Полный текст (616 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
نماذج من أحوال السلف مع القرآن [٢]
كان سلفنا الصالح قرآناً يمشي على الأرض، فقد وهبوه وجدانهم، وأنفقوا فيه أغلى أوقاتهم، فانتفعوا به ونفعوا غيرهم، وبين يدينا نموذج فريد من تلك النماذج التي يحيي ذكرها مكانة القرآن في النفوس.
стр. 527
حياة علم من أعلام القرآن
الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.
أيها الأخ المسلم! هذا أحد أعلام التابعين كان مشركاً كافراً من بلاد فارس، ثم أسر أخيراً في إحدى معارك الإسلام زمن الصحابة ﵃ وأرضاهم، فأسلم وتعلق قلبه بالقرآن.
يقول هذا التابعي رحمه الله تعالى عن نفسه: وقعت أنا ونفر من قومي أسارى في أيدي المجاهدين، ثم ما لبثنا أن غدونا محفوفين بطائفة من المسلمين في البصرة، فلم يمض علينا وقت طويل حتى آمنا بالله، وتعلقنا بحفظ كتاب الله.
وهكذا كانت أمة الإسلام، وهكذا كان سلفنا من الصحابة ﵃ ومن بعدهم، كانت بيوتهم عامرة بالإسلام والقرآن، وكان كل من عاش معهم يتأثر بهم وبأخلاقهم ومعاملاتهم وحياتهم الطيبة المعمورة بالقرآن الكريم وسنة الرسول ﵌، ولو كان هؤلاء الذين يعيشون معهم عبيداً لهم مملوكين يأمرونهم وينهونهم ويبيعونهم ويشترونهم، فكانت حياتهم دعوة إلى الله ﵎ بأقوالهم وأفعالهم، وكان كثير من المشركين أو أهل الكتاب لا يمضي عليهم وقت حتى يدخلوا في دين الإسلام، وكيف لا يدخلون والإسلام هو دين الحق، والذين يعملون معهم ويعاملونهم يتخلقون بأخلاق القرآن؟ فكانت القدوة والمعاملة تنتقل مباشرة إلى هؤلاء.
هكذا كانت أمة الإسلام، وقارنها اليوم بأوضاعنا نحن المسلمين، وكيف نعامل غيرنا في بيعنا وشرائنا وأخلاقنا ونحو ذلك، حتى ولو لم يكونوا عبيداً مملوكين وإنما هم أجراء بيننا وبينهم عقد الإجارة.
هذا الإمام التابعي كان مشركاً مقاتلاً في صفوف المشركين فوقع أسيراً، ولما عاش في البصرة بين أصحاب رسول الله ﵌ والتابعين رأى الإيمان والقرآن، فما لبث أن دخل في دين الله ﵎.
стр. 528
حياة أبي العالية مع سيده ومع ربه وخالقه
يقول بعد أن ذكر إسلامه وتعلقه بالقرآن وهو عبد مملوك، يقول: وكان منا -أي: من العبيد المملوكين- من يؤدي الضرائب لمالكيه، ومنا من يقوم على خدمتهم، وكنت واحداً من هؤلاء -يعني: من هؤلاء الذين يقومون على خدمة أسيادهم- ولكن كنا نختم القرآن كل ليلة، فشق ذلك علينا فجعلنا نختمه مرة كل ليلتين، فشق ذلك علينا فجعلنا نختمه كل ثلاث، فشق ذلك علينا لما كنا نعانيه من جهد في النهار وسهر في الليل.
فهل تعقد نفسياً وهو عبد مملوك؟! لا.
بل رفعه القرآن محلقاً إلى السماء، فصار يؤدي حق سيده وحق ربه؛ لأنه يعلم أنه إذا قدم يوم القيامة إلى ربه فلا فرق بينه وبين سيده في الحساب والجزاء.
عبد مملوك يحيي القرآن كل ليلة، ويخدم أسياده بإخلاص في النهار، ويشق ذلك عليه ويتحول إلى الحفظ والقراءة كل ليلتين ثم إلى كل ثلاث.
قال: فلقينا بعض أصحاب الرسول ﷺ وشكونا لهم ما نكابده من السهر وقراءة كتاب الله مع قيامنا بخدمة موالينا فقالوا لنا: اختموه كل جمعة مرة فأخذنا بما أرشدونا إليه فجعلنا نقرأ القرآن طرفاً من الليل وننام طرفاً فلم يشق ذلك علينا.
أيها الأخ في الله! هؤلاء عبيد مملوكون حدثاء عهد بالإسلام فأين أمة الإسلام من القرآن؟! وبقيت في حياته حكايات وقصص، فقد آل أمره إلى امرأة من بني تميم، وكانت سيدة فاضلة مؤمنة، فكانت لا تشق عليه في الخدمة، حيث كان يخدمها بعض النهار ويرتاح في بعضه الآخر، فأخذ مع حفظ القرآن يتعلم القراءة والكتابة وطلب العلم وعلى رأسه القرآن وحديث رسول الله ﷺ ، فلما رأت عبادته خرجت معه في صلاة الجمعة وقالت أمام الناس في الجمعة: اشهدوا -يا معشر المسلمين- أني أعتقت غلامي هذا رغبة في ثواب الله وطمعاً بعفوه، وليس لأحد عليه من سبيل إلا سبيل المعروف.
ثم نظرت إليه وقالت: اللهم إني أدخره عندك ليوم لا ينفع فيه مال ولا بنون.
стр. 529
أبو العالية الرياحي بين يدي أكابر الصحابة
فمن هو هذا الإمام الذي قال عن نفسه: تعلمت الكتابة والقرآن فما شعر بي أهلي ولا رئي في ثوبي مداد قط؟ إنه أبو العالية رفيع بن مهران الإمام المقرئ الحافظ المفسر أبو العالية الرياحي البصري أحد أعلام التابعين، أدرك زمن النبي ﷺ ولم يلتق به، وأسلم في خلافة أبي بكر الصديق ودخل عليه، وسمع من عدد من الصحابة، منهم عمر وعلي وأبي وأبو ذر وابن مسعود وابن عباس، وغيرهم كثير، وقرأ القرآن على أبي بن كعب وعلى ابن عباس، وقرأ القرآن أيضا على عمر بن الخطاب ﵁، وما أحلى القرآن من خليفة المسلمين عمر بن الخطاب ﵁! روي عنه أنه قال: قرأت القرآن على عمر ﵁ ثلاث مرار.
فيا للعجب؛ خليفة المسلمين مشغول بالفتوحات وبالأحوال الدقيقة لأمة الإسلام مغرباً ومشرقا ويقرأ عليه القرآن عبد مملوك ثلاث مرات! أيها الأخ في الله! هذا الإمام التابعي رفعه الله ﵎ بالقرآن كما رفعه بالعلم بحديث رسول الله ﷺ .
دخل مرة على عبد الله بن عباس وهو أمير البصرة لـ علي بن أبي طالب ﵃، فرحب به ورفع منزلة، وأجلسه على سريره عن يمينه، وكان في المجلس طائفة من سادة قريش، فتغامزوا به وتهامسوا بينهم، وقال بعضهم لبعض: أرأيتم كيف رفع ابن عباس هذا العبد على سرير؟! فأدرك ابن عباس ما يتغامزون به فالتفت إليهم وقال: إن العلم يزيد الشريف شرفاً.
رحمك الله يا ابن عباس.
نعم، إن العلم يزيد الشريف شرفا، ويرفع قدر أهله بين الناس، ويجلس المماليك على الأسرة، وقد رفع الله أبا العالية بالقرآن، حتى قال أبو بكر بن أبي داود: ليس أحد بعد الصحابة أعلم بالقرآن من أبي العالية، وبعده سعيد بن جبير.
стр. 530
منهج أبي العالية في التعلم والتعليم
هؤلاء أعلامنا وأعلام القرآن، فتعال نقف عند بعض وصاياه وأحواله مع القرآن.
أولاً: كان يعلم أصحابه كيف يقرءون القرآن ويحفظونه، روى عنه أبو نعيم أنه كان يقول: تعلموا القرآن خمس آيات؛ فإنه أحفظ لكم، وإن جبريل كان ينزل به خمس آيات خمس آيات.
وهذا منهج تعليمي تربوي.
ثانياً: وكان مع اهتمامه بالقرآن مهتماً بالصلاة وإقامتها؛ لأنها عمود الإسلام، وكان من شدة اهتمامه بها أنه يزن بها الناس.
روى عنه أبو نعيم أنه قال: كنت أرحل إلى الرجل مسيرة أيام لأسمع منه -أي: ليسمع منه الحديث- فأتفقد صلاته، فإن وجدته يحسنها أقمت عليه -أي: سمعت منه العلم والحديث- وإن أجده يضيعها رحلت عنه ولم أسمع منه، وقلت: هو لما سواها أضيع.
أرأيت الميزان الذي يزن به الرجال! إن الصلاة لميزان صحيح دقيق للرجال، حتى إنه يميز بين المنافقين وغير المنافقين، فكيف بالكفار وغيرهم! وكم من رجل يقال له: ما أعظمه، وما أذكاه، وما أبصره بالأمور! وغيرها من صفات المدح، ثم تفتش عنه فتجده لا يعرف المساجد.
رابعاً: ولقد أوصى بلزوم القرآن وتعاهده، ونهى في مقابل ذلك عن الأهواء والبدع، روي عنه رحمه الله تعالى أنه قال: تعلموا القرآن، فإذا تعلمتموه فلا ترغبوا عنه، وإياكم وهذه الأهواء فإنها توقع العداوة والبغضاء بينكم، ولا تحيدوا عن الأمر الذي كان عليه صحابة رسول الله ﷺ .
ولما نقل هذا إلى الحسن البصري قال: لقد نصحكم أبو العالية والله وصدقكم.
وكان أيضاً يربي أصحابه على القرآن ويعلمهم حقائقه في جوانب الحياة كلها، فقد روي عنه أنه قال لأصحابه: إن الله تعالى قضى على نفسه أن من آمن به هداه، وتصديق ذلك في كتاب الله: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن:١١]، وأن من توكل على الله كفاه، وتصديق ذلك في كتاب الله: ﴿َمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق:٣]، وأن من أقرضه جازاه، وتصديق ذلك في كتاب الله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة:٢٤٥]، وأن من استجاره من عذابه أجاره، وتصديق ذلك: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ [آل عمران:١٠٣]، وأن من دعاه أجابه، وتصديق ذلك في كتاب الله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة:١٨٦].
هذه هي الأصول التربوية في حياة الإنسان وحياة الأمة تستنبط من القرآن، وهكذا كانت أمة الإسلام تربي وتعلم على ضوء القرآن، فكان من أمرهم ما كان.
стр. 531
أبو العالية العالم المحدث المجاهد القدوة في الابتلاء
إمامنا أبو العالية الرياحي كان عالماً بالقرآن، وثقة إماماً حافظاً محدثاً بحديث رسول الله ﷺ ، وكان معلماً ومربياً، وكان مع ذلك إماماً مجاهداً، حارب الروم في بلاد الشام كما حارب الفرس في بلاد ما وراء النهر، ويقال: إنه أول من رفع الأذان في تلك الديار بعد فتحها.
ولقد ابتلاه الله وامتحنه، وهكذا المؤمنون يبتلون ويمتحنون، يقول رسولنا ﵌: (أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى المرء على قدر دينه)، وصدق رسول الله ﷺ ، فإن الرسل ابتلوا، ومحمد خاتمهم ابتلي، ومن جاء بعدهم واتبع سبيلهم فلابد أن يبتلى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء:٣٥].
أبو العالية ابتلي وامتحن رحمه الله تعالى، ولكن بلاءه كان في نفسه، أي: مرضاً في جسده.
في إحدى السنين استعد للمسير للجهاد في سبيل الله تعالى، ولما جهز عدته للجهاد وأخذ معه ما يحتاج إليه في هذه العدة والسفر الذي قد لا يرجع بعده إذا به يحس بآلام مبرحة في رجله، ولم يزل الألم يشتد به حتى أقعده عن الخروج، واشتد الألم به حتى جاءه الطبيب، فلما نظر إليه وفحصه قال له الطبيب: إنك مصاب بالآكلة، فقال له: رفيع بن مهران: وما الآكلة؟ قال: داء يأكل العضو الذي يحل به ثم ينتقل إلى ما فوقه حتى يأتي على الجسد كله.
وأظنه مرضاً معروفاً في عصرنا الحاضر، أجارنا الله وإياكم من كل سوء.
وأخبره الطبيب بأنه لابد من بتر ساقه، فأذن له وهو كاره لذلك، ولما حضر الطبيب ومعه مناشيره لنشر عظم ساقه وما يتبع ذلك، قال له الطبيب: أتريد أن نسقيك جرعة مخدر؛ لكي لا تشعر بالألم وهو شديد عليك؟ فقال أبو العالية رحمه الله تعالى: بل هناك ما هو خير من ذلك.
فقال: أحضروا لي قارئاً يتقن كتاب الله، واجعلوه يقرأ علي ما تيسر من آياته، فإذا رأيتموني قد احمر وجهي واتسعت حدقتاي وثبت نظري في السماء فافعلوا بي ما شئتم.
وقرأ القارئ القرآن، فلما وقع ما ذكر، ونظر وثبت بصره في السماء نفذوا أمره ونشروا ساقه وبتروها، فلما أفاق قال له الطبيب: كأنك لم تشعر بآلام الشق والبتر؟ فقال: لقد شغلني برد حب الله وحلاوة ما سمعته من كتاب الله عن حرارة المناشير.
ثم أخذ رجله بيده ونظر إليها.
وقال: إذا لقيت ربي يوم القيامة وسألني: هل مشيت بك منذ أربعين سنة إلى محرم أو مسست بك غير مباح؛ لأقولن: لا، وأنا صادق فيما أقول إن شاء الله.
стр. 532
التاريخ والأحداث عظات وعبر
هذه نماذج لأحوال الصالحين مع كتاب الله ﵎، وهي أحوال تدخل ضمن تاريخ أمة فيها عبر وعظات لمن أراد أن يتذكر، والتذكير -أيها الأخ المسلم- يكون بالقرآن، ويكون بأيام الله ﵎، وقد أمر الله بذلك رسله، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ [إبراهيم:٥]، فما هي أيام الله أيها الأخ المؤمن؟ لقد فسرها بعض الصحابة بنعم الله، فسرها بذلك ابن عباس ومجاهد، وفسرها بعض التابعين بنقم الله على أهل الكفر وأهل المعاصي، وهذا قول مجاهد، قال ابن القيم رحمه الله تعالى في المدارج: والصواب أن أيام الله تعم النوعين، وهي وقائعه التي أوقعها بأعدائه ونعمه التي ساقها إلى أوليائه.
أيها الأخ في الله! ألا تتذكر أيام الله ﵎ بنوعيها؟ نِعَم لا تعد ولا تحصى أنعم الله بها علينا، ألا نتذكر هذه النعم العظيمة ونخشى أن تزول عنا؟ ثم ألا نتذكر أيام الله ونقمه على أعدائه ممن مضى قبلنا.
إن الله يرسل إلى المسلمين وإلى العالمين نذراً حتى يستيقظوا، ومن هذه النذر التي نسمع بها هذه الأيام الزلازل التي تقع في بعض بلاد المسلمين، فمن الذي خلقها ومن الذي أوجدها؟ خبراء الزلازل يقولون: هي ضغوط تحت الأرض، ثم تحتاج الأرض إلى متنفس فيحدث الزلزال.
ونحن نقول: من الذي خلق الأرض ودحاها وجعلها على هذه الحال؟ إنه الله ، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا﴾ [فاطر:٤١]، نعم هو الذي يمسكها، وهو الذي يحركها، وهذه آيات لكم ونذر أيها المؤمنون، فاتقوا الله أيها المؤمنون.
يا أهل الإعلام! وأنتم تعرضون لهذا الخبر اربطوه بآيات الله وأيام الله والقرآن، ولا تفصلوا الدين عن الحياة، فهذه آيات بينات، فمن الذي خلقها؟ من الذي أوجدها؟ الكسوف يحدث، وقد نعلم به قبل حدوثه، لكن من الذي أوجده هكذا؟ ولماذا فزع رسول الله ﵌ وهو يأتيه الغيب من السماء؟! إنها آيات لله ، فاتقوا الله يا عباد الله المؤمنين، اتقوا الله في أنفسكم، واتقوا الله في دينكم، واتقوا الله في إخوانكم المسلمين، وراقبوا ربكم في جميع الأمور، فليس بيننا وبين الله شيء، فمن آمن بالله فالله معه، ومن أعرض عن الله فإن الله يعرض عنه، وهذه حقيقة قرآنية يجب أن لا يشك فيها أي مسلم.
أيها الأخ في الله! قف مع القرآن وآياته وتدبر العظات.
اللهم أحي قلوبنا بالقرآن، اللهم اعمر قلوبنا بالقرآن وبمواعظ القرآن، اللهم اجعلنا ممن يتذكر بأيام الله، اللهم اجعلنا ممن يتذكر بأيام الله، اللهم قنا وقِ المسلمين جميعاً شر الفتن والزلازل والمحن ما ظهر منها وما بطن، اللهم قنا شر الفتن والزلازل والمحن ما ظهر منها وما بطن يا رب العالمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وانصر عبادك الموحدين في كل مكان يا رب العالمين، اللهم انصر عبادك المؤمنين المجاهدين في كل مكان يا رب العالمين، اللهم دمر أعداء الدين، اللهم دمر أعداء الدين في مشارق الأرض ومغاربها يا رب العالمين.
اللهم من أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بسوء فاشغله بنفسه، اللهم اشغله بنفسه، اللهم اشغله بنفسه، واجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميراً عليه يا سميع الدعاء.
اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب، اللهم ثبتنا بقولك الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة يا كريم، اللهم ارحمنا جميعاً واغفر لنا ولوالدينا ولأرحامنا وأزواجنا وأولادنا ومعلمينا وكل من كان له فضل علينا يا أرحم الراحمين ويا أكرم الأكرمين.
اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد، اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك نبينا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين، ومن سار على نهجهم واهتدى بهداهم إلى يوم الدين.
والحمد لله رب العالمين.
стр. 533
الإجازة الصيفية وتربية الأبناء
الأبناء أمانة في أعناق الآباء وأولياء الأمور، فيجب على الأولياء والآباء أن يحافظوا على هذه الأمانة، وأن يرعوها حق رعايتها، ويتأكد ذلك الأمر في مثل هذه العطل الصيفية التي يطغى فيها الفراغ على الأبناء فيشغلونه بما يضرهم ولا ينفعهم، ويملئونه بما يعود عليهم وعلى مجتمعهم بالشر المستطير، فيجب على الآباء أن يستغلوا مثل هذه الأيام فيوجهوا أبناءهم إلى العلم النافع، والعمل الصالح، وأن يشغلوهم بما فيه صلاحهم وصلاح مجتمعهم.
стр. 534
المقارنة بين امتحانات الدنيا وامتحان الآخرة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! بعد أيام قليلة ينهي أبناءنا عامهم الدراسي بإنهاء الامتحانات وظهور النتائج، ولست بحاجة إلى التنبيه إلى ذلك، والوصية به؛ لأن البيوت مهتمة بهذا الأمر بما لا نزيد عليه، ودواعي الاهتمام المادية والمعنوية لدى الطلاب وأهلهم متوافرة، فنتائج الامتحانات تترتب عليها أمور كثيرة معروفة، وهذا الاهتمام مطلوب ولا اعتراض عليه، وكثيرٌ ما يقبل الدعاة إلى الله والموجهون في مثل هذه المناسبة إلى عقد مقارنة صحيحة وعظيمة ومهمة بين امتحان الدنيا ونتائجه، وامتحان الآخرة ونتائجه.
وامتحان الآخرة سيقع على الجميع، المتعلم وغير المتعلم، الكبير والصغير، العامي والجاهل، الذكر والأنثى، بل يتعدى ذلك إلى الحيوانات كما أخبر بذلك رسول الله ﷺ ، بل إنه سيشمل المتمردين والمنكرين لذلك الامتحان، وسيقف الجميع بين يدي الله ﵎ للحساب والجزاء، حسابٌ وميزان توزن فيه مثاقيل الذر، ﴿وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء:٤٧].
وينتهي هذا إلى الجزاء الحاسم الذي لا مفر منه ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى:٧]، ولا ثالث لهما مطلقاً.
ووالله! إنه لا مقارنة بين الامتحانين، ويكفي في الامتحان الثاني أن نشير إلى ما ثبت في حديث الشفاعة العظمى لطلب فصل القضاء بين العباد، حين يحول كل نبي المسئولية إلى أخيه، ويقول -ويا لهول تلك المواقف! -: (إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله)، إنه غضب الجبار ﵎ لا غضب المخلوقين، وهو غضب خاص في ذلك اليوم، فأنى لنا -نحن المساكين- أن نقف، وأن نواجه ذلك الامتحان العظيم، ذلك الامتحان الذي ليس بين أي واحد منا وبينه إلا أن يقال: فلانٌ مات، وما أكثر أسباب الموت في كل زمان، وخاصة في هذا الزمان.
стр. 535
خطأ التركيز على الجانب العلمي المعرفي على حساب الجانب التربوي
أيها الإخوة المؤمنون! اسمحوا لي أن أعالج الموضوع من خلال زاوية أخرى، مع أن هذه الزاوية العظيمة السابقة زاوية لها أثر تربوي عظيم في حياة الإنسان على مختلف أحواله وعمره.
اسمحوا لي أن أنتقل إلى معالجتها من خلال زاوية أخرى تعود نتائجها إلى نفس الموضوع، المقارنة بين امتحان الدنيا وامتحان الآخرة، فأقول: إن الملاحظ على كثير منا فيما يتعلق بأولادنا ذكوراً وإناثاً هو تركيزنا على جانب واحد، وإهمال جانب آخر له أهمية كبرى، والجانب الذي نركز عليه ونعول عليه فيما يتعلق بأولادنا ودراستهم هو: الجانب العلمي المعرفي فقط.
وأهم مظاهر هذا التركيز ما يلي: أولاً: التركيز والتأكيد باستمرار على الشهادة ومستوى الطلاب فيها، فأهم شيء لدينا هو التفوق علمياً.
ثانياً: كون هذا الجانب هو المعول عليه في تقويم الطلاب لدى أهلهم وأسرهم، ولدى بقية المجتمع.
ثالثاً: حصر مهمة التعليم في جميع مراحله تقريباً بهذا الجانب، ويتم هذا بنسبة كبيرة أبدت أحياناً إلى إهمال الجوانب الأخرى، أو إضعافها بشكل كبير.
رابعاً: انتهى الأمر إلى أن أهم شيء لدى الشباب والشواب، ولدى أهلهم ومعارفهم هو النجاح في الامتحان ونيل الشهادة، وصار هذا هو المقياس، فكم من شاب يعتبر ناجحاً في الحياة؛ لأنه متفوق دراسياً، وإن كان يحمل مع ذلك أفكاراً فاسدة تناقض دينه، أو أخلاقاً رديئة لا يقبلها دين ولا خلق، ولما تحول الأمر إلى هذا المقياس، وصار التفوق العلمي والنجاح في الشهادة هو الذي يدندن عليه الجميع؛ حتى تحول إلى أن يكون هو القضية الكبرى عاطفياً لدى الابن والبنت، ولدى الأسرة، ولدى جميع الناس.
ولما كان الأمر كذلك تحول إلى إضعاف الجانب الآخر في حياة أولادنا، ألا وهو الجانب التربوي، ونعني بشكل أخص: التربية على العقيدة والمنهج والخلق الإسلامية.
стр. 536
ما يواجهه الأبناء في أيام الإجازات الصيفية
نحن نستقبل الإجازة الصيفية ذات الأثر العميق على أحوال وأخلاق أبنائنا جميعاً، فأدعوكم إلى التفكير جيداً في هذه القضية، وأهم ما يواجهه أبناؤنا تربوياً في هذه الأيام، ويشتد الأمر في وقت الإجازة ما يلي:
стр. 537
البث المباشر وخطره على الأبناء
أولاً: البث المباشر الذي غزا كثيراً من البيوت، وهذا البث المباشر نوعان: النوع الأول منه: تلفزيوني؛ حيث تنوعت المحطات العالمية الموجهة إلينا، وهي: محطات -بسبب قدراتها وبسبب دعمها- مختلفة التخصصات، منها: الفنية، والرياضية، بل والإباحية الخالصة، والتنصيرية، والمحطات الجادة -إن وجدت- لا تخلو من فواصل دعائية تحمل في طياتها ما عند الغرب من إباحية وأخلاق فاسدة، وهذا البث المباشر له أثر غائر وعميق على بيوتنا وأسرنا، وكم من فتى أو فتاة تحول منهج حياته الخلقي بسبب سهرة في ليلة واحدة على هذه المحطات.
النوع الثاني من البث المباشر: الإذاعي، فهناك محطات تنصيرية خالصة موجهة إلينا بشكل واضح وقوي، وتبث على مدار الساعات، وهناك محطات أخرى تجلب كل ما أنتجه العالم العربي والغربي من أقصاه إلى أقصاه من أغانٍ ماجنات، ومسلسلات مغرية؛ بحيث أدت إلى أن يتجه كثير من الناس إليها تاركين لغيرها.
стр. 538
المجلات والصحف وخطرها على الأبناء
ثانياً: مما يواجه أبناؤنا وتواجه أسرنا المجلات والصحف، وهذه لا جديد فيها؛ لأنها من زمن قديم، ولكن الجديد ما يظهر كل يوم مما يتفنن فيه أصحابها بالإغراء، وطرق القضايا الحساسة من نواحي الخلق والعلاقات بين الرجل والمرأة والقضايا الأخرى.
стр. 539
الزملاء والأصدقاء وأثرهم على الأبناء
ثالثاً: الأصحاب والزملاء: وهؤلاء لهم أثر كبير جداً على أولادنا، ونحن نعلم أن الإنسان مدني بطبعه يحب الاختلاط، وشبابنا يحبون الاختلاط، وليس هناك بد من هذا الاختلاط، والزمالة والصداقة على نوعين لابد أن تنتهي إليهما: إما صداقة طيبة تثمر ثماراً خيرة، وإما على الضد والعكس من ذلك تثمر مالا يحمد عقباه، ولما كان الأمر كذلك كان دور هؤلاء الأصحاب والزملاء في حياة أبنائنا كبيراً جداً.
стр. 540
السياحة وخطرها على الأبناء
رابعاً: السياحة، وخاصة السياحة الخارجية في فترة الصيف، ويتولى البث المباشر والمجلات والصحف الدعاية المغرية لذلك.
وعوداً على بدء فاسمعوا واعجبوا -أيها الإخوة! - لما يفعله بعضنا حين يتفوق ولده علمياً، ما هي جائزة الشهادة؟ جائزته السياحة في بلد غربي، هذه هي الجائزة! انظروا كيف ترتبط المؤثرات بعضها ببعض، من خلال هذه الجوانب المتعددة، والأساس هو أننا ركزنا -فيما يتعلق بأولادنا- على الجانب العلمي فقط، أما الجانب التربوي المتعلق بالعقيدة والخلق والسلوك فهذا جعلناه أمراً ثانوياً إلا ما عصم الله تعالى.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل الكريم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 541
كيف نواجه هذه المؤثرات التربوية على أبنائنا ؟
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن سار على نهجهم، واهتدى بهداهم إلى يوم الدين.
أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! وأمام هذه المؤثرات التربوية على أبنائنا ما هو الحل؟ هل نستسلم للأمر الواقع ونقول: أعداؤنا غزونا فماذا نصنع بهم؟ ألسنا مأمورين شرعاً باتخاذ الأسباب؟ أيها الإخوة في الله! إن شبابنا -والحمد لله- لا يزال يحتفظ بقدر كبير من الفطرة السليمة واليقظة الإيمانية متى ما حرك ذلك الشعور الإيماني، ووسائل التربية الذاتية في البيت والمسجد والمدرسة وغيرها حين تكون صالحة ومركزة وحين تستوي على سوقها؛ تؤدي -بمعونة من الله- إلى أنواع من الحصانة التي تجعل الشباب المسلم يتعالى بإيمانه، ودينه، وخلقه الإسلامي عن هذه الدناءات.
وسأضرب لكم مثالاً على هذا الذي أقوله: كم من شاب ذهب سابقاً للدراسة في بلاد الغرب، وما دفعه إلى ذلك إلا حب الحرية، والاستمتاع هناك بكل أنواع اللهو والفساد، وكثيراً ما كان هذا الشاب يكلم زملاءه، ويتحدث معهم قبل سفره عما سيواجه هناك، وما سيلاقيه ويتمتع به من لهو وعبث، وفعلاً يذهب الشاب إلى هناك؛ حيث لا رقيب ولا حسيب من أهل أو نظام يمنع من ذلك، بل إن نظام تلك البلدان يحمي ذلك.
ويعيش فترة طويلة أو قصيرة يرى فيها بأم عينية بلاد الحرية، ويتمتع إن أراد بما شاء دون أن يحاسبه أحد، ولكن الذي يحدث أحياناً، بل يحدث كثيراً والحمد لله، أن هذا الشاب سرعان ما يستيقظ عنده إيمانه وعقيدته؛ فيرجع إلى ربه رجوعاً صحيحاً، ويعود إلى بلاده أصلب وأقوى إيماناً، بل يعود إلى بلاده داعية إلى الله ﵎! أيها الإخوة! هذه نماذج شاهدتموها جميعاً، ونحن نقول بالنسبة لما نشكوه من مشكلات البث المباشر ونحوه: حين نربي أولادنا على المنهج الصحيح، هل سيتعامل معها أبناؤنا كما تعامل بعض الشباب الذين عاشوا في بلاد الحرية؟ إن هذا البث المباشر يجب الوقوف دونه عملياً ونظرياً، والذي أقوله هنا هو توجيه لنا نحن الأسر نحن الآباء، بحيث لا نستسلم للأمر الواقع، ولا ندع الأمور تسير كما يراد لها.
علينا أن نصنع شيئاً تجاه هذا الغزو الخلقي والعقدي لأولادنا، فنعمل ونجد ونجتهد في تربية أولادنا، وإيقاظ إيمانهم، وتوجيههم التوجيه السليم؛ وهذا سيتحول -بإذن الله ﵎ إلى رد فعل قوي جداً، يجعل الشاب يكون أكثر تمسكاً بإيمانه وصلتاً بربه.
كان الزنا مباحاً في الجاهلية، وحين بعث النبي ﷺ كان حلالاً مباحاً عند الناس، وكان الزواني أنواعاً، وكان لهن رايات، بل كان الزوج يأمر زوجته حين يريد ولداً نجيباً أن تذهب إلى فلان أو فلان؛ لتعيش معه في الحرام لعله يولد له ولد شجاع، ومع ذلك حين بدأ النبي ﷺ دعوته، وحين تحولت تلك الدعوة إلى منهج تربوي؛ سرعان ما تخلى أولئك عما كانوا عليه؛ لأنهم وجدوا العقيدة والإيمان والطمأنينة النفسية، وجدوا السعادة الحقيقية، السعادة التي تعتمد أول ما تعتمد على قول الله ﵎: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة:٥٤] هذا هو مقياس السعادة، يحبهم ويحبونه، وحين يكون الأمر كذلك يكون القلب سعيداً، وتكون النفس مطمئنة، أسأل الله ﵎ أن يجعلني وإياكم من أولئك.
وهناك -أيها الإخوة! - أمور أخرى أحب أن أشير إليها في هذه المناسبة، وهي ذات أثر تربوي منها:
стр. 542
التربية المبكرة للأولاد
أولاً: التوجيه والتربية المبكرة لأولادنا؛ حتى ينشئوا على الإيمان والخلق، ويجب أن يكون هذا الاهتمام منذ الصغر، وأن يستمر إلى ما بعد ذلك، وهذه المسئولية يتحملها بشكل كبير البيت.
стр. 543
الدروس العلمية المتنوعة
ثانياً: الدروس العلمية المتنوعة، وهذه لها أثرها وأهميتها التي لا تخفى، ولعل كون هذه الدروس ليست إلزامية، إضافة إلى أنه لا حوافز لها مادية مباشرة؛ لعل هذا يجعل حضور الإخلاص وطلب العلم لوجه الله تعالى أقوى وأكبر نفعاً.
стр. 544
الاشتراك في الأنشطة المتنوعة الموثوقة
ثالثاً: الاشتراك في الأنشطة المتنوعة الموثوقة، التي توجه التوجيه الطيب، ومنها: حلق تحفيظ القرآن الكريم، والمراكز الصيفية، والجولات الدعوية، والأنشطة الأسرية التي يرتبها الأب مع أولاده من خلال أسفار العمرة أو غيرها، والمهم أن الأب يرتب هذه الرحلة؛ ليستفيد منها جميع أفراد الأسرة.
стр. 545
الزواج المبكر للأولاد
رابعاً: الزواج المبكر لأولادنا ذكوراً وإناثاً، وهذه وسيلة شرعية عظيمة تجنب أولادنا -بإذن الله- مزالق عديدة، ولقد نادى رسول الله ﷺ الشباب قائلاً: (يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج).
والزواج المبكر له آثار تربوية خاصة، لعل من أهمها: إكمال نصف الدين، وأرجو أن تفكروا في هذا ومدلوله في حياة الفتى أو الفتاة خلقاً وسلوكاً، كيف يتم إكمال نصف الدين؟ من خلال الزواج؛ لأن الزواج يقطع شروراً وآفات وأفكاراً ومنحدرات في حياة الإنسان لا يعلم مداها إلا الله تعالى، وحين يتم هذا الزواج تقطع هذه الوسائل ليتجه الإنسان اتجاهاً جديداً.
ومن آثاره: التعود على تحمل المسئولية، وهذا يؤدي إلى التخلي عن كثير من الأمور التي كان يفكر فيها ويفتح فيها خياله، فإنه مع الزواج ينتقل إلى واقع عملي يواجه فيه عدد من المسئوليات اليومية التي لا تنتهي، ومع مجيء الأولاد تكون المسئولية والإحساس الأبوي قد جعلت هذا الأب الجديد -ولو كان صغيراً- يتحول إلى معلم ومربي وموجه، مهما حاول التخلي عن ذلك.
ومن آثاره أيضاً: نقل الشباب والفتيات من أصدقاء ومحاضن كانوا عليها سابقاً إلى أجواء جديدة، وحين يكون الاختيار في الزواج على أساس من الشرط الشرعي (فاظفر بذات الدين تربت يداك)، (وإذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه؛ فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير)؛ حين يكون ذلك تتحول هذه المحاضن إلى محاضن تربوية عظيمة، ولكن المهم هو تسهيل أمر الزواج، حتى لا يتحول -كما هو الحال- إلى عقبة كبرى لا يجتازها إلا القلائل، وهذا مما ينبغي أن يتنبه له الجميع، وأن يطبقوه عملياً.
стр. 546
إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله
نقول للشباب: أقبلوا على الزواج، ولا تعوقنكم الأمور المادية؛ فسيغنيكم الله من فضله: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور:٣٢]، وكم من شاب تحمل بعض الديون بسبب زواجه، وما انتهت سنته الأولى أو الثانية إلا وقد رزقه الله كفافاً، بل ما هو أعلى من الكفاف.
والزوجة إذا أتت إلى البيت تأتي ورزقها معها، والولد إذا جاء يأتي ورزقه معه، لست أنت الذي ترزقه حتى تقول: من أين أصرف لأولادي؟! افعل الأسباب الشرعية والمادية، وأقبل على هذا الباب العظيم؛ فإنه -والله- يسد فتناً عظيمة لا يعلم قدرها إلا الله.
أيها الإخوة الآباء! يجب علينا أن ننتبه إلى ذلك من خلال مراقبتنا لأولادنا وسلوكهم، ومن خلال تسهيل أمر الزواج لهم، فإنكم مأجورون على ذلك، إضافة إلى أنها مسئولية تتحملونها أمام الله ﵎.
أيها الإخوة في الله! هذه لمحات وإشارات تتعلق بهذه المسألة التي تحدثنا عنها من خلال ما سنقبل عليه من الإجازة الصيفية، وما فيها من عقبات وعقبات، تتعلق بأخلاق أولادنا وتوجهاتهم، ولقد كان رسول الله ﷺ يوجه الشباب إلى أمور ربما نشير إليها في مناسبة لاحقة، ونعرض بنماذج منها حتى نستفيد منها تربوياً.
اللهم! إنا نسألك أن تصلح أولادنا، اللهم! أصلح أولادنا ذكوراً وإناثاً، اللهم! جنبهم الفتن ما ظهر منها وما بطن.
اللهم! إنا نسألك أن ترزقنا وإياهم الإيمان، اللهم! إنا نسألك أن ترزقنا وإياهم الإيمان والخلق الفاضل، اللهم! طهر بيوتنا من كل رجس ودنس يا رب العالمين! اللهم! إنا نسألك أن تحبب إلينا وإليهم الإيمان، وأن تزينه في قلوبنا وقلوبهم، وأن تكره إلينا وإليهم الفسوق والعصيان، يا رب العالمين! اللهم! أعز الإسلام والمسلمين، وانصر عبادك المؤمنين المجاهدين في كل مكان يا رب العالمين! اللهم! انصرهم على عدوك وعدوهم، اللهم! قوِّ عزائمهم، اللهم! أنزل السكينة على قلوبهم.
اللهم! دمر أعداء الإسلام والمسلمين في كل مكان يا رب العالمين! اللهم! من أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بسوء فأشغله بنفسه، واجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميراً عليه يا رب العالمين! اللهم! إنا نسألك من الخير كله عاجله وآجله ما علمنا منه وما لم نعلم، ونعوذ بك من الشر كله عاجله وآجله ما علمنا منه وما لم نعلم.
اللهم! اغفر لآبائنا وأمهاتنا وأرحامنا وأساتذتنا، وكل من كان له فضل علينا يا أرحم الراحمين! اللهم! إنا نسألك أن توفق أولادنا جميعاً إلى النجاح في الدنيا والآخرة، اللهم! اجعل نجاحهم في الدنيا عوناً لهم على نجاح الآخرة، اللهم! اجعله بصيرة لهم في دينهم؛ حتى يكونوا عزاً لأمة الإسلام.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
стр. 547
ورتل القرآن ترتيلاً
القرآن الكريم له مكانة عظيمة ومنزلة رفيعة؛ لأنه كلام الله ، ولذلك فإن الاهتمام به وتلاوته وتدبره والعمل به أمر مهم جداً، فيجب على كل مسلم أن يوثق صلته بكتاب ربه جل وعلا، وأن يتلوه آناء الليل وأطراف النهار، وأن يجعله قدوته ودستوره في كل شيء.
стр. 548
وجوب تدبر كلام الله وتطبيقه والخشوع عند تلاوته
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا﴾ [الكهف:١]، امتن علينا بأن أنزل علينا أفضل كتبه، وأرسل إلينا أفضل رسله وخاتمهم، وأصلي وأسلم على محمد بن عبد الله الذي نزل عليه القرآن في غار حراء أول ما نزل: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق:١ - ٥]، فتلقى وحي الله وبلغه إلى أصحابه، وجاهد في ذلك أعظم جهاد، فصلوات ربي وسلامه عليه وعلى أصحابه الكرام البررة الذين حلموا هذا القرآن فحفظوه، ووعوه، وعملوا به، وبلغوه إلى الآفاق في مشارق الأرض ومغاربها، فرضي الله عنهم جميعاً، وعن التابعين لهم وتابع التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: أيها الإخوة في الله! نحن على مقربة من قدوم ضيف عزيز جداً، ضيف طالما ترقبه المؤمنون الصادقون تبعاً للسلف الصالح رحمهم الله تعالى؛ فإنهم كانوا قبل قدومه بشهور يتحرونه، ويدعون الله أن يبلغهم هذا الشهر العظيم شهر القرآن، شهر قيام الليل والتراويح، شهر الصيام، شهر تتلى فيه آيات الله في كل مكان في المساجد والبيوت وفي كل مكان، شهر القرآن والصيام والصبر، ولو لم يكن في هذا الشهر الكريم إلا أن ربنا تعالى على لسان نبيه ﷺ وعدنا بالمغفرة في هذا الشهر، وذلك من خلال ثلاثة أحاديث: أولها: (من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه).
ثانيها: (من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه).
ثالثها: (من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه).
اللهم بلغنا رمضان، واجعلنا فيه يا رب ممن صامه وقامه على الوجه الذي يرضيك عنا.
أيها الإخوة! وماذا نقول عن كلام رب الأرض والسموات؟ وماذا نقول ونحن نتحدث هذه الليلة عن القرآن العظيم؟ إن القرآن العظيم تكفل الله بحفظه؛ فهو محفوظ إلى أن يرفع في آخر الزمان، كما ورد بذلك بعض الآثار، فالقرآن العظيم هو كلام الله وليس كلام بشر، سواء كان ملكاً، أو رئيساً، أو غنياً، أو شريفاً، أو مشهوراً، أو أديباً، أو غير ذلك.
ومن هنا أيها الإخوة! فإننا لن نستطيع أن نقف معه الوقفة التي تتناسب مع قدره وعظمته، ولكن حسبنا الذكرى ببعض المسائل، والذكرى تنفع المؤمنين.
أيها الإخوة في الله! أقول في البداية: لقد وقفت مع عدد من الآيات فرأيت أن من تأملها وجد فيها عجباً، وهي آيات بينات واضحات، ولكنها تحتاج من القلوب المؤمنة إلى وقفات: يقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر:١٧]، في أربع آيات في سورة واحدة.
وقال : ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر:١٧]، وأقول: إن من أعظم نعم الله أن هذا القرآن يتلوه الجميع، يتلوه العالم والمتعلم والعامي والمرأة والرجل، كل منهم إذا تعلم مبادئ القراءة والكتابة تلاه؛ بل قد يتلوه ولو لم يتعلم مبادئ القراءة والكتابة.
وكم من عامي لا يقرأ ولا يكتب يحفظ القرآن كاملاً، أليس هذا دليلاً على هذا التيسير العظيم؟! الآية الثانية: يقول تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحديد:١٦]، ألم يأن للمؤمنين أن تخشع قلوبهم للقرآن؟ كلا! والله! لقد آن لقلب كل مؤمن أن يخشع للقرآن ولقراءة القرآن.
الآية الثالثة: يقول الله ﵎: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر:٢١]، أي: لو أنزل الله هذا القرآن على جبل صخر أصم لا تهده إلا الآلات الضخمة لرأيت هذا الجبل خاشعاً متصدعاً متشققاً منهداً من خشية الله، فكيف لا تخشع قلوبنا وهي من لحم ودم؟! الآية الرابعة: يقول الله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٢٣]، تقشعر قلوب المؤمنين لأن هذا القرآن مثاني يشبه بعضه بعضاً في البلاغة والإعجاز والفضل والعظمة، وإن كانت بعض الآيات أفضل من بعض، لكن كله فضيل؛ لأنه كلام رب العالمين.
الآية الخامسة: يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ * قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس:٥٧ - ٥٨].
فإذا رأيت الناس يتنافسون على جمع الدنيا فأقبل على قراءة القرآن؛ فإنك تجمع من الحسنات والفضل العظيم ما ترتاح له نفسك يوم تقف بين يدي ربك يوم القيامة.
стр. 549
وجوب معرفة عظمة القرآن العظيم
إن من المهم جداً ونحن نتلو هذه الآيات وغيرها من كتاب الله ﵎ أن نعلم ونوقن به يقيناً عملياً؛ فإن اليقين النظري نحن مصدقون به جميعاً، لكن لابد أن نعلم وأن نوقن يقيناً يؤثر على أعمالنا وحركاتنا وأفعالنا أن هذا القرآن العظيم حق لا ريب فيه، وأنه كلام الله ، وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة، فالقرآن كلام الله ليس كلاماً مخلوقاً ولا كلاماً لغيره كما يدعي بعض أهل البدع، بل هو كلام الله؛ تكلم الله به إلى جبريل فأوحاه إليه، ثم أوحاه جبريل إلى محمد ﷺ ، ولهذا يقول الله : ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء:١٠٥]، ويقول تعالى عن هذا القرآن العظيم: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [الجاثية:٦]، فالقرآن العظيم تصدعت له القلوب لما نزل أول مرة، تصدعت له قلوب عباد الله المؤمنين، فاستجابوا وصدقوا وتغيرت حياتهم كلها، ومن لم يعظه القرآن، ومن لم يخشع بالقرآن، ومن لم يتصدع إيماناً ويقيناً وخشوعاً بالقرآن فبأي شيء يتصدع؟! قال تعالى: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [الجاثية:٦].
ويقول مخاطباً نبيه ﷺ : ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ [النمل:٦].
ويقول : ﴿الم * تَنزِيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ [السجدة:١ - ٣].
ويقول مميزاً أهل العلم الذين يعرفون قدر هذا القرآن: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [سبأ:٦].
ويقول : ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ * بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ﴾ [العنكبوت:٤٨ - ٤٩]، والذين أوتوا العلم هم الذين قرءوا القرآن وفقهوه في جميع أموره؛ ولهذا فإن من المهم جداً أن توقن أيها الأخ المؤمن وأنت تتلو كلام الله أنه كلام الله ، ولهذا يقول تعالى: ﴿حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الزخرف:١ - ٣].
ويقول : ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف:٢٠٤].
ومن هنا أيها الإخوة في الله! فإن نبينا ﷺ كان خلقه القرآن، كما قالت عائشة الصديقة بنت الصديق ﵄.
стр. 550
ذكر فضائل القرآن وفضائل حملته
وقد بين الرسول ﷺ لنا فضل القرآن العظيم، وسأذكر في ذلك بعض الأحاديث: منها: ما رواه أنس بن مالك عن النبي ﷺ أنه قال: (إن لله تعالى أهلين من الناس -انظروا إلى التعبير- أهل القرآن هم أهل الله وخاصته)، رواه أحمد والنسائي وابن ماجة والحاكم، وهو حديث صحيح.
وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من قرأ حرفاً من كلام الله كان له به عشر حسنات، أما إني لا أقول: (الم) حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف)، رواه الترمذي، وهو حديث صحيح.
وقد روى البيهقي في (شعب الإيمان) حديثاً حسنه بعض العلماء ومنهم الشيخ الألباني في صحيح الجامع الصغير، قال فيه رسول الله ﷺ : (لو جمع القرآن في إهاب ما احترق)، أي: لو جمع القرآن في جلد ما أحرقه الله في النار، وهذا فيه إشارة وبشرى وأمل ورجاء لمن يحفظ كلام الله ألا يحرقه الله في نار جهنم.
ويقول الرسول ﷺ في الحديث الذي رواه الإمام مسلم: (إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين).
وقد روى أبو داود والنسائي والترمذي عن ابن عمر ﵄ عن الرسول ﷺ أنه قال: (يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرأها).
ويقول الرسول ﷺ : (لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل وأطراف النهار)، أي: أنه مغبوط على ما وهبه الله ووفقه من حفظ كتاب الله .
وأختم هذه الأحاديث بحديث رواه الترمذي والحاكم وهو حديث صحيح عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: (يجيء القرآن يوم القيامة فيقول: يا رب حله -حله: من الحلية-، فيلبس تاج الكرامة، ثم يقول: يا رب زده، فيلبس تاج الكرامة، ثم يقول: يا رب ارض عنه، فيرضى عنه، فيقول: اقرأ وارق فيزداد بكل آية حسنة)، ففي هذا فضل عظيم لكلام الله .
стр. 551
فضل تعليم القرآن الكريم
وقد ورد الفضل العظيم في تعليم القرآن، والأحاديث في هذا كثيرة يجب أن ينتبه لها الآباء ومدرسو حلق القرآن في المساجد وغيرها، فالرسول ﷺ يقول كما في البخاري: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه)، ولهذا سئل سفيان الثوري رحمه الله تعالى عن الجهاد وإقراء القرآن أيهما أفضل؟ فرجح إقراء القرآن، واحتج بهذا الحديث: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه)، ولهذا قال أبو عبد الرحمن السلمي الثقة: فذلك الذي أقعدني مقعدي هذا، وأبو عبد الرحمن هذا هو الذي قال: حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن أنهم كانوا لا يتجاوزون عشر آيات حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل.
وأبو عبد الرحمن السلمي هذا هو غير السلمي الصوفي المتأخر، فهذا تابعي جليل، ولذا يقول: فذلك الذي أقعدني مقعدي هذا.
وعلم القرآن منذ زمن عثمان حتى بلغ عهد الحجاج بن يوسف.
ولهذا روى مسلم في صحيحه عن عقبة بن عامر قال: (خرج رسول الله ﷺ ونحن في الصفة فقال: أيكم يغدو كل يوم إلى بطحان العقيق أو إلى العقيق فيأتي منه بناقتين كوماوين -أي: ناقتين عظيمتي السنام- في غير إثم ولا قطيعة رحم، فقلنا: يا رسول الله! كلنا نحب ذلك.
فقال: لأن يغدو أحدكم إلى المسجد فيتعلم أو يقرأ آيتين من كتاب الله خير له من ناقتين، وثلاث خير له من ثلاث، وأربع خير له من أربع، ومن أعدادهن من الإبل)، سبحان الله! ما أبخلنا على نفوسنا ونحن نهجر هذا القرآن العظيم، ما أبخلنا على نفوسنا ونحن نهجر كتاب الله شهوراً متطاولة! والأحاديث في هذا الباب كثيرة جداً، ولهذا فإن مما يعظم قدر منزلة هذا القرآن عند المؤمن أن يعلم وأن يوقن أنه إنما يتلو كلام الله، وهو بتلاوته يعبد الله .
стр. 552
أثر قراءة القرآن وترتيله
ورد عن النبي ﷺ وعن الصحابة ما يدل على أثر قراءة القرآن وترتيله، فعن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : (اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه)، رواه مسلم.
وعن النواس بن سمعان عن النبي ﷺ قال: (يؤتى يوم القيامة بالقرآن وأهله الذين كانوا يعملون به في الدنيا، تقدمه سورة البقرة وآل عمران تحاجان عن صاحبهما).
فيا أيها الإخوة! تذكروا هذا الموقف يوم القيامة، تذكر أيها الأخ حينما تأتي يوم القيامة وقد يبس منك لسانك، وشخصت عيناك، وبلغ منك الخوف مبلغه؛ لأن الجميع يخاف، ولا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل حين تزفر جهنم إلا خاف، فتذكر يا عبد الله! حين تأتي يوم القيامة في تلك العرصات وقد غضب الجبار غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، ثم تأتي وأمامك القرآن، فهل يمكن أن تعذب وأمامك القرآن؟ بل وأمامك سورة البقرة وآل عمران تحاجان عنك، فتدبر يا أخي هذا الموقف، واجعل القرآن في قلبك حفظاً وتلاوة وعملاً وتدبراً.
ولهذا يقول الرسول ﷺ في الحديث الذي رواه أبو هريرة وهو عند أحمد والترمذي وأبي داود وهو حديث حسن قال: (إن سورة في القرآن ثلاثون آية شفعت لرجل حتى غفر له)، هذه السورة هي: (﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الملك:١])، أي: سورة الملك.
وروى ابن حبان والبيهقي وصححه الألباني رحمه الله تعالى من حديث جابر ﵁ عن الرسول ﵊ قال: (القرآن شافع مشفع، وماحل مصدق -ماحل: أي مدافع- من جعله أمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلفه قاده إلى النار).
ولهذا كان رسول الله ﷺ يقدم أهل القرآن؛ حتى إنهم كانوا حينما يستشهدون في سبيل الله يدفنون في مكان واحد يقدم صاحب القرآن.
وكان عمر ﵁ وأرضاه يجعل شوراه في أهل القرآن شيوخاً وصغاراً، ولهذا كان معهم ابن عباس، وكان ممن يحضر مجلس شورى عمر بن الخطاب وهو يومئذ حدث صغير ﵃ جميعاً؛ لأنه كان حبر الأمة وترجمان القرآن.
стр. 553
القرآن شفاء للأمراض
ومن أعظم آثار القرآن أنه شفاء للأمراض الحسية والمعنوية، ولهذا ورد الحديث عن النبي ﷺ بأن يدعو الإنسان أن يجعل الله القرآن العظيم ربيع قلبه، قال الرسول ﷺ : (ما من عبد يصيبه هم أو حزن أو غم فيقول: اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك ماضٍ فيّ حكمك، عدل فيّ قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك؛ سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء همي وحزني، إلا أذهب الله عنه ما يجد)، رواه أحمد والحاكم، وهو حديث صحيح.
ولهذا فإن من أعظم ما يرقى به الإنسان في أمراضه كلها كلام الله .
стр. 554
الأمور الواجبة على حامل القرآن
المسألة الثالثة: ماذا يجب على حامل القرآن العظيم؟ يجب على من تلا كتاب الله سواء كان ممن يتلو هذا القرآن أو ممن يحفظه أو يحفظ آيات منه يجب عليه أن يراعي عدة أمور: أولها: الإخلاص لله تعالى في تلاوته وحفظه وتعلمه وتعليمه، وذلك بأن يكون مقصده ربه .
الثاني: أن يأخذ نفسه بتلاوة القرآن، وأن يكون ممن عرف بتلاوته ليلاً ونهاراً، قال ابن مسعود ﵁: (ينبغي لقارئ القرآن أن يعرف بليله إذا الناس نائمون، وبنهاره إذا الناس مفطرون، وببكائه إذا الناس يضحكون، وبصمته إذا الناس يخوضون، وبخشوعه إذا الناس يختالون، وبحزنه إذا الناس يفرحون).
وهذه كلها آثار على قارئ القرآن، وعلى تالي القرآن، وعلى حافظ القرآن، وعلى من يعمل بالقرآن.
الثالث: أن يحذر من أن يقصد بحفظه للقرآن أو تلاوته له شرف المنزلة عند أبناء الدنيا، وإذا دخله شيء من ذلك مما يوسوس به الشيطان فليتق العبد الله، وليراجع قلبه ونفسه، ليتق الله ؛ بحيث يكون بتلاوته للقرآن وحفظه له قاصداً به وجه الله، لا يريد به شرفاً، ولا ليقال: القارئ الفلاني، ولا ليقال: ما أحسن صوته! أو ما أجمل قراءته! فكل هذه الأمور خداعات يُخدع بها الإنسان؛ فإن كانت مدحاً من مؤمن صادق فعليه أن يشكر الله ، ويجعلها عاجل بشراه، لكن بشرط ألا يؤدي به ذلك إلى الغرور، وألا يؤدي به ذلك إلى العجب، وألا يؤدي به ذلك إلى الترفع على عباد الله ؛ بل قراءته للقرآن، وحفظه له، وتلاوته له، ينبغي أن يزيده خضوعاً لله وزهداً فيما عند الناس ورغبة فيما عند الله ﵎.
الأمر الرابع: أن يعمل بالقرآن؛ لأن فائدة التلاوة والقراءة تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: فضيلة التلاوة، وهو عبادة لله .
القسم الثاني -وهم المهم وهو الذي يؤثر حتى على القسم الأول هو-: العمل بما تقرأ وتتلو، ولهذا قال الله للرسول ﷺ : ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الزخرف:٤٣]، أي: استمسك به عملاً، واستمسك به اتباعاً، واستمسك به تحكيماً.
ويقول الله عن أولئك الذين يكتمون بعض آيات الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُوْلَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة:١٧٤]، فاحذر يا عبد الله! أن تكون ممن يقرأ القرآن ولكن لا يعمل به؛ بل اعمل بالقرآن، واحرص على العمل به، ولكن هذا جزء من تدبره وجزء من آثار تدبره، كما سيأتي.
الأمر الخامس: خطورة هجر القرآن العظيم، يقول الله : ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان:٣٠]؛ وهجر القرآن على أنواع: النوع الأول: هجر تلاوته والتعبد به، وهذا كثير، وهو ذو أثر خطير على الناس.
فلماذا تكثر المشاكل، وتكثر الأمراض النفسية؟! ولماذا يغلبنا الهوى؟! ولماذا نحس بضعف الإيمان؟! إن هذه الأمور من أسبابها الكبار هجر كتاب الله ، أي: هجر تلاوته والتعبد به، ولو تعلق قلب المؤمن بهذا القرآن يتلوه كل يوم لأثر في قلبه، ولأثر على أفعاله، ولأثر في كل تصرف من تصرفاته.
النوع الثاني من الهجر -وهو أخطرها-: هجر العمل به وتحكيمه، ومن المؤسف حقاً أننا نجد المسلمين اليوم إلا ما عصم ربي قد هجروا كتاب الله، أي: هجروا الحكم به؛ وكم من بلد ينتسب إلى الإسلام اتخذ كتاب الله وراءه ظهرياً، واستبدل به قوانين وأنظمة البشر في جميع شئون الحياة، أو في غالب شئون الحياة، ويدعوهم الداعون المخلصون ويقولون لهم: هلموا إلى تحكيم كتاب الله، وإلى تطبيق شريعة الله، فإن العزة والنصر من الله، وإن الاستقلال من التبعية لأعدائنا، وإن نصرنا وتغير أحوالنا، ونزول البركات على مجتمعاتنا؛ إنما يكون بتحكيم هذا القرآن العظيم، ويصرخ الدعاة إلى الله ولكن يا للأسف! لا يستمع إليهم من بيده الأمر، إلا ما عصم ربي، بل مما يجعل في النفس حزازة وأي حزازة ألا يشكر هؤلاء الدعاة، وألا يقال لهم: جزاكم الله خيراً.
وإنما يقابلون بالحرب والتشريد والسجون، ويقال لهم: أنتم أصوليون إرهابيون وأنتم وأنتم وأنتم! حقاً إن مما يؤسف له أن كثيراً من بلاد المسلمين هجروا كتاب الله وتحكيمه، فجاءت نظمهم ودساتيرهم وأحكامهم في الحدود وفي مسائل الاقتصاد والعلاقات الاجتماعية والسياسية وغيرها لا ترجع إلى كتاب الله ، وإنما تعتمد على أنظمة وأعراف وقوانين البشر! إذاً: أيها الإخوة في الله! الأمة الإسلامية أصيبت بمصيبتين: إحداهما: هجر كتاب الله وتلاوته إلا ما عصم الله، والثانية: هجر الحكم به والعمل به إلا ما عصم الله.
الأمر الثالث من أنواع هجره وهو تابع للأمرين السابقين: هجر التأدب به والتخلق بأخلاقه، فالقرآن العظيم كان خلق رسول الله ﷺ ، ولهذا كانت حياته ﵊ حياة المؤمن الصادق في كل قولة أو فعلة أو كلمة أو ذهاب أو مجيء أو إلى آخره.
فكان ﵊ في جميع أموره متخلقاً بخلق القرآن، ومتأدباً بأدب القرآن، وكذلك كان أصحابه ﵃، فإن مما يؤسف له أن يهجر كثير من المسلمين التخلق بأخلاق القرآن وآدابه.
الأمر السابع: وجوب تدبر القرآن العظيم، وتدبر القرآن العظيم جاءت فيه أكثر من آية، يقول الله : ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء:٨٢].
ويقول ﵎ في آية أخرى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤].
стр. 555
الأمور المعينة على تدبر القرآن
تدبر القرآن مهم جداً، ولهذا فإن مما يعين على تدبر القرآن أمور ثلاثة: الأمر الأول: طهارة القلب من الكبر والهوى والتكذيب والتعلق بغير الله ، فطهارة القلب من هذه الأمور يجعل الإنسان حينما يقرأ القرآن يستفيد منه ويتدبره، يقول الله في كتابه العزيز: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ [الأعراف:١٤٦].
الأمر الثاني: طهارة ظاهر البدن، وذلك بأن يقرأ القرآن وهو على طهارة غير محدث، وأن يقرأ القرآن في المكان الطيب وهو متوضئ؛ فإن ذلك أجمع لقراءة القرآن وتفهمه وتدبره.
الأمر الثالث: الإنصات، فلابد من الإنصات تعظيماً وهيبة وتدبراً للقرآن العظيم.
الأمر الرابع: الخشوع عند تلاوة القرآن، والحقيقة أن مما يؤسف له أن الناس في رمضان يبكون ويخشعون في دعاء الوتر، ولكنهم لا يبكون ولا يخشعون وهم يسمعون تلك الآيات العظيمة تتلى عليهم، فيجب أن نبحث عن السبب -وقد يكون هناك أكثر من سبب- هو: أن منزلة القرآن في نفوسنا ليست عظيمة، ولو عظمنا هذا القرآن حق تعظيمه وتفهمناه وتدبرناه حق التدبر لخشعت له قلوبنا، يقول الله : ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر:٢١]، فلماذا لا تخشع قلوبنا؟ أما إذا جاء عند الدعاء وسؤال المغفرة والإقرار بالذنب والخوف من الموت ومن القدوم على الله فإن من الطبيعي أن تخشع النفس، وليس هذا بغريب، لكن الغريب أن تخشع عند الدعاء ولا تخشع عند قراءة القرآن وسماع الآيات الكريمة.
стр. 556
الأمور المعينة على الخشوع في القرآن الكريم
مما يعين على الخشوع في القرآن عدة أمور: أولها: تطهير النفس من الذنوب؛ فإنها تثقل النفس وتكدرها فلا تتدبر ولا تخشع.
الثاني: الكسب الحلال؛ فإنه يصفي النفس والجسم.
الثالث: العلم بما يتلى؛ فإن الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، فإذا عرف الإنسان معاني الآيات وأسباب النزول وما جرى فيها وتدبر ذلك فإنه عند تلاوة القرآن يتأثر؛ لأنه يعلم.
ثم إن العمل بالقرآن يؤدي إلى الخشوع، فالعمل بالقرآن سبب للخشوع ونتيجة للخشوع، فمن عمل بالقرآن وصار مؤمناً تقياً، يعمل الصالحات، ويجتنب المحارم، وصار مؤمناً يتأدب بأدب القرآن فلابد أن يخشع، ولابد أن يتأثر.
стр. 557
أحوال السلف عند قراءة القرآن
السلف الصالح رحمهم الله تعالى كانت لهم أحوال عند قراءة القرآن: فعن عبد الله بن عروة بن الزبير قال: قلت لجدتي أسماء بنت أبي بكر: كيف كان أصحاب رسول الله ﷺ إذا سمعوا القرآن؟ فقالت: (تدمع أعينهم، وتقشعر جلودهم، كما نعتهم الله).
وقال قتادة رحمه الله تعالى: ما أكلت الكراث منذ قرأت القرآن.
أي: تعظيماً للقرآن الكريم، وإن هذه والله للطيفة من قتادة الإمام التابعي رحمه الله تعالى.
وقال رجل لـ سليم بن عيسى المقرئ: جئتك لأقرأ عليك القرآن، جئتك لأقرأ عليك التحقيق.
فقال سليم: يا ابن أخي! شهدت حمزة -ويقصد به حمزة بن حبيب الزيات أحد القراء السبعة المتوفى سنة ١٥٦هـ- وأتاه رجل في مثل هذا فبكى، وقال: يا ابن أخي! التحقيق: صون القرآن، فإن صنته فقد حققته.
стр. 558
نماذج من أحوال بعض حملة القرآن المعاصرين
لقد كان لحملة القرآن في عصرنا الحديث نماذج، وسأذكر نموذجين لبعض الأحوال: أحدهما يتعلق برجل صالح من عباد الله، نحسبه والله حسيبه، ولا نزكي على الله أحداً، والثاني يتعلق ببهيمة من البهائم.
أما القصة الأولى المتعلقة بذلك الرجل الصالح فقد حدثني فيها من أثق به قال: كانوا قديماً يقرءون القرآن في ليالي رمضان، وكانوا في العشر الأواخر منه لا يكادون ينامون، بل كانوا يحييون الليل، قال: وكان من عادتهم أنهم في ليالي العشر الأواخر من رمضان يقومون الليل، فإذا جاءت صلاة الفجر لا يطيل الإمام القراءة، وإنما يقرأ عليهم سورة وسطى من القرآن؛ لأنهم متعبون، ويريدون أن يرجعوا ليستريحوا قليلاً، وفي إحدى صلوات الفجر في العشر الأواخر من رمضان قام الإمام ليصلي بالناس فأطال القراءة، بدأ بسورة طويلة واستمر يقرأ ويقرأ ويقرأ، وكأنه في قيام الليل، وركع وأتى بالركعة الثانية وأيضاً أطال القراءة حتى أسفروا جداً وكادت تطلع الشمس، فلما سلم، قال له بعض أحبابه: يا فلان! لقد أطلت علينا اليوم القراءة! فاستيقظ وقال لهم: هل أنا أطلت القراءة؟ قالوا: نعم.
قال: سبحان الله! والله! لقد نمت وأنا أقرأ القرآن! أي: أنه نام ونسي أنه في صلاة الفجر، وصار يقرأ القرآن وهو نائم أو بين النائم واليقظان، أرأيتم كيف عمروا قلوبهم بالقرآن؟! فهل رأيتم إنساناً يقرأ القرآن وهو نائم؟! أما القصة الثانية: فلقد كان هناك جماعة كانوا مسافرين، وكان معهم عدد كبير جداً من الإبل، وكانوا يسرون في الليل، قال أحدهم: وكانت عندي ناقة هزيلة، دائماً هي في المؤخرة، ولا ألحق بأصحابي إلا بعدما ينزلون، قال: فأخذ واحد من القراء يقرأ القرآن وهو راكب ناقته في جوف الليل، ورفع صوته بالقراءة، قال: فصرت أنا أسمع القراءة من بعيد؛ لأنني كنت بعيداً منهم، ثم أحسست بأن ناقتي تنشط شيئاً فشيئاً، وتعجبت لنشاطها، قال: وإذا بها تقدم شيئاً فشيئاً، وتعجبت من أمرها إلى أين ذاهبة! وتعجبت من نشاطها وهي هزيلة! قال: وما زالت تقدم شيئاً فشيئاً حتى جاءت إلى الناقة التي فيها القارئ فوضعت رقبتها على رقبة الناقة وصارا يسيران سوياً، وصدق الله القائل: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر:٢١].
أيها الإخوة المؤمنون! يجب أن نعرف قدر هذا القرآن العظيم؛ فنحن في زمن المهلة يجب علينا أن نستغلها بقراءة القرآن والعمل بالقرآن.
стр. 559
مسائل هامة لقارئ القرآن
وأختم هذه الكلمة بذكر بعض الملحوظات، خاصة ونحن بعد أيام قليلة نستقبل شهر رمضان، فأقول: إن مما يلاحظ عدة أمور:
стр. 560
قراءة القرآن الكريم قراءة سليمة
أولها: ضعف كثير من الناس في تلاوتهم للقرآن العظيم، وإنك لتعجب أن يجلس بجانبك إنسان -وهذا على مختلف الأعمار- يقرأ القرآن فيلحن لحناً عجيباً! حتى تضيق، فإن صححت له أخطاءه شغلك ولم يعدل؛ لأنه مستمر في أخطائه، وإن تركته أتعبك نفسياً وأنت تسمع لهذا اللحن العجيب، مع أننا في بلاد -والحمد لله- وفقها الله بوجود كثير من القراء والحفظة والمدارس، فالمساجد -والحمد لله- في كل قرية ومدينة، سواء كانت مما يشرف عليها الجمعيات الخيرية أو غيرها، وأغلبها يدرس فيها كلام الله ، ولكن للأسف أنه يصلي في المسجد صفان أو ثلاثة، ثم بعد ذلك تجد هذين الصفين يكاد يكون نصفهم عامة، أو قراءتهم للقرآن ضعيفة، ثم لا تجد المقرئ في المسجد يجلس عنده أحد، وما رأيت واحداً من هؤلاء يجلس ويقول: أريد أن أقرأ عليك القرآن، حتى ولو تلاوة لا حفظاً إذا كان لا يستطيع، حتى تصبح ممن يتلوه تلاوة صحيحة؛ فيفقه معناه ويتأثر به.
فيا أيها الإخوة الآباء! ويا أيتها الأمهات! ويا أيها الإخوة الشباب والكهول والشيوخ! عليكم ألا تحتقروا هذه المسألة العظيمة، بل عليك أن تجلس لقارئ القرآن فتقرأ ليعدل أخطاءك، فاجلس واقرأ القرآن، فلقد كان سلفنا الصالح رحمهم الله تعالى يقرءون القرآن ويتدبرونه على مقرئين؛ حتى تكون قراءتهم له سليمة، ولهذا تجد بعض الناس يقرأ القرآن -مع أنه عامي- قراءة ممتازة، فتسأله: كيف كانت قراءتك صحيحة وسليمة وأنت لا تقرأ ولا تكتب إلا القرآن تستطيع قراءته؟ فيقول: الحمد لله لقد قرأناه على الشيخ فلان أو الشيخ فلان.
стр. 561
تدبر الآيات عند التلاوة
الأمر الثاني: مما يلاحظ أن كثيراً من الناس يحرص في رمضان على كثرة الختمات، وينسى التدبر بالآيات، حتى إنه أحياناً يقرأ الآيات تلو الآيات وقلبه غافل.
فيا أيها الإخوة! أحضروا قلوبكم وأنتم تقرءون القرآن، واتلوه وأنتم حاضرو القلوب؛ فإن ذلك مما يزيد في إيمانكم ومما يزيد في تفهمكم ومما يزيد أجركم.
стр. 562
استمرار تلاوة القرآن طيلة شهر رمضان
الأمر الثالث: أيضاً مما يلاحظ أن الناس ينشطون في الأيام الأولى في رمضان لقراءة القرآن، ثم يفترون ويضعفون، فحين تأتي في اليوم الأول والثاني تجد المسجد ضاجاً بقراء القرآن، وتجد الناس يجلسون ويقرءون، ثم لا يزالون يتناقصون، حتى لا يبقى في النهاية إلا عدد قليل، وهذا مؤشر محزن؛ إذ كيف تمل القراءة؟! وكيف تمل قراءة القرآن يا عبد الله؟! فهي أيام يسيرة ستمضي، ورمضان إن أدركت أوله قد لا تدرك آخره، وإن أدركت هذا الشهر من رمضان فقد لا تدرك رمضان القادم.
فيا أخي! احرص كل الحرص على استغلال وقتك في قراءة القرآن وتلاوته.
стр. 563
قراءة القرآن في ليالي رمضان
الأمر الرابع: أن كثيراً من الناس يقرأ القرآن في نهار رمضان ولا يقرأه في الليل في رمضان؛ لأنه صائم متعب يقرأ القرآن، فإذا جاء الليل أمضى ليله في الحديث والسمر والسهر، والله تعالى يقول: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ [المزمل:٦] فاحرص يا عبد الله! أن يكون لك في الليل قراءة، خاصة في آخر الليل وفي الأسحار، ولابد أن تقرأ القرآن وأن تحفظه وأن تتلوه وأنت نشيط، ولا تجعل نشاطك للكلام الذي لا ينفع وفي وقت صومك وتعبك لقراءة القرآن.
стр. 564
تقسيم الوقت في حفظ القرآن ومراجعته
الأمر الخامس: بعض الإخوة الشباب يسألون: كيف أقضي وقتي في رمضان؟ هل أقضيه في حفظ القرآن ومراجعته أم في تلاوة القرآن؟ وأيهما أقدم؟ فأقول: إن هذا سؤال مهم جداً، ولا شك أن كثرة قراءة القرآن مع التدبر مطلوبة؛ لأنها تزيد في رفع الدرجة، لكن أيضاً تفهم القرآن وحفظه وتدبر معانيه مطلوب أيضاً؛ لأنه يزيدك مهارة في القرآن، ومن هنا فإنني أقول: بالنسبة للإنسان الحريص على الأمرين جميعاً الأولى له أن يقسم وقته قسمين: القسم الأول: حال النشاط مثل آخر الليل أو بعد الفجر، فهذه الحالة يخصصها لحفظ القرآن ومذاكرته.
القسم الثاني: الحال التي يكون فيها عنده بعض التعب، وفي هذه الحالة يجعلها لتلاوة القرآن مثل آخر النهار أو بعد الظهر أو نحو ذلك.
أسأل الله أن يجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وجلاء همومنا وغمومنا، كما نسأله أن يوفقنا لتلاوته وحفظه والعمل به، كما أسأله ﵎ أن يوفق الأمة الإسلامية لأن تعمل بكتاب ربها وأن تحكمه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
стр. 565
الأسئلة
следующие страницы →