيرة بغيرها والحكم على كثير من رواياتها، فهو كتاب مهم جداً، وقد طبع ما يتعلق بالسيرة وما يتعلق بعهد الخلفاء الراشدين من هذا الكتاب، كما طبعت منه أجزاء أخرى فيما بعد ذلك.
وأيضاً: كتب التاريخ المختلفة، ولا نريد أن نتتبعها.
стр. 516
كتب يجب الحذر منها
ونحن نتدارس مصادر سيرة النبي ﷺ فنحن أن نحذر من الكتب التي يسمونها: كتب الأدب، وكتب دواوين الشعر، ونحوها، ككتاب (الأغاني) لـ أبي الفرج الأصبهاني أو (العقد الفريد) أو غيرها من الكتب؛ فإن هذه فيها تفاصيل بأحداث السير وبأحداث جرت بين صحابة رسول الله ﷺ ، لكن ينبغي أن نعلم أن هذه التفاصيل يجب ألا تؤخذ قضية مسلمة، وأن نعلم أن فيها كثيراً من الدس والكذب على أولئك الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.
فلا يجوز لمسلم أن يجعل مثل هذه الكتب مصدراً له، لا في تاريخ الرسول ﷺ وسيرته ولا في تاريخ الصحابة، ولا في تاريخ عهود الخلفاء الراشدين وما جرى بينهم ﵃ وأرضاهم.
стр. 517
أقسام الدراسات المعاصرة في سيرة النبي ﷺ
أما الكتابات المعاصرة في سيرة الرسول ﷺ فينبغي أن نعلم أن هذه الكتابات قسمان: منها قسم تأثر فيه أصحابه بدراسات المستشرقين والمبشرين.
وينبغي أن أشير في هذه المناسبة إلى أن المستشرقين والمبشرين ألفوا كتباً كثيرة عن النبي ﷺ ، وكثير من هذه الكتب وبعضها قد ترجم إلى العربية، وكثير منها مملوء حقداً وبغضاً وسباً وشتماً لرسول الله ﷺ ولأصحابه، فينبغي أن نحذر من هذه الدراسات الاستشراقية، وتبعهم على ذلك بعض أذنابهم ممن ينسبون إلى المسلمين، وكان من الدراسات التي تأثرت بهم ما كتبه طه حسين في كتابه (على هامش السيرة)، فهذا الكتاب مملوء بالخرافات، ولا ينبغي أن يعتمد عليه أبداً.
وكذلك أيضاً هناك كتب أخرى وإن كانت أقل خطورة من هذا الكتاب إلا أنها تأثرت بتلك الدراسات الاستشراقية وبالغزو الاستعماري.
ومنها ما كتبه محمد حسين هيكل في كتابه (حياة محمد)، أو في كتابه الآخر (في منزل الوحي)، فالكتابان وإن كانا جميلين بديعين إلا أنه قلد فيهما مناهج المستشرقين والمبشرين، فمثلاً: أراد أن يجعل من النبي ﷺ وكأنه واحداً من البشر العاديين، ومن ثم سمى كتابه (حياة محمد)، يعني: يريد ألا يجعل هناك معجزة إلا القرآن، فيبعد عن سيرة النبي ﷺ ما يسميه هؤلاء مخالفاً للعقل من المعجزات ومن المغيبات، ويريد أن يعرض سيرة النبي ﷺ عرضاً كما يقول: ليتناسق مع مقتضيات الحياة ومع بذل الأسباب البشرية، فجاء عرضه في سيرته بعيداً عن تلك القضايا المهمة في حياة النبي ﷺ والتي هي من معجزاته ودلائل نبوته ﵊.
ومثله ما كتبه العقاد في كتابه (عبقرية محمد)، وعنوانه يدل على مقصده منه! فمحمد رسول الله ﷺ ، ورسول الله ﷺ لا يُقاس بغيره من العظماء، وإنما يجب أن تختص دراسته بكونه نبياً ورسولاً من عند الله ﵎.
ثم إنه بدأت دراسات جادة وجيدة لسيرة النبي ﷺ ولنقد كتب السيرة، ومن تلك الدراسات الجيدة ما كتبه عدد من الباحثين في جامعة أم القرى وفي الجامعة الإسلامية، فإن هؤلاء كتبوا عدة رسائل درسوا فيها بعض المسائل المتعلقة بسيرة النبي ﷺ دارسة حديثية نقدية ممتازة، فمثلاً: درسوا بيعة العقبة وأحداثها، ودرسوا هجرة النبي ﷺ وأحداثها، ودرسوا غزوة بدر، ومن هذه الدراسات ما يتعلق بغزوة بني المصطلق، وما يتعلق منها بصلح الحديبية، وما يتعلق منها بغزوة تبوك، وقد طبعت أكثر هذه الدراسات، وهي دراسات مهمة جداً.
وكان للشيخ محمد أمين المصري رحمه الله تعالى فضل في ذلك بعد الله تعالى؛ فإنه أول من اقترح هذه الدراسات، وأشرف على عدد من هذه البحوث، وتوفي رحمه الله تعالى منذ زمن، ثم تابع الإشراف على هذه الرسائل الأستاذ الشيخ الدكتور أكرم العمري، وهو موجود الآن في المدينة، وقد حرص الدكتور أكرم العمري على متابعة سيرة النبي ﷺ وعلى متابعة هذه الرسائل لإخراج سيرة جيدة متكاملة مبنية على الدراسة الحديثية المؤصلة.
ومن الدراسات التي اهتمت بالسيرة النبوية ما كتبه الأستاذ محمد سرور زين العابدين (دراسات في السيرة النبوية)، فإن هذا الكتاب قد طبع، ودرس فيه كثيراً من مناهج السيرة النبوية، ونقد نقداً ممتازاً كثيراً من مناهج المستشرقين وأذنابهم من المستغربين، ودراسته هذه مطبوعة.
ومنها أيضاً ما كتبه أكرم العمري الذي أشرت إليه قبل قليل؛ فإنه له دراسات ممتازة جداً، حول سيرة النبي ﷺ ، ومن تلك الدراسات الممتازة له ما كتبه بعنوان: (المجتمع المدني في عهد النبوة)، وهو جزءان: جزء يتعلق بخصائص هذا العهد وتنظيماته الأولى، والجزء الثاني يتعلق بالجهاد ضد المشركين، وقد طبعت هذين الجزأين الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وفيه دراسة ممتازة جداً وتأصيل جيد لدراسة سيرة النبي ﵊.
وهناك دراسات كثيرة ومتعددة اختلفت مناهجها وسبلها، وتعدادها يطول بنا.
стр. 518
أهم الكتب والمصادر في سيرة النبي ﷺ
فإن قيل في ختام المصادر: فما أهم المصادر لسيرة النبي ﷺ ؟ فأود أن أشير إلى أن من أهم كتب السيرة الكتب التالية: الكتاب الأول: (تاريخ الإسلام) للذهبي، ففيه المقدمة التي أشرت إليها قبل قليل، وهي قسمان: قسم في السيرة النبوية، وقسم في المغازي.
الكتاب الثاني: (السيرة النبوية) لـ ابن كثير.
الكتاب الثالث: (زاد المعاد) لـ ابن القيم رحمه الله تعالى، وهذا كتاب عجيب عجيب جداً، فكتاب (زاد المعاد) الذي ألفه ابن القيم رحمه الله تعالى وهو في طريقه إلى الحج فيه من التفاصيل في حياة النبي ﷺ وهديه وسيرته وفقهها ما يعتبر من الكتب الفريدة في بابه، فينبغي ألا يخلو بيت من هذا الكتاب بعد حديث رسول الله ﷺ وكتب التفسير.
وابن القيم رحمه الله تعالى فيما يتعلق بالسيرة النبوية أعقب كل حدث بذكر الدروس المستفادة منه، وهذا الكتاب مهم جداً، وقد طبع محققاً في خمسة مجلدات، وسادسها هو الفهارس، فاحرصوا على اقتناء هذا الكتاب والقراءة فيه؛ فإن فيه فوائد جمة، وإن فيه من التحقيقات الكثيرة الكبيرة ما يحتاج إليه المسلم في حياته.
وهذا الكلام كله بعد سيرة ابن إسحاق؛ لأن ابن إسحاق له من التفاصيل في سيرة النبي ﷺ ما يعتبر من جاء بعده تلميذاً له يستفيد منه.
ومن هذه الكتب أيضاً: (فتح الباري) لـ ابن حجر العسقلاني، وأود أن أشير إلى أن هذا الكتاب فيما يتعلق بسيرة النبي ﷺ مهم جداً؛ لأنه لما شرح الأحاديث المتعلقة بالسيرة سواء في الأبواب التي بوبها البخاري ﵀ فيما يتعلق بالمغازي والسير والجهاد ونحوها وفضائل الصحابة ونحوها والمناقب ونحوها، أو ما يتعلق بالأحاديث التي بوب لها البخاري في باب الأحكام لكنها متعلقة بسيرة النبي ﷺ .
وقد تميز ابن حجر رحمه الله تعالى في كتابه (فتح الباري) بشرح الأحاديث وتمحيصها، ومقارنة الروايات ومدارستها، وفي هذا ما يحتاج إليه أي إنسان يريد أن يطلع على سيرة النبي ﷺ وتفاصيلها، فالكتاب مليء ومليء بالفوائد العلمية الكبيرة، ومنه ما يتعلق بسيرة النبي الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم.
ومن الكتب الجميلة جداً والمهمة جداً في سيرة النبي ﷺ : كتاب (مختصر سيرة النبي ﷺ للشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب، ووالده محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى له كتاب مختصر في السيرة؛ ركز فيه على ما يتعلق بالجاهلية وعادات المشركين؛ ليبين كيف كانت بعثة النبي ﷺ حرباً على الشرك وعادات الجاهلية وأحوالها، لكن ولده عبد الله له مختصر في مجلد كبير، اقتصر فيه على ما ورد عن ابن إسحاق رحمه الله تعالى، إلا أنه أضاف إليه تعليقات وتحقيقات أخذها من ابن القيم ومن غيره.
هذه أهم مصادر السيرة، وننتقل الآن إلى القسم الثالث والأخير من هذا الموضوع ومن هذه المقدمات، ألا وهو ما يتعلق بمنهج دراسة سيرة هذا النبي الكريم ﷺ .
стр. 519
منهج دراسة سيرة النبي ﷺ
ودراسة سيرة النبي ﷺ ينبغي أن تقوم على عدة أسس وصفات، ومن أهمها: أولاً: ينبغي أن تكون الدراسة لسيرة النبي ﷺ منطلقة من عزة الإسلام وأحقيته في الحكم والسيادة، وأن الله لا يقبل من أحد ديناً غيره.
وهذه قضية مهمة جداً، فمن يدرس سيرة النبي ﷺ يجب أن يبنيها على هذا الأساس؛ إذ ليست سيرة النبي ﷺ سيرة رجل من الناس، وإنما يبنيها على أن هذا الإسلام لا يقبل الله من أحد ديناً غيره، وعلى أن هذا الإسلام لا يمكن أن تتم معرفته إلا بمدارسة سيرة هذا النبي الكريم ﷺ ، وينبغي البعد عن الروح الانهزامية في تحرير وتحليل قضايا السيرة النبوية، فجهاد رسول الله ﷺ يدرسه الإنسان على أنه دين أمر الله به، لا على أن المسلمين لم يقصدوا به كذا، ولم يقصدوا منه كذا، وإنما كان دفاعاً، ولم ينتشر الإسلام بالسيف، ولم ولم إلى آخر العبارات التي جاءتنا من سموم المستشرقين والمبشرين.
نعم قال الله ﵎: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة:٢٥٦]، لكن الله قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ [التوبة:١٢٣]، وقال: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة:٢٩]، فالجهاد ليس فيه روح انهزامية، ونحن ندرس سيرة النبي ﷺ من خلال الأحكام الشرعية التي تبين كيف أن هذا نبي من عند الله، وأن الله أمره بأن يبلغ دينه فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة:٦٧].
ومن الأمثلة على الروح الانهزامية لبعض من يدرس سيرة النبي ﷺ : ما فعله بعضهم حينما مر على قصة بني قريظة حينما خانوا النبي ﷺ في غزوة الأحزاب، وقصتهم طويلة وهي مفصلة في كتب السيرة، لكن النبي ﷺ بعد أن هزم الأحزاب رجع إلى بني قريظة، وكانت له مع جبريل قصة حينما ألقى النبي ﷺ السلاح فدخل عليه جبريل فقال: (يا محمد! ألقيت السلاح؟ قال: نعم.
قال: فإن الملائكة لم تلق بعد السلاح.
قال: وماذا؟ قال: اذهب إلى بني قريظة)، فقام رسول الله ﷺ ولبس لأمته وذهب إلى بني قريظة وحاصرهم حتى استسلموا، فلما استسلموا أرادوا أن تكون حالهم كحال بني النضير الذين وهبهم النبي ﷺ لـ عبد الله بن أبي ابن سلول؛ حيث إن النبي ﷺ وافق على أن يُؤخذ منهم السلاح، وتُسلم لهم نفوسهم وأموالهم، فأرادوا ذلك، وطلبوا من النبي ﷺ أن يحكم فيهم حليفهم في الجاهلية سعد بن معاذ ﵁ وأرضاه.
فقبل النبي ﷺ في أن يحكم فيهم سعد بن معاذ، وقبلوا هم ذلك، وجاء رسول الله ﷺ ودعا سعد بن معاذ، وكان قد أصيب بجرح، فلما أقبل سعد بن معاذ على رسول الله ﷺ وأنزلوه قال النبي ﷺ : (لقد آن لـ سعد أن لا تأخذه في الله لومة لائم، فقال: احكم في بني قريظة يا سعد)، أي: احكم في هؤلاء الخونة، فقال سعد بن معاذ ﵁ وأرضاه: (أحكم فيهم بأن تقتل مقاتلتهم، وتسبى ذراريهم ونساؤهم وأموالهم).
فقال النبي ﷺ : (لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سماوات)، أي: أن حكمك هو حكم الله الجبار ﷻ ، وأتي بهؤلاء الملاعين، وكانوا قرابة السبعمائة رجل.
стр. 520
نماذج من أحوال السلف مع القرآن [١]
الحياة الحقيقية هي الحياة مع القرآن، والعيش الهنيء هو العيش في ظلاله، فإن ذلك يورث المجد والعزة والكرامة في الدنيا والآخرة، وخير مثال لذلك تلك الحياة التي عاشها ذلك الجيل الرباني العظيم في تلك القرون المفضلة، وسيقف القارئ الكريم على متفرقات من وصاياهم وأحوالهم مع القرآن الكريم؛ ليرى تلك الحياة السعيدة الطيبة التي عاشوها مع القرآن يوم أن أعطوه حقه من التلاوة والعمل.
стр. 521
الصحابة الكرام وعيشهم مع القرآن الكريم
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فاعلم أن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.
أيها الأخ المسلم! هذا هو الدرس الرابع من دروس (كيف نحيا بالقرآن الكريم)، فأقول: كيف كان سلفنا الصالح رحمهم الله تعالى يحيون بالقرآن العظيم؟ فانظر إلى نماذج من مواقف صحابة رسول الله ﷺ مع رسولهم الكريم حول هذا القرآن والثقة بالقرآن.
لقد كانت ثقتهم بوعد الله تعالى في القرآن وأخذهم ما جاء فيه على أنه حقائق مسلمة ينتظرون حصولها ووقوعها حسبما وعد الله لهم في الدنيا وفي الآخرة؛ لقد كانت هذه الثقة كاملة ومطلقة، وكانوا يتعاملون معها في واقعهم وفي أحوالهم وفي تلقيهم للأحداث التي يمرون بها.
كان المسلمون في مكة قبل الهجرة مستضعفين، وكان من حرب المشركين للمسلمين أن المشركين كانوا يجادلون المسلمين، ومما جادلوهم به في مكة أنهم قالوا لهم في يوم من الأيام: إن الروم يشهدون أنهم أهل كتاب، وقد غلبتهم المجوس، وأنتم تزعمون أنكم ستغلبوننا بالكتاب الذي أنزل إليكم! هكذا احتج المشركون على رسول الله ﷺ وأصحابه بحدث واقع في زمنهم، ألا وهو انتصار الفرس الوثنين على الروم النصارى الذين كانوا ينتسبون إلى الكتاب، فاهتدى لها المشركون وأتوا إلى المسلمين ليثيروا فيهم الشكوك ويقولوا لهم: نحن وثنيون، وأنتم تزعمون أنكم أهل كتاب أنزله الله على محمد ﵌، وانظروا إلى حقائق التاريخ، فهؤلاء الفرس المجوس الوثنيون قد انتصروا على النصارى وهم أهل كتاب! فأنزل الله ﵎ قول الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ * يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم:١ - ٧].
وتلقى الصحابة ﵃ هذه الآيات على أنها وعد صادق لا شك فيه أبدا، مع ما كانوا فيه في مكة من ضعف وتشريد وتضليل، ومع هذا فإنها متضمنة للإخبار بالنصر وبأنه كائن في وقت معين.
ومع أن هذين الأمرين -أعني النصر وتوقيته- كل منهما خارج عن متناول الظنون، وذلك أن دولة الروم كانت قد بلغت من الضعف حداً يكفي من تلاحقه أنها غزيت في عقر دارها وهزمت في بلادها، كما قال تعالى: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ﴾ [الروم:٢ - ٣].
فلم يكن أحد يظن أنها تقوم لها بعد ذلك قائمة فضلاً عن أن يحدد الوقت الذي سيكون لها فيه النصر وهو أقل من عشر سنين؛ لأن البضع ما بين الثلاث إلى التسع، ولذلك كذب به المشركون وراهنوا على تكذيبه بعد نزول هذه الآيات.
ومع هذا فإن الله تعالى عزز هذا بوعد آخر يتعلق بالمسلمين أنفسهم فقال تعالى: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ [الروم:٤ - ٥]، وهذا إشارة إلى أن اليوم الذي يكون فيه النصر هناك للروم على الفرس سيقع فيه هاهنا نصر للمسلمين على المشركين، وإذا كان كل واحد من النصرين في حد ذاته مستبعداً عند الناس في ذلك الوقت أشد الاستبعاد فكيف الظن بوقوعهما مقترنين في يوم واحد؟! وقد أكد الله تعالى ذلك أعظم التأكيد في قوله: ﴿وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم:٦].
ولقد بلغ من يقين الصحابة في هذا الوعد أن أبا بكر الصديق -كما روى الترمذي عنه في سننه- لما نزلت هذه الآيات خرج يصيح في نواحي مكة ويتلوها ﴿الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ [الروم:١ - ٤]، فقال ناس من قريش لـ أبي بكر: فذلك بيننا وبينكم، زعم صاحبك أن الروم ستغلب فارس في بضع سنين، أفلا نراهنك على ذلك؟ قال: بلى.
وتراهنوا.
ولقد صدق الله وعده، حيث تمت للروم الغلبة على الفرس بإجماع المؤرخين في أقل من تسع سنين، وليس كذلك فقط، بل كان يوم نصرها هو اليوم الذي وقع فيه النصر للمسلمين على المشركين في غزوة بدر الكبرى، كما روى ذلك الترمذي عن أبي سعيد ﵁.
نصر من الله في يوم بدر يوم الفرقان يوم التقى الجمعان، مواكب لنصر وقع للروم على الفرس، وكل هذا من معجزاته ﷺ ونصرة الله له.
ولكن كيف عاش الصحابة مع هذا الوعد من الله تعالى وهم مستضعفون؟ إنه النضج لعيش الصحابة مع القرآن واليقين بالقرآن، فلم يتلوا هذه الآيات وهم مستضعفون مشردون في مكة تلاوة شك وتردد كما يفعله أحياناً بعض ضعفاء الإيمان، يتلو القرآن ويعلم أنه كلام الله تعالى وهو حق لا شك فيه أبداً، ولكنه يتلوه وكأنه شاك بوعد الله تعالى.
هكذا كان الصحابة رضي الله ﵎ عنهم يعيشون مع القرآن، وهكذا يجب أن يعيش المسلمون مع حقائق القرآن إذا أرادوا أن يحيوا في القرآن حياة حقيقة.
стр. 522
الوعد القرآني للصحابة بدخول مكة آمنين وأين حل منهم
وهناك نموذج آخر، ففي عام الحديبية منع المسلمون من دخول مكة، وكان الاتفاق وعقد الصلح، وكان من بنوده أن يرجع الرسول ﷺ -وقد ساق الهدي- إلى بلده من عامه ذلك، وأن يعتمر هو وأصحابه في العام المقبل، واشترط المشركون شرطاً على المسلمين، هو أن يدخلوا مكة عزلاً من كل سلاح إلا السيوف في القرب، أي: في أغمادها.
فكيف يثق المسلمون بوفاء المشركين بعقدهم وقد بلوا منهم نقض العهود، وقطع الأرحام، وانتهاك شعائر الله، والصد عن سبيل الله، والصد عن المسجد الحرام؟ فهل سيصدقون في تمكينهم من الدخول إلى مكة لعمرة القضاء؟ ولو صدقوا في تمكينهم من الدخول فكيف يأمن المسلمون جانبهم إذا دخلوا ديارهم مجردين من دروعهم وقوتهم؟ ألا يمكن أن تكون هذه مكيدة يراد منها استدراجهم إلى الفخ، وعلامة هذه المكيدة اشتراط تجردهم من السلاح إلا السيوف في القرب وهو سلاح لا يصد الرمي بالسهام والنبال؟ أيها الأخ المسلم! إن المسلمين لم يخافوا من ذلك كله؛ لأن وعد الله الصادق قد جاء قبل ذلك بقول الله تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ﴾ [الفتح:٢٧].
فكان وعداً بثلاثة أمور: الدخول، والأمن، وقضاء الشعيرة، وقد تحقق ذلك كله لرسول الله ﷺ ولأصحابه كما هو معلوم -والحديث في الصحيحين- ثقة بوعد الله وبنصره، وثقة بالقرآن، وثقة بالنبي محمد ﵊، وهكذا كانوا يعيشون مع القرآن ويحيون في ظل القرآن.
стр. 523
الوعد القرآني للصحابة بالتمكين والأمن بعد الخوف
وهناك نموذج آخر: فقد كان الله تعالى يقص في القرآن على المسلمين من أنباء الرسل وهم في مكة يثبت أفئدتهم، ويعدهم الأمن والنصر الذي كان لمن قبلهم في مثل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات:١٧١ - ١٧٣]، وبمثل قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ﴾ [غافر:٥١].
فلما هاجر المسلمون إلى المدينة فراراً بدينهم من الفتن ظنوا أنهم قد وجدوا مأمنهم في مهاجرهم، ولكن ما لبثوا أن هاجمتهم الحروب المسلحة من كل جانب، فانطلقوا من خوف إلى خوف، وأصبحت أمنيتهم أن يجيء يوم يضعون فيه أسلحتهم، وفي هذه الحال كان يعدهم الله في القرآن بما سيحصل لهم من النصر والأمن والاطمئنان، بمثل قول الله ﵎: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور:٥٥].
روى الحاكم في مستدركه -وصححه- عن أبي بن كعب ﵁ قال: (لما قدم رسول الله ﷺ وأصحابه المدينة وآوتهم الأنصار رمتهم العرب عن قوس واحدة، وكانوا لا يبيتون إلا بالسلاح ولا يصبحون إلا فيه، فقالوا: أترون أنا نعيش حتى نبيت آمنين مطمئنين لا نخاف إلا الله؟! فنزلت هذه الآية: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ﴾ [النور:٥٥]).
وروي عن البراء ﵁ قال: (نزلت هذه الآية ونحن في خوف شديد).
فكيف عاش الصحابة مع هذا الوعد الرباني بأن الله سيمكن لهم في الأرض، ويبدلهم من بعد خوفهم أمنا، ولكنه وعد مشروط بأن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، فكيف عاش الصحابة مع هذا الوعد الرباني المشروط بعبادة الله وحده لا شريك له؟! لقد تلقوه بالتصديق، فحققوا الشروط، فعبدوا الله وحده لا شريك له، ونبذوا الأصنام، وحققوا الولاء والبراء، وعملوا بأحكام الله ﵎، وصاروا أناساً يتلقون القرآن ليعملوا به، يتلقاه الفرد وتتلقاه الأمة للعمل، فالفرد حين يسمع آيات من كتاب الله تعالى في أمر أو نهي، ينقلب إلى أهله وأولاده يتلو عليهم كتاب الله تعالى فينفذون في الحال، لا انتظار ولا شكوك ولا قساوة قلوب، لأنها قلوب حية تلين مع القرآن، وتعمل بالقرآن، وتحقق ما أمرها الله به، فلما حققوا ذلك وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة، وفعلوا الواجبات وتركوا المحرمات؛ حقق الله لهم ذلك الوعد، فبدلوا في وقت قصير من بعد خوفهم أمنا، واستخلفوا في مشارق الأرض ومغاربها، وقد تم ذلك في وقت قصير من السنين.
هكذا كان أصحاب رسول الله ﷺ ، وهكذا كان سلفنا الصالح رحمهم الله تعالى يعيشون مع القرآن، كانوا لحبهم لهذا القرآن ولثقتهم بما فيه لا يملون من تلاوته، يتعلمونه ويعملون به، كانوا وهم في ساحات الجهاد يحيون لياليهم بالقرآن الكريم، وكانوا يتلذذون بقراءة القرآن العظيم، وكان الواحد منهم إذا اشتدت عليه الهموم أو جاءه الخوف من كل جانب لجأ إلى الله وهو يتلو القرآن العظيم، يتلوه تلاوة المؤمن الواثق، تلاوة المؤمن العامل، تلاوة المؤمن الذي صدق ربه فصدقه الله .
يا أمة محمد ﷺ ! هل تريدون أن نكون كما كانوا؟ إن الأمر واضح وضوح الشمس، فإن كنا نريد أمناً، وإن كنا نريد عيشاً رغيداً، وإن كنا نريد حياة طيبة، وإن كنا نريد أن يعصمنا الله من أعدائنا مشرقاً ومغربا، فعلينا بهذا الدين عقيدة وشريعة ومنهاجا، وعلينا بهذا القرآن نجعله حياتنا، وذلك وعد الله، والله لا يخلف الميعاد.
стр. 524
وصايا السلف في التعامل مع القرآن
لقد كان من وصايا السلف بهذا القرآن والتزامه وتلاوته والعمل به دروس لمن جاء بعدهم، دروس عملية ودروس قولية كانوا يوصون بها أصحابهم، أما كونها دروساً عملية فكان السلف الصالح رحمهم الله تعالى نماذج للعمل بالقرآن يقتدي بهم من كان بعدهم، فالصحابة كانوا دروساً عملية للتابعين، والتابعون كانوا دروساً عملية لتابعي التابعين، وهكذا كانت أمة محمد ﷺ ، ولم تخل في كل وقت من خير وإلى خير إن شاء الله تعالى.
ولقد أعطوا دروساً قولية تصدق أفعالهم، فلم تكن أفعالهم تخالف أقوالهم، واستمع إلى بعض كلماتهم ووصاياهم وزواجرهم حول القرآن العظيم.
يقول عبد الله بن مسعود ﵁: لا يسأل عبد عن نفسه إلا القرآن، فإن كان يحب القرآن فإنه يحب الله ورسوله، وإن كان يبغض القرآن فهو يبغض الله ورسوله.
ولقد صدق ﵁ وأرضاه في هذا، فإذا أردت أن تعرف قدر الله عندك وبالعكس قدرك عند الله ؛ فانظر إلى قدر القرآن العظيم عندك، هل تحبه وتتعلق به؟ هل تلازمه وتتلوه؟ هل أنت تفرح بهذا القرآن أم لا؟ ويقول حذيفة بن اليمان ﵄ -وهو الخبير بالفتن ومواقعها- يقول موصياً أهل القرآن: يا معشر القراء استقيموا.
يا معشر القراء استقيموا.
يا معشر القراء استقيموا؛ فقد سبقتم سبقاً بعيداً، وإن أخذتم يميناً أو شمالاً لقد ضللتم ضلالاً بعيداً.
ولما كان أبو موسى الأشعري أميراً على البصرة ﵁ كيف كانت عنايته بإمارته؟ لقد اعتنى أول ما اعتنى بالقرآن، فبعث إلى قراء أهل البصرة، فدخل عليه ثلاثمائة رجل قد قرءوا القرآن العظيم، فقال لهم ﵁ يوصيهم: أنتم خيار أهل البصرة وقراؤها، فاتلوه ولا يطولن عليكم الأمد فتقسو قلوبكم كما قست قلوب من كان قبلكم.
ويا لها من وصية، وصية من أمير البصرة في ذلك الوقت يوصي القراء ويعطيهم منزلة بين المجتمع، ثم بعد ذلك ينصح لهم فيأمرهم بالقراءة والتلاوة والعمل، وينهاهم عن أن يطول عليهم الأمد فتقسو قلوبهم.
ويقول عمر بن الخطاب ﵁: يا معشر القراء! ارفعوا رءوسكم؛ فقد وضح لكم الطريق فاستبقوا الخيرات.
وصدق ﵁، وكثيراً ما أوصى السلف بالعمل بالقرآن الذي هو دليل الإيمان، فهذا عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵁ كان يقول: لقد عشنا دهراً طويلاً وإن أحدنا ليؤتى الإيمان قبل القرآن، فتنزل السورة على محمد ﷺ فيتعلم حلالها وحرامها وآمرها وزاجرها وما ينبغي أن يقف عنده منها، ثم لقد رأيت رجالاً يؤتى أحدهم القرآن قبل الإيمان، فيقرأ ما بين فاتحته إلى خاتمته لا يدري ما آمره وما زاجره وما ينبغي أن يقف عنده، ينثره نثر الدقل.
أيها الأخ المسلم! لقد أوتي أصحاب النبي ﷺ الإيمان، فكانوا يعملون بالقرآن، وكانوا لا يتجاوزون آيات حتى يتعلموها ويعملوا بما فيها، وهذه هي الحياة الحقيقية بالقرآن، فالحياة بالقرآن -أيها الأخ المسلم- هي أن نعيش مع القرآن بقلوبنا وأنفسنا، أن نعيش معه في أسرنا، أن نعيش معه في تعليمنا، أن نعيش معه في إعلامنا، أن نعيش معه في كل حالة من حالاتنا، أن نعيش معه وأن لا نلهو ونعرض عنه.
أيها الأخ المسلم! يقول أبو هريرة ﵁ -وهو يعلم الأسرة-: البيت الذي يتلى فيه كتاب الله كثير خيره، والبيت الذي لا يتلى فيه كتاب الله ضاق بأهله وقل خيره، وحضرته الشياطين وخرجت منه الملائكة.
وصدق ﵁ وأرضاه.
ويقول عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: من قرأ القرآن فقد أدرجت النبوة بين جنبيه إلا أنه لا يوحى إليه، ومن قرأ القرآن فرأى أحداً من خلق الله أعطي أفضل مما أعطي فقد حقر ما عظم الله، وعظم ما حقر الله، وليس ينبغي لحامل القرآن أن يجهل فيمن يجهل ولا أن يحد فيمن يحد، ولكن يعفو ويصفح.
وصدق عبد الله بن عمرو ﵁، فمن أعطي القرآن فقد أعطي أفضل ما أعطي بشر على الإطلاق؛ لأنه أعطي النور المبين الذي به حياة القلوب في الدنيا والآخرة.
стр. 525
أنموذج من حياة السلف مع القرآن
ولقد كان السلف رحمهم الله تعالى يعيشون حياتهم للقرآن ولتعليم القرآن، فهذا أبو عبد الرحمن السلمي التابعي رحمه الله تعالى جلس سبعين سنة يعلم الناس القرآن، ومثله كثير في كل زمن، وفسر مجاهد قول الله تعالى: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ﴾ [البقرة:١٢١] بأن قال: يعملون به حق العمل.
وهذه هي الغاية من تلاوة القرآن، أن يعمل به صاحبه.
فأين نحن من القرآن العظيم؟ أين نحن من هذا الكتاب المبين الحق الذي ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:٤٢]؟ أين نحن من هذا القرآن يا أمة الإسلام؟ أين نحن من تلاوته وتعلمه وتعليمه؟ أين نحن من العمل به؟ أين نحن من العيش في ظل هذا القرآن؟ اللهم إنا نسألك أن تعمر قلوبنا وأن تملأها بالقرآن العظيم، اللهم رد أمة محمد ﷺ إلى هذا القرآن لتعمل به حق العمل يا رب العالمين، اللهم اعمر قلوبنا وبلادنا بالقرآن، اللهم أجرها من الفساد وسوء الأخلاق، اللهم أملأها بالقرآن يا رب العالمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم انصر عبادك الموحدين في كل مكان يا رب العالمين، اللهم انصر عبادك المؤمنين الموحدين في كل مكان يا رب العالمين، اللهم أذل الشرك والمشركين، اللهم أذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين في كل مكان يا رب العالمين.
اللهم من أراد عقيدتنا بسوء فاشغله بنفسه يا رب العالمين، اللهم من أرادها بهدم أو تغيير فاشغله بنفسه يا رب العالمين، واجعل تدبيره تدميراً عليه يا سميع الدعاء، اللهم من أراد أمننا بسوء فاشغله بنفسه يا رب العالمين، اللهم اجعل تدبيره تدميراً عليه يا سميع الدعاء.
اللهم احفظنا واحفظ أمننا بالقرآن والعمل بالقرآن، اللهم احفظنا واحفظ أمننا وأمن المسلمين جميعاً بالقرآن العظيم، اللهم من أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بسوء فاشغله بنفسه، اللهم من أراد أخلاقنا وأخلاق شبابنا وبناتنا بسوء فاشغله بنفسه، اللهم اجعل تدبيره تدميراً عليه يا سميع الدعاء.
اللهم إنا نسألك أن توفقنا جميعاً لما تحبه وترضاه، اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وأخص منهم الأربعة الخلفاء وبقية العشرة وآل بيته الطيبين الطاهرين، وبقية الصحابة أجمعين، واجعلنا معهم بمنك وكرمك يا أرحم الراحمين.
стр. 526
نماذج من أحوال السلف مع القرآن [٢]
كان سلفنا الصالح قرآناً يمشي على الأرض، فقد وهبوه وجدانهم، وأنفقوا فيه أغلى أوقاتهم، فانتفعوا به ونفعوا غيرهم، وبين يدينا نموذج فريد من تلك النماذج التي يحيي ذكرها مكانة القرآن في النفوس.
стр. 527
حياة علم من أعلام القرآن
الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.
أيها الأخ المسلم! هذا أحد أعلام التابعين كان مشركاً كافراً من بلاد فارس، ثم أسر أخيراً في إحدى معارك الإسلام زمن الصحابة ﵃ وأرضاهم، فأسلم وتعلق قلبه بالقرآن.
يقول هذا التابعي رحمه الله تعالى عن نفسه: وقعت أنا ونفر من قومي أسارى في أيدي المجاهدين، ثم ما لبثنا أن غدونا محفوفين بطائفة من المسلمين في البصرة، فلم يمض علينا وقت طويل حتى آمنا بالله، وتعلقنا بحفظ كتاب الله.
وهكذا كانت أمة الإسلام، وهكذا كان سلفنا من الصحابة ﵃ ومن بعدهم، كانت بيوتهم عامرة بالإسلام والقرآن، وكان كل من عاش معهم يتأثر بهم وبأخلاقهم ومعاملاتهم وحياتهم الطيبة المعمورة بالقرآن الكريم وسنة الرسول ﵌، ولو كان هؤلاء الذين يعيشون معهم عبيداً لهم مملوكين يأمرونهم وينهونهم ويبيعونهم ويشترونهم، فكانت حياتهم دعوة إلى الله ﵎ بأقوالهم وأفعالهم، وكان كثير من المشركين أو أهل الكتاب لا يمضي عليهم وقت حتى يدخلوا في دين الإسلام، وكيف لا يدخلون والإسلام هو دين الحق، والذين يعملون معهم ويعاملونهم يتخلقون بأخلاق القرآن؟ فكانت القدوة والمعاملة تنتقل مباشرة إلى هؤلاء.
هكذا كانت أمة الإسلام، وقارنها اليوم بأوضاعنا نحن المسلمين، وكيف نعامل غيرنا في بيعنا وشرائنا وأخلاقنا ونحو ذلك، حتى ولو لم يكونوا عبيداً مملوكين وإنما هم أجراء بيننا وبينهم عقد الإجارة.
هذا الإمام التابعي كان مشركاً مقاتلاً في صفوف المشركين فوقع أسيراً، ولما عاش في البصرة بين أصحاب رسول الله ﵌ والتابعين رأى الإيمان والقرآن، فما لبث أن دخل في دين الله ﵎.
стр. 528
حياة أبي العالية مع سيده ومع ربه وخالقه
يقول بعد أن ذكر إسلامه وتعلقه بالقرآن وهو عبد مملوك، يقول: وكان منا -أي: من العبيد المملوكين- من يؤدي الضرائب لمالكيه، ومنا من يقوم على خدمتهم، وكنت واحداً من هؤلاء -يعني: من هؤلاء الذين يقومون على خدمة أسيادهم- ولكن كنا نختم القرآن كل ليلة، فشق ذلك علينا فجعلنا نختمه مرة كل ليلتين، فشق ذلك علينا فجعلنا نختمه كل ثلاث، فشق ذلك علينا لما كنا نعانيه من جهد في النهار وسهر في الليل.
فهل تعقد نفسياً وهو عبد مملوك؟! لا.
بل رفعه القرآن محلقاً إلى السماء، فصار يؤدي حق سيده وحق ربه؛ لأنه يعلم أنه إذا قدم يوم القيامة إلى ربه فلا فرق بينه وبين سيده في الحساب والجزاء.
عبد مملوك يحيي القرآن كل ليلة، ويخدم أسياده بإخلاص في النهار، ويشق ذلك عليه ويتحول إلى الحفظ والقراءة كل ليلتين ثم إلى كل ثلاث.
قال: فلقينا بعض أصحاب الرسول ﷺ وشكونا لهم ما نكابده من السهر وقراءة كتاب الله مع قيامنا بخدمة موالينا فقالوا لنا: اختموه كل جمعة مرة فأخذنا بما أرشدونا إليه فجعلنا نقرأ القرآن طرفاً من الليل وننام طرفاً فلم يشق ذلك علينا.
أيها الأخ في الله! هؤلاء عبيد مملوكون حدثاء عهد بالإسلام فأين أمة الإسلام من القرآن؟! وبقيت في حياته حكايات وقصص، فقد آل أمره إلى امرأة من بني تميم، وكانت سيدة فاضلة مؤمنة، فكانت لا تشق عليه في الخدمة، حيث كان يخدمها بعض النهار ويرتاح في بعضه الآخر، فأخذ مع حفظ القرآن يتعلم القراءة والكتابة وطلب العلم وعلى رأسه القرآن وحديث رسول الله ﷺ ، فلما رأت عبادته خرجت معه في صلاة الجمعة وقالت أمام الناس في الجمعة: اشهدوا -يا معشر المسلمين- أني أعتقت غلامي هذا رغبة في ثواب الله وطمعاً بعفوه، وليس لأحد عليه من سبيل إلا سبيل المعروف.
ثم نظرت إليه وقالت: اللهم إني أدخره عندك ليوم لا ينفع فيه مال ولا بنون.
стр. 529
أبو العالية الرياحي بين يدي أكابر الصحابة
فمن هو هذا الإمام الذي قال عن نفسه: تعلمت الكتابة والقرآن فما شعر بي أهلي ولا رئي في ثوبي مداد قط؟ إنه أبو العالية رفيع بن مهران الإمام المقرئ الحافظ المفسر أبو العالية الرياحي البصري أحد أعلام التابعين، أدرك زمن النبي ﷺ ولم يلتق به، وأسلم في خلافة أبي بكر الصديق ودخل عليه، وسمع من عدد من الصحابة، منهم عمر وعلي وأبي وأبو ذر وابن مسعود وابن عباس، وغيرهم كثير، وقرأ القرآن على أبي بن كعب وعلى ابن عباس، وقرأ القرآن أيضا على عمر بن الخطاب ﵁، وما أحلى القرآن من خليفة المسلمين عمر بن الخطاب ﵁! روي عنه أنه قال: قرأت القرآن على عمر ﵁ ثلاث مرار.
فيا للعجب؛ خليفة المسلمين مشغول بالفتوحات وبالأحوال الدقيقة لأمة الإسلام مغرباً ومشرقا ويقرأ عليه القرآن عبد مملوك ثلاث مرات! أيها الأخ في الله! هذا الإمام التابعي رفعه الله ﵎ بالقرآن كما رفعه بالعلم بحديث رسول الله ﷺ .
دخل مرة على عبد الله بن عباس وهو أمير البصرة لـ علي بن أبي طالب ﵃، فرحب به ورفع منزلة، وأجلسه على سريره عن يمينه، وكان في المجلس طائفة من سادة قريش، فتغامزوا به وتهامسوا بينهم، وقال بعضهم لبعض: أرأيتم كيف رفع ابن عباس هذا العبد على سرير؟! فأدرك ابن عباس ما يتغامزون به فالتفت إليهم وقال: إن العلم يزيد الشريف شرفاً.
رحمك الله يا ابن عباس.
نعم، إن العلم يزيد الشريف شرفا، ويرفع قدر أهله بين الناس، ويجلس المماليك على الأسرة، وقد رفع الله أبا العالية بالقرآن، حتى قال أبو بكر بن أبي داود: ليس أحد بعد الصحابة أعلم بالقرآن من أبي العالية، وبعده سعيد بن جبير.
стр. 530
منهج أبي العالية في التعلم والتعليم
هؤلاء أعلامنا وأعلام القرآن، فتعال نقف عند بعض وصاياه وأحواله مع القرآن.
أولاً: كان يعلم أصحابه كيف يقرءون القرآن ويحفظونه، روى عنه أبو نعيم أنه كان يقول: تعلموا القرآن خمس آيات؛ فإنه أحفظ لكم، وإن جبريل كان ينزل به خمس آيات خمس آيات.
وهذا منهج تعليمي تربوي.
ثانياً: وكان مع اهتمامه بالقرآن مهتماً بالصلاة وإقامتها؛ لأنها عمود الإسلام، وكان من شدة اهتمامه بها أنه يزن بها الناس.
روى عنه أبو نعيم أنه قال: كنت أرحل إلى الرجل مسيرة أيام لأسمع منه -أي: ليسمع منه الحديث- فأتفقد صلاته، فإن وجدته يحسنها أقمت عليه -أي: سمعت منه العلم والحديث- وإن أجده يضيعها رحلت عنه ولم أسمع منه، وقلت: هو لما سواها أضيع.
أرأيت الميزان الذي يزن به الرجال! إن الصلاة لميزان صحيح دقيق للرجال، حتى إنه يميز بين المنافقين وغير المنافقين، فكيف بالكفار وغيرهم! وكم من رجل يقال له: ما أعظمه، وما أذكاه، وما أبصره بالأمور! وغيرها من صفات المدح، ثم تفتش عنه فتجده لا يعرف المساجد.
رابعاً: ولقد أوصى بلزوم القرآن وتعاهده، ونهى في مقابل ذلك عن الأهواء والبدع، روي عنه رحمه الله تعالى أنه قال: تعلموا القرآن، فإذا تعلمتموه فلا ترغبوا عنه، وإياكم وهذه الأهواء فإنها توقع العداوة والبغضاء بينكم، ولا تحيدوا عن الأمر الذي كان عليه صحابة رسول الله ﷺ .
ولما نقل هذا إلى الحسن البصري قال: لقد نصحكم أبو العالية والله وصدقكم.
وكان أيضاً يربي أصحابه على القرآن ويعلمهم حقائقه في جوانب الحياة كلها، فقد روي عنه أنه قال لأصحابه: إن الله تعالى قضى على نفسه أن من آمن به هداه، وتصديق ذلك في كتاب الله: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن:١١]، وأن من توكل على الله كفاه، وتصديق ذلك في كتاب الله: ﴿َمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق:٣]، وأن من أقرضه جازاه، وتصديق ذلك في كتاب الله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة:٢٤٥]، وأن من استجاره من عذابه أجاره، وتصديق ذلك: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ [آل عمران:١٠٣]، وأن من دعاه أجابه، وتصديق ذلك في كتاب الله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة:١٨٦].
هذه هي الأصول التربوية في حياة الإنسان وحياة الأمة تستنبط من القرآن، وهكذا كانت أمة الإسلام تربي وتعلم على ضوء القرآن، فكان من أمرهم ما كان.
следующие страницы →