← Фикх общий

Фикх общий · id 773

حجة الله البالغة

ولي الله الدهلوي

Полный текст (619 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وَالثَّانِي أَن يعْتَقد أَن لَيْسَ للنَّفس نشأة غير النشأة الجسدية، وَأَنه لَيْسَ لَهَا كَمَال آخر يجب عَلَيْهَا طلبه، فَإِن النَّفس إِذا أضمرت ذَلِك لم يطمح بصرها إِلَى الْكَمَال أصلا. وَلما كَانَ القَوْل بِإِثْبَات كَمَال غير كَمَال الْجَسَد لَا يَتَأَتَّى من الْجُمْهُور إِلَّا بتصور حَالَة تبَاين الْحَالة الْحَاضِرَة من كل وَجه، وَلَوْلَا ذَلِك لتعارض الْكَمَال الْمَعْقُول والمحسوس، فَمَال إِلَى المحسوس، وأهمل الْمَعْقُول نصب لَهُ مَظَنَّة هُوَ الْإِيمَان بلقاء الله وَالْيَوْم الآخر وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَالَّذِينَ لَا يُؤمنُونَ بِالآخِرَة قُلُوبهم مُنكرَة وهم مستكبرون﴾ وَبِالْجُمْلَةِ فَإِذا كَانَ الْإِنْسَان فِي هَذِه الْمرتبَة من الْإِثْم، فَمَاتَ، واضمحلت بهيميته، وشحت عَلَيْهِ المنافرة من فَوْقه كل المنافرة بِحَيْثُ لَا يجد سَبِيلا إِلَى الْخَلَاص أبدا. والمرتبة الثَّانِيَة أَن يتكبر بكبره البهيمي على مَا نَصبه الله تَعَالَى لوصول النَّاس إِلَى كمالهم، وقصدت الْمَلأ الْأَعْلَى بأقصى هممها إِشَاعَة أمره وتنويه شَأْنه من الرُّسُل والشرائع، فينكرها، ويعاديها، فَإِذا مَاتَ انعطف جَمِيع هممهم منافرة لَهُ، ومؤذية إِيَّاه، وأحاطت بِهِ خطيئته من حَيْثُ لم يجد لِلْخُرُوجِ مِنْهُ سَبِيلا، على أَنه لَا يَنْفَكّ هَذِه الْحَالة من عدم الْوُصُول إِلَى كَمَاله، أَو الْوَصْل الَّذِي لَا يعْتد بِهِ، وَهَذِه الْمرتبَة تخرج الْإِنْسَان من مِلَّة نبيه فِي جَمِيع الشَّرَائِع. والمرتبة الثَّالِثَة ترك مَا ينجيه، وَفعل مَا انْعَقَد فِي الذّكر اللَّعْن على فَاعله، من جِهَة كَونه مَظَنَّة غَالِبا لفساد كَبِير فِي الأَرْض، وهيئة مضادة لتهذيب النَّفس. فَمِنْهَا أَلا يفعل من الشَّرَائِع الكاسبة للانقياد، أَو المهيئة لَهُ مَا يعْتد بِهِ، وَيخْتَلف باخْتلَاف النُّفُوس إِلَّا أَن المنغمسة فِي الهيئات البهيمية الضعيفة أحْوج النَّاس إِلَى إكثارها، والأمم الَّتِي بهيميتها أَشد وَأَغْلظ أحْوج النَّاس إِلَى إكثار الشاق مِنْهَا. وَمِنْهَا أَعمال سبعية تستجلب لعنا عَظِيما كَالْقَتْلِ. وَمِنْهَا أَعمال شهوية، وَمِنْهَا مكاسب ضارة كالقمار والربا. وَفِي كل شَيْء من هَذِه الْمَذْكُورَات ثلمة عَظِيمَة فِي النَّفس من جِهَة الاقدام على خلاف السّنة اللَّازِمَة كَمَا ذكرنَا، وَلعن من الْمَلأ الْأَعْلَى يُحِيط بِهِ، فبمجموع الْأَمريْنِ

стр. 107

يحصل الْعَذَاب، وَهَذِه الْمرتبَة أعظم الْكَبَائِر قد انْعَقَد فِي حَظِيرَة الْقُدس تَحْرِيمهَا، وَلعن صَاحبهَا، وَلم يزل الْأَنْبِيَاء يترجمون مَا انْعَقَد هُنَالك، وأكثرها مجمع عَلَيْهِ فِي الشَّرَائِع. الْمرتبَة الرَّابِعَة مَعْصِيّة الشَّرَائِع والمناهج الْمُخْتَلفَة باخْتلَاف الْأُمَم والأعصار وَذَلِكَ أَن الله تَعَالَى إِذا بعث نَبيا إِلَى قوم؛ ليخرجهم من الظُّلُمَات إِلَى النُّور، وليقيم عوجهم؛ وليسوسهم أحسن السياسة - كَانَ بَعثه متضمنا لإِيجَاب مَا لَا يُمكن إِقَامَة عوجهم وسياستهم إِلَّا بِهِ، فَلِكُل مقصد مَظَنَّة أكثرية أَو دائمة يجب أَن يؤاخذوا عَلَيْهَا، ويخاطبوا بهَا، وللتوقيت قوانين توجبه، وَرب أَمر يكون دَاعيا إِلَى مفْسدَة أَو مصلحَة فيؤمرون حَسْبَمَا يدعونَ إِلَيْهِ، وَمن ذَلِك مَا هُوَ مَأْمُور أَو مَنْهِيّ عَنهُ حتما، وَمِنْه مَا هُوَ مَأْمُور أَو مَنْهِيّ عَنهُ من غير عزم " واقل ذَلِك مَا نزل بِهِ الْوَحْي الظَّاهِر، وَأَكْثَره مَالا يُثبتهُ إِلَّا اجْتِهَاد النَّبِي ﷺ . الْمرتبَة الْخَامِسَة مَا لم ينص عَلَيْهِ الشَّارِع وَلم ينْعَقد فِي الْمَلأ الْأَعْلَى حكمه لَكِن توجه عبد إِلَى الله بِمَجَامِع همته فاعتراه شَيْء يَظُنّهُ مَمْنُوعًا عَنهُ، أَو مَأْمُورا بِهِ من قبل قِيَاس، أَو تَخْرِيج، أَو نَحْو ذَلِك، كَمَا يظْهر للعوام تَأْثِير بعض الْأَدْوِيَة من قبل تجربة نَاقِصَة أَو دوران حكم الطَّبِيب الحاذق على عِلّة، وَلَا يعلمُونَ وَجه التَّأْثِير، وَلَا ينص عَلَيْهِ الطَّبِيب، فَلَا يخرج مثل هَذَا الْإِنْسَان من الْعهْدَة حَتَّى يَأْخُذ بِالِاحْتِيَاطِ، وَإِلَّا كَانَ بَينه وَبَين ربه حجاب فِيمَا يظنّ فيؤاخذ بظنه. وأصل المرضى فِي هَذِه الْمرتبَة أَن يهمل أمرهَا، وَلَا يلْتَفت إِلَيْهَا، غير أَن فِي الْوُجُود أنفًا يستوجبون ذَلِك فيوفر عَلَيْهِم الْجواد مَا استوجبوه وفيهَا قَوْله تَعَالَى: " أَنا عِنْد ظن عَبدِي بِي " وَقَوله تَعَالَى فِي الْقُرْآن الْعَظِيم: ﴿ورهبانية ابتدعوها مَا كتبناها عَلَيْهِم إِلَّا ابْتِغَاء رضوَان الله﴾ وَقَوله ﷺ : " لَا تشددوا فيشدد الله عَلَيْكُم " وَقَوله ﷺ : " الْإِثْم مَا حاك فِي صدرك " وَيلْحق بهَا مَعْصِيّة حكم مُجْتَهد فِيهِ إِذا كَانَ مُقَلدًا مجمعا تَقْلِيد من يرى ذَلِك و، الله أعلم. (بَاب مفاسد الآثام) وَاعْلَم أَن الْكَبِيرَة وَالصَّغِيرَة تطلقان باعتبارين: أَحدهمَا بِحَسب حِكْمَة الْبر وَالْإِثْم، وَثَانِيهمَا بِحَسب الشَّرَائِع والمناهج المختصة بعصر دون عصر. أما الْكَبِيرَة بِحَسب حِكْمَة الْبر وَالْإِثْم، فَهِيَ ذَنْب يُوجب الْعَذَاب فِي الْقَبْر وَفِي

стр. 108

الْمَحْشَر إِيجَابا قَوِيا، وَيفْسد الارتفاقات الصَّالِحَة إفسادا قَوِيا، وَيكون من الْفطْرَة على الطّرف الْمُخَالف جدا. وَالصَّغِيرَة مَا كَانَ مَظَنَّة لبَعض ذَلِك، أَو مفضيا إِلَيْهِ فِي الْأَكْثَر أَو يُوجب بعض ذَلِك من وَجه، وَلَا يُوجِبهُ من وَجه، كمن ينْفق فِي سَبِيل الله، وَأَهله جِيَاع، فَيدْفَع رذيلة الْبُخْل، وَيفْسد تَدْبِير الْمنزل. وَأما بِحَسب الشَّرَائِع الْخَاصَّة، فَمَا نصت الشَّرِيعَة على تَحْرِيمه أَو أَو عد الشَّارِع عَلَيْهِ بالنَّار، أَو شرع عَلَيْهِ حدا، أَو سمى مرتكبة كَافِرًا خَارِجا من الْملَّة إبانة لقبحه وتغليظا لأَمره، فَهُوَ كَبِيرَة، وَرُبمَا يكون شَيْء صَغِيرَة بِحَسب حِكْمَة الْبر وَالْإِثْم، كَبِيرَة بِحَسب الشَّرِيعَة، وَذَلِكَ أَن الْملَّة الْجَاهِلِيَّة رُبمَا ارتكبت شَيْئا حَتَّى فَشَا الرَّسْم بِهِ فيهم لَا يخرج مِنْهُم إِلَّا أَن تتقطع قُلُوبهم، ثمَّ جَاءَ الشَّرْع ناهيا عَنهُ، فَحصل مِنْهُم لجاج ومكابرة، وَحصل من الشَّرْع تَغْلِيظ وتهديد بِحَسب ذَلِك حَتَّى صَار ارتكابها كالمناوأة الشَّدِيدَة للملة، وَلَا يَتَأَتَّى الْإِقْدَام عَليّ مثله إِلَّا من كل مارد متمرد لَا يستحي من الله وَلَا من النَّاس، فَكتب كَبِيرَة عِنْد ذَلِك. وَبِالْجُمْلَةِ فَنحْن نؤخر الْكَلَام فِي الْكَبَائِر بِحَسب الشَّرِيعَة إِلَى الْقسم الثَّانِي من هَذَا الْكتاب لِأَن ذَلِك مَوْضِعه، وننبه على مفاسد الْكَبَائِر بِحَسب حِكْمَة الْبر والاثم هَهُنَا كَمَا فعلنَا فِي أَنْوَاع الْبر نَحوا من ذَلِك. وَقد اخْتلف النَّاس فِي الْكَبِيرَة إِذا مَاتَ العَاصِي عَلَيْهَا، وَلم يتب هَل يجوز أَن يعْفُو الله عَنهُ أَولا؟ وَجَاء كل فرقة بأدلة من الْكتاب وَالسّنة، وَحل الِاخْتِلَاف عِنْدِي أَن أَفعَال الله تَعَالَى على وَجْهَيْن: مِنْهَا الْجَارِيَة على الْعَادة المستمرة، وَمِنْهَا الخارقة للْعَادَة، والقضايا الَّتِي يتَكَلَّم بهَا النَّاس موجهة بجهتين: إِحْدَاهمَا فِي الْعَادة: وَالثَّانيَِة مُطلقًا، وَشرط التَّنَاقُض اتِّحَاد الْجِهَة مثل مَا قَرَّرَهُ المنطقيون فِي القضايا الموجهة، وَقد تحذف الْجِهَة فَيجب اتِّبَاع الْقَرَائِن، فقولنا كل من تنَاول السم مَاتَ مَعْنَاهُ بِحَسب الْعَادة المستمرة، وَقَوْلنَا لَيْسَ كل من تنَاول السم مَاتَ مَعْنَاهُ بِحَسب خرق الْعَادة، فَلَا تنَاقض، وكما أَن لله تَعَالَى فِي الدُّنْيَا أفعالا خارقة وأفعالا جَارِيَة على الْعَادة، فَكَذَلِك فِي الْمعَاد أَفعَال خارقة وعادية، أما الْعَادة المستمرة فَإِن يُعَاقب العَاصِي إِذا مَاتَ من غير تَوْبَة زَمَانا طَويلا، وَقد تخرق الْعَادة وَكَذَلِكَ حَال حُقُوق الْعباد، وَأما خُلُود صَاحب الْكَبِيرَة فِي الْعَذَاب، فَلَيْسَ بِصَحِيح وَلَيْسَ من حِكْمَة الله أَن يفعل بِصَاحِب الْكَبِيرَة مثل مَا يفعل يَا الْكَافِر سَوَاء وَالله أعلم.

стр. 109

(بَاب فِي الْمعاصِي الَّتِي هِيَ فِيمَا بَينه وَبَين نَفسه) اعْلَم أَن الْقُوَّة الملكية من الْإِنْسَان اكتنفت بهَا الْقُوَّة البهيمية من جوانبها، وَإِنَّمَا مثلهَا فِي ذَلِك مثل طَائِر فِي قفص، سعادته أَن يخرج من هَذَا القفص، فَيلْحق بحيزه الْأَصْلِيّ من الرياض الأريضة، وَيَأْكُل الْحُبُوب الغاذية والفواكه اللذيذة من هُنَالك، وَيدخل فِي زمرة أَبنَاء نَوعه، فيبتهج بهم كل الابتهاج، فأشد شقاوة الْإِنْسَان أَن يكون دهريا، وَحَقِيقَة الدهري أَن يكون مناقضا للعلوم الفطرية المخلوقة فِيهِ، وَقد بَينا أَن لَهُ ميلًا فِي أصل فطرته إِلَى المبدأ ﷻ ، وميلا إِلَى تَعْظِيمه أَشد مَا يجد من التَّعْظِيم، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَة فِي قَوْله ﵎: ﴿وَإِذ أَخذ رَبك من بني آدم﴾ الْآيَة وَقَوله ﷺ : " كل مَوْلُود يُولد على الْفطْرَة " والتعظيم الْأَقْصَى لَا يتَمَكَّن من نَفسه إِلَّا باعتقاد تصرف فِي بارئه بِالْقَصْدِ وَالِاخْتِيَار ومجازاة وتكليف لَهُم وتشريع عَلَيْهِم، فَمن أنكر أَن لَهُ رَبًّا تَنْتَهِي إِلَيْهِ سلسلة الْوُجُود، أَو اعْتقد رَبًّا معطلا لَا يتَصَرَّف فِي الْعَالم أَو يتَصَرَّف فِي بِالْإِيجَابِ من غير إِرَادَة أَو لَا يجازى عباده على مَا يَفْعَلُونَ من خير وَشر، أَو أعتقد ربه كَمثل سَائِر الْخلق، أَو أشرك عباده فِي صِفَاته، أَو اعْتقد أَنه لَا يكلفهم بشريعة على لِسَان نَبِي - فَذَلِك الدهري الَّذِي لم يجمع فِي نَفسه تَعْظِيم ربه، وَلَيْسَ لعلمه نُفُوذ إِلَى حيّز الْقُدس أصلا، وَهُوَ بِمَنْزِلَة الطَّائِر الْمَحْبُوس فِي قفص من حَدِيد لَيْسَ فِيهِ منفذ وَلَا مَوضِع إبرة، فَإِذا مَاتَ شف الْحجاب وبرزت الملكية بروزا مَا، وتحرك الْميل المفطور فِيهِ، وعاقته الْعَوَائِق فِي علمه بربه وَفِي الْوُصُول إِلَى حيّز الْقُدس، فهاجت فِي نَفسه وَحْشَة عَظِيمَة، وَنظر إِلَيْهَا بارئها وَالْمَلَأ الْأَعْلَى، وَهِي فِي تِلْكَ الْحَالة الخبيثة، فأحدقت فِيهَا بِنَظَر السخط والازدراء، وترشحت فِي نفوس الْمَلَائِكَة إلهامات السخط وَالْعَذَاب، فعذب فِي الْمِثَال وَفِي الْخَارِج، أَو كَافِرًا تكبر على الشَّأْن الَّذِي تطور بِهِ الله تَعَالَى كَمَا قَالَ:

стр. 110

﴿كل يَوْم هُوَ فِي شَأْن﴾ وأعني بالشأن أَن للْعَالم أدوارا وأطواراً حسب الْحِكْمَة الإلهية، فَإِذا جَاءَ دوره أُوحِي الله تَعَالَى فِي كل سَمَاء أمرهَا، ودبر الْمَلأ الْأَعْلَى بِمَا يُنَاسِبهَا، وَكتب لَهُم شَرِيعَة ومصلحة. ثمَّ ألهم الْمَلأ الْأَعْلَى أَن يجمعوا تمشية هَذَا الطّور فِي الْعَالم، فَيكون إِجْمَاعهم سَببا لإلهامات فِي قُلُوب الْبشر، فَهَذَا الشَّأْن تلو الْمرتبَة الْقَدِيمَة الَّتِي لَا يشوبها حُدُوث، وَهَذِه أَيْضا شارحة لبَعض كَمَال الْوَاجِب جلّ مجده كالمرتبة الأولى فَكل من باين هَذَا الشَّأْن، وأبغضه وَصد عَنهُ أتبع من الْمَلأ الْأَعْلَى بلعنة شَدِيدَة تحيط بِنَفسِهِ، فتحبط أَعماله، ويقسوا قلبه، وَلَا يَسْتَطِيع أَن يكْسب من أَعمال الْبر مَا يَنْفَعهُ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَة فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِن الَّذين يكتمون مَا أنزلنَا من الْبَينَات وَالْهدى من بعد مَا بَيناهُ للنَّاس فِي الْكتاب أُولَئِكَ يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون﴾ وَقَوله: ﴿ختم الله على قُلُوبهم وعَلى سمعهم﴾ فَهَذَا كطير فِي قفص لَهُ منافذ إِلَّا أَنه قد غشى من فَوْقه بغاشية عَظِيمَة وَأدنى من ذَلِك أَن يعْتَقد التَّوْحِيد والتعظم على وجههما، وَلَكِن ترك الِامْتِثَال لما أَمر بِهِ فِي حِكْمَة الْبر والاثم، وَمثله كَمثل رجل عرف الشجَاعَة مَا هِيَ وَمَا فائدتها، وَلَكِن لَا يَسْتَطِيع الاتصاف بهَا لِأَن حُصُول نفس الشجَاعَة غير حُصُول صورتهَا فِي النَّفس، وَهُوَ أحسن حَالا مِمَّن لَا يعرف معنى الشجَاعَة أَيْضا، وَمثله كَمثل طَائِر فِي قفص مشبك يرى الخضرة والفواكه وَقد كَانَ فِيمَا هُنَالك أَيَّامًا، ثمَّ طَرَأَ عَلَيْهِ الْحَبْس، فيشتاق إِلَى مَا هُنَالك وَيضْرب بجناحه، وَيدخل فِي المنافذ مناقيره، وَلَا يجد طَرِيقا يخرج مِنْهُ، وَهَذِه هِيَ الْكَبَائِر بِحَسب حِكْمَة الْبر والاثم. وَأدنى من ذَلِك أَن يفعل هَذِه الْأَوَامِر؛ وَلَكِن لاعلى شريطتها الَّتِي تجب لَهَا، فَمثله كَمثل طَائِر فِي قفص مكسور فِي الْخُرُوج مِنْهُ حرج، وَلَا يتَصَوَّر الْخُرُوج إِلَّا بخدش فِي جلده ونتف فِي ريشه، فَهُوَ يَسْتَطِيع أَن يخرج من قفصه، وَلَكِن بجد وكد، وَلَا يبتهج فِي أَبنَاء نَوعه كل الابتهاج، وَلَا يتَنَاوَل من فواكه الرياض كَمَا يَنْبَغِي لما أَصَابَهُ من الخدش والنتف، وَهَؤُلَاء هم الَّذين خلطوا عملا صَالحا وَأخر سَيِّئًا، وعوائقهم هَذِه هِيَ الصَّغَائِر بِحَسب حِكْمَة الْبر والاثم وَقد أَشَارَ النَّبِي ﷺ فِي حَدِيث الصِّرَاط إِلَى هَذِه الثَّلَاثَة حَيْثُ قَالَ: " سَاقِط فِي النَّار، ومخردل نَاجٍ، ومخدوش نَاجٍ " وَالله أعلم.

стр. 111

(بَاب الآثام الَّتِي هِيَ فِيمَا بَينه وَبَين النَّاس) اعْلَم أَن أَنْوَاع الْحَيَوَان على مَرَاتِب شَتَّى: مِنْهَا مَا يتكون تكون الديدان من الأَرْض، وَمن حَقّهَا أَن تلهم من بارئ الصُّور كَيفَ تتغذى، وَلَا تلهم كَيفَ تدبر الْمنَازل. وَمِنْهَا مَا يتناسل ويتعاون الذّكر وَالْأُنْثَى مِنْهَا فِي حضَانَة الْأَوْلَاد، وَمن حَقّهَا فِي حِكْمَة الله تَعَالَى أَن تلهم تَدْبِير الْمنَازل أَيْضا، فألهم الطير كَيفَ يتغذى، ويطير، وألهم أَيْضا كَيفَ يسافد، وَكَيف يتَّخذ عشا، وَكَيف تزق الْفِرَاخ، وَالْإِنْسَان من بَينهَا مدنِي الطَّبْع لَا يتعيش إِلَّا بالتعاون من بني نَوعه، فَإِنَّهُ لَا يتغذى الْحَشِيش النَّابِت بِنَفسِهِ وَلَا بالفواكه نيئة، وَلَا يتدفأ بالوبر إِلَى غير ذَلِك مِمَّا شرحناه من قبل، وَمن حَقه أَن يلهم تَدْبِير الْمَعْدن مَعَ تَدْبِير الْمنَازل وآداب المعاش، غير أَن سَائِر الْأَنْوَاع تلهم عِنْد الِاحْتِيَاج إلهاما جبليا إِلَّا فِي حِصَّة قَليلَة من عُلُوم التعيش كمص الثدي عِنْد الارتضاع والسعال عِنْد البحة وَفتح الجفون عِنْد إِرَادَة الرُّؤْيَة وَنَحْو ذَلِك، وَذَلِكَ لِأَن خياله كَانَ صناعًا هماما، ففوض لَهُ عُلُوم تَدْبِير الْمنَازل وتدبير المدن، إِلَى الرَّسْم وتقليد المؤيدين بِالنورِ الملكي فِيمَا يُوحى إِلَيْهِم، وَإِلَى تجربة ورصد تَدْبِير غيبي وروية بالاستقراء وَالْقِيَاس والبرهان، وَمثله فِي تلقي الْأَمر الشَّائِع الْوَاجِب فيضانه من بارئ الصُّور مَعَ الِاخْتِلَاف النَّاشِئ من قبل استعدادتهم كَمثل الْوَاقِعَات الَّتِي يتلقاها فِي الْمَنَام يفاض عَلَيْهِم الْعُلُوم الفوقانية من حيزها، فتتشبح عِنْدهم بأشباح مُنَاسبَة، فتختلف الصُّور لِمَعْنى فِي المفاض عَلَيْهِ لَا فِي المفيض. فَمن الْعُلُوم الفائضة على أَفْرَاد الْإِنْسَان جَمِيعًا عربهم وعجمهم وحضرهم وبدوهم - وَإِن اختلق طَرِيق التلقي مِنْهُم - حُرْمَة خِصَال تدمر نظام مدنهم، وَهِي ثَلَاثَة أَصْنَاف: مِنْهَا أَعمال شهوية، وَمِنْهَا أَعمال سبعية، وَمِنْهَا أَعمال ناشئة من سوء الْأَخْذ فِي الْمُعَامَلَات. وَالْأَصْل فِي ذَلِك أَن الْإِنْسَان متوارد أَبنَاء نَوعه فِي الشَّهْوَة والغيرة والحرص، والفحول مِنْهُم يشبهون الفحول من الْبَهَائِم فِي الطموح إِلَى الْإِنَاث وَفِي عدم تَجْوِيز الْمُزَاحمَة على الْمَوْطُوءَة، غير أَن الفحول من الْبَهَائِم تتحارب حَتَّى يغلب أَشدّهَا بطشا

стр. 112

وأحدها نفسا، وينهزم مَا دون ذَلِك، أَو لَا تشعر بالمزاحمة لعدم رُؤْيَة المسافدة. وَالْإِنْسَان ألمعي يظنّ الظَّن كَأَنَّهُ يرى وَيسمع، وألهم أَن التجارب لأجل ذَلِك مدمر لمدنهم لأَنهم لَا يتمدنون إِلَّا بتعاون من الرِّجَال، والفحول أَدخل فِي التمدن من الْإِنَاث، فألهم إنْشَاء اخْتِصَاص كل وَاحِد بِزَوْجَتِهِ، وَترك الْمُزَاحمَة فيمَ اخْتصَّ بِهِ أَخُوهُ، وَهَذَا أصل حُرْمَة الزِّنَا، ثمَّ صُورَة الِاخْتِصَاص بالزوجات أَمر موكول إِلَى الرَّسْم والشرائع، والفحول مِنْهُم أَيْضا يشبهون الفحول من الْبَهَائِم من حَيْثُ إِن سَلامَة فطرتهم لَا تَقْتَضِي إِلَّا الرَّغْبَة فِي الْإِنَاث دون الرِّجَال، كَمَا أَن الْبَهَائِم لَا تلْتَفت هَذِه اللفتة إِلَّا قبل الْإِنَاث غير أَن رجَالًا غلبتهم الشَّهْوَة الْفَاسِدَة بِمَنْزِلَة من يتلذذ بِأَكْل الطين والحممة فانسلخوا من سَلامَة الْفطْرَة: يقْضِي هَذَا شَهْوَته بِالرِّجَالِ، وَذَلِكَ صَار مأبونا يستلذ مَا لَا يستلذه الطَّبْع السَّلِيم، فأعقب ذَلِك تغيرا لأمزجتهم ومرضا فِي نُفُوسهم، كَانَ مَعَ ذَلِك سَببا لإهمال النَّسْل من حَيْثُ إِنَّهُم قضوا حَاجتهم الَّتِي قيض الله تَعَالَى عَلَيْهِم مِنْهُم ليذرأ بهَا نسلهم بِغَيْر طريقها، فغيروا النظام الَّذِي خلقهمْ الله تَعَالَى عَلَيْهِ، فَصَارَ قبح هَذِه الفعلة مندمجا فِي نُفُوسهم، فَلذَلِك يَفْعَلهَا الْفُسَّاق، وَلَا يعترفون بهَا، وَلَو نسبوا إِلَيْهَا لماتوا حَيَاء إِلَّا أَن يكون انسلاخا قَوِيا، فيجهرون، وَلَا يستحيون فَلَا، يتراخى أَن يعاقبوا، كَمَا كَانَ فِي زمن سيدنَا لوط ﵇، وَهَذَا أصل حُرْمَة اللواطة. ومعاش بني آدم وتدبير مَنَازِلهمْ وسياسة مدنهم لَا يتم إِلَّا بعقل وتمييز، وإدمان الْخمر ترجع إِلَى نظامهم بخرم قوى، وَيُورث محاربات وضغائن غير أَن أنفسا غلبت شهوتهم الرَّديئَة على عُقُولهمْ أَقبلُوا على هَذِه الرذيلة، وأفسدوا عَلَيْهِم ارتفاقاتهم، فَلَو لم يجر الرَّسْم بِمَنْع عَن فعلتهم تِلْكَ لهلك النَّاس وَهَذَا أصل حُرْمَة إدمان الْخمر، وَأما حُرْمَة قليلها وكثيرها، فَلَا يبين إِلَّا فِي مَبْحَث الشَّرَائِع. والفحول مِنْهُم يشبهون الفحول من الْبَهَائِم فِي الْغَضَب على من يصد عَن مَطْلُوب، وَيجْرِي عَلَيْهِ مؤلما فِي نَفسه أَو فِي بدنه، لَكِن الفحول من الْبَهَائِم لَا تتَوَجَّه إِلَّا إِلَى مَطْلُوب محسوس أَو متوهم، وَالْإِنْسَان يطْلب المتوهم والمعقول، وحرصه أَشد من حرص الْبَهَائِم، وَكَانَت الْبَهَائِم تتقاتل حَتَّى ينهزم وَاحِد، ثمَّ ينسى الحقد إِلَّا مَا كَانَ من مثل الفحول من الْإِبِل وَالْبَقر وَالْخَيْل، وَالْإِنْسَان يحقد وَلَا ينسى، فَلَو فتح فيهم بَاب التقاتل لفسدت مدينتهم، واختلت مَعَايشهمْ، فألهموا حُرْمَة الْقَتْل وَالضَّرْب إِلَّا لمصْلحَة عَظِيمَة من قصاص وَنَحْوه،

стр. 113

وهاج من الحقد فِي صُدُور بَعضهم مثل مَا هاج فِي صُدُور الْأَوَّلين، وخافوا الْقصاص فانحدروا إِلَى أَن يدسوا السم، فِي الطَّعَام أَو يقتلُوا بِالسحرِ، وَهَذَا حَالَة بِمَنْزِلَة حَال الْقَتْل بل أَشد مِنْهُ، فَإِن الْقَتْل ظَاهِرَة يُمكن التَّخَلُّص مِنْهُ، وَهَذِه لَا يُمكن التَّخَلُّص مِنْهَا، وانحدروا أَيْضا إِلَى الْقَذْف وَالْمَشْي بِهِ إِلَى ذِي سُلْطَان ليقْتل. والمعايش الَّتِي جعلهَا الله تَعَالَى لِعِبَادِهِ إِنَّمَا هِيَ الِالْتِقَاط من الأَرْض الْمُبَاحَة والرعي والزراعة والصناعة وَالتِّجَارَة وسياسة الْمَدِينَة وَالْملَّة وكل كسب تجَاوز عَنْهَا فَإِنَّهُ لَا مدْخل لَهُ فِي تمدنهم. وَانْحَدَرَ بَعضهم إِلَى أكساب ضارة كالسرقة وَالْغَصْب، وَهَذِه كلهَا مدمرة للمدينة فألهم أَنَّهَا مُحرمَة، وَاجْتمعَ بَنو آدم كلهم على ذَلِك وَإِن بَاشَرَهَا العصاة مِنْهُم فِي غلواء نُفُوسهم، وسعى الْمُلُوك العادلة فِي إِبْطَالهَا ومحقها، واستشعر بَعضهم سعي الْمُلُوك فِي إِبْطَالهَا، فانحدروا إِلَى الدَّعَاوَى والكاذبة وَالْيَمِين الْغمُوس وَشَهَادَة الزُّور وتطفيف الْكَيْل وَالْوَزْن والقمار والربا أضعافا مضاعفة، وَحكمهَا حكم تِلْكَ الأكساب الضارة، وَأخذ الْعشْر النهك بِمَنْزِلَة قطع الطَّرِيق، بل أقبح. وَبِالْجُمْلَةِ فلهذه الْأَسْبَاب دخلت فِي نفوس بني آدم حُرْمَة هَذِه الْأَشْيَاء، وَقَامَ أقواهم عقلا وأسدهم رَأيا وأعلمهم بِالْمَصْلَحَةِ الْكُلية يمْنَع عَن ذَلِك طبقَة بعد طبقَة حَتَّى صَار رسما فاشيا، وَدخلت فِي البديهيات الأولية كَسَائِر المشهورات الذائعة، فَعِنْدَ ذَلِك رَجَعَ إِلَى الْمَلأ الْأَعْلَى لون مِنْهُم حَسْبَمَا كَانَ انحدر إِلَيْهِم من الإلهام أَن هَذِه مُحرمَة وَأَنَّهَا ضارة أَشد الضَّرَر، فصاروا كلما فعل وَاحِد من بني آدم شَيْئا من تِلْكَ الْأَفْعَال تأذوا مِنْهُ، مثل مَا يضع أَحَدنَا رجله على الْجَمْرَة، فتنتقل إِلَى القوى الإدراكية فِي تِلْكَ اللمحة، وتتأذى مِنْهُ، ثمَّ صَار لتأذيها خطوط شعاعية تحيط بِهَذَا العَاصِي، وَتدْخل فِي قُلُوب المستعدين من الْمَلَائِكَة وَغَيرهم أَن يؤذوه إِذا أمكن إيذاؤه، ورخت فِيهِ مصْلحَته الْمَكْتُوبَة عَلَيْهِ الْمُسَمَّاة فِي الشَّرْع بالهام الْمَلَائِكَة مَا رزقه وَمَا أَجله، وَمَا عمره، وشقي أَو سعيد، وَفِي النُّجُوم بِأَحْكَام الطالع حَتَّى إِذا مَاتَ وهدأت عَنهُ هَذِه الْمصلحَة فرغ لَهُ بارئه كَمَا قَالَ:

стр. 114

﴿سنفرغ لكم أَيهَا الثَّقَلَان﴾ وجازاه الْجَزَاء الأوفى وَالله اعْلَم. (المبحث السَّادِس) (مَبْحَث السياسات الملية) (بَاب الْحَاجة إِلَى هداة السبل ومقيمى الْملَل) قَالَ الله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا أَنْت مُنْذر وَلكُل قوم هاد﴾ وَاعْلَم أَن السّنَن الكاسبة لانقياد البهيمية للملكية والآثام المباينة لَهَا، وَإِن كَانَ الْعقل السَّلِيم يدل عَلَيْهَا، وَيدْرك فَوَائِد هَذِه ومضار تِلْكَ، لَكِن النَّاس فِي غَفلَة مِنْهَا، لِأَنَّهُ تغلب عَلَيْهِم الْحجب، فَيفْسد وجدانهم، كَمثل الصفراوي، فَلَا يتصورون الْحَالة الْمَقْصُودَة وَلَا نَفعهَا وَلَا الْحَالة المحوفة وَلَا ضررها، فيحتاجون إِلَى عَالم بِالسنةِ الراشدة يسوسهم، وَيَأْمُر بهَا، ويحض عَلَيْهَا، وينكر على مخالفتها. وَمِنْهُم ذُو رَأْي فَاسد لَا يقْصد بِالذَّاتِ إِلَّا لأضداد الطَّرِيقَة الْمَطْلُوبَة فيضل ويضل، فَلَا يَسْتَقِيم أَمر الْقَوْم إِلَّا بكبته وإخماله. وَمِنْهُم ذُو رَأْي رَاشد فِي الْجُمْلَة لَا يدْرك إِلَّا حِصَّة نَاقِصَة من الاهتداء فيحفظ شَيْئا، ويغيب عَنهُ أَشْيَاء، أَو يظنّ فِي نَفسه أَنه الْكَامِل الَّذِي لَا يحْتَاج إِلَى مكمل، فَيحْتَاج إِلَى من ينبهه على جَهله. وَبِالْجُمْلَةِ فَالنَّاس يَحْتَاجُونَ لَا محَالة إِلَى عَالم حق الْعلم تؤمن فلتاته. وَلما كَانَت الْمَدِينَة مَعَ استبداد الْعقل المعاشى الَّذِي يُوجد عِنْد كثير من النَّاس بِإِدْرَاك النظام المصلح لَهَا تضطر إِلَى رجل عَارِف بِالْمَصْلَحَةِ على وَجههَا يقوم بسياستها، فَمَا ظَنك بِأمة عَظِيمَة من الْأُمَم تجمع استعدادات مُخْتَلفَة جدا فِي طَريقَة لَا يقبلهَا بِشَهَادَة الْقُلُوب إِلَّا الازكياء أهل الْفطْرَة الصافية أَو التَّجْرِيد الْبَالِغ، وَلَا يهدى إِلَيْهَا إِلَّا الَّذين هم فِي أَعلَى دَرَجَة من أَصْنَاف النُّفُوس - وَقَلِيل مَا هم. وَكَذَلِكَ أَيْضا لما كَانَت الحدادة والنجارة وأمثالهما لَا تتأتى من جُمْهُور النَّاس بسنن مأثورة عَن أسلافهم وأساتذة يهدونهم إِلَيْهَا، ويحضونهم عَلَيْهَا، فَمَا ظَنك بِهَذِهِ المطالب الشَّرِيفَة الَّتِي لَا يَهْتَدِي إِلَيْهَا إِلَّا الموفقون، وَلَا يرغب فِيهَا إِلَّا المخلصون.

стр. 115

ثمَّ لَا بُد لهَذَا الْعَالم أَن يثبت على رُءُوس الاشهاد أَنه عَالم بِالسنةِ الراشدة، وَأَنه مَعْصُوم فِيمَا يَقُوله من الْخَطَأ والاضلال، وَمن أَن يدْرك حِصَّة من الاصلاح، وَيتْرك حِصَّة أُخْرَى لَا بُد مِنْهَا، وَذَلِكَ ينْحَصر فِي وَجْهَيْن: إِمَّا أَن يكون رَاوِيا عَن رجل قبله انْقَطع عِنْده الْكَلَام لكَوْنهم مُجْمِعِينَ على اعْتِقَاد كَمَاله وعصمته وَكَون الرِّوَايَة مَحْفُوظَة عِنْدهم، فَيمكن لَهُ أَن يؤاخذهم بِمَا اعتقدوه، ويحتج عَلَيْهِم، ويفحمهم، أَو يكون هُوَ الَّذِي انْقَطع عِنْده الْكَلَام، وَأَجْمعُوا عَلَيْهِ. وَبِالْجُمْلَةِ فَلَا بُد للنَّاس من رجل مَعْصُوم يَقع عَلَيْهِ الْإِجْمَاع يكون فيهم، أَو تكون الرِّوَايَة مَحْفُوظَة عِنْدهم، وَعلمه بِحَالَة الانقياد وتوليد هَذِه السّنَن مِنْهَا ووجوه مَنَافِعهَا، وَعلمه الآثام ووجوه مضارها لَا يُمكن أَن يحصل بالبرهان، وَلَا بِالْعقلِ الْمُتَصَرف فِي المعاش، وَلَا بالحس، بل هِيَ أُمُور لَا يكْشف عَن حَقِيقَتهَا إِلَّا الوجدان. فَكَمَا أَن الْجُوع والعطش، وتأثير الدَّوَاء المسخن أَو الْمبرد لَا يدْرك إِلَّا بالوجدان، فَكَذَلِك معرفَة ملاءمة الشَّيْء للروح ومباينته لَهَا لَا طَرِيق إِلَيْهَا إِلَّا الذَّوْق السَّلِيم. وَكَونه مَأْمُونا عَن الْخَطَأ فِي نَفسه إِنَّمَا يكون بِخلق الله علما ضَرُورِيًّا فِيهِ بِأَن جَمِيع مَا أدْرك وَعلم حق مُطَابق للْوَاقِع بِمَنْزِلَة مَا يَقع للمبصر عِنْد الابصار، فَإِنَّهُ إِذا أبْصر شَيْئا لَا يحْتَمل عِنْده أَن تكون عينه مؤفة، وَأَن يكون الابصار على خلاف الْوَاقِع، وبمنزلة الْعلم بالموضوعات اللُّغَوِيَّة، فَإِن الْعَرَبِيّ مثلا لَا يشك أَن المَاء مَوْضُوع لهَذَا العنصر، وَلَفظ الأَرْض لذَلِك مَعَ أَنه لم يقم لَهُ على ذَلِك برهَان، وَلَيْسَ بَينهمَا مُلَازمَة عقلية، وَمَعَ ذَلِك فَإِنَّهُ يخلق فِيهِ علم ضَرُورِيّ. وَإِنَّمَا يحصل ذَلِك فِي الْأَكْثَر بِأَن يكون لنَفسِهِ ملكة جبلية يكون بهَا تلقي الْعلم الوجداني على سنَن الصَّوَاب دَائِما، وَإِن يتتابع الوجدان، ويتكرر تجربة صدق وجدانه. .، وَعند النَّاس إِنَّمَا يكون بِأَن يصحح عِنْدهم بأدلة كَثِيرَة برهانية أَو خطابية أَن مَا يَدْعُو إِلَيْهِ حق، وَأَن سيرته صَالِحَة يبعد مِنْهَا الْكَذِب، وَأَن يرَوا مِنْهُ آثَار الْقرب، كالمعجزات واستجابة الدَّعْوَات، حَتَّى لَا يشكوا أَن لَهُ فِي التَّدْبِير العالي منزلَة عَظِيمَة، وَأَن نَفسه من النُّفُوس القدسية اللاحقة بِالْمَلَائِكَةِ، وَأَن مثله حقيق بألا يكذب على الله، وَلَا يُبَاشر مَعْصِيّة، ثمَّ بعد ذَلِك تحدث أُمُور تؤلفهم تأليفا عَظِيما، وتصيره عِنْدهم أحب من أَمْوَالهم وَأَوْلَادهمْ وَالْمَاء الزلَال عِنْد العطشان، فَهَذَا كُله لَا يتَحَقَّق انصباغ أمة من الْأُمَم بالحالة الْمَقْصُودَة بِدُونِهِ، وَلذَلِك لم يزل المشغولون بنظائر هَذِه الْعِبَادَات يسندون أَمرهم إِلَى من يَعْتَقِدُونَ فِيهِ هَذِه الْأُمُور أَصَابُوا أم أخطأوا، وَالله اعْلَم.

стр. 116

(بَاب حَقِيقَة النُّبُوَّة وخواصها) اعْلَم أَن أَعلَى طَبَقَات النَّاس المفهمون، وهم نَاس أهل اصْطِلَاح ملكيتهم فِي غَايَة الْعُلُوّ، يُمكن لَهُم أَن ينبعثوا إِلَى إِقَامَة نظام مَطْلُوب بداعية حقانية، ويترشح عَلَيْهِم من الْمَلأ الْأَعْلَى عُلُوم وأحوال إلهية، وَمن سيرة الْمُفْهم أَن يكون معتدل المزاج سوي الْخلق والخلق لَيْسَ فِيهِ خبابة مفرطة بِحَسب الآراء الْجُزْئِيَّة، وَلَا ذكاء مفرط لَا يجذبه من الكلى إِلَى الجزئي، وَمن الرّوح إِلَى الشبح سَبِيلا، وَلَا غباوة مفرطة لَا يتَخَلَّص بهَا إِلَى الكلى، وَمن الشبح إِلَى الرّوح، وَيكون ألزم النَّاس من بِالسنةِ الراشدة ذَا سمت حسن فِي عباداته، ذَا عَدَالَة فِي مُعَامَلَته مَعَ النَّاس، محبا للتدبير الْكُلِّي، رَاغِبًا فِي النَّفْع الْعَام، لَا يُؤْذِي أحدا إِلَّا بِالْعرضِ بِأَن يتَوَقَّف النَّفْع الْعَام عَلَيْهِ أَو يلازمه، لَا يزَال مائلا إِلَى عَالم الْغَيْب، يحس أثر ميله فِي كَلَامه وَوجه وشأنه كُله، يرى أَنه مؤيد من الْغَيْب، ينفتح لَهُ بِأَدْنَى رياضة مَا لَا ينفتح لغيره من الْقرب والسكينة. والمفهون على أَصْنَاف كَثِيرَة واستعدادات مُخْتَلفَة: فَمن كَانَ أَكثر حَاله أَن يتلَقَّى من الْحق عُلُوم تَهْذِيب النَّفس بالعبادات فَهُوَ الْكَامِل. وَمن كَانَ أَكثر حَاله تلقي الْأَخْلَاق الفاضلة وعلوم تَدْبِير الْمنزل وَنَحْو ذَلِك فَهُوَ الْحَكِيم. وَمن كَانَ أَكثر حَاله تلقي السياسات الْكُلية، ثمَّ وفْق لإِقَامَة الْعدْل فِي النَّاس وذب الْجور عَنْهُم يُسمى خَليفَة، وَمن ألمت بِهِ الْمَلأ الْأَعْلَى، فعلمته وخاطبته، وتراءت لَهُ، وَظَهَرت أَنْوَاع من كراماته يُسمى بالمؤيد بِروح الْقُدس. وَمن جعل مِنْهُم فِي لِسَانه وَقَلبه نور، فنفع النَّاس بِصُحْبَتِهِ وموعظته، وانتقل مِنْهُ إِلَى حواريين من أَصْحَابه سكينَة وَنور، فبلغوا بواسطته مبالغ الْكَمَال، وَكَانَ حثيثا على هدايتهم يُسمى هاديا مزكيا. وَمن كَانَ أَكثر علمة وَمَعْرِفَة قَوَاعِد الْملَّة ومصالحها، وَكَانَ حثيثا على إِقَامَة المندرس مِنْهَا يُسمى إِمَامًا.

стр. 117

وَمن نفث فِي قلبه أَن يُخْبِرهُمْ بالداهية الْمقدرَة عَلَيْهِم فِي الدُّنْيَا، أَو تفطن بلعن الْحق قوما، فَأخْبرهُم بذلك، أَو جرد من نَفسه فِي بعض أوقاته، فَعرف مَا سَيكون فِي الْقَبْر والحشر، فَأخْبرهُم بِتِلْكَ الْأَخْبَار يُسمى منذرا. وَإِذا اقْتَضَت الْحِكْمَة الالهية أَن يبْعَث إِلَى الْخلق وَاحِد من المفهمين، فَيَجْعَلهُ سَببا لخُرُوج النَّاس من الظُّلُمَات إِلَى النَّار، وَفرض الله على عباده أَن يسلمُوا وُجُوههم وَقُلُوبهمْ لَهُ، وتأكد فِي الْمَلأ الْأَعْلَى الرِّضَا عَمَّن انْقَادَ لَهُ، وانضم إِلَيْهِ، واللعن على من خَالفه، وناوأه فَأخْبر النَّاس بذلك، وألزمهم طَاعَته فَهُوَ النَّبِي، وَأعظم الْأَنْبِيَاء شَأْنًا من لَهُ نوع آخر من الْبعْثَة أَيْضا، وَذَلِكَ أَن يكون مُرَاد الله تَعَالَى فِيهِ أَن يكون سَببا لخُرُوج النَّاس من الظُّلُمَات إِلَى النُّور، وَأَن يكون قومه خير أمة أخرجت للنَّاس، فَيكون بَعثه يتَنَاوَل بعثا آخر. وَإِلَى الأول وَقعت الاشارة فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي بعث فِي الْأُمِّيين رَسُولا مِنْهُم﴾ الْآيَة وَإِلَى الثَّانِي فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿كُنْتُم خير أمة أخرجت للنَّاس﴾ وَقَوله ﷺ " فَإِنَّمَا بعثتم ميسرين وَلم تبعثوا معسرين " وَنَبِينَا ﷺ استوعب جَمِيع فنون المفهمين، واستوجب أتم البعثين، وَكَانَ من الْأَنْبِيَاء قبله من يدْرك فَنًّا أَو فنين وَنَحْو ذَلِك. وَاعْلَم أَن اقْتِضَاء الْحِكْمَة الإلهية لبعث الرُّسُل لَا يكون إِلَّا لانحصار الْخَيْر النسبي الْمُعْتَبر فِي التَّدْبِير فِي الْبَعْث، وَلَا يعلم حَقِيقَة ذَلِك إِلَّا علام الغيوب، إِلَّا أَنا نعلم قطعا أَن هُنَالك أسبابا لَا يتَخَلَّف عَنْهَا الْبَعْث الْبَتَّةَ، وافتراض الطَّاعَة إِنَّمَا يكون بِأَن يعلم الله تَعَالَى صَلَاح أمة من الْأُمَم أَن يطيعوا الله، ويعبدوه، ويكونوا بِحَيْثُ لَا تستوجب نُفُوسهم التلقي من الله، وَيكون صَلَاح أَمرهم محصورا يَوْمئِذٍ فِي اتِّبَاع النَّبِي، فَيَقْضِي الله فِي حَظِيرَة الْقُدس بِوُجُوب اتِّبَاعه، ويتقرر هُنَالك الْأَمر، وَذَلِكَ إِمَّا بِأَن يكون الْوَقْت وَقت ابْتِدَاء ظُهُور دولة، وكبت الدول بهَا، فيبعث الله تَعَالَى من يُقيم دين أَصْحَاب تِلْكَ الدولة كبعث سيدنَا مُحَمَّد ﷺ ، أَو يقدر الله تَعَالَى بَقَاء قوم واصطفاءهم على الْبشر، فيبعث من يقوم عوجهم، وَيُعلمهُم الْكتاب كبعث سيدنَا مُوسَى ﵇، أَو يكون نظم مَا قضى لقوم من اسْتِمْرَار دولة أَو دين يَقْتَضِي بعث مُجَدد كداود وَسليمَان وَجمع من أَنْبيَاء بني إِسْرَائِيل ﵈، وَهَؤُلَاء الْأَنْبِيَاء قد قضى الله بنصرتهم على أعدائهم كَمَا قَالَ:

стр. 118

﴿وَلَقَد سبقت كلمتنا لعبادنا الْمُرْسلين إِنَّهُم لَهُم المنصورون وَإِن جندنا لَهُم الغالبون﴾ ووراء هَؤُلَاءِ قوم يبعثون لاتمام الْحجَّة، وَالله أعلم. وَإِذا بعث النَّبِي وَجب على الْمَبْعُوث إِلَيْهِم أَن يتبعوه، وَإِن كَانُوا على سنة راشدة، لِأَن مناوأة هَذَا المنوه شَأْنه يُورث لعنا من الْمَلأ الْأَعْلَى، وإجماعا على خذلانه، فينسد سَبِيل تقربهم من الله، وَلَا يُفِيد كدهم شَيْئا، وَإِذا مَاتُوا أحاطت اللَّعْنَة بنفوسهم، على أَن هَذِه صُورَة مَفْرُوضَة غير وَاقعَة، وَلَك عِبْرَة باليهود: كَانُوا أحْوج خلق الله إِلَى بعث الرَّسُول لغلوهم فِي دينهم وتحريفاتهم فِي كِتَابهمْ. وَثُبُوت حجَّة الله على عباده ببعثه الرُّسُل إِنَّمَا هُوَ بِأَن أَكثر النَّاس خلقُوا بِحَيْثُ لَا يُمكن لَهُم تلقي مَا لَهُم وَمَا عَلَيْهِم بِلَا وَاسِطَة، بل استعدادهم إِمَّا ضَعِيف يتقوى بأخبار الرُّسُل، أَو هُنَالك مفاسد لَا تنْدَفع إِلَّا بِالْقصرِ، على رغم أنفهم، وَكَانُوا بِحَيْثُ يؤاخذون فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة، فَأوجب لطف الله عِنْد اجْتِمَاع بعض الْأَسْبَاب العلوية والسفلية أَن يُوحى إِلَى أزكى الْقَوْم أَن يهْدِيهم إِلَى الْحق، ويدعوهم إِلَى الصِّرَاط الْمُسْتَقيم، فَمثله فِي ذَلِك كَمثل سيد مرض عبيده، فَأمر بعض خواصه أَن يكلفهم شرب دَوَاء أشاؤا، أم أَبُو، فَلَو أَنه أكرههم على ذَلِك كَانَ حَقًا، وَلَكِن تَمام اللطف يَقْتَضِي أَن يعلمهُمْ أَولا أَنهم مرضى، وَأَن الدَّوَاء نَافِع، وَأَن يعْمل أمورا خارقة تطمئِن نُفُوسهم بهَا على أَنه صَادِق فِيمَا قَالَ، وان يشوب الدَّوَاء بحلو، فَحِينَئِذٍ يَفْعَلُونَ مَا يؤمرون بِهِ على بَصِيرَة مِنْهُ وبرغبة فِيهِ، فَلَيْسَتْ المعجزات، وَلَا استجابة الدَّعْوَات، وَنَحْو ذَلِك إِلَّا أمورا خَارِجَة عَن أصل النُّبُوَّة لَازِمَة لَهَا فِي الْأَكْثَر، وَظُهُور مُعظم المعجزات يكون من أَسبَاب ثَلَاثَة: أَحدهَا كَونه من المفهمين، فَإِن ذَلِك يُوجب انكشاف بعض الْحَوَادِث عَلَيْهِ، وَيكون سَببا لاستجابة الدَّعْوَات وَظُهُور البركات فِيمَا يبرك عَلَيْهِ. وَالْبركَة إِمَّا زِيَادَة نفع الشَّيْء بِأَن يخيل إِلَيْهِم مثلا أَن الْجَيْش كثير، فيفشلوا أَو بِصَرْف الطبيعة الْغذَاء إِلَى خلط صَالح، فَيكون كمن تنَاول أَضْعَاف ذَلِك الْغَدَاء، أَو زِيَادَة عين الشَّيْء بِأَن تتقلب الْمَادَّة الهوائية بِتِلْكَ الصُّورَة لحلول قُوَّة مثالية، وَنَحْو ذَلِك من الْأَسْبَاب الَّتِي يعسر إحصاؤها. وَالثَّانِي أَن تكون الْمَلأ الْأَعْلَى مجمعة إِلَى تمشية أمره، فَيُوجب ذَلِك إلهامات وإحالات وتقريبات لم تكن تعهد من قبل، فينصر الأحباء، ويخذل الْأَعْدَاء، وَيظْهر أَمر الله وَلَو كره الْكَافِرُونَ.

стр. 119

وَالثَّالِث أَن تحدث حوادث لأسبابها الخارجية من مجازاة العصاة وحدوث الْأُمُور الْعِظَام فِي الجو، فيجعلها الله تَعَالَى معْجزَة لَهُ بِوَجْه من الْوُجُوه، إِمَّا لتقدم إِخْبَار بهَا، أَو تربت المجازاة على مُخَالفَة أمره، أَو كَونهَا مُوَافقَة بِمَا أخبر من سنة المجازاة، أَو أَمر مِمَّا يشبه ذَلِك. والعصمة لَهَا أَسبَاب ثَلَاثَة: أَن يخلق الْإِنْسَان نقيا عَن الشَّهَوَات الرذيلة سَمحا لَا سِيمَا فِيمَا يرجع إِلَى مُحَافظَة الْحُدُود الشَّرْعِيَّة، وَأَن يوحي إِلَيْهِ حسن الْحسن وقبح الْقَبِيح ومالهما، وَأَن يحول الله بَينه وَبَين مَا يُرِيد من الشَّهَوَات الرذيلة. وَاعْلَم أَن من سيرة الْأَنْبِيَاء ﵈ أَلا يأمروا بالتفكر فِي ذَات الله تَعَالَى وَصِفَاته، فان ذَلِك لَا يستطيعه جُمْهُور النَّاس، وَهُوَ قَوْله ﷺ : " تَفَكَّرُوا فِي خلق الله وَلَا تَفَكَّرُوا فِي الله " وَقَوله فِي آيَة. ﴿وَأَن إِلَى رَبك الْمُنْتَهى﴾ قَالَ: " لَا فكرة فِي الرب " وَإِنَّمَا يأمرون فِي التفكر فِي نعم الله تَعَالَى وعظيم قدرته. وَمن سيرتهم أَلا يكلموا النَّاس إِلَّا على قدر عُقُولهمْ الَّتِي خلقُوا عَلَيْهَا وعلومهم الَّتِي هِيَ حَاصِلَة عِنْدهم بِأَصْل الْخلقَة، وَذَلِكَ لِأَن نوع الْإِنْسَان حَيْثُمَا وجد فَلهُ فِي أصل الْخلقَة حد من الْإِدْرَاك زَائِد على إِدْرَاك سَائِر الْحَيَوَانَات إِلَّا إِذا عَصَتْ الْمَادَّة جدا، وَله عُلُوم لَا يخرج إِلَيْهَا إِلَّا بخرق الْعَادة المستمرة كالنفوس القدسية من الْأَنْبِيَاء والأولياء، أَو برياضات شاقة تهيئ نَفسه لإدراك مَا لم يكن عِنْده بِحِسَاب، أَو بممارسة قَوَاعِد الْحِكْمَة وَالْكَلَام وأصول الْفِقْه وَنَحْوهَا مُدَّة طَوِيلَة، فالأنبياء لم يخاطبوا النَّاس إِلَّا على منهاج إدراكهم الساذج الْمُودع فيهم بِأَصْل الْخلقَة، وَلم يلتفتوا إِلَى مَا يكون نَادِر الْأَسْبَاب قَلما يتَّفق وجودهَا، فَلذَلِك لم يكلفوا النَّاس أَن يعرفوا رَبهم بالتجليات والمشاهدات، وَلَا بالبراهين والقياسات، وَلَا أَن يعرفوه منزها عَن جَمِيع الْجِهَات، فان ذَلِك كالممتنع بِالْإِضَافَة إِلَى من لم يشْتَغل بالرياضات، وَلم يخالط المعقوليين مُدَّة طَوِيلَة، وَلم يرشدوهم إِلَى طَرِيق الاستنباط والاستدلالات ووجوه الاستحسانات، وَالْفرق بَين الْأَشْبَاه والنظائر بمقدمات دقيقة المأخذ، وَسَائِر مَا يَتَطَاوَل بِهِ أَصْحَاب الرَّأْي على أهل الحَدِيث. وَمن سيرتهم أَلا يشتغلوا بِمَا لَا يتَعَلَّق بتهذيب النَّفس وسياسة الْأمة كبيان أَسبَاب حوادث الجو من الْمَطَر والكسوف والهالة وعجائب النَّبَات وَالْحَيَوَان ومقادير سير

стр. 120

الشَّمْس وَالْقَمَر وَأَسْبَاب الْحَوَادِث اليومية وقصص الْأَنْبِيَاء والملوك والبلدان وَنَحْوهَا اللَّهُمَّ إِلَّا كَلِمَات يسيرَة ألفها أسماعهم، وَقبلهَا عُقُولهمْ يُؤْتى بهَا فِي التَّذْكِير بآلاء الله والتذكير بأيام الله على سَبِيل الاستطراد بِكَلَام إجمالي يسامح فِي مثله بإيراد الاستعارات وبالمجازات، وَلِهَذَا الأَصْل لما سَأَلُوا النَّبِي ﷺ عَن لمية نُقْصَان الْقَمَر وزيادته أعرض الله تَعَالَى عَن ذَلِك إِلَى بَيَان فَوَائِد الشُّهُور فَقَالَ: ﴿يَسْأَلُونَك عَن الْأَهِلّة قل هِيَ مَوَاقِيت للنَّاس وَالْحج﴾ وَترى كثيرا من النَّاس فسد ذوقهم بِسَبَب الألفة بِهَذِهِ الْفُنُون أَو غَيرهَا من الْأَسْبَاب، فحملوا كَلَام الرُّسُل على غير محمله، وَالله اعْلَم. (بَاب بَيَان أَن أصل الدّين وَاحِد والشرائع والمناهج مُخْتَلفَة) قَالَ الله تَعَالَى: ﴿شرع لكم من الدّين مَا وصّى بِهِ نوحًا وَالَّذِي أَوْحَينَا إِلَيْك وَمَا وصينا بِهِ إِبْرَاهِيم ومُوسَى وَعِيسَى أَن أقِيمُوا الدّين وَلَا تتفرقوا فِيهِ﴾ قَالَ مُجَاهِد: أوصيناك يَا مُحَمَّد وإياهم دينا وَاحِدًا، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِن هَذِه أمتكُم أمة وَاحِدَة وَأَنا ربكُم فاتقون فتقطعوا أَمرهم بَينهم زبرا كل حزب بِمَا لديهم فَرِحُونَ﴾ يَعْنِي مِلَّة الْإِسْلَام ملتكم، / فتقطعوا يَعْنِي الْمُشْركين وَالْيَهُود وَالنَّصَارَى وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لكل جعلنَا مِنْكُم شرعة ومنهاجا﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: سَبِيلا وَسنة وَقَالَ الله تَعَالَى: ﴿لكل أمة جعلنَا منسكا هم ناسكوه﴾ يَعْنِي شَرِيعَة هم عاملون بهَا. اعْلَم أَن أصل الدّين وَاحِد اتّفق عَلَيْهِ الْأَنْبِيَاء ﵈، وَإِنَّمَا الِاخْتِلَاف فِي الشَّرَائِع والمناهج. تَفْصِيل ذَلِك أَنه أجمع الْأَنْبِيَاء ﵈ على تَوْحِيد الله تَعَالَى عبَادَة واستعانة،

стр. 121

وتنزيهه عَمَّا لَا يَلِيق بجنابه، وَتَحْرِيم الْإِلْحَاد فِي أَسْمَائِهِ، وَأَن حق الله على عباده أَن يعظموه تَعْظِيمًا لَا يشوبه تَفْرِيط، وَأَن يسلمُوا وُجُوههم وَقُلُوبهمْ إِلَيْهِ، وَأَن يتقربوا بشعائر الله إِلَى الله، وَأَنه قدر جَمِيع الْحَوَادِث، قبل أَن يخلقها، وَأَن لله مَلَائِكَة لَا يعصونه فِيمَا أَمر، ويفعلون مَا يأمرون، وَأَنه ينزل الْكتاب على من يَشَاء من عباده، ويفرض طَاعَته على النَّاس، وَأَن الْقِيَامَة حق، والبعث بعد الْمَوْت حق، وَالْجنَّة، وَالنَّار حق، وَكَذَلِكَ أَجمعُوا على أَنْوَاع الْبر من الطَّهَارَة وَالصَّلَاة وَالزَّكَاة وَالصَّوْم وَالْحج والتقرب إِلَى الله بنوافل الطَّاعَات من الدُّعَاء وَالذكر وتلاوة الْكتاب الْمنزل من الله، وَكَذَلِكَ أَجمعُوا على النِّكَاح وَتَحْرِيم السفاح وَإِقَامَة الْعدْل بَين النَّاس وَتَحْرِيم الْمَظَالِم وَإِقَامَة الْحُدُود على أهل الْمعاصِي وَالْجهَاد مَعَ أَعدَاء الله وَالِاجْتِهَاد فِي إِشَاعَة أَمر الله وَدينه، فَهَذَا أصل الدّين، وَلذَلِك لم يبْحَث الْقُرْآن الْعَظِيم عَن لمية هَذِه الْأَشْيَاء إِلَّا مَا شَاءَ الله، فَإِنَّهَا كَانَت مسلمة فِيمَن نزل الْقُرْآن على ألسنتهم، وَإِنَّمَا الِاخْتِلَاف فِي صور هَذِه الْأُمُور وأشباحها، فَكَانَ من شَرِيعَة مُوسَى ﵇ الِاسْتِقْبَال فِي الصَّلَاة إِلَى بَيت الْمُقَدّس، وَفِي شَرِيعَة نَبينَا ﷺ إِلَى الْكَعْبَة، وَكَانَ من شَرِيعَة مُوسَى ﵇ الرَّجْم فَقَط، وَجَاءَت فِي شريعتنا بِالرَّجمِ للمحصن وَالْجَلد لغيره، وَكَانَ فِي شَرِيعَة مُوسَى ﵇ الْقصاص فَقَط، وَجَاءَت شريعتنا بِالْقصاصِ وَالدية جَمِيعًا، وعَلى ذَلِك اخْتلَافهمْ فِي أَوْقَات الطَّاعَات وآدابها وأركانها. وَبِالْجُمْلَةِ فالأوضاع الْخَاصَّة الَّتِي مهدت، وبنيت بهَا أَنْوَاع الْبر والارتفاقات هِيَ الشرعة والمنهاج وَاعْلَم أَن الطَّاعَات الَّتِي امْر الله تَعَالَى بهَا فِي جَمِيع الْأَدْيَان إِنَّمَا هِيَ أَعمال تنبعث من الهيئات النفسانية الَّتِي هِيَ فِي الْمعَاد للنفوس أَو عَلَيْهَا، وتمد فِيهَا وتشرحها، وَهِي أشباحها وتماثيلها، وَلَا جرم أَن ميزانها وملاك أمرهَا تِلْكَ الهيئات، فَمن لم يعرفهَا لم يكن من الْأَعْمَال على بَصِيرَة، فَرُبمَا اكْتفى بِمَا لَا يَكْفِي، وَرُبمَا صلى بِلَا قِرَاءَة وَلَا دُعَاء، يُفِيد فَلَا بُد من سياسة عَارِف حق الْمعرفَة يضْبط الخفى المشتبه بأمارات وَاضِحَة، ويجعلها أمرا محسوسا يميزه الأداني والأقاصي، وَلَا يشْتَبه عَلَيْهِم ليطالبوا بِهِ ويؤاخذوا عَلَيْهِ على حجَّة من الله واستطاعة مِنْهُم والآثام رُبمَا تشتبه بِمَا لَيْسَ باثم كَقَوْل الْمُشْركين: ﴿إِنَّمَا البيع مثل الرِّبَا﴾

стр. 122

إِمَّا لقُصُور الْعلم، أَو لغَرَض دُنْيَوِيّ يفْسد بصيرته، فمست الْحَاجة إِلَى أَمَارَات يتَمَيَّز بهَا الاثم من غَيره، وَلَو لم يؤقت الْأَوْقَات لاستكثر بَعضهم الْقَلِيل من الصَّلَاة وَالصَّوْم، فَلم يغن ذَلِك عَنْهُم شَيْئا، وَلم تمكن المعاقبة على تسللهم واحتيالهم، وَلَو لم يعين لَهُم الْأَركان والشروط لخبطوا خبط عشواء وَلَوْلَا الْحُدُود لم ينزجر أهل الطغيان. وَبِالْجُمْلَةِ فجمهور النَّاس لَا يتم تكليفهم إِلَّا بأوقات وأركان وشروط وعقوبات وَأَحْكَام كُلية، وَنَحْو ذَلِك، وَإِذا شِئْت أَن تعرف للتشريع ميزانا، فَتَأمل حَال الطَّبِيب الحاذق عِنْدَمَا يجْتَهد فِي سياسة المرضى، ويخبرهم بِمَا لَا يعْرفُونَ، ويكلفهم بِمَا لَا يحيطون بدقائقه علما كَيفَ يعمد إِلَى مظنات محسوسة، فيقيمها مقَام الْأُمُور الْخفية كَمَا يُقيم حمرَة الْبشرَة وَخُرُوج الدَّم من اللثة مقَام غَلَبَة الدَّم، وَكَيف ينظر إِلَى قُوَّة الْمَرَض وَسن الْمَرِيض وبلده وفصله وَإِلَى قُوَّة الدَّوَاء وَجَمِيع مَا هُنَاكَ، فيحدس بِمِقْدَار خَاص من الدَّوَاء يلائم الْحَال، فيكلفه بِهِ، وَرُبمَا اتخذ قَاعِدَة كُلية من قبل إِقَامَة المظنة مقَام سَبَب الْمَرَض وَإِقَامَة هَذَا الْقدر الَّذِي تفطن بِهِ من الدَّوَاء مقَام إِزَالَة الْمَادَّة المؤذية أَو تَغْيِير هيئتها الْفَاسِدَة، فَيَقُول مثلا: من احْمَرَّتْ بَشرته ودميت لثته وَجب عَلَيْهِ بِحكم الطِّبّ أَن يحتسي على الرِّيق شراب الْعنَّاب أَو مَاء الْعَسَل، وَمن لم يفعل ذَلِك فَإِنَّهُ على شرف الْهَلَاك، وَيَقُول: من تنَاول من معجون كَذَا وَكَذَا وزن مِثْقَال زَالَ عَنهُ مرض كَذَا، وَأمن من مرض كَذَا، فيؤثر عَنهُ تِلْكَ الْكُلية، وَيعْمل بهَا، فَيجْعَل الله فِي ذَلِك نفعا كثيرا، وَتَأمل حَال الْملك الْحَكِيم النَّاظر فِي إصْلَاح الْمَدِينَة وسياسة الجيوش كَيفَ ينظر إِلَى الْأَرَاضِي وريعها، وَإِلَى الزراع ومؤنتهم، وَإِلَى الحراس وكفايتهم، فَيضْرب الْعشْر وَالْخَرَاج حسب ذَلِك، وَكَيف يُقيم هيئات محسوسة وقرائن مقَام الْأَخْلَاق والملكات الَّتِي يجب وجودهَا فِي الأعوان، فيتخذهم على ذَلِك القانون وَكَيف ينظر إِلَى الْحَاجَات الَّتِي لَا بُد من كفايتها، وَإِلَى الأعوان وكثرتهم، فيوزعهم توزيعا يَكْفِي الْمَقْصُود، وَلَا يضيق عَلَيْهِم، وَتَأمل حَال معلم الصّبيان بِالنِّسْبَةِ إِلَى صبيانه، وَالسَّيِّد بِالنِّسْبَةِ إِلَى غلمانه يُرِيد هَذَا تعليمهم، وَذَلِكَ كِفَايَة الْحَاجة الْمَقْصُودَة بِأَيْدِيهِم، وهم لَا يعْرفُونَ حَقِيقَة الْمصلحَة، وَلَا يرغبون فِي إِقَامَتهَا، ويتسللون، ويعتذرون، يَعْتَذِرُونَ، ويحتالون كَيفَ يعرفان مَظَنَّة الثلمة قبل وُقُوعهَا، فيسدان الْخلَل، وَلَا يخاطبانهم إِلَّا بطريقة لَيْلهَا نَهَارهَا، ونهارها لَيْلهَا، لَا يَجدونَ مِنْهَا حِيلَة، وَلَا يتمكنون من التسلل وَهِي تقضي إِلَى الْمَقْصُود من حَيْثُ يعلمُونَ أَو لَا يعلمُونَ.

стр. 123

وَبِالْجُمْلَةِ فَكل من تولى لإِصْلَاح جم غفير مُخْتَلفَة استعدادهم، وَلَيْسوا من الْأَمر على بَصِيرَة وَلَا فِيهِ على رَغْبَة يضْطَر إِلَى تَقْدِير وتوقيت وَتَعْيِين أوضاع وهيئات يَجْعَلهَا الْعُمْدَة فِي الْمُطَالبَة والمؤاخذة. وَأعلم أَن الله تَعَالَى لما اراد ببعثة الرُّسُل أَن يخرج النَّاس من الظُّلُمَات إِلَى النُّور، فَأوحى إِلَيْهِم أمره لذَلِك، وَألقى عَلَيْهِم نوره، وَنَفث فيهم الرَّغْبَة فِي إصْلَاح الْعَالم، وَكَانَ اهتداء الْقَوْم يَوْمئِذٍ لَا يتَحَقَّق إِلَّا بِأُمُور ومقدمات وَجب فِي حِكْمَة الله أَن يلتوى جَمِيع ذَلِك فِي إِرَادَة بعثتهم، وَأَن يكون افتراض طَاعَة الرُّسُل وانقيادهم منفسحا إِلَى افتراض مُقَدمَات الْإِصْلَاح، وكل مَا لَا يتم فِي الْعقل أَو الْعَادة إِلَّا بِهِ فَإِنَّهُ جملَة بجر بَعْضهَا بَعْضًا، وَالله لَا يخفى عَلَيْهِ خافية، وَلَيْسَ فِي دين الله جزاف، فَلَا يعين شَيْء دون نَظَائِره إِلَّا بِحكم وَأَسْبَاب يعلمهَا الراسخون فِي الْعلم، وَنحن نُرِيد ان ننبه على جملَة صَالِحَة من تِلْكَ الحكم والأسباب، وَالله أعلم. (بَاب أَسبَاب نزُول الشَّرَائِع الْخَاصَّة بعصر دون عصر وَقوم دون قوم) وَالْأَصْل فِيهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿كل الطَّعَام كَانَ حلا لبني إِسْرَائِيل إِلَّا مَا حرم إِسْرَائِيل على نَفسه من قبل أَن تنزل التَّوْرَاة قل فَأتوا بِالتَّوْرَاةِ فاتلوها إِن كُنْتُم صَادِقين﴾ . تَفْسِيرهَا أَن يَعْقُوب ﵇ مرض مَرضا شَدِيدا، فَنَذر لَئِن عافاه الله ليحرمن على نَفسه أحب الطَّعَام وَالشرَاب إِلَيْهِ، فَلَمَّا عوفي حرم على نَفسه لحْمَان الْإِبِل وَأَلْبَانهَا، وأقتدى بِهِ بنوه فِي تَحْرِيمهَا، وَمضى على ذَلِك الْقُرُون حَتَّى أضمروا فِي نُفُوسهم التَّفْرِيط فِي حق الْأَنْبِيَاء إِن خالفوهم بأكلها، فَنزل التَّوْرَاة بِالتَّحْرِيمِ، وَلما بَين النَّبِي صلى اله عَلَيْهِ وَسلم أَنه على مِلَّة إِبْرَاهِيم قَالَت الْيَهُود كَيفَ يكون على مِلَّته وَهُوَ يَأْكُل لُحُوم الْإِبِل وَأَلْبَانهَا، فَرد الله تَعَالَى عَلَيْهِم أَن كل الطَّعَام كَانَ حلا فِي الأَصْل وَإِنَّمَا حرمت الْإِبِل لعَارض لحق باليهود، فَلَمَّا ظَهرت النُّبُوَّة فِي بني إِسْمَاعِيل وهم بُرَآء من ذَلِك الْعَارِض لم يجب رعايته. وَقَول النَّبِي ﷺ فِي صَلَاة التَّرَاوِيح " مَا زَالَ بكم الَّذِي رَأَيْت من صنيعكم حَتَّى خشيت أَن يكْتب عَلَيْكُم، وَلَو كتب عَلَيْكُم مَا قُمْتُم بِهِ، فصلوها أَيهَا النَّاس فِي بُيُوتكُمْ " فكبحهم النَّبِي ﷺ عَن جعلهَا شَائِعا ذائعا بَينهم لِئَلَّا تصير من شَعَائِر الدّين، فيعتقدوا تَركهَا تفريطا فِي جنب الله، فتفرض عَلَيْهِم.

стр. 124

وَقَوله [ ﷺ ] : " أعظم الْمُسلمين فِي الْمُسلمين جرما من سَأَلَ عَن شَيْء، فَحرم لأجل مَسْأَلته ". وَقَوله [ ﷺ ] : " إِن إِبْرَاهِيم حرم مَكَّة ودعا لَهَا وَإِنِّي حرمت الْمَدِينَة كَمَا حرم إِبْرَاهِيم مَكَّة ودعوت لَهَا فِي مدها وصاعها مثل مَا دَعَا إِبْرَاهِيم لمَكَّة ". وَقَوله ﷺ لمن سَأَلَهُ عَن الْحَج " أهوَ فِي كل عَام لَو قلت نعم لَوَجَبَتْ، وَلَو وَجَبت لم تقوموا بهَا، وَلَو لم تقوموا بهَا عذبتم ". وَاعْلَم أَنه إِنَّمَا اخْتلفت شرائع الْأَنْبِيَاء ﵈ لأسباب ومصالح، وَذَلِكَ أَن شَعَائِر الله إِنَّمَا كَانَت شَعَائِر لمعدات وَأَن الْمَقَادِير يُلَاحظ فِي شرعها حَال الْمُكَلّفين وعاداتهم. فَلَمَّا كَانَت أمزجة قوم نوح ﵇ فِي غَايَة الْقُوَّة والشدة كَمَا نبه عَلَيْهِ الْحق تَعَالَى - استوجبوا أَن يؤمروا بدوام الصّيام؛ ليقاوم سُورَة بهيميتهم، وَلما كَانَت أمزجة هَذِه الْأمة ضَعِيفَة نهوا عَن ذَلِك، وَكَذَلِكَ لم يَجْعَل الله تَعَالَى الْغَنَائِم حَلَالا للأولين، وأحلها لنا لما رأى ضعفنا، وَأَن مُرَاد الْأَنْبِيَاء ﵈ إصْلَاح مَا عِنْدهم من الارتفاقات، فَلَا يعدل عَنْهَا إِلَى مَا يباين المألوف إِلَّا مَا شَاءَ الله، وَأَن مظان الْمصَالح تخْتَلف باخْتلَاف الْأَعْصَار والعادات، وَلذَلِك صَحَّ وُقُوع النّسخ، وَإِنَّمَا مثله كَمثل الطَّبِيب يعمد إِلَى حفظ المزاج المعتدل فِي جَمِيع الْأَحْوَال، فتختلف أَحْكَامه باخْتلَاف الْأَشْخَاص وَالزَّمَان، فيأمر الشَّاب بِمَا لَا يَأْمر بِهِ الشائب، وَيَأْمُر فِي الصَّيف بِالنَّوْمِ فِي الجو لما يرى أَن الجو مَظَنَّة الِاعْتِدَال حِينَئِذٍ، وَيَأْمُر فِي الشتَاء بِالنَّوْمِ دَاخل الْبَيْت لما يرى أَنه مَظَنَّة الْبرد حِينَئِذٍ. فَمن عرف أصل الدّين وَأَسْبَاب اخْتِلَاف المناهج لم يكن عِنْده تَغْيِير وَلَا تَبْدِيل وَلذَلِك نسبت الشَّرَائِع إِلَى أقوامها، وَرجعت اللائمة إِلَيْهِم حِين استوجبوا بهَا بِمَا عِنْدهم من الاستعداد، وسألوها جهد سُؤَالهمْ بِلِسَان الْحَال، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿فتقطعوا أَمرهم بَينهم زبرا كل حزب بِمَا لديهم فَرِحُونَ﴾ . وَلذَلِك ظهر فضل أمة نَبينَا ﷺ حِين استحقوا تعْيين الْجُمُعَة لكَوْنهم أُمِّيين بُرَآء من الْعُلُوم المكتسبة، واستحقت الْيَهُود السبت لاعتقادهم أَنه يَوْم فرغ الله فِيهِ من الْخلق وَأَنه أحسن شَيْء لأَدَاء الْعِبَادَة مَعَ أَن الْكل بِأَمْر الله ووحيه، وَمثل الشَّرَائِع فِي ذَلِك كَمثل الْعَزِيمَة يؤمرون بهَا أَولا، ثمَّ يكون هُنَالك أعذار وحرج، فتشرع لَهُم الرُّخص لِمَعْنى

стр. 125

يرجع إِلَيْهِم فَرُبمَا توجه بذلك بعض اللائمة إِلَيْهِم لكَوْنهم استوحبوا ذَلِك بِمَا عِنْدهم قَالَ الله تَعَالَى: ﴿إِن الله لَا يُغير مَا بِقوم حَتَّى يُغيرُوا مَا بِأَنْفسِهِم﴾ . وَقَالَ النَّبِي [ ﷺ ] : " مَا رَأَيْت من ناقصات عقل وَدين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن " وَبَين نُقْصَان دينهن بقوله " أَرَأَيْت أَنَّهَا إِذا حَاضَت لم تصل، وَلم تصم ". وَاعْلَم أَن أَسبَاب نزُول المناهج فِي صُورَة خَاصَّة كَثِيرَة لَكِنَّهَا ترجع إِلَى نَوْعَيْنِ. أَحدهمَا كالأمر الطبيعي الْمُوجب لتكليفهم بِتِلْكَ الْأَحْكَام، فَكَمَا أَن لأفراد الْإِنْسَان جَمِيعهَا طبيعة وأحوالا ورثتها من النَّوْع توجب تكليفهم بِأَحْكَام، كَمَا أَن الأكمه لَا يكون فِي خزانَة خياله الألوان والصور، وَإِنَّمَا هُنَالك الْأَلْفَاظ والملموسات وَنَحْو ذَلِك، فاذا تلقى من الْغَيْب علما فِي رُؤْيا أَو وَاقعَة أَو نَحْو ذَلِك، فَإِنَّمَا يتشبح علمه فِي صُورَة مَا اختزنه خياله دون غَيره، وكما أَن الْعَرَبِيّ الَّذِي لَا يعرف غير لُغَة الْعَرَب إِذا تمثل لَهُ علم فِي نشأة اللَّفْظ، فَإِنَّمَا يتَمَثَّل لَهُ فِي لُغَة الْعَرَب دون غَيرهَا، وكما أَن الْبِلَاد الَّتِي يُوجد فِيهَا الْفِيل وَغَيره من الْحَيَوَانَات سَيِّئَة المنظر يتَرَاءَى لأَهْلهَا إِلْمَام الْجِنّ وتخويف الشَّيَاطِين فِي صُورَة تِلْكَ الْحَيَوَانَات دون غير تِلْكَ الْبِلَاد، وَالَّتِي يعظم فِيهَا بعض الْأَشْيَاء، وَيُوجد فِيهَا بعض الطَّيِّبَات من الْأَطْعِمَة والألبسة - تتراءى لأَهْلهَا النِّعْمَة وانبساط الْمَلَائِكَة فِي تيك الصُّور دون غير تِلْكَ الْبِلَاد، وكما أَن الْعَرَبِيّ المتوجه إِلَى شَيْء ليفعله أَو طَرِيق ليسلكه إِذا سمع لَفْظَة رَاشد أَو نجيح كَانَ دَلِيلا على حسن مَا يستقبله دون غير الْعَرَبِيّ وَقد جَاءَت السّنة بِبَعْض هَذَا النَّوْع - فَكَذَلِك يعْتَبر فِي الشَّرَائِع عُلُوم مخزونة فِي الْقَوْم واعتقادات كامنة فيهم وعادات تتجارى فيهم كَمَا يتجارى الْكَلْب. وَلذَلِك نزل تَحْرِيم لُحُوم الابل وَأَلْبَانهَا على بنى إِسْرَائِيل دون بني إِسْمَاعِيل، وَلذَلِك كَانَ الطّيب والخبيث فِي المطاعم مفوضا إِلَى عادات الْعَرَب، وَلذَلِك حرمت بَنَات الْأُخْت علينا دون الْيَهُود، فانهم كَانُوا يعدونها من قوم أَبِيهَا لَا مُخَالطَة بَينهم وَبَينهَا، وَلَا ارتباط، وَلَا اصطحاب، فَهِيَ كالأجنبية بِخِلَاف الْعَرَب، وَلذَلِك كَانَ طبخ الْعجل فِي لبن أمه حَرَامًا عَلَيْهِم دُوننَا، فان علم كَون ذَلِك تغييرا لخلق الله ومصادمة لتدبير الله حَيْثُ صرف مَا خلقه الله لنشء الْعجل ونموه إِلَى فك بنيته وَحل تركيبه كَانَ راسخا فِي الْيَهُود متجاريا فيهم، وَكَانَ الْعَرَب أبعد خلق الله عَن هَذَا الْعلم حَتَّى لَو ألْقى عَلَيْهِم لما فهموه، وَلما أدركوا المناط الْمُنَاسب للْحكم،

стр. 126

وَالْمُعْتَبر فِي نزُول الشَّرَائِع لَيْسَ الْعُلُوم والحالات والعقائد المتمثلة فِي صُدُورهمْ فَقَط، بل أعظمها اعْتِبَارا، وأولاها اعتدادا مَا نشأوا عَلَيْهِ واندفعت عُقُولهمْ إِلَيْهِ من حَيْثُ يعلمُونَ وَمن حَيْثُ لَا يعلمُونَ، كَمَا ترى ذَلِك فِي علاقات تمثل شَيْء بِصُورَة غَيره كتمثل منع النَّاس عَن السّحُور فِي صُورَة الْخَتْم على الأفواه، فان الْخَتْم شبح الْمَنْع عِنْد الْقَوْم استحضروه أم لَا. وَحقّ الله على عباده فِي الأَصْل أَن يعظموه غَايَة التَّعْظِيم، وَلَا يقدموا على مُخَالفَة أمره بِوَجْه من الْوُجُوه، وَالْوَاجِب فِيمَا بَين النَّاس أَن يقيموا مصلحَة التَّأْلِيف والتعاون، وَلَا يُؤْذى أحد أحدا إِلَّا إِذا أَمر بِهِ الرأى الْكُلِّي وَنَحْو ذَلِك، وَلذَلِك كَانَ الَّذِي وَقع على امْرَأَة يعلم أَنَّهَا أَجْنَبِيَّة - قد أرْخى بَينه وَبَين الله حجاب، وَكتب ذَلِك من اجترائه على الله، وَإِن كَانَت امْرَأَته فِي الْحَقِيقَة لِأَنَّهُ أقدم على مُخَالفَة أَمر الله وَحكمه، وَالَّذِي وَقع على أَجْنَبِيَّة وَهُوَ يعلم أَنَّهَا امْرَأَته لَا يألوا فِي ذَلِك مَعْذُورًا فِيمَا بَينه وَبَين الله، وَكَانَ الَّذِي نذر الصَّوْم ماخوذا بنذره دون من لم ينذر، وَكَانَ من تشدد فِي الدّين شدد عَلَيْهِ، وَكَانَت لطمة الْيَتِيم للتاديب حَسَنَة، وللتعذيب سَيِّئَة، وَكَانَ الْمُخطئ والناسى معفوا عَنْهُمَا فِي كثير من الْأَحْكَام، فَهَذَا الأَصْل يتلقاه عُلُوم الْقَوْم وعاداتهم الكامنة مِنْهَا والبارزة، فيتشخص الشَّرَائِع فِي حَقهم حسب ذَلِك. وَاعْلَم أَن كثيرا من الْعَادَات والعلوم الكامنة يتَّفق فِيهَا الْعَرَب والعجم وَجمع سكان الأقاليم المعتدلة وَأهل الأمزجة الْقَابِلَة للأخلاق الفاضلة. كالحزن لميتهم واستحباب الرِّفْق بِهِ. وكالفخر بِالْأَحْسَابِ والأنساب. وكالنوم إِذا مضى ربع اللَّيْل أَو ثلثه. أَو نَحْو ذَلِك. والاستيقاظ فِي تباشير الصُّبْح إِلَى غير ذَلِك مِمَّا أَو مَا نَا إِلَيْهِ فِي الارتفاقات. فَتلك الْعَادَات والعلوم أَحَق الْأَشْيَاء بِالِاعْتِبَارِ ثمَّ بعْدهَا عادات وعقائد تخْتَص بالمبعوث إِلَيْهِم. فَتعْتَبر تِلْكَ أَيْضا وَقد جعل الله لكل شَيْء قدرا. وَاعْلَم أَن النُّبُوَّة كثيرا مَا تكون من تَحت الْملَّة كَمَا قَالَ الله تَعَالَى: ﴿مِلَّة أبيكم إِبْرَاهِيم﴾ . وكما قَالَ: ﴿وَإِن من شيعته لإِبْرَاهِيم﴾ . وسر ذَلِك أَنه تنشأ قُرُون كَثِيرَة على التدين بدين. وعَلى تَعْظِيم شعائره. وَتصير أَحْكَامه من المشهورات الذائعة اللاحقة بالبديهيات الأولية الَّتِي لَا تكَاد تنكر. فتجيء نبوة أُخْرَى لإِقَامَة مَا اعوج مِنْهَا: وَصَلَاح مَا فسد مِنْهَا بعد اخْتِلَاط رِوَايَة نبيها، فتفتش عَن الْأَحْكَام

стр. 127

الْمَشْهُورَة عِنْدهم، فَمَا كَانَ صَحِيحا مُوَافقا لقواعد السياسة الملية لَا تغيره، بل تَدْعُو إِلَيْهِ، وتحث عَلَيْهِ، وَمَا كَانَ سقيما قد دخله التحريف، فَإِنَّهَا تغيره، بِقدر الْحَاجة، وَمَا كَانَ حريا أَن يزْدَاد، فَإِنَّهَا تزيده على مَا كَانَ عِنْدهم، وَكَثِيرًا مَا يسْتَدلّ هَذَا النَّبِي فِي مطالبه بِمَا بَقِي عِنْدهم من الشَّرِيعَة الأولى، فَيُقَال عِنْد ذَلِك هَذَا النَّبِي فِي مِلَّة فلَان النَّبِي أَو من شيعته، وَكَثِيرًا مَا تخْتَلف النبوات لاخْتِلَاف الْملَل النَّازِلَة تِلْكَ النُّبُوَّة فِيهَا. وَالنَّوْع الثَّانِي بِمَنْزِلَة طَارِئ عَارض، وَذَلِكَ أَن الله تَعَالَى وَإِن كَانَ متعاليا عَن الزَّمَان، فَلهُ ارتباط بِوَجْه من الْوُجُوه بِالزَّمَانِ والزمانيات، وَقد أخبر النَّبِي ﷺ أَن الله يقْضِي بعد كل مائَة بحادثة عَظِيمَة من الْحَوَادِث، وَأخْبر آدم وَغَيره من الْأَنْبِيَاء ﵈ فِي حَدِيث الشَّفَاعَة بِشَيْء من هَذَا الْبَاب حَيْثُ قَالَ كل وَاحِد مِنْهُم: " إِن رَبِّي ﵎ قد غضب الْيَوْم غَضبا لم يغضبه قبله مثله، وَلنْ يغْضب بعده مثله " فَإِذا تهَيَّأ الْعَالم لإفاضة الشَّرَائِع وَتَعْيِين الْحُدُود، وتجلى الْحق منزلا عَلَيْهِم الدّين، وامتلأ الْمَلأ الْأَعْلَى بهمة قَوِيَّة حسب ذَلِك يكون حِينَئِذٍ أدنى سَبَب من الْأَسْبَاب الطارئة كَافِيا فِي قرع بَاب الْجُود، وَمن دق بَاب الْكَرِيم انْفَتح، وَلَك عِبْرَة بفصل الرّبيع يُؤثر فِي أدنى شَيْء من الْغَرْس وَالْبذْر مَا لَا يُؤثر فِي غَيره أَضْعَاف ذَلِك، وهمة النَّبِي ﷺ ، واستشرافه للشَّيْء، ودعوته لَهُ، واشتياقه إِلَيْهِ، وَطَلَبه إِيَّاه سَبَب قوي لنزول الْقَضَاء فِي ذَلِك الْبَاب، وَإِذا كَانَت دَعوته تحيي السّنة الشَّهْبَاء، وتغلب فِئَة عَظِيمَة من النَّاس، وتزيد الطَّعَام وَالشرَاب زِيَادَة محسوسة، فَمَا ظَنك فِي نزُول الحكم الَّذِي هُوَ روح لطيف إِنَّمَا يتَعَيَّن بِوُجُود مثالي، وعَلى هَذَا الأَصْل يَنْبَغِي أَن يخرج أَن حُدُوث حَادِثَة عَظِيمَة فخيمة فِي ذَلِك الزَّمَان يفزع لَهَا النَّبِي ﷺ ، كقصة الْإِفْك، وسؤال سَائل يُرَاجع النَّبِي ﷺ ويحاوره فيهم لَهُ ﷺ كقصة الظِّهَار يكون سَببا لنزول الْأَحْكَام، وَأَن يكْشف عَلَيْهِ فِيهَا جلية الْحَال، وَأَن استبطاء الْقَوْم عَن الطَّاعَة وتبلدهم عَن الانقياد، وإخلادهم عَن الْعِصْيَان، وَكَذَا رغبتهم فِي شَيْء، وعضهم عَلَيْهِ بالنواجذ، واعتقادهم التَّفْرِيط فِي جنب الله عِنْد تَركه - يكون سَببا لِأَن يشدد عَلَيْهِم بِالْوُجُوب الأكيد وَالتَّحْرِيم الشَّديد، وَمثل ذَلِك كُله فِي استمطار الْجُود كَمثل الْإِنْسَان الصَّالح قوي الهمة يتوخى سَاعَة انتشار الروحانية وَقُوَّة السَّعَادَة، فَيسْأَل الله فِيهَا بِجهْد همته، فَلَا تتراخى إجَابَته، وَإِلَى هَذِه الْمعَانِي وَقعت الْإِشَارَة فِي قَوْله ﵎: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تسئلوا عَن أَشْيَاء إِن تبد لكم تَسُؤْكُمْ وَإِن تسئلوا عَنْهَا حِين ينزل الْقُرْآن تبد لكم﴾ . وأصل المرضى أَن يقل هَذَا النَّوْع من أَسبَاب نزُول الشَّرَائِع لِأَنَّهُ يعد لنزول مَا يغلب

стр. 128

فِيهِ حكم الْمصلحَة الْخَاصَّة بذلك الْوَقْت، فكثيرا مَا كَانَ تضييقا على الَّذين يأْتونَ من بعد، وَلذَلِك كَانَ النَّبِي ﷺ يكره الْمسَائِل، وَكَانَ يَقُول: " ذروني مَا تركتكم، فَإِنَّمَا هلك من قبلكُمْ بِكَثْرَة سُؤَالهمْ وَاخْتِلَافهمْ على أَنْبِيَائهمْ ". وَقَالَ: " إِن أعظم الْمُسلمين فِي الْمُسلمين جرما من سَأَلَ شَيْئا فَحرم لأجل مسئلته " وَجَاء فِي الْخَبَر: " أَن بني إِسْرَائِيل لَو ذَبَحُوا أَي بقرة شَاءُوا كفت عَنْهُم لَكِن شَدَّدُوا فَشدد عَلَيْهِم " وَالله أعلم. (بَاب أَسبَاب الْمُؤَاخَذَة على المناهج) لنبحث عَن المناهج والشرائع الَّتِي ضربهَا الله تَعَالَى لِعِبَادِهِ هَل يَتَرَتَّب الثَّوَاب وَالْعَذَاب عَلَيْهَا كَمَا يَتَرَتَّب على أصُول الْبر والاثم، أَو لَا يَتَرَتَّب إِلَّا على مَا جعلت مظنات وأشباحا وقوالب لَهُ؟ فَمن ترك صَلَاة وَقت من الْأَوْقَات، وَقَلبه مطمئن بالاخبات، هَل يعذب بِتَرْكِهَا؟ وَمن صلى صَلَاة وَأدّى الْأَركان والشروط حَسْبَمَا يخرج عَن الْعهْدَة، وَلم يرجع بِشَيْء من الاخبات، وَلم يدْخل ذَلِك فِي صميم قلبه هَل يُثَاب على فعلهَا؟ وَلَيْسَ الْكَلَام فِي كَون مَعْصِيّة المناهج مفْسدَة عَظِيمَة من جِهَة كَونهَا قدحا فِي السّنة الراشدة، وفتحا لباب الْإِثْم، وغشا بِالنِّسْبَةِ إِلَى جمَاعَة الْمُسلمين، وضررا للحي وَالْمَدينَة والإقليم بِمَنْزِلَة سيل سد مجْرَاه لمصْلحَة الْمَدِينَة، فجَاء رجل، ونقب السد، وَنَجَا بِنَفسِهِ وَأهْلك أهل مدينته، وَلَكِن الْكَلَام فِيمَا يرجع إِلَى نَفسه من إحاطة السَّيِّئَات بهَا أَو إحاطة الْحَسَنَات. فَذهب أهل الْملَل قاطبة إِلَى أَنَّهَا توجب الثَّوَاب وَالْعَذَاب بِنَفسِهَا، فالمحققون مِنْهُم والراسخون فِي الْعلم والحواريون من أَصْحَاب الْأَنْبِيَاء ﵈ يدركون مَعَ ذَلِك وَجه الْمُنَاسبَة والارتباط لتِلْك الأشباح والقوالب بأصولها وأرواحها، وَعَامة حَملَة الدّين ووعاة الشَّرَائِع يكتفون بِالْأولِ، وَذهب فلاسفة الْإِسْلَام إِلَى أَن الْعَذَاب وَالثَّوَاب إِنَّمَا يكونَانِ على الصِّفَات النفسانية والأخلاق المتشبثة بذيل الرّوح، وَإِنَّمَا ذكر قوالبها وأشباحها فِي الشَّرَائِع تفهيما وتقريبا للمعاني الدقيقة إِلَى أذهان النَّاس، هَذَا تَحْرِير الْمقَام على مشرب الْقَوْم. أَقُول: وَالْحق مَا ذهب إِلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ من أهل الْملَل - بَيَان ذَلِك أَن الشَّرَائِع لَهَا معدات وَأَسْبَاب تشخصها، وترجح بعض محتملاتها على بعض، وَالْحق يعلم أَن الْقَوْم لَا يَسْتَطِيعُونَ الْعَمَل بِالدّينِ إِلَّا بِتِلْكَ الشَّرَائِع والمناهج، وَيعلم أَن هَذِه الأوضاع هِيَ الَّتِي يَلِيق أَن تكون عَلَيْهِم، فتندرج فِي عناية الْحق بالقوم أزلا، ثمَّ لما تهَيَّأ الْعَالم لفيضان صور الشَّرَائِع وإيجاد شخوصها المثالية، فاوجدها وأفاضها، وتقرر هُنَالك أمرهَا - كَانَت أصلا من الْأُصُول، ثمَّ لما فتح الله على الْمَلأ الْأَعْلَى هَذَا الْعلم،

стр. 129

وألهمهم أَن المظنات قَائِمَة مقَام الْأُصُول، وَأَنَّهَا أشباحها وتماثيلها، وَأَنه لَا يُمكن تَكْلِيف الْقَوْم إِلَّا بِتِلْكَ - حصل فِي حَظِيرَة الْقُدس إِجْمَاع مَا على أَنَّهَا هِيَ بِمَنْزِلَة اللَّفْظ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْحَقِيقَة الْمَوْضُوع لَهَا، وَالصُّورَة الذهنية بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْحَقِيقَة الخارجية المنتزعة مِنْهَا، وَالصُّورَة التصويرية بِالنِّسْبَةِ إِلَى من انتقشت مكشافا لَهُ، وَالصُّورَة الخطية بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَلْفَاظ الْمَوْضُوعَة هِيَ لَهَا، فَإِنَّهُ فِي كل ذَلِك لما قويت العلاقة بَين الدَّال والمدلول، وَحصل بَينهمَا تلازم وتعانق أجمع فِي حيّز مَا من الأحياز أَنه هُوَ، ثمَّ ترشح شبح هَذَا الْعلم أَو حَقِيقَته فِي مدركات بني آدم عربهم وعجمهم، فاتفقوا عَلَيْهِ، فَلَنْ ترى أحدا إِلَّا ويضمر فِي نَفسه شُعْبَة من ذَلِك، وَرُبمَا سميناه وجودا شَبِيها للمدلول، وَرُبمَا كَانَ لهَذَا الْوُجُود آثَار عَجِيبَة لَا تخفى على المتتبع، وَقد روعي فِي الشَّرَائِع بعض ذَلِك، وَلذَلِك جعلت الصَّدَقَة من أوساخ المتصدقين، وسرت شناعة الْعَمَل فِي الْأُجْرَة، ثمَّ لما بعث النَّبِي ﷺ ، وأيد بِروح الْقُدس، وَنَفث فِي روعه إصْلَاح الْقَوْم، وَفتح لجوهر روحه فج وَاسع إِلَى الهمة القوية فِي بَاب نزُول الشَّرَائِع وصدور الشخوص المثالية، فعزم على ذَلِك أقْصَى عزيمته، ودعا للموافقين، وَلعن على الْمُخَالفين بِجهْد همته، وَأَن هممهم تخترق السَّبع الطباق، وَأَنَّهُمْ يستسقون، وَمَا هُنَالك قزعة سَحَاب، فتنشأ أَمْثَال الْجبَال فِي الْحَال وَأَنَّهُمْ يدعونَ، فيحيى الْمَوْتَى بدعوتهم - تَأَكد انْعِقَاد الرِّضَا والسخط فِي حَظِيرَة الْقُدس، وَهُوَ قَوْله ﷺ " إِن إِبْرَاهِيم نبيك وَعَبْدك دَعَا لمَكَّة وَأَنا أَدْعُو للمدينة " الحَدِيث. ثمَّ إِن هَذَا العَبْد إِذا علم أَن الله تَعَالَى أمره بِكَذَا وَكَذَا، وَأَن الْمَلأ الْأَعْلَى تؤيد النَّبِي ﷺ فِيمَا يَأْمر، وَينْهى، وَعلم أَن إهمال هَذَا والإقدام على ذَلِك اجتراء على الله وتفريط فِي جنب الله، ثمَّ أقدم على الْعَمَل عَن قصد وَعمد، وَهُوَ يرى ويبصر - فَإِن ذَلِك لَا يكون إِلَّا لغاشية عَظِيمَة من الْحجب وانكسار تَامّ للملكية، وَذَلِكَ يُوجب قيام خَطِيئَة بِالنَّفسِ، وَإِذا أقدم على عمل شاق تنجم عَنهُ طَبِيعَته لَا لمراءة النَّاس، بل تقربا من الله وحفظا على مرضياته، فَإِن ذَلِك لَا يكون إِلَّا لغاشية عَظِيمَة من الْإِحْسَان وانكسار تَامّ للبهيمية، وَذَلِكَ يُوجب قيام حَسَنَة بِالنَّفسِ، أما من ترك صَلَاة وَقت من الْأَوْقَات، فَيجب أَن يبْحَث عَنهُ لم تَركهَا؟ وَأي شَيْء حمله على ذَلِك؟ فَإِن نَسِيَهَا، أَو نَام عَنْهَا، أَو جهل وُجُوبهَا، أَو شغل عَنْهَا بِمَا لَا يجد مِنْهُ بدا، فنص الْملَّة أَنه لَيْسَ بآثم، وَإِن تَركهَا وَهُوَ يعلم، ويتذكر، وَأمره بِيَدِهِ، فَإِن ذَلِك لَا يكون لَا محَالة إِلَّا من حزازة فِي دينه، وغاشية شيطانية أَو نفسانية غشيت بصيرته، وَهُوَ يرجع إِلَى نَفسه، وَأما من صلى صَلَاة، وَخرج عَن عُهْدَة مَا وَجب عَلَيْهِ،

стр. 130

فَيجب أَن يبْحَث عَنهُ، أَيْضا إِن فعلهَا رِيَاء وَسُمْعَة أَو جريانا على عَادَة قومه أَو عَبَثا - فنص الْملَّة أَنه لَيْسَ بمطيع، وَلَا يعْتد بِفِعْلِهِ ذَلِك، وَإِن فعلهَا تقربا من الله، وأقدم عَلَيْهَا إِيمَانًا واحتسابا وَتَصْدِيقًا بالموعود، واستحضر النِّيَّة وأخلص دينه لله - فَلَا جرم أَنه فتح بَينه وَبَين الله بَاب، وَلَو كرأس إبرة، وَأما من أهلك الْمَدِينَة، وَنَجَا بِنَفسِهِ فَلَا نسلم أَنه نجا بِنَفسِهِ، كَيفَ وهنالك لله مَلَائِكَة أقْصَى همتهم الدُّعَاء لمن يسْعَى فِي إصْلَاح الْعَالم، وعَلى من سعى فِي إفساده، وَأَن دعوتهم تقرع بَاب الْجُود، وَيكون سَببا لنزول الْجَزَاء بِوَجْه من الْوُجُوه، بل هُنَالك لله تَعَالَى عناية بِالنَّاسِ توجب ذَلِك، ولدقة مدركها جعلنَا دَعْوَة الْمَلَائِكَة عنوانا لَهَا، وَالله أعلم. (بَاب أسرار الحكم وَالْعلَّة) اعْلَم أَن للعباد أفعالا يرضى لأَجلهَا رب الْعَالمين عَنْهُم، وأفعالا يسْخط لأَجلهَا عَلَيْهِم، وأفعالا لَا تَقْتَضِي رضَا وَلَا سخطا، فاقتضت حكمته الْبَالِغَة وَرَحمته التَّامَّة أَن يبْعَث إِلَيْهِم الْأَنْبِيَاء، ويخبرهم على ألسنتهم بتعلق الرِّضَا والسخط بِتِلْكَ الْأَفْعَال، وَيطْلب مِنْهُم الْفَصْل الأول، وَينْهى عَن الثَّانِي، ويخيرهم فِيمَا سوى ذَلِك: ﴿ليهلك من هلك عَن بَيِّنَة وَيحيى من حَيّ عَن بَيِّنَة﴾ . فَتعلق الرِّضَا والسخط بِالْفِعْلِ، وَكَونه غفلا مِنْهُمَا، وَكَون الشَّيْء بِحَيْثُ يطْلب مِنْهُم، وَينْهَوْنَ عَنهُ، ويخيرون فِيهِ أيا مَا شِئْت، فَقل هُوَ الحكم. والطلب مِنْهُ مُؤَكد يَقْتَضِي الرِّضَا وَالثَّوَاب على فعل الْمَطْلُوب، والسخط وَالْعِقَاب على تَركه، وَمِنْه غير مُؤَكد يَقْتَضِي الرِّضَا وَالثَّوَاب على فعل الْمَطْلُوب دون السخط وَالْعِقَاب على تَركه. وَكَذَلِكَ النَّهْي مِنْهُ مُؤَكد يَقْتَضِي الرِّضَا وَالثَّوَاب على الْكَفّ مِنْهُ لأجل النَّهْي، وَيَقْتَضِي السخط وَالْعِقَاب على فعل الْمنْهِي عَنهُ، وَمِنْه غير مُؤَكد يَقْتَضِي الرِّضَا وَالثَّوَاب على الْكَفّ عَنهُ لأجل النَّهْي دون السخط وَالْعِقَاب على فعله وَاعْتبر بِمَا عنْدك من أَلْفَاظ الطّلب وَالْمَنْع وبمحاورات النَّاس فِي ذَلِك، فَإنَّك ستجد

стр. 131

تَثْنِيَة كل قسم من جِهَة سريان الرِّضَا والسخط فِي ضد الْمَنْطُوق أَولا أمرا طبيعيا لَا محيص عَنهُ، فالأحكام خَمْسَة: إِيجَاب، وَندب، وَإِبَاحَة، وكراهية، وَتَحْرِيم، وَالَّذِي يُؤْتى بِهِ فِي مُخَاطبَة النَّاس لَا يُمكن أَن يكون حَال كل فعل على حِدته من أَفعَال الْمُكَلّفين لعدم انحصارها، وَلعدم استطاعة النَّاس الْإِحَاطَة بعلمها، فَوَجَبَ إِذا أَن يكون مَا يخاطبون بِهِ قضايا كُلية معنوية بوحدة تنظم كَثْرَة، ليحيطوا بهَا علما، فيعرفوا مِنْهَا حَال أفعالهم، وَلَك عِبْرَة بالصناعات الْكُلية الَّتِي جعلت لتَكون قانونا فِي الْأُمُور الْخَاصَّة يَقُول النَّحْوِيّ: الْفَاعِل مَرْفُوع فيعي مقَالَته السَّامع، فَيعرف بهَا حَال زيد فِي قَوْلنَا قَامَ زيد، وَعمر فِي قَوْلنَا قعد عمر، وهلم جرا، وَتلك الْوحدَة الَّتِي تنظم كَثْرَة هِيَ الْعلَّة الَّتِي يَدُور الحكم على دوراناها وَهِي قِسْمَانِ: قسم يعْتَبر فِيهَا حَالَة تُوجد فِي الْمُكَلّفين، وَلَا يُمكن أَن تكون حَالَة دائمة لَا تنفك عَنْهُم، فَيكون مَضْمُون الْخطاب تكليفهم بِالْأَمر دَائِما إِذْ لَا يَسْتَطِيعُونَ ذَلِك اللَّهُمَّ إِلَّا فِي الْإِيمَان خَاصَّة فَلَا جرم أَن تعْتَبر حَالَة مركبة من صفة لَازِمَة فِي الْمُكَلف بهَا يَصح كَونه مُخَاطبا وهيئة طارئة تنوبه مرّة بعد مرّة، وَأكْثر مَا يكون هَذَا الْقسم فِي الْعِبَادَات والهيئة إِمَّا وَقت أَو استطاعة ميسرَة أَو مَظَنَّة حرج، أَو إِرَادَة شَيْء، وَنَحْو ذَلِك كَقَوْل الشَّرْع " من أدْرك وَقت الصَّلَاة، وَهُوَ عَاقل بَالغ وَجب عَلَيْهِ أَن يُصليهَا، وَمن شهد الشَّهْر، وَهُوَ عَاقل بَالغ مطيق وَجب عَلَيْهِ أَن يَصُومهُ، وَمن ملك نِصَابا، وَحَال عَلَيْهِ الْحول وَجب أَن يُزَكِّيه، وَمن كَانَ على سفر جَازَ لَهُ الْقصر والإفطار، وَمن أَرَادَ الصَّلَاة، وَكَانَ مُحدثا وَجب عَلَيْهِ الْوضُوء " وَفِي مثل هَذَا رُبمَا تسْقط الصِّفَات الْمُعْتَبرَة فِي أَكثر الْأَوَامِر، وتخص الصّفة الَّتِي بهَا امتاز بَعْضهَا من الْبَعْض، فيسامح بتسميتها عِلّة، فَيُقَال عِلّة الصَّلَاة إِدْرَاك الْوَقْت، وَعلة الصَّوْم شُهُود الشَّهْر، وَرُبمَا يَجْعَل الشَّارِع لبَعض تِلْكَ الْأَوْصَاف دون بعض أثرا، كَمَا جوز تَعْجِيل الزَّكَاة لسنة أَو سنتَيْن لمن ملك النّصاب دون من لم يملكهُ، فَيعْطى الْفَقِيه كل ذِي حق حَقه، فيخص بَعْضهَا بِسَبَب وَالْآخر بِالشّرطِ. وَقسم يعْتَبر فِيهِ حَال مَا يَقع عَلَيْهِ الْفِعْل أَو يلابسه، وَهِي إِمَّا صفة لَازِمَة لَهُ كَقَوْل الشَّارِع: يحرم شرب الْخمر، وَيحرم أكل الْخِنْزِير، وَيحرم أكل كل ذِي نَاب من السبَاع وكل ذِي مخلب من الطير، وَيحرم نِكَاح الْأُمَّهَات أَو صفة طارئة تنوبه كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿وَالسَّارِق والسارقة فَاقْطَعُوا أَيْدِيهِمَا﴾ . وَقَوله تَعَالَى: ﴿الزَّانِيَة وَالزَّانِي فاجلدوا كل وَاحِد مِنْهُمَا مائَة جلدَة﴾ .

стр. 132

وَرُبمَا يجمع بَين اثْنَيْنِ فَصَاعِدا من أَحْوَال مَا يَقع عَلَيْهِ الْفِعْل، كَقَوْل الشَّارِع: يجب رجم الزَّانِي الْمُحصن، وَجلد زَان غير مُحصن، وَرُبمَا يجمع بَين حَال الْمُكَلف وَحَال مَا يَقع عَلَيْهِ الْفِعْل، كَقَوْل الشَّارِع: يحرم الذَّهَب وَالْحَرِير على رجال الْأمة دون نسائها. وَلَيْسَ فِي دين الله جزاف، فَلَا يتَعَلَّق الرِّضَا والسخط بِتِلْكَ الْأَفْعَال إِلَّا بِسَبَب، وَذَلِكَ أَن هَهُنَا شخوصا يتَعَلَّق بهَا الرِّضَا والسخط فِي الْحَقِيقَة وَهِي نَوْعَانِ: أَحدهمَا الْبر والاثم والارتفاقات وإضاعتها وَمَا يحذو حَذْو ذَلِك، وَثَانِيهمَا مَا يتَعَلَّق بالشرائع والمناهج من سد بَاب التحريف والاحتراز من التسلل وَنَحْو ذَلِك، وَلها محَال ولوازم يتعلقان بهَا بالغرض، وينسبان إِلَيْهَا توسعا، نَظِيره مَا يُقَال من أَن عِلّة الشِّفَاء تنَاول الدَّوَاء، وَإِنَّمَا الْعلَّة فِي الْحَقِيقَة نضج الأخلاط أَو إخْرَاجهَا وَهُوَ شَيْء يعقب الدَّوَاء فِي الْعَادة، وَلَيْسَ هُوَ هُوَ، وَيُقَال عِلّة الْحمى قد تكون الْجُلُوس فِي الشَّمْس، وَقد تكون الْحَرَكَة المنعبة، وَقد تكون تنَاول غذَاء حَار، وَالْعلَّة فِي الْحَقِيقَة سخونة الأخلاط، وَهِي وَاحِدَة فِي ذَاتهَا وَلكنهَا طرق إِلَيْهَا وأشباح لَهَا، وَكَانَ الِاكْتِفَاء بالأصول وَترك اعْتِبَار تعدد الطّرق والمحال لِسَان المتعقمين فِي الْفُنُون النظرية دون الْعَامَّة، وَإِنَّمَا نزل الشَّرْع بِلِسَان الْجُمْهُور، وَيجب أَن يكون عِلّة الحكم صفة يعرفهَا الْجُمْهُور وَلَا تخفى عَلَيْهِم حَقِيقَتهَا وَلَا وجودهَا من عدمهَا، وَيكون مَظَنَّة لأصل من الْأُصُول الَّتِي تعلق بهَا الرِّضَا والسخط إِمَّا لكَونهَا مفضية إِلَيْهِ، أَو مجاورة لَهُ، وَنَحْو ذَلِك كشرب الْخمر فَإِنَّهُ مَظَنَّة لمفاسد يتَعَلَّق بهَا السخط من الْإِعْرَاض عَن الْإِحْسَان والإخلاد إِلَى الأَرْض وإفساد نظام الْمَدِينَة والمنزل، وَكَانَ لَازِما لَهَا غَالِبا، فَتوجه الْمَنْع إِلَى نوع الْخمر. وَإِذا كَانَ لشَيْء لَوَازِم وطرق لم يخص للعلية مِنْهَا إِلَّا مَا تميز من سَائِر مَا هُنَالك برجحان من جِهَة الظُّهُور والانضباط أَو من جِهَة لُزُوم الأَصْل أَو نَحْو ذَلِك كرخصة الْقصر والإفطار - أديرت على السّفر وَالْمَرَض دون سَائِر مظنات الْحَرج؛ لِأَن الأكساب الشاقة كالفلاحة والحدادة وَإِن كَانَ يلْزمهَا الْحَرج لَكِنَّهَا مخلة بِالطَّاعَةِ لِأَن المكتسب بهَا يداوم عَلَيْهَا، ويتوقف عَلَيْهَا معاشه وَأما وجود الْحر وَالْبرد فَغير منضبط لِأَن لَهما مَرَاتِب مُخْتَلفَة يعسر إحصاؤها وَتَعْيِين شَيْء مِنْهَا بأمارات وعلامات، وَإِنَّمَا يعْتَبر عِنْد السبر مظنات كَانَت فِي الْأمة الأولى أكثرية مَعْرُوفَة، وَكَانَ السّفر وَالْمَرَض بِحَيْثُ لَا يشْتَبه عَلَيْهِم الْأَمر فيهمَا، وَإِن كَانَ الْيَوْم بعض الِاشْتِبَاه لانقراض الْعَرَب الأول وتعمق النَّاس فِي الِاحْتِمَالَات حَتَّى فسد ذوقهم السَّلِيم الَّذِي يجده قح الْعَرَب، وَالله أعلم.

стр. 133

(بَاب الْمصَالح الْمُقْتَضِيَة لتعيين الْفَرَائِض والأركان والآداب وَنَحْو ذَلِك) اعْلَم أَنه يجب عِنْد سياسة الْأمة أَن يَجْعَل لكل شَيْء من الطَّاعَات حدان: أَعلَى وَأدنى فالأعلى هُوَ مَا يكون مفضيا إِلَى الْمَقْصُود مِنْهُ على الْوَجْه الأتم، والأدنى هُوَ مَا يكون مفضيا إِلَى جملَة من الْمَقْصُود لَيْسَ بعْدهَا شَيْء يعْتد بِهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا سَبِيل إِلَى أَن يطْلب مِنْهُم الشَّيْء، وَلَا يبين لَهُم أجزاءه وَصورته وَمِقْدَار الْمَطْلُوب مِنْهُ، فَإِنَّهُ يُنَافِي مَوْضُوع الشَّرْع، وَلَا سَبِيل إِلَى أَن يُكَلف الْجَمِيع بِإِقَامَة الْآدَاب والمكملات لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَة التَّكْلِيف بالمحال فِي حق المشتغلين أَو المتعسر، وَإِنَّمَا بِنَاء سياسة الْأمة على الاقتصاد دون الِاسْتِقْصَاء، وَلَا سَبِيل إِلَى أَن يهمل الْأَعْلَى، ويكتفي بالأدنى، فَإِنَّهُ مشرب السَّابِقين وحظ المخلصين، وإهمال مثله لَا يلائم اللطف، فَلَا محيص إِذا من أَن يبين الْأَدْنَى، ويسجل على التَّكْلِيف بِهِ، وَينْدب إِلَى مَا يزِيد عَلَيْهِ من غير إِيجَاب، وَالَّذِي يسجل على التَّكْلِيف بِهِ يَنْقَسِم إِلَى مِقْدَار مَخْصُوص من الطَّاعَة كالصلوات الْخمس وَصِيَام رَمَضَان، وَإِلَى أبعاض لَهَا لَا يعْتد بهَا بِدُونِهَا كالتكبير وكقراءة فَاتِحَة الْكتاب للصَّلَاة وَتسَمى بالأركان، وَأُمُور خَارِجَة مِنْهَا لَا يعْتد بهَا بِدُونِهَا وَتسَمى بِالشُّرُوطِ كَالْوضُوءِ للصَّلَاة. وَاعْلَم أَن الشَّيْء قد يَجْعَل ركنا بِسَبَب يشبه الْمَذْهَب الطبيعي، وَقد يَجْعَل بِسَبَب طَارِئ. فَالْأول أَن تكون الطَّاعَة لَا تتقوم وَلَا تفِيد فائدتها إِلَّا بِهِ كالركوع وَالسُّجُود فِي الصَّلَاة والإمساك عَن الْأكل وَالشرب وَالْجِمَاع فِي الصَّوْم، أَو يكون ضبطا لمبهم خَفِي لَا بُد مِنْهُ فِيهَا كالتكبير، فَإِنَّهُ ضبط للنِّيَّة واستحضار لَهَا، وكالفاتحة فَإِنَّهَا ضبط للدُّعَاء، وكالسلام فَإِنَّهُ ضبط لِلْخُرُوجِ من الصَّلَاة بِفعل صَالح لَا يُنَافِي الْوَقار والتعظيم. وَالثَّانِي أَن يكون وَاجِبا بِسَبَب آخر من الْأَسْبَاب، فَيجْعَل ركنا فِي الصَّلَاة، لِأَنَّهُ يكملها، ويوفر الْغَرَض مِنْهَا، وَيكون التَّوْقِيت بهَا أحسن تَوْقِيت كَقِرَاءَة سُورَة من الْقُرْآن على مَذْهَب من يَجْعَلهَا ركنا، فَإِن الْقُرْآن من شَعَائِر الله، يجب تَعْظِيمه، وَألا يتْرك ظهريا، وَلَا أحسن فِي التَّوْقِيت من أَن يؤمروا بهَا فِي آكِد عباداتهم وأكثرها وجودا وأشملها تكليفا، أَو يكون التَّمْيِيز بَين مشتبهين أَو التَّفْرِيق بَين مُقَدّمَة وَالشَّيْء المستقل - مَوْقُوفا على شَيْء،

стр. 134

فَيجْعَل ركنا، وَيُؤمر بِهِ كالقومة بَين الرُّكُوع وَالسُّجُود بهَا يحصل الْفرق بَين الإنحناء الَّذِي هُوَ مُقَدّمَة السُّجُود، وَبَين الرُّكُوع الَّذِي هُوَ تَعْظِيم بِرَأْسِهِ، وكالإيجاب وَالْقَبُول وَالشُّهُود وَحُضُور الْوَلِيّ ورضا الْمَرْأَة فِي النِّكَاح، فَإِن التميز بَين السفاح وَالنِّكَاح لَا يحصل إِلَّا بذلك، وَيُمكن أَن يخرج بعض الْأَركان على الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا. وعَلى مَا ذكرنَا فِي الرُّكْن يَنْبَغِي أَن يُقَاس حَال الشَّرْط، فَرُبمَا يكون الشَّيْء وَاجِبا بِسَبَب من الْأَسْبَاب، فَيجْعَل شرطا لبَعض شَعَائِر الدّين تنويها بِهِ، وَلَا يكون ذَلِك حَتَّى تكون تِلْكَ الطَّاعَة كَامِلَة بانضمامه كاستقبال الْقبْلَة لما كَانَت الْكَعْبَة من شَعَائِر الله وَجب تعظيمها، وَكَانَ من أعظم التَّعْظِيم أَن تسْتَقْبل فِي أحسن حالاتهم، وَكَانَ الِاسْتِقْبَال إِلَى جِهَة خَاصَّة هُنَالك بعض شَعَائِر الله، مِنْهَا للْمُصَلِّي على صِفَات الأخبات والخضوع، مذكرا لَهُ هَيْئَة قيام العبيد بَين أَيدي سادتهم جعل اسْتِقْبَال الْقبْلَة شرطا فِي الصَّلَاة. وَرُبمَا يكون الشَّيْء لَا يُفِيد فَائِدَة بِدُونِ هَيْئَة، فَيشْتَرط لصِحَّته كالنية، فَإِن الْأَعْمَال إِنَّمَا تُؤثر لكَونهَا أشباح هيآت نفسانية، وَالصَّلَاة شبح الاخبات، وَلَا إخبات بِدُونِ النِّيَّة، وكاستقبال الْقبْلَة أَيْضا على تَخْرِيج آخر، فَإِن تَوْجِيه الْقلب لما كَانَ خفِيا نصب تَوْجِيه الْوَجْه إِلَى الْكَعْبَة الَّتِي من شَعَائِر الله مقَامه، وكالوضوء وَستر الْعَوْرَة وهجر الرجز، فَإِنَّهُ لما كَانَ التَّعْظِيم أمرا خفِيا نصبت الهيآت الَّتِي يُؤَاخذ الْإِنْسَان بهَا نَفسه عِنْد الْمُلُوك وأشباههم، ويعدونها تَعْظِيمًا، وَصَارَ ذَلِك كامنا فِي قُلُوبهم، وَأجْمع عَلَيْهِ عربهم وعجمهم مقَامه. وَإِذا عين شَيْء من الطَّاعَات للفرضية فَلَا بُد من مُلَاحظَة أصُول: مِنْهَا أَلا يُكَلف إِلَّا بالميسر، وَذَلِكَ قَوْله ﷺ " لَوْلَا أَن أشق على أمتِي لأمرتهم بِالسِّوَاكِ عِنْد كل صَلَاة " وَتَفْسِيره مَا جَاءَ فِي رِوَايَة أُخْرَى " لَوْلَا أَن أشق على أمتِي لفرضت عَلَيْهِم السِّوَاك عِنْد كل صَلَاة كَمَا فرضت عَلَيْهِم الْوضُوء ". وَمِنْهَا أَن الْأمة إِذا اعتقدت فِي مِقْدَار أَن تَركه وإهماله تَفْرِيط فِي جنب الله، واطمأنت بِهِ نُفُوسهم إِمَّا لكَونه مأثورا عَن الْأَنْبِيَاء مجمعا عَلَيْهِ من السّلف أَو نَحْو ذَلِك - كَانَت الْحِكْمَة أَن يكْتب ذَلِك الْمِقْدَار عَلَيْهِم كَمَا استوجبوه، كتحريم لُحُوم الْإِبِل وَأَلْبَانهَا على بني إِسْرَائِيل وَهُوَ قَوْله ﷺ فِي قيام ليَالِي رَمَضَان حَتَّى: " خشيت أَن يكْتب عَلَيْكُم ". وَمِنْهَا إِلَّا يسجل على التَّكْلِيف بِشَيْء حَتَّى يكون ظَاهرا منضبطا لَا يخفى عَلَيْهِم، فَلذَلِك لَا يَجْعَل من أَرْكَان الْإِسْلَام الْحيَاء وَسَائِر الْأَخْلَاق، وَأَن كَانَت من شُعْبَة.

стр. 135

ثمَّ الْأَدْنَى قد يخْتَلف باخْتلَاف حالتي الرَّفَاهِيَة والشدة، فَيجْعَل الْقيام ركنا للصَّلَاة فِي حق المطيق، وَيجْعَل الْقعُود مَكَانَهُ فِي حق غَيره. وَأما الْحَد الْأَعْلَى فيزيد كَمَا وكيفا: أما الْكمّ فنوافل من جنس الْفَرَائِض، كسنن الرَّوَاتِب وَصَلَاة اللَّيْل وَصِيَام ثَلَاثَة أَيَّام من كل شهر، وكالصدقات المندوبة وَنَحْو ذَلِك، وَأما الكيف فهيآت وأذكار وكف لَا يلائم الطَّاعَة يُؤمر بهَا فِي الطَّاعَة لتكمل، وَتَكون مفضية إِلَى الْمَقْصُود مِنْهَا على الْوَجْه الاتم كتعهد المغابن وَيُؤمر بِهِ فِي الْوضُوء لتكمل النَّظَافَة، وكالابتداء بِالْيَمِينِ يُؤمر بِهِ لتَكون النَّفس متنبهة على عظم أَمر الطَّاعَة، وَتقبل عَلَيْهَا حِين أخذت نَفسهَا بِمَا يفعل فِي الْأَعْمَال المهمة. وَاعْلَم أَن الْإِنْسَان إِذا أَرَادَ أَن يحصل خلقا من الْأَخْلَاق، وتنصبغ نَفسه، ويحيط بهَا من جَمِيع جوانبها، فحيلة ذَلِك أَن يُؤَاخذ نَفسه بِمَا يُنَاسب ذَلِك الْخلق من فعل وهيآت وَلَو فِي الْأُمُور القليلة الَّتِي لَا يعبأ بهَا الْعَامَّة، كالمترن على الشجَاعَة يُؤَاخذ نَفسه أَلا ينحجم عَن الْخَوْض فِي الوحل وَالْمَشْي فِي الشَّمْس وَالسري فِي اللَّيْلَة الظلماء وَنَحْو ذَلِك، وَكَذَلِكَ المتمرن على الاخبات يحافظ على الْآدَاب الْعَظِيمَة كل حَال، فَلَا يجلس على الْغَائِط إِلَّا مطرقا مستحييا وَإِذا ذكر الله جمع أَطْرَافه وَنَحْو ذَلِك وَكَذَلِكَ المتمرن على الاخبات يحافظ على الْآدَاب الْعَظِيمَة كل حَال، فَلَا يجلس على الْغَائِط إِلَّا مطرقاً مستحيياً وَإِذا ذكر الله جمع أَطْرَافه وَنَحْو ذَلِك، والمتمرن على الْعَدَالَة يَجْعَل لكل شَيْء حَقًا، فَيجْعَل الْيَمين للْأَكْل والطيبات، واليسار لإِزَالَة النَّجَاسَة، وَهُوَ سر مَا قيل عَن للنَّبِي ﷺ فِي السِّوَاك " كبر كبر " وَقَوله ﷺ فِي قصَّة حويصة ومحيصة " كبر الْكبر " فَهَذَا أصل أَبْوَاب من الْآدَاب. وَاعْلَم أَن سر قَوْله ﷺ : " إِن الشَّيْطَان يَأْكُل بِشمَالِهِ " وَنَحْو ذَلِك من نِسْبَة بعض الْأَفْعَال إِلَى الشَّيَاطِين - على مَا فهمني رَبِّي ﵎ أَن الشَّيَاطِين قد أقدرهم الله تَعَالَى على أَن يتشكلوا فِي رُؤْيا النَّاس ولابصارهم فِي الْيَقَظَة بأشكال تعطيها أمزجتهم وأحوال طارئة عَلَيْهِم فِي وَقت التشكل، وَقد علم أهل الوجدان السَّلِيم أَن مزاجهم يُعْطي

стр. 136

التَّلَبُّس بِأَفْعَال شنيعة وأفعال تميل إِلَى طيش وضجر والتقرب من النَّجَاسَات وَالْقَسْوَة عَن ذكر الله والإفساد لكل نظام مستحسن مَطْلُوب. وأعنى بالأفعال الشنيعة مَا إِذا فعله الْإِنْسَان اشمأزت قُلُوب النَّاس عَنهُ واقشعرت جُلُودهمْ، وَانْطَلَقت ألسنتهم باللعن والطعن، وَيكون ذَلِك، كالمذهب الطبيعي لبني آدم تعطيه الصُّورَة النوعية، وَيَسْتَوِي فِيهِ طوائف الْأُمَم لَا للمحافظة على رسم قوم دون قوم أَو مِلَّة دون مِلَّة، مثل أَن يقبض على ذكره، ويثب، ويرقص، أَو يدْخل إصبعه فِي دبره، ويلطخ لحيته بالمخاط، أَو يكون أجدع الْأنف وَالْأُذن مسخم الْوَجْه، أَو ينكس لِبَاسه، فَيجْعَل أَعلَى الْقَمِيص أَسْفَل، أَو يركب دَابَّة، فَيجْعَل وَجهه من قبل ذنبها، أَو يلبس خف فِي رجل وَالرجل الْأُخْرَى حافية وَنَحْو ذَلِك من الْأَفْعَال والهيآت الْمُنكرَة الَّتِي لَا يَرَاهَا أحد إِلَّا لعن، وَسَب، وَشتم وَقد شاهدت فِي بعض الْوَاقِعَات الشَّيَاطِين يَفْعَلُونَ بعض ذَلِك. وأعنى بِأَفْعَال الطيش مثل الْعَبَث بِثَوْبِهِ وبالحصى وتحريك الْأَطْرَاف على وَجه مُنكر. وَبِالْجُمْلَةِ فقد كشف الله تَعَالَى على نبيه ﷺ تِلْكَ الْأَفْعَال، وَأَنَّهَا تعطيها أمزجة الشَّيَاطِين، فَلَا يتَمَثَّل الشَّيْطَان فِي رُؤْيا أحد أَو يقظته إِلَّا وَهُوَ يتلبس بِبَعْضِهَا، وَأَن المرضى فِي حق الْمُؤمن أَن يتباعد من الشَّيَاطِين وهيئاتهم بِقدر الِاسْتِطَاعَة، فَبين النَّبِي ﷺ تِلْكَ الْأَفْعَال والهيآت، وكرهها، وَأمر بالاحتراز عَنْهَا. وَمن هَذَا الْبَاب قَوْله ﷺ : " أَن هَذِه الحشوش محتضرة ". وَقَوله ﷺ : " أَن الشَّيْطَان يلْعَب بمقاعد بني آدم " وَأَنه يضْحك إِذا قَالَ الْإِنْسَان هاه هاه " وَقس على ذَلِك التَّرْغِيب فِي هيآت الْمَلَائِكَة، وَهُوَ قَوْله ﷺ : " أَلا تصفون كَمَا تصف الْمَلَائِكَة " وَهَذَا أصل آخر لأبواب من الْآدَاب. وَاعْلَم أَن من أَسبَاب جعل الشَّيْء فرضا بالكفاية أَن يكون اجْتِمَاع النَّاس عَلَيْهِ بأجمعهم مُفْسِدا لمعاشهم ومفضيا إِلَى إهمال ارتفاقاتهم، وَلَا يُمكن تعْيين بعض النَّاس لَهُ وَتَعْيِين آخَرين لغيره، كالجهاد لَو اجْتَمعُوا عَلَيْهِ، وَتركُوا الفلاحة وَالتِّجَارَة والصناعات - لبطل معاشهم، وَلَا يُمكن تعْيين بعض النَّاس للْجِهَاد وَآخَرين للتِّجَارَة وَآخَرين للفلاحة وَآخَرين للْقَضَاء وَتَعْلِيم الْعلم؛ فَإِن كل وَاحِد يَتَيَسَّر لَهُ مَا لَا يَتَيَسَّر إِلَى يُغَيِّرهُ؛ وَلَا يعلم المستعد لشَيْء من ذَلِك بالأسامى والأصناف ليدر الحكم عَلَيْهَا.

стр. 137

وَمِنْهَا أَن تكون الْمصلحَة الْمَقْصُودَة بِهِ وجود نظام، وَلَا يلْحق بِتَرْكِهِ فَسَاد حَال النَّفس وَغَلَبَة البهيمية، كالقضاء، وَتعلم عُلُوم الدّين، وَالْقِيَام بالخلافة، فَإِنَّهَا شرعت للنظام، وَتحصل بِقِيَام رجل وَاحِد بهَا وكعيادة الْمَرِيض وَالصَّلَاة على الْجِنَازَة، فان الْمَقْصُود أَلا تضيع المرضى والموتى، وَتحصل بِقِيَام الْبَعْض بهَا، وَالله أعلم. (بَاب أسرار الْأَوْقَات) لَا تتمّ سياسة الْأمة إِلَّا بِتَعْيِين أَوْقَات طاعاتها، وَالْأَصْل فِي التَّعْيِين الحدس الْمُعْتَمد على معرفَة حَال الْمُكَلّفين وَاخْتِيَار مَا لَا يشق عَلَيْهِم، وَهُوَ يَكْفِي من الْمَقْصُود، وَمَعَ ذَلِك فَفِيهِ حكم ومصالح يعلمهَا الراسخون فِي الْعلم، وَهِي ترجع إِلَى أصُول ثَلَاث. أَحدهَا أَن الله تَعَالَى وَإِن كَانَ متعاليا عَن الزَّمَان لَكِن قد تظاهرت الْآيَات وَالْأَحَادِيث على أَنه فِي بعض الْأَوْقَات يتَقرَّب إِلَى عباده، وَفِي بَعْضهَا تعرض عَلَيْهِ الْأَعْمَال، وَفِي بَعْضهَا يقدر الْحَوَادِث إِلَى غير ذَلِك من الْأَحْوَال المتجددة، وَإِن كَانَ لَا يعلم كنه حَقِيقَتهَا إِلَّا الله تَعَالَى قَالَ رَسُول الله ﷺ : " ينزل رَبنَا كل لَيْلَة إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا حِين يبْقى ثلث اللَّيْل الآخر " وَقَالَ: " إِن أَعمال الْعباد تعرض يَوْم الِاثْنَيْنِ وَيَوْم الْخَمِيس " وَقَالَ فِي لَيْلَة النّصْف من شعْبَان: " إِن الله ليطلع فِيهَا " وَفِي رِوَايَة " ينزل فِيهَا إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا " وَالْأَحَادِيث فِي هَذَا الْبَاب كَثِيرَة مَعْلُومَة. وَبِالْجُمْلَةِ فَمن ضروريات الدّين أَن هُنَالك أوقاتا يحدث فِيهَا شَيْء من انتشار الروحانية فِي الأَرْض وسريان قُوَّة مثالية فِيهَا، وَلَيْسَ وَقت أقرب لقبُول الطَّاعَات واستجابة الدَّعْوَات من تِلْكَ الْأَوْقَات، فَفِي أدنى سعي حِينَئِذٍ يتفتح بَاب عَظِيم من انقياد البهيمية للملكية، وَالْمَلَأ الْأَعْلَى لَا يعْرفُونَ انتشار تِلْكَ الروحانية وسريان تِلْكَ الْقُوَّة بِحِسَاب الدورات الفلكية، بل بالذوق والوجدان، وَبِأَن ينطبع شَيْء فِي قُلُوبهم، فيعلموا أَن هُنَالك قَضَاء نازلا وانتشارا للروحانية وَنَحْو ذَلِك، وَهَذَا هُوَ الْمعبر عَنهُ فِي الحَدِيث " بِمَنْزِلَة سلسلة على صَفْوَان ". والأنبياء ﵈ تنطبع تِلْكَ الْعُلُوم فِي قُلُوبهم من الْمَلأ الْأَعْلَى، فيدركونها بالوجدان دون حِسَاب الدورات الفلكية، ثمَّ يجتهدون فِي نصب مَظَنَّة لتِلْك السَّاعَة، فيأمرون الْقَوْم بالمحافظة عَلَيْهَا.

стр. 138

فَمن تِلْكَ السَّاعَات مَا يَدُور بدوران السنين، وَذَلِكَ بقوله ﵎: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَة مباركة إِنَّا كُنَّا منذرين فِيهَا يفرق كل أَمر حَكِيم أمرا من عندنَا إِنَّا كُنَّا مرسلين﴾ وفيهَا تعيّنت روحانية الْقُرْآن فِي السَّمَاء الدُّنْيَا، وَاتفقَ أَنَّهَا كَانَت فِي رَمَضَان. وَمِنْهَا مَا يَدُور بدوران الْأُسْبُوع، وَهِي سَاعَة خَفِيفَة ترجى فِيهَا استجابة الدُّعَاء وَقبُول الطَّاعَات، وَإِذا انْتقل النَّاس إِلَى الْمعَاد كَانَت تِلْكَ هِيَ سَاعَة تجلى الله عَلَيْهِم وتقربه مِنْهُم، وَقد بَين النَّبِي ﷺ أَن مظنتها يَوْم الْجُمُعَة اسْتدلَّ على ذَلِك بِأَن الْحَوَادِث الْعَظِيمَة وَقعت فِيهِ كخلق آدم ﵇، وَبِأَن الْبَهَائِم رُبمَا تتلقى من الْمَلأ السافل علما بِعظم تِلْكَ السَّاعَة، فَتَصِير دهشة مرعوبة كَالَّذي هاله صَوت عَظِيم، وَأَنه شَاهد ذَلِك فِي يَوْم الْجُمُعَة. وَمِنْهَا مَا يَدُور بدوران الْيَوْم وَتلك روحانية أَضْعَف من الروحانيات الْأُخْرَى، وَقد أَجمعت أذواق من شَأْنهمْ التلقي من الْمَلأ الْأَعْلَى على أَنَّهَا أَربع سَاعَات قبيل طُلُوع الشَّمْس وبعيد استوائها وَبعد غُرُوبهَا وَفِي نصف اللَّيْل إِلَى السحر، فَفِي تِلْكَ الْأَوْقَات وَقبلهَا بِقَلِيل وَبعدهَا بِقَلِيل تَنْتَشِر الروحانية، وَتظهر الْبركَة، وَلَيْسَت فِي الأَرْض مِلَّة إِلَّا وَهِي تعلم أَن هَذِه الْأَوْقَات أقرب شَيْء من قبُول الطَّاعَات، لَكِن الْمَجُوس كَانُوا قد حرفوا الدّين، فَجعلُوا يعْبدُونَ الشَّمْس من دون الله، فسد النَّبِي ﷺ مدْخل التحريف، فَغير تِلْكَ الْأَوْقَات إِلَى مَا لَيْسَ بِبَعِيد مِنْهَا وَلَا مفوت لأصل الْغَرَض، وَلم يفْرض عَلَيْهِم الصَّلَاة فِي نصف اللَّيْل لما فِي ذَلِك من الْحَرج، وَقد صَحَّ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: " إِن فِي اللَّيْل لساعة لَا يُوَافِقهَا عبد مُسلم يسْأَل الله تَعَالَى فِيهَا خيرا من أَمر الدُّنْيَا وَالْآخِرَة إِلَّا أعطَاهُ إِيَّاه " وَذَلِكَ كل لَيْلَة، وَعنهُ ﵊ أَنه قَالَ: " أفضل الصَّلَاة نصف اللَّيْل وَقَلِيل فَاعله " وَسُئِلَ أَي الدُّعَاء أسمع؟ قَالَ " جَوف اللَّيْل " وَقَالَ فِي سَاعَة الزَّوَال: " إِنَّهَا سَاعَة تفتح فِيهَا أَبْوَاب السَّمَاء، فَأحب أَن يصعد لي فِيهَا عملا صَالح " وَقَالَ " مَلَائِكَة النَّهَار تصعد إِلَيْهِ قبل مَلَائِكَة اللَّيْل ووقال " مَلَائِكَة اللَّيْل تصعد إِلَيْهِ قبل مَلَائِكَة النَّهَار " وَقد أَشَارَ الله تَعَالَى فِي مُحكم كِتَابه إِلَى هَذِه الْمعَانِي حَيْثُ قَالَ:

стр. 139

﴿فسبحن الله حِين تمسون وَحين تُصبحُونَ وَله الْحَمد فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض وعشيا وَحين تظْهرُونَ﴾ والنصوص فِي هَذَا الْبَاب كَثِيرَة مَعْلُومَة وَقد شاهدت مِنْهُ أمرا عَظِيما. الأَصْل الثَّانِي أَن وَقت التَّوَجُّه إِلَى الله هُوَ وَقت كَون الْإِنْسَان خَالِيا عَن التشويشات الطبيعية، كالجوع المفرط والشبع المفرط، وَغَلَبَة النعاس، وَظُهُور الكلال، وَكَونه حاقبا حاقنا، والخيالية كامتلاء السّمع بالأراجيف واللغط، وَالْبَصَر بالصور الْمُخْتَلفَة والألوان المشوشة، وَنَحْو ذَلِك من أَنْوَاع التشويشات، وَذَلِكَ مُخْتَلف باخْتلَاف الْعَادَات، لَكِن الَّذِي يشبه أَن يكون كالمذهب الطبيعي لعربهم وعجمهم ومشارقتهم ومغاربتهم، وَالَّذِي يَلِيق أَن يتَّخذ دستورا فِي النواميس الْكُلية، وَالَّذِي يعد مُخَالفَة كالشيء النَّادِر - هُوَ الغدوة والدلجة، وَالْإِنْسَان يحْتَاج إِلَى مصقلة تزيل عَنهُ الرين بعد تمكنه من نَفسه، وَذَلِكَ إِذا أَوَى إِلَى فرَاشه، وَمَال للنوم؛ وَلذَلِك نهى ﷺ عَن السمر بعد الْعشَاء وَعَن قرض الشّعْر بعده. وسياسة الْأمة لَا تتمّ إِلَّا بِأَن يُؤمر بتعهد النَّفس بعد كل بُرْهَة من الزَّمَان حَتَّى يكون انْتِظَاره للصَّلَاة واستعداده لَهَا من قبل أَن يَفْعَلهَا، وَبَقِيَّة لَوْنهَا وصبابة نورها بعد أَن يَفْعَلهَا فِي حكم الصَّلَاة، فَيتَحَقَّق اسْتِيعَاب اكثر الْأَوْقَات إِن لم يكن اسْتِيعَاب كلهَا، وَقد جربنَا أَن النَّائِم على عَزِيمَة قيام اللَّيْل لَا يتغلغل فِي النّوم البهيمي، وَأَن المتوزع خاطره على ارتفاق دُنْيَوِيّ وعَلى مُحَافظَة وَقت صَلَاة أَو ورد أَلا يفوتهُ - لَا يتجرد للبهيمية، وَهَذَا سر قَوْله ﷺ " من تعار من اللَّيْل " الحَدِيث وَقَوله تَعَالَى: ﴿رجال لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَة وَلَا بيع عَن ذكر الله﴾ وَيصْلح أَن يَجْعَل الْفَصْل بَين كل وَقْتَيْنِ ربع النَّهَار، فَإِنَّهُ يحتوي على ثَلَاث سَاعَات، وَهِي أول حد كَثْرَة للمقدار الْمُسْتَعْمل عِنْدهم فِي تجزئة اللَّيْل وَالنَّهَار عربهم وعجمهم، وَفِي الْخَبَر " أَن أول من جزأ النَّهَار وَاللَّيْل إِلَى السَّاعَات نوح ﵇ وتوارث ذَلِك بنوه ". الأَصْل الثَّالِث أَن وَقت أَدَاء الطَّاعَة هُوَ الْوَقْت الَّذِي يكون مذكرا لنعمة من نعم الله تَعَالَى، مثل يَوْم عَاشُورَاء نصر الله تَعَالَى فِيهِ مُوسَى ﵇ على فِرْعَوْن فصامه، وَأمر بصيامه، وكرمضان نزل فِيهِ الْقُرْآن، وَكَانَ ذَلِك ابْتِدَاء ظُهُور الْملَّة الإسلامية، أَو مذكراً لطاعة أَنْبيَاء الله تَعَالَى لرَبهم، وقبوله أياها مِنْهُم كَيَوْم الْأَضْحَى يذكر قصَّة ذبح إِسْمَاعِيل ﵇ وفدائه بِذبح عَظِيم،

стр. 140

أَو يكون أَدَاء الطَّاعَة فِيهِ تنويها بِبَعْض شَعَائِر الدّين كَيَوْم الْفطر فِي إِيقَاع الصَّلَاة، وَالصَّدَََقَة فِيهِ تنويه برمضان وَأَدَاء شكر مَا أنعم الله تَعَالَى من توفيق صِيَامه، وكيوم الْأَضْحَى فِيهِ تشبه بالحاج وَتعرض لنفحات الله الْمعدة لَهُم، أَو تكون جرت سنة الصَّالِحين الْمَشْهُود لَهُم بِالْخَيرِ على ألسن الْأُمَم أَن يطيعوا الله تَعَالَى فِيهِ، مثل أَوْقَات الصَّلَوَات الْخمس لقَوْل جِبْرَائِيل: " هَذَا وقتك وَوقت الْأَنْبِيَاء من قبلك " وَمثل رَمَضَان على وَجه وَاحِد فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: ﴿كتب عَلَيْكُم الصّيام كَمَا كتب على الَّذين من قبلكُمْ﴾ وكصوم يَوْم عَاشُورَاء بِالنِّسْبَةِ إِلَيْنَا، وَيُشبه أَن يكون الأَصْل الثَّالِث مُعْتَبرا فِي أَكثر الْأَوْقَات، والأصلان الْأَوَّلَانِ أصل الأَصْل، وَالله أعلم. (بَاب أسرار الْأَعْدَاد والمقادير) اعْلَم أَن الشَّرْع لم يخص عددا وَلَا مِقْدَارًا دون نَظِيره إِلَّا لحكم ومصالح، وَإِن كَانَ الِاعْتِمَاد الْكُلِّي على الحدس الْمُعْتَمد على معرفَة حَال الْمُكَلّفين وَمَا يَلِيق بهم عِنْد سياستهم، وَهَذِه الحكم والمصالح ترجع إِلَى أصُول: الأول أَن الْوتر عدد مبارك لَا يُجَاوز عَنهُ مَا كَانَ فِيهِ كِفَايَة، وَهُوَ قَوْله ﷺ : " إِن الله وتر يحب الْوتر، فأوتروا يَا أهل الْقُرْآن " وسره أَنه مَا من كَثْرَة إِلَّا مبدؤها وحدة، وَأقرب الكثرات من الْوَاحِدَة مَا كَانَ وترا؛ إِذْ كل مرتبَة من الْعدَد فِيهَا وحدة غير حَقِيقَة بهَا تصير تِلْكَ الْمرتبَة، فالعشرة مثلا وحدات مجتمعة اعْتبرت وَاحِدًا لَا خَمْسَة وَخَمْسَة، وعَلى هَذَا الْقيَاس، وَتلك الْوحدَة نموذج الْوحدَة الْحَقِيقَة فِي تِلْكَ الْمَرَاتِب وميراثها مِنْهَا، وَفِي الْوتر هَذِه وَمثلهَا مَعهَا وَهُوَ الْوحدَة - بِمَعْنى عدم الانقسام إِلَى عددين صَحِيحَيْنِ متساويين - فَهُوَ أقرب إِلَى الْوحدَة من الزَّوْج، وَقرب كل مَوْجُود من مبدئه يرجع إِلَى قربه من الْحق لِأَنَّهُ مبدأ المبادى، والأتم فِي الْوحدَة متخلق بِخلق الله. ثمَّ اعْلَم أَن الْوتر على مَرَاتِب شَتَّى: وتر يشبه الزَّوْج، ويجنحه كالتسعة والخمسة فَإِنَّهُمَا بعد إِسْقَاط الْوَاحِد ينقسمان إِلَى زَوْجَيْنِ، والتسعة وَإِن لم تَنْقَسِم إِلَى عدديين متساويين

стр. 141

فَإِنَّهَا تَنْقَسِم إِلَى ثَلَاثَة مُتَسَاوِيَة، كَمَا أَن الزَّوْج أَيْضا على مَرَاتِب زوج يشبه الْوتر - كاثنى عشر - فَإِنَّهُ ثَلَاثَة أربعات، وكالستة فَإِنَّهَا ثَلَاث اثنينات، وَإِمَام الأوتار وأبعدها من مشابهة الزَّوْج الْوَاحِد، ووصيه فِيهَا وخليفته ووارثه ثَلَاثَة وَسَبْعَة، وَمَا سوى ذَلِك فَإِنَّهُ من قوم الْوَاحِد وَأمته، وَلذَلِك اخْتَار النَّبِي ﷺ الْوَاحِد وَالثَّلَاثَة والسبعة فِي كثير من الْمَقَادِير، وَحَيْثُ اقْتَضَت الْحِكْمَة أَن يُؤمر بِأَكْثَرَ مِنْهَا اخْتَار عددا يحصل من أَحدهَا بالترفع كالواحد يتدفع إِلَى عشرَة وَمِائَة وَألف وَأَيْضًا إِلَى أحد عشر، وكالثلاثة تترفع إِلَى ثَلَاثِينَ وَثَلَاثَة وَثَلَاثِينَ، وثلاثمائة، وكالسبعة إِلَى سبعين وَسَبْعمائة، فَإِن الَّذِي يحصل بالترفع كَأَنَّهُ هُوَ بِعَيْنِه وَلذَلِك سنّ النَّبِي ﷺ مائَة كلمة بعد كل صَلَاة الصَّلَاة، ثمَّ قسمهَا إِلَى ثَلَاثَة وَثَلَاثِينَ ثَلَاث مَرَّات، وَأفضل وَاحِد ليصير الْأَمر كُله وترا رَاجعا إِلَى الامام أَو وَصِيَّة، وَكَذَلِكَ لكل مقولة من مقولات الْجَوْهَر وَالْعرض إِمَام ووصي كالنقطة إِمَام، والدائرة والكرة وصياه، وَأقرب الأشكال إِلَيْهِ. وحَدثني أبي قدس سره أَنه رأى وَاقعَة عَظِيمَة تمثل فِيهَا الْحَيَاة وَالْعلم والارادة وَسَائِر الصِّفَات الالهية - أَو قَالَ الْحَيّ والعليم والمريد وَسَائِر الْأَسْمَاء - لَا أَدْرِي أَي ذَلِك قَالَ: بِصُورَة دوائر مضيئة، ثمَّ نبهني على أَن تمثل الشَّيْء الْبَسِيط فِي نشأة الأشكال إِنَّمَا يكون بأقربها إِلَى النقطة، وَهُوَ فِي السَّطْح الدائرة وَفِي الْجِسْم الكرة انْتهى كَلَامه. وَاعْلَم أَن سنة الله جرت بِأَن نزُول الْوحدَة إِلَى الْكَثْرَة إِنَّمَا يكون بارتباطات مثالية، وعَلى تِلْكَ الارتباطات تتمثل الوقائع وَإِيَّاهَا يُرَاعى تراجمة لِسَان الْقدَم مَا أمكنت مراعاتها. الأَصْل الثَّانِي فِي كشف سر مَا بَين فِي التَّرْغِيب والترهيب وَنَحْو ذَلِك من الْعدَد. وَاعْلَم أَنه رُبمَا يعرض على النَّبِي ﷺ خِصَال من الْبر والاثم، ويكشف عَلَيْهِ فَضَائِل هَذِه ومثالب تِلْكَ، فيخبر عَمَّا علمه الله، وَيذكر عدد مَا علم حَالَة حِينَئِذٍ، وَلَيْسَ من قَصده الْحصْر قَالَ ﷺ : " عرضت عَليّ أَعمال أمتِي: حسنها وسيئها، فَوجدت فِي محَاسِن أَعمالهَا الْأَذَى يماط عَن الطَّرِيق، وَوجدت فِي مساوى أَعمالهَا النخاعة تكون فِي الْمَسْجِد لَا تدفن " وَقَالَ: " عرضت على أجور أمتِي حَتَّى القذاة يُخرجهَا الرجل من الْمَسْجِد، وَعرضت عَليّ ذنُوب أمتِي، فَلم أر ذَنبا أعظم من سُورَة من الْقُرْآن، أَو آيَة أوتيها رجل، ثمَّ نَسِيَهَا " وعَلى هَذَا يَنْبَغِي أَن يخرج قَوْله ﷺ : " ثَلَاثَة لَهُم أَجْرَانِ " الحَدِيث وَقَوله ﷺ " ثَلَاثَة لَا يكلمهم الله

стр. 142

تَعَالَى " الحَدِيث وَقَوله ﷺ " أَرْبَعُونَ خصْلَة أعلاهن منحة العنز لَا يعْمل عبد بخصلة مِنْهَا رَجَاء ثَوَابهَا أَو تَصْدِيق موعودها إِلَّا أدخلهُ الله بهَا الْجنَّة " وَرُبمَا يكْشف عَلَيْهِ فَضَائِل عمل أَو أبعاض شَيْء إِجْمَالا، فيجتهد فِي إِقَامَة وَجه ضبط لَهَا وَنصب عدد يحصر فِيهِ مَا كثر وُقُوعه أَو عظم شَأْنه وَنَحْو ذَلِك، فيخبر بذلك، وعَلى هَذَا يَنْبَغِي أَن يخرج قَوْله ﷺ " صَلَاة الْجَمَاعَة تفضل صَلَاة الغذ بِسبع وَعشْرين دَرَجَة " فَإِن هَذَا الْعدَد ثَلَاثَة فِي ثَلَاثَة فِي ثَلَاثَة، وَقد رأى أَن مَنَافِع الْجَمَاعَة ترجع إِلَى ثَلَاثَة أَقسَام: مَا يرجع إِلَى نفع نَفسه من تهذيبها وَظُهُور الملكية وقهر البهيمية، وَمَا يرجع إِلَى النَّاس من شيوع السّنة الراشدة فيهم وتنافسهم فِيهَا وتهذيبهم بهَا واجتماع كلمتهم عَلَيْهَا، وَمَا يرجع إِلَى الْملَّة المصطفوية من بَقَائِهَا غضة طرية لم يخالطها التحريف وَلَا التهاون وَفِي الأول ثَلَاثَة: الْقرب من الله وَالْمَلَأ الْأَعْلَى، وَكِتَابَة الْحَسَنَات لَهُم، وتكفير الخطيآت عَنْهُم، وَفِي الثَّانِي ثَلَاثَة: انتظام حيهم ومدينتهم، ونزول البركات عَلَيْهِم فِي الدُّنْيَا، وشفاعة بَعضهم لبَعض فِي الْآخِرَة: وَفِي الثَّالِث ثَلَاثَة: تمشية إِجْمَاع الْمَلأ الْأَعْلَى وتمسكهم بِحَبل الله الْمَمْدُود، وتعاكس أنوار بَعضهم على بعض، وَفِي كل من هَذِه التِّسْعَة ثَلَاثَة: رضَا الله عَنْهُم، وصلوات الْمَلَائِكَة عَلَيْهِم، وانخناس الشَّيَاطِين عَنْهُم، وَفِي رِوَايَة أُخْرَى بِخمْس وَعشْرين وَوَجهه أَن مَنَافِع الْجَمَاعَة خمس فِي خَمْسَة: استقامة نُفُوسهم، وتألف جَمَاعَتهمْ، وَقيام ملتهم، وانبساط الْمَلَائِكَة، وانخناس الشَّيَاطِين عَنْهُم، وَفِي كل وَاحِد خَمْسَة: رضَا الله عَنْهُم، ونزول البركات فِي الدُّنْيَا عَلَيْهِم، وَكِتَابَة الْحَسَنَات لَهُم، وتكفير الخطيآت عَنْهُم، وشفاعة النَّبِي ﷺ وَالْمَلَائِكَة لَهُم. وَسبب اخْتِلَاف الرِّوَايَات فِي ذَلِك اخْتِلَاف وُجُوه الضَّبْط، وَالله أعلم.

стр. 143

وَرُبمَا يُؤْتى بِالْعدَدِ إِظْهَارًا لعظم الشَّيْء وَكبره، فَيخرج الْعدَد مخرج الْمثل، نَظِيره مَا يُقَال محبَّة فلَان فِي قلبِي مثل الْجَبَل، وَقدر فلَان يصل إِلَى عنان السَّمَاء، وعَلى هَذَا يَنْبَغِي أَن يخرج قَوْله ﷺ " يفسح فِي قَبره سَبْعُونَ ذِرَاعا " وَقَوله " مد الْبَصَر " وَقَوله " إِن حَوْضِي مَا بَين الْكَعْبَة وَبَيت الْمُقَدّس " وَقَوله " حَوْضِي لأبعد من أَيْلَة إِلَى عدن " وَفِي مثل ذَلِك رُبمَا يذكر تَارَة مِقْدَار، وَأُخْرَى مِقْدَار آخر، وَلَا تنَاقض فِي ذَلِك بِحَسب مَا يرجع إِلَى الْغَرَض. الأَصْل الثَّالِث أَنه لَا يَنْبَغِي أَن يقدر الشَّيْء إِلَّا بِمِقْدَار ظَاهر مَعْلُوم يَسْتَعْمِلهُ المخاطبون فِي نظام الحكم، وَله مُنَاسبَة بمدار الحكم وحكمته، فَلَا يَنْبَغِي أَن يقدر الدَّرَاهِم إِلَّا بالأواق، وَلَا التَّمْر إِلَّا بالأوساق، وَلَا يَنْبَغِي أَن يُؤْتى بِجُزْء لَا يَسْتَخْرِجهُ إِلَّا المتعمقون فِي الْحساب، كجزء من سَبْعَة عشر، وجزء من تِسْعَة وَعشْرين، وَلذَلِك مَا ذكره الله تَعَالَى فِي الْفَرَائِض إلاكسورا يسهل تنصيفها وتضعيفها وَمَعْرِفَة مخارجها، وَذَلِكَ فضلان: أَحدهمَا سدي وَثلث وَثُلُثَانِ، وَثَانِيهمَا ثمن وَربع وَنصف، وسره أَن يظْهر فضل ذِي الْفضل، ونقصان ذِي النُّقْصَان بَادِي الرَّأْي، وَأَن يسهل تَخْرِيج الْمسَائِل على الأدانى والأقاصي، وحيثما وَقعت الْحَاجة إِلَى مِقْدَار دون الْمِقْدَار الْمُعْتَبر أَولا لَا تكون النِّسْبَة بَينهمَا نِسْبَة الضعْف، فَلَا يَنْبَغِي أَن يتَعَدَّى من الثُّلثَيْنِ بَين النّصْف وَالْوَاحد، وَمن الثُّلُث بَين الرّبع وَالنّصف لِأَن سَائِر الاجزاء أخْفى مِنْهُمَا، وَإِذا أُرِيد تَقْدِير مَا هُوَ كثير فِي الْجُمْلَة، فَالْمُنَاسِب أَن يقدر بِثَلَاثَة، إِذا أُرِيد تَقْدِير مَا هُوَ أَكثر من ذَلِك، فَالْمُنَاسِب تَقْدِيره بِعشْرَة، وَإِذا كَانَ الشَّيْء قد يكون قَلِيلا، وَقد يكون كثيرا، فَالْمُنَاسِب أَن يُؤْخَذ أقل حد وَأكْثر حد، فينصف بَينهمَا، وَالْمُعْتَبر فِي بَاب الزَّكَاة خمس، وَعشر، وَنصف الْعشْر، وَربع الْعشْر؛ لِأَن زِيَادَة الصَّدَقَة تَدور على كَثْرَة الرّيع وَقلة الْمُؤْنَة، وَكَانَت مكاسب جُمْهُور أهل الاقاليم لَا تنتظم إِلَّا فِي أَربع مَرَاتِب وَكَانَ الْمُنَاسب أَن يظْهر الْفرق بَين كل مرتبتين - أصرح مَا يكون - وَذَلِكَ أَن تكون الْوَاحِدَة مِنْهَا ضعف الآخرى، وسيأتيك تَفْصِيله، وَإِذا وَقعت الْحَاجة إِلَى تَقْدِير الْيَسَار مثلا يَنْبَغِي أَن ينظر إِلَى مَا يعد فِي الْعرف يسارا، وَيرى فِيهِ مَا هُوَ من أَحْكَام الْيَسَار. وَذَلِكَ بِحَسب عَادَة جُمْهُور الْمُكَلّفين مشارقتهم ومغاربتهم عربهم وعجمهم، وبحسب مَا هُوَ كالمذهب الطبيعي لَهُم لَوْلَا الْمَانِع فَإِن لم يكن بِنَاء الْأَمر على عَادَة الْجُمْهُور لتشتت حَالهم، فَالْمُعْتَبر حَال الْعَرَب الأول الَّذين نزل

стр. 144

الْقُرْآن بلغتهم، وتعينت الشَّرِيعَة فِي عاداتهم، وَلذَلِك قدر الشَّرْع الْكَنْز بِخمْس أَوَاقٍ لِأَنَّهَا تَكْفِي أقل أهل بَيت سنة كَامِلَة فِي أَكثر أَطْرَاف المعمورة - اللَّهُمَّ إِلَّا فِي الجدب أَو الْبِلَاد الْعَظِيمَة جدا أَو أَعمالهَا - وَقدر الثلَّة الصَّغِيرَة من الْغنم بِأَرْبَعِينَ، وَالْكَبِير بِمِائَة وَعشْرين، وَقدر الزَّرْع الْكثير بِخَمْسَة أوساق لِأَن أقل الْبَيْت زوج وَزَوْجَة وثالث أما خَادِم أَو ولد بَينهمَا، وَأكْثر مَا يَأْكُلهُ الْإِنْسَان فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة مد أَو رَطْل، وَيحْتَاج مَعَ ذَلِك إِلَى إدام، وَهَذَا الْقدر يَكْفِي من ذَلِك سنة كَامِلَة، وَقدر المَاء الْكثير بقلتين، وَلِأَنَّهُ حد لَا ينزل مِنْهُ الْمَعَادِن وَلَا يرتقي إِلَيْهِ الاوانى فِي عَادَة الْعَرَب وَقس على ذَلِك سَائِر التقديرات وَالله أعلم. (بَاب أسرار الْقَضَاء والرخصة) اعْلَم أَن من السياسة أَنه إِذا أَمر بِشَيْء، أَو نهي عَن شَيْء، وَكَانَ المخاطبون لَا يعلمُونَ الْغَرَض من ذَلِك حق الْعلم وَجب أَن يَجْعَل عِنْدهم كالشيء الْمُؤثر بالخاصية، يصدق بتأثيره، وَلَا يدْرك سَبَب التَّأْثِير، وكالرقي لَا يدْرك سَبَب تأثيرها وَلذَلِك سكت النَّبِي ﷺ عَن بَيَان أسرار الْأَوَامِر والنواهي تَصْرِيحًا فِي الْأَكْثَر، وَإِنَّمَا لوح بِشَيْء مِنْهُ للراسخين فِي الْعلم من أمته، وَلذَلِك كَانَ اعتناء حَملَة الْملَّة من الْخُلَفَاء الرَّاشِدين وأئمة الدّين بِإِقَامَة أشباح الْملَّة أَكثر من الاعتناء بِإِقَامَة أرواحها حَتَّى روى عَن عمر ﵁ أَنه قَالَ: أَحسب جِزْيَة الْبَحْرين وَأَنا فِي الصَّلَاة، وأجهز الْجَيْش وَأَنا فِي الصَّلَاة، وَلذَلِك كَانَ سنة الْمُفْتِينَ قَدِيما وحديثا أَلا يتَعَرَّضُوا لدَلِيل الْمَسْأَلَة عِنْد الافتاء، وَوَجَب أَن يسجل على الْأَخْذ بالمأمور حق التسجيل، ويلام على تَركه أَشد الْمَلَامَة، وَتجْعَل أنفسهم ترغب فِيهَا وتألفها حق الرَّغْبَة والألفة حَتَّى تصير دَاعِيَة الْحق مُحِيطَة بظواهرهم وبواطنهم، وَإِذا كَانَ كَذَلِك، ثمَّ منع من الْمَأْمُور بِهِ مَانع ضَرُورِيّ - وَجب أَن يشرع لَهُ بدل يقوم مقَامه لِأَن الْمُكَلف حِينَئِذٍ بَين أَمريْن: إِمَّا أَن يُكَلف بِهِ مَعَ مَا فِيهِ من الْمَشَقَّة والحرج، وَذَلِكَ خلاف مَوْضُوع الشَّرْع. قَالَ الله تَعَالَى:

стр. 145

﴿يُرِيد الله بكم الْيُسْر وَلَا يُرِيد بكم الْعسر﴾ وَإِمَّا أَن ينْبذ وَرَاء الظّهْر بِالْكُلِّيَّةِ، فتألف النَّفس بِتَرْكِهِ، وتسترسل مَعَ إهماله، وَإِنَّمَا تمرن النَّفس تمرين الدَّابَّة الصعبة يغتنم مِنْهَا الألفة وَالرَّغْبَة، وَمن اشْتغل برياضة نَفسه أَو تَعْلِيم الْأَطْفَال أَو تمرين الدَّوَابّ وَنَحْو ذَلِك يعلم كَيفَ تحصل الألفة بالمداومة، ويسهل بِسَبَبِهَا الْعَمَل، وَكَيف تذْهب الألفة بِالتّرْكِ والإهمال، فتضيق النَّفس بِالْعَمَلِ، ويثقل عَلَيْهَا، فَإِن رام الْعود إِلَيْهِ احْتَاجَ إِلَى تَحْصِيل الالفة ثَانِيًا، فَلَا بُد إِذا من شرع الْقَضَاء إِذا فَاتَ وَقت الْعَمَل، وَمن الرُّخص فِي الْعَمَل ليتأتي مِنْهُ، ويتيسر لَهُ، والعمدة فِي ذَلِك الحدس الْمُعْتَمد على معرفَة حَال الْمُكَلّفين وغرض الْعَمَل وأجزائه الَّتِي لَا بُد مِنْهَا فِي تَحْصِيل ذَلِك الْغَرَض، وَمَعَ ذَلِك فَلهُ أصُول يعلمهَا الراسخون فِي الْعلم، أَحدهَا: أَن الرُّكْن وَالشّرط فيهمَا شَيْئَانِ: أَحدهمَا الْأَصْلِيّ الَّذِي هُوَ دَاخل حَقِيقَة الشَّيْء، أَو لَازمه الَّذِي لَا يعْتَمد بِهِ بِدُونِهِ بِالنّظرِ إِلَى أصل الْغَرَض مِنْهُ كالدعاء وَفعل الانحناء الدَّال على التَّعْظِيم والتنبه لخلتى الطَّهَارَة والخشوع، وَهَذَا الْقسم من شَأْنه أَلا يتْرك فِي الْمُكْره والمنشط سَوَاء؛ إِذْ لَا يتَحَقَّق من الْعَمَل شَيْء عِنْد تَركه. وَثَانِيهمَا التكميلي الَّذِي إِنَّمَا شرع لكَونه وَاجِبا لِمَعْنى آخر مُحْتَاجا إِلَى التَّوْقِيت، وَلَا وَقت لَهُ أحسن من هَذِه الطَّاعَة، أَو لِأَنَّهُ آلَة صَالِحَة لأَدَاء أصل الْغَرَض كَامِلا وافرا، وَهَذَا الْقسم من شَأْنه أَن يرخص فِيهِ عِنْد المكاره، وعَلى هَذَا الأَصْل يَنْبَغِي أَن تخرج الرُّخْصَة فِي ترك اسْتِقْبَال الْقبْلَة إِلَى التَّحَرِّي فِي الظلمَة وَنَحْوهَا، وَترك ستر الْعَوْرَة لمن لَا يجد ثوبا، وَترك الْوضُوء إِلَى التَّيَمُّم لمن لَا يجد مَاء، وَترك الْفَاتِحَة إِلَى ذكر من الْأَذْكَار لمن لَا يقدر عَلَيْهَا، وَترك الْقيام إِلَى الْقعُود والاضطجاع لمن لَا يستطيعه وَترك الرُّكُوع وَالسُّجُود إِلَى الانحناء لمن لَا يستطيعها. الأَصْل الثَّانِي: أَنه يَنْبَغِي أَن يلْتَزم فِي الْبَدَل شَيْء يذكر الأَصْل ويشعر بِأَنَّهُ نائبة وبدله، وسره تَحْقِيق الْغَرَض الْمَطْلُوب من شرع الرُّخص، وَهُوَ أَن تبقى الألفة بِالْعَمَلِ الأول، وَأَن تكون النَّفس كالمنتظرة، وَلذَلِك اشْترط فِي الْمسْح على الْخُفَّيْنِ الطَّهَارَة وَقت اللّبْس وَجعل لَهُ مُدَّة يَنْتَهِي إِلَيْهَا، وَاشْترط التَّحَرِّي فِي الْقبْلَة. وَالْأَصْل الثَّالِث: أَنه لَيْسَ كل حرج يرخص لأَجله، فَإِن وُجُوه الْحَرج كَثِيرَة، والرخص فِي جَمِيع ذَلِك تُفْضِي إِلَى إهمال الطَّاعَة، وَالِاسْتِقْصَاء فِي ذَلِك نبغي العناء ومقاساة التَّعَب، وَهُوَ الْمُعَرّف لانقياد الشَّرْع واستقامة النَّفس، فاقتضت الْحِكْمَة أَلا يَدُور
следующие страницы →