Полный текст (616 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
تدبر الآيات عند التلاوة
الأمر الثاني: مما يلاحظ أن كثيراً من الناس يحرص في رمضان على كثرة الختمات، وينسى التدبر بالآيات، حتى إنه أحياناً يقرأ الآيات تلو الآيات وقلبه غافل.
فيا أيها الإخوة! أحضروا قلوبكم وأنتم تقرءون القرآن، واتلوه وأنتم حاضرو القلوب؛ فإن ذلك مما يزيد في إيمانكم ومما يزيد في تفهمكم ومما يزيد أجركم.
стр. 562
استمرار تلاوة القرآن طيلة شهر رمضان
الأمر الثالث: أيضاً مما يلاحظ أن الناس ينشطون في الأيام الأولى في رمضان لقراءة القرآن، ثم يفترون ويضعفون، فحين تأتي في اليوم الأول والثاني تجد المسجد ضاجاً بقراء القرآن، وتجد الناس يجلسون ويقرءون، ثم لا يزالون يتناقصون، حتى لا يبقى في النهاية إلا عدد قليل، وهذا مؤشر محزن؛ إذ كيف تمل القراءة؟! وكيف تمل قراءة القرآن يا عبد الله؟! فهي أيام يسيرة ستمضي، ورمضان إن أدركت أوله قد لا تدرك آخره، وإن أدركت هذا الشهر من رمضان فقد لا تدرك رمضان القادم.
فيا أخي! احرص كل الحرص على استغلال وقتك في قراءة القرآن وتلاوته.
стр. 563
قراءة القرآن في ليالي رمضان
الأمر الرابع: أن كثيراً من الناس يقرأ القرآن في نهار رمضان ولا يقرأه في الليل في رمضان؛ لأنه صائم متعب يقرأ القرآن، فإذا جاء الليل أمضى ليله في الحديث والسمر والسهر، والله تعالى يقول: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ [المزمل:٦] فاحرص يا عبد الله! أن يكون لك في الليل قراءة، خاصة في آخر الليل وفي الأسحار، ولابد أن تقرأ القرآن وأن تحفظه وأن تتلوه وأنت نشيط، ولا تجعل نشاطك للكلام الذي لا ينفع وفي وقت صومك وتعبك لقراءة القرآن.
стр. 564
تقسيم الوقت في حفظ القرآن ومراجعته
الأمر الخامس: بعض الإخوة الشباب يسألون: كيف أقضي وقتي في رمضان؟ هل أقضيه في حفظ القرآن ومراجعته أم في تلاوة القرآن؟ وأيهما أقدم؟ فأقول: إن هذا سؤال مهم جداً، ولا شك أن كثرة قراءة القرآن مع التدبر مطلوبة؛ لأنها تزيد في رفع الدرجة، لكن أيضاً تفهم القرآن وحفظه وتدبر معانيه مطلوب أيضاً؛ لأنه يزيدك مهارة في القرآن، ومن هنا فإنني أقول: بالنسبة للإنسان الحريص على الأمرين جميعاً الأولى له أن يقسم وقته قسمين: القسم الأول: حال النشاط مثل آخر الليل أو بعد الفجر، فهذه الحالة يخصصها لحفظ القرآن ومذاكرته.
القسم الثاني: الحال التي يكون فيها عنده بعض التعب، وفي هذه الحالة يجعلها لتلاوة القرآن مثل آخر النهار أو بعد الظهر أو نحو ذلك.
أسأل الله أن يجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وجلاء همومنا وغمومنا، كما نسأله أن يوفقنا لتلاوته وحفظه والعمل به، كما أسأله ﵎ أن يوفق الأمة الإسلامية لأن تعمل بكتاب ربها وأن تحكمه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
стр. 565
الأسئلة
стр. 566
أهمية حفظ القرآن الكريم في بداية طلب العلم
السؤال
ما رأيكم في بعض الشباب الذين اتجهوا إلى السنة المطهرة، وبدءوا يحفظون بعض الأحاديث ولا يحفظون القرآن، أو لا يحفظون إلا قليلاً من القرآن؟
الجواب
منهج السلف الصالح رحمهم الله تعالى أنهم كانوا يبدءون بحفظ القرآن العظيم، والإنسان الذي وهبه الله قدرة على الحفظ تظهر هذه الموهبة في الغالب في سن مبكرة حينما يبدأ في طلب العلم، سواء يبدؤه هو أو يوجهه أهله إلى ذلك، فأول ما يبدأ به حفظ كتاب الله، لهذا فإني أقول: مدارسة سنة النبي ﷺ مطلوبة، لكن ينبغي للمؤمن أن يحرص على حفظ كتاب الله ، خاصة إذا وهبه الله قدرة على الحفظ فليتوجه أول ما يتوجه إلى حفظ كتاب الله، والله يسر هذا القرآن، كما قال : ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر:١٧].
стр. 567
تقييم كتاب (في ظلال القرآن) لسيد قطب رحمه الله تعالى
السؤال
هل تنصح بقراءتي كتاب (في ظلال القرآن) لـ سيد قطب؟
الجواب
كتاب (في ظلال القرآن) لـ سيد قطب كتاب جيد، وهو من الكتب التي تقرب الإنسان إلى العيش في ظلال القرآن، ومن هنا فإنني أنصح بقراءته، مع ملاحظة ما عليه من ملاحظات؛ فإنه ﵀ قد وقع في بعض الأخطاء خاصة المتعلقة بصفات الله ، فقد أول صفة الاستواء وصفة اليد وبعض الصفات، كما أن له تعبيرات لا نوافقه عليها مثل: تسميتها بالموسيقى ونحو ذلك، ولهذا فإننا نقول: يجب أن يكون موقف المسلم من هذا الكتاب لا إفراط ولا تفريط، فبعض الناس يقرأ هذا الكتاب ويظن أنه لا خطأ فيه أبداً، والبعض الآخر يرى أن فيه بعض الأخطاء وأنه لا ينبغي قراءته، وأقول: ينبغي أن يكون الإنسان -والحالة هذه- ناظراً في مثل هذا الكتاب هل نفعه أعم أم لا؟ فإذا كان نفعه أعم والأخطاء ممكن أن تتدارك فينبغي تدارك الأخطاء والاستفادة من هذا الكتاب، ولو أن كل كتاب عليه ملاحظات تركناه لتركنا كتباً لأهل العلم عظيمة وكثيرة لا يستغني عنها أي طالب علم.
وأقول: كنا نتمنى أن يطبع هذا الكتاب طباعة جيدة؛ وتذكر عليه تعليقات توضح الأخطاء التي فيه؛ حتى يكون القارئ لمثل هذا الكتاب يستفيد منه بدون أن يترتب عليه أثر سيئ.
стр. 568
كيفية استغلال الوقت في رمضان
السؤال
أنا شاب أطلب العلم، ومتردد ماذا أصنع في رمضان؟ هل أراجع حفظي أو أحفظ شيئاً جديداً أو أراجع في كتب أهل العلم أو أجعل كامل وقتي أو جله للتلاوة فقط؟
الجواب
ذكر العلماء أن هذه المسائل مما تختلف فيه الأفضلية؛ فأحياناً يكون هناك وقت الأفضل فيه الجهاد في سبيل الله، ووقت آخر الأفضل فيه قراءة القرآن، ووقت آخر الأفضل فيه -بالنسبة لبعض الناس- طلب العلم، ومن هنا فإنني أقول: بالنسبة لرمضان ولأنه وقت محدود أنصحك بأن تركز فيه على قراءة القرآن وحفظه ومذاكرة ما سبق من حفظه والزيادة في تلاوته، وتجمع إلى ذلك شيئاً من طلب العلم، بمعنى: ألا تغفل عن طلب العلم؛ لأنني أظن -والله أعلم- أن الإنسان ربما يمل فيما لو استمر -في رمضان أو غيره- على وتيرة واحدة، فإذا جعل غالب وقته لحفظ القرآن وتلاوته وجعل أيضاً له بعض الوقت لمدارسة بعض أنواع العلم فهذا لا بأس به.
стр. 569
حكم تحري الصلاة خلف إمام معين لأجل صوته، والتنقل في المساجد لذلك
السؤال
ما رأيك في اختيار إمام مسجد للصلاة خلفه من أجل صوته أو التردد على مساجد متعددة؟
الجواب
أما أن الإنسان يختار إماماً من أجل صوته فنقول: هذا حق له، فله ذلك؛ لأن الإنسان إذا حضر عند إمام حسن الصوت يخشع في القراءة ويتأثر، لكن أن يتردد على عدد من المساجد فهذا الذي لا ينبغي، بل على الإنسان أن يلتزم مسجداً ويستمر فيه؛ ليتابع القراءة، ولتهدأ نفسه، أما إذا تنقل فإن المشاغل الكثيرة وتغير المسجد وتغير الصوت وتغير الآيات وربما تكررت عليه في مسجدين في ليلتين مختلفتين، فهذا لا ينبغي، هذا رأيي، والله أعلم.
стр. 570
حكم تقليد الأصوات في تلاوة القرآن الكريم
السؤال
ما رأيك في تقليد بعض الأصوات، ليحسن المسلم تلاوته وتجويده؟
الجواب
ما أظن أنه يشترط أن يحسن الإنسان تلاوته بتقليد الصوت، بل على القارئ أن يقرأ بصوته، وإنني سمعت كثيرين يقولون: إذا صلينا خلف إمام يقلد أحداً لا نخشع خلفه؛ لأننا أحياناً نكون قد عرفنا كيف ستكون قراءته لهذه الآية التي سيقرؤها، بينما إذا كان القارئ حسن الصوت وقرأها بدون أن يتأثر أو يتصنع التأثر فهو أفضل له.
стр. 571
وجوب صرف الوقت فيما ينفع
السؤال
الإنسان أحياناً يكون عنده وقت فراغ فتتشاغل نفسه عن قراءة القرآن، فيصرف الوقت فيما لا ينفع، فما سبب ذلك؟
الجواب
لا يوجد شك أن سبب ذلك هو: أن الإنسان لم يعرف قيمة الوقت ولا قيمة هذا الشهر الكريم، فلو عرف قيمته وقيمة الزمن وراقب نفسه ما ضيع وقته فيما لا ينفع، بل يصرفه فيما ينفع، وقد يغيره من نفع إلى نفع، لكن أن يغيره من نفع إلى ما لا ينفع فهذا مما لا ينبغي للمسلم.
стр. 572
كيفية تعظيم القرآن الكريم في نفوس الأطفال
السؤال
كيف نعظم القرآن العظيم في نفوس الأطفال خاصة؟
الجواب
يكون تعظيم القرآن في نفوس الأطفال بأن يحترم المصحف في البيت، وأن تغرس في نفوسهم أن هذا القرآن يرفع، فتقول للطفل: ارفعه، ولا تجعله يقع على ما لا ينبغي، ولا تمزقه إلى آخره فتعظمه في نفسه بإعظامك له.
وأيضاً: أن تقرئه القرآن دائماً، وأن تعطيه الجوائز على قراءته للقرآن؛ بحيث يعظم هذا القرآن في نفسه، وأن تتدرج معه شيئاً فشيئاً بلا إفراط ولا تفريط؛ وبلا إهمال للأطفال؛ بحيث لا يقرءون القرآن إلا قليلاً، وأيضاً في الطرف المقابل لا ينبغي للإنسان أن يثقل على الطفل بحيث يمل ويضجر من قراءته للقرآن الحكيم.
стр. 573
الفترة التي ينبغي أن يختم فيها القرآن الكريم
السؤال
إذا لم يختم الإنسان القرآن في شهر فهل يعتبر هاجراً للقرآن الكريم؟
الجواب
ورد أن: (من قرأ عشر آيات كان من الذاكرين)، ولعله يستأنس في مثل هذا بأن الإنسان يكون له في كل يوم قراءة، لكن كان السلف رحمهم الله تعالى يقسمون القرآن ويحزبونه، وكان كثيراً منهم لا يزيد عن شهرين؛ يقرأ في كل يوم حزباً -نصف جزء- لا ينقص عن ذلك، أما بالنسبة لأكثر ما يقرأ القرآن فإن الإنسان إذا قرأ القرآن كله في أقل من ثلاث ليال ربما لا يتدبر ولا يفهم، فيقرأ القرآن بين ثلاثة أيام وستين يوماً، والأولى للإنسان أن يكون له في كل يوم جزء كامل من القرآن يحافظ عليه.
стр. 574
كيفية الجمع بين قراءة القرآن والمشاغل الدنيوية
السؤال
كيف يوفق الإنسان بين مشاغله الدنيوية والدعوية وقراءة القرآن، خصوصاً أنه ليس بحافظ للقرآن؟
الجواب
قال الله : ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦]، فالسلف الصالح رحمهم الله تعالى ما كانوا يكسلون في رمضان، بل كانوا يشتغلون، وكانوا يطلبون الرزق ويبيعون ويشترون، لكن أيضاً كان لهم في هذا الشهر حظاً من القرآن يقرءونه، فأنت يا أخي إذا كنت ممن يدرس ويقضي وقتاً كبيراً في الدراسة فعليك ألا تغفل عن القرآن، وإذا كنت تاجراً فعليك ألا تغفل عن القرآن، ولا يحز في نفسك؛ فأنت -إن شاء الله- مأجور بدراستك أو بتجارتك أو بغير ذلك، المهم أن تحرص في هذا الشهر الكريم على أن تكون من أهل القرآن، وأن تحرص على تلاوته وتدبره، وألا تكون كما يفعل بعض الناس هداهم الله الذين يكونون في رمضان أقل قراءة للقرآن من غير رمضان؛ لأن أحدهم ينشغل بتجارته أو بغير ذلك، ونحن نقول: لا بأس بالتجارة على ألا تشغلك عن قراءة القرآن، والحمد لله من الممكن أن يجمع الإنسان بينهما.
стр. 575
المفاضلة بين تلاوة القرآن وحفظه
السؤال
أيهما أفضل: حفظ القرآن أو تلاوته؟ مع العلم أن نصيب التلاوة أكثر بكثير من الحفظ؟
الجواب
أما كلمة أفضل فهذه علمها عند الله ؛ لأنه ورد في الفضل قول النبي ﷺ : (من قرأ حرفاً فله به عشر حسنات)، هذا ميزان، وورد ميزان آخر: (الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن وهو عليه شاق له به أجران).
إذاً: عندنا بالنسبة للفضل أمران: كثرة القراءة، ونوع التدبر والعلم بها وتدبر أسماء الله وصفاته، والخوف من وعيده، فلا يمكن أن نقول: هذا أفضل أو هذا أفضل، لكن على الإنسان في رمضان خاصة أن يحرص على كثرة التلاوة مع التدبر.
стр. 576
المفاضلة بين تلاوة القرآن بتدبر وبين تلاوته على عجل
السؤال
أيهما أفضل: التلاوة على عجل؛ ليقطع الإنسان جزءاً كبيراً من القرآن، أو تلاوته بتدبر ولو قلَّت؟
الجواب
بل يتدبر القرآن ولو قلت قراءته؛ لأنه إذا عجل بالقراءة ربما سها وغفل، فعلى الإنسان أن يقرأ القرآن، وأن يكون وسطاً في تلاوته للقرآن، فلا يمدده تمديداً طويلاً جداً، وإنما يقرأه بتدبر وتمعن؛ فإنه يحصل له الأمران: التدبر، وكثرة القراءة، وهذا -والحمد لله- حاصل.
стр. 577
فضل ختم القرآن في كل شهر في رمضان وغيره
السؤال
هل من السنة ختم القرآن الكريم في رمضان خاصة، فإني أرى أكثر الناس يحاولون ختمه؟ وما نصيحتكم للذين لا يقرءون القرآن إلا في رمضان؟
الجواب
أما بالنسبة للذين لا يقرءون القرآن إلا في رمضان فنصيحتنا لهم: أن يتقوا الله، وأن يقرءوا القرآن، وأن يعودوا إلى القرآن العظيم؛ ففيه راحة للصدور وشرح لها.
أما بالنسبة للختمة فلا شك أن ختم القرآن ورد فيه فضل، بل ورد في بعض الآثار: (الحال المرتحل) والحال المرتحل هو المؤمن الذي يقرأ القرآن ويختمه ويبدأ من جديد، هذا هو الحال المرتحل، أي: أنه يقرن آخر القرآن بأوله، وأيضاً ورد أن الدعاء عند ختم القرآن فيه دعوة مستجابة، فالإنسان إذا ختم القرآن ودعا ربه فلعل الله أن يفتح له ويستجيب دعاءه.
стр. 578
كيفية قضاء الوقت في رمضان
السؤال
أرشدوني جزاكم الله خيراً إلى برنامج إيماني أقضي به وقتي في رمضان، علماً بأني عاقد العزم على تعديل حالي إلى الأفضل، وسأجعل بدايتي من رمضان إن شاء الله، فبماذا تنصحوني؟
الجواب
أولاً: أنصحك بأن تبدأ من الآن وليس من رمضان، فابدأ من الآن يا أخي! وإذا رجعت الآن فاقرأ قليلاً من القرآن، وعود نفسك على القرآن.
أما برنامجك في رمضان فيا أخي! حاول أن يكون لك إخوة زملاء، أو جيران مسجد من الأخيار، حتى تكون معهم، وحبذا لو رتبت معهم برنامجاً في وقت تأنس بهم، ويأنسون بك، وتجعلون لكم وقتاً لقراءة القرآن، ووقتاً لشيء من مدارسة تفسير القرآن، ووقتاً آخر أيضاً لمدارسة شيء من العلم إذا أمكن ذلك، فضع لك برنامجاً في قضاء وقتك، واجعل الجزء الأكبر في تلاوة القرآن، وإذا حدث عند الإنسان نوع ملل فيجعل جزءاً من وقته في مدارسة شيء من العلم ومدارسة السنة والأحكام الفقهية.
стр. 579
أهمية مجاهدة وساوس الشيطان
السؤال
إني -ولله الحمد- جيد الصوت في قراءة القرآن، وأجيد أحكام التجويد، ولكني إذا قدمت للإمامة أخاف المدح والرياء، ولكنني أدفع هذه الوساوس وأحاول أن أجعل من حسن صوتي دعوة، فهل تضرني هذه الوساوس، أو أمتنع عن الإمامة؟
الجواب
بل عليك أن تراغم شيطانك الذي يأتي بهذه الوساوس، وتستمر في قراءة القرآن، واطلب ربك، وادع الله أن يحميك من هذه الوساوس، واستمر في القراءة، وراغم الشيطان، وراقب قلبك، واسأل الله أن يجعلك من عباد الله المتقين، وأن يجعل حفظك للقرآن وتلاوتك له في ميزان حسناتك يوم أن تلقى ربك.
أسأل الله أن يجعلنا في شهر رمضان الكريم من المقبولين، اللهم بلغنا رمضان، اللهم بلغنا رمضان.
اللهم اجعلنا يا إلهنا! ممن صامه إيماناً واحتساباً، اللهم اجعلنا ممن قام لياليه إيماناً واحتساباً، اللهم اجعلنا ممن وفق لقيام ليلة القدر إيماناً واحتساباً.
اللهم اجعلنا في هذا الشهر الكريم من عتقائك من النار.
اللهم اجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وذهاب همومنا وغمومنا، وجلاء أحزاننا.
اللهم اجعله سائقنا ووالدينا إلى جناتك جنات النعيم.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
стр. 580
العقيدة وأثرها في تربية الأسرة
أمر العقيدة أمر عظيم جدّ عظيم، فعليها قامت السماوات والأرض، وهي أصل الدين وأسّه، وبها أرسل الأنبياء والرسل ﵈ إلى أقوامهم، وهي سر نجاة العبد في الدنيا ويوم يقوم الأشهاد، فإذا تحلى بها المرء صلح شأنه، وسعدت حياته، وإذا تحلت بها الأسرة صلحت شئونها، واجتمعت أمورها، ونجت من التخبطات والبدع والخرافات، وإذا تحلى بها المجتمع علا شأنه، وارتفع ذكره.
стр. 581
أهمية العقيدة في حياة الإنسان والأسرة
بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: أيها الإخوة! اعلموا أن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.
أيها الإخوة! حديثنا في هذه الليلة عن العقيدة وأثرها في حياة الأسرة المسلمة، ونحن بادئ ذي بدء نقول للإخوة الذين أشرفوا على مثل هذه الدورة المباركة: جزاكم الله خيراً، وأجزل لكم المثوبة، ورزقنا وإياكم الإخلاص.
أيها الإخوة! لا تظنوا أن أمر العقيدة -في حياة الإنسان عموماً، وفي حياة الأسرة خصوصاً- هين ويسير، إن العقيدة قامت عليها السماوات والأرض، وربنا تعالى يقول: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات:٥٦ - ٥٨] ﵎؛ ولهذا كان سلفنا الصالح رحمهم الله تعالى يعنون بالعقيدة أولاً فيما يتعلق بالأمة كلها، ويعنون بالعقيدة فيما يتعلق بالأسرة في داخل البيت ثانياً وخصوصاً، ولقد كان الواحد من هؤلاء يعيش حياته كلها في ظل هذه العقيدة، داعياً إلى الله، وموجهاً ومربياً لأسرته، وبانياً لها على أسس عقدية ثابتة، وكان منهج سلفنا الصالح رحمهم الله تعالى هو المنهج الحق الذي اتبعوا فيه كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، على ضوء فهم ومنهاج سلف الأمة ﵏، الذين لم يغيروا ولم يبدلوا.
أيها الإخوة! إن كل واحد منا مسئول أمام ربه ﵎ عن هذا الدين، ومسئول عن هذه الأسرة، وقد قال سفيان بن حسين الواسطي: ذكرت رجلاً بسوء عند إياس بن معاوية المزني قاضي البصرة، فنظر في وجهي وقال: أغزوت الروم؟ قلت: لا، قال: والسند والهند والترك؟ -أي: أغزوت هذه؟ - قلت: لا، قال: فسلم منك الروم والسند والهند والترك ولم يسلم منك أخوك المسلم! قال سفيان: فلم أعد بعدها.
إذاً كانوا أمة لها اهتمامات كبرى لا تجعل شغلها فيما بينها حسداً وعداءً، وإنما تتحول الحياة كلها في هذه الأمة إلى بناء للأسرة، وبناء للأمة.
أيها الإخوة في الله! حديثي حول هذا الموضوع سيدور حول عدد من النقاط أبدؤها واحدة تلو الأخرى فأقول: أولاً: العقيدة لها أهمية كبرى في حياة الإنسان، ويكفي في بيان أهميتها أنه لا نجاة للعبد يوم القيامة حين يقف الخلق جميعاً بين يدي الله إلا لمن مات على عقيدة صحيحة قال تعالى: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٨ - ٨٩] والعقيدة ليست تصديقاً قلبياً خاصاً داخل القلب لا يخرج عنه، بل العقيدة تشمل الحياة كلها، الأسرة وغير الأسرة، تشمل الأسرة والمجتمع، وتشمل الدولة، وكل شأن من شئون الحياة؛ لأن أي شريعة ونظام في هذه الحياة لابد أن ينبثق من عقيدة كما ستأتي الإشارة إلى ذلك.
стр. 582
أصل الأسرة وبمن يناط التكليف
ثانياً: أصل الأسرة وبمن يناط التكليف.
هل الأسرة عادة أو نظام قبلي أو غير ذلك؟ إن الله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ [النساء:١]، هذا هو أصل الأسرة في منهج الله ﵎، فالناس جميعاً خلقهم الله بمقتضى مشيئته ﵎، فلم يأتوا بإرادة أنفسهم، وإنما بإرادة الواحد القهار ﵎، فهو المالك لكل شيء، وهو الذي إذا أراد شيئاً قال له: كن فيكون، ثم إن الناس كلهم يرجعون إلى نفس واحدة هي آدم، فلماذا الفروق بين أبناء النفس الواحدة؟! ولماذا قطع الرحم؟! لماذا هذه الفروق التي هي فروق جاهلية؟ ثم بعد ذلك أيضاً المرأة تعود إلى هذا الأصل: ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [النساء:١]، والذين ضلوا من أمم الأرض فيما يتعلق بالمرأة، منهم من جعل المرأة حقيرة ونجسة، وجعلها أصل الشر والبلاء، ومنهم من أطلق لها العنان لتستقل تمام الاستقلال عن أسرتها وعن الحياة كلها، ونسي هؤلاء جميعاً أن المرأة إنسان خلقت لإنسان، ونفس خلقت لنفس، وأن بعضهما يكمل بعضاً، فهما زوجان متكاملان.
إذاً النتيجة: أن قاعدة الحياة البشرية في منهج الله هي الأسرة، وليست الفوضى كما يريد أعداء الإسلام، وكما هو منهج الذين انحرفوا عن المنهج الصحيح في مشارق الأرض ومغاربها.
ومن هنا فإن هذه الأسرة تبدأ بالزواج، وتثنى بالأولاد؛ ولهذا حض رسول الله ﷺ على النكاح، ونهى من أراد أن يتبتل وقال: (من رغب عن سنتي فليس مني)، بل إن رسول الله ﷺ حرص على تكثير الأولاد؛ لأن الأولاد الصالحين إذا وجدوا كانوا خيراً: (أو ولد صالح يدعو له) يدعو لوالديه، ولذلك ثبت أن الولد إذا مات وهو صغير يكون شفيعاً لوالديه يوم القيامة، وستأتي الإشارة إلى ذلك.
والرسول ﷺ أمر بإكثار النسل؛ لأجل أن يباهي بنا الأمم يوم القيامة.
وعلى هذا: فالدعوة إلى تحديد النسل أو ما ترتب على مؤتمر الإسكان الذي سبق قبل أيام معدودات، كلها دعوات جاهلية تخالف أصل الإسلام ومنطلقه في منهجه في قيام الأسرة ونشأتها وتكاملها.
стр. 583
بمن يناط التكليف
إن الطفل -وكل منا نشأ طفلاً- له ثلاثة أطوار: طور يكون فيه خلواً من المسئولية، تجري عليه أحكام الله القدرية القهرية، لا شأن له ولا لأمه ولا لأبيه، وهذا يكون وهو في بطن أمه حين ينتقل من نطفة إلى علقة إلى مضغة، ثم يكون خلقاً آخر فتبارك الله أحسن الخالقين.
ثم يأتي الطور الثاني: وهو طور خروجه من بطن أمه إلى دار التكليف، فهنا تتعلق به الأحكام الشرعية، لكن قبل البلوغ لعدم قدرته على تحقيقها يخاطب بها الأبوان، فهما المسئولان عن هذا الطفل؛ ولذا قال ﷺ : (كل مولود يولد على الفطرة) أي: فطرة الإسلام (فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه)؛ إذاً: الأطفال هم مسئولية الأبوين؛ فليتقوا الله في أطفالهم.
ثم يأتي الطور الثالث: وهو طور البلوغ، أي: بلوغ سن الرشد، وحصول التكليف، فحينئذٍ تتعلق التكاليف بهذا الإنسان مباشرة دون واسطة والديه.
إن مسئولية الأسرة -أيها الإخوة- إنما تقع أساساً على عاتق الأب، فهو أبو الأسرة وربها، وهو المسئول عنها، وهذا بنص حديث رسول الله ﷺ حين قال: (كلكم راع وكلكم مسئول عن راعيته، فالإمام راع ومسئول عن رعيته، والرجل راع في بيته ومسئول عن رعيته) إلى آخر الحديث.
إذاً: الأب هو الذي يتحمل المسئولية؛ وبهذا يتحقق نظام يمكن ضبطه؛ لأن التربية -ولو كانت تربية عقدية مؤصلة- لا تأتي إلا من خلال منهج مضبوط أسري، وإلا فسوف تتحول الأمور إلى فوضى، كما نشاهد في بلاد الغرب، وفي غير بلاد الغرب، لكن حينما تضبط الأسرة يتحول تكوينها ونظامها التربوي إلى وضع قابل للتربية والتوجيه حسب المنهج الذي يراد لها، فإذا كانت على هذه الحالة، وجاءت العقيدة الصافية الصريحة على منهاج السلف الصالح، وربيت عليها الأسرة، فإنه والحالة هذه تنشأ أسرة متكاملة عظيمة التأثير في حياة المجتمع وحياة الناس.
стр. 584
حماية الأسرة من منهج الإسلام
ثالثاً: إن من منهج الإسلام حماية الأسرة وتحصينها في أول الأمر، قبل أن توجد الأسرة، وقبل أن تنشأ، وهذا أساس عقدي.
إن الله أمر وشرع أنه لا يجوز لكافر أن يتزوج بمسلمة، ولا يجوز لمسلمة أن تتزوج بكافر، هذا الأصل يعطينا أن الإسلام يبث الجانب التربوي المؤصل في حياة الأسرة من البداية، فإذا ما جاء مشرك ملحد نصراني يهودي زنديق يتظاهر بالزندقة والإلحاد -ولو كان من بني جلدتنا- لا يصلي فلا يجوز أن تنشأ معه الأسرة، يجب أن تعلم الأسرة المسلمة من بدايتها أنه لا علاقة لهذا الشخص بها، ومن هنا نجد أن النبي ﷺ -وهو يوجه الأمة إلى تكوين الأسرة من بدايتها- يحض على جانب الأصل وهو الدين والعقيدة، فمن جانب الرجل يقول الرسول ﷺ : (تنكح المرأة لأربع: لدينها، ولجمالها، ولشرفها، ولمالها، فاظفر بذات الدين تربت يداك) إذاً: ذات الدين هي ذات الإيمان، وهي صاحبة العقيدة الصافية الواضحة، فهذه بداية صحيحة لتكوين الأسرة، فإذا اختار الشاب ذات الدين بدأ التكوين العقدي السليم للأسرة.
وفي المقابل يقول الرسول ﷺ لأولياء المرأة: (إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير)، وبهذا تنشأ الأسرة من بدايتها نشأة صحيحة، ويا للأسف كم من شاب طيب تزوج بفتاة، ولم يراعِ فيها قول النبي ﷺ هذا، فلما تزوج بها جرفته معها في التيار فانحرف! وبالمقابل ويا للأسف الشديد كم من فتاة خيرة طيبة، لم يتق الله ولي أمرها فزوجها من شاب لا يعلم عنه الدين والخلق، وإذا بها بعد شهور قد انجرفت معه ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم! إذاً: هذا التكوين الأسري من البداية للأسرة.
стр. 585
عقيدة التوحيد أساس الأسرة وقوامها
رابعاً: عقيدة التوحيد هي أساس الأسرة وقوامها.
ونحن نقول: نعم، عقيدة التوحيد هي الأساس في حياة الأمة كلها، وفي حياة كل إنسان، وأيضاً هي أساس حياة الأسرة، عقيدة التوحيد الصافية القائمة على مفهوم وأصل لا إله إلا الله محمد رسول الله، هذه العقيدة إذا استقر مدلولها علمياً وعملياً في حياة الأسرة استقراراً عميقاً تحولت الأسرة إلى وضع وشأن آخر؛ لأن مقتضى لا إله إلا الله محمد رسول الله: هو الانخلاع من عبودية غير الله ﵎؛ من الشركيات والوثنيات، والعادات الجاهلية، وطاعة أهل الإلحاد والفسق وأهل الفجور، والانخلاع من ذلك إلى طاعة الله ﵎ وحده لا شريك له، وطاعة رسوله ﷺ ؛ لأن طاعته طاعة لله ﵎.
إذاً: أساس الأسرة الذي تبنى عليه هو عقيدة التوحيد، لكننا -ويا للأسف- لا نربي أسرنا على عقيدة التوحيد، ولهذا تجد كثيراً من الأسر لا تفقه عقيدة التوحيد، وشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى -وإنما ضربت به المثل لأنه من القرون المتأخرة- لما أعاد وجدد لهذه البلاد عقيدتها وما اندرس من دينها، بدأ بمنهج تربوي ينطلق من الأسرة في أبسط مسائل العقيدة، الأصول الثلاثة، تعريف الإنسان بالله وبالرسول، كتاب التوحيد، وكانوا في الزمن السابق فعلاً يرددونه، ولقد عهدت من آبائنا وأعمامنا العوام -وأقول: العوام- من يحفظ منهم هذه الأصول وهذه العقيدة حفظاً كاملاً، ويناقشك عليها مناقشة الفاهم الواعي، فلماذا -أيها الإخوة- تخلينا عن تربية أسرنا على عقيدة التوحيد؟! لماذا لا نربي الأسرة على فهم معنى لا إله إلا الله وعلى فهم معنى شهادة أن محمداً رسول الله؟! لماذا لا نربي الأسرة على العقيدة القائمة على الإيمان بالله والكفر بالطاغوت؟! إن هذا هو الأساس، لكن لما تساهلنا في هذه التربية ضعف تأثير العقيدة في نفوسنا ونفوس أسرنا وأزواجنا وأولادنا.
أيها الإخوة! إن تعليم الأسرة لهذه العقيدة يربي فيها جوانب عظيمة يرتاح فيها الأب مربي الأسرة، إذا ما ربى الأب أسرته على عقيدة التوحيد الصافية، وعلمها حتى استقرت في خلدها وتربت عليها تربية صحيحة، فإنه والحالة هذه يستريح في جوانب كثيرة جداً في الحياة، فمثلاً: هذه الأسرة إذا تربت على العقيدة أفردت ربها ﵎ بالخوف والتوكل والمحبة، فصارت أسرة لا تخاف إلا الله، ولا تتوكل في جميع شئونها إلا على الله ، لكن انظر إلى أسرنا كم من مشكلة نشأت في الأسرة؛ لأن الأم أو الزوجة خافت من الفقر، أو خافت من غير الله ، نعم إذا تربت الأسرة تعلقت بالله، فاستقامت الحياة، فتنام الأسرة وهي مرتاحة لا تخاف من عين إلا بإذن الله، لا تخاف من جن إلا بإذن الله، لا تخاف من مخلوق إلا بإذن الله ، فإذا تعلقت الأسرة بهذا أصبحت فعلاً أسرة مطمئنة مستكينة منشرحة الصدر.
ثم بعد ذلك أيضاً يبعدها عن التعلق بكثير من الشركيات التي تقلق النفس كثيراً، فبعض الأسر لما ضعف فهمها لعقيدة التوحيد ومقتضياته، ووجوب البعد من الشرك وأنواعه، بدأت تقع في أنواع من الشركيات، وفي أنواع من الرقى والتمائم المحرمة، هذه التمائم المحرمة التي ثبت عن النبي ﷺ النهي عنها إذا وجدت تحولت هذه الأسرة إلى أسرة مضطربة، فتجد الأم دائماً تخاف على ولدها فتعلق عليه التمائم، تخاف عليه من العين، ولربما توهمت أن ابنها مريض وقلقت، ودارت على المستشفيات، وأقلقت زوجها وأقلقت أسرها، والطفل ليس فيه شيء إنما هي أمه التي فيها شيء؛ نظراً لضعف إيمانها وعقيدتها.
ثم بعد ذلك أيضاً يبعدها عن الوقوع في أنواع من الشرك الأصغر والأكبر التي تحبط الأعمال، والله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨].
أيها الإخوة! إن تربيتها على العقيدة يجعل حب الله ﵎ مقدماً على حب غيره ولو كان زوجاً أو زوجة، حينما يتعارض حب الله وحب الزوجة، أو حب الله وحب الزوج بالنسبة للمرأة، أو حب الله وحب الولد أو الوالد فأيهما يقدم صاحب العقيدة الصافية؟ أيهما يقدم من غرست في قلبه هذه العقيدة السليمة؟ إن المشاهد -ويا للأسف- أن غلبة حب الزوج أو الزوجة أحياناً يؤدي إلى مآسي، فقد تجد امرأة مؤمنة بالله، لكنها وقد تزوجت وأحبت زوجها -وخاصة إذا وجد لها منه أولاد- قدمت حب زوجها وأولادها على حب الله ورسوله، فإنك قد تجد زوج المرأة زنديقاً، ما معنى زنديق؟ معنى ذلك: أنه يتفوه بالإلحاديات، إما الاستهزاء بدين الله، أو أنه لا يصلي، أو غير ذلك من الأمور التي هي نواقض الإسلام تجده واقعاً فيها، وتجد هذه الزوجة قد أحنت رأسها له، ولم تحن رأسها للواحد الجبار، فبقيت عنده.
وكذلك أيضاً بالنسبة للرجل، فقد تكون عنده امرأة لا تصلي فيبقيها عنده، ولا يقدم حب الله على حب الخلق ولو كان أقرب الناس.
أيها الإخوة! إن حب الله وحده، والإخلاص له في ذلك أساس دستور الأسرة، فكمال الحب يكون بعبادة الله وحده لا شريك له؛ ولذلك كان أعظم الذنوب الشرك بالله ، قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥]؛ فإذا ما قدم حب غير الله على حب الله فإن هذا من الشرك الأكبر، وأعظم مقتضيات الحب لله طاعة الله واتباع رسوله، قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران:٣١]، فحب الله يقتضي تقديم طاعة الله وطاعة رسوله ﷺ على طاعة الخلق ولو كان أقرب الناس إليك، ولو كان أباً أو أماً، ولو كان زوجاً أو زوجة، ولو كان غير ذلك، هذا هو أساس عقيدة التوحيد؛ فحينما تصفى هذه العقيدة وتسلم تنشأ الأسرة وتكون التكوين الصحيح.
стр. 586
من مقتضيات التوحيد طاعة الله ورسوله
خامساً: من مقتضيات التوحيد طاعة الله وطاعة رسوله ﷺ .
وهذه قضية كبرى في جانب العقيدة في حياة الأمة عموماً وفي حياة الأسرة خصوصاً، نظام الأسرة بكل تفاصيله هو شرع من الله، وشرع الله ينبثق من العقيدة، فلا ينظرن الإنسان إلى جزئيات من جزئيات شرعية الله في باب الأسرة على أنه مسألة فرعية، لا إن نظام الأسرة شرع من الله واجب الطاعة؛ لأن عقيدة (لا إله إلا الله) تقوم على العبودية لله، ومقتضى العبودية الحب لله، والذل لله، والخضوع له، وكمال ذلك كله ينتهي بكمال الطاعة لله ﵎، ومن هنا فإن كل ما في تشريع الإسلام من كمال وشمول وصلاحية للزمان والمكان يدخل فيه نظام الأسرة؛ لأنه تشريع من العليم الخبير، فإذا ما جاء ملحد أو زنديق أو حداثي أو فوضوي أو علماني أو غيره ليقول: النظام الفلاني القضية الفلانية المسألة الفلانية التي تتعلق الزمان تطور، نقول: لا، ما تطور الزمان؛ لأن هذه الشريعة وضعها العليم الخبير الذي علم ما كان وما سيكون، فهي شريعة كاملة صالحة لكل زمان ومكان، وأي إنسان يرفض شريعة الله في أي جانب من جوانب الحياة -ومنها جانب الأسرة- فإن هذا الذي يرفض هذه الشريعة خارج من دائرة الإسلام.
أيها الإخوة في الله! إن شريعة الله في الأسرة وفي غير الأسرة واجبة التطبيق، ولا خيار للأمة ولا خيار للمسلم في ذلك أبداً، ودعوني أضرب لكم أمثلة، وإلا فشريعة الله في الأسرة كلها داخلة في هذا: قوامة الرجل على المرأة؛ هذا تشريع رباني، الله ﵎ يقول في كتابه العزيز: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء:٣٤]؛ إذاً: هذه القوامة لا يجوز لإنسان أن ينقضها؛ لأنها تشريع إلهي، ولو كانت مطبقةً عند الغرب أو غير الغرب، القوامة للرجل فهو مدير الأسرة، وهو الذي بيده عقدة الطلاق؛ لأن الأسرة كالسفينة لا بد أن يكون له ربان واحد، وإلا لم تجر كما ينبغي؛ ولأن الأسرة إذا تسلطت فيها المرأة تنتهي إلى الفشل غالباً، ولأن علم النفس أيضاً يقول: إن الأطفال الذين يتربون في ظل أبوين يتنازعان السيادة تكون عواطفهم مختلة، وتكثر في نفوسهم العقد والاضطرابات، ونحن لسنا بحاجة إلى علم نفس أو غير علم نفس، لكن (ليطمئن قلبي) وإلا فشريعة الله كافية في هذا.
مثال آخر يتعلق بهذه القضية المهمة: المرأة المسلمة ما هو موقفها تجاه ما شرعه الله بالنسبة لها؟ في ظل العقيدة، وفي ظل وجوب الطاعة لله ولرسوله المنبثقة من (لا إله إلا الله) تكون المرأة المسلمة مطيعة لربها، متبعة لشرعه، لا تعترض على شرع الله، إن الله تعالى يقول: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦]، فإذا قضى الله ورسوله أمراً فليس لمؤمن ولا مؤمنة الخيار، ولهذا فإننا نقول للمرأة المسلمة: الحجاب شريعة من؟ وهل لك خيار في أن تطيعي أو لا تطيعي؟ إنه شريعة الله، ولو زين لك أعداء الإسلام وأعداء المرأة المسلمة ألف تزيين؛ فإن الواجب عليك أن تتبعي شريعة الله، لا خيار للأسرة لا للزوج ولا للمرأة في وجوب الحجاب.
ومن الأمثلة بالنسبة للمرأة: شريعة الله في إباحة تعدد الزوجات، نقول: المرأة من طبيعتها أنها تأبى هذا، وهذا طبع مركب فيها، لكن لا يجوز لها أن تعترض على شريعة الله ﵎، شريعة الله أباحت تعدد الزوجات، وأثبتت الدراسات المتعددة أن الأمة كلها -لا أقول: الأمة المسلمة، وإنما أمم الأرض- لا يمكن أن تستقيم حياتهم الأسرية كما ينبغي إلا بشريعة تعدد الزوجات، فلا يجوز للمرأة -مهما كانت محبة لزوجها راغبة في أن تحتفظ به- أن تعترض على شريعة الله، وأحذر أختي المسلمة وأقول لها: إياك أن تتلفظي بكلمات تقولينها أحياناً حين تسمعين عن أختك أو جارتك أن زوجها تزوج عليها! لا تتفوهي بكلمات خطرة، فإن النبي ﷺ يقول: (وإن الرجل -والمرأة داخلة في ذلك- ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً يهوي بها في النار سبعين خريفاً)، والمرأة أحياناً تقول كلمات تعترض فيها على دين الله وشريعته، فإذا كانت جاهلة ينبغي أن تعلم، وينبغي أن تربى، والمسألة ليست سهلة، المسألة مسألة شريعة لله ﵎ واجبة الطاعة.
كذلك أيضاً فيما يتعلق بالمرأة: ما نهى عنه النبي ﷺ من التشبه بالكفار، هذا شريعة، فليس للمرأة المسلمة خيار في أن تتزيا بما تشاء، نقول: لها أن تتجمل، لكن إذا كان الزي فيه مشابهة للكفار حرم عليها بالشريعة التي أمر بها رسول الله ﷺ ؛ وهكذا بقية الأمور.
إذاً: طاعة الله أساس العقيدة الذي تبنى عليه وتربى عليه الأسرة.
стр. 587
الإيمان بأسماء الله تعالى وصفاته وأثرها في حياة الأسرة
سادساً: الإيمان بأسماء الله تعالى وصفاته وأثرها في حياة الأسرة.
وهذا -أيها الإخوة- باب عريض، فإن المتأمل للأسماء والصفات لله فإنه سيجد في كل اسم من أسماء الله وفي كل صفة من صفات الله -إذا عرف الإنسان اسم الله وعرف مدلوله، وآمن به وأثبته لله ﵎ كما يليق بجلاله وعظمته، من غير تشبيه ولا تمثيل، ولا تحريف ولا تعطيل- يجد أثراً عظيماً جداً على حياة الإنسان وعلى حياة الأسرة بصفة خاصة؛ ولو أننا أفردنا المحاضرة لهذا الموضوع لما كفى، لكنني سأشير إشارات لأنتقل إلى موضوع آخر؛ فأقول من الأمثلة على ذلك: أن الله هو الرزاق ذو القوة المتين، الإيمان بأن الله هو الرزاق ما أثره في حياة الأسرة؟ له أثر عظيم، فهذا الاسم من أسماء الله ، إذاً: ليس الملوك هم الذين يرزقون، ولا الأغنياء هم الذين يرزقون، ولا التجارات هي التي ترزق، ولا غيرهم هو الذي يرزق، إن الله هو الرزاق، قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود:٦]، وقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات:٥٦ - ٥٨]؛ الإيمان بأن الله هو الرزاق يضفي الطمأنينة على حياة الأسرة، ويبعد عنها شبح الخوف من الفقر، فالأب لا يأنف أن يزوج ابنته من شاب فقير إذا كان صالحاً في دينه؛ لأن الله هو الرزاق؛ ولأن الله يقول عنهم: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور:٣٢]؛ فلماذا أيها الآباء إذا أتاكم الشاب الصالح تمتنعون أحياناً لأنه فقير أو من أسرة فقيرة؟ هل تخافون على ابنتكم الفقر؟ لا والله، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات:٥٨] نعم والله! إن الأب حين يبحث لابنته عن غني فلربما يضعها في قصر تعيش فيه فقيرة طول عمرها، وحينما يزوجها من شاب صالح ولو كان فقيراً فلربما يغنيهما الله من فضله، ولو عاشت معه فقيرة فلربما عاشت غنية، والغنى غنى النفس، لماذا اختلت الموازين في حياة الأسرة المسلمة وهي تؤمن بأن الله هو الرزاق؟ والشاب أيضاً يقبل على الزواج ولا يخاف الفقر؛ لأن الرسول ﷺ أخبر أن الناكح يريد العفاف حق على الله عونه، فلماذا أيها الإخوة لا نيسر الزواج؟ ثم نقول ثالثاً: لماذا الخوف من كثرة الأولاد؟ لماذا تحديد النسل؟ لماذا تغضب المرأة حين تحمل؟ نعم هناك حالات خاصة تكون المرأة متعبة أو مريضة، لكن نتكلم عن عموم الناس، أيخافون الفقر؟ أيخافون العيلة؟ أيخافون التربية؟ إن المولود إذا جاء يأتي ورزقه معه، لست أنت الذي ترزقه، إن الزوجة إذا دخلت هذا البيت تأتي ورزقها معها لست أنت الذي ترزقها؛ بل أنت أيها الأب! وأنت أيها الزوج! إن الله هو الرزاق لك، هذه حقائق العقيدة، هذه حقائق الإيمان بأسماء الله وصفاته، وأثرها في حياة الإنسان والأسرة.
أيها الإخوة في الله! أنتقل إلى مثال آخر ولعلي لا أطيل فيه: من أسمائه ﵎ العليم، والسميع، فهذا الاسم -العليم- يعني أنه يعلم ما كان وما يكون، والسميع يسمع كل شيء، ما أثره حينما تربى عليه الأسرة؟ يضفي على الأسرة كمالات الأخلاق حتى في حال غياب الأب والزوج، فالأسرة التي تربت على أن الله ينظر إليها ويراقبها وعليم بها هل يمكن أن تخون؟ هل يمكن أن تخون الزوجة التي غاب عنها زوجها لكنها تعلم أن الله لا يغيب؟ لا، وكذلك أيضاً الابن، وكذلك أيضاً البنت، نعم، إن الأب له مسئولية في الأسرة، لكن الأب لا يستطيع أن يسيطر مائة بالمائة، لأنه يذهب ويأتي ليطلب الرزق، لكن إذا خلف في البيت أسرة ربيت على الإيمان بالله وأسمائه وصفاته، وأنه عليم بذات الصدور، مطلع على ما فيها، وأن الله يرى الإنسان على أي حالة: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة:٧]؛ إذا ربيت الأسرة على هذا فعلاً تحولت الأسرة إلى أسرة تقية مؤمنة، أسرة تخاف الله واليوم الآخر، وكذا بقية أسماء الله وصفاته.
стр. 588
الإيمان باليوم الآخر وأثره في حياة الأسرة
سابعاً: الإيمان باليوم الآخر له أثر عظيم أيضاً في حياة الأسرة، وأنا أقول: إن عماد تربية الأمة عموماً، والأسرة خصوصاً، والفرد وحده هو الإيمان باليوم الآخر، فالذي لا يؤمن باليوم الآخر، أو لا يستحضر الإيمان باليوم الآخر، تتحول حياته إلى حياة مادية بحتة يكذب يخادع يرتكب المعاصي يرتكب الفواحش يظلم يقهر غيره إلخ، لكن إذا آمن الإنسان باليوم الآخر تحولت نظرته إلى الحياة كلها؛ لأنه يعلم أن الموت قريب، والنبي ﷺ يقول: (أكثروا من ذكر هادم اللذات؛ فإنه يذكركم بالآخرة)؛ لأن الموت يأتي على الإنسان في أي وقت ولا ينتظر، ولا يفرق بين الصغير والكبير، لكن ماذا بعد الموت؟ إذا آمن الإنسان بالوقوف بين يدي الله ، والحساب والجزاء، والميزان والصراط، ثم الجنة والنار، تغيرت موازينه للحياة، إذا جاءه واحد وظلمه فإنه يصبر ويصابر، إذا دعته نفسه إلى المعصية تذكر عقاب الله ، يتحول إلى إنسان إيجابي، فالأسرة التي تربى على الإيمان باليوم الآخر تتحول إلى أسرة محافظة على نفسها، وأسرة مؤثرة على غيرها صلة الرحم؛ لأنه يقرب إلى الله ويرجون ثوابه، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الإحسان إلى الجيران، سبحان الله! تنقلب حياة الأسرة إلى أسرة فاعلة ومؤثرة، وموجهة في المجتمع، ولكن متى؟ إذا ما أيقنت هذه الأسرة أنها سوف تقف بين يدي الله ، لكن إذا غفلت -نعوذ بالله- كثر الظلم، وكثر البهتان، وكثرت الإساءة إلى الجيران، وكثرت الخصومات، وشهادة الزور، وكثر أكل الربا والحرام وغير ذلك من الفسوق والعصيان.
ولهذا فإن من الواجب أن توقن أن الأسرة يجب أن تربى على الإيمان باليوم الآخر، وتدرس الدروس اليومية أو الأسبوعية على الإيمان باليوم الآخر، ولدك الصغير ذكره دائماً بالإيمان باليوم الآخر، ذكره بالإيمان بالله، حتى أشراط الساعة، كان السلف رحمهم الله تعالى يعلمون أطفالهم ويربونهم على تعليمهم لأشراط الساعة؛ لأن أشراط الساعة تحث الناس إلى ما بعد أشراط الساعة، اجلس مع أولادك، وقص عليهم ما أخبر عنه النبي ﷺ مما سيأتي في آخر الزمان، قص عليهم قصة الدجال، وقصة نزول عيسى بن مريم، وقصة الدابة، وقصة يأجوج ومأجوج، قص عليهم ما بعد ذلك من القيامة والحساب والجزاء، ذكرهم بالله، فإذا استيقظت الأسرة وتيقظت في هذا المعنى العظيم تحولت موازينها، وانقلبت من موازين مادية جاهلية قريبة إلى موازين أعلى وأسمى يرجون فيها ما عند الله .
ومن هنا أيها الإخوة في الله! كان لا بد من بيان هذا الأصل العظيم، وتربية الأسرة عليه، ينبغي أن تكون المناهج مركزة على الإيمان باليوم الآخر وتفاصيله، فمن المؤسف حقاً أن كثيراً منا وكثيراً من أسرنا لا يعلمون تفاصيل ما يجري في اليوم الآخر، لو جئت إلى شخص وقلت له: ماذا يحصل في اليوم الآخر؟ لقال لك: يحصل حساب وجزاء، ويوجد حوض وصراط، لكن ما تفاصيل ذلك؟ خروج الناس من قبورهم كيف يكون؟ اجتماعهم للمحشر الشفاعة العظمى دنو الشمس من العباد الحساب وكيف يتم الحساب؟ يجتمع الخلائق من أولهم إلى آخرهم بين يدي الله للحساب، ثم يحاسب الله كل واحد لوحده، ويحاضره محاضرة ما يظن أن الله يحاسب أحداً غيره.
стр. 589
الإيمان بالقضاء والقدر وأثره في حياة الإنسان
ثامناً: الإيمان بالقضاء والقدر وأثره في حياة الإنسان.
أيها الإخوة! إن من أبرز أركان الإيمان التي لها أثر في حياة الأسرة: الإيمان بالقضاء والقدر، والإيمان بالقضاء والقدر مقتضاه أن يؤمن الإنسان أن كل ما يجري فهو بقضاء الله وقدره، كل ما يجري عليك أنت أيها الإنسان فهو بقضاء الله وقدره، أولادك وجودهم سفرهم ذهابهم رزقك وإياهم فقرهم غناؤهم طول عمرهم قصر عمرهم مرضهم موتهم إلخ، كلها بقضاء الله وقدره، ليس لك إرادة في ذلك، مكتوب قبل أن تخلق أنت أيها الإنسان، فلماذا تعترض على ما قدر الله عليك؟ ولهذا كان الإيمان بالقضاء والقدر من أعظم أسباب استقرار النفس المطمئنة، ومن أعظم أسباب استقرار الأسرة المسلمة.
أيها الإخوة في الله! دعوني أضرب لكم أمثلة، لأننا لو أطلنا في هذا لطال بنا المقام، ولكن أشير إشارات تتعلق بالأسرة، فأقول مثلاً: الذي لا يولد له لماذا يعيش حياته كئيباً؟! يرضى بما قدر الله له، وربما أراد الله له الخير، ولو قيل له: ما رأيك أن يوجد لك ولد يشقيك في بقية عمرك أو لا يوجد، أيهما سيختار؟ سيختار عدم وجود هذا الولد؛ فلماذا يا من ابتليت بأن الله قبل خلقك بل قبل خلق السماوات والأرض قدر لك هذا، لماذا تعترض على قدر الله؟ ولماذا لا توجه حياتك توجيهاً صحيحاً لتنعم بنعيم الله في الجنة، نعيم ما بعده نعيم، مع الحور العين والقصور، قال تعالى: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر:٥٥] لماذا لا تشمر إلى الآخرة؟ لماذا تعيش حياتك معقداً؟ لماذا تحسد الناس؟ أقبل على ربك ، أرأيتم كيف يكون الإيمان بالقضاء والقدر؟ ثانياً: الرجل الذي ولد له بنات ولم يولد له أولاد، لا بد أن يرضى بقضاء الله وقدره، بعض الناس يغضب -كما هي عادة الجاهلية- إذا جاءته بنت غضب! لا يا أخي! هذه البنت مقدرة، ولو أنك صنعت ما صنعت، ولو أنك تزوجت بنات الناس كلهم واحدةً تلو الأخرى إذا كان الله لم يكتب لك ولداً ذكراً فلن يأتيك ولد ذكر، فارض بما قسم الله لك، ارض يا عبد الله بما قسم لك، واعلم أن هذه الأنثى التي رزقك الله إياها هي نفس إنسانية مكرمة كرمها الله ، ولهذا قدمها ﵎ في كتابه العزيز حينما قال: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا﴾ [الشورى:٤٩ - ٥٠]، فقدم في الآية الإناث، وهذا كان للرد على عادات الجاهلية، وللأسف الشديد أنه يقع فينا أحياناً من عادات الجاهلية، وفي البنات خير، فهن أمهات الأطفال، ومربيات الأجيال، فيا أصحاب البنات! يا من عندهم بنات فقط أو عندهم بنات وأولاد لكن قد يضيقون أحياناً بالبنات! اسمعوا لهذا الحديث الذي رواه مسلم عن أنس يقول فيه الرسول ﷺ : (من عال جاريتين حتى تبلغا جاء يوم القيامة أنا وهو هكذا، ثم ضم النبي ﷺ أصبعيه)، أرأيتم البركة في البنات؟! إذاً: هو الرضا بقضاء الله وقدره، يؤدي بالإنسان إلى أن يرضى فيبارك الله له.
الإمام أحمد بن حنبل روى عنه ابنه صالح قال: كان أبي أحمد بن حنبل إذا ولد له ابنة يقول: الأنبياء كانوا آباء بنات، فهل حط من قدرهم؟ هل حط من وزنهم؟ لا أيها الأخ المسلم.
وأيضاً: من أثر الإيمان بالقضاء والقدر: موت الولد وهو صغير، فإن بعض الناس يحزن لذلك حزناً شديداً، لا يا أخي! ارض بما قضى الله لك، يا صاحب الأسرة! يا أيتها الأم! يا أيها الأب! إذا ما أخذ الله لكم ولداً فارضوا بما قضى الله وقدره لكم، واسمعوا إلى هذا الحديث الذي رواه الإمام مسلم عن أبي حسان قال: توفي ابنان لي، فقلت لـ أبي هريرة: هل سمعت من رسول الله ﷺ حديثاً تحدثناه تطيب به أنفسنا عن موتانا؟ قال أبو هريرة: (نعم، صغارهم دعاميص الجنة)، ما هو الدعموص في اللغة العربية؟ الدعموص: هو الدخال الذي يدخل ويخرج ولا أحد يرده، ومعنى الحديث: أنهم سياحون في الجنة لا يردهم أحد، يدخلون كل بيت في الجنة، يقول أبو هريرة -وهذا له حكم الرفع-: (صغارهم دعاميص الجنة يتلقى أحدهم أباه -أو قال: أبويه- فيأخذ بناحية ثوبه أو يده كما آخذ أنا بصنفة ثوبك هذا)، متى هذا؟ يوم القيامة، يوم عظيم يوم الفزع الأكبر تأتي أنت أيها الأب، وتأتي الأم أيضاً وقد فزعوا وضاقت عليهم الدنيا كلها، واشرأبت لهم الأعناق: ﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾ [القلم:٤٣] الكل ذليلون أمام عظمة الجبار؛ لأنه الحساب الأكبر، يقول أبو هريرة ﵁: (فيأخذ بناحية ثوبه أو بيده فلا يفارقه)، يمسك به فلا يفارقه حتى يدخله الله وإياه الجنة سبحان الله! حتى ولو كانت له ذنوب ومعاصٍ، يشفع له ولده، يقول الابن الذي مات ولم يذنب ذنباً: يا رب! أنا لا أدخل الجنة إلا ومعي أبي وأمي، أرأيتم يا من تحزنون على موت الأولاد؟! إنهم بركة، ولذا روى أبو سعيد الخدري ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال للنساء: (ما منكن امرأة يموت له ثلاثة من الولد إلا كانوا لها حجاباً من النار، فقالت له امرأة: واثنان؟ فقال: واثنان) والحديث متفق عليه، إذاً هذا أثر من آثار التسليم والإيمان بالقضاء والقدر.
وأثر الإيمان بالقضاء والقدر أثر عميق في حياة الأسرة إذا توفي أحد الأبوين، إذا رضوا بالقضاء والقدر فإن الله يتكفل ببقية الأسرة، فكم من أسرة مات ولي أمرها فعاشت أسرة عزيزة، وإن لم يوجد له راع، وكم من أسرة ماتت الأم -وكل ذلك قضاء وقدر- فالله رعى أولادها من بعدها، إنه الرضا بالقضاء والقدر.
كذلك أيضاً حينما يوجد معوق داخل البيت، بعض الأسر تحزن وتتحول حياتها إلى حياة جحيم وقلق نفسي، لماذا؟! حتى ولو وجد المعوق فإن هذا بقضاء الله وقدره، فارض بما قسم الله لك، أرأيتم كيف أن الإيمان بالقضاء والقدر يضفي على الأسرة ويضفي على نفسية المعوق جواً إيمانياً وحياةً مطمئنة؟! إنها العقيدة! إذا ربطت وترابطت وشائجها تحولت الأسرة إلى أسرة مؤمنة طيعة مخبتة لربها ﵎.
стр. 590
عقيدة الولاء والبراء وأثرها في حياة الأسرة
تاسعاً: عقيدة الولاء والبراء وأثرها في حياة الأسرة.
وهذه القضية للأمة عموماً، ولن أدخل في تفاصيلها؛ لأن الولاء والبراء أساساً من أسس العقيدة، ويا للأسف في أزماننا الأخيرة بدأ كثير من الناس يتخلى عنها، صار الدين هو الإيمان بالله فقط؛ وليس البراءة من الطواغيت، وليس البراءة من الشرك، صار الدين معنا كما نشاهد اليوم: آمن بالله، واجعل دينك بينك وبين نفسك، وصل لوحدك، أما البراءة من الطواغيت والشرك، ومن أعداء الله فلا، وهذه والله مصيبة تربوية في مجتمعاتنا الإسلامية، إن أساس العقيدة يقوم على البراءة من الطواغيت كما قال الله ﵎: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦]، وهي ملة أبينا إبراهيم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والتسليم، ملة البراءة من الشرك ومن أهل الشرك.
إن الكلام حول الولاء والبراء طويل، لكنني أشير إلى جوانب منه باختصار فأقول: إذا ربيت الأسرة على الولاء والبراء تعلقت هذه الأسرة بالمؤمنين ولم تتعلق بالكافرين، بل أبغضت الكافرين، لماذا أيها الإخوة نشاهد الابن أو البنت أحياناً يتعلق بكافر لأنه لاعب كرة، أو لأنه ممثل أو ممثلة، أو صاحب أزياء أو صاحبة أزياء؟! لماذا نشاهد هذا التعلق بالكفار وهم كفار؟! إنه بسبب الضعف في عقيدة الولاء والبراء، إن تربية الأسرة على عقيدة الولاء والبراء ينظفها من التعلق بالكفار والكافرين، وينظفها من التعلق بالفساق والمجان وغيرهم، ويعلقها بالأمثلة الصالحة من المؤمنين الصادقين قديماً وحديثاً، عقيدة الولاء والبراء ضرورية جداً لحماية الأسرة من المؤثرات الخارجية، إنها الحصن الحصين للأسرة أيها الإخوة في الله! ثم أخيراً لمحة أقول فيها: لماذا يربي بعضنا أسرته على الفخر والخيلاء بالنسب والآباء والأجداد؟ نعم! إن هذا موجود، إنه يربي فيهم على أنهم الأسرة الفلانية، وأبوهم فلان، وجدهم فلان إلخ، لماذا هذا الفخر والخيلاء بالآباء والأجداد؟ إنه يولد الغرور بالنسبة للآباء، ولهذا كان في منهج الإسلام بيان لهذه الحقيقة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣] هذا هو الميزان، لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى، هذا هو الميزان، ولهذا فإن تربية الأسرة على عقيدة الولاء والبراء يجعلها تتعامل مع الناس تعاملاً صحيحاً، وتزن الناس بميزان التقوى، وليس بموازين أخرى جاهلية من الأرض أو الوطن أو التراب أو القبيلة أو الجنس أو العرق، فهذه كلها جاهلية.
стр. 591
الأم ودورها في الأسرة
عاشراً: الأم ودورها في الأسرة.
أيها الإخوة! إن الأم والزوجة داخل البيت لهن أثر كبير جداً في حياة الأسرة، ولهذا فإننا أحياناً نجد نماذج تقوم فيها الأم بدور عظيم، إن كون الأم تقوم بدورها المكمل للزوج هذا هو الطبيعي، أن يقوم الأب بدوره، وتقوم الأم بدورها، وكل منهما يكمل الآخر، لكن هناك أحوال فعلاً تقوم فيها الأم بدور عظيم، فمثلاً: قد يوجد نموذج الأب المنحرف والأم الصالحة، والزوجة الصالحة، ويعظم الخطب حين يكون الأب منحرفاً وحريصاً على أن يسلك بأولاده وأسرته مسلكه المنحرف، لماذا يحرص على ذلك؟ إما رغبةً في الانحراف وتزيين الشيطان، أو لأن الأب يريد لأسرته الانحراف حتى لا يضايقوه في انحرافه، هذه الحالة يأتي فيها دور الأم إذا كانت صالحة، هنا دور عظيمات النساء، فالأم أولاً: يكون دورها في نصح زوجها، وتصحيح مساره، تعالجه وهي تعايشه ليلاً ونهاراً حتى يصحح المسار، وكم من زوجة كان لها أثر كبير على الزوج فصححت مساره وعقيدته.
ثانياً: دورها في حماية الأسرة من الانحراف، خاصة من هذا الأب الذي يمتلك من الإمكانات ما لا يملك غيره.
أيها الإخوة! إن لنا في قصة إحدى الصحابيات عبرة وعظة، قصة صحابية جليلة واجهت ما تواجهه مثل هذه المرأة التي ذكرناها قبل قليل، أم سليم الرميصاء بنت ملحان بن خالد بن يزيد الأنصارية والدة أنس بن مالك، اسمعوا إلى هذا النموذج حينما يستيقظ حس العقيدة في نفس الأم، وفي نفس الزوجة؛ روي عنها أنها آمنت برسول الله ﷺ ، واستجابت لداعي الهدى والخير، وقالت: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، فتحولت إلى امرأة مسلمة مستسلمة لربها ﵎، ولكن في أول الأمر كان زوجها كافرًا، فجاء زوجها مالك والد أنس بن مالك -وكان غائباً- فكان أول سؤال سألها أن قال لها مغضباً: أصبوت؟! فقالت: ما صبوت ولكني آمنت، فلما رأت زوجها مغضباً ينكر عليها إيمانها خافت على وليدها أنس، فجعلت تلقن أنس الشهادتين وهو صغير رضيع، تقول له: قل: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، أرأيتم الأم حينما تخاف على ابنها من الانحراف! فصار أبوه يقول لها: لا تفسدي علي ابني، لا تفسدي علي ابني، فتقول له: إني لا أفسده.
ونسأل الله السلامة والعافية! ثم خرج مالك ولقيه عدو له فقتله على الكفر بالله، نسأل الله السلامة والعافية! فلما قتل قالت هذه الأم وهذه الزوجة: لا جرم، لا أفطم أنساً حتى يدع الثدي هو، حتى تربيه على الحنان وعلى رضاع الإيمان، ثم قالت: ولا أتزوج حتى يأمرني أنس.
نعم أيها الإخوة! إنه الحرص على هذا الابن الصغير، خوفاً عليه من أن تتلقفه الأيدي التي لا تربيه على منهج الله ومنهج رسوله ﷺ ، فتفرغت للطفل، ولهذا لما شب قليلاً وصار عمره قرابة سبع سنوات نقلته إلى بيت النبوة، وأتت بابنها أنس إلى رسول الله ﷺ وقالت: يا رسول الله! هذا أنس خويدمك، أريد أن يخدمك يا رسول الله.
وبقي أنس بن مالك في بيت رسول الله ﷺ يخدمه عشر سنوات، حتى انتقل رسول الله ﷺ إلى الرفيق الأعلى.
هل انتهت قصة هذه الصحابية الجليلة؟ لا، لم تنته بعد؛ لقد خطبها أبو طلحة الأنصاري وهو على الشرك، فأبت عليه، لكن هل أبت واكتفت؟ لا، أبت إباء المرأة الداعية إلى الله ، روى ابنها أنس بن مالك قال: خطب أبو طلحة أم سليم، فقالت: إنه لا ينبغي أن أتزوج مشركاً، ثم قالت له: يا أبا طلحة! أما تعلم أن آلهتكم -الأصنام- ينحتها عبد آل فلان، وأنكم لو أشعلتم فيها ناراً لاحترقت؟ كيف تعبد يا أبا طلحة هذا الخشب وهذا الحجر من دون الله؟! إنها دعوة إلى التوحيد، قال أنس: فانصرف وفي قلبه ذلك، ثم أتاها بعد ذلك وقال: الذي عرضت علي قد قبلت، فتزوجها، فكان مهرها الإسلام، فما أعظمه من مهر يا دعاة المادية! يا دعاة غلاء المهور! كان مهرها هو الإسلام! دخل في الإسلام فكان مهراً لها.
ومن أصحاب النبي ومن غيرهم من أمهر بالقرآن العظيم، منهم من أمهر بسورة من القرآن، ولقد سمعت قصة شاب خطب امرأة فقالت له الزوجة: ما أريد منه إلا حفظ القرآن، فرجع إلى بيته -وهو الفقير- يحفظ القرآن، فلما أتم حفظه وجاء، قالوا: نعم إذاًً.
فتقدم، فكان مهرها القرآن، أرأيتم النفوس كيف تربى؟! وأم سليم امرأة مجاهدة قصتها طويلة.
стр. 592
أهمية التدرج في تعليم الطفل
أيها الإخوة! أختم هذه المسائل بالمسألة الحادية عشرة: وهي أهمية التدرج في تعليم الطفل خاصة العقيدة، وإنما ذكرت هذه المسألة لأن كثيراً من الناس قد يخطئ فيها، فمن الناس من يهمل طفله ولا يعلمه العقيدة ولا مبادئها، وإنما يتعلم من الشارع والتلفاز والتمثيليات، ومن الرياضة وغيرها، ولا يربيه هو على العقيدة، وبعض الناس حرصاً منه على تربية ولده يتعجل في تعليمه مسائل العقيدة وتفاصيلها، وأحياناً يعلمه أشياء لا يستوعبها الطفل، لذلك جاءت هذه الملحوظة التي أختم بها هذا الدرس فأقول: ينبغي التدرج في تعليم الطفل العقيدة، والإتيان بالأمثلة العملية، وألا تعطيه ما هو فوق مستواه، فإنه أحياناً يتفوه بكلمة أنت لا ترضاها؛ لأنه لا يعقل، فأحياناً تعلم الطفل، ثم إذا غضب عليك أنكر هذه الأشياء التي علمته إياها، وصار أحياناً ربما يشتمها أو نحوها، فالواجب على الإنسان أن يتدرج في تعليمه لطفله، وأن يراعي مستواه.
أيها الإخوة! هذه لمحات من أثر العقيدة على الأسرة المسلمة، أسال الله أن يجعلني وإياكم هداة مهتدين، وأن يرزق أسرنا الصلاح والاهتداء، وأن يثبتنا وإياكم جميعاً على دينه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
стр. 593
الأسئلة
стр. 594
حكم الشرع في استخدام العمال الأجانب
السؤال
نجد الكثير من الأسر تستخدم الخدم من الكفار من أنواعهم وأشكالهم، ويعيشون في بيوت وأسر مسلمة، ومن هذه الأسر من لا يبالي بهذا الأمر ولا يوليه أي اهتمام، فما توجيهكم نحو ذلك؟ وما حكم الشرع في استقدام العاملات الأجنبية؟
الجواب
بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
الذين يفعلون هذا يقعون في أنواع من المنكرات.
أولها: استقدام الكفار إلى جزيرة العرب بهذا الشكل لا يجوز؛ لأنه لا يجوز دخول الكفار جزيرة العرب إلا لضرورة، وليس هذا من الضرورة، بل هناك عاملة مسلمة، فهذه القضية تشمل الأسر والشركات وغيرها، فالذي يستقدم عمالاً كفاراً ويترك المسلمين هو مرتكب لمنكر، ومتعرض لغضب الله ، فليتق الله في الأمة وليتق الله في هذا المال الذي يجمعه من هؤلاء.
ثانياً: يزداد الأمر خطورةً ونكارة حينما يستخدم الخادم أو الخادمة في الأسرة ويكون كافراً، وهذا حقيقة أمر مؤسف أن توجد امرأة كافرة أو رجل كافر داخل الأسرة المسلمة، ومآسي الخدم كتب عنها الكثير، لكن أخطرها مآسي الخدم الكفار، الذين يأتون بعاداتهم وتقاليدهم وكفريتهم إلى أسر المسلمين، ولهذا فإنني أقول لمن عنده أسرة ولو قال: إنها مسكينة طيبة ما تفعل شيئاً ولا تقول شيئاً، أقول: أنت مرتكب لما يغضب الله حينما تدخل أسرتك هذه الكافرة بإرادتك، فليتق الله كل فرد مسلم، فإن خطرها على الأسرة عظيم.
стр. 595
حكم من يربي أولاده على الخوف من المخلوقين
السؤال
ما حكم من يربي أبناءه على الخوف من المخلوقين؛ خوفاً عليهم من الضياع، أرجو بيان هذا الموضوع وجزاكم الله خيراً؟
الجواب
هذا الخوف على أشكال، إذا كان المقصود أن يعلمهم أن يخافوا من المخلوقين في جميع الأمور فهذا لا ينبغي؛ لأنه أولاً: يولد فيهم نقصاً تربوياً، فيصبح الابن أو الابنة ضعيف الشخصية.
ثانياً: من الواجب أن يربيه على الخوف من الله لا على الخوف من المخلوق، أما إن كان المقصود أنه يخوفهم من الفجرة والفسقة فهذا من جوانب التخويف الطيبة المهمة احذر من هذا الشاب السيئ احذري من صديقاتك السيئات، فإن هذا من الجوانب التي هي مطلوبة، فيفرق بين هذا وهذا.
стр. 596
حكم من يغلبها البكاء والصياح عند المصيبة
السؤال
أنا امرأة إذا مات أحد من أقاربي لا أتمالك نفسي، وأرفع صوتي بالصياح، وقد يغمى علي، وأعرف أن هذا لا يجوز، ولكني لا أملك نفسي، فهل علي شيء؟ وهل يعذب الميت في قبره بسببي أرجو إفادتي؟
الجواب
إذا كان كما ذكرت أنك لا تملكين نفسك، وأنك منكرة لذلك بقلبك قبل وبعد، إلى حد أنه يصل إلى الإغماء، فنرجو إن شاء الله أنه ليس عليك بذلك شيء؛ لكن روضي نفسك على أن تتبعي السنة في الصبر على أقدار الله تعالى، وما لا يملكه الإنسان من البكاء، فإن البكاء جائز، أما أن يتحول إلى رفع الصوت فإنه نياحة محرمة، فروضي نفسك على اتباع السنة وفقك الله.
стр. 597
حكم بدء الكفار بالسلام والابتسامة لهم
السؤال
هل يجوز أن نبدأ الكفار بالسلام؟ وإذا سلموا علينا فهل نرد عليهم؟ وهل لنا أن نبتسم لهم ونتودد إليهم؟ خاصة إذا كانت هناك علاقة عمل كبناء دار أو في شركة ونحوها، وهل يؤثر ذلك في عقيدتنا؟
الجواب
الثابت أنه لا يجوز بدؤهم بالسلام، وإذا سلموا فيرد عليهم، فإن كان تسليمهم بالسلام فيقال: وعليكم، وإن كان تسليمهم بغيره فلا بأس بالرد، فلو قال: صبحك الله بالخير مثلاً، فترد عليه بمثلها داعياً له بالهداية، كما كان السلف رحمهم الله تعالى يصنعون هذا؛ أما بدؤهم بالسلام فإن الله هو السلام، ولا يلقى هذا إلا على المؤمنين، وكذلك أيضاً لا يجوز للإنسان أن يبتسم في وجوههم ابتداء، وينبغي للإنسان أن يجعل علاقته بهؤلاء منطلقها علاقة دعوة، وإذا كان ذلك جاز الكلام وجازت الابتسامة أحياناً؛ لأجل الدعوة، والرسول ﷺ أكل الطعام عند اليهود، ومن غير المعقول أن يكون الرسول أكل طعامه وهو صامت عابس بوجهه، والناس في هذا الباب يجب عليهم أن يتقوا الله في هؤلاء، وينبغي أن تعلموا أن إظهار عزة المؤمنين للكفار هو منهج دعوي، بعض الناس يقول: ينبغي لنا أن نضحك في وجوههم ونتودد حتى ندعوهم إلى الإسلام، فنقول: إذا احترمناهم وقدرناهم ورغبناهم وربما قدمناهم على غيرهم، فلماذا سوف يدخلون في الإسلام؟! لماذا سيدخل في الإسلام وهو إذا كان كافراً صار أعز منه إذا كان مسلماً في موازين الناس؟! لذلك كان من شريعة الله أن الذمي يعطي الجزية عن يد وهو صاغر، ويلبس لباساً خاصاً، كما كان موجوداً في زمن الدولة الإسلامية، وإلى سنوات قريبة مضت في بعض البلاد الإسلامية، حتى يشعر أنه ذمي، ومتى يخرج من الإهانة؟ يخرج من الإهانة إذا دخل في الإسلام، فأنت كأنك تقول له: ستبقى بين المسلمين لا عزة لك إلا إذا دخلت الإسلام، لكن نعوذ بالله في هذه الأيام اختلت الموازين، فصار إذا جاء من بلاد الكفر وهو كافر نصراني أو غير نصراني قدمناه وقربناه، فكأننا نقول له: بقاؤك على الكفر أعز لك من الإسلام! أرأيتم كيف أن حال المسلمين أنهم يصدون عن دين الله وهم لا يشعرون! نسأل الله العافية.
стр. 598
التحذير من ظاهرة حب الكفار والتعلق بهم
السؤال
يكثر في هذا الزمن التعلق بالكفار، واعتقاد أن بيدهم المنفعة والمضرة، وحبهم بحجة أن عندهم إنسانية وإنصافاً، وكذلك حب بعض الشباب وتعلقهم باللاعبين الكفار والتشبه بهم، وحب التسمية بهم، نريد كلمة في ذلك.
الجواب
سبق الإشارة إلى هذا الأمر، لكن التعلق بالكفار في الأزمنة الأخيرة عم وطم، وشمل كثيراً من الناس، وهذا يؤذن بوضع خطير في حياة الأمة، لماذا التعلق بالكفار؟ هؤلاء الكفار عندهم إنسانية؟! سبحان الله! والله إن تاريخ الحضارة الحديث في هذه السنوات مليء بأبشع أنواع اللاإنسانية عند هؤلاء الغرب الكفرة، لكن ماذا نقول للبلهاء؟! وماذا نقول لوسائل الإعلام التي صورت هؤلاء الكفرة بصور الأبطال؟ وبصور المنقذين للأمم أمنياً واقتصادياً وسياسياً؟! أيها الإخوة! إن الركوع أمام اليهود والاستسلام لليهود أمنياً واقتصادياً وعسكرياً صار بطولة في هذه الأيام، ومتى كان أحفاد القردة والخنازير فيهم خير لنا نحن المسلمين؟! متى كان ذلك؟! والله ما كان ولن يكون، وإنهم الآن يخططون لما هو أعظم وأعظم، واليهود يريدون من مرحلة السلام أن تكون مرحلة الاستسلام الفكري والثقافي والعقدي لشباب المسلمين، وأسر ومجتمعات المسلمين، هذه هي قيمة السلام التي يخطط لها أعداؤنا اليهود، إنهم يخططون للاقتصاد للهيمنة العسكرية للهيمنة المائية لغيرها، لكن قبل ذلك يخططون لحرب هذا الإسلام، فيأتي بصورة حرب أصولية، يحاربون الإسلام الحق -عقيدة الولاء والبراء- باسم الأصولية، ولكن نقول: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال:٣٠].
إن المشكلة فينا نحن أيها الإخوة! وإلا فلو عدنا إلى ديننا وعقيدتنا، وربينا أسرنا وأنفسنا ومجتمعاتنا على العقيدة الصحيحة، والله لن يضرنا يهود ولا أذناب يهود؛ لأن الله معنا، قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ﴾ [غافر:٥١] إن الله هو ناصر رسله وعباده المؤمنين، لكن إذا عصينا الله وتخاذلنا فمن سوف ينصرنا؟ ما عندنا قوى مادية، أعداؤنا أقوى منا مادياً، فإذا بقينا بدون نصر من الله تساوينا نحن وإياهم في الجوانب المادية فانتصروا علينا، وهذه سنة الله في الحياة، فلماذا التعلق بالكفار وهم كفار؟! والله يبين لنا في كتابه العزيز في آيات بينات أصولاً عظيمة في هذا الباب، يقول ﵎: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة:١٢٠]، ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنفُسِهِمْ﴾ [البقرة:١٠٩]، هذا ليس كلامي، ولا كلام مفكر، ولا عملاق، ولا كلام أحد من رجالات الفكر أو الإعلام أو غيرهم، إنه كلام ربنا ﵎، حقيقة من حقائق الإيمان والتوحيد، وحقائق الصراع بين الأمم، حقيقة كبرى أن هؤلاء الكفار لا يريدون إلا أن نرجع كفاراً فنكون نحن وإياهم سواءً، فهل نقبل؟ هل نقبل أيها الإخوة هذا؟ نعم إنها المسئولية يتحملها الجميع.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 599
نحن أحق بموسى منكم [١]
إن أولى الناس بالأنبياء هو من اتبع ما جاءوا به من الحق المبين، واقتفى آثارهم فيما يرضي رب العالمين، فمن كان كذلك فهو حقيق أن ينتسب إليهم، وأن ينال شرف ذلك، والانتساب إلى الأنبياء والرسل ﵈ ليس بالتمني ولا بالتحلي ولا بالدعاوى الكاذبة، بل هو قول وعمل.
стр. 600
أخوة الأنبياء ﵈
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: روى البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: كان يوم عاشوراء يوماً تعظمه اليهود وتتخذه عيداً، فقال رسول الله ﷺ : (صوموه أنتم).
وفي رواية: (كان أهل خيبر يصومون يوم عاشوراء يتخذونه عيداً، ويُلبسون نساءهم فيه حليهم وشارتهم) أي: زينتهم وعلاماتهم، فقال رسول الله ﷺ : (فصوموه أنتم).
وروى الشيخان أيضاً عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: (قدم رسول الله ﷺ المدينة فرأى اليهود تصوم عاشوراء فقال: ما هذا؟! قالوا: هذا يوم صالح نجى الله فيه موسى وبني إسرائيل من عدوهم، فصامه، فقال ﷺ : أنا أحق بموسى منكم) فصامه ﷺ ، وأمر بصيامه.
وفي رواية: فقال لهم: (ما هذا اليوم الذي تصومونه؟! قالوا: هذا يوم عظيم أنجى الله فيه موسى وقومه، وأغرق فيه فرعون وقومه، فصامه موسى شكراً فنحن نصومه، فقال رسول الله ﷺ : فنحن أحق وأولى بموسى منكم فصامه رسول الله ﵌، وأمر بصيامه).
وفي رواية لـ أبي داود: (حين صام رسول الله ﷺ يوم عاشوراء وأمر بصيامه قالوا: يا رسول الله! إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى، فقال رسول الله ﷺ : فإذا كان العام القادم -إن شاء الله- صمت اليوم التاسع، فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله ﷺ .
قال العلماء: المعنى: لأصومن التاسع مع العاشر؛ مخالفة لليهود.
أيها الإخوة في الله! وقفتنا في مناسبة عاشوراء ومشروعية صيامه لا تختص بهذا اليوم، وإنما تمتد لتقعد قاعدة من قواعد الصراع العقدي بين الإسلام وغيره من الملل والنحل.
وقفة مع قول الهادي البشير ﷺ لما رأى اليهود تصوم يوم عاشوراء؛ لأن الله نجى فيه موسى ومن معه: (نحن أحق وأولى بموسى منكم).
إن هذا الحديث -وغيره من أدلة الكتاب والسنة- يدل على عدد من القواعد والأصول، وسنقف عند بعضها هذا اليوم.
следующие страницы →