← Джавами‘

Джавами‘ · id 7739

دروس للشيخ عبد الرحمن المحمود

عبد الرحمن بن صالح المحمود

Полный текст (616 стр.). Показаны 596–616 · переход к 601.

стр. 596

حكم من يغلبها البكاء والصياح عند المصيبة السؤال أنا امرأة إذا مات أحد من أقاربي لا أتمالك نفسي، وأرفع صوتي بالصياح، وقد يغمى علي، وأعرف أن هذا لا يجوز، ولكني لا أملك نفسي، فهل علي شيء؟ وهل يعذب الميت في قبره بسببي أرجو إفادتي؟ الجواب إذا كان كما ذكرت أنك لا تملكين نفسك، وأنك منكرة لذلك بقلبك قبل وبعد، إلى حد أنه يصل إلى الإغماء، فنرجو إن شاء الله أنه ليس عليك بذلك شيء؛ لكن روضي نفسك على أن تتبعي السنة في الصبر على أقدار الله تعالى، وما لا يملكه الإنسان من البكاء، فإن البكاء جائز، أما أن يتحول إلى رفع الصوت فإنه نياحة محرمة، فروضي نفسك على اتباع السنة وفقك الله.

стр. 597

حكم بدء الكفار بالسلام والابتسامة لهم السؤال هل يجوز أن نبدأ الكفار بالسلام؟ وإذا سلموا علينا فهل نرد عليهم؟ وهل لنا أن نبتسم لهم ونتودد إليهم؟ خاصة إذا كانت هناك علاقة عمل كبناء دار أو في شركة ونحوها، وهل يؤثر ذلك في عقيدتنا؟ الجواب الثابت أنه لا يجوز بدؤهم بالسلام، وإذا سلموا فيرد عليهم، فإن كان تسليمهم بالسلام فيقال: وعليكم، وإن كان تسليمهم بغيره فلا بأس بالرد، فلو قال: صبحك الله بالخير مثلاً، فترد عليه بمثلها داعياً له بالهداية، كما كان السلف رحمهم الله تعالى يصنعون هذا؛ أما بدؤهم بالسلام فإن الله هو السلام، ولا يلقى هذا إلا على المؤمنين، وكذلك أيضاً لا يجوز للإنسان أن يبتسم في وجوههم ابتداء، وينبغي للإنسان أن يجعل علاقته بهؤلاء منطلقها علاقة دعوة، وإذا كان ذلك جاز الكلام وجازت الابتسامة أحياناً؛ لأجل الدعوة، والرسول ﷺ أكل الطعام عند اليهود، ومن غير المعقول أن يكون الرسول أكل طعامه وهو صامت عابس بوجهه، والناس في هذا الباب يجب عليهم أن يتقوا الله في هؤلاء، وينبغي أن تعلموا أن إظهار عزة المؤمنين للكفار هو منهج دعوي، بعض الناس يقول: ينبغي لنا أن نضحك في وجوههم ونتودد حتى ندعوهم إلى الإسلام، فنقول: إذا احترمناهم وقدرناهم ورغبناهم وربما قدمناهم على غيرهم، فلماذا سوف يدخلون في الإسلام؟! لماذا سيدخل في الإسلام وهو إذا كان كافراً صار أعز منه إذا كان مسلماً في موازين الناس؟! لذلك كان من شريعة الله أن الذمي يعطي الجزية عن يد وهو صاغر، ويلبس لباساً خاصاً، كما كان موجوداً في زمن الدولة الإسلامية، وإلى سنوات قريبة مضت في بعض البلاد الإسلامية، حتى يشعر أنه ذمي، ومتى يخرج من الإهانة؟ يخرج من الإهانة إذا دخل في الإسلام، فأنت كأنك تقول له: ستبقى بين المسلمين لا عزة لك إلا إذا دخلت الإسلام، لكن نعوذ بالله في هذه الأيام اختلت الموازين، فصار إذا جاء من بلاد الكفر وهو كافر نصراني أو غير نصراني قدمناه وقربناه، فكأننا نقول له: بقاؤك على الكفر أعز لك من الإسلام! أرأيتم كيف أن حال المسلمين أنهم يصدون عن دين الله وهم لا يشعرون! نسأل الله العافية.

стр. 598

التحذير من ظاهرة حب الكفار والتعلق بهم السؤال يكثر في هذا الزمن التعلق بالكفار، واعتقاد أن بيدهم المنفعة والمضرة، وحبهم بحجة أن عندهم إنسانية وإنصافاً، وكذلك حب بعض الشباب وتعلقهم باللاعبين الكفار والتشبه بهم، وحب التسمية بهم، نريد كلمة في ذلك. الجواب سبق الإشارة إلى هذا الأمر، لكن التعلق بالكفار في الأزمنة الأخيرة عم وطم، وشمل كثيراً من الناس، وهذا يؤذن بوضع خطير في حياة الأمة، لماذا التعلق بالكفار؟ هؤلاء الكفار عندهم إنسانية؟! سبحان الله! والله إن تاريخ الحضارة الحديث في هذه السنوات مليء بأبشع أنواع اللاإنسانية عند هؤلاء الغرب الكفرة، لكن ماذا نقول للبلهاء؟! وماذا نقول لوسائل الإعلام التي صورت هؤلاء الكفرة بصور الأبطال؟ وبصور المنقذين للأمم أمنياً واقتصادياً وسياسياً؟! أيها الإخوة! إن الركوع أمام اليهود والاستسلام لليهود أمنياً واقتصادياً وعسكرياً صار بطولة في هذه الأيام، ومتى كان أحفاد القردة والخنازير فيهم خير لنا نحن المسلمين؟! متى كان ذلك؟! والله ما كان ولن يكون، وإنهم الآن يخططون لما هو أعظم وأعظم، واليهود يريدون من مرحلة السلام أن تكون مرحلة الاستسلام الفكري والثقافي والعقدي لشباب المسلمين، وأسر ومجتمعات المسلمين، هذه هي قيمة السلام التي يخطط لها أعداؤنا اليهود، إنهم يخططون للاقتصاد للهيمنة العسكرية للهيمنة المائية لغيرها، لكن قبل ذلك يخططون لحرب هذا الإسلام، فيأتي بصورة حرب أصولية، يحاربون الإسلام الحق -عقيدة الولاء والبراء- باسم الأصولية، ولكن نقول: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال:٣٠]. إن المشكلة فينا نحن أيها الإخوة! وإلا فلو عدنا إلى ديننا وعقيدتنا، وربينا أسرنا وأنفسنا ومجتمعاتنا على العقيدة الصحيحة، والله لن يضرنا يهود ولا أذناب يهود؛ لأن الله معنا، قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ﴾ [غافر:٥١] إن الله هو ناصر رسله وعباده المؤمنين، لكن إذا عصينا الله وتخاذلنا فمن سوف ينصرنا؟ ما عندنا قوى مادية، أعداؤنا أقوى منا مادياً، فإذا بقينا بدون نصر من الله تساوينا نحن وإياهم في الجوانب المادية فانتصروا علينا، وهذه سنة الله في الحياة، فلماذا التعلق بالكفار وهم كفار؟! والله يبين لنا في كتابه العزيز في آيات بينات أصولاً عظيمة في هذا الباب، يقول ﵎: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة:١٢٠]، ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنفُسِهِمْ﴾ [البقرة:١٠٩]، هذا ليس كلامي، ولا كلام مفكر، ولا عملاق، ولا كلام أحد من رجالات الفكر أو الإعلام أو غيرهم، إنه كلام ربنا ﵎، حقيقة من حقائق الإيمان والتوحيد، وحقائق الصراع بين الأمم، حقيقة كبرى أن هؤلاء الكفار لا يريدون إلا أن نرجع كفاراً فنكون نحن وإياهم سواءً، فهل نقبل؟ هل نقبل أيها الإخوة هذا؟ نعم إنها المسئولية يتحملها الجميع. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 599

نحن أحق بموسى منكم [١] إن أولى الناس بالأنبياء هو من اتبع ما جاءوا به من الحق المبين، واقتفى آثارهم فيما يرضي رب العالمين، فمن كان كذلك فهو حقيق أن ينتسب إليهم، وأن ينال شرف ذلك، والانتساب إلى الأنبياء والرسل ﵈ ليس بالتمني ولا بالتحلي ولا بالدعاوى الكاذبة، بل هو قول وعمل.

стр. 600

أخوة الأنبياء ﵈ إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: روى البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: كان يوم عاشوراء يوماً تعظمه اليهود وتتخذه عيداً، فقال رسول الله ﷺ : (صوموه أنتم). وفي رواية: (كان أهل خيبر يصومون يوم عاشوراء يتخذونه عيداً، ويُلبسون نساءهم فيه حليهم وشارتهم) أي: زينتهم وعلاماتهم، فقال رسول الله ﷺ : (فصوموه أنتم). وروى الشيخان أيضاً عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: (قدم رسول الله ﷺ المدينة فرأى اليهود تصوم عاشوراء فقال: ما هذا؟! قالوا: هذا يوم صالح نجى الله فيه موسى وبني إسرائيل من عدوهم، فصامه، فقال ﷺ : أنا أحق بموسى منكم) فصامه ﷺ ، وأمر بصيامه. وفي رواية: فقال لهم: (ما هذا اليوم الذي تصومونه؟! قالوا: هذا يوم عظيم أنجى الله فيه موسى وقومه، وأغرق فيه فرعون وقومه، فصامه موسى شكراً فنحن نصومه، فقال رسول الله ﷺ : فنحن أحق وأولى بموسى منكم فصامه رسول الله ﵌، وأمر بصيامه). وفي رواية لـ أبي داود: (حين صام رسول الله ﷺ يوم عاشوراء وأمر بصيامه قالوا: يا رسول الله! إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى، فقال رسول الله ﷺ : فإذا كان العام القادم -إن شاء الله- صمت اليوم التاسع، فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله ﷺ . قال العلماء: المعنى: لأصومن التاسع مع العاشر؛ مخالفة لليهود. أيها الإخوة في الله! وقفتنا في مناسبة عاشوراء ومشروعية صيامه لا تختص بهذا اليوم، وإنما تمتد لتقعد قاعدة من قواعد الصراع العقدي بين الإسلام وغيره من الملل والنحل. وقفة مع قول الهادي البشير ﷺ لما رأى اليهود تصوم يوم عاشوراء؛ لأن الله نجى فيه موسى ومن معه: (نحن أحق وأولى بموسى منكم). إن هذا الحديث -وغيره من أدلة الكتاب والسنة- يدل على عدد من القواعد والأصول، وسنقف عند بعضها هذا اليوم.

стр. 601

أخوة الأنبياء في العقيدة العقيدة تجمع الأنبياء والرسل جميعاً، فهم على عقيدة واحدة تقوم على عبادة الله وحده لا شريك له وإن اختلفت شرائعهم، وشريعة كل نبي تبع لهذه العقيدة ومنبثقة منها، ولا تصح العقيدة لأي قوم إلا باتباع الشريعة التي جاء بها نبيهم، ومن ثم قال كل نبي لقومه كما أخبر الله: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ﴾ [نوح:٣]، فالتلازم بين الشريعة والعقيدة جاء به جميع الرسل عليهم الصلاة والسلام بلا استثناء.

стр. 602

عدم جواز التفريق بين الأنبياء ﵈ الأنبياء أخوة فيما بينهم، ونحن المسلمين أتباع محمد ﷺ نؤمن بهم جميعاً دون استثناء، ودون أن نفرق بينهم كما قال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة:٢٨٥]. أما من فرق بين الرسل فإنه كافر كائناً من كان، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا * أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا * وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُوْلَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء:١٥٠ - ١٥٢].

стр. 603

صور من أخوة الأنبياء فيما بينهم لقد علمنا رسول الله ﷺ عليه وسلم كيف تكون مدرسة الأنبياء واحدة، وهذه وقفات نقفها مع رسول الله ﷺ وإخوانه من الأنبياء: أولاً: روى البخاري في صحيحه عن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (يجيء نوح وأمته فيقول الله تعالى له: هل بلغت؟ فيقول: نعم أي رب! فيقول لأمته: هل بلغكم؟ فيقولون: لا ما جاءنا من نبي، فيقول لنوح: من يشهد لك؟ فيقول نوح: محمد ﷺ وأمته، قال ﷺ : فنشهد أنه بلغ، وهو قول الله جل ذكره: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة:١٤٣])، فآخر نبي وأمته يشهدون لأول الرسل نوح أنه بلغ الرسالة، وأدى الأمانة. ثانياً: لقد كان ﷺ يدافع عن إخوانه الأنبياء، ويبرئهم مما رموا به، فعن ابن عباس ﵄ قال: (دخل النبي ﷺ البيت -أي: الكعبة- فوجد فيه صورة إبراهيم وصورة مريم، فقال ﷺ : أما هم فقد سمعوا أن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه صورة، وهذا إبراهيم مصور، فماله يستقسم؟!) رواه البخاري. وفي رواية أخرى له أن النبي ﷺ لما رأى الصور في البيت لم يدخل حتى أمر بها فمحيت، ورأى إبراهيم وإسماعيل ﵉ بأيديهما الأزلام فقال: (قاتلهم الله! والله! إن استقسما بالأزلام قط) أي: ما استقسما بالأزلام قط. ثالثاً: لما سئل رسول الله ﷺ : (من أكرم الناس؟ قال: أتقاهم، فقالوا: ليس عن هذا نسألك، قال: فيوسف نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله، قالوا: ليس عن هذا نسألك. قال: فعن معادن العرب تسألون؟ خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا). فهذه شهادة من نبينا الكريم بأن أتقى الناس يوسف ابن نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله، الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم كما ثبت ذلك أيضاً في الصحيح عن النبي ﷺ . وهكذا تكون مدرسة الأنبياء جميعاً مدرسة واحدة. رابعاً: أمر النبي ﷺ أصحابه وأمته من بعدهم بقتل الوزغ كما في صحيح البخاري أنه قال: (إنه كان ينفخ على إبراهيم ﵇ أي: أنه كان ينفخ عليه حين ألقي في النار؛ لتزداد النار عليه إيقاداً. وقد روى الإمام أحمد وابن ماجة: (أن إبراهيم لما ألقي في النار لم يكن في الأرض دابة إلا أطفأت عنه إلا الوزغ فإنها كانت تنفخ عليه، فأمر النبي ﷺ بقتلها). فتأملوا هذا الحكم الشرعي: مشروعية قتل الوزغ، وتأملوا العلة؛ لأنه كان ينفخ على إبراهيم، فأي آصرة هذه التي تجمع بين أنبياء الله جميعاً عليهم أفضل الصلاة والتسليم؟! وصدق رسول الله ﷺ حين قال عن موسى: (نحن أحق بموسى منكم). خامساً: رسول الله ﷺ يربط بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى، فعن أبي ذر ﵁ قال: (قلت: يا رسول الله! أي مسجد وضع في الأرض أول؟ قال: المسجد الحرام، قال: قلت: ثم أي؟ قال: المسجد الأقصى، فقلت: كم كان بينهما؟ قال: أربعون سنة، ثم أينما أدركتك الصلاة بعدُ فصله، فإن الفضل فيه). رواه البخاري. وعلى هذا فبناء سليمان ﵇ لبيت المقدس إنما هو تجديد لمسجدٍ بُني قبله، وليس كبناء إبراهيم ﵊ للكعبة. وهكذا تتفق مدرسة الأنبياء، فهي مدرسة عقيدة واحدة تتبعها شريعة يأتي بها كل نبي، فكل شريعة أتى بها نبي فهي تابعة لعقيدته، حتى ختمت الشرائع بشريعة محمد ﷺ ، فصار لا يقبل من أي أحد شريعة إلا الشريعة التي جاء بها محمد ﵊. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل الكريم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 604

امتداح النبي ﷺ ليوسف ﵇ بالتقوى والصبر الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن سار على نهجهم، واهتدى بهداهم إلى يوم الدين. وبعد: وتستمر هذه المدرسة. سادساً: ويمتدح النبي ﷺ موقفاً عظيماً من مواقف يوسف ﵊ وهو في السجن، حيث إنه ﵊ سجن ظلماً بمكيدة امرأة العزيز التي راودته عن نفسه، وصرحت للنسوة اللاتي تحدثن عنها، فاحتالت عليهن حتى رأينه فقطعن أيديهن، وقالت لهن بعد ذلك كما ذكر الله عنها: ﴿قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ * قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ [يوسف:٣٢ - ٣٣] فسجنوه، ومكث في السجن بضع سنين، وجرى له في السجن مع بقية المسجونين ما قصه الله علينا، ثم رأى ملك مصر رؤياه وطلب تعبيرها، فتذكر أحد أصحاب يوسف الذين خرجوا من السجن يوسف وتعبيره للرؤى، فطلب مقابلته في السجن، فقابله وعبر له رؤيا الملك، وكان تعبيره لها ذا أثر عظيم في اقتصاد مصر في ذلك الوقت لسنين طويلة، فأعجب الملك هذا التعبير للرؤيا وأمر بالإفراج عنه، بل وأمر أن يأتوا به إليه ليقابله فوراً، قال تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ﴾ [يوسف:٥٠]، لكن هيهات أن يقبل يوسف الخروج من السجن إلا بعد أن تكشف الحقيقة في سبب سجنه؛ لأن المعلن للناس أمر عظيم يتعلق بالعرض، حيث اتهم بمراودة امرأة العزيز، وسجن لأجل ذلك، ولهذا أبى يوسف أن يخرج مع أنه ذاق السجن وأهواله بضع سنين، قال الله تعالى عن يوسف: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ [يوسف:٥٠]، وإنما قال يوسف: ما بال النسوة؛ لأنهن شواهد على تصريح امرأة العزيز وكشفها للحقيقة أمامهن، حيث ذكرت لهن أنها راودته عن نفسه، وأنه استعصم عنها، وأنه إن لم ينفذ هذه الجريمة فسيكون مصيره السجن. واستدعى الملك النسوة، وكشفن الحقيقة كاملة كما قص الله ذلك، واعترفت امرأة العزيز بفعلتها واعتذرت، فلما كُشفت الحقيقة وظهرت براءة يوسف خرج يوسف ﵇ من السجن معززاً مكرماً، قال الله تعالى بعد ذلك: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾ [يوسف:٥٤] إلى آخر الآيات حيث مكن الله ليوسف كما هو معلوم من قصته. ولقد امتدح النبي ﷺ موقف يوسف ﵊ بأسلوب يدل على مبلغ التواضع الذي بلغه نبينا محمد ﷺ ، وبأسلوب يدل على امتداحه لهذا الموقف الكريم من يوسف ﵊، حيث أبى يوسف ﵇ أن يخرج من السجن إلا بعد إثبات البراءة، فقال النبي ﷺ كما روى عنه البخاري: (يرحم الله لوطاً! لقد كان يأوي إلى ركن شديد، ولو لبثت في السجن طول ما لبث يوسف لأجبت الداعي). قال ابن حجر ﵀: أي: لأسرعت الإجابة في الخروج من السجن، ولما قدمت طلب البراءة، فوصفه بشدة الصبر حيث لم يبادر بالخروج، وهذا قاله ﷺ تواضعاً.

стр. 605

امتداح النبي ﷺ لموسى ﵇ أما حديثه ﷺ عن موسى ﵊ فكثير، ومنه هذا الحديث الذي قاله ﷺ في صيام يوم عاشوراء: (نحن أحق بموسى منكم). ومن ذلك حديثه عن إيذاء بني إسرائيل له حين اتهموه بعيب في بدنه، قال ﷺ : (إن موسى كان رجلاً حيياً ستيراً لا يُرى من جلده شيئاً استحياءً منه، وآذاه من آذاه من بني إسرائيل فبرأه الله تعالى) وذكر بقية الحديث الذي رواه البخاري. ولما قسم النبي ﷺ في يوم من الأيام قسماً قال رجل: إن هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله، فلما أخبر عبد الله بن مسعود ﵄ رسول الله ﷺ بقول هذا القائل، قال عبد الله: فغضب رسول الله ﷺ حتى رأيت الغضب في وجهه ثم قال: (يرحم الله موسى! لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر)، فهذا اعتراض من منافق على قسمة قسمها رسول الله، وإنها لكلمة كبرى قالها هذا المنافق في محمد بن عبد الله ﷺ ، ولكنه يصبر ويتصبر، ويذكر إخوانه الصابرين من المرسلين، ومنهم موسى، والله تعالى يقول له: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف:٣٥]. وكم في هذه الأيام من معترض على شريعة الإسلام، وحدودها، وأحكامها، في تحريم الزنا، والربا، والقتل، وشرب الخمر، وفي تشريع الحجاب للمرأة المسلمة، وفي غيرها من أحكام الإسلام التي تشمل جميع نواحي الحياة. ويدافع النبي ﷺ عن أخيه موسى ﵇، ويمنع من تفضيله عليه إذا كان على وجه الحمية والعصبية وانتقاص المفضول، فقد روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال: (بينما يهودي يعرض سلعته أعطي بها شيئاً فقال: لا والذي اصطفى موسى على البشر! فسمعه رجل من الأنصار فلطم وجهه وقال: تقول: لا والذي اصطفى موسى على البشر والنبي ﷺ بين أظهرنا؟! فذهب إلى النبي ﷺ فقال: أبا القاسم! إن لي ذمة وعهداً، فما بال فلان لطم وجهي؟ فقال: لِمَ لطمت وجهه؟ فذكره، فغضب النبي ﷺ حتى رؤي الغضب في وجهه، ثم قال: لا تفضلوا بين أنبياء الله، فإنه ينفخ في الصور فيصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله، ثم ينفخ فيه أخرى فأكون أول من أبعث فإذا موسى آخذ بالعرش، فلا أدري أحوسب بصعقته يوم الطور أم بعث قبلي؟). فانظروا إلى هذا التواضع من نبي الهدى ﷺ ، وهذا الدفاع عن موسى كليم الله عليهم جميعاً أفضل الصلاة والتسليم. ولا شك أن الأنبياء يتفاضلون كما قال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٥٣]، ولا شك أن محمداً ﷺ أفضل الأولين والآخرين، وهو سيد ولد آدم، ولكن المفاضلة الخاصة بين نبيين إذا جاءت على وجه الحمية والعصبية والتنقص للمفضول فلا تجوز، والرسول ﷺ هنا يعلمنا دروساً تربوية كبرى، فهو ﵊ يعلم أصحابه كيف يكون احترام أنبياء الله ومعرفة منازلهم. وإن بغضنا لليهود أو النصارى لأجل كفرهم وشركهم، وتحريفهم لكتبهم، وكفرهم وتكذيبهم بمحمد ﷺ ؛ كل ذلك لا يجعلنا نتعدى أو نظلم فنتكلم بكلام قد يشم منه التنقص لأنبياء الله الصادقين. وتلك -والله- دروس تربوية من هذا النبي الكريم ﵊ تعلمنا كيف تكون مدرسة الأنبياء مدرسة واحدة. ولكن لماذا قال النبي ﷺ لليهود: (نحن أحق بموسى منكم؟) هذا ما سنعرض له إن شاء الله لاحقاً. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، اللهم دمر أعداء الدين، اللهم دمر أعداء الدين من اليهود والنصارى والوثنيين وأتباعهم يا رب العالمين! اللهم انصر عبادك الموحدين في مشارق الأرض ومغاربها، اللهم انصرهم على عدوك وعدوهم، اللهم انصرهم على عدوك وعدوهم. اللهم من أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بسوء فأشغله بنفسه، اللهم أشغله بنفسه، واجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميراً عليه يا سميع الدعاء! اللهم إنا نسألك أن توفقنا إلى الإيمان، اللهم إنا نسألك أن تثبتنا على الإيمان، اللهم أعذنا من الفتن، ما ظهر منها وما بطن، اللهم أصلح أولادنا، وبيوتنا، وجميع المسلمين يا رب العالمين! وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

стр. 606

نحن أحق بموسى منكم [٢] إن هذه الأمة يوم أن تؤمن بالله، وتأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، وتستقيم على أمر الله، فهنالك تكون أحق بالأنبياء من الأمم التي كذبتهم، وأعرضت عما جاءوا به. وإن الناظر في حال اليهود مع أنبيائهم ليرى عجباً! فقد عصوهم، واعترضوا على كثير مما جاءوا به، وطلبوا منهم ما لا يجوز طلبه، وأدى بهم الأمر إلى أن قتلوا بعضهم، وحرفوا دينهم؛ لذلك حلت عليهم اللعنة والغضب، فضرب الله عليهم الذلة والمسكنة، وفرقهم أمماً في بقاع الأرض، فمثل هؤلاء لا حق لهم بالانتساب إلى الأنبياء ﵈، إلا من آمن منهم بنبيه، وآمن بنبينا محمد خاتم الرسل ﵊.

стр. 607

أحقية النبي ﷺ وهذه الأمة بموسى من اليهود إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! موضوعنا في هذه الخطبة هو: لماذا كان رسول الله ﷺ وصحبه وأمته أحق بموسى من اليهود؟ وما الذي صنعه اليهود حتى لم يكونوا أهلاً للانتساب إلى نبي الله موسى وغيره من الأنبياء؟ إن اليهود الذين بعث فيهم رسول الله محمد ﷺ قد رفضوا الهدى بحجة اتباع الآباء والأجداد، فقد ورد أنه لما دعا رسول الله ﷺ اليهود إلى الإسلام ورغبهم فيه، وحذرهم من عذاب الله ونقمته، قال له رافع بن خارجة ومالك بن عوف -وهما من أحبار يهود بني قينقاع-: بل نتبع -يا محمد- ما وجدنا عليه آباءنا، فهم كانوا أعلم وخيراً منا، فأنزل الله تعالى فيهم: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة:١٧٠] فهذا هو التقليد الأعمى الذي يقوده الهوى والتعصب لقوميتهم وعرقهم، وهو التاريخ الممتد لهؤلاء اليهود منذ عهد يعقوب ﵇ وإلى أن يخرجوا مع الدجال حين يخرج، حيث يخرج معه سبعون ألفاً من يهود أصبهان كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح عن الصادق المصدوق ﷺ ، ويستثنى منهم المؤمنون الصادقون أتباع أنبيائهم، ومن آمن منهم بمحمد ﷺ واتبعه.

стр. 608

اليهود وكفرهم ومكرهم وما حل بهم حتى لا يطول بنا المقام -فالحديث عنهم طويل- نجيب عن التساؤل السابق بما يلي: أولاً: أن قول النبي ﷺ لليهود: (نحن أولى بموسى منكم) قائم على أدلة جاءته من ربه ﵎، فيها ذم اليهود، والحديث عن طبيعتهم، ومكرهم، وكيدهم، وكفرهم، وتكذيبهم بأنبيائهم، بل وقتلهم لهم إلى آخر ما ورد فيهم في كتاب رب العالمين الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد. فالعداء معهم ليس سببه قضية أو أزمة معينة إذا انتهت زال العداء، واسمعوا إلى قول الله تعالى عنهم: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأعراف:١٦٧] وهذا التأذن -وهو: الإعلام- مبني على ما علمه الله من طبيعة هؤلاء. يقول ابن كثير رحمه الله تعالى في هذه الآية: وفي قوة الكلام ما يفيد معنى القسم من هذه اللفظة؛ ولهذا تلقيت باللام في قوله: (لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ) أي: على اليهود (إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ) أي: بسبب عصيانهم ومخالفتهم أوامر الله وشرعه، واحتيالهم على المحارم، ويقال: إن موسى ﵇ ضرب عليهم الخراج سبع سنين، وقيل: ثلاث عشرة سنة، وكان أول من ضرب الخراج. ثم كانوا -أي: اليهود- في قهر الملوك من اليونانيين والكشدانيين والكلدانيين، ثم صاروا في قهر النصارى وإذلالهم إياهم، وأخذهم منهم الجزية والخراج. ثم جاء الإسلام ومحمد عليه أفضل الصلاة والسلام فكانوا تحت صغاره وذمته يؤدون الخراج والجزية. قال العوفي عن ابن عباس في تفسير هذه الآية: هي المسكنة وأخذ الجزية منهم. وقال علي بن أبي طلحة عنه -أي: عن ابن عباس -: هي الجزية، والذين يسومونهم سوء العذاب هم: محمد رسول الله ﷺ وأمته إلى يوم القيامة. قلت -القائل ابن كثير -: ثم آخر أمرهم أنهم يخرجون أنصاراً للدجال، فيقتلهم المسلمون مع عيسى بن مريم ﵇، وذلك آخر الزمان. فهذا خبر الله عن ملاحمنا مع اليهود، فهل نعي -أمة الإسلام- هذه الحقائق القرآنية التي لا يتطرق إليها شك ولا ريب أبداً؟!

стр. 609

خيرية هذه الأمة اسمعوا إلى هذه الآيات التي تبين الفرق بين أمة محمد ﷺ وبين أهل الكتاب من اليهود وغيرهم، وكيف يكون الصراع بينهم: قال الله ﵎ عن المؤمنين: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠] انظروا إلى هذا الوصف: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ * لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ * ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [آل عمران:١١٠ - ١١٢]. فخيرية هذه الأمة في نفسها، وخيريتها للناس حين تأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، وتؤمن بالله ﵎، ومن ثم فإن خيريتها المتعدية تصل حتى إلى أهل الكتاب، وإلى الكفار، وإلى غيرهم ممن يقع في أسر المسلمين؛ لأن أسرهم بيد المسلمين خير، فقد يكون سبباً لإسلامهم، روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) قال: (خير الناس للناس تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا في الإسلام)، ورواه البخاري مرفوعاً بلفظ: (عجب الله من قوم يدخلون الجنة بالسلاسل) قال العلماء: هؤلاء قوم كفار أسرهم المؤمنون المجاهدون في سبيل الله، فعرفوا بعد ذلك صحة الإسلام، فدخلوا فيه، فيدخلون في الجنة يوم القيامة، والسبب الأول أنهم أُتي بهم أسارى مقيدين. فأنتم خير أمة في أنفسكم حينما تؤمنون بالله، وتأمرون بالمعروف، وتنهون عن المنكر، ثم تنتقل هذه الخيرية لتتعدى إلى العالمين في مشارق الأرض ومغاربها، وهذا كان يوم كنا نقوم بما أمر الله، ونحقق مدلول هذه الآية. لقد انتقل المسلمون وعلى رأسهم الصحابة والتابعون إلى مشارق الأرض ومغاربها يبينون للناس، ويدلونهم إلى الهدى والحق حباً لنشر دين الله ورغبة في هداية الخلق أينما كانوا. فهذه هي أمة محمد ﷺ ، وأما أهل الكتاب فمن آمن منهم -وهم قلة- فهم إلى خير وفلاح، أما من فسق منهم وكفر -وهم الأكثرون- فقد كتب الله عليهم الهزيمة حين يقابلهم المؤمنون الصادقون، قال تعالى: (ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ) قال ابن عباس ﵄ وغيره: أي: بعهد من الله، وعهد من الناس. وقال ابن كثير ﵀: أي: ألزمهم الله الذلة والصغار أينما كانوا فلا يأمنون إلا (بحبل من الله) أي: بذمة من الله، وهو عقد الذمة، وضرب الجزية عليهم، وإلزامهم أحكام الملة، (وحبل من الناس) أي: أمان منهم لهم كما في المهادن والمعاهد والأسير إذا أمنه واحد من المسلمين ولو امرأة وكذا عبد على أحد قولي العلماء. (وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ) أي: ألزموا فالتزموا بغضب من الله، وهم يستحقونه. (وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ) أي: ألزموها قدراً وشرعاً؛ ولهذا قال: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ) أي: إنما حملهم على ذلك الكبر والبغي والحسد، فأعقبهم ذلك الذل والصغار والمسكنة أبداً متصلاً بذلة الآخرة. إن من يحارب الله ورسوله وعباده المؤمنين، فلابد أن يكتب الله عليهم الهزيمة والذلة والصغار، ولهذا عاش اليهود في ذلة وصغار، وسيعيشون -إن شاء الله- في ذلة وصغار إلى أن يقتلهم عيسى بن مريم ومن معه من أمة محمد ﷺ في آخر الزمان، حتى أن الشجر والحجر في تلك الملاحم لينطق ويقول: يا أيها المسلم! إن ورائي يهودياً فتعال فاقتله. لقد ابتلى الله تعالى اليهود بسبب خبثهم ففرقهم، قال الله تعالى عنهم: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَمًا﴾ [الأعراف:١٦٨]. أيها الإخوة المؤمنون! إن هذه الحقائق ثابتة لا تتغير أبداً؛ لأنها لم تستق من كلام بشر، ولا من معاهدة ولا من غيرها، وإنما استُقيت هذه الحقائق من كلام رب العالمين ﵎، وسواء منها ما يتعلق بدين الإسلام الذي لا يقبل الله من أحد سواه كائناً من كان، أو ما يتعلق بطبائع أهل الكتاب عموماً واليهود خصوصاً، فنحن -والحمد لله- أحق بموسى وداود وسليمان وعيسى وغيرهم من أنبياء الله ﵎ من هؤلاء الذين كفروا وأشركوا بالله ما لم ينزل به عليهم سلطاناً.

стр. 610

عصيان اليهود وانحرافهم مع وجود أنبيائهم بين أظهرهم إن اليهود قد برزت انحرافاتهم الخطيرة واعتراضاتهم على شرع الله وأمره حتى وأنبياؤهم بين ظهرانيهم! فكيف بهم بعد موت أنبيائهم، وتحريف أحبارهم ورهبانهم لكتب الله المنزلة عليهم؟! وهذه نماذج مختصرة أشير إليها مع أنكم تعلمونها، لكنها من باب الذكرى؛ لأننا في زمن نخاف فيه أن تتغير الحقائق. حينما نجى الله موسى وبني إسرائيل من فرعون الطاغية بمعجزة عظيمة باهرة، وهي تحويل البحر إلى يبس يمرون عليه، ثم إغراق فرعون بعد ذلك؛ طلب بنو إسرائيل من موسى حين رأوا قوماً يعبدون الأوثان أن يجعل لهم إلهاً كما لهؤلاء آلهة، ولكن موسى نصحهم وبين لهم عقيدة التوحيد وخطر الشرك، وبين لهم بطلان ما يفعله هؤلاء؛ فكفوا عن ذلك مؤقتاً، فلما غاب عنهم موسى لمناجاة ربه عند جبل الطور سرعان ما عبدوا العجل الذي صنعه لهم السامري. وهذا أمر عجيب! نبي الله بين أيديهم يأمرهم بالتوحيد، وينهاهم عن الشرك ويبينه لهم في قصة واقعية رأوها من هؤلاء القوم العاكفين على أصنام لهم، ثم يطلبون آلهة؟! ولكن سرعان ما نسوا هذا ليكونوا عبدة للعجل عندما غاب موسى عنهم، مع أن نبي الله هارون كان بين أظهرهم ﵊. وتعنتوا على موسى فقالوا له يوماً من الأيام: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة:٥٥] فأخذتهم الصاعقة بكفرهم، ثم بعثهم الله من بعد موتهم، ورجعوا إلى الطاعة. وقد كانوا أهل شهوة وعبادة مال، قالوا لموسى وقد منّ الله عليهم بأطيب الطعام المن والسلوى: ﴿لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ﴾ [البقرة:٦١] ماذا تريدون؟ يريدون البقل والفوم. ولما حرم الله عليهم صيد السمك يوم السبت احتالوا على ذلك بما قصه الله عنهم. ولما حرم الله عليهم الشحوم احتالوا فأذابوه وباعوه وأكلوا ثمنه. ولما سار بهم موسى إلى الأرض المقدسة لفتحها، وتقدموا إليها واستطلعوا أحوالها وأخبارها؛ قالوا لموسى: يا موسى! إن الأرض المقدسة تدر لبناً وعسلاً إلا أن سكانها من الجبارين. وأبوا الجهاد، بل قالوا -ويا عظم ما قالوا! -: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة:٢٤] فابتلاهم الله ﵎ بالتيه أربعين سنة يتيهون في الأرض، قيل: إنهم كانوا يسيرون يوماً وليلة أو أكثر يبحثون عن مكان أو مدينة يأوون إليها، فإذا انتبهوا وجدوا أنفسهم في مكانهم الأول. فهذه حالهم ونبي الله موسى ﵊ بين أظهرهم.

стр. 611

تعاظم انحراف اليهود بعد موت موسى ﵊ لقد استمرت انحرافاتهم الخطيرة، بل وعظمت وطمت بعد موسى ﵊، فقتلوا عدداً كبيراً من أنبيائهم قال الله تعالى عنهم: ﴿كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾ [المائدة:٧٠]، وممن قتلوا يحيى وزكريا ﵉، وآخر من حاولوا قتله عيسى الذي نجاه الله ورفعه، ومحمد ﷺ الذي نجاه الله منهم وسلمه. وحرفوا دين اليهودية والنصرانية، فأما تحريفهم لدين اليهود وللتوراة فأمر معلوم، وأما تحريفهم لدين النصارى فبسبب بولس الذي يعظمه النصارى إلى اليوم، وقد كان له الدور الأكبر في تحريف الديانة النصرانية وتحويلها إلى التثليث والشرك، وهو يهودي من الفريسيين، وكان من ألد أعداء عيسى ﵇، فلما رفع دخل بولس في النصرانية، وادعى أن عيسى أوحى إليه أن يدعو إلى الديانة المسيحية، فنشط في الدعوة إليها، وزعم أنه يتلقى التعاليم من عيسى ومن الله إلهاماً، وصار أحد الرسل السبعين الذين نزل عليهم روح القدس في اعتقاد النصارى، وصار بولس هذا معلماً لـ مرقس ولوقا صاحبي الأناجيل المعروفة المحرفة عند النصارى إلى اليوم، وهكذا بعد تحريف اليهود لديانتهم حرفوا الديانة والملة التي جاء بها رسولهم عيسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والتسليم.

стр. 612

من عجائب استدلالات اليهود من أعجب ما رأيت من تعلق اليهود بموسى وبما جاء به أمران: أحدهما: تعلقهم بما أخبر الله عنهم وامتن عليهم به من أن الله اصطفاهم على العالمين، فصاروا يزعمون أنهم شعب الله المختار، مع أن الله كتب عليهم الذلة والصغار وسوء العذاب إلى يوم القيامة، وإنما فضلهم الله تعالى على عالمي زمانهم فقط لما آمنوا واتبعوا موسى ﵊، وهكذا نشأت هذه العقيدة العرقية العنصرية عندهم تحريفاً وتكذيباً بما أخبر الله ﵎. الثاني: احتجاجهم على عنصريتهم لبني جنسهم، وجواز الاعتداء على غيرهم بقصة موسى حينما وكز المصري الفرعوني حين استنصر به الإسرائيلي الذي كان يختصم معه، فلما وكزه موسى قضى عليه، ولم يكن يقصد قتل الرجل وإنما أراد أن يدفع هذا الفرعوني عن الإسرائيلي بضربة تكفه عن الأذى، ولكن هذه الضربة -لقوة موسى- أدت إلى قتله، فلما رآه موسى قتيلاً ﴿قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ [القصص:١٥]، ثم أخذ يستغفر الله مما فعل، فغفر الله له، وكل ذلك كان قبل النبوة. لكن اليهود يحتجون بهذا على ما هو معروف من طبيعتهم ومواقفهم من غير اليهود، من جواز الاعتداء عليهم، وأكل أموالهم، وقتلهم ونحو ذلك، وليس هذا بغريب منهم فتلك طبيعتهم، وهذا منهجهم مع كتب الله، ومع أنبياء الله ورسله عليهم الصلاة والسلام.

стр. 613

موقف اليهود من نبينا محمد ﷺ أما موقفهم من صاحب الرسالة الخاتمة محمد ﷺ فهو معروف، فهم يعلمون علم اليقين أنه نبي ورسول إلى العالمين، ومع ذلك كفروا به، وآذوه، وحاربوه، وحاربوا أتباعه، ولا يزالون يحاربوهم. إن رسول الله ﷺ حينما يقول لليهود: (نحن أحق بموسى منكم) إنما يقرر قاعدة عقدية كبرى لهذه الأمة الإسلامية، إن هذه القضية قضية كبرى بالنسبة لنا نحن المسلمين وخاصة في هذه العصور المتأخرة، فهل نعي حقيقة ديننا؟ وهل نعي حقيقة أعدائنا؟ اللهم إنا نسألك أن تبصرنا بديننا، اللهم إنا نسألك أن تبصرنا بديننا يا رب العالمين! أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل الكريم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 614

أحقية المؤمنين الصادقين بكل حق وخير ممن ادعاه كذباً وزوراً

стр. 615

أحقية المؤمنين بعيسى من النصارى الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على صاحب الرسالة الخاتمة محمد بن عبد الله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، ومن سار على نهجهم، واهتدى بهداهم إلى يوم الدين. أما بعد: إن القاعدة التي هي نص حديث رسول الله ﷺ : (نحن أحق بموسى منكم) خطاباً لليهود، نستطيع أن نطبقها على غير اليهود من أهل الملل والنحل والفرق، فنطبقها على النصارى فنقول لهم: نحن المسلمين أحق بعيسى منكم، فهو عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وهو نبي رفعه الله إليه إلى السماء، وسينزل في آخر الزمان ليحكم بالقرآن، ويدعو إلى الإسلام وإلى الشريعة التي جاء بها محمد بن عبد الله ﷺ ، ولن يقبل من اليهود ولا من النصارى جزية ولا عهداً ولا ذمة، وإنما سيقرر لهم ما يقرره المسلمون مع الكفار الوثنيين: إما الإسلام، وإما السيف، وذلك حين يقوم سوق الجهاد إذا نزل عيسى ﵊. فنحن أحق بعيسى من هؤلاء النصارى، ونحن نبرأ إلى الله ممن عبده من دون الله، أو من زعم أنه قتل وصلب، أو من حرف هذه الديانة وتلك الشريعة التي جاء بها هذا النبي الكريم، ومن ثم فنحن نبرأ إلى الله من الاعتراف بدينهم، أو تصديقهم به، ونؤمن ونصدق أن هؤلاء الكفار خالدون مخلدون في النار، ولا يقبل الله منهم صرفاً ولا عدلاً حتى يؤمنوا بمحمد ﷺ ، حتى ولو وحدوا الله، ولو عملوا بما عندهم من التوراة أو الأناجيل، فهي منسوخة بالقرآن، ولن يكون أحد منهم مسلماً مؤمناً موحداً حتى يتبع ما جاء به رسول الله ﷺ . ووالله! إني لأقرر هذه القضية من هذا المكان وأنا خجل؛ لأنها قضية بدهية، ولكن ماذا نصنع وبعض المسلمين اليوم بدأت تتغير عندهم هذه المفاهيم حتى في قضية تكفير اليهود أو النصارى، ولقد سمعنا من يقول: هؤلاء أهل كتاب، هؤلاء يدينون بكتابهم، هؤلاء أهل دين محترم، ونحن نقول: إن هؤلاء من الكفار، ولم يتميزوا عن الملحدين والوثنيين إلا بشيء واحد وهو: أنه تقبل منهم الجزية والأمان، وذلك رحمة بهم؛ حتى يدخلوا في دين الله ﵎. أيها الإخوة في الله! إن ضرب الجزية والصغار على أهل الكتاب هو منهج دعوي عظيم إلى الإسلام؛ لأن هؤلاء لما كانوا بين ظهراني المسلمين، وكانت تفرض عليهم شروط الجزية والذلة والصغار، كان الواحد منهم يشعر بذلك، فإذا أراد أن ينتقل إلى عزة وكرامة فلا طريق له إلى ذلك إلا أن يدخل في الإسلام، فكان ذلك سبباً في دخول كثير منهم في دين الله ﵎. إن هذه القضية تحتاج إلى بسط وبيان، لكنني أشير إليها هنا إشارة: إن اليهود أو النصارى ليسوا بمؤمنين ولا مسلمين، وليسوا من أهل الجنة حتى يؤمنوا بهذا النبي الخاتم ﷺ الذي بشر به أنبياؤهم من قبل، والذي نسخت شريعته شرائع الأنبياء من قبله، قال الله: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:٨٥].

стр. 616

أحقية المؤمنين الصادقين بآل البيت من الرافضة يحق لنا أن نطبق هذه القاعدة: [نحن أولى بموسى منكم] على الرافضة الذين يلتقون مع اليهود في أشياء كثيرة منها: أنهم في يوم عاشوراء يقيمون المآتم لأن الحسين ﵁ قتل في هذا اليوم، ونحن نقول للرافضة: نحن أولى بـ الحسين وبآل بيت رسول الله ﷺ منكم، فنحن نحبهم، ونترضى عنهم، ونشهد لهم بما شهد الله، وبما أخبر به رسول الله ﷺ ، فنحب فاطمة وعلياً والحسن والحسين، ونحب خديجة أم فاطمة وبقية أولاد الرسول ﷺ ، ونحب عائشة أم المؤمنين، ونحب بقية زوجاته الطيبات الطاهرات، فحب آل بيت رسول الله ﷺ هو من منهاج أهل السنة والجماعة واقرءوا أي كتاب من كتب العقيدة التي تنهج نهج أهل السنة والجماعة، فستجدون فيها التصريح بموالاة آل بيت رسول الله ﷺ من غير تفريط ولا إفراط، ومن هنا: فنحن أولى بآل بيت رسول الله من صحابته الكرام وغيرهم من هؤلاء الذين عبدوهم من دون الله، ونحن أولى بهم من هؤلاء الذين غلوا فيهم غلو اليهود والنصارى في أنبيائهم. أيها الإخوة في الله! يجب علينا -أهل السنة والجماعة- أن نعرف لأصحاب رسول الله، ولآل بيته الطيبين الطاهرين حقهم وقدرهم وقرابتهم من رسول الله ﵌، فنحبهم، ونترضى عنهم، وندافع عنهم، ونكافح، ومن ذلك أن نبعد عنهم كل غلو أو تفريط. إن هذه الأمة وسط، وهي أحق بأنبياء الله؛ لأنهم آمنوا بجميع الأنبياء، وقد رفع الله هذه الأمة بالإسلام، ورفعها الله بالقرآن، ولا يكون ذلك إلا إذا عرفت قدر نفسها، وقدر دينها، واستيقظت من سباتها، وعلمت يقيناً حقائقها وعقائدها الثابتة التي لا تتغير ولن تتغير أبداً حتى يرث الله الأرض ومن عليها. إنها حقيقة كبرى يجب أن نعيها وعياً عملياً لا نظرياً، ويجب أن نربي عليها أنفسنا وأولادنا والمسلمين جميعاً، ويجب أن نقررها، وأن ندعو إليها. إن عقيدة أهل السنة والجماعة ومنهاجهم مما يجب في هذه الأيام خاصة أن يقوم الداعون إلى الله بدور كبير في نشره بين العالمين بشتى الوسائل. اللهم إنا نسألك أن تعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وانصر عبادك المؤمنين الموحدين في كل مكان، اللهم انصرهم على عدوك وعدوهم يا رب العالمين! اللهم -يا إلهنا- نسألك أن تنصر كل مؤمن ومؤمنة في مشارق الأرض ومغاربها، اللهم أنزل على المستضعفين منهم السكينة والنصر المبين يا رب العالمين! اللهم انصر المؤمنين المجاهدين في بلاد البوسنة، وفي كشمير، وفي الشيشان، وفي كل مكان يا رب العالمين! اللهم إنا نسألك -يا إلهنا- أن تدمر أعداء الإسلام والمسلمين، اللهم دمرهم تدميراً، اللهم إنا نسألك أن ترينا فيهم عجائب قدرتك يا قوي يا عزيز! اللهم من أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بسوء فأشغله بنفسه، اللهم أشغله بنفسه، اللهم أشغله بنفسه، اللهم أشغله بنفسه، واجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميراً عليه يا رب العالمين! اللهم إنا نسألك أن تغفر لنا، ولوالدينا، ولوالد والدينا، ولجميع المسلمين يا رب العالمين! اللهم إنا نسألك الثبات في الدنيا والآخرة، اللهم ثبتنا بالقول الثابت في الدنيا والآخرة يا كريم! اللهم إنا نسألك أن تعيذنا من الفتن، ما ظهر منها وما بطن. أيها الإخوة المؤمنون! يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦]. اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين، وأخص منهم الأربعة الخلفاء الراشدين، والعشرة المبشرين، وآل بيته الطيبين الطاهرين، وبقية الصحابة أجمعين، ومن سار على منهاجهم يا رب العالمين! اللهم واسلكنا في سبيلهم غير مفرطين يا رب العالمين! وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.