Полный текст (619 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
فَإِنَّهَا تَنْقَسِم إِلَى ثَلَاثَة مُتَسَاوِيَة، كَمَا أَن الزَّوْج أَيْضا على مَرَاتِب زوج يشبه الْوتر - كاثنى عشر - فَإِنَّهُ ثَلَاثَة أربعات،
وكالستة فَإِنَّهَا ثَلَاث اثنينات، وَإِمَام الأوتار وأبعدها من مشابهة الزَّوْج الْوَاحِد، ووصيه فِيهَا وخليفته ووارثه ثَلَاثَة وَسَبْعَة، وَمَا سوى ذَلِك فَإِنَّهُ من قوم الْوَاحِد وَأمته، وَلذَلِك اخْتَار النَّبِي ﷺ الْوَاحِد وَالثَّلَاثَة والسبعة فِي كثير من الْمَقَادِير، وَحَيْثُ اقْتَضَت الْحِكْمَة أَن يُؤمر بِأَكْثَرَ مِنْهَا اخْتَار عددا يحصل من أَحدهَا بالترفع كالواحد يتدفع إِلَى عشرَة وَمِائَة وَألف وَأَيْضًا إِلَى أحد عشر، وكالثلاثة تترفع إِلَى ثَلَاثِينَ وَثَلَاثَة وَثَلَاثِينَ، وثلاثمائة، وكالسبعة إِلَى سبعين وَسَبْعمائة، فَإِن الَّذِي يحصل بالترفع كَأَنَّهُ هُوَ بِعَيْنِه وَلذَلِك سنّ النَّبِي ﷺ مائَة كلمة بعد كل صَلَاة الصَّلَاة، ثمَّ قسمهَا إِلَى ثَلَاثَة وَثَلَاثِينَ ثَلَاث مَرَّات، وَأفضل وَاحِد ليصير الْأَمر كُله وترا رَاجعا إِلَى الامام أَو وَصِيَّة، وَكَذَلِكَ لكل مقولة من مقولات الْجَوْهَر وَالْعرض إِمَام ووصي كالنقطة إِمَام، والدائرة والكرة وصياه، وَأقرب الأشكال إِلَيْهِ.
وحَدثني أبي قدس سره أَنه رأى وَاقعَة عَظِيمَة تمثل فِيهَا الْحَيَاة وَالْعلم والارادة وَسَائِر الصِّفَات الالهية - أَو قَالَ الْحَيّ والعليم والمريد وَسَائِر الْأَسْمَاء - لَا أَدْرِي أَي ذَلِك قَالَ: بِصُورَة دوائر مضيئة، ثمَّ نبهني على أَن تمثل الشَّيْء الْبَسِيط فِي نشأة الأشكال إِنَّمَا يكون بأقربها إِلَى النقطة، وَهُوَ فِي السَّطْح الدائرة وَفِي الْجِسْم الكرة انْتهى كَلَامه.
وَاعْلَم أَن سنة الله جرت بِأَن نزُول الْوحدَة إِلَى الْكَثْرَة إِنَّمَا يكون بارتباطات مثالية، وعَلى تِلْكَ الارتباطات تتمثل الوقائع وَإِيَّاهَا يُرَاعى تراجمة لِسَان الْقدَم مَا أمكنت مراعاتها.
الأَصْل الثَّانِي فِي كشف سر مَا بَين فِي التَّرْغِيب والترهيب وَنَحْو ذَلِك من الْعدَد.
وَاعْلَم أَنه رُبمَا يعرض على النَّبِي ﷺ خِصَال من الْبر والاثم، ويكشف عَلَيْهِ فَضَائِل هَذِه ومثالب تِلْكَ، فيخبر عَمَّا علمه الله، وَيذكر عدد مَا علم
حَالَة حِينَئِذٍ، وَلَيْسَ من قَصده الْحصْر قَالَ ﷺ : " عرضت عَليّ أَعمال أمتِي: حسنها وسيئها، فَوجدت فِي محَاسِن أَعمالهَا الْأَذَى يماط عَن الطَّرِيق، وَوجدت فِي مساوى أَعمالهَا النخاعة تكون فِي الْمَسْجِد لَا تدفن " وَقَالَ: " عرضت على أجور أمتِي حَتَّى القذاة يُخرجهَا الرجل من الْمَسْجِد، وَعرضت عَليّ ذنُوب أمتِي، فَلم أر ذَنبا أعظم من سُورَة من الْقُرْآن، أَو آيَة أوتيها رجل، ثمَّ نَسِيَهَا " وعَلى هَذَا يَنْبَغِي أَن يخرج قَوْله ﷺ : " ثَلَاثَة لَهُم أَجْرَانِ " الحَدِيث وَقَوله ﷺ " ثَلَاثَة لَا يكلمهم الله
стр. 142
تَعَالَى " الحَدِيث وَقَوله ﷺ " أَرْبَعُونَ خصْلَة أعلاهن منحة العنز لَا يعْمل عبد بخصلة مِنْهَا رَجَاء ثَوَابهَا أَو تَصْدِيق موعودها إِلَّا أدخلهُ الله بهَا الْجنَّة " وَرُبمَا يكْشف عَلَيْهِ فَضَائِل عمل أَو أبعاض شَيْء إِجْمَالا، فيجتهد فِي إِقَامَة وَجه ضبط لَهَا وَنصب عدد يحصر فِيهِ مَا كثر وُقُوعه أَو عظم شَأْنه وَنَحْو ذَلِك، فيخبر بذلك، وعَلى هَذَا يَنْبَغِي أَن يخرج قَوْله ﷺ " صَلَاة الْجَمَاعَة تفضل صَلَاة الغذ بِسبع وَعشْرين دَرَجَة " فَإِن هَذَا الْعدَد ثَلَاثَة فِي ثَلَاثَة فِي ثَلَاثَة، وَقد رأى أَن مَنَافِع الْجَمَاعَة ترجع إِلَى ثَلَاثَة أَقسَام: مَا يرجع إِلَى نفع نَفسه من تهذيبها وَظُهُور الملكية وقهر البهيمية، وَمَا يرجع إِلَى النَّاس من شيوع السّنة الراشدة فيهم وتنافسهم فِيهَا وتهذيبهم بهَا واجتماع كلمتهم عَلَيْهَا، وَمَا يرجع إِلَى الْملَّة المصطفوية من بَقَائِهَا غضة طرية لم يخالطها التحريف وَلَا التهاون وَفِي الأول ثَلَاثَة: الْقرب من الله وَالْمَلَأ الْأَعْلَى، وَكِتَابَة الْحَسَنَات لَهُم، وتكفير الخطيآت عَنْهُم، وَفِي الثَّانِي ثَلَاثَة:
انتظام حيهم ومدينتهم، ونزول البركات عَلَيْهِم فِي الدُّنْيَا، وشفاعة بَعضهم لبَعض فِي الْآخِرَة: وَفِي الثَّالِث ثَلَاثَة:
تمشية إِجْمَاع الْمَلأ الْأَعْلَى وتمسكهم بِحَبل الله الْمَمْدُود، وتعاكس أنوار بَعضهم على بعض، وَفِي كل من هَذِه التِّسْعَة ثَلَاثَة: رضَا الله عَنْهُم، وصلوات الْمَلَائِكَة عَلَيْهِم، وانخناس الشَّيَاطِين عَنْهُم، وَفِي رِوَايَة أُخْرَى بِخمْس وَعشْرين وَوَجهه أَن مَنَافِع الْجَمَاعَة خمس فِي خَمْسَة: استقامة نُفُوسهم، وتألف جَمَاعَتهمْ، وَقيام ملتهم، وانبساط الْمَلَائِكَة، وانخناس الشَّيَاطِين عَنْهُم، وَفِي كل وَاحِد خَمْسَة: رضَا الله عَنْهُم، ونزول البركات فِي الدُّنْيَا عَلَيْهِم، وَكِتَابَة الْحَسَنَات لَهُم، وتكفير الخطيآت عَنْهُم، وشفاعة النَّبِي ﷺ وَالْمَلَائِكَة لَهُم. وَسبب اخْتِلَاف الرِّوَايَات فِي ذَلِك اخْتِلَاف وُجُوه الضَّبْط، وَالله أعلم.
стр. 143
وَرُبمَا يُؤْتى بِالْعدَدِ إِظْهَارًا لعظم الشَّيْء وَكبره، فَيخرج الْعدَد مخرج الْمثل، نَظِيره مَا يُقَال محبَّة فلَان فِي قلبِي مثل الْجَبَل، وَقدر فلَان يصل إِلَى عنان السَّمَاء، وعَلى هَذَا يَنْبَغِي أَن يخرج قَوْله ﷺ " يفسح فِي قَبره سَبْعُونَ ذِرَاعا " وَقَوله " مد الْبَصَر " وَقَوله " إِن حَوْضِي مَا بَين الْكَعْبَة وَبَيت الْمُقَدّس " وَقَوله " حَوْضِي لأبعد من أَيْلَة إِلَى عدن " وَفِي مثل ذَلِك رُبمَا يذكر تَارَة مِقْدَار، وَأُخْرَى مِقْدَار آخر، وَلَا تنَاقض فِي ذَلِك بِحَسب مَا يرجع إِلَى الْغَرَض. الأَصْل الثَّالِث أَنه لَا يَنْبَغِي أَن يقدر الشَّيْء إِلَّا بِمِقْدَار ظَاهر مَعْلُوم يَسْتَعْمِلهُ المخاطبون فِي نظام الحكم، وَله مُنَاسبَة بمدار الحكم وحكمته، فَلَا
يَنْبَغِي أَن يقدر الدَّرَاهِم إِلَّا بالأواق، وَلَا التَّمْر إِلَّا بالأوساق، وَلَا يَنْبَغِي أَن يُؤْتى بِجُزْء لَا يَسْتَخْرِجهُ إِلَّا المتعمقون فِي الْحساب، كجزء من سَبْعَة عشر، وجزء من تِسْعَة وَعشْرين، وَلذَلِك مَا ذكره الله تَعَالَى فِي الْفَرَائِض إلاكسورا يسهل تنصيفها وتضعيفها وَمَعْرِفَة مخارجها، وَذَلِكَ فضلان: أَحدهمَا سدي وَثلث وَثُلُثَانِ، وَثَانِيهمَا ثمن وَربع وَنصف، وسره أَن يظْهر فضل ذِي الْفضل، ونقصان ذِي النُّقْصَان بَادِي الرَّأْي، وَأَن يسهل تَخْرِيج الْمسَائِل على الأدانى والأقاصي، وحيثما وَقعت الْحَاجة إِلَى مِقْدَار دون الْمِقْدَار الْمُعْتَبر أَولا لَا تكون النِّسْبَة بَينهمَا نِسْبَة الضعْف، فَلَا يَنْبَغِي أَن يتَعَدَّى من الثُّلثَيْنِ بَين النّصْف وَالْوَاحد، وَمن الثُّلُث بَين الرّبع وَالنّصف لِأَن سَائِر الاجزاء أخْفى مِنْهُمَا، وَإِذا أُرِيد تَقْدِير مَا هُوَ كثير فِي الْجُمْلَة، فَالْمُنَاسِب أَن يقدر بِثَلَاثَة، إِذا أُرِيد تَقْدِير مَا هُوَ أَكثر من ذَلِك، فَالْمُنَاسِب تَقْدِيره بِعشْرَة، وَإِذا كَانَ الشَّيْء قد يكون قَلِيلا، وَقد يكون كثيرا، فَالْمُنَاسِب أَن يُؤْخَذ أقل حد وَأكْثر حد، فينصف بَينهمَا، وَالْمُعْتَبر فِي بَاب الزَّكَاة خمس، وَعشر، وَنصف الْعشْر، وَربع الْعشْر؛ لِأَن زِيَادَة الصَّدَقَة تَدور على كَثْرَة الرّيع وَقلة الْمُؤْنَة، وَكَانَت مكاسب جُمْهُور أهل الاقاليم لَا تنتظم إِلَّا فِي أَربع مَرَاتِب وَكَانَ الْمُنَاسب أَن يظْهر الْفرق بَين كل مرتبتين - أصرح مَا يكون - وَذَلِكَ أَن تكون الْوَاحِدَة مِنْهَا ضعف الآخرى، وسيأتيك تَفْصِيله، وَإِذا وَقعت الْحَاجة إِلَى تَقْدِير الْيَسَار مثلا يَنْبَغِي أَن ينظر إِلَى مَا يعد فِي الْعرف يسارا، وَيرى فِيهِ مَا هُوَ من أَحْكَام الْيَسَار.
وَذَلِكَ بِحَسب عَادَة جُمْهُور الْمُكَلّفين مشارقتهم ومغاربتهم عربهم وعجمهم، وبحسب مَا هُوَ كالمذهب الطبيعي لَهُم لَوْلَا الْمَانِع فَإِن لم يكن بِنَاء الْأَمر على عَادَة الْجُمْهُور لتشتت حَالهم، فَالْمُعْتَبر حَال الْعَرَب الأول الَّذين نزل
стр. 144
الْقُرْآن بلغتهم، وتعينت الشَّرِيعَة فِي عاداتهم، وَلذَلِك قدر الشَّرْع الْكَنْز بِخمْس
أَوَاقٍ لِأَنَّهَا تَكْفِي أقل أهل بَيت سنة كَامِلَة فِي أَكثر أَطْرَاف المعمورة - اللَّهُمَّ إِلَّا فِي الجدب أَو الْبِلَاد الْعَظِيمَة جدا أَو أَعمالهَا - وَقدر الثلَّة الصَّغِيرَة من الْغنم بِأَرْبَعِينَ، وَالْكَبِير بِمِائَة وَعشْرين، وَقدر الزَّرْع الْكثير بِخَمْسَة أوساق لِأَن أقل الْبَيْت زوج وَزَوْجَة وثالث أما خَادِم أَو ولد بَينهمَا، وَأكْثر مَا يَأْكُلهُ الْإِنْسَان فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة مد أَو رَطْل، وَيحْتَاج مَعَ ذَلِك إِلَى إدام، وَهَذَا الْقدر يَكْفِي من ذَلِك سنة كَامِلَة، وَقدر المَاء الْكثير بقلتين، وَلِأَنَّهُ حد لَا ينزل مِنْهُ الْمَعَادِن وَلَا يرتقي إِلَيْهِ الاوانى فِي عَادَة الْعَرَب وَقس على ذَلِك سَائِر التقديرات وَالله أعلم.
(بَاب أسرار الْقَضَاء والرخصة)
اعْلَم أَن من السياسة أَنه إِذا أَمر بِشَيْء، أَو نهي عَن شَيْء، وَكَانَ المخاطبون لَا يعلمُونَ الْغَرَض من ذَلِك حق الْعلم وَجب أَن يَجْعَل عِنْدهم كالشيء الْمُؤثر بالخاصية، يصدق بتأثيره، وَلَا يدْرك سَبَب التَّأْثِير، وكالرقي لَا يدْرك سَبَب تأثيرها وَلذَلِك سكت النَّبِي ﷺ عَن بَيَان أسرار الْأَوَامِر والنواهي تَصْرِيحًا فِي الْأَكْثَر، وَإِنَّمَا لوح بِشَيْء مِنْهُ للراسخين فِي الْعلم من أمته، وَلذَلِك كَانَ اعتناء حَملَة الْملَّة من الْخُلَفَاء الرَّاشِدين وأئمة الدّين بِإِقَامَة أشباح الْملَّة أَكثر من الاعتناء بِإِقَامَة أرواحها حَتَّى روى عَن عمر ﵁ أَنه قَالَ: أَحسب جِزْيَة الْبَحْرين وَأَنا فِي الصَّلَاة، وأجهز الْجَيْش وَأَنا فِي الصَّلَاة، وَلذَلِك كَانَ سنة الْمُفْتِينَ قَدِيما وحديثا أَلا يتَعَرَّضُوا لدَلِيل الْمَسْأَلَة عِنْد الافتاء، وَوَجَب أَن يسجل على الْأَخْذ بالمأمور حق التسجيل، ويلام على تَركه أَشد الْمَلَامَة، وَتجْعَل أنفسهم ترغب
فِيهَا وتألفها حق الرَّغْبَة والألفة حَتَّى تصير دَاعِيَة الْحق مُحِيطَة بظواهرهم وبواطنهم، وَإِذا كَانَ كَذَلِك، ثمَّ منع من الْمَأْمُور بِهِ مَانع ضَرُورِيّ - وَجب أَن يشرع لَهُ بدل يقوم مقَامه لِأَن الْمُكَلف حِينَئِذٍ بَين أَمريْن: إِمَّا أَن يُكَلف بِهِ مَعَ مَا فِيهِ من الْمَشَقَّة والحرج، وَذَلِكَ خلاف مَوْضُوع الشَّرْع. قَالَ الله تَعَالَى:
стр. 145
﴿يُرِيد الله بكم الْيُسْر وَلَا يُرِيد بكم الْعسر﴾
وَإِمَّا أَن ينْبذ وَرَاء الظّهْر بِالْكُلِّيَّةِ، فتألف النَّفس بِتَرْكِهِ، وتسترسل مَعَ إهماله، وَإِنَّمَا تمرن النَّفس تمرين الدَّابَّة الصعبة يغتنم مِنْهَا الألفة وَالرَّغْبَة، وَمن اشْتغل برياضة نَفسه أَو تَعْلِيم الْأَطْفَال أَو تمرين الدَّوَابّ وَنَحْو ذَلِك يعلم كَيفَ تحصل الألفة بالمداومة، ويسهل بِسَبَبِهَا الْعَمَل، وَكَيف تذْهب الألفة بِالتّرْكِ والإهمال، فتضيق النَّفس بِالْعَمَلِ، ويثقل عَلَيْهَا، فَإِن رام الْعود إِلَيْهِ احْتَاجَ إِلَى تَحْصِيل الالفة ثَانِيًا، فَلَا بُد إِذا من شرع الْقَضَاء إِذا فَاتَ وَقت الْعَمَل، وَمن الرُّخص فِي الْعَمَل ليتأتي مِنْهُ، ويتيسر لَهُ، والعمدة فِي ذَلِك الحدس الْمُعْتَمد على معرفَة حَال الْمُكَلّفين وغرض الْعَمَل وأجزائه الَّتِي لَا بُد مِنْهَا فِي تَحْصِيل ذَلِك الْغَرَض، وَمَعَ ذَلِك فَلهُ أصُول يعلمهَا الراسخون فِي الْعلم، أَحدهَا: أَن الرُّكْن وَالشّرط فيهمَا شَيْئَانِ:
أَحدهمَا الْأَصْلِيّ الَّذِي هُوَ دَاخل حَقِيقَة الشَّيْء، أَو لَازمه الَّذِي لَا يعْتَمد بِهِ بِدُونِهِ بِالنّظرِ إِلَى أصل الْغَرَض مِنْهُ كالدعاء وَفعل الانحناء الدَّال على التَّعْظِيم والتنبه لخلتى الطَّهَارَة والخشوع، وَهَذَا الْقسم من شَأْنه أَلا يتْرك فِي الْمُكْره والمنشط سَوَاء؛ إِذْ لَا يتَحَقَّق من الْعَمَل شَيْء عِنْد تَركه.
وَثَانِيهمَا التكميلي الَّذِي إِنَّمَا شرع لكَونه وَاجِبا لِمَعْنى آخر مُحْتَاجا إِلَى التَّوْقِيت، وَلَا وَقت لَهُ أحسن من هَذِه الطَّاعَة، أَو لِأَنَّهُ آلَة صَالِحَة لأَدَاء أصل الْغَرَض كَامِلا وافرا، وَهَذَا الْقسم من شَأْنه أَن يرخص فِيهِ عِنْد
المكاره، وعَلى هَذَا الأَصْل يَنْبَغِي أَن تخرج الرُّخْصَة فِي ترك اسْتِقْبَال الْقبْلَة إِلَى التَّحَرِّي فِي الظلمَة وَنَحْوهَا، وَترك ستر الْعَوْرَة لمن لَا يجد ثوبا، وَترك الْوضُوء إِلَى التَّيَمُّم لمن لَا يجد مَاء، وَترك الْفَاتِحَة إِلَى ذكر من الْأَذْكَار لمن لَا يقدر عَلَيْهَا، وَترك الْقيام إِلَى الْقعُود والاضطجاع لمن لَا يستطيعه وَترك الرُّكُوع وَالسُّجُود إِلَى الانحناء لمن لَا يستطيعها.
الأَصْل الثَّانِي: أَنه يَنْبَغِي أَن يلْتَزم فِي الْبَدَل شَيْء يذكر الأَصْل ويشعر بِأَنَّهُ نائبة وبدله، وسره تَحْقِيق الْغَرَض الْمَطْلُوب من شرع الرُّخص، وَهُوَ أَن تبقى الألفة بِالْعَمَلِ الأول، وَأَن تكون النَّفس كالمنتظرة، وَلذَلِك اشْترط فِي الْمسْح على الْخُفَّيْنِ الطَّهَارَة وَقت اللّبْس وَجعل لَهُ مُدَّة يَنْتَهِي إِلَيْهَا، وَاشْترط التَّحَرِّي فِي الْقبْلَة.
وَالْأَصْل الثَّالِث: أَنه لَيْسَ كل حرج يرخص لأَجله، فَإِن وُجُوه الْحَرج كَثِيرَة، والرخص فِي جَمِيع ذَلِك تُفْضِي إِلَى إهمال الطَّاعَة، وَالِاسْتِقْصَاء فِي ذَلِك نبغي العناء ومقاساة التَّعَب، وَهُوَ الْمُعَرّف لانقياد الشَّرْع واستقامة النَّفس، فاقتضت الْحِكْمَة أَلا يَدُور
стр. 146
الْكَلَام إِلَّا على وُجُوه وُقُوعهَا وَعظم الِابْتِلَاء بهَا لَا سِيمَا فِي قوم نزل الْقُرْآن بلغتهم، وتعينت الشَّرِيعَة فِي عاداتهم وَلَا يَنْبَغِي أَن يُجَاوز من مُلَاحظَة كَون الطَّاعَة مُؤثرَة بالخاصية مَتى مَا أمكن، وَلذَلِك شرع الْقصر فِي السّفر دون الاكساب الشاقة، وَدون الزراع والعمال، وَجوز للْمُسَافِر المترفه مَا جوز لغير المترفه، وَالْقَضَاء مِنْهُ قَضَاء بِمثل مَعْقُول، وَمِنْه بِمثل غير مَعْقُول، وَلما كَانَ أصل الطَّاعَة انقياد الْقلب لحكم الله ومؤاخذة النَّفس بتعظيم الله كَانَ كل من عمل عَن غير قصد وَلَا عَزِيمَة أَو هُوَ من جنس من لَا يتكامل قَصده وَلَا يتَمَكَّن من مُؤَاخذَة نَفسه بالتعظيم كَمَا يَنْبَغِي - من حَقه أَن يعْذر وَألا يضيق عَلَيْهِ كل التَّضْيِيق
وعَلى هَذَا يَنْبَغِي أَن يخرج قَوْله ﷺ : " رفع الْقَلَم عَن ثَلَاثَة " الحَدِيث وَالله أعلم.
(بَاب إِقَامَة الارتفاقات واصلاح الرسوم)
قد ذكرنَا فِيمَا سبق تَصْرِيحًا أَو تَلْوِيحًا أَن الارتفاق الثَّانِي وَالثَّالِث مِمَّا جبل عَلَيْهِ الْبشر، وامتازوا بِهِ عَن سَائِر أَنْوَاع الْحَيَوَان، محَال أَن يتركوهما، أَو يهملوهما، وَأَنَّهُمْ يَحْتَاجُونَ فِي كثير من ذَلِك إِلَى حَكِيم عَالم بِالْحَاجةِ وَطَرِيق الارتفاق مِنْهَا، منقاد للْمصْلحَة الْكُلية إِمَّا مستنبط بالفكر والروية أَو يكون نَفسه قد جبلت فِيهَا قُوَّة ملكية، فَيكون مهيئا لنزول عُلُوم من الْمَلأ الْأَعْلَى، وَهَذَا أتم الْأَمريْنِ وأوثق الْوَجْهَيْنِ، وَأَن الرسوم من الارتفاقات هِيَ بِمَنْزِلَة الْقلب من الْجَسَد، وَأَنه قد يدْخل فِي الرسوم مفاسد من جِهَة ترأس قوم لَيْسَ عِنْدهم مسكة الْعقل الْكُلِّي فَيخْرجُونَ إِلَى أَعمال سبعية أَو شهوية أَو شيطانية، فيروجونها، فيقتدي بهم أَكثر النَّاس، وَمن جِهَة أُخْرَى نَحْو ذَلِك، فتمس الْحَاجة إِلَى رجل قوي مؤيد من الْغَيْب منقاد للْمصْلحَة الْكُلية، ليغير رسومهم إِلَى الْحق بتدبير لَا يَهْتَدِي لَهُ فِي الْأَكْثَر إِلَّا المؤيدون من روح الْقُدس.
فَإِن كنت قد أحطت علما بِمَا هُنَالك فَاعْلَم أَن أصل بعثة الْأَنْبِيَاء وَإِن كَانَ لتعليم وُجُوه الْعِبَادَات أَولا وبالذات، لكنه قد تنضم مَعَ ذَلِك إِرَادَة إخمال الرسوم الْفَاسِدَة والحث
стр. 147
على وُجُوه من الارتفاقات، وَذَلِكَ قَوْله ﷺ : " بعثت لمحق المعازف ". وَقَوله ﷺ : " بعثت لأتمم مَكَارِم الْأَخْلَاق ".
وَاعْلَم أَنه لَيْسَ رضَا الله تَعَالَى فِي إهمال الارتفاق الثَّانِي وَالثَّالِث. وَلم يَأْمر بذلك أحد من الْأَنْبِيَاء ﵈. وَلَيْسَ الْأَمر كَمَا ظَنّه قوم فروا إِلَى الْجبَال، وَتركُوا مُخَالطَة النَّاس رَأْسا فِي الْخَيْر وَالشَّر، وصاروا بِمَنْزِلَة الْوَحْش، وَلذَلِك رد النَّبِي ﷺ على من أَرَادَ التبتل وَقَالَ: " مَا بعثت بالرهبانية وَإِنَّمَا بعثت بالملة الحنيفية السمحة " لَكِن الانبياء ﵈ أمروا بتعديل الارتفاقات، وَألا يبلغ بهَا حَال المتعمقين فِي الرَّفَاهِيَة كملوك الْعَجم، وَلَا ينزل بهَا إِلَى - حَال سكان شَوَاهِق الْجبَال اللاحقين بالوحش.
وَهنا قياسان متعارضان: أَحدهمَا أَن الترفه حسن يَصح بِهِ المزاج، ويستقيم بِهِ الْأَخْلَاق، وَيظْهر بِهِ الْمعَانِي الَّتِي امتاز بِهِ الْآدَمِيّ من سَائِر بني جنسه، والغباوة وَالْعجز وَنَحْوهمَا تنشأ من سوء التَّدْبِير.
وَثَانِيهمَا أَن الترفه قَبِيح لاحتياجه إِلَى منازعات ومشاركات وكد وتعب وإعراض عَن جَانب الْغَيْب وإهمال لتدبير الْآخِرَة، وَلذَلِك كَانَ المرضى التَّوَسُّط وإبقاء الارتفاقات وَضم الْأَذْكَار مَعهَا والآداب وانتهاز فرص للتوجه إِلَى الجبروت، وَالَّذِي أَتَى بِهِ الْأَنْبِيَاء قاطبة من عِنْد الله تَعَالَى فِي هَذَا الْبَاب هُوَ أَن ينظر إِلَى مَا عِنْد الْقَوْم من آدَاب الْأكل وَالشرب واللباس وَالْبناء ووجوه الزِّينَة، وَمن سنة النِّكَاح وسيرة المتناكحين، وَمن طرق البيع وَالشِّرَاء، وَمن وُجُوه المزاجر عَن الْمعاصِي وَفصل القضايا وَنَحْو ذَلِك. فَإِن كَانَ الْوَاجِب بِحَسب الرَّأْي الْكُلِّي منطبقا عَلَيْهِ، فَلَا معنى لتحويل شَيْء مِنْهُ من مَوْضِعه وَلَا الْعُدُول عَنهُ إِلَى غَيره، بل يجب أَن يحث الْقَوْم على الْأَخْذ بِمَا عِنْدهم، وَأَن يصوب رَأْيهمْ فِي ذَلِك، ويرشدوا إِلَى مَا فِيهِ من الْمصَالح، وَإِن لم ينْطق عَلَيْهِ، ومست الْحَاجة إِلَى تَحْويل شَيْء أَو إخماله لكَونه مفضيا إِلَى تأذي بَعضهم من بعض أَو تعمقا فِي لذات الْحَيَاة الدُّنْيَا وإعراضا عَن الْإِحْسَان، أَو من المسليات الَّتِي تُؤدِّي إِلَى إهمال مصَالح الدُّنْيَا وَالْآخِرَة
وَنَحْو ذَلِك - فَلَا يَنْبَغِي أَن يخرج إِلَى مَا يباين مألوفهم بِالْكُلِّيَّةِ، بل يحول إِلَى نَظِير مَا عِنْدهم أَو نَظِير مَا اشْتهر من الصَّالِحين الْمَشْهُود لَهُم بِالْخَيرِ عِنْد الْقَوْم، وَبِالْجُمْلَةِ فَإلَى مَا لَو ألقِي عَلَيْهِم لم تَدْفَعهُ عُقُولهمْ، بل اطمأنت بِأَنَّهُ حق، وَلِهَذَا الْمَعْنى اخْتلفت شرائع الْأَنْبِيَاء ﵈.
стр. 148
والراسخ فِي الْعلم يعلم أَن الشَّرْع لم يَجِيء فِي النِّكَاح وَالطَّلَاق، والمعاملات والزينة واللباس وَالْقَضَاء وَالْحُدُود وَقِسْمَة الْغَنِيمَة بِمَا لم يكن لَهُم بِهِ علم، أَو يترددوا فِيهِ إِذا كلفوا بِهِ، نعم إِنَّمَا وَقع إِقَامَة المعوج وَتَصْحِيح السقيم كَانَ قد كثر فيهم الرِّبَا، فنهوا عَنهُ، وَكَانُوا يبيعون الثِّمَار قبل أَن يَبْدُو صَلَاحهَا يختصمون، ويحتجون بعاهات تصيبها فِيهِ عَن ذَلِك البيع، وَكَانَت الدِّيَة على عهد عبد الْمطلب عشرَة من الابل، فَلَمَّا رأى أَن الْقَوْم لَا يرتدعون عَن الْقَتْل بلغَهَا مائَة، فأبقاها النَّبِي ﷺ على ذَلِك، وَأول قسَامَة وَقعت هِيَ الَّتِي كَانَت بِحكم أبي طَالب، وَكَانَ لرئيس الْقَوْم مرباع كل غَارة، فسن رَسُول الله ﷺ الْخمس من كل غنيمَة، وَكَانَ قباذ وَابْنه أنوشروان وضعا عَلَيْهِم الْخراج وَالْعشر، فجَاء الشَّرْع بِنَحْوِ من ذَلِك، وَكَانَ بَنو إِسْرَائِيل يرجمون الزناة، ويقطعون السراق وَيقْتلُونَ النَّفس بِالنَّفسِ، فَنزل الْقُرْآن بذلك ... ، وأمثال هَذِه كَثِيرَة جدا لَا تخفى على المتتبع، بل لَو كنت فطنا محيطا بجوانب الْأَحْكَام لعَلِمت أَيْضا أَن الْأَنْبِيَاء ﵈ لم يَأْتُوا فِي الْعِبَادَات غير مَا عِنْدهم هُوَ أَو نَظِيره، لكِنهمْ نفوا تحريفات الْجَاهِلِيَّة، وضبطوا بالأوقات والأركان مَا كَانَ مُبْهما وأشاعوا بَين النَّاس مَا كَانَ خاملا.
اعْلَم أَن الْعَجم وَالروم لما توارثوا الْخلَافَة قرونا كَثِيرَة، وخاضوا فِي لَذَّة الدُّنْيَا، ونسوا الدَّار الْآخِرَة، واستحوذ عَلَيْهِم الشَّيْطَان - تعمقوا
فِي مرافق الْمَعيشَة، وتباهوا بهَا، وَورد عَلَيْهِم حكماء الْآفَاق يستنبطون لَهُم دقائق المعاش ومرافقه، فَمَا زَالُوا يعْملُونَ بهَا، وَيزِيد بَعضهم على بعض، ويتباهون بهَا حَتَّى قيل إِنَّهُم كَانُوا يعيرون من كَانَ يلبس من صَنَادِيدهمْ، منْطقَة أَو تاجا قيمتهَا دون مائَة ألف دِرْهَم، أَولا يكون لَهُ قصر شامخ وآبزن وحمام وبساتين، وَلَا يكون لَهُ دَوَاب فارهة وغلمان حسان، وَلَا يكون لَهُ توسع فِي المطاعم وتجمل فِي الملابس، وَذكر ذَلِك يطول. .، وَمَا ترَاهُ من مُلُوك بلادك يُغْنِيك عَن حكاياتهم، فَدخل كل ذَلِك فِي أصُول معاشهم، وَصَارَ لَا يخرج من قُلُوبهم إِلَّا أَن تمزع وتولد من ذَلِك دَاء عضال دخل فِي جَمِيع أَعْضَاء الْمَدِينَة، وَآفَة عَظِيمَة لم يبْق مِنْهُم أحد من أسواقهم ورسناقهم وغنيهم وفقيرهم إِلَّا وَقد استولت عَلَيْهِ، وَأخذت بتلابيبه، وأعجزته فِي نَفسه، وأهاجت عَلَيْهِ غموما وهموما لَا أرجاء لَهَا، وَذَلِكَ أَن تِلْكَ الْأَشْيَاء لم تكن
стр. 149
لتحصل إِلَّا ببذل أَمْوَال خطيرة، وَلَا تحصل تِلْكَ الْأَمْوَال إِلَّا بِتَضْعِيف الضرائب على الفلاحين والتجار وأشباههم والتضييق عَلَيْهِم، فان امْتَنعُوا قاتلوهم، وعذبوهم، وَإِن أطاعوا جعلوهم بِمَنْزِلَة الْحمير وَالْبَقر يسْتَعْمل فِي النَّضْح والدياس والحصاد، وَلَا تقتني إِلَّا ليستعان بهَا فِي الْحَاجَات، ثمَّ لَا تتْرك سَاعَة من العناء حَتَّى صَارُوا لَا يرفعون رُؤْسهمْ إِلَى السَّعَادَة الأخوية أصلا، وَلَا يَسْتَطِيعُونَ ذَلِك، وَرُبمَا كَانَ إقليم وَاسع لَيْسَ فيهم أحد يهمه دينه، وَلم يكن ليحصل أَيْضا إِلَّا بِقوم يتكسبون بتهيئة تِلْكَ المطاعم والملابس والابنية وَغَيرهَا، ويتركون أصُول المكاسب الَّتِي عَلَيْهَا بِنَاء نظام الْعَالم، وَصَارَ عَامَّة من يطوف عَلَيْهِم يتكلفون محاكاة الصناديد فِي هَذِه الْأَشْيَاء، وَإِلَّا لم يَجدوا عِنْدهم حظوة، وَلَا كَانُوا عِنْدهم على بَال، وَصَارَ جُمْهُور النَّاس عيالا على الْخَلِيفَة يَتَكَفَّفُونَ مِنْهُ تَارَة على أَنهم من الْغُزَاة والمدبرين للمدينة يترسمون برسومهم وَلَا يكون الْمَقْصُود دفع الْحَاجة وَلَكِن
الْقيام بسيرة سلفهم، وَتارَة على أَنهم شعراء جرت عَادَة الْمُلُوك بصلتهم، وَتارَة على أَنهم زهاد وفقراء يقبح من الْخَلِيفَة أَلا يتفقد حَالهم، فيضيق بَعضهم بَعْضًا، وتتوقف مكاسبهم على صُحْبَة الْمُلُوك والرفق بهم وَحسن المحاورة مَعَهم والتملق مِنْهُم، وَكَانَ ذَلِك هُوَ الْفَنّ الَّذِي تتعمق أفكارهم فِيهِ، وتضيع أوقاتهم مَعَه، فَلَمَّا كثرت هَذِه الأشغال تشبح فِي نفوس النَّاس هيآت خسيسة، وأعرضوا عَن الْأَخْلَاق الصَّالِحَة
وَإِن شِئْت أَن تعرف حَقِيقَة هَذَا الْمَرَض، فَانْظُر إِلَى قوم لَيست فيهم الْخلَافَة، وَلَا هم متعمقون فِي لذائذ الْأَطْعِمَة والألبسة - تَجِد كل وَاحِد مِنْهُم بِيَدِهِ أمره، وَلَيْسَ عَلَيْهِ من الضرائب الثَّقِيلَة مَا يثقل ظَهره، فهم يَسْتَطِيعُونَ التفرغ لأمر الدّين وَالْملَّة، ثمَّ تصور حَالهم لَو كَانَ فيهم الْخلَافَة، وملأوها، وَسَخِرُوا الرّعية، وتسلطوا عَلَيْهِم فَلَمَّا عظمت الْمُصِيبَة وَاشْتَدَّ هَذَا الْمَرَض - سخط عَلَيْهِم الله وَالْمَلَائِكَة المقربون، وَكَانَ رِضَاهُ تَعَالَى فِي معالجة هَذَا الْمَرَض بِقطع مادته، فَبعث نَبيا أُمِّيا ﷺ لم يخالط الْعَجم وَالروم، وَلم يترسم برسومهم، وَجعله ميزانا يعرف بِهِ الْهدى الصَّالح المرضي عِنْد الله من غير المرضي، وأنطقه بذم عادات الْأَعَاجِم وقبح الِاسْتِغْرَاق فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا والاطمئنان بهَا، وَنَفث فِي قلبه أَن يحرم عَلَيْهِم رُءُوس مَا اعتاده الْأَعَاجِم، وتباهوا بهَا كلبس الْحَرِير والقسى والأرجوان وَاسْتِعْمَال أواني الذَّهَب وَالْفِضَّة وحلي الذَّهَب غير المقطع وَالثيَاب المصنوعة فِيهَا الصُّور وتزويق الْبيُوت وَغير ذَلِك، وَقضى بِزَوَال دولتهم بدولته، ورياستهم برياسته، وَبِأَنَّهُ هلك كسْرَى، فَلَا كسْرَى بعده وَهلك قَيْصر، فَلَا قَيْصر بعده.
وَاعْلَم أَنه كَانَ فِي أهل الْجَاهِلِيَّة مناقشات ضيقت على الْقَوْم وصعبت، وَلم يكن زَوَالهَا إِلَّا بِقطع رُءُوسهم فِي ذَلِك الْبَاب كثأر القتلة كَانَ الْإِنْسَان يقتل إنْسَانا فَيقْتل ولي الْمَقْتُول أَخا الْقَاتِل أَو ابْنه، وَيعود هَذَا فَيقْتل وَاحِدًا
مِنْهُم، ويدور الْأَمر كَذَلِك فَقَالَ
стр. 150
النَّبِي ﷺ : " كل دم مَوْضُوع تَحت قدمي هَذِه، وَأول دم أَضَعهُ دم ربيعَة " وكالمواريث وَكَانَ رُؤَسَاء الْقَوْم يقضون فِيهَا بقضايا مُخْتَلفَة، وَكَانَ النَّاس لَا يمتنعون من نَحْو غصب وَربا، فيمرقون على ذَلِك، ثمَّ يَأْتِي قرن آخر، فيحتجون بحجج، فَقطع النَّبِي ﷺ المناقشة من بَينهم، فَقَالَ كل شَيْء أدْركهُ الاسلام يقسم على حكم الْقُرْآن، وكل مَا قسم فِي الْجَاهِلِيَّة، أَو حازه إِنْسَان فِي الْجَاهِلِيَّة بِوَجْه من الْوُجُوه، فَهُوَ على مَا كَانَ لَا ينْقض، وكالربا كَانَ أحدهم يقْرض مَالا وَيشْتَرط زِيَادَة، ثمَّ يضيق عَلَيْهِ، فَيجْعَل المَال وَمَا اشْترط جَمِيعًا أصلا، وَيشْتَرط الزِّيَادَة عَلَيْهِ وهلم جرا حَتَّى يصير قناطير مقنطرة، فَوضع الرِّبَا، وَقضى بِرَأْس المَال.
﴿لَا تظْلمُونَ وَلَا تظْلمُونَ﴾
إِلَى غير ذَلِك من أُمُور لم تكن لتترك لَوْلَا النَّبِي ﷺ .
وَاعْلَم أَنه رُبمَا يشرع للنَّاس رسم قطعا لضغائنهم كالابتداء من الْيَمين فِي السَّقْي وَنَحْوه، فَإِنَّهُ قد يكون نَاس متشاكسون، وَلَا يسلم الْفضل ليبدأ بِصَاحِبِهِ، فَلَا تَنْقَطِع المناقشة بَينهم إِلَّا بِمثل ذَلِك، وكأمامة صَاحب الْبَيْت، وكتقدم صَاحب الدَّابَّة على رَفِيقه إِذا ركباها وَنَحْو ذَلِك، وَالله أعلم.
(بَاب الْأَحْكَام الَّتِي يجر بَعْضهَا لبَعض)
قَالَ الله تَعَالَى:
﴿وَمَا أرسلنَا من قبلك إِلَّا رجَالًا نوحي إِلَيْهِم فاسألوا أهل الذّكر أَن كُنْتُم لَا تعلمُونَ بِالْبَيِّنَاتِ والزبر وأنزلنا إِلَيْك الذّكر لتبين للنَّاس مَا نزل إِلَيْهِم لَعَلَّهُم يتفكرون﴾
اعْلَم أَن أَن الله تَعَالَى بعث نبيه ﷺ ، ليبين للنَّاس مَا أوحاه إِلَيْهِ من أَبْوَاب الْعِبَادَات؛ ليأخذوا بهَا وَمن أَبْوَاب الآثام، ليجتنبوها، وَمَا ارْتَضَاهُ لَهُم من الارتفاقات، ليقتدوا بهَا ... ، وَمن هَذَا الْبَيَان أَن يعلمهُمْ مَا يَقْتَضِيهِ الْوَحْي، أَو يُومِئ أليه وَنَحْو ذَلِك.
стр. 151
وَهَذِه أصُول يخرج عَلَيْهَا جملَة عَظِيمَة من أَحَادِيث النَّبِي ﷺ ، وَنَذْكُر هَهُنَا معظمها: مِنْهَا أَن الله تَعَالَى إِذا أجْرى سنته على نَحْو بِأَن رتب الْأَسْبَاب مفضية إِلَى مسبباتها، لتنظم الْمصلحَة الْمَقْصُودَة بِحِكْمَتِهِ الْبَالِغَة وَرَحمته التَّامَّة - اقْتضى ذَلِك أَن يكون تغير خلق الله شرا وسعيا فِي الافساد وسببا لترشح النفرة عَلَيْهِ من الْمَلأ الْأَعْلَى، فَلَمَّا خلق الله الْإِنْسَان على وَجه لَا يتكون فِي أَكثر الْأَوْقَات والأحيان من الأَرْض تكون الديدان مِنْهَا، وَكَانَت حكمته تقضى بَقَاء نوع الْإِنْسَان، بل انتشار أَفْرَاده وكثرتهم فِي الْعَالم - أودع فيهم قوى التناسل، ورغبهم فِي طلب النَّسْل، وَجعل الغلمة مسلطة عَلَيْهِم مِنْهُم؛ ليقضي الله بذلك أمرا أوجبته الْحِكْمَة الْبَالِغَة، فَلَمَّا أطلع الله النَّبِي ﷺ على هَذَا السِّرّ، وكشف عَلَيْهِ جلية الْحَال - اقْتضى ذَلِك أَن ينْهَى عَن قطع هَذَا السَّبِيل وإهمال تِلْكَ القوى
الْمُقْتَضِيَة أَو صرفهَا فِي غير محلهَا، وَلذَلِك نهى أَشد النَّهْي عَن الخصاء واللواطة وَكره الْعَزْل.
وَاعْلَم أَن أَفْرَاد الْإِنْسَان عِنْد سَلامَة مزاجها وتمكين الْمَادَّة وَأَحْكَام النَّوْع من نَفسهَا - تكون على هَيْئَة مَعْلُومَة من اسْتِوَاء الْقَامَة وَظُهُور الْبشرَة وَنَحْو ذَلِك وَهَذَا حكم النَّوْع وَمُقْتَضَاهُ وأثره فِي الْأَفْرَاد، وَفِي الْخَيْر العالي طلب واقتضاء لبَقَاء الْأَنْوَاع وَظُهُور اشباحها فِي الأَرْض، وَلذَلِك كَانَ النَّبِي ﷺ أَمر بقتل الْكلاب، ثمَّ نهى عَن ذَلِك، وَقَالَ: " إِنَّهَا أمة من الْأُمَم " يَعْنِي أَن النَّوْع لَهُ مُقْتَض عِنْد الله، وَنفى أشباحه من الأَرْض غير مرضى، وَهَذَا الِاقْتِضَاء ينجر إِلَى اقْتِضَاء ظُهُور أَحْكَام النَّوْع فِي الْأَفْرَاد، فمنافضة هَذَا الِاقْتِضَاء وَالسَّعْي فِي رد قَبِيح منافر للْمصْلحَة الْكُلية، وعَلى هَذِه الْقَاعِدَة يخرج التَّصَرُّف فِي الْبدن بِمَا لَا يَقْتَضِيهِ حكم النَّوْع كالخصاء والتفلج والتنمص وَنَحْو ذَلِك، أما الْكحل والتسريح فان ذَلِك كالاعانة على ظُهُور الْأَحْكَام الْمَقْصُودَة والموافقة بهَا، وَلما شرع الله تَعَالَى لبني آدم شَرِيعَة يَنْتَظِم بهَا شملهم، وَيصْلح بهَا حَالهم، كَانَ فِي الملكوت دَاعِيَة لظهورها كَانَ أمرهَا كأمرها الْأَنْوَاع فِي طلب ظُهُور الأشباح فِي الأَرْض، وَلذَلِك كَانَ السَّعْي فِي إهمالها مسخوطا عِنْد الْمَلأ الْأَعْلَى منافرا لما هُوَ مقتضاهم ومطمح هَمهمْ، وَكَذَلِكَ الارتفاقات الَّتِي أحمع عَلَيْهَا طوائف النَّاس من عربهم وعجمهم وأقاصيهم وأدانيهم فَإِنَّهَا كالأمر الطبيعي.
стр. 152
فَلَمَّا شرع الله تَعَالَى الْإِيمَان والبينات مُوضحَة لجلية الْحَال اقْتضى ذَلِك أَن تكون شَهَادَة الزُّور وَالْيَمِين الكاذبة مسخوطة عِنْد الله وَمَلَائِكَته.
وَمِنْهَا أَنه إِذا أوحى إِلَيْهِ بِحكم من أَحْكَام الشَّرْع، واطلع على حكمته وَسَببه كَانَ لَهُ أَن يَأْخُذ تِلْكَ الْمصلحَة، وَينصب لَهَا عِلّة، ويدير عَلَيْهَا ذَلِك الحكم، وَهَذَا قِيَاس النَّبِي ﷺ ... ، وَإِنَّمَا قِيَاس أمته أَن يعرفوا عِلّة الحكم الْمَنْصُوص عَلَيْهِ، فيديروا الحكم حَيْثُ دارت، مِثَاله الْأَذْكَار الَّتِي وَقتهَا النَّبِي ﷺ بالصباح والمساء وَوقت النّوم، فَإِنَّهُ لما اطلع على حِكْمَة شرع الصَّلَوَات اجْتهد فِي ذَلِك.
وَمِنْهَا أَنه إِذا فهم النَّبِي ﷺ من آيَة وَجه سوق الْكَلَام، وَإِن لم يكن غَيره يفهم مِنْهُ ذَلِك لدقة مأخذه أَو تزاحم الِاحْتِمَالَات فِيهِ - كَانَ لَهُ أَن يحكم حَسْبَمَا فهم كَقَوْلِه تَعَالَى:
﴿إِن الصَّفَا والمروة من شَعَائِر الله﴾
فهم مِنْهُ النَّبِي ﷺ أَن تَقْدِيم الصَّفَا على الْمَرْوَة لأجل مُوَافقَة الْبَيَان لما هُوَ الْمَشْرُوع لَهُم كَمَا قد يكون لموافقة السُّؤَال وَنَحْو ذَلِك، فَقَالَ: " ابدءوا مَا بَدَأَ الله بِهِ " وَكَقَوْلِه تَعَالَى:
﴿لَا تسجدوا للشمس وَلَا للقمر واسجدوا لله الَّذِي خَلقهنَّ﴾
وَقَوله تَعَالَى:
﴿فَلَمَّا أفل قَالَ لَا أحب الآفلين﴾
فهم مِنْهُمَا النَّبِي ﷺ اسْتِحْبَاب أَن يعبدوا الله تَعَالَى عِنْد الْكُسُوف والخسوف، وَكَقَوْلِه تَعَالَى:
﴿وَللَّه الْمشرق وَالْمغْرب﴾ الْآيَة
فهم مِنْهُ أَن اسْتِقْبَال الْقبْلَة فرض يحْتَمل السُّقُوط عِنْد الْعذر، فَخرج حكم من تحرى فِي اللَّيْلَة الظلماء، فاخطأ جِهَة الْقبْلَة، وَصلى لغَيْرهَا، وَحكم الرَّاكِب على الدَّابَّة يُصَلِّي النَّافِلَة خَارج الْبَلَد.
وَمِنْهَا أَنه إِذا أَمر الله تَعَالَى أحدا بِشَيْء من مُعَاملَة النَّاس اقْتضى ذَلِك أَن يُؤمر النَّاس بالانقياد لَهُ فِيهَا، فَلَمَّا أَمر الْقُضَاة أَن يقيموا الْحُدُود اقْتضى ذَلِك أَن يُؤمر العصاة بِأَن ينقادوا لَهُم فِيهَا، وَلما أَمر الْمُصدق بِأخذ الزَّكَاة من الْقَوْم أمروا أَلا يصدر عَنْهُم إِلَّا رَاضِيا، وَلما أَمر النِّسَاء أَن يسترن أَمر الرِّجَال أَن يغضوا أَبْصَارهم عَنْهُن.
стр. 153
وَمِنْهَا أَنه إِذا نهى عَن شَيْء اقْتضى ذَلِك أَن يُؤمر بضده وجوبا أَو ندبا حسب اقْتِضَاء الْحَال، وَإِذا أَمر بِشَيْء اقْتضى ذَلِك أَن ينْهَى عَن ضِدّه فَلَمَّا أَمر بِصَلَاة الْجُمُعَة وَالسَّعْي إِلَيْهَا وَجب أَن ينْهَى عَن الِاشْتِغَال بِالْبيعِ والمكاسب حِينَئِذٍ.
وَمِنْهَا أَنه إِذا أَمر بِشَيْء حتما اقْتضى ذَلِك أَن يرغب فِي مقدماته ودواعيه، وَإِذا نهى عَن شَيْء حتما اقْتضى ذَلِك أَن يسدد ذرائعه، وَيحمل دواعيه، وَلما كَانَت عبَادَة الصَّنَم إِثْمًا وَكَانَت المخالطة بالصور والأصنام مفضية إِلَيْهِ كَمَا وَقع فِي الْأُمَم السالفة وَجب أَن يقبض على أَيدي المصورين، وَلما كَانَ شرب الْخمر إِثْمًا وَجب أَن يقبض على أَيدي العصارين، وَينْهى عَن الْحُضُور على الْمَائِدَة الَّتِي فِيهَا خمر، وَلما كَانَ الْقِتَال فِي الْفِتْنَة إِثْمًا وَجب أَن ينْهَى عَن بيع السِّلَاح فِي وَقت الْفِتْنَة.
وَنَظِير هَذَا الْبَاب من سياسة الْمَدِينَة أَنهم لما اطلعوا على مفْسدَة دس السم فِي الطَّعَام وَالشرَاب أخذُوا المواثيق من بائعي الْأَدْوِيَة أَلا يبيعوا السم إِلَّا قدرا لَا يهْلك شَاربه غَالِبا، وَلما اطلعوا على خِيَانَة قوم اشترطوا عَلَيْهِم
أَلا يركبُوا الْخَيل، وَلَا يحملوا السِّلَاح ... ، وَكَذَلِكَ بَاب الْعِبَادَات لما كَانَت الصَّلَاة أعظم أَبْوَاب الْخَيْر وَجب أَن يحض على الْجَمَاعَة فانها إِعَانَة على الْأَخْذ بهَا، وَوَجَب أَن يحض على الْأَذَان، ليحصل الِاجْتِمَاع فِي زمَان وَاحِد فِي مَكَان وَاحِد، وَوَجَب الْحَث على بِنَاء الْمَسَاجِد وتطييبها وتنظيفها، وَلما كَانَت معرفَة أول يَوْم من رَمَضَان متوقفة عِنْد الْغَيْم وَنَحْوه على عدَّة شعْبَان اسْتحبَّ إحصاء هِلَال شعْبَان. وَنَظِيره من سياسة الْمَدِينَة أَنهم لما رَأَوْا فِي الرَّمْي مَنْفَعَة عَظِيمَة أمروا بالاكثار من اصطناع القسى والنبل وَالتِّجَارَة فِيهَا.
وَمِنْهَا أَنه إِذا أَمر بِشَيْء، أَو نهى عَن شَيْء أقضى ذَلِك بذلك أَن يُنَوّه بشأن المطيعين، ويزدري بالعصاة، وَلما كَانَت قِرَاءَة الْقُرْآن مَطْلُوبا شيوعها والمواظبة عَلَيْهَا وَجب أَن يسن أَلا يؤمهم إِلَّا أقرؤهم، وَأَن يوقر الْقُرَّاء فِي الْمجَالِس، وَلما كَانَ الْقَذْف إِثْمًا وَجب أَن يسْقط الْقَاذِف من مرتبَة قبُول الشَّهَادَة، وعَلى ذَلِك يخرج مَا ورد من النَّهْي عَن مفاتحة المبتدع وَالْفَاسِق بِالسَّلَامِ وَالْكَلَام ... ، وَنَظِيره من سياسة الْمَدِينَة زِيَادَة جَائِزَة الرُّمَاة وتقديمهم فِي الاثبات والاعطاء.
وَمِنْهَا أَنه إِذا أَمر الْقَوْم بِشَيْء، أَو نهوا عَنهُ كَانَ من حق ذَلِك أَن يؤمروا بعزيمة الْأَقْدَام على هَذَا والكف عَن ذَلِك وَأَن يَأْخُذُوا قُلُوبهم باضمار الداعية حسب الْفِعْل، وَلذَلِك ورد التوبيخ عَن إِضْمَار أَن يقْصد عدم الْأَدَاء فِي الْقَرْض وَالْمهْر.
стр. 154
وَمِنْهَا أَنه إِذا كَانَ شَيْء يحْتَمل مفْسدَة كَانَ من حَقه أَن يكره كَقَوْلِه ﷺ : " فَلَا يغمس يَده فِي الاناء، فَإِنَّهُ لَا يدْرِي أَيْن باتت يَده " وَبِالْجُمْلَةِ علم الله نبيه أحكاما من الْعِبَادَات والارتفاقات فبينها النَّبِي
ﷺ بِهَذَا النَّحْو من الْبَيَان وَخرج مِنْهَا أحكاما جليلة فِي كل بَاب بَاب، وَهَذَا الْبَاب من الْبَيَان مَعَ الْبَاب الَّذِي يَلِيهِ إِن شَاءَ الله تَعَالَى تلقاهما فُقَهَاء الْأمة من بَين عُلُوم النَّبِي ﷺ ووعاهما قُلُوبهم بتدبر، فانشعب مِنْهَا مَا أودعوه فِي مصنفاتهم وكتبهم، وَالله أعلم.
(بَاب ضبط الْمُبْهم وتميز الْمُشكل والتخريج من الْكُلية وَنَحْو ذَلِك)
اعْلَم أَن كثير من الْأَشْيَاء الَّتِي أديرت الْأَحْكَام على أساميها مَعْلُوم بالمثال وَالْقِسْمَة، غير مَعْلُوم بِالْحَدِّ الْجَامِع الْمَانِع الَّذِي يكْشف حَال كل فَرد فَرد أَنه مِنْهُ أَولا كالسرقة قَالَ الله تَعَالَى:
﴿وَالسَّارِق والسارقة فَاقْطَعُوا أَيْدِيهِمَا﴾
أجري الْحَد على اسْم السَّارِق، وَمَعْلُوم أَن الْوَاقِع فِي قصَّة بني الأبيرق وَطعيمَة وَالْمَرْأَة المخزومية هِيَ السّرقَة وَمَعْلُوم أَن اخذ مَال الْغَيْر أَقسَام: مِنْهَا السّرقَة، وَمِنْهَا قطع الطَّرِيق، وَمِنْهَا الاختلاس، وَمِنْهَا الْخِيَانَة، وَمِنْهَا الِالْتِقَاط، وَمِنْهَا الْغَصْب، وَمِنْهَا قلَّة المبالاة، وَفِي مثل ذَلِك رُبمَا يسْأَل النَّبِي ﷺ عَن صُورَة صُورَة هَل هِيَ من السّرقَة سُؤال مقَال أَو سُؤال حَال، فَيجب عَلَيْهِ أَن يبين حَقِيقَة السّرقَة متميزة عَمَّا يشاركها بِحَيْثُ يَتَّضِح حَال كل فَرد فَرد، وَطَرِيق التميز أَن ينظر إِلَى ذاتيات هَذِه الْأَسَامِي الَّتِي لَا تُوجد فِي السّرقَة، وَيَقَع بهَا التفارق بَين الْقبْلَتَيْنِ وَإِلَى ذاتيات السّرقَة الَّتِي يفهمها أهل الْعرف من تِلْكَ اللَّفْظَة، ثمَّ يضْبط السّرقَة بِأُمُور معنوية يحصل بهَا التَّمْيِيز، فَيعلم مثلا أَن قطع الطَّرِيق والحرابة وَنَحْوهمَا من الْأَسَامِي تنبئ عَن اعْتِمَاد الْقُوَّة بِالنِّسْبَةِ إِلَى المظلومين وَاخْتِيَار مَكَان أَو زمَان لَا يلْحق فِيهِ
الْغَوْث من الْجَمَاعَة، وَأَن الاختلاس يُنبئ عَن اختطاف على أعين النَّاس، وَفِي مرأى مِنْهُم ومسمع، والخيانة تنبئ عَن تقدم شركَة أَو مباسطة، وَحفظ الِالْتِقَاط يُنبئ عَن وجدان شَيْء فِي غير حرز،
стр. 155
وَالْغَصْب يُنبئ عَن غَلَبَة بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَظْلُوم جهرة مُعْتَمدًا على جدل أَو ظن أَلا ترفع الْقَضِيَّة إِلَى الْوُلَاة، أَو لَا ينْكَشف عَلَيْهِم جلية الْحَال، أَو لَا يقضوا بِحَق لنَحْو رشوة، وَقلة المبالاة تقال فِي الشَّيْء التافه الَّذِي جرى الْعرف ببذله والمواساة بِهِ كَالْمَاءِ والحطب، وَالسَّرِقَة تنبئ عَن الْأَخْذ خُفْيَة، فضبط النَّبِي ﷺ السّرقَة بِربع دِينَار أَو ثَلَاثَة دَرَاهِم، ليتميز عَن التافه وَقَالَ: " لَيْسَ على خائن وَلَا منتهب وَلَا مختلس قطع " وَقَالَ " لَا قطع فِي ثَمَر مُعَلّق وَلَا فِي حريسة الْجَبَل " يُشِير إِلَى اشْتِرَاط الْحِرْز و، كالرفاهية الْبَالِغَة فَإِنَّهَا مفْسدَة غير مضبوطة، وَلَا متميز مواقع وجودهَا بأمارات ظَاهِرَة يُؤَاخذ بهَا الأداني والأقاصي، وَلَا يشْتَبه على أحد أَن الرَّفَاهِيَة متحققة فِيهَا، مَعْلُوم أَن عَادَة الْعَجم فِي اقتناء المراكب الفارهة والأبنية الشامخة وَالثيَاب الرفيعة والحلي المترفة وَنَحْو ذَلِك من الرَّفَاهِيَة الْبَالِغَة، وَمَعْلُوم أَن الترفه مُخْتَلف باخْتلَاف النَّاس، فترفه قوم تقشف عِنْد الآخرين، وجيد إقليم تافه فِي إقليم آخر، وَمَعْلُوم أَن الارتفاق قد يكون بالجيد وبالرديء وَالثَّانِي لَيْسَ بترفه ... ، والارتفاق بالجيد قد يكون من غير قصد إِلَى جودته، أَو من غير أَن يكون ذَلِك غَالِبا عَلَيْهِ فِي أَكثر أمره، فَلَا يُسمى فِي الْعرف مترفها، فَأطلق الشَّرْع التنبه على مفاسد الرَّفَاهِيَة مُطلقًا، وَخص أَشْيَاء وجدهم لَا يرتفقون بهَا إِلَّا للترفه، وَوجد الترفه بهَا عَادَة فَاشِية فيهم، وَرَأى أهل الْعَصْر من الْعَجم وَالروم كالمجمعين على ذَلِك، فنصبها مَظَنَّة للرفاهية الْبَالِغَة، وحرمها، وَلم ينظر إِلَى الارتفاقات النادرة، وَلَا إِلَى عَادَة الأقاليم الْبَعِيدَة، فتحريم الْحَرِير وأواني الذَّهَب وَالْفِضَّة من هَذَا الْبَاب، ثمَّ أَنه وجد حَقِيقَة الرَّفَاهِيَة اخْتِيَار الْجيد
من كل الارتفاق والأعراض عَن رَدِيئَة، والرفاهية الْبَالِغَة اخْتِيَار الْجيد وَترك الردئ من جنس وَاحِد، وَوجد من الْمُعَامَلَات مَا لَا يقْصد فِيهِ إِلَّا اخْتِيَار الْجيد والإعراض عَن الردئ من جنس وَاحِد اللَّهُمَّ إِلَّا فِي مواد قَليلَة لَا يعبأ بهَا فِي قوانين الشَّرَائِع فَحَرمهَا لِأَنَّهَا كالشبح لِمَعْنى الرَّفَاهِيَة وكالتمثال لَهَا وتحريمها كالمقتضى الطبيعي لكراهته الرَّفَاهِيَة وَإِذا كَانَت مظان الشَّيْء مُحرمَة لأَجله وَجب أَن يحرم شبحه وتمثاله بِالْأولَى، وَتَحْرِيم بيع النَّقْد وَالطَّعَام بجنسهما مُتَفَاضلا مخرج على هَذِه الْقَاعِدَة، وَلم يحرم اشْتِرَاء الْجيد بِالثّمن الغالي لِأَن الثّمن ينْصَرف إِلَى ذَات الْمَبِيع دون وَصفه عِنْد اخْتِلَاف الْجِنْس وَلم
стр. 156
يحرم اشْتِرَاء جَارِيَة بجاريتين، وَلَا ثوب بثوبين لِأَنَّهَا من ذَوَات الْقيم فتنصرف زِيَادَة الثّمن إِلَى خَواص الشَّخْص، وَتَكون الْجَوْدَة مغمورة فِي تِلْكَ الْخَواص، فَلَا يتَحَقَّق اعْتِبَار الْجَوْدَة بَادِي الرَّأْي.
وَمِمَّا مهدنا ينْكَشف كثير من النكت الْمُتَعَلّقَة بِهَذَا الْبَاب كسبب كَرَاهِيَة بيع الْحَيَوَان بِالْحَيَوَانِ وَغير ذَلِك، فليتدبر، وَقد يكون شيآن مشتبهين لَا يتميزان لأمر خَفِي لَا يُدْرِكهُ إِلَّا النَّبِي ﷺ والراسخون فِي الْعلم من أمته، فتمس الْحَاجة إِلَى معرفَة عَلامَة ظَاهِرَة لكل مِنْهُمَا وإدارة حكم الْبر وَالْإِثْم على علاماتهما، وَأَحْكَام التَّفْرِيق بَينهمَا (مِثَاله) النِّكَاح والسفاح فحقيقة النِّكَاح إِقَامَة الْمصلحَة الَّتِي يبْنى عَلَيْهَا نظام الْعَالم بالتعاون بَين الزَّوْج وَزَوجته وَطلب النَّسْل وتحصين الْفرج وَنَحْو ذَلِك، وَذَلِكَ مرضى عَنهُ مَطْلُوب، وَحَقِيقَة السفاح جَرَيَان النَّفس فِي غلوائها وإمعانها فِي اتِّبَاع شهوتها وخرق جِلْبَاب الْحيَاء والتقيد عَنْهَا وَترك التعريج إِلَى الْمصلحَة الْكُلية والنظام الْكُلِّي، وَذَلِكَ مسخوط عَلَيْهِ مَمْنُوع عَنهُ، وهما متشابهان فِي أَكثر الصُّور، فَإِنَّهُمَا يَشْتَرِكَانِ فِي قَضَاء الشَّهْوَة وَإِزَالَة ألم الغلمة والميل إِلَى النِّسَاء وَنَحْو ذَلِك، فمست الْحَاجة إِلَى تميز كل وَاحِد عَن صَاحبه بعلامة ظَاهِرَة، وإدارة الطّلب وَالْمَنْع عَلَيْهَا، فحض النَّبِي ﷺ النِّكَاح بِأُمُور (مِنْهَا) أَن يكون بِالنسَاء دون الرِّجَال، فَإِن طلب النَّسْل لَا يكون
إِلَّا مِنْهُنَّ، وَأَن يكون من عزم ومشورة وإعلان، فَشرط حُضُور الشُّهُود والأولياء ورضا الْمَرْأَة، وَمِنْهَا توطين النَّفس على التعاون، وَلَا يكون ذَلِك فِي الْأَكْثَر إِلَّا بِأَن يكون دَائِما لَازِما غير مُؤَقّت، فَحرم نِكَاح السِّرّ والمتعة، وَحرم اللواطة، وَرُبمَا يكون فعل من الْبر مشتبها بِمَا هُوَ من مُقَدمَات الآخر، فتمس الْحَاجة إِلَى التَّفْرِقَة بَينهمَا كالقومة شرعت فاصلة بَين الرُّكُوع والانحناء الَّذِي هُوَ من مُقَدمَات السُّجُود، وَرُبمَا لَا يكون الشَّيْء متكثر الارتفاق كالجلوس بَين السَّجْدَتَيْنِ، وَرُبمَا يكون الشَّرْط أَو الرُّكْن فِي الْحَقِيقَة أمرا خفِيا وفعلا من أَفعَال الْقلب، فينصب لَهُ إِمَارَة من أَفعَال الْجَوَارِح أَو الْأَقْوَال، وَيجْعَل هُوَ ركنا ضبطا للخفي بِهِ كالنية، وإخلاص الْعَمَل لله أَمر خَفِي، فنصب اسْتِقْبَال الْقبْلَة وَالتَّكْبِير لَهُ مَظَنَّة، وَجعلا أصلا فِي الصَّلَاة، وَإِذا ورد النَّص بِصِيغَة، أَو اقْتضى الْحَال إِقَامَة نوع مدارا للْحكم، ثمَّ حصل فِي بعض الْموَاد اشْتِبَاه، فَمن حَقه أَن يرجع فِي تَفْسِير تِلْكَ الصِّيغَة أَو تَحْقِيق حد جَامع مَانع لذَلِك النَّوْع إِلَى عرف الْعَرَب، كَمَا ورد النَّص فِي الصَّوْم بِشَهْر
стр. 157
رَمَضَان، ثمَّ وَقع الِاشْتِبَاه فِي صُورَة الْغَيْم، فَكَانَ الحكم مَا عِنْد الْعَرَب من إِكْمَال عدَّة شعْبَان ثَلَاثِينَ، وَأَن الشَّهْر قد يكون ثَلَاثِينَ يَوْمًا، وَقد يكون تِسْعَة وَعشْرين، وَهُوَ قَوْله ﷺ " إِنَّا أمة أُميَّة لَا نكتب وَلَا نحسب الشَّهْر كَذَا " الحَدِيث. وكما ورد النَّص فِي الْقصر بِصِيغَة السّفر، ثمَّ وَقع الِاشْتِبَاه فِي بعض الْموَاد، فَحكم الصَّحَابَة أَنه خُرُوج من الوطن إِلَى مَوضِع لَا يصل إِلَيْهِ فِي يَوْمه ذَلِك وَلَا أَوَائِل ليلته تِلْكَ، وَمن ضَرُورَته أَن يكون مسيرَة يَوْم وَشَيْء مُعْتَد بِهِ من الْيَوْم الآخر، فيضبط بأَرْبعَة برد. وَاعْلَم أَن الْعُمْدَة فِي تَخْصِيص النَّبِي ﷺ بِحكم من بَين أمته أَن يكون الحكم رَاجعا إِلَى مَظَنَّة شَيْء دون حَقِيقَته، وَهُوَ قَول طَاوس فِي رَكْعَتَيْنِ بعد الْعَصْر إِنَّمَا نهى عَنْهُمَا لِئَلَّا يتَّخذ سلما، وَالنَّبِيّ ﷺ يعرف الْحَقِيقَة، فَلَا اعْتِبَار فِي حَقه للمظنة بعد مَا عرف
المثنه كتزوج أَكثر من أَرْبَعَة نسْوَة هُوَ مَظَنَّة ترك الاحسان فِي الْعشْرَة الزَّوْجِيَّة وإهمال أمرهن، وَيشْتَبه على سَائِر النَّاس، أما النَّبِي ﷺ ، فَهُوَ يعرف مَا هُوَ المرضى عَنهُ فِي الْعشْرَة الزَّوْجِيَّة، فَأمر بِنَفسِهِ دون مظنته، أَو يكون رَاجعا إِلَى تَحْقِيق الرَّسْم دون معنى تَهْذِيب النَّفس كنهيه عَن بيع وَشرط، ثمَّ ابْتَاعَ من جَابر بَعِيرًا على أَن لَهُ ظَهره إِلَى الْمَدِينَة، أَو يكون مفضيا إِلَى شَيْء بِالنِّسْبَةِ إِلَى من لَيْسَ لَهُ مسكة الْعِصْمَة، وَهُوَ قَول عَائِشَة ﵂ فِي قبْلَة الصَّائِم أَيّكُم يملك أربه كَمَا كَانَ رَسُول الله ﷺ يملك أربه، أَو تكون نَفسه الْعَالِيَة مقتضية لنَوْع من الْبر فَيُؤْمَر بِهِ لِأَن هَذِه النَّفس تشتاق إِلَى زِيَادَة التَّوَجُّه إِلَى الله، وَإِلَى زِيَادَة خلع جِلْبَاب الْغَفْلَة، كَمَا يشتاق الرجل الْقوي إِلَى أكل طَعَام كثير كالتهجد وَالضُّحَى وَالْأُضْحِيَّة على قَول، وَالله أعلم.
(بَاب التَّيْسِير)
قَالَ الله تَعَالَى:
стр. 158
﴿فبمَا رَحْمَة من الله لنت لَهُم وَلَو كنت فظا غليظ الْقلب لانفضوا من حولك﴾ .
وَقَالَ:
﴿يُرِيد الله بكم الْيُسْر وَلَا يُرِيد بكم الْعسر﴾ .
وَقَالَ رَسُول الله ﷺ لأبي مُوسَى، ومعاذ بن جبل رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا لما بعثهما إِلَى الْيمن " يسرا، وَلَا تعسرا، وبشرا
وَلَا تنفرا، وتطاوعا، وَلَا تختلفا، وَقَالَ ﷺ " فَإِنَّمَا بعثتم ميسرين، وَلم تبعثوا معسرين ".
والتيسير يحصل بِوُجُوه مِنْهَا أَلا يَجْعَل شَيْء يشق عَلَيْهِم ركنا أَو شرطا لطاعة، وَالْأَصْل فِيهِ قَوْله ﷺ " لَوْلَا أَن أشق على أمتِي لأمرتهم بِالسِّوَاكِ عِنْد كل صَلَاة ".
وَمِنْهَا أَن يَجْعَل شَيْء من الطَّاعَات رسوما يتباهون بهَا دَاخِلَة فِيمَا كَانُوا يَفْعَلُونَهُ بداعية من عِنْد أنفسهم كالعيدين وَالْجُمُعَة وَهُوَ قَوْله ﷺ . " ليعلم الْيَهُود أَن فِي ديننَا فسحة " فَإِن التجمل فِي الاجتماعات الْعَظِيمَة والمنافسة فِيمَا يرجع إِلَى التباهي ديدن النَّاس.
وَمِنْهَا أَن يسن لَهُم فِي الطَّاعَات مَا يرغبون فِيهِ بطبيعتهم لتَكون الطبيعة دَاعِيَة إِلَى مَا يَدْعُو إِلَيْهِ الْعقل فيتعاضد الرغبتان، وَلذَلِك سنّ تطييب الْمَسَاجِد وتنظيفها والاغتسال يَوْم الْجُمُعَة والتطيب فِيهِ، وَاسْتحبَّ التَّغَنِّي بِالْقُرْآنِ وَحسن الصَّوْت بالاذان.
وَمِنْهَا أَن يوضع عَنْهُم الإصر، وَمَا يتنفرون مِنْهُ بطبيعتهم، وَلذَلِك كره إِمَامَة العَبْد والأعرابي ومجهول النّسَب، فَإِن الْقَوْم ينجحمون من الِاقْتِدَاء بِمثل ذَلِك.
وَمِنْهَا أَن يبقي عَلَيْهِم شَيْء مِمَّا تَقْتَضِيه طبيعة أَكْثَرهم، أَو يَجدونَ عِنْد تَركه حرجا فِي أنفسهم كالسلطان هُوَ أَحَق بالامامة، وَصَاحب الْبَيْت أَحَق بالامامة، وَالَّذِي ينْكح امْرَأَة جَدِيدَة يَجْعَل لَهَا سبعا أَو ثَلَاثًا، ثمَّ يقسم بَين أَزوَاجه.
وَمِنْهَا أَن يَجْعَل السّنة بَينهم تَعْلِيم الْعلم والمواعظة وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ
وَالنَّهْي عَن الْمُنكر؛ لتمتلئ بِهِ أوعية قُلُوبهم، فينقادوا للنواميس من غير كلفة، وَكَانَ رَسُول الله ﷺ يتخولهم بالمواعظة.
وَمِنْهَا أَن يفعل النَّبِي ﷺ أفعالا مِمَّا يَأْمُرهُم بِهِ أَو يرخصهم فِيهِ ليعتبروا بِفِعْلِهِ.
وَمِنْهَا أَن يدعوا الله تَعَالَى أَن يَجْعَل الْقَوْم مهذبين كَامِلين.
وَمِنْهَا أَن تنزل عَلَيْهِم سكينَة من رَبهم بِوَاسِطَة الرَّسُول، فيصيروا بَين يَدَيْهِ بِمَنْزِلَة من على رَأسه الطير.
стр. 159
وَمِنْهَا أَن يرغم أنف من أَرَادَ غير الْحق بتأييسه كالقاتل لَا يَرث، وَالْمكْره فِي الطَّلَاق لَا ينفذ طَلَاقه، فَيكون كابحا للجبارين من الاكراه إِذْ لم يحصل غرضهم.
وَمِنْهَا أَلا يشرع لَهُم مَا فِيهِ مشقة إِلَّا شَيْئا فَشَيْئًا وَهُوَ قَول عَائِشَة ﵂ إِنَّمَا أنزل أول نزل مِنْهُ سور من الْمفصل فِيهَا ذكر الْجنَّة وَالنَّار، حَتَّى إِذا ثاب النَّاس إِلَى الْإِسْلَام نزل الْحَلَال وَالْحرَام، وَلَو نزل أول شَيْء لَا تشْربُوا الْخمر لقالوا لَا نَدع الْخمر أبدا، وَلَو نزل لَا تَزْنُوا لقالوا لَا نَدع الزِّنَا أبدا.
وَمِنْهَا أَن لَا يفعل النَّبِي ﷺ مَا تخْتَلف بِهِ قُلُوبهم، فَيتْرك بعض الْأُمُور المستحبة لذَلِك، وَهُوَ قَوْله ﷺ لعَائِشَة " لَوْلَا حدثان قَوْمك بالْكفْر لنقضت الْكَعْبَة، وبنيتها على أساس إِبْرَاهِيم ﵇ ".
وَمِنْهَا أَن الشَّارِع أَمر بأنواع الْبر من الْوضُوء وَالْغسْل وَالصَّلَاة وَالزَّكَاة وَالصَّوْم وَالْحج وَغَيرهَا، وَلم يَتْرُكهَا مفوضة إِلَى عُقُولهمْ، بل ضَبطهَا بالأركان والشروط والآداب وَنَحْوهَا، ثمَّ لم يضْبط الْأَركان والشروط والآداب كثير ضبط، بل تَركهَا مفوضة إِلَى عُقُولهمْ وَإِلَى مَا يفهمونه من تِلْكَ الْأَلْفَاظ، وَمَا يعتادونه فِي ذَلِك الْبَاب، فَبين مثلا أَنه لَا صَلَاة إِلَّا بِفَاتِحَة الْكتاب، وَلم يبين مخارج الْحُرُوف الَّتِي تتَوَقَّف عَلَيْهَا صِحَة قِرَاءَة الْفَاتِحَة وتشديداتها وحركاتها وسكناتها، وَبَين أَن اسْتِقْبَال الْقبْلَة شَرط فِي الصَّلَاة، وَلم يبين قانونا نَعْرِف بِهِ استقبالها، وَبَين أَن نِصَاب الزَّكَاة مِائَتَا دِرْهَم، وَلم يبين أَن الدِّرْهَم مَا وَزنه، وَحَيْثُ سُئِلَ عَن مثل ذَلِك لم يزدْ على مَا عِنْدهم، وَلم يَأْتهمْ بِمَا لَا يجدونه فِي عاداتهم، فَقَالَ فِي مَسْأَلَة هِلَال شهر رَمَضَان " فَإِذا غم عَلَيْكُم فأكملوا عدَّة شعْبَان ثَلَاثِينَ " وَقَالَ فِي المَاء يكون فِي فلاة من الأَرْض ترده السبَاع والبهائم " إِذا بلغ المَاء قُلَّتَيْنِ لم يحمل خبثا " وَأَصله مُعْتَاد فيهم كَمَا بَينا.
والسر فِي ذَلِك أَن كل شَيْء مِنْهَا لَا يُمكن أَن يبين إِلَّا بحقائق مثلهَا فِي الظُّهُور والخفاء وَعدم الانضباط، فَيحْتَاج أَيْضا إِلَى الْبَيَان وهلم جرا، وَذَلِكَ حرج عَظِيم من حَيْثُ أَن كل تَوْقِيت تضييق عَلَيْهِم فِي الْجُمْلَة، فَإِذا كثرت التوقيتات ضَاقَ المجال كل الضّيق، وَمن حَيْثُ أَن الشَّرْع يُكَلف بِهِ الأدانى والأقاصي كلهم، وَفِي حفظ تِلْكَ الْحُدُود على
стр. 160
تفصيلها حرج شَدِيد، وَأَيْضًا وَالنَّاس إِذا اعتنوا باقامة مَا ضبط بِهِ الْبر اعتناء شَدِيدا لم يحسوا بفوائد الْبر، وَلم يتوجهوا إِلَى أرواحها كَمَا ترى كثيرا من المجودين لَا يتدبرون معنى الْقُرْآن لاشتغال بالهم بالالفاظ، فَلَا أوفق بِالْمَصْلَحَةِ من أَن يُفَوض إِلَيْهِم الْأَمر بعد أصل الضَّبْط، وَالله أعلم.
وَمِنْهَا أَن الشَّارِع لم يخاطبهم إِلَّا على ميزَان الْعقل الْمُودع فِي أصل خلقتهمْ قبل أَن يتعانوا دقائق الْحِكْمَة وَالْكَلَام وَالْأُصُول، فَأثْبت لنَفسِهِ جِهَة فَقَالَ:
﴿الرَّحْمَن على الْعَرْش اسْتَوَى﴾ .
وَقَالَ النَّبِي ﷺ لَا مرأة سَوْدَاء: " أَيْن الله فَأَشَارَتْ إِلَى السَّمَاء فَقَالَ هِيَ مُؤمنَة " وَلم يكلفهم فِي معرفَة اسْتِقْبَال الْقبْلَة وأوقات الصَّلَاة والأعياد حفظ مسَائِل الْهَيْئَة والهندسة وَأَشَارَ بقوله " الْقبْلَة مَا بَين الْمشرق وَالْمغْرب " إِذا اسْتقْبل الْكَعْبَة إِلَى وَجه المسئلة وَقَالَ: " الْحَج يَوْم تحجون وَالْفطر يَوْم تفطرون " وَالله أعلم.
(بَاب أسرار التَّرْغِيب والترهيب)
من نعْمَة الله ﵎ على عباده أَن أوحى إِلَى أنبيائه صلوَات الله عَلَيْهِم مَا يَتَرَتَّب على الْأَعْمَال من الثَّوَاب وَالْعَذَاب؛ ليخبروا الْقَوْم بِهِ، فتمتلئ قُلُوبهم رَغْبَة وَرَهْبَة، ويتقيدوا بالشرائع بداعية منبعثه من أنفسهم كَسَائِر مَا فِيهِ دفع ضرّ أَو جلب نفع وَهُوَ قَوْله تَعَالَى:
﴿وانها لكبيرة إِلَّا على الخاشعين الَّذين يظنون أَنهم ملاقوا رَبهم وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُون﴾ .
ثمَّ إِن هَهُنَا قَوَاعِد كُلية إِلَيْهَا ترجع جزيئات التَّرْغِيب والترهيب، وَكَانَ فُقَهَاء الصَّحَابَة يعلمونها إِجْمَالا، وَإِن لم يَكُونُوا أحرزوها تَفْصِيلًا، وَمِمَّا يدل على مَا ذكرنَا مَا جَاءَ فِي الحَدِيث أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: " وَفِي بضع أحدكُم صَدَقَة، فَقَالُوا يَأْتِي أَحَدنَا شَهْوَته، وَيكون لَهُ فِيهَا أجر؟ قَالَ
أَرَأَيْتُم لَو وَضعهَا فِي حرَام كَانَ عَلَيْهِ وزر " فَمَا توقفوا فِي هَذِه الْمَسْأَلَة دون غَيرهَا، وَمَا اشْتبهَ عَلَيْهِم لميتها إِلَّا لما عِنْدهم من معرفَة مُنَاسبَة الْأَعْمَال لأجزيتها، وَأَنَّهَا ترجع إِلَى أصل مَعْقُول الْمَعْنى، وَلَوْلَا ذَلِك لم يكن لسؤالهم وَلَا لجواب النَّبِي ﷺ بِالِاعْتِبَارِ بِأَصْل وَاضح - وَجه، وَقَوْلِي هَذَا نَظِير مَا قَالَه الْفُقَهَاء فِي حَدِيث، " لَو كَانَ على أَبِيك دين أَكنت قاضيه؟ قَالَ نعم قَالَ فدين الله أَحَق أَن يقْضِي " من أَنه يدل على أَن الْأَحْكَام معلقَة بأصول
стр. 161
كُلية
وَحَاصِل السُّؤَال أَن الصَّدقَات ترجع إِلَى تَهْذِيب النَّفس كالتسبيح والتهليل وَالتَّكْبِير أَو إِقَامَة الْمصلحَة فِي نظام الْمَدِينَة، وَأَن السَّيِّئَات ترجع إِلَى أضداد هَاتين. وَقَضَاء شَهْوَة الْفرج اتِّبَاع لداعية البهيمية، وَلَا يعقل فِيهِ مصلحَة زَائِدَة على الْعَادَات أَو نَحْو ذَلِك مِمَّا يرجع إِلَى معرفَة كُلية واستغراب رُجُوع الْمَسْأَلَة إِلَيْهَا.
وَحَاصِل الْجَواب أَن جماع الحليلة يحصن فرجهَا وفرجه، وَفِيه خلاص مِمَّا يكون قَضَاء الشَّهْوَة فِي غير محلهَا اقتحاما فِيهِ.
وللترغيب والترهيب طرق: وَلكُل طَرِيقه سر، وَنحن ننبهك على مُعظم تِلْكَ الطّرق.
فَمِنْهَا بَيَان الْأَثر الْمُتَرَتب على الْعَمَل الَّذِي تهذب النَّفس من انكسار إِحْدَى القوتين أَو غلبتها وظهورها، ولسان الشَّارِع أَن يعبر عَن ذَلِك بكتابه الْحَسَنَات ومحو السَّيِّئَات كَقَوْلِه ﷺ : " من قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ الْملك وَله الْحَمد وَهُوَ على كل شَيْء قدير فِي يَوْم مائَة مرّة كَانَ لَهُ عدل عشر رِقَاب، وَكتب لَهُ مائَة حَسَنَة، ومحيت عَنهُ مائَة سَيِّئَة، وَكَانَت لَهُ حرْزا من الشَّيْطَان يَوْمه ذَلِك حَتَّى يُمْسِي، وَلم يَأْتِ أحد بِأَفْضَل مِمَّا جَاءَ بِهِ إِلَّا رجل عمل أَكثر مِنْهُ " وَقد ذكرنَا سره فِيمَا سبق.
وَمِنْهَا بَيَان أَثَره فِي الْحِفْظ عَن الشَّيْطَان وَغَيره كَقَوْلِه ﷺ " وَكَانَ فِي حرز من الشَّيْطَان حَتَّى يُمْسِي " وَقَوله ﷺ " لَا يستطيعها البطلة " أَو توسيع الرزق وَظُهُور الْبركَة وَنَحْو ذَلِك، والسر فِي بعض ذَلِك أَنه طلب من الله السَّلامَة، وَهُوَ سَبَب أَن يُسْتَجَاب دعاؤه، وَهُوَ قَوْله ﷺ رَاوِيا عَن الله ﵎: " وَلَئِن استعاذني لأعيذنه، وَلَئِن سَأَلَني لأعطينه " وَفِي الْبَعْض الآخر إِن الغوص فِي ذكر الله والتوجه إِلَى الجبروت والاستمداد من الملكوت يقطع الْمُنَاسبَة بهؤلاء، وَإِنَّمَا التَّأْثِير بالمناسبة، وَفِي الْبَعْض الآخر أَن الْمَلَائِكَة تدعوا لمن كَانَ على هَذِه الْحَالة، فَيدْخل فِي شراج كَثِيرَة، فَتَارَة فِي جلب نفع، وَتارَة فِي دفع ضَرَر. وَمِنْهَا بَيَان أَثَره فِي الْمعَاد، وسره ينْكَشف بمقدمتين.
إِحْدَاهمَا أَن الشَّيْء لَا يحكم عَلَيْهِ بِكَوْنِهِ سَببا للثَّواب أَو الْعَذَاب فِي الْمعَاد حَتَّى يكون لَهُ مُنَاسبَة بِأحد سببي المجازاة،
стр. 162
إِمَّا أَن يكون لَهُ دخل فِي الْأَخْلَاق الْأَرْبَعَة المبنية عَلَيْهَا السَّعَادَة وتهذيب النَّفس إِثْبَاتًا أَو نفيا، وَهِي النَّظَافَة والخشوع لرب الْعَالمين، وسماحة النَّفس، وَالسَّعْي فِي إِقَامَة الْعدْل بَين النَّاس، أَو يكون لَهُ دخل فِي تمشية مَا أجمع الْمَلأ الْأَعْلَى على تمشيته من التَّمْكِين للشرائع والنصرة للأنبياء ﵈ إِثْبَاتًا أَو نفيا، وَمعنى الْمُنَاسبَة أَن يكون الْعَمَل مَظَنَّة لوُجُود هَذَا الْمَعْنى أَو متلازما لَهُ فِي الْعَادة أَو طَرِيقا إِلَيْهِ، كَمَا أَن كَونه يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ لَا يحدث فيهمَا نَفسه مَظَنَّة الاخبات وتذكر جلال الله والترقي من حضيض البهيمية، وكما أَن إسباغ الْوضُوء طَرِيق إِلَى النَّظَافَة
المؤثرة فِي النَّفس، وكما أَن بذل المَال الخطير الَّذِي يشح بِهِ عَادَة وَالْعَفو عَمَّن ظلم وَترك المراء فِيمَا هُوَ حق لَهُ مَظَنَّة لسماحه النَّفس ومتلازم لَهَا، وكما أَن إطْعَام الجائع وَسقي الظمآن وَالسَّعْي فِي إطفاء ثائرة الْحَرْب من بَين الْأَحْيَاء مَظَنَّة إصْلَاح الْعَالم وَطَرِيق إِلَيْهِ، وكما أَن حب الْعَرَب طَرِيق إِلَى التزيى بزيهم، وَذَلِكَ طَرِيق عطف إِلَى الْأَخْذ بالملة الحنيفية، لِأَنَّهَا تشخصت فِي عاداتهم وتنويه بِأَمْر الشَّرِيعَة المصطفوية، وكما أَن الْمُحَافظَة على تَعْجِيل الْفطر تبَاعد عَن اخْتِلَاط الْملَل وتحريفها، وَمَا زَالَت طوائف النَّاس من الْحُكَمَاء وَهل الصناعات والأطباء يديرون الْأَحْكَام على مظانها، وَمَا زَالَ الْعَرَب جارين على ذَلِك فِي خطبهم ومحاوراتهم، وَقد ذكرنَا بعض ذَلِك ... ، أَو يكون عملا شاقا أَو خاملا أَو غير مُوَافق للطبيعة لَا يَقْصِدهُ، وَلَا يقدم عَلَيْهِ إِلَّا المخلص حق الْإِخْلَاص، فَيصير شرحا لإخلاصه كالتضلع من مَاء زَمْزَم وكحب عَليّ ﵁ فَإِنَّهُ كَانَ شَدِيدا فِي أَمر الله وكحب الْأَنْصَار فَإِنَّهُ لم تزل الْعَرَب المعدية واليمينية متباعضين فِيمَا بَينهم حَتَّى ألفهم الْإِسْلَام، فالتأليف معرف لدُخُول بشاشة الْإِسْلَام فِي الْقلب وكالطلوع على الْجَبَل والسهر فِي حراسة جيوش الْمُسلمين فَإِنَّهُ معرف لصدق عزيمته فِي إعلاء كلمة الله وَحب دينه.
الْمُقدمَة الثَّانِيَة أَن الْإِنْسَان إِذا مَاتَ وَرجع إِلَى نَفسه وَإِلَى هيآتها الَّتِي انصبغت بهَا، الملائمة لَهَا، والمنافرة إِيَّاهَا - لَا بُد أَن تظهر صُورَة التألم والتنعم بأقرب مَا هُنَالك، وَلَا اعْتِبَار فِي ذَلِك للملازمة الْعَقْلِيَّة، بل لنَوْع آخر من الْمُلَازمَة لأَجلهَا يجر بعض حَدِيث
стр. 163
النَّفس بَعْضًا، وعَلى حسبها يَقع تشبح الْمعَانِي فِي الْمَنَام كَمَا يظْهر منع الْمُؤَذّن النَّاس عَن الْجِمَاع وَالْأكل بِصُورَة الْخَتْم على الْفروج والأفواه، ثمَّ إِن فِي عَالم الْمِثَال مناسبات تبنى عَلَيْهَا الْأَحْكَام، فَمَا ظهر جِبْرِيل فِي صُورَة دحْيَة دون غَيره إِلَّا لِمَعْنى، وَلَا ظَهرت النَّار
على مُوسَى ﵇ إِلَّا لِمَعْنى، فالعارف بِتِلْكَ المناسبات يعلم أَن جَزَاء هَذَا الْعَمَل فِي أَي صُورَة يكون، كَمَا أَن الْعَارِف بِتَأْوِيل الرُّؤْيَا يعرف أَنه أَي معنى ظهر فِي صُورَة مَا رَآهُ.
وَبِالْجُمْلَةِ فَمن هَذَا الطَّرِيق يعلم النَّبِي ﷺ أَن الَّذِي يكتم الْعلم، ويكف نَفسه عَن التَّعْلِيم عِنْد الْحَاجة إِلَيْهِ يعذب بلجام من نَار، لِأَنَّهُ تألمت النَّفس بالكف، واللجام شبح الْكَفّ وَصورته، وَالَّذِي يحب المَال، وَلَا يزَال يتَعَلَّق بِهِ خاطره يطوق بِشُجَاعٍ أَقرع، وَالَّذِي يتعانى فِي حفظ الدَّرَاهِم وَالدَّنَانِير والأنعام، ويحوط بهَا عَن الْبَذْل لله يعذب بِنَفس تِلْكَ الْأَشْيَاء على مَا تقرر عِنْدهم من وَجه التأذي، وَالَّذِي يعذب نَفسه بحديدة أَو سم، وَيُخَالف أَمر الله بذلك يعذب بِتِلْكَ الصُّورَة، وَالَّذِي يكسو الْفَقِير يكسى يَوْم الْقِيَامَة من سندس الْجنَّة، وَالَّذِي يعْتق مُسلما ويفك رقبته عَن آفَة الرّقّ الْمُحِيط بِهِ يعْتق بِكُل عُضْو مِنْهُ عُضْو مِنْهُ من النَّار.
وَمِنْهَا تَشْبِيه ذَلِك الْعَمَل بِمَا تقرر فِي الأذهان حسنه أَو قبحه، أما من جِهَة الشَّرْع أَو الْعَادة وَفِي ذَلِك لَا بُد من أَمر جَامع بَين الشَّيْئَيْنِ مُشْتَرك بَينهمَا وَلَو بِوَجْه من الْوُجُوه، كَمَا شبه المرابط فِي الْمَسْجِد بعد صَلَاة الصُّبْح إِلَى طُلُوع الشَّمْس بِصَاحِب حجَّة وَعمرَة، وَشبه الْعَائِد فِي هِبته بالكلب الْعَائِد فِي قيئه، ونسبته إِلَى المحبوبين أَو المبغوضين، وَالدُّعَاء لفَاعِله أَو عَلَيْهِ، وكل ذَلِك يُنَبه على حَال الْعَمَل إِجْمَالا من غير تعرض لوجه الْحسن أَو الْقبْح كَقَوْل الشَّارِع: تِلْكَ صَلَاة الْمُنَافِق، وَلَيْسَ منا من فعل كَذَا، وَهَذَا الْعَمَل عمل
الشَّيَاطِين أَو عمل الْمَلَائِكَة، ورحم الله أمرءاً فعل كَذَا وَكَذَا " وَنَحْو هَذِه الْعبارَات.
وَمِنْهَا حَال الْعَمَل فِي كَونه مُتَعَلقا لرضا الله أَو سخطه وسببا لانعطاف دَعْوَة الْمَلَائِكَة إِلَيْهِ أَو عَلَيْهِ كَقَوْل الشَّارِع - إِن الله يحب كَذَا وَكَذَا، وَيبغض كَذَا وَكَذَا - وَقَوله ﷺ " إِن الله تَعَالَى وَمَلَائِكَته يصلونَ على ميامن الصُّفُوف " وَقد ذكرنَا سره، وَالله أعلم.
стр. 164
(بَاب طَبَقَات الْأمة بِاعْتِبَار الْخُرُوج إِلَى الْكَمَال الْمَطْلُوب أَو ضِدّه)
وَالْأَصْل فِي هَذَا الْبَاب قَوْله تَعَالَى فِي سُورَة الْوَاقِعَة: ﴿وكنتم أَزْوَاجًا ثَلَاثَة فأصحاب الميمنة مَا أَصْحَاب الميمنة وَأَصْحَاب المشئمة مَا أَصْحَاب المشئمة وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولَئِكَ المقربون﴾ . إِلَى آخر السُّورَة.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿ثمَّ أَوْرَثنَا الْكتاب الَّذين اصْطَفَيْنَا من عبادنَا فَمنهمْ ظَالِم لنَفسِهِ وَمِنْهُم مقتصد وَمِنْهُم سَابق بالخيرات بِإِذن الله ذَلِك هُوَ الْفضل الْكَبِير﴾ .
قد علمت أَن أَعلَى مَرَاتِب النُّفُوس هِيَ نفوس المفهمين وَقد ذَكرنَاهَا، وَيَتْلُو المفهمين جمَاعَة تسمى بالسابقين، وهم جِنْسَانِ: جنس أَصْحَاب اصْطِلَاح وعلو كَانَ استعدادهم كاستعداد المفهمين فِي تلقي تِلْكَ الكمالات إِلَّا أَن السَّعَادَة لم تبلغ بهم مبلغهم، فَكَانَ استعدادهم كالنائم يحْتَاج إِلَى من يوقظه، فَلَمَّا أيقظه أَخْبَار الرُّسُل أَقبلُوا على مَا يُنَاسب استعدادهم من تِلْكَ الْعُلُوم مُنَاسبَة
خُفْيَة فِي بَاطِن نُفُوسهم، فصاروا كالمجتهدين فِي الْمَذْهَب، وَصَارَ إلهامهم أَن يتلقوا من الإلهام الْجملِي الْكُلِّي الَّذِي توجه إِلَى نُفُوسهم بِمَا يشملهم من الاستعداد فِي حَظِيرَة الْقُدس، وَهُوَ الْأَمر الْمُشْتَرك فِي أَكْثَرهم، وَترْجم عَنهُ الرُّسُل.
وجنس أَصْحَاب تجاذب وعلو، ساقهم سائق التَّوْفِيق إِلَى رياضات وتوجهات قهرت بهيمتهم، فآتاهم الْحق كمالا علميا، وصاروا على بَصِيرَة من أَمرهم فَكَانَت لَهُم وقائع إلهية وإرشاد وإشراق مثل أكَابِر طرق الصُّوفِيَّة، وَيجمع السَّابِقين أَمْرَانِ: أَحدهمَا أَنهم يستفرغون طاقتهم فِي التَّوَجُّه إِلَى الله والتقرب مِنْهُ، وَثَانِيهمَا أَن جبلتهم قَوِيَّة فتمثل الملكات الْمَطْلُوبَة عِنْدهم على وَجههَا من غير نظر إِلَى أشباح لَهَا، وَإِنَّمَا يَحْتَاجُونَ إِلَى الأشباح شرحا لتِلْك الملكات وتوسلا بهَا إِلَيْهَا. .، مِنْهُم المفردون المتوجهون إِلَى الْغَيْب طرح الذّكر عَنْهُم أثقالهم ... ، وَالصِّدِّيقُونَ المتميزون عَن سَائِر النَّاس بِشدَّة انقياد الْحق والتجرد لَهُ ... ، وَالشُّهَدَاء الَّذين أخرجُوا للنَّاس، وَحل فيهم صبغ الْمَلأ الْأَعْلَى من لعن الْكَافرين وَالرِّضَا عَن الْمُؤمنِينَ وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر وإعلاء الْملَّة بِوَاسِطَة النَّبِي ﷺ ، فَإِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة قَامُوا يُخَاصِمُونَ الْكَفَرَة، وَيشْهدُونَ عَلَيْهِم، وهم بِمَنْزِلَة أَعْضَاء النَّبِي ﷺ فِي بعثته بهم ليكمل الْأَمر المُرَاد فِي الْبعْثَة، وَلذَلِك وَجب تَفْضِيلهمْ على غَيرهم وتوقيرهم ... ،
стр. 165
والراسخون فِي الْعلم أولو ذكاء وعقل لما سمعُوا من النَّبِي ﷺ الْعلم وَالْحكمَة صَادف ذَلِك مِنْهُم اسْتِعْدَادًا فَصَارَ يمد لَهُم فِي باطنهم فهم مَعَاني كتاب الله على وَجههَا، وَإِلَيْهِ أَشَارَ عَليّ ﵁ حَيْثُ قَالَ - أَو فهم أعْطِيه رجل مُسلم ... ،
والعباد الَّذين أدركوا فَوَائِد الْعِبَادَة عيَانًا، وانصبغت نُفُوسهم بأنوارها، وَدخلت فِي صميم أفئدتهم فهم يعْبدُونَ الله على بَصِيرَة من أَمرهم ... ، والزهاد الَّذين أيقنوا بالمعاد وَبِمَا هُنَالك من اللَّذَّة فاستحقروا فِي جنبها لَذَّة الدُّنْيَا وَصَارَ النَّاس عِنْدهم كأباعير الْإِبِل ... ، والمستعدون لخلافة الْأَنْبِيَاء ﵈ مِمَّن يعْبدُونَ الله تَعَالَى بِخلق الْعَدَالَة، فيصرفونه فِيمَا أَمر الله تَعَالَى ... ، وَأَصْحَاب الْخلق الْحسن أَعنِي أهل السماحة من الْجُود والتواضع وَالْعَفو عَمَّن ظلم. .، والمتشبهون بِالْمَلَائِكَةِ والمخالطون بهم، كَمَا يذكر أَن بعض الصَّحَابَة كَانَ يسلم عَلَيْهِم الْمَلَائِكَة.
وَلكُل فرقة من هَذِه الْفرق استعداد جبلي يَقْتَضِي كَمَاله بتيقظ بأخبار الْأَنْبِيَاء ﵈ واستعداد كسبي يتهيأ بِأخذ للشرائع فيهمَا يحصل كَمَا لَهُم، وَمن كَانَ من المفهمين لم يبْعَث إِلَى الْخلق فَإِنَّهُ يعد فِي الشَّرَائِع من السَّابِقين، وَيَتْلُو السَّابِقين جمَاعَة تسمى بأصحاب الْيَمين، وهم أَجنَاس:
جنس نُفُوسهم قريبَة المأخذ من السَّابِقين لم يوفقوا لتكميل مَا جبلوا لَهُ، فاقتصروا على الأشباح دون الْأَرْوَاح لكِنهمْ لَيْسُوا بأجنبيين مِنْهَا،
وجنس أَصْحَاب النجاذب نُفُوسهم ضَعِيفَة الملكية قَوِيَّة البهيمية وفقوا لرياضات شاقة، فأثمرت فيهم مَا للملأ السافل أَو ضَعِيفَة البهيمية استهتروا بِذكر الله تَعَالَى فترشح عَلَيْهِم إلهامات جزئية وَتعبد وتطهر جزئيان.
وجنس أهل الِاصْطِلَاح ضَعِيفَة الملكية جدا عضوا على الرياضات الشاقة إِن كَانُوا قويي البهيمية، أَو الْأَوْلَاد الدائمة إِن كَانُوا ضعيفيها فَلم يُثمر ذَلِك لَهُم شَيْئا من الانكشاف لَكِن دخلت الْأَعْمَال والهيآت الَّتِي هِيَ أشباح الملكات الْحَسَنَة فِي جذر نُفُوسهم، وَكثير مِنْهُم لَا يشْتَرط فِي عمله الْإِخْلَاص التَّام والتبري من مُقْتَضى الطَّبْع وَالْعَادَة
стр. 166
بِالْكُلِّيَّةِ فيتصدقون بنية ممتزجة من دقة الطَّبْع ورجاء الثَّوَاب وَيصلونَ لجَرَيَان سنة قَومهمْ على ذَلِك ولرجاء الثَّوَاب،
ويمتنعون من الزِّنَا وَشرب الْخمر خوفًا من الله وخوفا من النَّاس أَو لَا يَسْتَطِيعُونَ اتِّبَاع العشيقات وَلَا بذل الْأَمْوَال فِي الملاهي، فَيقبل مِنْهُم ذَلِك بِشَرْط أَن تضعف قُلُوبهم عَن الْإِخْلَاص الصّرْف، وَأَن تتمسك نُفُوسهم بِالْأَعْمَالِ أَنْفسهَا لَا بِمَا هِيَ شُرُوح للملكات. وَكَانَ فِي الْحِكْمَة الأولى - إِن من الْحيَاء خيرا وَمِنْه ضعفا - فَقَالَ النَّبِي ﷺ : " الْحيَاء خير كُله " يُنَبه على مَا ذكرنَا، وَكثير مِنْهُم يَبْرق عَلَيْهِم بارقة ملكية فِي أَوْقَات يسيرَة، فَلَا يكون ملكة لَهُم، وَلَا يكونُونَ أجنبيين عَنْهَا كالمستغفرين اللوامين أنفسهم، وكالذي يذكر الله خَالِيا وفاضت عَيناهُ، وكالذي لَا تمسك نَفسه الشَّرّ لضعف فِي جبلته إِنَّمَا قلبه كقلب الطير أَو لتحلل طَارِئ على مزاجه كالمبطون وَأهل المصائب كفرت بلاياهم خطاياهم.
وَبِالْجُمْلَةِ فأصحاب الْيَمين فقدوا إِحْدَى خصلتي السَّابِقين، وحصلوا الْأُخْرَى، وبعدهم جمَاعَة تسمى بأصحاب الْأَعْرَاف وهم جِنْسَانِ:
قوم صحت أمزجتهم، وزكت فطرتهم، وَلم تبلغهم الدعْوَة الإسلامية أصلا أَو بلغتهم، وَلَكِن بِنَحْوِ لَا تقوم بِهِ الْحجَّة، وَلَا تَزُول بِهِ الشُّبْهَة فنشأوا غير منهمكين فِي الملكات الخسيسة والأعمال المردية وَلَا ملتفتين إِلَى جناب الْحق لَا نفيا، وَلَا إِثْبَاتًا، كَانَ أَكثر أَمرهم الِاشْتِغَال بالارتفاقات العاجلة، فَأُولَئِك إِذا مَاتُوا رجعُوا إِلَى حَالَة عمياء لَا إِلَى عَذَاب، وَلَا إِلَى ثَوَاب حَتَّى تَنْفَسِخ بهيمتهم، فيبرق عَلَيْهِم شَيْء من بوارق الملكية.
وَقوم نقصت عُقُولهمْ كأكثر الصّبيان والمعتوهين والفلاحين والأرقاء، وَكثير يزعمهم النَّاس أَنهم لَا بَأْس بهم، وَإِذا نقح حَالهم عَن الرسوم بقوا لَا عقل لَهُم، فَأُولَئِك يَكْتَفِي من إِيمَانهم بِمثل مَا اكْتفى رَسُول الله ﷺ من الْجَارِيَة السَّوْدَاء سَأَلَهَا " أَيْن الله " فَأَشَارَتْ إِلَى السَّمَاء، إِنَّمَا يُرَاد مِنْهُم أَن يتشبهوا بِالْمُسْلِمين لِئَلَّا تتفرق الْكَلِمَة.
أما الَّذين نشأوا منهمكين فِي الرذائل والتفتوا إِلَى جناب الْحق على غير الْوَجْه الَّذِي يَنْبَغِي أَن يكون، فهم أهل الْجَاهِلِيَّة يُعَذبُونَ بأصناف الْعَذَاب ... ، وبعدهم جمَاعَة تسمى بالمنافقين نفاق الْعَمَل، وهم أَجنَاس لم تبلغ بهم السَّعَادَة إِلَى وجود الْكَمَال الْمَأْمُور بِهِ على مَا هُوَ عَلَيْهِ، إِمَّا غلب عَلَيْهِم حجاب الطبيعة، ففنوا فِي ملكة رذيلة مثل شَره الطَّعَام وَالنِّسَاء والحقد مَا وضعت عَنْهُم
стр. 167
طاعتهم أوزارهم، أَو حجاب الرَّسْم، فَلَا يكادون يسمحون بترك رسوم الْجَاهِلِيَّة وَلَا بمهاجرة الأخوان والأوطان، أَو حجاب سوء الْمعرفَة مثل المتشبهة وَالَّذين أشركوا بِاللَّه عبَادَة أَو استعانة شركا خفِيا زاعمين أَن الشّرك الْمُبْغض غير مَا يَفْعَلُونَهُ، وَذَلِكَ فِيمَا لم تنص فِيهِ الْملَّة، وَلم يكْشف عَنهُ الغطاء، وَمِنْهُم أولو ضعف وسماجة وَأهل مجون وسخافة، لم ينفع حب الله وَحب رَسُوله فيهم التبري عَن الْمعاصِي كقصة من كَانَ يشرب الْخمر، وَكَانَ يحب الله وَرَسُوله بِشَهَادَة النَّبِي ﷺ ... ، وَجَمَاعَة تسمى بالفاسقين وهم الَّذين يغلب عَلَيْهِم أَعمال السوء أَكثر من الملكات الرذيلة، مِنْهُم أَصْحَاب بهيمية شَدِيدَة انْدَفَعُوا إِلَى مقتضيات السبعية والبهيمية، وَمِنْهُم أولو أمزجة فَاسِدَة وآراء كاسدة بِمَنْزِلَة الْمَرِيض الَّذِي يحب أكل الطين وَالْخبْز المحترق، فصاروا يندفعون إِلَى الشيطنة ... ، وبعدهم الْكفَّار وهم المردة المتمردة أَبَوا أَن يَقُولُوا لَا إِلَه إِلَّا الله مَعَ تَمام عقلهم وَصِحَّة التَّبْلِيغ إِلَيْهِم، أَو ناقضوا إِرَادَة الْحق فِي تمشية أَمر الْأَنْبِيَاء ﵈، فصدوا عَن سَبِيل الله، واطمأنوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَلم يلتفتوا إِلَى مَا بعْدهَا، فَأُولَئِك يلعنون لعنا مُؤَبَّدًا، ويسجنون سجنا مخلدا، وَمِنْهُم أهل الْجَاهِلِيَّة، وَمِنْهُم الْمُنَافِق الَّذِي آمن بِلِسَانِهِ، وَقَلبه بَاقٍ على الْكفْر الْخَالِص، وَالله أعلم.
(بَاب الْحَاجة إِلَى دين ينْسَخ الْأَدْيَان)
استقرئ الْملَل الْمَوْجُودَة على وَجه الأَرْض، هَل ترى من تفَاوت عَمَّا أَخْبَرتك فِي الْأَبْوَاب السَّابِقَة؟ كلا وَالله، بل الْملَل كلهَا لَا تَخْلُو من اعْتِقَاد صدق صَاحب الْملَّة وتعظيمه، وَأَنه كَامِل مُنْقَطع النظير لما رَأَوْا مِنْهُ من الاسْتقَامَة فِي الطَّاعَات أَو ظُهُور الخوارق واستجابة الدَّعْوَات، وَمن الْحُدُود والشرائع والمزاجر مِمَّا لَا تنتظم الْملَّة بغَيْرهَا، ثمَّ بعد ذَلِك أُمُور تفِيد الِاسْتِطَاعَة الميسرة مِمَّا ذكرنَا وَمِمَّا يضاهيه، وَلكُل قوم سنة وَشَرِيعَة يتبع فِيهَا عَادَة أوائلهم، ويختار فِيهَا سيرة حَملَة الْملَّة
стр. 168
وأئمتها، ثمَّ أحكم بنيانها، وشدد أَرْكَانهَا حَتَّى صَار أَهلهَا ينصرونها، ويتناضلون دونهَا، ويبذلون الْأَمْوَال والمهج لأَجلهَا، وَمَا ذَلِك إِلَّا لتدبيرات محكمَة ومصالح متقنة لَا تبلغها نفوس الْعَامَّة.
وَلما انفرز كل قوم بِملَّة، وانتحلوا سننا وطرائق، ونافحوا دونهَا بألسنتهم، وقاتلوا عَلَيْهَا بأسنتهم، وَوَقع فيهم الْجور، إِمَّا لقِيَام من لَا يسْتَحق إِقَامَة الْملَّة بهَا، أَو لاختلاط الشَّرَائِع الابتداعية، ودسها فِيهَا، أَو لتهاون حَملَة الْملَّة، فأهملوا كثيرا مِمَّا يَنْبَغِي، فَلم تبْق إِلَّا دمنة لم تَتَكَلَّم من أم أوفى، وَلَا مت كل مِلَّة أُخْتهَا، وَأنْكرت عَلَيْهَا، وقاتلها، واختفى الْحق - مست الْحَاجة إِلَى إِمَام رَاشد يُعَامل مَعَ الْملَل مُعَاملَة الْخَلِيفَة الراشد مَعَ الْمُلُوك الجائرة.
وَلَك عِبْرَة فِيمَا ذكره ناقل كتاب الكليلة والدمنة من الْهِنْدِيَّة إِلَى الفارسية من اخْتِلَاط الْملَل، وَأَنه أَرَادَ أَن يتَحَقَّق الصَّوَاب فَلم يقدر إِلَّا على شَيْء يسير، وَفِيمَا ذكره أهل التَّارِيخ من حَال الْجَاهِلِيَّة واضطراب أديانهم.
وَهَذَا الإِمَام الَّذِي يجمع الْأُمَم على مِلَّة وَاحِدَة يحْتَاج إِلَى أصُول أُخْرَى غير الْأُصُول الْمَذْكُورَة فِيمَا سبق.
مِنْهَا أَن يَدْعُو قوما إِلَى السّنة الراشدة، ويزكيهم، وَيصْلح شَأْنهمْ، ثمَّ يتخذهم بِمَنْزِلَة جوارحه، فيجاهد أهل الأَرْض، ويفرقهم فِي الْآفَاق، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿كُنْتُم خير أمة أخرجت لناس﴾ .
وَذَلِكَ لِأَن هَذَا الإِمَام نَفسه لَا يَتَأَتَّى مِنْهُ مجاهدة أُمَم غير محصورة، وَإِذا كَانَ كَذَلِك وَجب أَن تكون مَادَّة شَرِيعَته مَا هُوَ بِمَنْزِلَة الْمَذْهَب الطبيعي لأهل الأقاليم الصَّالِحَة عربهم وعجمهم، ثمَّ مَا عِنْد قومه من الْعلم والارتفاقات، ويراعى فيهم حَالهم أَكثر من غَيرهم، ثمَّ يحمل النَّاس جَمِيعًا على اتِّبَاع تِلْكَ الشَّرِيعَة لِأَنَّهُ لَا سَبِيل إِلَى أَن يُفَوض الْأَمر إِلَى كل قوم أَو إِلَى أَئِمَّة كل عصر، إِذْ لَا يحصل مِنْهُ فَائِدَة التشريع أصلا، وَلَا إِلَى أَن ينظر مَا عِنْد كل قوم، ويمارس كلا مِنْهُم، فَيجْعَل لكل شَرِيعَة؛ إِذْ الْإِحَاطَة بعاداتهم وَمَا عِنْدهم على اخْتِلَاف بلدانهم وتباين أديانهم كالممتنع، وَقد عجز جُمْهُور الروَاة عَن رِوَايَة شَرِيعَة وَاحِدَة، فَمَا ظَنك بشرائع مُخْتَلفَة، وَالْأَكْثَر أَنه لَا يكون انقياد الآخرين إِلَّا بعد عدد ومدد لَا يطول عمر النَّبِي إِلَيْهَا، كَمَا وَقع فِي الشَّرَائِع الْمَوْجُودَة الْآن فَإِن الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَالْمُسْلِمين مَا آمن من أوائلهم إِلَّا جمع، ثمَّ أَصْبحُوا ظَاهِرين بعد ذَلِك فَلَا أحسن وَلَا أيسر
стр. 169
من أَن يعْتَبر فِي الشعائر وَالْحُدُود والارتفاقات عَادَة قومه الْمَبْعُوث فيهم، وَلَا يضيق كل التَّضْيِيق على الآخرين الَّذين يأْتونَ بعد، وَيبقى عَلَيْهِم فِي الْجُمْلَة، والأولون يَتَيَسَّر لَهُم الْأَخْذ بِتِلْكَ الشَّرِيعَة بِشَهَادَة قُلُوبهم وعاداتهم، وَالْآخرُونَ يَتَيَسَّر لَهُم ذَلِك بالرغبة فِي سير أَئِمَّة الْملَّة وَالْخُلَفَاء، فَإِنَّهَا كالأمر الطبيعي لكل قوم فِي كل عصر قَدِيما أَو حَدِيثا.
والأقاليم الصَّالِحَة لتولد الأمزجة المعتدلة كَانَت مَجْمُوعَة تَحت ملكَيْنِ كبيرين يَوْمئِذٍ:
أَحدهمَا كسْرَى - وَكَانَ متسلطا على الْعرَاق واليمن وخراسان وماوليهما، وَكَانَت مُلُوك مَا وَرَاء النَّهر والهند تَحت حكمه يجبي إِلَيْهِ مِنْهُم الْخراج كل سنة،
وَالثَّانِي قَيْصر، وَكَانَ متسلطا على الشَّام وَالروم، وماوليهما، وَكَانَ مُلُوك مصر وَالْمغْرب والإفريقية تَحت حكمه يجبي إِلَيْهِ مِنْهُم الْخراج.
وَكَانَ كسر دولة هذَيْن الْملكَيْنِ والتسلط على ملكهمَا بِمَنْزِلَة الْغَلَبَة على جَمِيع الأَرْض، وَكَانَت عاداتهم فِي الترفه سَارِيَة فِي جَمِيع الْبِلَاد الَّتِي هِيَ تَحت حكمهمَا، وَتغَير تِلْكَ الْعَادَات، وصدهم عَنْهَا مفضيا فِي الْجُمْلَة إِلَى تَنْبِيه جَمِيع الْبِلَاد على ذَلِك وَإِن اخْتلفت أُمُورهم بعده، وَقد ذكر الهرمزان شَيْئا من ذَلِك حِين استشاره عمر ﵁ فِي غزَاة الْعَجم، أما سَائِر النواحي الْبَعِيدَة عَن اعْتِدَال المزاج، فَلَيْسَ بهَا كثير اعْتِدَاد فِي الْمصلحَة الْكُلية وَلذَلِك قَالَ النَّبِي ﷺ : " اتْرُكُوا التّرْك مَا تركوكم، ودعوا الْحَبَشَة مَا ودعوكم ".
وَبِالْجُمْلَةِ فَلَمَّا أَرَادَ الله تَعَالَى إِقَامَة الْملَّة العوجاء، وَأَن يخرج للنَّاس أمة تَأْمُرهُمْ بِالْمَعْرُوفِ، وتنهاهم عَن الْمُنكر، وَتغَير رسومهم الْفَاسِدَة كَانَ ذَلِك مَوْقُوفا على زَوَال دولة هذَيْن متيسرا بالتعرض لحالهما فَإِن حَالهمَا يسرى فِي جَمِيع الأقاليم الصَّالِحَة أَو يكَاد يسري فَقضى الله بِزَوَال دولتهما، وَأخْبر النَّبِي ﷺ بِأَن هلك كسْرَى، فَلَا كسْرَى بعده، وَهلك قَيْصر، فَلَا قَيْصر بعده، وَنزل الْحق الدامغ لباطل جَمِيع الأَرْض فِي دمغ بَاطِل الْعَرَب بِالنَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابه، ودمغ بَاطِل هذَيْن الْملكَيْنِ بالعرب، ودمغ سَائِر الْبِلَاد بملتهما، وَللَّه الْحجَّة الْبَالِغَة.
وَمِنْهَا أَن يكون تَعْلِيمه الدّين إيَّاهُم مضموما إِلَى الْقيام بالخلافة الْعَامَّة، وَأَن يَجْعَل الْخُلَفَاء من بعده أهل بَلَده وعشيرته الَّذين نشئوا على تِلْكَ الْعَادَات وَالسّنَن، وَلَيْسَ التكحل فِي الْعَينَيْنِ كالكحل، وَيكون الحمية الدِّينِيَّة فيهم مقرونة بالحمية النسبية، وَيكون علو أَمرهم ونباهة شَأْنهمْ علوا لأمر صَاحب الْملَّة ونباهة لشأنه، وَهُوَ قَوْله ﷺ : " الْأَئِمَّة من قُرَيْش "، ويوصي الْخُلَفَاء بِإِقَامَة الدّين وإشاعته، وَهُوَ قَول أبي بكر الصّديق ﵁: بقاؤكم عَلَيْهِ مَا استقامت بكم أئمتكم.
стр. 170
وَمِنْهَا أَن يَجْعَل هَذَا الدّين غَالِبا على الْأَدْيَان كلهَا، وَلَا يتْرك أحدا إِلَّا قد غليه الدّين بعز عَزِيز أَو ذل ذليل، فينقلب النَّاس ثَلَاث فرق: منقاد للدّين ظَاهرا وَبَاطنا، ومنقاد بِظَاهِرِهِ على رغم أَنفه لَا يَسْتَطِيع التَّحَوُّل عَنهُ، وَكَافِر مهان يسخره فِي الْحَصاد والدياس وَسَائِر الصناعات كَمَا تسخر الْبَهَائِم فِي الْحَرْث وَحمل الاثقال، وَيلْزم عَلَيْهِ سنة زاجرة، وَيُؤْتى الْجِزْيَة عَن يَد وَهُوَ صاغر.
وَغَلَبَة الدّين على الْأَدْيَان لَهَا أَسبَاب:
مِنْهَا إعلان شعائره على شَعَائِر سَائِر الْأَدْيَان، وشعائر الدّين أَمر ظَاهر يخْتَص بِهِ يمتاز صَاحبه بِهِ من سَائِر الْأَدْيَان كالختان وتعظيم الْمَسَاجِد وَالْأَذَان وَالْجُمُعَة وَالْجَمَاعَات.
وَمِنْهَا أَن يقبض على أَيدي النَّاس أَلا يظهروا شَعَائِر سَائِر الْأَدْيَان.
وَمِنْهَا أَلا يَجْعَل الْمُسلمين أكفاء للْكَافِرِينَ فِي الْقصاص والديات وَلَا فِي المناكحات وَلَا فِي الْقيام بالرياسات ليلجئهم ذَلِك إِلَى الْإِيمَان الجاء.
وَمِنْهَا أَن يُكَلف النَّاس بأشباح الْبر والاثم، ويلزمهم ذَلِك إلزاما عَظِيما،
وَلَا يلوح لَهُم بأرواحها كثير تلويح، وَلَا يخيرهم فِي شَيْء من الشَّرَائِع، وَيجْعَل علم أسرار الشَّرَائِع الَّذِي هُوَ مَأْخَذ الْأَحْكَام التفصيلية علما مكنونا لَا يَنَالهُ إِلَّا من ارتسخت قدمه فِي الْعلم، وَذَلِكَ لَان أَكثر الْمُكَلّفين لَا يعْرفُونَ الْمصَالح وَلَا يَسْتَطِيعُونَ مَعْرفَتهَا إِلَّا إِذا ضبطت بالضوابط، وَصَارَت محسوسة يتعاطاها كل متعاط، فَلَو رخص لَهُم فِي ترك شَيْء مِنْهَا، وَبَين أَن الْمَقْصُود الاصلي غير تِلْكَ الأشباح لتوسع لَهُم مَذَاهِب الْخَوْض، وَلَا اخْتلفُوا اخْتِلَافا فَاحِشا وَلم يحصل مَا أَرَادَ الله فيهم، وَالله اعْلَم.
وَمِنْهَا أَنه لما كَانَت الْغَلَبَة بِالسَّيْفِ فَقَط لَا تدفع رين قُلُوبهم، فَعَسَى أَن يرجِعوا إِلَى الْكفْر عَن قَلِيل - وَجب أَن يثبت بِأُمُور برهانية أَو خطابية نافعة فِي أذهان الْجُمْهُور أَن تِلْكَ الاديان لَا يَنْبَغِي أَن تتبع، لِأَنَّهَا غير مأثورة عَن الْمَعْصُوم، أَو أَنَّهَا غير منطبقة على قوانين الْملَّة، أَو أَن فِيهَا تحريفا ووضعا للشَّيْء فِي غير مَوْضِعه، ويصحح ذَلِك على رُءُوس الاشهاد، وَيبين مرجحات الدّين القويم من أَنه سهل سمح، وَأَن حُدُوده وَاضِحَة يعرف الْعقل حسنها، وَأَن لَيْلهَا نَهَارهَا، وَأَن سننها أَنْفَع لِلْجُمْهُورِ وأشبه بِمَا بَقِي عِنْدهم من سيرة الانبياء السَّابِقين ﵈ وأمثال ذَلِك، وَالله أعلم.
стр. 171
(بَاب احكام الدّين من التحريف)
لَا بُد لصَاحب السياسة الْكُبْرَى الَّذِي يَأْتِي من الله بدين ينْسَخ الْأَدْيَان من أَن يحكم دينه من أَن يتطرف إِلَيْهِ تَحْرِيف، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يجمع أمما كَثِيرَة ذَوي استعدادات شَتَّى وأغراض مُتَفَاوِتَة، فكثيرا مَا يحملهم الْهوى أَو حب الدّين الَّذِي كَانُوا عَلَيْهِ سَابِقًا والفهم النَّاقِص حَيْثُ عقلوا شَيْئا، وَغَابَتْ مصَالح كَثِيرَة أَن يهملوا مَا نصت الْملَّة عَلَيْهِ، أَو يدسوا فِيهَا مَا لَيْسَ مِنْهَا، فيختل الدّين، كَمَا قد وَقع فِي كثير من الْأَدْيَان قبلنَا، وَلما لم يُمكن الِاسْتِقْصَاء
فِي معرفَة مدَاخِل الْخلَل فَإِنَّهَا غير محصورة وَلَا متعينة، وَمَا لَا يدْرك كُله لَا يتْرك كُله - وَجب أَن ينذرهم من أَسبَاب التحريف إِجْمَالا أَشد الانذار، ويخص مسَائِل قد علم بالحدس أَن التهاون والتحريف فِي مثلهَا أَو بِسَبَبِهَا دَاء مُسْتَمر فِي بني آدم فيسد مدْخل الْفساد مِنْهَا بأثم وَجه، وَأَن يشرع شَيْئا يُخَالف مألوف الْملَل الْفَاسِدَة فِيمَا هُوَ أشهر الْأَشْيَاء عِنْدهم كالصلوات مثلا.
وَمن أَسبَاب التحريف التهاون وَحَقِيقَته أَن يخلف بعد الحواريين خلف أضاعوا الصَّلَاة، وَاتبعُوا الشَّهَوَات لَا يهتمون باشاعة الدّين تعلما وتعليما وَعَملا، وَلَا يأمرون بِالْمَعْرُوفِ، وَلَا ينهون عَن الْمُنكر، فَينْعَقد عَمَّا قريب رسوم خلاف الدّين، وَتَكون رَغْبَة الطباع خلاف رَغْبَة الشَّرَائِع، فَيَجِيء خلف آخَرُونَ يزِيدُونَ فِي التهاون حَتَّى ينسى مُعظم الْعلم ... ، والتهاون من سادة الْقَوْم وكبرائهم أضرّ بهم وَأكْثر إفسادا. وَبِهَذَا السَّبَب ضَاعَت مِلَّة نوح وَإِبْرَاهِيم ﵉، فَلم يكد يُوجد مِنْهُم من يعرفهَا على وَجههَا، ومبدأ التهاون أُمُور.
مِنْهَا عدم تحمل الرِّوَايَة عَن صَاحب الْملَّة وَالْعَمَل بِهِ، وَهُوَ قَوْله ﷺ : " أَلا يُوشك رجل شبعان على أريكته يَقُول عَلَيْكُم بِهَذَا الْقُرْآن، فَمَا وجدْتُم من حَلَال فأحلوه، وَمَا وجدْتُم مِنْهُ حرَام، فحرموه، وَإِن مَا حرم رَسُول الله كَمَا حرم الله " وَقَوله ﷺ : " أَن الله لَا يقبض الْعلم انتزاعا ينتزعه من النَّاس، وَلَكِن يقبض الْعلم بِقَبض الْعلمَاء حَتَّى إِذا لم يبْق عَالما اتخذ النَّاس رُؤَسَاء جُهَّالًا، فسئلوا فأفتوا بِغَيْر علم، فضلوا، وأضلوا ".
وَمِنْهَا الْأَغْرَاض الْفَاسِدَة الحاملة على التَّأْوِيل الْبَاطِل كَطَلَب مرضاة الْمُلُوك فِي اتباعهم الْهوى لقَوْله تَعَالَى:
стр. 172
﴿إِن الَّذين يكتمون مَا أنزل الله من الْكتاب ويشترون بِهِ ثمنا قَلِيلا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُون فِي بطونهم إِلَّا النَّار﴾ .
وَمِنْهَا شيوع الْمُنْكَرَات وَترك عُلَمَائهمْ النَّهْي عَنْهَا وَهُوَ قَوْله تَعَالَى:
﴿فلولا كَانَ من الْقُرُون من قبلكُمْ ألوا بَقِيَّة ينهون عَن الْفساد فِي الأَرْض إِلَّا قَلِيلا مِمَّا أنجينا مِنْهُم وَاتبع الَّذين ظلمُوا مَا أترفوا فِيهِ وَكَانُوا مجرمين﴾ .
وَقَوله ﷺ لما وَقعت بَنو إِسْرَائِيل فِي الْمعاصِي: " نهتهم علماؤهم، فَلم ينْتَهوا، فجالسوهم فِي مجَالِسهمْ، وآكلوهم، وشاربوهم، فَضرب الله قُلُوب بَعضهم بِبَعْض، ولعنهم على لِسَان دَاوُد وَعِيسَى بن مَرْيَم ذَلِك بِمَا عصوا، وَكَانُوا يعتدون ".
وَمن أَسبَاب التحريف التعمق، وَحَقِيقَته أَن يَأْمر الشَّارِع بِأَمْر وَينْهى عَن شَيْء فيسمعه رجل من أمته، ويفهمه حَسْبَمَا يَلِيق بذهنه، فيعدي الحكم إِلَى مَا يشاكل الشَّيْء بِحَسب بعض الْوُجُوه أَو بعض أَجزَاء الْعلَّة أَو إِلَى أَجزَاء الشَّيْء ومظانه ودواعيه، وَكلما اشْتبهَ عَلَيْهِ الْأَمر لتعارض الرِّوَايَات الْتزم الأشد، ويجعله وَاجِبا، وَيحمل كل مَا فعله النَّبِي ﷺ على الْعِبَادَة، وَالْحق أَنه فعل أَشْيَاء على الْعَادة، فيظن أَن الْأَمر وَالنَّهْي شملا فِي هَذِه الْأُمُور، فيجهر بِأَن الله تَعَالَى أَمر بِكَذَا، وَنهى عَن كَذَا، كَمَا أَن الشَّارِع لما شرع الصَّوْم لقهر النَّفس وَمنع عَن الْجِمَاع فِيهِ ظن قوم أَن السّحُور خلاف الْمَشْرُوع؛ لِأَنَّهُ يُنَاقض قهر النَّفس، وَأَنه يحرم على الصَّائِم قبْلَة امْرَأَته لِأَنَّهَا من دواعي الْجِمَاع، وَلِأَنَّهَا تشاكل الْجِمَاع فِي قَضَاء الشَّهْوَة، فكشف رَسُول الله ﷺ عَن فَسَاد هَذِه المقاملة وَبَين أَنه تَحْرِيف.
وَمِنْهَا التشدد وَحَقِيقَته اخْتِيَار عبادات شاقة لم يَأْمر بهَا الشَّارِع كدوام الصّيام وَالْقِيَام التبتل وَترك التَّزَوُّج، وَأَن يلْتَزم السّنَن والآداب كالتزام الْوَاجِبَات وَهُوَ حَدِيث نهي النَّبِي ﷺ عبد الله بن عَمْرو وَعُثْمَان ابْن مَظْعُون عَمَّا قصدا من الْعِبَادَات الشاقة وَهُوَ قَوْله ﷺ " لن يشاد الدّين أحد إِلَّا غَلبه " فَإِذا صَار هَذَا المتعمق أَو المتشدد معلم قوم وَرَئِيسهمْ ظنُّوا أَن هَذَا أَمر الشَّرْع وَرضَاهُ، وَهَذَا دَاء رُهْبَان الْيَهُود وَالنَّصَارَى.
وَمِنْهَا الِاسْتِحْسَان وَحَقِيقَته أَن يرى رجل الشَّارِع يضْرب لكل حِكْمَة مَظَنَّة مُنَاسبَة، وَيَرَاهُ يعْقد التشريع، فيختلس بعض مَا ذكرنَا من أسرار التشريع، فيشرع للنَّاس حَسْبَمَا عقل من الْمصلحَة. كَمَا أَن الْيَهُود رَأَوْا أَن الشَّارِع إِنَّمَا أَمر بالحدود زجرا عَن الْمعاصِي للاصلاح، وَرَأَوا أَن الرَّجْم يُورث اخْتِلَافا وتقاتلا بِحَيْثُ يكون فِي ذَلِك اشد الْفساد،
стр. 173
واستحسنوا تحميم الْوَجْه وَالْجَلد، فَبين النَّبِي ﷺ أَنه تَحْرِيف ونبذ لحكم الله الْمَنْصُوص بِالتَّوْرَاةِ بآرائهم. عَن ابْن سِيرِين قَالَ: أول من قَاس إِبْلِيس، وَمَا عبدت الشَّمْس وَالْقَمَر إِلَّا بالمقاييس. وَعَن الْحسن أَنه تَلا هَذِه الْآيَة:
﴿خلقتني من نَار وخلقته من طين﴾ .
قَالَ: قَاس إِبْلِيس وَهُوَ أول من قَاس. وَعَن الشّعبِيّ قَالَ: وَالله لَئِن أَخَذْتُم بالمقاييس لتحر من الْحَلَال، ولتحلن الْحَرَام. وَعَن معَاذ بن جبل: يفتح الْقُرْآن على النَّاس حَتَّى يقرأه الْمَرْأَة وَالصَّبِيّ وَالرجل، فَيَقُول الرجل قد قَرَأت الْقُرْآن، فَلم أتبع، وَالله لاقومن بِهِ فيهم لعَلي أتبع، فَيقوم بِهِ فيهم، فَلَا يتبع، فَيَقُول: قد قَرَأت الْقُرْآن فَلم أتبع، وَقد قُمْت بِهِ فيهم، فَلم أتبع
لأحتظرن فِي بَيْتِي مَسْجِدا لعَلي أتبع، فيخظر فِي بَيته مَسْجِدا، فَلَا يتبع، فَيَقُول: قد قَرَأت الْقُرْآن، فَلم أتبع، وَقمت بِهِ فيهم، فَلم أتبع، وَقد احتظرت فِي بَيْتِي مَسْجِدا، فَلم أتبع، وَالله لآتينهم بِحَدِيث لَا يجدونه فِي كتاب الله وَلم يسمعوه عَن رَسُول الله ﷺ لعَلي أتبع قَالَ معَاذ: فاياكم وَمَا جَاءَ بِهِ فَإِن مَا جَاءَ بِهِ ضَلَالَة، وَعَن عمر ﵁ قَالَ: يهدم الاسلام زلَّة الْعَالم وجدال الْمُنَافِق بِالْكتاب وَحكم الْأَئِمَّة المضلين، وَالْمرَاد بِهَذَا كُله مَا لَيْسَ استنباطا من كتاب الله وَسنة رَسُوله.
وَمِنْهَا اتِّبَاع الْإِجْمَاع وَحَقِيقَته أَن يتَّفق قوم من حَملَة الْملَّة الَّذين اعْتقد الْعَامَّة فيهم الْإِصَابَة غَالِبا أَو دَائِما على شَيْء فيظن أَن ذَلِك دَلِيل قَاطع عَن ثُبُوت الحكم، وَذَلِكَ فِيمَا لَيْسَ لَهُ أصل من الْكتاب وَالسّنة، وَهَذَا غير الْإِجْمَاع الَّذِي اجْتمعت الْأمة عَلَيْهِ فَإِنَّهُم اتَّفقُوا على القَوْل بِالْإِجْمَاع الَّذِي مُسْتَنده الْكتاب وَالسّنة أَو الاستنباط من أَحدهمَا وَلم يجوزوا القَوْل بالاجماع الَّذِي لَيْسَ مُسْتَندا إِلَى أَحدهمَا، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى:
﴿وَإِذا قيل لَهُم أمنُوا بِمَا أنزل الله قَالُوا بل نتبع مَا ألفينا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ الْآيَة
وَمَا تمسكت الْيَهُود فِي نفي نبوة عِيسَى وَمُحَمّد عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام إِلَّا بِأَن أسلافهم فحصوا عَن حَالهمَا، فَلم يجدوهما على شَرَائِط الْأَنْبِيَاء، وَالنَّصَارَى، لَهُم شرائع كَثِيرَة مُخَالفَة للتوراة والأنجيل لَيْسَ لَهُم فِيهَا متمسك إِلَّا إِجْمَاع سلفهم.
وَمِنْهَا تَقْلِيد غير الْمَعْصُوم أَعنِي غير النَّبِي الَّذِي ثبتَتْ عصمته، وَحَقِيقَته أَن يجْتَهد وَاحِد من عُلَمَاء الْأمة فِي مَسْأَلَة، فيظن متبعوه أَنه على الْإِصَابَة قطعا أَو غَالِبا، فيردوا بِهِ حَدِيثا صَحِيحا، وَهَذَا التَّقْلِيد غير مَا اتّفق عَلَيْهِ
الْأمة المرحومة، فَإِنَّهُم اتَّفقُوا على جَوَاز التَّقْلِيد للمجتهدين مَعَ الْعلم بِأَن الْمُجْتَهد يُخطئ، ويصيب، وَمَعَ الاستشراف لنَصّ النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
стр. 174
فِي الْمَسْأَلَة والعزم على أَنه إِذا ظهر حَدِيث صَحِيح خلاف مَا قلد فِيهِ ترك التَّقْلِيد، وَاتبع الحَدِيث قَالَ رَسُول الله ﷺ فِي قَوْله تَعَالَى:
﴿اتَّخذُوا أَحْبَارهم وَرُهْبَانهمْ أَرْبَابًا من دون الله﴾ .
إِنَّهُم لم يَكُونُوا يَعْبُدُونَهُمْ، وَلَكنهُمْ كَانُوا إِذا أحلُّوا لَهُم شَيْئا اسْتَحَلُّوهُ، وَإِذا حرمُوا عَلَيْهِم شَيْئا حرمُوهُ ".
وَمِنْهَا خلط مِلَّة بِملَّة حَتَّى لَا تتَمَيَّز وَاحِدَة من الْأُخْرَى، وَذَلِكَ أَن يكون إِنْسَان فِي دين من الْأَدْيَان تعلق بِقَلْبِه عُلُوم تِلْكَ الطَّبَقَة، ثمَّ يدْخل فِي الْملَّة الإسلامية، قيبقى ميل قلبه إِلَى مَا تعلق بِهِ من قبل، فيطلب لأَجله وَجها فِي هَذِه الْملَّة وَلَو ضَعِيفا أَو مَوْضُوعا، وَرُبمَا جوز الْوَضع وَرِوَايَة الْمَوْضُوع لذَلِك، وَهُوَ قَوْله ﷺ : " لم يزل أَمر بني إِسْرَائِيل معتدلا حَتَّى نَشأ فيهم المولدون وَأَبْنَاء سَبَايَا الْأُمَم، فَقَالُوا بِالرَّأْيِ فضلوا وأضلوا " وَمِمَّا دخل فِي ديننَا عُلُوم بني إِسْرَائِيل وتذكير خطباء الْجَاهِلِيَّة وَحِكْمَة اليونانيين ودعوة البابليين وتاريخ الفارسيين والنجوم والرمل وَالْكَلَام، وَهُوَ سر غضب رَسُول الله ﷺ حِين قرئَ بَين يَدَيْهِ نُسْخَة من التَّوْرَاة، وَضرب عمر ﵁ من كَانَ يطْلب كتب دانيال، وَالله أعلم.
(بَاب أَسبَاب اخْتِلَاف دين نَبينَا ﷺ وَدين الْيَهُود والنصرانية)
اعْلَم أَن الْحق تَعَالَى إِذا بعث رَسُولا فِي قوم، فَأَقَامَ الْملَّة لَهُم على لِسَانه، فَإِنَّهُ لَا يتْرك فِيهَا عوجا وَلَا أمتا، ثمَّ إِنَّه تمضى الرِّوَايَة عَنهُ، ويحملها
الحواريون من أمته كَمَا يَنْبَغِي بُرْهَة من الزَّمَان، ثمَّ بعد ذَلِك يخلف خلف يحرفونها، ويتهاونون فِيهَا، فَلَا تكون حَقًا صرفا بل ممزوجا بِالْبَاطِلِ، وَهُوَ قَوْله ﷺ : " مَا من نَبِي بَعثه الله فِي أمته إِلَّا كَانَ لَهُ من أمته حواريون وَأَصْحَاب يَأْخُذُونَ بسنته، ويقتدون بأَمْره، ثمَّ يخلف من بعدهمْ خلوف يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ ويفعلون مَا لَا يأمرون " الحَدِيث، وَهَذَا الْبَاطِل مِنْهُ إشراك جلي وتحريف صَرِيح يؤاخذون عَلَيْهِ على كل حَال، وَمِنْه إشراك خَفِي وتحريف مُضْمر لَا يُؤَاخذ الله بهَا حَتَّى يبْعَث الرَّسُول فيهم، فيقيم الْحجَّة، ويكشف الْغُمَّة ليحيا من حَيّ عَن بَيِّنَة وَيهْلك من هلك عَن بَيِّنَة، فَإِذا بعث فيهم الرَّسُول رد كل شَيْء إِلَى أَصله، فَنظر إِلَى شرائع الْملَّة الأولى ...
стр. 175
فَمَا كَانَ مِنْهَا من شَعَائِر الله لَا يخالطها شرك وَمن سنَن الْعِبَادَات أَو طرق الارتفاقات الَّتِي ينطبق عَلَيْهَا القوانين الملية - أبقاها، ونوه بالخامل مِنْهَا، ومهد لكل شَيْء أركانا وأسبابا، وَمَا كَانَ من تَحْرِيف وتهاون أبْطلهُ، وَبَين أَنه لَيْسَ من الدّين ... ، وَمَا كَانَ من الْأَحْكَام المنوطة بمظان الْمصَالح يَوْمئِذٍ، ثمَّ اخْتلفت المظان بِحَسب اخْتِلَاف الْعَادَات - بدلهَا، إِذا الْمَقْصُود الْأَصْلِيّ فِي شرع الْأَحْكَام هِيَ الْمصَالح. ويعنون بالمظان، وَرُبمَا كَانَ شَيْء مَظَنَّة لمصْلحَة ثمَّ صَار لَيْسَ مَظَنَّة لَهَا، كَمَا أَن عِلّة الْحمى فِي الأَصْل ثوران الأخلاط، فيتخذ الطَّبِيب لَهُ مَظَنَّة ينْسب إِلَيْهَا الْحمى كالمشي فِي الشَّمْس وَالْحَرَكَة المتعبة وَتَنَاول الْغذَاء الْفُلَانِيّ، وَيُمكن أَن تَزُول مَظَنَّة هَذِه الْأَشْيَاء، فتختلف الْأَحْكَام حسب ذَلِك، وَمَا كَانَ انْعَقَد عَلَيْهِ إِجْمَاع الْمَلأ الْأَعْلَى فِيمَا يعْملُونَ ويعتادون، وَفِيمَا يثبت عَلَيْهِ علومهم، وَدخل فِي جذر نُفُوسهم زَاده.
وَكَانَ الْأَنْبِيَاء ﵈ قبل نَبيا ﷺ يزِيدُونَ، وَلَا ينقصُونَ، وَلَا يبدلون إِلَّا قَلِيلا، فَزَاد إِبْرَاهِيم ﵇ على مِلَّة نوح ﵇ أَشْيَاء من الْمَنَاسِك وأعمال الْفطْرَة والختان وَزَاد مُوسَى
﵇ على مِلَّة إِبْرَاهِيم ﵇ أَشْيَاء كتحريم لُحُوم الأبل وَوُجُوب السبت ورجم الزناة وَغير ذَلِك، وَنَبِينَا ﷺ زَاد، وَنقص، وَبدل.
والناظر فِي دقائق الشَّرِيعَة إِذا استقرأ هَذِه الْأُمُور وجدهَا على وُجُوه:
مِنْهَا أَن الْملَّة الْيَهُودِيَّة حملهَا الْأَحْبَار والرهبان، فحرفوها بالوجوه الْمَذْكُورَة فِيمَا سبق، فَلَمَّا جَاءَ النَّبِي ﷺ رد كل شَيْء إِلَى أَصله، فاختلفت شَرِيعَته بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْيَهُودِيَّة الَّتِي هِيَ فِي أَيْديهم، فَقَالُوا هَذَا زِيَادَة وَنقص وتبديل وَلَيْسَ تبديلا فِي الْحَقِيقَة.
وَمِنْهَا أَن النَّبِي ﷺ بعث بعثة تَتَضَمَّن بعثة أُخْرَى فَالْأولى إِنَّمَا كَانَت إِلَى بني إِسْمَعِيل وَهُوَ قَوْله تَعَالَى:
﴿هُوَ الَّذِي بعث فِي الْأُمِّيين رَسُولا مِنْهُم﴾ .
وَقَوله تَعَالَى:
﴿لتنذر قوما مَا أنذر آباؤهم فهم غافلون﴾ .
وَهَذِه الْبعْثَة تستوجب أَن يكون مَادَّة شَرِيعَته مَا عِنْدهم من الشعائر وَسنَن الْعِبَادَات
стр. 176
ووجوه الارتفاقات إِذْ الشَّرْع إِنَّمَا هُوَ إصْلَاح مَا عِنْدهم، لَا تكليفهم بِمَا لَا يعرفونه أصلا وَنَظِيره قَوْله تَعَالَى:
﴿قُرْآنًا عَرَبيا لَعَلَّكُمْ تعقلون﴾ .
وَقَوله تَعَالَى:
﴿لَو جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أعجميا لقالوا لَوْلَا فصلت آيَاته أأعجمي وعربي﴾ .
وَقَوله تَعَالَى:
﴿وَمَا أرسلنَا من رَسُول إِلَّا بِلِسَان قومه﴾ .
وَالثَّانيَِة كَانَت إِلَى جَمِيع أهل الأَرْض عَامَّة بالارتفاق الرَّابِع وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لعن فِي زَمَانه أَقْوَامًا، وَقضى بِزَوَال دولتهم كالعجم وَالروم، فَأمر بِالْقيامِ باللارتفاق الرَّابِع، وَجعل شرفه وغلبته تَقْرِيبًا لأتمام الْأَمر المُرَاد، وآتاه مَفَاتِيح كنوزهما، فَحصل لَهُ بِحَسب هَذَا الْكَمَال أَحْكَام أُخْرَى غير أَحْكَام التَّوْرَاة كالخراج والجزية والمجاهدات وَالِاحْتِيَاط عَن مدَاخِل التحريف.
وَمِنْهَا أَنه بعث فِي زمَان فَتْرَة قد اندرست فِيهِ الْملَل الحقة، وحرفت، وَغلب عَلَيْهَا التعصب واللجاج، فَكَانُوا لَا يتركون ملتهم الْبَاطِلَة وَلَا عادات الْجَاهِلِيَّة إِلَّا بتأكيد بَالغ فِي مُخَالفَة تِلْكَ الْعَادَات، فَصَارَ ذَلِك معدا لكثير من الاختلافات.
(بَاب أَسبَاب النّسخ)
وَالْأَصْل فِيهِ قَوْله تَعَالَى:
﴿مَا ننسخ من آيَة أَو ننسها نأت بِخَير مِنْهَا أَو مثلهَا﴾ .
اعْلَم أَن النّسخ قِسْمَانِ:
أَحدهمَا أَن ينظر النَّبِي ﷺ فِي الارتفاقات أَو وُجُوه
الطَّاعَات، فيضبطها بِوُجُوب الضَّبْط على قوانين التشريع، وَهُوَ اجْتِهَاد النَّبِي ﷺ ، ثمَّ لَا يقرره الله عَلَيْهِ، بل يكْشف عَلَيْهِ مَا قضى الله فِي الْمَسْأَلَة من الحكم، إِمَّا بنزول الْقُرْآن حسب ذَلِك، أَو تَغْيِير اجْتِهَاده إِلَى ذَلِك وَتَقْرِيره عَلَيْهِ، مِثَال الأول مَا امْر النَّبِي ﷺ من الِاسْتِقْبَال قبل بَيت الْمُقَدّس، ثمَّ نزل الْقُرْآن بنسخه، وَمِثَال الثَّانِي أَنه ﷺ نهى عَن الانتباذ إِلَّا فِي السقاء ثمَّ أَبَاحَ لَهُم
стр. 177
الانتباذ فِي كَانَ آنِية، وَقَالَ: " لَا تشْربُوا مُسكرا " وَذَلِكَ أَنه لما رأى أَن الْإِسْكَار أَمر خَفِي نصب لَهُ مَظَنَّة ظَاهِرَة، وَهِي الانتباذ فِي الأوعية الَّتِي لَا مسام لَهَا كالمأخوذة من الخزف والخشب والدباء، فَإِنَّهُ يسْرع الأسكار فِيمَا ينْبذ فِيهَا، وَنصب الانتباذ فِي السقاء مَظَنَّة لعدم الْإِسْكَار إِلَى ثَلَاثَة أَيَّام، ثمَّ تغير اجْتِهَاده ﷺ إِلَى إدارة الحكم على الْإِسْكَار؛ لِأَنَّهُ يعرف بالغليان وَقذف الزّبد، وَنصب مَا هُوَ من لَوَازِم السكر أَو من صِفَات الشَّيْء الْمُسكر مَظَنَّة أولى من نصب مَا هُوَ أَمر أَجْنَبِي ... ، وعَلى تَخْرِيج آخر نقُول: رأى النَّبِي ﷺ أَن الْقَوْم مولعون بالمسكر، فَلَو نهوا عَنهُ كَانَ مدْخل أَن يشربه أحد متعذرا بِأَنَّهُ ظن أَنه لَيْسَ بمسكر وَأَنه اشْتبهَ عَلَيْهِ عَلَامَات الاسكار، أَو كَانَت أوانيهم ملطخة بالمسكر والاسكار يسْرع إِلَى مَا ينْبذ فِي مثل ذَلِك، فَلَمَّا قوى الاسلام، واطمأنوا بترك المسكرات، ونفدت تِلْكَ الْأَوَانِي أدَار الحكم على نفس الاسكار وعَلى هَذَا التَّخْرِيج، وَهَذَا مِثَال لاخْتِلَاف الحكم حسب اخْتِلَاف المظنات وَفِي هَذَا الْقسم قَوْله ﷺ : " كَلَامي لَا ينْسَخ كَلَام الله، وَكَلَام الله ينْسَخ كَلَامي، وَكَلَام الله ينْسَخ بعضه بَعْضًا ". وَالثَّانِي أَن يكون شَيْء مَظَنَّة مصلحَة أَو مفْسدَة، فَيحكم عَلَيْهِ حسب ذَلِك، ثمَّ يَأْتِي زمَان لَا يكون فِيهِ مَظَنَّة لَهَا، فيتغير الحكم، مِثَاله لما هَاجر النَّبِي ﷺ إِلَى الْمَدِينَة، وانقطعت النُّصْرَة بَينهم وَبَين ذَوي أرحامهم،
وَإِنَّمَا كَانَت بالإخاء الَّذِي جعله النَّبِي ﷺ لمصْلحَة ضَرُورِيَّة رَآهَا - نزل الْقُرْآن بادارة التَّوَارُث على الإخاء، وَبَين الله تَعَالَى فَائِدَة حَيْثُ قَالَ:
﴿إِلَّا تفعلوه تكن فتْنَة فِي الأَرْض وَفَسَاد كَبِير﴾ .
ثمَّ لما قوى الْإِسْلَام، وَلحق بالمهاجرين أولو أرحامهم - رَجَعَ الْأَمر إِلَى مَا كَانَ من التَّوَارُث بِالنّسَبِ ... ، أَو لَا يكون شَيْء مصلحَة فِي النُّبُوَّة الَّتِي لم يضم مَعهَا الْخلَافَة كَمَا كَانَ قبل النَّبِي ﷺ ، وكما كَانَ فِي زَمَانه قبل الْهِجْرَة، وَيكون مصلحَة فِي النُّبُوَّة المضمومة بالخلافة، مِثَاله أَن الله تَعَالَى لم يحل الْغَنَائِم لمن قبلنَا، وَأحل لنا. وَعلل ذَلِك فِي الحَدِيث بِوَجْهَيْنِ: أَحدهمَا أَن الله رأى ضعفنا، فأحلها لنا، وَثَانِيهمَا أَن ذَلِك من تَفْضِيل الله نَبينَا ﷺ على سَائِر الْأَنْبِيَاء وَأمته على سَائِر الْأُمَم.
стр. 178
وَتَحْقِيق الْوَجْهَيْنِ أَن الْأَنْبِيَاء قبل النَّبِي ﷺ كَانُوا يبعثون لي أقوامهم خَاصَّة، وَهُوَ محصورون يَتَأَتَّى الْجِهَاد مَعَهم فِي سنة أَو سنتَيْن وَنَحْو ذَلِك، وَكَانَ أممهم أقوياء يقدرُونَ على الْجمع بَين الْجِهَاد والتسبب بِمثل الفلاحة وَالتِّجَارَة، فَلم يكن لَهُم حَاجَة إِلَى الْغَنَائِم، فَأَرَادَ الله تَعَالَى أَلا يخلط بعملهم غَرَض دُنْيَوِيّ، ليَكُون أتم لأجورهم، وَبعث نَبينَا ﷺ إِلَى كَافَّة النَّاس، وهم غير مَحْصُورين، وَلَا كَانَ زمَان الْجِهَاد مَعَهم محصورا، وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ الْجمع بَين الْجِهَاد والتسبب بِمثل الفلاحة وَالتِّجَارَة، فَكَانَ لَهُم حَاجَة إِلَى إِبَاحَة الْغَنَائِم، وَكَانَت أمته لعُمُوم دَعوته تشْتَمل نَاسا ضعفاء فِي النِّيَّة، وَفِيهِمْ ورد " - أَن الله يُؤَيّد هَذَا الدّين بِالرجلِ الْفَاجِر " لَا يُجَاهد أُولَئِكَ إِلَّا لغَرَض عَاجل وَكَانَت الرَّحْمَة شملتهم فِي أَمر الْجِهَاد شمولا عَظِيما، وَكَانَ الْغَضَب مُتَوَجها إِلَى أعدائهم توجها عَظِيما، وَهُوَ
قَوْله ﷺ : " إِن الله نظر إِلَى أهل الأَرْض، فمقت عربهم وعجمهم " فَأوجب ذَلِك زَوَال عصمَة أَمْوَالهم وَدِمَائِهِمْ على الْوَجْه الأتم، وَأوجب إغاظة قُلُوبهم بِالتَّصَرُّفِ فِي أَمْوَالهم، كَمَا أهْدى إِلَى الْحرم رَسُول الله ﷺ بعير أبي جهل فِي أَنفه برة فضَّة يغِيظ الْكفَّار، وكما أَمر بِقطع النخيل وإحراقها إغاظة لأَهْلهَا، فَلذَلِك نزل الْقُرْآن بِإِبَاحَة الْغَنَائِم لهَذِهِ الْأمة.
مِثَال آخر لم يحرم لهَذِهِ الْأمة قتال الْكفَّار فِي أول الْأَمر، وَلم يكن حِينَئِذٍ هُنَاكَ جند وَلَا خلَافَة، ثمَّ لما هَاجر النَّبِي ﷺ ، وثاب الْمُسلمُونَ، وَظَهَرت الْخلَافَة، وتمكنوا من مجاهدة أَعدَاء الله أنزل الله تَعَالَى:
﴿أذن للَّذين يُقَاتلُون بِأَنَّهُم ظلمُوا وَإِن الله على نَصرهم لقدير﴾ .
وَفِي هَذَا الْقسم قَوْله تَعَالَى:
﴿مَا ننسخ من آيَة أَو ننسها نأت بِخَير مِنْهَا أَو مثلهَا﴾ .
فَقَوله: (بِخَير مِنْهَا) فِيمَا تكون النُّبُوَّة مَضْمُومَة بالخلافة وَقَوله: (أَو مثلهَا) فِيمَا يخْتَلف الحكم باخْتلَاف المظان، وَالله أعلم.
(بَاب بَيَان مَا كَانَ عَلَيْهِ حَال أهل الْجَاهِلِيَّة فاصلحه النَّبِي ﷺ
إِن كنت تُرِيدُ النّظر فِي مَعَاني شَرِيعَة رَسُول الله ﷺ ، فتحقق أَولا حَال الْأُمِّيين الَّذين بعث فيهم الَّتِي هِيَ مَادَّة تشريعه، وَثَانِيا
كَيْفيَّة إِصْلَاحه لَهَا بالمقاصد الْمَذْكُورَة فِي بَاب التشريع والتيسير وَأَحْكَام الْملَّة،
стр. 179
فَاعْلَم أَنه ﷺ بعث بالملة الحنيفية الإسماعيلية لإِقَامَة عوجها وَإِزَالَة تحريفها وإشاعة نورها، وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى:
﴿مِلَّة أبيكم إِبْرَاهِيم﴾ .
وَلما كَانَ الْأَمر على ذَلِك وَجب أَن تكون أصُول تِلْكَ الْملَّة مسلمة، وسنتها مقررة إِذْ النَّبِي إِذا بعث إِلَى قوم فيهم بَقِيَّة سنة راشدة، فَلَا معنى لتغييرها وتبديلها، بل الْوَاجِب تقريرها، لِأَنَّهُ أطوع لنفوسهم وَأثبت عِنْد الِاحْتِجَاج عَلَيْهِم، وَكَانَ بَنو إِسْمَاعِيل توارثوا منهاج أَبِيهِم إِسْمَاعِيل، فَكَانُوا على تِلْكَ الشَّرِيعَة إِلَى أَن وجد عَمْرو بن لحي، فَأدْخل فِيهَا أَشْيَاء بِرَأْيهِ الكاسد، فضل، وأضل، وَشرع عبَادَة الْأَوْثَان، وسيب السوائب، وبحر البحائر، فهنالك بَطل الدّين، وَاخْتَلَطَ الصَّحِيح بالفاسد، وَغلب عَلَيْهِم الْجَهْل والشرك وَالْكفْر، فَبعث الله سيدنَا مُحَمَّد ﷺ مُقيما لعوجهم ومصلحا لفسادهم فَنظر ﷺ فِي شريعتهم، فَمَا كَانَ مِنْهَا مُوَافقا لمنهاج إِسْمَاعِيل ﵇ أَو من شَعَائِر الله أبقاه، وَمَا كَانَ مِنْهَا تحريفا أَو افسادا أَو من شَعَائِر الشّرك وَالْكفْر أبْطلهُ وسجل على إِبْطَاله، وَمَا كَانَ من بَاب الْعَادَات وَغَيرهَا فَبين آدابها ومكروهاتها مِمَّا يحْتَرز بِهِ عَن غوائل الرسوم، وَنهى عَن الرسوم الْفَاسِدَة، وَأمر بالصالحة، وَمَا كَانَ من مَسْأَلَة أَصْلِيَّة أَو عملية تركت فِي الفترة أَعَادَهَا غضة طرية كَمَا كَانَت، فتمت بذلك نعْمَة الله، واستقام دينه، وَكَانَ أهل الْجَاهِلِيَّة فِي زمَان النَّبِي ﷺ يسلمُونَ جَوَاز بعثة الْأَنْبِيَاء، وَيَقُولُونَ بالمجازاة، ويعتقدون أصُول أَنْوَاع الْبر، ويتعاملون بالارتفاقات الثَّانِي وَالثَّالِث.
وَلَا يُنَافِي مَا قُلْنَاهُ وجود فرْقَتَيْن فيهم وَظُهُورهمَا وشيوعهما:
إِحْدَاهمَا الْفُسَّاق، والزنادقة، فالفساق يعْملُونَ الْأَعْمَال البهيمية أَو السبعية بِخِلَاف الْملَّة لغَلَبَة نُفُوسهم وَقلة تدينهم، فَأُولَئِك إِنَّمَا يخرجُون عَن حكم الْملَّة شَاهِدين على أنفسهم بِالْفِسْقِ، والزنادقة يجبلون على الْفَهم الأبتر لَا يَسْتَطِيعُونَ التَّحْقِيق التَّام الَّذِي قَصده صَاحب الْملَّة، وَلَا يقلدونه، وَلَا يسلمونه بِمَا أخبر، فهم على ريبهم يَتَرَدَّدُونَ على خوف من ملتهم، وَالنَّاس يُنكرُونَ عَلَيْهِم، ويونهم خَارِجين عَن الدّين خالعين ربقة الْملَّة عَن أَعْنَاقهم، وَإِذا كَانَ الْأَمر على مَا ذكرنَا من الْإِنْكَار وقبح الْحَال فخروجهم لَا يضر.
وَالثَّانيَِة الجاهلون الغافلون الَّذين لم يرفعوا رُءُوسهم إِلَى الدّين رَأْسا، وَلم يلتفتوا لفتة أصلا، وَكَانَ هَؤُلَاءِ أَكثر شَيْء فِي قُرَيْش وَمَا والاها لبعد عَهدهم عَن الْأَنْبِيَاء، وَهُوَ قَوْله ﵎:
стр. 180
﴿لتنذر قوما مَا أَتَاهُم من نَذِير﴾ .
غير انهم لم يبعدوا عَن المحجة كل الْبعد بِحَيْثُ لَا تثبت عَلَيْهِم الْحجَّة، وَلَا يتَوَجَّه عَلَيْهِم الْإِلْزَام، وَلَا يتَحَقَّق فيهم الإقحام.
فَمن تِلْكَ الْأُصُول القَوْل بِأَن لَا شريك لله فِي خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمَا فِيهَا من الْجَوَاهِر، وَلَا شريك لَهُ فِي تَدْبِير الْأُمُور الْعِظَام، وَأَنه لَا راد لحكمه وَلَا مَا نع لقضائه إِذا أبرم وَجزم وَهُوَ قَوْله تَعَالَى:
﴿وَلَئِن سَأَلتهمْ من خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض ليقون الله﴾ .
وَقَوله:
﴿بل إِيَّاه تدعون﴾ .
وَقَوله تَعَالَى:
﴿ضل مَا تدعون إِلَّا إِيَّاه﴾ .
وَلَكِن كَانَ من زندقتهم قَوْلهم: أَن هُنَاكَ أشخاص من الْمَلَائِكَة والأرواح تدبر أهل الأَرْض فِيمَا دون الْأُمُور الْعِظَام من إصْلَاح حَال العابد فِيمَا يرجع إِلَى خُصُوصِيَّة نَفسه وَأَوْلَاده وأمواله، وشبهوهم بِحَال الْمُلُوك بِالنِّسْبَةِ إِلَى ملك الْمُلُوك وبالحال الشفعاء والندماء بِالنِّسْبَةِ إِلَى السُّلْطَان الْمُتَصَرف بالجبروت، ومنشأ ذَلِك مَا نطقت بِهِ الشَّرَائِع من تَفْوِيض الْأُمُور إِلَى الْمَلَائِكَة واستجابة دُعَاء المقربين من النَّاس، فظنوا ذَلِك تَصرفا مِنْهُم كتصرف الْمُلُوك قِيَاسا للْغَائِب على الشَّاهِد وَهُوَ الْفساد.
وَمِنْهَا تنزيهه عَمَّا لَا يَلِيق بجنابه وَتَحْرِيم الْإِلْحَاد فِي أَسْمَائِهِ، لَكِن كَانَ من زندقتهم زعمهم أَن الله اتخذ الْمَلَائِكَة بَنَات، وَأَن الْمَلَائِكَة إِنَّمَا جعلُوا وَاسِطَة، ليكتسب الْحق مِنْهُم عَالما لَيْسَ عِنْده قِيَاسا على الْمُلُوك بِالنِّسْبَةِ إِلَى الجواسيس.
وَمِنْهَا أَن الله تَعَالَى قدر جَمِيع الْحَوَادِث قبل أَن يخلقها، وَهُوَ قَول الْحسن الْبَصْرِيّ: لم يزل أهل الْجَاهِلِيَّة يذكرُونَ الْقدر وخطبهم وأشهارهم، وَلم يزده الشَّرْع إِلَّا تَأْكِيدًا.
وَمِنْهَا أَن هُنَاكَ موطنا يتَحَقَّق فِيهِ الْقَضَاء بالحوادث شَيْئا فَشَيْئًا، وَأَن هُنَالك لأدعية الْمَلَائِكَة المقربين وأفاضل الْآدَمِيّين تَأْثِيرا بِوَجْه من الْوُجُوه، لَكِن صَار ذَلِك فِي أذهانهم متمثلا بشفاعة ندماء الْمُلُوك.
وَمِنْهَا أَنه كلف الْعباد بِمَا شَاءَ، فأحل وَحرم، وَأَنه مجَاز على الْأَعْمَال إِن خيرا فَخير،
следующие страницы →