Полный текст (619 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
ووجوه الارتفاقات إِذْ الشَّرْع إِنَّمَا هُوَ إصْلَاح مَا عِنْدهم، لَا تكليفهم بِمَا لَا يعرفونه أصلا وَنَظِيره قَوْله تَعَالَى:
﴿قُرْآنًا عَرَبيا لَعَلَّكُمْ تعقلون﴾ .
وَقَوله تَعَالَى:
﴿لَو جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أعجميا لقالوا لَوْلَا فصلت آيَاته أأعجمي وعربي﴾ .
وَقَوله تَعَالَى:
﴿وَمَا أرسلنَا من رَسُول إِلَّا بِلِسَان قومه﴾ .
وَالثَّانيَِة كَانَت إِلَى جَمِيع أهل الأَرْض عَامَّة بالارتفاق الرَّابِع وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لعن فِي زَمَانه أَقْوَامًا، وَقضى بِزَوَال دولتهم كالعجم وَالروم، فَأمر بِالْقيامِ باللارتفاق الرَّابِع، وَجعل شرفه وغلبته تَقْرِيبًا لأتمام الْأَمر المُرَاد، وآتاه مَفَاتِيح كنوزهما، فَحصل لَهُ بِحَسب هَذَا الْكَمَال أَحْكَام أُخْرَى غير أَحْكَام التَّوْرَاة كالخراج والجزية والمجاهدات وَالِاحْتِيَاط عَن مدَاخِل التحريف.
وَمِنْهَا أَنه بعث فِي زمَان فَتْرَة قد اندرست فِيهِ الْملَل الحقة، وحرفت، وَغلب عَلَيْهَا التعصب واللجاج، فَكَانُوا لَا يتركون ملتهم الْبَاطِلَة وَلَا عادات الْجَاهِلِيَّة إِلَّا بتأكيد بَالغ فِي مُخَالفَة تِلْكَ الْعَادَات، فَصَارَ ذَلِك معدا لكثير من الاختلافات.
(بَاب أَسبَاب النّسخ)
وَالْأَصْل فِيهِ قَوْله تَعَالَى:
﴿مَا ننسخ من آيَة أَو ننسها نأت بِخَير مِنْهَا أَو مثلهَا﴾ .
اعْلَم أَن النّسخ قِسْمَانِ:
أَحدهمَا أَن ينظر النَّبِي ﷺ فِي الارتفاقات أَو وُجُوه
الطَّاعَات، فيضبطها بِوُجُوب الضَّبْط على قوانين التشريع، وَهُوَ اجْتِهَاد النَّبِي ﷺ ، ثمَّ لَا يقرره الله عَلَيْهِ، بل يكْشف عَلَيْهِ مَا قضى الله فِي الْمَسْأَلَة من الحكم، إِمَّا بنزول الْقُرْآن حسب ذَلِك، أَو تَغْيِير اجْتِهَاده إِلَى ذَلِك وَتَقْرِيره عَلَيْهِ، مِثَال الأول مَا امْر النَّبِي ﷺ من الِاسْتِقْبَال قبل بَيت الْمُقَدّس، ثمَّ نزل الْقُرْآن بنسخه، وَمِثَال الثَّانِي أَنه ﷺ نهى عَن الانتباذ إِلَّا فِي السقاء ثمَّ أَبَاحَ لَهُم
стр. 177
الانتباذ فِي كَانَ آنِية، وَقَالَ: " لَا تشْربُوا مُسكرا " وَذَلِكَ أَنه لما رأى أَن الْإِسْكَار أَمر خَفِي نصب لَهُ مَظَنَّة ظَاهِرَة، وَهِي الانتباذ فِي الأوعية الَّتِي لَا مسام لَهَا كالمأخوذة من الخزف والخشب والدباء، فَإِنَّهُ يسْرع الأسكار فِيمَا ينْبذ فِيهَا، وَنصب الانتباذ فِي السقاء مَظَنَّة لعدم الْإِسْكَار إِلَى ثَلَاثَة أَيَّام، ثمَّ تغير اجْتِهَاده ﷺ إِلَى إدارة الحكم على الْإِسْكَار؛ لِأَنَّهُ يعرف بالغليان وَقذف الزّبد، وَنصب مَا هُوَ من لَوَازِم السكر أَو من صِفَات الشَّيْء الْمُسكر مَظَنَّة أولى من نصب مَا هُوَ أَمر أَجْنَبِي ... ، وعَلى تَخْرِيج آخر نقُول: رأى النَّبِي ﷺ أَن الْقَوْم مولعون بالمسكر، فَلَو نهوا عَنهُ كَانَ مدْخل أَن يشربه أحد متعذرا بِأَنَّهُ ظن أَنه لَيْسَ بمسكر وَأَنه اشْتبهَ عَلَيْهِ عَلَامَات الاسكار، أَو كَانَت أوانيهم ملطخة بالمسكر والاسكار يسْرع إِلَى مَا ينْبذ فِي مثل ذَلِك، فَلَمَّا قوى الاسلام، واطمأنوا بترك المسكرات، ونفدت تِلْكَ الْأَوَانِي أدَار الحكم على نفس الاسكار وعَلى هَذَا التَّخْرِيج، وَهَذَا مِثَال لاخْتِلَاف الحكم حسب اخْتِلَاف المظنات وَفِي هَذَا الْقسم قَوْله ﷺ : " كَلَامي لَا ينْسَخ كَلَام الله، وَكَلَام الله ينْسَخ كَلَامي، وَكَلَام الله ينْسَخ بعضه بَعْضًا ". وَالثَّانِي أَن يكون شَيْء مَظَنَّة مصلحَة أَو مفْسدَة، فَيحكم عَلَيْهِ حسب ذَلِك، ثمَّ يَأْتِي زمَان لَا يكون فِيهِ مَظَنَّة لَهَا، فيتغير الحكم، مِثَاله لما هَاجر النَّبِي ﷺ إِلَى الْمَدِينَة، وانقطعت النُّصْرَة بَينهم وَبَين ذَوي أرحامهم،
وَإِنَّمَا كَانَت بالإخاء الَّذِي جعله النَّبِي ﷺ لمصْلحَة ضَرُورِيَّة رَآهَا - نزل الْقُرْآن بادارة التَّوَارُث على الإخاء، وَبَين الله تَعَالَى فَائِدَة حَيْثُ قَالَ:
﴿إِلَّا تفعلوه تكن فتْنَة فِي الأَرْض وَفَسَاد كَبِير﴾ .
ثمَّ لما قوى الْإِسْلَام، وَلحق بالمهاجرين أولو أرحامهم - رَجَعَ الْأَمر إِلَى مَا كَانَ من التَّوَارُث بِالنّسَبِ ... ، أَو لَا يكون شَيْء مصلحَة فِي النُّبُوَّة الَّتِي لم يضم مَعهَا الْخلَافَة كَمَا كَانَ قبل النَّبِي ﷺ ، وكما كَانَ فِي زَمَانه قبل الْهِجْرَة، وَيكون مصلحَة فِي النُّبُوَّة المضمومة بالخلافة، مِثَاله أَن الله تَعَالَى لم يحل الْغَنَائِم لمن قبلنَا، وَأحل لنا. وَعلل ذَلِك فِي الحَدِيث بِوَجْهَيْنِ: أَحدهمَا أَن الله رأى ضعفنا، فأحلها لنا، وَثَانِيهمَا أَن ذَلِك من تَفْضِيل الله نَبينَا ﷺ على سَائِر الْأَنْبِيَاء وَأمته على سَائِر الْأُمَم.
стр. 178
وَتَحْقِيق الْوَجْهَيْنِ أَن الْأَنْبِيَاء قبل النَّبِي ﷺ كَانُوا يبعثون لي أقوامهم خَاصَّة، وَهُوَ محصورون يَتَأَتَّى الْجِهَاد مَعَهم فِي سنة أَو سنتَيْن وَنَحْو ذَلِك، وَكَانَ أممهم أقوياء يقدرُونَ على الْجمع بَين الْجِهَاد والتسبب بِمثل الفلاحة وَالتِّجَارَة، فَلم يكن لَهُم حَاجَة إِلَى الْغَنَائِم، فَأَرَادَ الله تَعَالَى أَلا يخلط بعملهم غَرَض دُنْيَوِيّ، ليَكُون أتم لأجورهم، وَبعث نَبينَا ﷺ إِلَى كَافَّة النَّاس، وهم غير مَحْصُورين، وَلَا كَانَ زمَان الْجِهَاد مَعَهم محصورا، وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ الْجمع بَين الْجِهَاد والتسبب بِمثل الفلاحة وَالتِّجَارَة، فَكَانَ لَهُم حَاجَة إِلَى إِبَاحَة الْغَنَائِم، وَكَانَت أمته لعُمُوم دَعوته تشْتَمل نَاسا ضعفاء فِي النِّيَّة، وَفِيهِمْ ورد " - أَن الله يُؤَيّد هَذَا الدّين بِالرجلِ الْفَاجِر " لَا يُجَاهد أُولَئِكَ إِلَّا لغَرَض عَاجل وَكَانَت الرَّحْمَة شملتهم فِي أَمر الْجِهَاد شمولا عَظِيما، وَكَانَ الْغَضَب مُتَوَجها إِلَى أعدائهم توجها عَظِيما، وَهُوَ
قَوْله ﷺ : " إِن الله نظر إِلَى أهل الأَرْض، فمقت عربهم وعجمهم " فَأوجب ذَلِك زَوَال عصمَة أَمْوَالهم وَدِمَائِهِمْ على الْوَجْه الأتم، وَأوجب إغاظة قُلُوبهم بِالتَّصَرُّفِ فِي أَمْوَالهم، كَمَا أهْدى إِلَى الْحرم رَسُول الله ﷺ بعير أبي جهل فِي أَنفه برة فضَّة يغِيظ الْكفَّار، وكما أَمر بِقطع النخيل وإحراقها إغاظة لأَهْلهَا، فَلذَلِك نزل الْقُرْآن بِإِبَاحَة الْغَنَائِم لهَذِهِ الْأمة.
مِثَال آخر لم يحرم لهَذِهِ الْأمة قتال الْكفَّار فِي أول الْأَمر، وَلم يكن حِينَئِذٍ هُنَاكَ جند وَلَا خلَافَة، ثمَّ لما هَاجر النَّبِي ﷺ ، وثاب الْمُسلمُونَ، وَظَهَرت الْخلَافَة، وتمكنوا من مجاهدة أَعدَاء الله أنزل الله تَعَالَى:
﴿أذن للَّذين يُقَاتلُون بِأَنَّهُم ظلمُوا وَإِن الله على نَصرهم لقدير﴾ .
وَفِي هَذَا الْقسم قَوْله تَعَالَى:
﴿مَا ننسخ من آيَة أَو ننسها نأت بِخَير مِنْهَا أَو مثلهَا﴾ .
فَقَوله: (بِخَير مِنْهَا) فِيمَا تكون النُّبُوَّة مَضْمُومَة بالخلافة وَقَوله: (أَو مثلهَا) فِيمَا يخْتَلف الحكم باخْتلَاف المظان، وَالله أعلم.
(بَاب بَيَان مَا كَانَ عَلَيْهِ حَال أهل الْجَاهِلِيَّة فاصلحه النَّبِي ﷺ
إِن كنت تُرِيدُ النّظر فِي مَعَاني شَرِيعَة رَسُول الله ﷺ ، فتحقق أَولا حَال الْأُمِّيين الَّذين بعث فيهم الَّتِي هِيَ مَادَّة تشريعه، وَثَانِيا
كَيْفيَّة إِصْلَاحه لَهَا بالمقاصد الْمَذْكُورَة فِي بَاب التشريع والتيسير وَأَحْكَام الْملَّة،
стр. 179
فَاعْلَم أَنه ﷺ بعث بالملة الحنيفية الإسماعيلية لإِقَامَة عوجها وَإِزَالَة تحريفها وإشاعة نورها، وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى:
﴿مِلَّة أبيكم إِبْرَاهِيم﴾ .
وَلما كَانَ الْأَمر على ذَلِك وَجب أَن تكون أصُول تِلْكَ الْملَّة مسلمة، وسنتها مقررة إِذْ النَّبِي إِذا بعث إِلَى قوم فيهم بَقِيَّة سنة راشدة، فَلَا معنى لتغييرها وتبديلها، بل الْوَاجِب تقريرها، لِأَنَّهُ أطوع لنفوسهم وَأثبت عِنْد الِاحْتِجَاج عَلَيْهِم، وَكَانَ بَنو إِسْمَاعِيل توارثوا منهاج أَبِيهِم إِسْمَاعِيل، فَكَانُوا على تِلْكَ الشَّرِيعَة إِلَى أَن وجد عَمْرو بن لحي، فَأدْخل فِيهَا أَشْيَاء بِرَأْيهِ الكاسد، فضل، وأضل، وَشرع عبَادَة الْأَوْثَان، وسيب السوائب، وبحر البحائر، فهنالك بَطل الدّين، وَاخْتَلَطَ الصَّحِيح بالفاسد، وَغلب عَلَيْهِم الْجَهْل والشرك وَالْكفْر، فَبعث الله سيدنَا مُحَمَّد ﷺ مُقيما لعوجهم ومصلحا لفسادهم فَنظر ﷺ فِي شريعتهم، فَمَا كَانَ مِنْهَا مُوَافقا لمنهاج إِسْمَاعِيل ﵇ أَو من شَعَائِر الله أبقاه، وَمَا كَانَ مِنْهَا تحريفا أَو افسادا أَو من شَعَائِر الشّرك وَالْكفْر أبْطلهُ وسجل على إِبْطَاله، وَمَا كَانَ من بَاب الْعَادَات وَغَيرهَا فَبين آدابها ومكروهاتها مِمَّا يحْتَرز بِهِ عَن غوائل الرسوم، وَنهى عَن الرسوم الْفَاسِدَة، وَأمر بالصالحة، وَمَا كَانَ من مَسْأَلَة أَصْلِيَّة أَو عملية تركت فِي الفترة أَعَادَهَا غضة طرية كَمَا كَانَت، فتمت بذلك نعْمَة الله، واستقام دينه، وَكَانَ أهل الْجَاهِلِيَّة فِي زمَان النَّبِي ﷺ يسلمُونَ جَوَاز بعثة الْأَنْبِيَاء، وَيَقُولُونَ بالمجازاة، ويعتقدون أصُول أَنْوَاع الْبر، ويتعاملون بالارتفاقات الثَّانِي وَالثَّالِث.
وَلَا يُنَافِي مَا قُلْنَاهُ وجود فرْقَتَيْن فيهم وَظُهُورهمَا وشيوعهما:
إِحْدَاهمَا الْفُسَّاق، والزنادقة، فالفساق يعْملُونَ الْأَعْمَال البهيمية أَو السبعية بِخِلَاف الْملَّة لغَلَبَة نُفُوسهم وَقلة تدينهم، فَأُولَئِك إِنَّمَا يخرجُون عَن حكم الْملَّة شَاهِدين على أنفسهم بِالْفِسْقِ، والزنادقة يجبلون على الْفَهم الأبتر لَا يَسْتَطِيعُونَ التَّحْقِيق التَّام الَّذِي قَصده صَاحب الْملَّة، وَلَا يقلدونه، وَلَا يسلمونه بِمَا أخبر، فهم على ريبهم يَتَرَدَّدُونَ على خوف من ملتهم، وَالنَّاس يُنكرُونَ عَلَيْهِم، ويونهم خَارِجين عَن الدّين خالعين ربقة الْملَّة عَن أَعْنَاقهم، وَإِذا كَانَ الْأَمر على مَا ذكرنَا من الْإِنْكَار وقبح الْحَال فخروجهم لَا يضر.
وَالثَّانيَِة الجاهلون الغافلون الَّذين لم يرفعوا رُءُوسهم إِلَى الدّين رَأْسا، وَلم يلتفتوا لفتة أصلا، وَكَانَ هَؤُلَاءِ أَكثر شَيْء فِي قُرَيْش وَمَا والاها لبعد عَهدهم عَن الْأَنْبِيَاء، وَهُوَ قَوْله ﵎:
стр. 180
﴿لتنذر قوما مَا أَتَاهُم من نَذِير﴾ .
غير انهم لم يبعدوا عَن المحجة كل الْبعد بِحَيْثُ لَا تثبت عَلَيْهِم الْحجَّة، وَلَا يتَوَجَّه عَلَيْهِم الْإِلْزَام، وَلَا يتَحَقَّق فيهم الإقحام.
فَمن تِلْكَ الْأُصُول القَوْل بِأَن لَا شريك لله فِي خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمَا فِيهَا من الْجَوَاهِر، وَلَا شريك لَهُ فِي تَدْبِير الْأُمُور الْعِظَام، وَأَنه لَا راد لحكمه وَلَا مَا نع لقضائه إِذا أبرم وَجزم وَهُوَ قَوْله تَعَالَى:
﴿وَلَئِن سَأَلتهمْ من خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض ليقون الله﴾ .
وَقَوله:
﴿بل إِيَّاه تدعون﴾ .
وَقَوله تَعَالَى:
﴿ضل مَا تدعون إِلَّا إِيَّاه﴾ .
وَلَكِن كَانَ من زندقتهم قَوْلهم: أَن هُنَاكَ أشخاص من الْمَلَائِكَة والأرواح تدبر أهل الأَرْض فِيمَا دون الْأُمُور الْعِظَام من إصْلَاح حَال العابد فِيمَا يرجع إِلَى خُصُوصِيَّة نَفسه وَأَوْلَاده وأمواله، وشبهوهم بِحَال الْمُلُوك بِالنِّسْبَةِ إِلَى ملك الْمُلُوك وبالحال الشفعاء والندماء بِالنِّسْبَةِ إِلَى السُّلْطَان الْمُتَصَرف بالجبروت، ومنشأ ذَلِك مَا نطقت بِهِ الشَّرَائِع من تَفْوِيض الْأُمُور إِلَى الْمَلَائِكَة واستجابة دُعَاء المقربين من النَّاس، فظنوا ذَلِك تَصرفا مِنْهُم كتصرف الْمُلُوك قِيَاسا للْغَائِب على الشَّاهِد وَهُوَ الْفساد.
وَمِنْهَا تنزيهه عَمَّا لَا يَلِيق بجنابه وَتَحْرِيم الْإِلْحَاد فِي أَسْمَائِهِ، لَكِن كَانَ من زندقتهم زعمهم أَن الله اتخذ الْمَلَائِكَة بَنَات، وَأَن الْمَلَائِكَة إِنَّمَا جعلُوا وَاسِطَة، ليكتسب الْحق مِنْهُم عَالما لَيْسَ عِنْده قِيَاسا على الْمُلُوك بِالنِّسْبَةِ إِلَى الجواسيس.
وَمِنْهَا أَن الله تَعَالَى قدر جَمِيع الْحَوَادِث قبل أَن يخلقها، وَهُوَ قَول الْحسن الْبَصْرِيّ: لم يزل أهل الْجَاهِلِيَّة يذكرُونَ الْقدر وخطبهم وأشهارهم، وَلم يزده الشَّرْع إِلَّا تَأْكِيدًا.
وَمِنْهَا أَن هُنَاكَ موطنا يتَحَقَّق فِيهِ الْقَضَاء بالحوادث شَيْئا فَشَيْئًا، وَأَن هُنَالك لأدعية الْمَلَائِكَة المقربين وأفاضل الْآدَمِيّين تَأْثِيرا بِوَجْه من الْوُجُوه، لَكِن صَار ذَلِك فِي أذهانهم متمثلا بشفاعة ندماء الْمُلُوك.
وَمِنْهَا أَنه كلف الْعباد بِمَا شَاءَ، فأحل وَحرم، وَأَنه مجَاز على الْأَعْمَال إِن خيرا فَخير،
стр. 181
وَإِن شرا فشر، وَأَن لله تَعَالَى مَلَائِكَة هم مقربو الحضرة
وأكابر المملكة، وَأَنَّهُمْ مدبرون فِي الْعَالم بأذن الله وبأمره، وَأَنَّهُمْ:
﴿لَا يعصون الله مَا أَمرهم ويفعلون مَا يؤمرون﴾ .
وَأَنَّهُمْ لَا يَأْكُلُون وَلَا يشربون، وَلَا يَتَغَوَّطُونَ وَلَا ينْكحُونَ، وَأَنَّهُمْ قد يظهرون لأفاضل الْآدَمِيّين، فيبشرونهم، وينذرونهم، وَأَن الله قد يبْعَث إِلَى عباده بفضله ولطفه رجلا مِنْهُم، فليقى وحيه إِلَيْهِ، وَينزل الْملك عَلَيْهِ، وَأَنه يفْرض طَاعَته عَلَيْهِم، فَلَا يَجدونَ مِنْهَا بدا، وَلَا يَسْتَطِيعُونَ دونهَا محيصا، وَقد كثر ذكر الْمَلأ الْأَعْلَى وَحَملَة الْعَرْش فِي أشعار الْجَاهِلِيَّة. ابْن عَبَّاس ﵄ أَن النَّبِي ﷺ صدق أُميَّة ابْن أبي الصَّامِت فِي بَيْتَيْنِ من شعره فَقَالَ:
(رجل وثور تَحت رجل يَمِينه ... والنسر لِلْأُخْرَى وَلَيْث مرصد)
فَقَالَ النَّبِي ﷺ صدق فَقَالَ؛
(وَالشَّمْس تطلع كل آخر لَيْلَة ... حَمْرَاء يصبح لَوْنهَا يتورد)
(تأبى فَمَا تطلع لنا فِي رسلها ... إِلَّا معذبة وَإِلَّا تجلد)
فَقَالَ النَّبِي ﷺ : صدق.
وَتَحْقِيق هَذَا أَن أهل الْجَاهِلِيَّة كَانُوا يَزْعمُونَ أَن حَملَة الْعَرْش أَرْبَعَة أَمْلَاك، أحدهم فِي صُورَة الْإِنْسَان، وَهُوَ شَفِيع بني آدم عِنْد الله، وَالثَّانِي فِي صُورَة الثور، وَهُوَ شَفِيع الْبَهَائِم، وَالثَّالِث فِي صُورَة النسْر، وَهُوَ شَفِيع الطُّيُور، وَالرَّابِع فِي صُورَة الْأسد، وَهُوَ شَفِيع السبَاع، فقد ورد الشَّرْع
بقريب من ذَلِك إِلَّا أَنه سماهم جَمِيعهم وعولا، وَذَلِكَ بِحَسب مَا يظْهر فِي عَالم الْمِثَال من صورهم، فَهَذَا كُله كَانَ مَعْلُوما عِنْدهم مَعَ مَا دخل فِيهِ من قِيَاس الْغَائِب على الشَّاهِد وخلط المألوف بالأمور العلمية ... ، وَإِن كنت فِي ريب مِمَّا ذكرنَا، فَانْظُر فِيمَا قصّ الله تَعَالَى فِي الْقُرْآن الْعَظِيم وَاحْتج عَلَيْهِم بِمَا عِنْدهم من بَقِيَّة الْعلم، وكشف مَا أدخلوه فِيهِ من الشّبَه والشكوك لَا سِيمَا قَوْله تَعَالَى: لما أَنْكَرُوا نزُول الْقُرْآن
стр. 182
﴿قل من أنزل الْكتاب الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى﴾ .
وَلما قَالُوا.
﴿مَال هَذَا الرَّسُول يَأْكُل الطَّعَام وَيَمْشي فِي الْأَسْوَاق﴾ .
أنزل قَوْله تَعَالَى:
﴿قل مَا كنت بدعا من الرُّسُل﴾ .
وَمَا يشابه ذَلِك فتعلم من هُنَالك أَن الْمُشْركين وَإِن كَانُوا قد تباعدوا عَن المحجة الْمُسْتَقيم لَكِن كَانُوا بِحَيْثُ تقوم عَلَيْهِم الْحجَّة بِبَقِيَّة مَا عِنْدهم من الْعلم، وَانْظُر إِلَى خطب حكمائهم كقس بن سَاعِدَة. وَزيد بن عَمْرو بن نفَيْل، وَإِلَى أَخْبَار من كَانَ قبل عَمْرو بن لحى تَجِد ذَلِك مفصلا، بل لَو أمعنت فِي تصفح أخبارهم غَايَة الأمعان وجدت أفاضلهم وحكماءهم وَكَانُوا يَقُولُونَ بالمعاد
وبالحفظة وَغير ذَلِك، ويثبتون التَّوْحِيد على وَجهه حَتَّى قَالَ زيد بن عَمْرو ابْن نفَيْل فِي شعره:
(عِبَادك يخطئون وَأَنت رب ... بكفيك المنايا والحتوم)
وَقَالَ أَيْضا:
(أربا وَاحِدًا أم ألف رب ... أدين إِذا تقسمت الْأُمُور)
(تركت اللات والعزى جَمِيعًا ... كَذَلِك يفعل الرجل الْبَصِير)
وَقَالَ رَسُول الله ﷺ فِي أُميَّة بن أبي الصَّلْت: " آمن شعره، وَلم يُؤمن قلبه " وَذَلِكَ مِمَّا توارثوه من منهاج إِسْمَعِيل، وَدخل فيهم من أهل الْكتاب، وَكَانَ من الْمَعْلُوم عِنْدهم أَن كَمَال الْإِنْسَان أَن يسلم وَجهه لرَبه، ويغبده أقْصَى مجهوده.
وَإِن من أَبْوَاب الْعِبَادَة الطَّهَارَة، وَمَا زَالَ الْغسْل من الْجَنَابَة سنة معمولة عِنْدهم، وَكَذَلِكَ الْخِتَان وَسَائِر خِصَال الْفطْرَة، وَفِي التَّوْرَاة إِن الله تَعَالَى جعل الْخِتَان ميسمة على إِبْرَاهِيم وَذريته، وَهَذَا الْوضُوء يَفْعَله الْمَجُوس وَالْيَهُود وَغَيرهم، وَكَانَت تَفْعَلهُ حكماء الْعَرَب، وَكَانَت فيهم الصَّلَاة، وَكَانَ أَبُو ذَر ﵁ يُصَلِّي قبل أَن يقدم على النَّبِي ﷺ بِثَلَاث سِنِين، وَكَانَ قس بن سَاعِدَة الأيادي يُصَلِّي، وَالْمَحْفُوظ من الصَّلَاة فِي أُمَم الْيَهُود وَالْمَجُوس وَبَقِيَّة الْعَرَب أَفعَال تعظيمية لَا سِيمَا السُّجُود وأقوال من الدُّعَاء وَالذكر،
стр. 183
وَكَانَت فيهم الزَّكَاة، وَكَانَ الْمَعْمُول عِنْدهم مِنْهَا قرى الضَّيْف وَابْن السَّبِيل وَحمل الْكل وَالصَّدَََقَة على الْمَسَاكِين وصلَة الْأَرْحَام والإعانة فِي نَوَائِب الْحق، وَكَانُوا يمدحون بهَا، ويعرفون أَنَّهَا كَمَال الْإِنْسَان وسعادته، قَالَت خَدِيجَة فوَاللَّه: لَا يخزيك الله أبدا إِنَّك لتصل الرَّحِم، وتقرى الضَّيْف، وَتحمل
الْكل، وَتعين على نَوَائِب الْحق، وَقَالَ ابْن الدغنة لأبي بكر الصّديق ﵁ مثل ذَلِك، وَكَانَ فيهم الصَّوْم من الْفجْر إِلَى غرُوب الشَّمْس، وَكَانَت قُرَيْش تَصُوم عَاشُورَاء فِي الْجَاهِلِيَّة وَكَانَ الْجوَار فِي الْمَسْجِد، وَكَانَ عمر نذر اعْتِكَاف لَيْلَة فِي الْجَاهِلِيَّة، فاستفتى فِي ذَلِك رَسُول ﷺ ، وَكَانَ عَاص ابْن وَائِل أوصى أَن يعْتق عَنهُ كَذَا وَكَذَا من العبيد.
وَبِالْجُمْلَةِ كَانَ أهل الْجَاهِلِيَّة يتحنثون بأنواع التحنثات، وَأما حج بَيت الله وتعظيم شَعَائِر وَالْأَشْهر الْحرم، فَأمره أظهر من أَن يخفى، وَكَانَ لَهُم أَنْوَاع من الرقى والتعوذات، وَكَانُوا أدخلُوا فِيهَا الاشراك، وَلم تزل سنتهمْ الذّبْح فِي الْحق والنحر فِي اللبة مَا كَانُوا يخنقون، وَلَا يبعجون، وَكَانُوا على بَقِيَّة دين إِبْرَاهِيم ﵇ فِي ترك النُّجُوم وَترك الْخَوْض فِي دقائق الطبيعيات غير مَا ألجأ إِلَيْهِ البداهة، وَكَانَ الْعُمْدَة عِنْدهم فِي تقدمة الْمعرفَة الرُّؤْيَا وبشارات الْأَنْبِيَاء من قبلهم، ثمَّ دخل فِيهِ الكهانة والاستقسام بالازلام والطيرة، وَكَانُوا يعْرفُونَ أَن هَذِه لم تكن فِي أصل الْملَّة، وَهُوَ قَوْله ﷺ حِين رأى صُورَة إِبْرَاهِيم وإسمعيل ﵉ فِي أَيْديهم الازلام: " لقد علمُوا أَنَّهُمَا لم يستقسما قطّ " وَكَانَ بَنو إِسْمَعِيل على منهاج أَبِيهِم إِلَى أَن وجد فيهم عَمْرو بن لحى - وَذَلِكَ قبل مبعث النَّبِي ﷺ قَرِيبا من سَبْعمِائة سنة، وَكَانَت لَهُم سنَن متأكدة يتلاومون على تَركهَا فِي مَأْكَلهمْ وَمَشْرَبهمْ ولباسهم وولائمهم وأعيادهم وَدفن موتاهم ونكاحهم وطلاقهم وعدتهم وإحدادهم، وبيوعهم ومعاملاتهم، وَمَا زَالُوا يحرمُونَ الْمَحَارِم كالبنات والأمهات وَالْأَخَوَات وَغَيرهَا، وَكَانَت
لَهُم مزاجر فِي مظالمهم كَالْقصاصِ والديات والقسامة وعقوبات على الزِّنَا وَالسَّرِقَة، وَدخلت فيهم من الاكاسرة والقياصرة عُلُوم الارتفاق الثَّالِث وَالرَّابِع، لَكِن دخلهم الفسوق والتظالم بِالسَّبْيِ والنهب وشيوع الزِّنَا والنكاحات الْفَاسِدَة والربا، وَكَانُوا تركُوا الصَّلَاة وَالذكر، وأعرضوا عَنْهُمَا فَبعث النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
стр. 184
فيهم - وَهَذَا حَالهم، فَنظر فِي جَمِيع مَا عِنْد الْقَوْم، فَمَا كَانَ بَقِيَّة الْملَّة الصَّحِيحَة أبقاه، وسجل على الْأَخْذ بِهِ، وَضبط لَهُم الْعِبَادَات بشرع الْأَسْبَاب والأوقات والشروط والأركان والآداب والمفسدات والرخصة والعزيمة وَالْأَدَاء وَالْقَضَاء، وَضبط لَهُم الْمعاصِي بِبَيَان الْأَركان والشروط، وَشرع فِيهَا حدوداً ومزاجر وكفارات، وَيسر لَهُم الدّين بِبَيَان التَّرْغِيب والترهيب، وسد ذرائع الأثم والحث على مكملات الْخَيْر إِلَى غير ذَلِك مِمَّا سبق ذكره، وَبَالغ فِي إِشَاعَة الْملَّة الحنيفية وتغليبها على الْملَل كلهَا، وَمَا كَانَ من تحريفاتهم نَفَاهُ، وَبَالغ فِي نَفْيه، وَمَا كَانَ من الارتفاقات الصَّحِيحَة سجل عَلَيْهِ، وَأمر بِهِ، وَمَا كَانَ فِي رسومهم الْفَاسِدَة مَنعهم عَنهُ، وَقبض على أَيْديهم، وَقَامَ بالخلافة الْكُبْرَى، وجاهد بِمن مَعَه من دونهم حَتَّى تمّ أَمر الله وهم كَارِهُون، وَجَاء فِي بعض الْأَحَادِيث أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: " بعثت بالملة السمحة الحنيفية الْبَيْضَاء " يُرِيد بالسمحة مَا لَيْسَ فِيهِ مشاق الطَّاعَات كَمَا ابتدعه الرهبان، بل فِيهَا لكل عذر رخصَة يَتَأَتَّى الْعَمَل بهَا للقوي والضعيف والمكتسب والفارغ، وبالحنيفية مَا ذكرنَا من أَنَّهَا مِلَّة إِبْرَاهِيم صلوَات الله عَلَيْهِ، فِيهَا إِقَامَة شَعَائِر الله وكبت شَعَائِر الشّرك وَإِبْطَال التحريف والرسوم الْفَاسِدَة، وبالبيضاء أَن عللها وَحكمهَا والمقاصد الَّتِي بنيت عَلَيْهَا وَاضِحَة لَا ريب فِيهَا لمن تَأمل، وَكَانَ سليم الْعقل غير مكابر، وَالله أعلم.
(المبحث السَّابِع مَبْحَث استنباط الشَّرَائِع من حَدِيث النَّبِي ﷺ
(بَاب بَيَان أَقسَام عُلُوم النَّبِي ﷺ
اعْلَم أَن مَا رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ ، وَدون فِي كتب الحَدِيث على قسمَيْنِ.
أَحدهمَا مَا سَبيله سَبِيل تَبْلِيغ الرسَالَة، وَفِيه قَوْله تَعَالَى:
﴿وَمَا آتَاكُم الرَّسُول فَخُذُوهُ وَمَا نهاكم عَنهُ فَانْتَهوا﴾
مِنْهُ عُلُوم المعادو عجائب الملكوت، وَهَذَا كُله مُسْتَند إِلَى الْوَحْي، وَمِنْه شرائع وَضبط للعبادات والارتفاقات بِوُجُوه الضَّبْط الْمَذْكُورَة فِيمَا سبق، وَهَذِه بَعْضهَا مُسْتَند إِلَى الْوَحْي، وَبَعضهَا مُسْتَند إِلَى الِاجْتِهَاد، واجتهاده ﷺ بِمَنْزِلَة الْوَحْي؛ لِأَن الله تَعَالَى عصمه من أَن يَتَقَرَّر رَأْيه على الْخَطَأ، وَلَيْسَ يجب أَن يكون اجْتِهَاده استنباطا من
стр. 185
الْمَنْصُوص كَمَا يظنّ، بل أَكْثَره أَن يكون علمه الله تَعَالَى مَقَاصِد الشَّرْع وقانون التشريع والتيسير وَالْأَحْكَام، فَبين الْمَقَاصِد المتلقاة بِالْوَحْي بذلك القانون، وَمِنْه حكم مُرْسلَة ومصالح مُطلقَة لم يوقتها، وَلم يبين حُدُودهَا كبيان الْأَخْلَاق الصَّالِحَة وأضدادها، ومستندها غَالِبا الِاجْتِهَاد بِمَعْنى أَن الله تَعَالَى علمه قوانين الارتفاقات، فاستنبط مِنْهَا حكمه، وَجعل فِيهَا كُلية، وَمِنْه فَضَائِل الْأَعْمَال ومناقب الْعمَّال، وَرَأى أَن بَعْضهَا مُسْتَند إِلَى الْوَحْي وَبَعضهَا إِلَى الِاجْتِهَاد، وَقد سبق بَيَان تِلْكَ القوانين، وَهَذَا الْقسم هُوَ الَّذِي نقصد شَرحه وَبَيَان مَعَانِيه.
وَثَانِيهمَا مَا لَيْسَ من بَاب تَبْلِيغ الرسَالَة، وَفِيه قَوْله ﷺ : " إِنَّمَا أَنا بشر إِذا أَمرتكُم بِشَيْء من دينكُمْ فَخُذُوا بِهِ وَإِذا أَمرتكُم بِشَيْء من
رَأْيِي، فَإِنَّمَا أَنا بشر " وَقَوله ﷺ فِي قصَّة تأبير النّخل: " فانى إِنَّمَا ظَنَنْت ظنا، وَلَا تؤاخذوني بِالظَّنِّ، وَلَكِن إِذا حدثتكم عَن الله شَيْئا، فَخُذُوا بِهِ، فَإِنِّي لم أكذب على الله " فَمِنْهُ الطِّبّ، وَمِنْه بَاب قَوْله ﷺ " عَلَيْكُم بالأدهم الأقرح " ومستنده التجربة، وَمِنْه مَا فعله النَّبِي ﷺ على سَبِيل الْعَادة دون الْعِبَادَة وبحسب الِاتِّفَاق دون الْقَصْد، وَمِنْه مَا ذكره كَمَا كَانَ يذكرهُ قومه كَحَدِيث أم زرع وَحَدِيث خرافة وَهُوَ قَول زيد بن ثَابت حَيْثُ دخل عَلَيْهِ نفر، فَقَالُوا لَهُ حَدثنَا أَحَادِيث رَسُول الله ﷺ قَالَ: " كنت جَاره، فَكَانَ إِذا نزل عَلَيْهِ الْوَحْي بعث إِلَيّ، فكتبته لَهُ، فَكَانَ إِذا ذكرنَا الدُّنْيَا ذكرهَا مَعنا، وَإِذا ذكرنَا الْآخِرَة ذكرهَا مَعنا، وَإِذا ذكرنَا الطَّعَام ذكره مَعنا، فَكل هَذَا أحدثكُم عَن رَسُول الله ﷺ ، وَمِنْه مَا قصد بِهِ مصلحَة جزئية يَوْمئِذٍ وَلَيْسَ من الْأَمر اللَّازِمَة لجَمِيع الْأمة، وَذَلِكَ مثل مَا يَأْمر بِهِ الْخَلِيفَة من تعبئة الجيوش وَتَعْيِين الشعار، وَهُوَ قَول عمر ﵁: مَا لنا وللرمل كُنَّا نتراءى بِهِ قوما قد أهلكهم الله، ثمَّ خشِي أَن يكون لَهُ سَبَب آخر، وَقد حمل كثير من الْأَحْكَام عَلَيْهِ كَقَوْلِه ﷺ : " من قتل قَتِيلا فَلهُ سلبة " وَمِنْه حكم وَقَضَاء خَاص، وَإِنَّمَا كَانَ يتبع فِيهِ الْبَينَات والايمان وَهُوَ قَوْله ﷺ لعَلي ﵁: " الشَّاهِد يرى مَا لَا يرَاهُ الْغَائِب ".
стр. 186
(بَاب الْفرق بَين الْمصَالح والشرائع)
اعْلَم أَن الشَّارِع أفادنا نَوْعَيْنِ من الْعلم متمايزين بأحكامهما متباينين فِي منازلهما.
فأحد النَّوْعَيْنِ علم الْمصَالح والمفاسد أَعنِي مَا بَينه من تَهْذِيب النَّفس باكتساب الْأَخْلَاق النافعة فِي الدُّنْيَا أَو فِي الْآخِرَة وَإِزَالَة أضدادها، وَمن تَدْبِير الْمنزل وآداب المعاش وسياسة الْمَدِينَة غير مُقَدّر لذَلِك بمقادير مُعينَة وَلَا ضَابِط مُبْهمَة بحدود مضبوطه وَلَا مُمَيّز لمشكلة بأمارات مَعْلُومَة، بل رغب فِي الحمائد، وزهد فِي الرذائل تَارِكًا كَلَامه إِلَى مَا يفهم مِنْهُ أهل اللُّغَة مديرا للطلب أَو الْمَنْع على أنفس الْمصَالح لَا على مظان مَنْصُوبَة لَهَا وأمارات معرفَة إِيَّاهَا كَمَا مدح الْكيس والشجاعة، وَأمر بالرفق والتودد وَالْقَصْد فِي الْمَعيشَة وَلم يبين أَن الْكيس مثلا مَا حَده الَّذِي يَدُور عَلَيْهِ الطّلب، وَمَا مظنته الَّتِي يُؤَاخذ النَّاس بهَا، وكل مصلحَة حثنا الشَّرْع عَلَيْهَا وكل مفْسدَة ردعنا عَنْهَا فَإِن ذَلِك لَا يَخْلُو من الرُّجُوع إِلَى أحد أصُول ثَلَاثَة أَحدهَا: تَهْذِيب النَّفس بالخصال الْأَرْبَع النافعة فِي الْمعَاد أَو سَائِر الْخِصَال النافعة فِي الدُّنْيَا، وَثَانِيها إعلاء كلمة الْحق وتمكين الشَّرَائِع وَالسَّعْي فِي إشاعتها وَثَالِثهَا انتظام أَمر النَّاس وَإِصْلَاح ارتفاقاتهم وتهذيب رسومهم، وَمعنى رُجُوعهَا إِلَيْهَا أَن يكون للشَّيْء دخل فِي تِلْكَ الْأُمُور إِثْبَاتًا لَهَا أَو نفيا إِيَّاهَا بِأَن يكون شُعْبَة من خصْلَة مِنْهَا أَو ضدا لشعبتها أَو مَظَنَّة لوجودها أَو عدمهَا أَو متلازما مَعهَا أَو مَعَ ضدها أَو طَرِيق إِلَيْهَا أَو إِلَى الْإِعْرَاض عَنْهَا، وَالرِّضَا فِي الأَصْل إِنَّمَا يتَعَلَّق بِتِلْكَ الْمصَالح، والسخط إِنَّمَا يناط بِتِلْكَ الْمَفَاسِد قبل بعث الرُّسُل وَبعده سَوَاء، وَلَوْلَا تعلق الرِّضَا والسخط بتينك القبيلتين لم يبْعَث الرُّسُل، وَذَلِكَ لِأَن الشَّرَائِع وَالْحُدُود إِنَّمَا كَانَت بعد بعث الرُّسُل، فَمَا كَانَ فِي
التَّكْلِيف بهَا والمؤاخذة عَلَيْهَا ابْتِدَاء لطف، وَلَكِن الْمصَالح والمفاسد كَانَت مُؤثرَة مقتضية لتهذيب النَّفس أَو تلويثها أَو انتظام أُمُورهم أَو فَسَادهَا قبل بعث الرُّسُل، فَاقْتضى لطف الله أَن يخبروا بِمَا يهمهم، ويكلفوا بِمَا لَا بُد لَهُم مِنْهُ، وَلم يكن يتم ذَلِك إِلَّا بمقادير وَشَرَائِع، فَاقْتضى اللطف تِلْكَ الْقَبِيلَة بِالْعرضِ، وَهَذَا النَّوْع مَعْقُول الْمَعْنى، فَمِنْهُ مَا تستقل الْعُقُول العامية بفهمه، وَمِنْه مَا لَا يفهمهُ إِلَّا عقول الأذكياء الفائض عَلَيْهِم الْأَنْوَار من قُلُوب الْأَنْبِيَاء نبههم الشَّرْع، فتنبهوا، ولوح لَهُم، فتفطنوا، وَمن أتقن الْأُصُول الَّتِي ذَكرنَاهَا لم يتَوَقَّف فِي شَيْء مِنْهَا.
وَالنَّوْع الثَّانِي علم الشَّرَائِع وَالْحُدُود والفرائض: أَعنِي مَا بَين الشَّرْع من الْمَقَادِير،
стр. 187
فنصب للْمصَالح مظان وأمارات مضبوطة مَعْلُومَة، وأدار الحكم عَلَيْهَا، وكلف النَّاس بهَا، وَضبط أَنْوَاع الْبر بِتَعْيِين الْأَركان والشروط والآداب، وَجعل من كل نوع حدا يطْلب مِنْهُم لَا محَالة وحدا يندبون إِلَيْهِ من غير إِيجَاب، وَاخْتَارَ من كل بر عددا يُوجب عَلَيْهِم، وَآخر يندبون إِلَيْهِ، فَصَارَ التَّكْلِيف مُتَوَجها إِلَى أنفس تِلْكَ المظان، وَصَارَت الْأَحْكَام دَائِرَة على أنفس تِلْكَ الأمارات، وَصَارَ مرجع هَذَا النَّوْع إِلَى قوانين السياسة الملية، ... وَلَيْسَ كل مَظَنَّة لمصْلحَة توجب عَلَيْهِم، وَلَكِن مَا كَانَ مِنْهَا مضبوطا أمرا محسوسا أَو وَصفا ظَاهرا يُعلمهُ الْخَاصَّة والعامة، وَرُبمَا يكون للايجاب وَالتَّحْرِيم أَسبَاب طارئة يكْتب لأَجلهَا فِي الْمَلأ الْأَعْلَى فَيتَحَقَّق هُنَالك صُورَة الْإِيجَاب وَالتَّحْرِيم كسؤال سَائل ورغبة قوم فِيهِ أَو أعراضهم عَنهُ، وكل ذَلِك غير مَعْقُول الْمَعْنى بِمَعْنى أَنا وَإِن كُنَّا نعلم قوانين التَّقْدِير والتشريع، فَلَا نعلم وجود كِتَابَته فِي الْمَلأ الْأَعْلَى وَتحقّق صُورَة الْوُجُوب فِي حَظِيرَة الْقُدس إِلَّا بِنَصّ الشَّرْع، فَإِنَّهُ من الْأُمُور الَّتِي لَا سَبِيل إِلَّا إِدْرَاكهَا إِلَّا الْإِخْبَار الإلهي مثل ذَلِك - كَمثل الجمد - نعلم
أَن سَبَب حُدُوثه برودة تضرب المَاء وَلَا نعلم أَن مَاء الْقَعْب فِي ساعتنا هَذِه صَار جمدا أَو لَا إِلَّا بِالْمُشَاهَدَةِ أَو إِخْبَار من شَاهد، فعلى هَذَا الْقيَاس نعلم أَنه لَا بُد من تَقْدِير النّصاب فِي الزَّكَاة، ونعلم أَن مِائَتي دِرْهَم وَخَمْسَة أَو سَاق قدر صَالح للنصاب، لِأَنَّهُ يحصل بهَا غَنِي مُعْتَد بِهِ، وهما أَمْرَانِ مضبوطان مستعملان عِنْد الْقَوْم، وَلَا نعلم أَن الله تَعَالَى كتب علينا هَذَا النّصاب، وأدار الرِّضَا، والسخط عَلَيْهِ إِلَّا بِنَصّ الشَّرْع، كَيفَ وَكم من سَبَب لَهُ لَا سَبِيل إِلَى مَعْرفَته إِلَّا الْخَبَر، وَهُوَ قَوْله ﷺ : " أعظم الْمُسلمين فِي الْمُسلمين جرما " الحَدِيث وَقَوله ﷺ : " خشيت أَن يكْتب عَلَيْكُم ".
وَقد اتّفق من يعْتد بِهِ من الْعلمَاء على أَن الْقيَاس لَا يجْرِي فِي بَاب الْمَقَادِير، وعَلى أَن حَقِيقَة الْقيَاس تَعديَة حكم الأَصْل إِلَى الْفَرْع لعِلَّة مُشْتَركَة لَا جعل مَظَنَّة مصلحَة عِلّة أَو جعل شَيْء مُنَاسِب ركنا أَو شرطا، وعَلى أَنه لَا يصلح الْقيَاس لوُجُود الْمصلحَة، وَلَكِن لوُجُود عِلّة مصبوطة أدير عَلَيْهَا الحكم، فَلَا يُقَاس مُقيم بِهِ حرج على الْمُسَافِر فِي رخص الصَّلَاة وَالصَّوْم فان دفع الْحَرج مصلحَة الترخيص لاعلة الْقصر والأفطار، وَإِنَّمَا الْعلَّة هِيَ السّفر فَهَذِهِ الْمسَائِل لم يخْتَلف فِيهَا الْعلمَاء إِجْمَالا، وَلَكِن يحملهَا أَكْثَرهم عِنْد التَّفْصِيل وَذَلِكَ لِأَنَّهُ رُبمَا تشتبه الْمصلحَة بِالْعِلَّةِ، والتشريع، وَبَعض الْفُقَهَاء عِنْدَمَا خَاضُوا فِي الْقيَاس تحيروا فلجوا بِبَعْض الْمَقَادِير، وأنكروا استبدالها بِمَا يقرب مِنْهَا، وتسامحوا فِي بَعْضهَا، فنصبوا أَشْيَاء مقَامهَا، ... مِثَال ذَلِك تقديرهم نِصَاب الْقطن بِخَمْسَة أحمال، ونصبهم ركُوب
стр. 188
السَّفِينَة مَظَنَّة لدوران الرَّأْس، وإدارة رخصَة الْعُقُود فِي الصَّلَاة عَلَيْهِ، وَتَقْدِير المَاء بالعشر فِي الْعشْر وَكلما أفهم الشَّرْع الْمصلحَة فِي مَوضِع، فَوَجَدنَا تِلْكَ الْمصلحَة فِي مَوضِع آخر عرفنَا أَن الرِّضَا يتَعَلَّق بهَا بِعَينهَا لَا بِخُصُوص ذَلِك الْموضع، بِخِلَاف الْمَقَادِير
فان الرِّضَا يتَعَلَّق هُنَاكَ بالمقادير أَنْفسهَا، ... تَفْصِيل ذَلِك أَن من ترك صَلَاة وَقت كَانَ آثِما وَإِن شغل ذَلِك الْوَقْت بِالذكر وَسَائِر الطَّاعَات، وَمن ترك زَكَاة مَفْرُوضَة، وَصرف أَكثر من ذَلِك المَال فِي وُجُوه الْخَيْر كَانَ آثِما، وَكَذَلِكَ إِن لبس الْحَرِير وَالذَّهَب فِي الْخلْوَة حَيْثُ لَا يتَصَوَّر كسر قُلُوب الْفُقَرَاء وَحمل النَّاس على الْإِكْثَار من الدُّنْيَا وَلم يقْصد بِهِ الترفه - كَانَ آثِما وَكَذَلِكَ إِن شرب الْخمر بنية التَّدَاوِي، وَلم يكن هُنَاكَ فَسَاد، وَلَا ترك صَلَاة كَانَ آثِما لِأَن الرِّضَا والسخط متعلقان فأنفس هَذِه الْأَشْيَاء، وَإِن كَانَ الْغَرَض الْأَصْلِيّ كبحهم عَن الْفساد وَحَملهمْ على الْمصَالح، وَلَكِن الْحق علم أَن سياسة الْأمة لَا تمكن فِي هَذَا الْوَقْت إِلَّا بايجاب أنفس هَذِه الْأَشْيَاء وتحريمها فَتوجه الرِّضَا والسخط إِلَى أَنْفسهَا، وَكتب ذَلِك فِي الْمَلأ الْأَعْلَى بِخِلَاف مَا إِذا لبس الصُّوف الرفيع الَّذِي هُوَ أَعلَى وأغلى من الْحَرِير، وَاسْتعْمل أواني الْيَاقُوت فَإِنَّهُ لَا يَأْثَم بِنَفس هَذَا الْفِعْل، وَلَكِن إِن تحقق كسر قُلُوب الْفُقَرَاء وَحمل النَّاس على فعل ذَلِك أَو قصد الترفه بعد من الرَّحْمَة لأجل تِلْكَ الْمَفَاسِد وَإِلَّا فَلَا، وَحَيْثُ وجدت الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ فعلوا مَا يشبه التَّقْدِير، فانما مُرَادهم بَيَان الْمصلحَة وَالتَّرْغِيب فِيهَا، والمفسدة والترهيب عَنْهَا، وَإِنَّمَا أخرجُوا تِلْكَ الصُّورَة مخرج الْمثل لَا يقصدون إِلَيْهَا بالخصوص، وَإِنَّمَا يقصدون إِلَى الْمعَانِي وَإِن اشْتبهَ الْأَمر بَادِي الرَّأْي، وَحَيْثُ جوز الشَّرْع استبدال مِقْدَار بِقِيمَتِه كَبِنْت المخاص بِقِيمَتِهَا على قَول فعلى التَّسْلِيم هُوَ أَيْضا نوع من التَّقْدِير، وَذَلِكَ لِأَن التَّقْدِير لَا يُمكن الِاسْتِقْصَاء فِيهِ بِحَيْثُ يُفْضِي إِلَى التَّضْيِيق، وَلَكِن رُبمَا يقدر بِأَمْر ينطبق على أُمُور كَثِيرَة كَبِنْت الْمَخَاض نَفسهَا فانها رُبمَا كَانَت بنت مَخَاض آرفه من بنت مَخَاض، وَرُبمَا كَانَ التَّقْدِير بِالْقيمَةِ تَقْديرا بِحَدّ مَعْلُوم فِي الْجُمْلَة كتقدير نِصَاب الْقطع بِمَا يكون قِيمَته ربع دِينَار أَو ثَلَاثَة دَرَاهِم.
وَاعْلَم أَن التَّحْرِيم والايجاب وَالتَّحْرِيم من التَّقْدِير، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ كثيرا مَا تعن مصلحَة أَو مفْسدَة لَهَا صور كَثِيرَة، فَتعين صُورَة للايجاب أَو التَّحْرِيم، لِأَنَّهَا من الْأُمُور المضبوطة أَو لِأَنَّهَا مِمَّا عرفُوا حَالهَا فِي الْملَل السَّابِقَة، أَو رَغِبُوا فِيهَا أَكثر رَغْبَة وَلذَلِك اعتذر النَّبِي ﷺ وَقَالَ: " خشيت أَن يكْتب عَلَيْكُم " وَقَالَ " لَوْلَا أَن أشق على أمتِي لأمرتهم بِالسِّوَاكِ " وَإِذا كَانَ الْأَمر على ذَلِك لم يجز حمل غير الْمَنْصُوص حكمه على الْمَنْصُوص
стр. 189
حكمه، أما النّدب وَالْكَرَاهَة ففيهما تَفْصِيل: فَأَي مَنْدُوب أَمر الشَّارِع بِعَيْنِه، ونوه بأَمْره، وسنه للنَّاس - فحاله حَال الْوَاجِب، وَأي مَنْدُوب اقْتصر الشَّارِع على بَيَان مصْلحَته، أَو اخْتَار الْعَمَل هُوَ بِهِ من غير أَن يسنه، وينوه بأَمْره - فَهُوَ بَاقٍ على الْحَالة الَّتِي كَانَت قبل التشريع، وَإِنَّمَا نِصَاب الْأجر فِيهِ من قبل الْمصلحَة الَّتِي وجدت مَعَه لَا بِاعْتِبَار نَفسه، وَكَذَلِكَ حَال الْمَكْرُوه على هَذَا التَّفْصِيل، وَإِذا تحققت هَذِه الْمُقدمَة اتَّضَح عنْدك أَن أَكثر المقاييس الَّتِي يفتخر بهَا الْقَوْم، ويتطاولون لأَجلهَا على معشر أهل الحَدِيث يعود وبالا عَلَيْهِم من حَيْثُ لَا يعلمُونَ.
(بَاب كَيْفيَّة تلقي الْأمة الشَّرْع من النَّبِي ﷺ
وَاعْلَم أَن تلقي الْأمة مِنْهُ الشَّرْع على وَجْهَيْن: أَحدهمَا تلقي الظَّاهِر، وَلَا بُد أَن يكون بِنَقْل إِمَّا متواترا، أَو غير متواتر ... ، والمتواتر مِنْهُ الْمُتَوَاتر لفظا كالقرآن الْعَظِيم، وكنبذ يسير من الْأَحَادِيث مِنْهَا قَوْله ﷺ : " إِنَّكُم سَتَرَوْنَ ربكُم "، وَمِنْه
الْمُتَوَاتر معنى ككثير من أَحْكَام الطَّهَارَة وَالصَّلَاة وَالزَّكَاة وَالصَّوْم وَالْحج والبيوع وَالنِّكَاح والغزوات مِمَّا لم يخْتَلف فِيهِ فرقة من فرق الْإِسْلَام ... ، وَغير الْمُتَوَاتر أَعلَى درجاته المستفيض، وَهُوَ مَا رَوَاهُ ثَلَاثَة من الصَّحَابَة فَصَاعِدا، ثمَّ لم يزل يزِيد الروَاة إِلَى الطَّبَقَة الْخَامِسَة، وَهَذَا قسم كثير الْوُجُود، وَعَلِيهِ بِنَاء رُءُوس الْفِقْه. ثمَّ الْخَبَر الْمقْضِي لَهُ بِالصِّحَّةِ أَو الْحسن على أَلْسِنَة حفاظ الْمُحدثين وكبرائهم، ثمَّ أَخْبَار فِيهَا كَلَام قبلهَا بعض، وَلم يقبلهَا آخَرُونَ، فَمَا اعتضد مِنْهَا بالشواهد أَو قَول أَكثر أهل الْعلم أَو الْعقل الصَّرِيح وَجب إتباعه.
وَثَانِيهمَا التلقي دلَالَة، وَهِي أَن يرى الصَّحَابَة رَسُول الله ﷺ يَقُول، وَيفْعل، فاستنبطوا من ذَلِك حكما من الْوُجُوب وَغَيره، فَأخْبرُوا بذلك الحكم، فَقَالُوا. الشَّيْء الْفُلَانِيّ وَاجِب، وَذَلِكَ الآخر جَائِز، ثمَّ تلقى التابعون من الصَّحَابَة كَذَلِك، فدون الطَّبَقَة الثَّالِثَة فتاواهم
стр. 190
وقضاياهم، وأحكموا الْأَمر، وأكابر هَذَا الْوَجْه عمر وَعلي وَابْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس ﵃، لَكِن كَانَ من سيرة عمر ﵁ أَنه كَانَ يشاور الصَّحَابَة، ويناظرهم حَتَّى تنكشف الْغُمَّة، ويأتيه الثَّلج، فَصَارَ غَالب قضاياه وفتاواه متبعة فِي مَشَارِق الأَرْض وَمَغَارِبهَا، وَهُوَ قَول إِبْرَاهِيم لما مَاتَ عمر ﵁: ذهب تِسْعَة أعشار الْعلم، وَقَول ابْن مَسْعُود ﵁: كَانَ عمر إِذا سلك طَرِيقا وَجَدْنَاهُ سهلا، وَكَانَ عَليّ ﵁ لَا يشاور غَالِبا، وَكَانَ أغلب قضاياه بِالْكُوفَةِ، فَلم يحملهَا عَنهُ إِلَّا نَاس، وَكَانَ ابْن مَسْعُود رَضِي الله بِالْكُوفَةِ، فَلم يحمل عَنهُ غَالِبا إِلَّا أهل تِلْكَ النَّاحِيَة، وَكَانَ ابْن عَبَّاس ﵄ اجْتهد بعد عصر الْأَوَّلين، فناقضهم فِي كثير من الْأَحْكَام، وَاتبعهُ فِي ذَلِك أَصْحَابه من أهل
مَكَّة، وَلم يَأْخُذ بِمَا تفرد بِهِ جُمْهُور أهل الْإِسْلَام، وَأما غير هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَة فَكَانُوا يروون دلَالَة، وَلَكِن مَا كَانُوا يميزون الرُّكْن وَالشّرط من الْآدَاب وَالسّنَن، وَلم يكن لَهُم قَول عِنْد تعَارض الْأَخْبَار وتقابل الدَّلَائِل إِلَّا قَلِيلا كَابْن عمر وَعَائِشَة وَزيد بن ثَابت ﵃، وأكابر هَذَا الْوَجْه من التَّابِعين بِالْمَدِينَةِ الْفُقَهَاء السَّبْعَة لَا سِيمَا ابْن الْمسيب بِالْمَدِينَةِ، وبمكة عَطاء ابْن أبي رَبَاح، وبالكوفة إِبْرَاهِيم وَشُرَيْح وَالشعْبِيّ، وبالبصرة الْحسن. وَفِي ١ كل من الطريقتين خلل إِنَّمَا ينجبر بِالْأُخْرَى، وَلَا غنى لأحداهما عَن صاحبتها.
أما الأولى فَمن خللها مَا يدْخل فِي الرِّوَايَة بِالْمَعْنَى من التبديل، وَلَا يُؤمن من تَغْيِير الْمَعْنى، وَمِنْه مَا كَانَ الْأَمر فِي وَاقعَة خَاصَّة، فَظَنهُ الرَّاوِي حكما كليا، وَمِنْه مَا أخرج فِيهِ الْكَلَام مخرج التَّأْكِيد؛ ليعضوا عَلَيْهِ بالنواجذ، فَظن الرَّاوِي وجوبا أَو حُرْمَة، وَلَيْسَ الْأَمر على ذَلِك - فَمن كَانَ فَقِيها، وَحضر الْوَاقِعَة استنبط من الْقَرَائِن حَقِيقَة الْحَال كَقَوْل زيد ﵁ فِي النَّهْي عَن الْمُزَارعَة وَعَن بيع الثِّمَار قبل أَن يبدوا صَلَاحهَا: إِن ذَلِك كَانَ كالمشورة، وَأما الثَّانِيَة فَيدْخل فِيهَا قياسات الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ واستنباطهم من الْكتاب وَالسّنة، وَلَيْسَ الِاجْتِهَاد مصيبا فِي جَمِيع الْأَحْوَال، وَرُبمَا كَانَ لم يبلغ أحدهم الحَدِيث، أَو بلغه بِوَجْه لَا ينتهض بِمثلِهِ الْحجَّة، فَلم يعْمل بِهِ، ثمَّ ظهر جلية الْحَال على لِسَان صَحَابِيّ آخر بعد ذَلِك كَقَوْل عمر وَابْن مَسْعُود ﵄ فِي التَّيَمُّم عَن الْجَنَابَة، وَكَثِيرًا مَا كَانَ اتِّفَاق رُءُوس الصَّحَابَة ﵃ على شَيْء من قبل دلَالَة الْعقل على ارتفاق وَهُوَ قَوْله ﷺ : " عَلَيْكُم بِسنتي وَسنة الْخُلَفَاء الرَّاشِدين من بعدِي " وَلَيْسَ من أصُول الشَّرْع، فَمن كَانَ متبحرا فِي الْأَخْبَار وألفاظ الحَدِيث يَتَيَسَّر لَهُ التفصى عَن مزال الْأَقْدَام، وَلما كَانَ الْأَمر
стр. 191
كَذَلِك وَجب على الخائض فِي الْفِقْه أَن يكون متضلعا من كلا المشربين، ومتبحرا فِي كلا المذهبين، وَكَانَ أحسن شَعَائِر الْملَّة مَا أجمع عَلَيْهِ جُمْهُور الروَاة وَحَملَة الْعلم، وتطابق فِيهِ الطريقتان جَمِيعًا، وَالله أعلم.
(بَاب طَبَقَات كتب الحَدِيث)
اعْلَم أَنه لَا سَبِيل لنا إِلَى معرفَة الشَّرَائِع وَالْأَحْكَام إِلَّا خبر النَّبِي ﷺ بِخِلَاف الْمصَالح، فَإِنَّهَا قد تدْرك بالتجربة وَالنَّظَر الصَّادِق والحدس وَنَحْو ذَلِك، وَلَا سَبِيل لنا إِلَى معرفَة أخباره ﷺ إِلَّا تلقي الرِّوَايَات المنتهية إِلَيْهِ بالاتصال والعنعنة سَوَاء كَانَت من لَفظه ﷺ ، أَو كَانَت أَحَادِيث مَوْقُوفَة قد صحت الرِّوَايَة بهَا عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ بِحَيْثُ يبعد إقدامهم على الْجَزْم بِمثلِهِ لَوْلَا النَّص أَو الاشارة من الشَّارِع، فَمثل ذَلِك رِوَايَة عَنهُ ﷺ دلَالَة، وتلقي تِلْكَ الرِّوَايَات لَا سَبِيل إِلَيْهِ فِي يَوْمنَا هَذَا إِلَّا تتبع الْكتب الْمُدَوَّنَة فِي علم الحَدِيث، فَإِنَّهُ لَا يُوجد الْيَوْم رِوَايَة يعْتَمد عَلَيْهَا غير مدونة، وَكتب الحَدِيث على طَبَقَات مُخْتَلفَة ومنازل متباينة فَوَجَبَ الاعتناء بِمَعْرِِفَة طَبَقَات كتب الحَدِيث.
فَتَقول هِيَ بِاعْتِبَار الصِّحَّة والشهرة على أَربع طَبَقَات: وَذَلِكَ لِأَن أَعلَى أَقسَام الحَدِيث - كَمَا عرفت فِيمَا سبق - مَا ثَبت بالتواتر، وأجمعت الْأمة على قبُوله الْعَمَل بِهِ، ... ثمَّ مَا استفاض من طرق مُتعَدِّدَة لَا يبْقى مَعهَا شُبْهَة يعْتد بهَا، وَاتفقَ على الْعَمَل بِهِ جُمْهُور فُقَهَاء الْأَمْصَار، أَو لم يخْتَلف فِيهِ عُلَمَاء الْحَرَمَيْنِ خَاصَّة، فَإِن الْحَرَمَيْنِ مَحل الْخُلَفَاء الرَّاشِدين فِي الْقُرُون الأولى ومحط رحال الْعلمَاء طبقَة بعد طبقَة يبعد أَن يسلمُوا مِنْهُم الْخَطَأ الظَّاهِر، أَو كَانَ قولا مَشْهُورا مَعْمُولا بِهِ فِي قطر عَظِيم مرويا عَن جمَاعَة عَظِيمَة من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ، ثمَّ مَا صَحَّ، أَو حسن سَنَده، وَشهد بِهِ عُلَمَاء الحَدِيث، وَلم يكن قولا متروكا لم يذهب إِلَيْهِ أحد من الْأمة، أما مَا كَانَ ضَعِيفا مَوْضُوعا أَو مُنْقَطِعًا أَو مقلوبا فِي سَنَده أَو مَتنه أَو من رِوَايَة المجاهيل أَو مُخَالفا لما أجمع عَلَيْهِ السّلف طبقَة بعد طبقَة، فَلَا سَبِيل إِلَى القَوْل بِهِ، ... ، فالصحة أَن يشْتَرط مؤلف الْكتاب على نَفسه إِيرَاد مَا صَحَّ أَو حسن غير مقلوب وَلَا شَاذ وَلَا ضَعِيف إِلَّا مَعَ بَيَان حَاله، فَإِن إِيرَاد الضَّعِيف مَعَ بَيَان حَاله لَا يقْدَح فِي الْكتاب.
والشهرة أَن تكون الْأَحَادِيث الْمَذْكُورَة فِيهَا دَائِرَة على أَلْسِنَة الْمُحدثين قبل تدوينها وَبعد تدوينها، فَيكون أَئِمَّة الحَدِيث قبل الْمُؤلف رووها بطرق شَتَّى، وأوردوها فِي مسانيدهم
стр. 192
ومجاميعهم، وَبعد الْمُؤلف اشتغلوا بِرِوَايَة الْكتاب وَحفظه وكشف مشكله وَشرح غَرِيبه وَبَيَان إعرابه وَتَخْرِيج طرق أَحَادِيثه واستنباط فقهها والفحص عَن أَحْوَال رواتها طبقَة بعد طبقَة إِلَى يَوْمنَا هَذَا حَتَّى لَا يبْقى شَيْء مِمَّا يتَعَلَّق بِهِ غير مبحوث عَنهُ إِلَّا مَا شَاءَ الله، وَيكون نقاد الحَدِيث قبل المُصَنّف وَبعده وافقوه فِي القَوْل بهَا، وحكموا بِصِحَّتِهَا، وارتضوا رَأْي المُصَنّف فِيهَا، وتلقوا كِتَابه بالمدح وَالثنَاء، وَيكون أَئِمَّة الْفِقْه لَا يزالون يستنبطون عَنْهَا، ويعتمدون عَلَيْهَا، ويعتنون بهَا، وَيكون الْعَامَّة لَا يخلون عَن اعتقادها وتعظيمها.
وَبِالْجُمْلَةِ فَإِذا اجْتمعت هَاتَانِ الخصلتان كملا فِي كتاب كَانَ من الطَّبَقَة الأولى ثمَّ وَثمّ، وَإِن فقدتا رَأْسا لم يكن لَهُ اعْتِبَار، وَمَا كَانَ أَعلَى حد فِي الطَّبَقَة الأولى فَإِنَّهُ يصل حد التَّوَاتُر، وَمَا دون ذَلِك يصل إِلَى الاستفاضة، ثمَّ إِلَى الصِّحَّة القطعية أَعنِي الْقطع الْمَأْخُوذ فِي علم الحَدِيث الْمُفِيد للْعَمَل، والطبقة الثَّانِيَة إِلَى الاستفاضة أَو الصِّحَّة القطعية أَو الظنية وَهَكَذَا ينزل الْأَمر.
فالطبقة الأولى منحصرة بالاستقراء فِي ثَلَاثَة كتب، الْمُوَطَّأ، وصحيح البُخَارِيّ، وصحيح مُسلم. قَالَ الشَّافِعِي: أصح الْكتب بعد كتاب الله موطأ مَالك، وَاتفقَ أهل الحَدِيث على أَن جَمِيع مَا فِيهِ صَحِيح على رَأْي مَالك وَمن وَافقه، وَأما على رَأْي غَيره فَلَيْسَ فِيهِ مُرْسل وَلَا مُنْقَطع إِلَّا قد اتَّصل السَّنَد بِهِ من طرق أُخْرَى، فَلَا جرم أَنَّهَا صَحِيحَة من هَذَا الْوَجْه، وَقد صنف فِي زمَان مَالك موطآت كَثِيرَة فِي تَخْرِيج أَحَادِيثه وَوصل منقطعه، مثل كتاب ابْن أبي ذِئْب وَابْن عُيَيْنَة وَالثَّوْري وَمعمر وَغَيرهم مِمَّن شَارك مَالِكًا
فِي الشُّيُوخ، وَقد رَوَاهُ عَن مَالك بِغَيْر وَاسِطَة أَكثر من ألف رجل وَقد ضرب النَّاس فِيهِ أكباد الْإِبِل إِلَى مَالك من أقاصي الْبِلَاد كَمَا كَانَ النَّبِي ﷺ ذكره فِي حَدِيثه، فَمنهمْ المبرزون من الْفُقَهَاء كالشافعي وَمُحَمّد بن الْحسن، وَابْن وهب وَابْن الْقَاسِم، وَمِنْهُم نحارير الْمُحدثين كيحيى ابْن سعيد الْقطَّان وَعبد الرَّحْمَن بن مهْدي وَعبد الرَّزَّاق، وَمِنْهُم الْمُلُوك والأمراء كالرشيد وابنيه، وَقد اشْتهر فِي عصره حَتَّى بلغ على جَمِيع ديار الْإِسْلَام، ثمَّ لم يَأْتِ زمَان إِلَّا وَهُوَ أَكثر لَهُ شهرة وَأقوى بِهِ عناية، وَعَلِيهِ بنى فُقَهَاء الْأَمْصَار مذاهبهم حَتَّى أهل الْعرَاق فِي بعض أَمرهم، وَلم يزل الْعلمَاء يخرجُون أَحَادِيثه، ويذكرون متابعاته وشواهده، ويشرحون غَرِيبه، ويضبطون مشكله ويبحثون عَن فقهه، ويفتشون عَن رِجَاله إِلَى غَايَة لَيْسَ بعْدهَا غَايَة. وَإِن شِئْت الْحق الصراح فقس كتاب الْمُوَطَّأ بِكِتَاب الأثار لمُحَمد والأمالي لأبي يُوسُف تَجِد بَينه وَبَينهمَا بعد المشرقين، فَهَل سَمِعت أحدا من الْمُحدثين وَالْفُقَهَاء تعرض لَهما واعتنى بهما؟ .
стр. 193
أما الصحيحان فقد اتّفق المحدثون على أَن جَمِيع مَا فيهمَا من الْمُتَّصِل الْمَرْفُوع صَحِيح بِالْقطعِ، وأنهما متواتران إِلَى مصنفيهما، وَأَنه كل من يهون أَمرهمَا فَهُوَ مُبْتَدع مُتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ. وَإِن شِئْت الْحق الصراح فقسهما بِكِتَاب ابْن أبي شيبَة وَكتاب الطَّحَاوِيّ ومسند الْخَوَارِزْمِيّ وَغَيرهمَا تَجِد بَينهَا وَبَينهمَا بعد المشرقين وَقد استدرك الْحَاكِم عَلَيْهِمَا أَحَادِيث هِيَ على شَرطهمَا وَلم يذكراها، وَقد تتبعت مَا استدركه، فَوَجَدته قد أصَاب من وَجه، وَلم يصب من وَجه، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ وجد أَحَادِيث مروية عَن رجال الشَّيْخَيْنِ بشرطهما فِي الصِّحَّة والاتصال، فاتجه استدراكه عَلَيْهِمَا من هَذَا الْوَجْه، وَلَكِن الشَّيْخَيْنِ لَا يذكران إِلَّا حَدِيثا قد تناظر فِيهِ مشايخهما، وَأَجْمعُوا على القَوْل بِهِ والتصحيح لَهُ، كَمَا أَشَارَ مُسلم حَيْثُ قَالَ: لم أذكر هَهُنَا إِلَّا مَا أَجمعُوا عَلَيْهِ، وَجل مَا تفرد بِهِ الْمُسْتَدْرك كالموكا عَلَيْهِ المخفي مَكَانَهُ فِي
زمن مشايخهما وَإِن اشْتهر أمره من بعد، أَو مَا اخْتلف المحدثون فِي رِجَاله فالشيخان كأساتذتهما كَانَا يعتنيان بالبحث عَن نُصُوص الْأَحَادِيث فِي الْوَصْل والانقطاع وَغير ذَلِك حَتَّى يَتَّضِح الْحَال، وَالْحَاكِم يعْتَمد فِي الْأَكْثَر على قَوَاعِد مخرجة من صنائعهم كَقَوْلِه: زِيَادَة الثِّقَات مَقْبُولَة، وَإِذا اخْتلف النَّاس فِي الْوَصْل والإرسال وَالْوَقْف وَالرَّفْع وَغير ذَلِك فَالَّذِي حفظ الزِّيَادَة حجَّة على من لم يحفظ، وَالْحق أَنه كثيرا مَا يدْخل الْخلَل فِي الْحفاظ من قبل الْمَوْقُوف وَوصل الْمُنْقَطع لَا سِيمَا عِنْد رغبتهم فِي الْمُتَّصِل الْمَرْفُوع وتنويههم بِهِ، فالشيخان لَا يَقُولَانِ بِكَثِير مِمَّا يَقُوله الْحَاكِم، وَالله أعلم.
وَهَذِه الْكتب الثَّلَاثَة الَّتِي اعتنى القَاضِي عِيَاض فِي الْمَشَارِق بضبط مشكلها ورد تصحيفها.
الطَّبَقَة الثَّانِيَة: كتب لم تبلغ مبلغ الْمُوَطَّأ والصحيحين، وَلكنهَا تتلوها. كَانَ مصنفوها معروفين بالوثوق وَالْعَدَالَة وَالْحِفْظ والتبحر فِي فنون الحَدِيث، وَلم يرْضوا فِي كتبهمْ هَذِه بالتساهل فِيمَا اشترطوا على أنفسهم، فتلقاها من بعدهمْ بِالْقبُولِ، واعتنى بهَا المحدثون وَالْفُقَهَاء طبقَة بعد طبقَة، واشتهرت فِيمَا بَين النَّاس، وَتعلق بهَا الْقَوْم شرحا لغريبها وفحصا عَن رجالها واستنباطا لفقهها. وعَلى تِلْكَ الْأَحَادِيث بِنَاء عَامَّة الْعُلُوم كسنن أبي دَاوُد وجامع التِّرْمِذِيّ ومجتبى النَّسَائِيّ، وَهَذِه الْكتب مَعَ الطَّبَقَة الأولى اعتنى بأحاديثها رزين فِي تَجْرِيد الصِّحَاح وَابْن الْأَثِير فِي جَامع الْأُصُول وَكَاد مُسْند أَحْمد يكون من جملَة هَذِه الطَّبَقَة، فَإِن الإِمَام أَحْمد جعله أصلا يعرف بِهِ الصَّحِيح والسقيم قَالَ: مَا لَيْسَ فِيهِ فَلَا تقبلوه.
стр. 194
والطبقة الثَّالِثَة: مسانيد وجوامع ومصنفات صنفت - قبل البُخَارِيّ وَمُسلم وَفِي زمانهما وبعدهما - جمعت بَين الصَّحِيح وَالْحسن والضعيف
وَالْمَعْرُوف والغريب والشاذ وَالْمُنكر وَالْخَطَأ وَالصَّوَاب وَالثَّابِت والمقلوب، وَلم تشتهر فِي الْعلمَاء ذَلِك الاشتهار وَإِن زَالَ عَنْهَا اسْم النكارة الْمُطلقَة، وَلم يتداول مَا تفردت بِهِ الْفُقَهَاء كثير تداول، وَلم تفحص عَن صِحَّتهَا وسقمها المحدثون كثير فحص، وَمِنْه مَا لم يَخْدمه لغَوِيّ لشرح غَرِيب، وَلَا فَقِيه بتطبيقه بمذاهب السّلف، وَلَا مُحدث بِبَيَان مشكله، وَلَا مؤرخ بِذكر أَسمَاء رِجَاله، وَلَا أُرِيد الْمُتَأَخِّرين المتعمقين، وَإِنَّمَا كَلَامي فِي الْأَئِمَّة الْمُتَقَدِّمين من أهل الحَدِيث فَهِيَ بَاقِيَة على استتارها واختفائها وخمولها كمسند أبي عَليّ ومصنف عبد الرازق ومصنف أبي بكر بن أبي شيبَة ومسند عبد ابْن حميد وَالطَّيَالِسِي وَكتب الْبَيْهَقِيّ والطَّحَاوِي وَالطَّبَرَانِيّ وَكَانَ قصدهم جمع مَا وجدوه لَا تلخيصه وتهذيبه وتقريبه من الْعَمَل.
والطبقة الرَّابِعَة. كتب قصد مصنفوها بعد قُرُون متطاولة جمع مَا لم يُوجد فِي الطبقتين الْأَوليين وَكَانَت فِي المجاميع وَالْمَسَانِيد المختفية فنوهوا بأمرها، وَكَانَت على أَلْسِنَة من لم يكْتب حَدِيثه المحدثون ككثير من الوعاظ المتشدقين وَأهل الْأَهْوَاء والضعفاء، أَو كَانَت من آثَار الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ، أَو من أَخْبَار بني إِسْرَائِيل، أَو من كَلَام الْحُكَمَاء والوعاظ خلطها الروَاة بِحَدِيث النَّبِي ﷺ سَهوا أَو عمدا، أَو كَانَت من محتملات الْقُرْآن والْحَدِيث الصَّحِيح، فرواها بِالْمَعْنَى قوم صَالِحُونَ لَا يعْرفُونَ غوامض الرِّوَايَة، فَجعلُوا الْمعَانِي أَحَادِيث مَرْفُوعَة، أَو كَانَت مَعَاني مفهومة من إشارات الْكتاب وَالسّنة جعلوها أَحَادِيث مستبدة برأسها عمدا، أَو كَانَت جملا شَتَّى فِي أَحَادِيث مُخْتَلفَة جعلوها حَدِيثا وَاحِدًا بنسق وَاحِد، ومظنة هَذِه الْأَحَادِيث كتاب الضُّعَفَاء لِابْنِ حبَان وكامل ابْن عدي، وَكتب الْخَطِيب وَأبي نعيم والجوزقاني وَابْن عَسَاكِر وَابْن النجار والديلمي، وَكَاد مُسْند الْخَوَارِزْمِيّ يكون من هَذِه الطَّبَقَة، وَأصْلح هَذِه الطَّبَقَة مَا كَانَ ضَعِيفا
مُحْتملا وأسوؤها مَا كَانَ مَوْضُوعا أَو مقلوبا شَدِيد النكارة. وَهَذِه الطَّبَقَة مَادَّة كتاب الموضوعات لِابْنِ الْجَوْزِيّ.
هَهُنَا طبقَة خَامِسَة مِنْهَا مَا اشْتهر على أَلْسِنَة الْفُقَهَاء والصوفية والمؤرخين وَنَحْوهم، وَلَيْسَ لَهُ أصل فِي هَذِه الطَّبَقَات الْأَرْبَع، وَمِنْهَا مَا دسه الماجن فِي دينه الْعَالم بِلِسَانِهِ فَأتى بِإِسْنَاد قوي لَا يُمكن الْجرْح فِيهِ، وَكَلَام بليغ لَا يبعد صدروه عَنهُ ﷺ ، فأثار فِي الْإِسْلَام مُصِيبَة عَظِيمَة، لَكِن الجهابذة من أهل الحَدِيث يوردون مثل ذَلِك على المتابعات والشواهد، فتهتك الأستار وَيظْهر العوار،
стр. 195
أما الطَّبَقَة الأولى وَالثَّانيَِة فعلَيْهِمَا اعْتِمَاد الْمُحدثين، وحوم حماهما مرتعهم ومسرحهم. وَأما الثَّالِثَة فَلَا يُبَاشِرهَا للْعَمَل عَلَيْهَا وَالْقَوْل بهَا إِلَّا النحارير الجهابذة الَّذين يحفظون أَسمَاء الرِّجَال وَعلل الْأَحَادِيث، نعم رُبمَا يُؤْخَذ مِنْهَا المتابعات والشواهد. ﴿قد جعل الله لكل شَيْء قدرا﴾ .
وَأما الرَّابِعَة فالاشتغال بجمعها أَو الاستنباط مِنْهَا نوع تعمق من الْمُتَأَخِّرين. وَإِن شِئْت الْحق فطوائف المبتدعين من الرافضة والمعتزلة وَغَيرهم يتمكنون بِأَدْنَى عناية أَن يلخصوا مِنْهَا شَوَاهِد مذاهبهم، فالانتصار بهَا غير صَحِيح فِي معارك الْعلمَاء بِالْحَدِيثِ، وَالله أعلم.
(بَاب كَيْفيَّة فهم المُرَاد من الْكَلَام)
اعْلَم أَن تَعْبِير الْمُتَكَلّم عَمَّا فِي ضَمِيره وَفهم السَّامع إِيَّاه يكون على دَرَجَات مترتبة فِي الوضوح والخفاء: أَعْلَاهَا مَا صرح فِيهِ بِثُبُوت الحكم للموضوع لَهُ عينا، وسيق الْكَلَام لأجل تِلْكَ الإفادة، وَلم يحْتَمل معنى آخر، ويتلوه مَا عدم فِيهِ أحد الْقُيُود الثَّلَاثَة، إِمَّا أثبت الحكم لعنوان عَام يتَنَاوَل
جمعا من المسميات شمولا أَو بَدَلا مثل النَّاس والمسلمون وَالْقَوْم وَالرِّجَال، وَأَسْمَاء الْإِشَارَة إِذا عَمت صلتها والموصوف بِوَصْف عَام والمنفي بِلَا الْجِنْس فَإِن الْعَام يلْحقهُ التَّخْصِيص كثيرا، وَإِمَّا لم يسْبق الْكَلَام لتِلْك الإفادة إِن لَزِمت مِمَّا هُنَالك، مثل جَاءَنِي زيد الْفَاضِل بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْفضل وَيَا زيد الْفَقِير بِالنِّسْبَةِ إِلَى ثُبُوت الْفقر لَهُ، وَإِمَّا احْتمل معنى آخر أَيْضا كاللفظ الْمُشْتَرك وَالَّذِي لَهُ حَقِيقَة مستعملة ومجاز مُتَعَارَف وَالَّذِي يكون مَعْرُوفا بالمثال وَالْقِسْمَة غير مَعْرُوف بِالْحَدِّ الْجَامِع الْمَانِع كالسفر مَعْلُوم أَن من أمثلته الْخُرُوج من الْمَدِينَة قَاصِدا لمَكَّة، وَمَعْلُوم أَن من الْحَرَكَة تفرج، وَمِنْهَا تردد فِي الْحَاجة بِحَيْثُ يأوي إِلَى الْقرْيَة فِي يَوْمه، وَمِنْهَا سفر وَلَا يعرف الْحَد والدائر بَين شَخْصَيْنِ كاسم الْإِشَارَة وَالضَّمِير عِنْد تعَارض الْقَرَائِن أَو صدق الصِّلَة عَلَيْهِمَا،
стр. 196
ثمَّ يتلوه مَا أفهمهُ الْكَلَام من غير توَسط اسْتِعْمَال اللَّفْظ فِيهِ، ومعظمه ثَلَاثَة، الفحوى وَهُوَ يفهم أَن الْكَلَام حَال الْمَسْكُوت عَنهُ بِوَاسِطَة الْمَعْنى الْحَامِل على الحكم مثل: ﴿وَلَا تقل لَهما أُفٍّ﴾ .
يفهم مِنْهُ حُرْمَة الضَّرْب بطرِيق الأولى، وَمثل " من أكل فِي نَهَار رَمَضَان وَجب عَلَيْهِ الْقَضَاء " يفهم مِنْهُ أَن المُرَاد نقض الصَّوْم، وَإِنَّمَا خص الْأكل لِأَنَّهُ صُورَة تتبادر إِلَى الذِّهْن، والاقتضاء وَهُوَ أَن يفهمها بِوَاسِطَة لُزُومه للمستعمل فِيهِ عَادَة أَو عقلا أَو شرعا، اعتقت، وبعت - يقتضيان سبق ملك، مَشى يَقْتَضِي سَلامَة الرجل، صلى يَقْتَضِي أَنه على الطَّهَارَة، والإيماء وَهُوَ أَن أَدَاء الْمَقْصُود يكون بعبارات بِإِزَاءِ الاعتبارات الْمُنَاسبَة، فيقصد البلغاء مُطَابقَة الْعبارَة للاعتبار الْمُنَاسب الزَّائِد على أصل الْمَقْصُود،
فيفهم الْكَلَام الِاعْتِبَار الْمُنَاسب لَهُ كالتقييد بِالْوَصْفِ أَو الشَّرْط يدلان على عدم الحكم عِنْد عدمهما حَيْثُ لم يقْصد مشاكلة السُّؤَال وَلَا بَيَان الصُّورَة المتبادرة إِلَى الأذهان وَلَا بَيَان فَائِدَة الحكم وكمفهوم الِاسْتِثْنَاء والغاية وَالْعدَد، وَشرط اعْتِبَار الْإِيمَاء أَن يجْرِي التَّنَاقُض بِهِ فِي عرف أهل اللِّسَان مثل - على عشرَة إِلَّا شَيْء إِنَّمَا على وَاحِد - يحكم عَلَيْهِ الْجُمْهُور بالتناقض، وَأما مَا لَا يُدْرِكهُ إِلَّا المتعمقون فِي علم الْمعَانِي، فَلَا عِبْرَة بِهِ، ثمَّ يتلوه مَا اسْتدلَّ عَلَيْهِ بمضمون الْكَلَام ومعظمه ثَلَاثَة، الدرج فِي الْعُمُوم مثل الذِّئْب ذُو نَاب وكل ذِي نَاب حرَام، وَبَيَانه بالاقتراني وَهُوَ قَوْله ﷺ : " وَمَا أنزل عَليّ فِي الْخمر شَيْء إِلَّا هَذِه الْآيَة الفاذة الجامعة: ﴿فَمن يعْمل مِثْقَال ذرة خيرا يره وَمن يعْمل مِثْقَال ذرة شرا يره﴾ .
وَمِنْه اسْتِدْلَال ابْن عَبَّاس بقوله تَعَالَى: ﴿فبهداهم اقتده﴾ .
وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَظن دَاوُد أَنما فتناه فَاسْتَغْفر ربه وخر رَاكِعا وأناب﴾ .
حَيْثُ قَالَ نَبِيكُم أَمر بِأَن يقْتَدى بِهِ، وَالِاسْتِدْلَال بالملازمة أَو الْمُنَافَاة مثل لَو كَانَ الْوتر وَاجِبا لم يؤد على الرَّاحِلَة لكنه يُؤدى كَذَلِك، وَبَيَانه بالشرطي وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿
стр. 197
لَو كَانَ فيهمَا آلِهَة إِلَّا الله لفسدتا﴾ .
وَالْقِيَاس، وَهُوَ تَمْثِيل صُورَة بِصُورَة فِي عِلّة جَامِعَة بَينهمَا مثل الحمص ربوى كالحنطة وَمِنْه قَوْله ﷺ : " أَرَأَيْت لَو كَانَ على أَبِيك دين فقضيته عَنهُ أَكَانَ يجزى عَنهُ؟ قَالَ نعم قَالَ فاحجج عَنهُ " وَالله أعلم.
(بَاب كَيْفيَّة فهم الْمعَانِي الشَّرْعِيَّة من الْكتاب وَالسّنة)
وَاعْلَم أَن الصِّيغَة الدَّالَّة على الرِّضَا والسخط هِيَ الْحبّ والبغض، وَالرَّحْمَة واللعنة، والقرب والبعد وَنسبَة الْفِعْل إِلَى المرضيين أَو المسخوطين كالمؤمنين وَالْمُنَافِقِينَ، وَالْمَلَائِكَة وَالشَّيَاطِين، وَأهل الْجنَّة وَالنَّار والطلب وَالْمَنْع، وَبَيَان الْجَزَاء الْمُتَرَتب على الْفِعْل، والتشبيه بمحمود فِي الْعرف أَو مَذْمُوم، واهتمام النَّبِي ﷺ بِفِعْلِهِ أَو اجتنابه عَنهُ مَعَ حُضُور دواعيه.
وَأما التَّمْيِيز بَين دَرَجَات الرِّضَا والسخط من الْوُجُوب وَالنَّدْب وَالْحُرْمَة والكراهية، فأصرحه مَا بَين حَال مخالفه مثل " من لم يؤد زَكَاة مَاله مثل لَهُ " الحَدِيث وَقَوله ﷺ " وَمن لَا فَلَا حرج "، ثمَّ اللَّفْظ مثل يجب، وَلَا يحل، وَجعل الشَّيْء ركن الْإِسْلَام أَو الْكفْر، وَالتَّشْدِيد الْبَالِغ على فعله، أَو تَركه، وَمثل - لَيْسَ من الْمُرُوءَة، وَلَا يَنْبَغِي -، ثمَّ حكم الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ فِي ذَلِك كَقَوْل عمر ﵁: إِن سَجْدَة التِّلَاوَة لَيست بواجبة، وَقَول عَليّ ﵁: إِن الْوتر لَيْسَ بِوَاجِب، ثمَّ حَال الْمَقْصد من كَونه تكميلا لطاعة أَو سدا لذريعة إِثْم أَو من بَاب الْوَقار وَحسن الْأَدَب.
وَأما معرفَة الْعلَّة والركن وَالشّرط فأصرحها مَا يكون بِالنَّصِّ مثل " كل مُسكر حرَام " " لَا صَلَاة لمن لم يقْرَأ بِأم الْكتاب " " لَا تقبل صَلَاة أحدكُم حَتَّى يتَوَضَّأ "، ثمَّ بِالْإِشَارَةِ والإيماء مثل قَول الرجل: " واقعت أَهلِي فِي رَمَضَان قَالَ: " أعتق رَقَبَة "، وَتَسْمِيَة الصَّلَاة قيَاما وركوعا وسجودا يفهم أَنَّهَا أَرْكَانهَا.
قَوْله ﷺ : " دعهما فَإِنِّي أدخلتهما طاهرتين " يفهم اشْتِرَاط الطَّهَارَة عِنْد لبس الْخُفَّيْنِ،
стр. 198
ثمَّ أَن يكثر الحكم بِوُجُود الشَّيْء عِنْد وجوده أَو عَدمه عِنْد عَدمه حَتَّى يَتَقَرَّر فِي الذِّهْن عَلَيْهِ الشَّيْء أَو ركنيته أَو شرطيته بِمَنْزِلَة مَا يدب فِي ذهن الْفَارِسِي من معرفَة مَوْضُوعَات اللُّغَة الْعَرَبيَّة عِنْد ممارسة الْعَرَب واستعمالهم إِيَّاهَا فِي الْمَوَاضِع المقرونة بالقرائن من حَيْثُ لَا يدْرِي، وَإِنَّمَا مِيزَانه نفس تِلْكَ الْمعرفَة فَإِذا رَأينَا الشَّارِع كلما صلى ركع، وَسجد، وَدفع عَنهُ الزّجر، وتكرر ذَلِك جزمنا بِالْمَقْصُودِ، وَإِن شِئْت الْحق فَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمد فِي معرفَة الْأَوْصَاف النفسية مُطلقًا، فَإِذا رَأينَا النَّاس يجمعُونَ الْخشب، ويصنعون مِنْهُ شَيْئا يجلس عَلَيْهِ، ويسمونه السرير نَزَعْنَا من ذَلِك أَوْصَافه النفسية، ثمَّ تَخْرِيج لمناط اعْتِمَادًا على وجدان مُنَاسبَة أَو على السبر والحذف.
وَأما معرفَة الْمَقَاصِد الَّتِي بني عَلَيْهَا الْأَحْكَام فَعلم دَقِيق لَا يَخُوض فِيهِ إِلَّا من لطف ذهنه، واستقام فهمه، وَكَانَ فُقَهَاء الصَّحَابَة تلقت أصُول الطَّاعَات والآثام من المشهورات الَّتِي أجمع عَلَيْهَا الْأُمَم الْمَوْجُودَة يَوْمئِذٍ كمشركي الْعَرَب كاليهود وَالنَّصَارَى، فَلم تكن لَهُم حَاجَة إِلَى معرفَة لمياتها، وَلَا الْبَحْث عَمَّا يتَعَلَّق بذلك.
أما قوانين التشريع والتيسير وَأَحْكَام الدّين فتلقوها من مُشَاهدَة مواقع الْأَمر وَالنَّهْي، كَمَا أَن جلساء الطَّبِيب يعْرفُونَ مَقَاصِد الْأَدْوِيَة الَّتِي يَأْمر بهَا بطول المخالطة والممارسة، وَكَانُوا فِي الدرجَة الْعليا من مَعْرفَتهَا، وَمِنْه قَول عمر ﵁ لمن أَرَادَ أَن يصل النَّافِلَة بالفريضة: بِهَذَا هلك من قبلكُمْ، فَقَالَ النَّبِي ﷺ : " أصَاب الله بك يَا ابْن الْخطاب " وَقَول ابْن عَبَّاس ﵄ فِي بَيَان سَبَب الْأَمر بِغسْل يَوْم الْجُمُعَة، وَقَول عمر ﵁: وَافَقت رَبِّي فِي ثَلَاث: وَقَول زيد ﵁ فِي الْبيُوع
الْمنْهِي عَنْهَا: إِنَّه كَانَ يُصِيب الثِّمَار مراض قشام دمان الخ، وَقَول عَائِشَة ﵂: " لَو أردك النَّبِي ﷺ مَا أحدثه النِّسَاء لمنعهن من الْمَسَاجِد كَمَا منعت نسَاء بني إِسْرَائِيل ".
وأصرح طرقها مَا بَين فِي نَص الْكتاب وَالسّنة مثل. ﴿
стр. 199
وَلكم فِي الْقصاص حَيَاة يَا أولي الْأَلْبَاب﴾ .
وَقَوله تَعَالَى: ﴿علم الله أَنكُمْ كُنْتُم تختانون أَنفسكُم فَتَابَ عَلَيْكُم وَعَفا عَنْكُم﴾ .
وَقَوله تَعَالَى: ﴿الْآن خفف الله عَنْكُم وَعلم أَن فِيكُم ضعفا﴾ .
وَقَوله تَعَالَى: ﴿إِلَّا تفعلوه تكن فتْنَة فِي الأَرْض وَفَسَاد كَبِير﴾ .
وَقَوله تَعَالَى: ﴿أَن تضل إِحْدَاهمَا فَتذكر إِحْدَاهمَا الْأُخْرَى﴾ .
وَقَوله ﷺ : " لَا يدْرِي أَيْن باتت يَده " وَقَوله ﷺ : " إِن الشَّيْطَان يبيت على خيشومه " ثمَّ مَا أُشير إِلَيْهِ أَو أومئ مثل قَوْله ﷺ : " اتَّقوا اللاعنين " وَقَوله ﷺ : " وكاء السه العينان " ثمَّ مَا ذكره الصَّحَابِيّ الْفَقِيه، ثمَّ تَخْرِيج المناط بِوَجْه يرجع إِلَى مقصد ظهر اعْتِبَاره أَو اعْتِبَار نَظِيره فِي نَظِير الْمَسْأَلَة، وَلَيْسَ فِي الْأَمر جزاف فَيجب أَن يبْحَث عَن الْمَقَادِير لم عينت دون نظائرها، وَعَن مخصصات الْعُمُوم لم استثنيت لفقد الْمَقْصد أَو لقِيَام مَانع يرجح عِنْد التَّعَارُض وَالله أعلم.
(بَاب الْقَضَاء فِي الْأَحَادِيث الْمُخْتَلفَة)
الأَصْل أَن يعْمل بِكُل حَدِيث إِلَّا أَن يمْتَنع الْعَمَل بِالْجَمِيعِ للتناقض، وَأَنه لَيْسَ فِي الْحَقِيقَة اخْتِلَاف، وَلَكِن فِي نَظرنَا فَقَط، فَإِذا ظهر حديثان مُخْتَلِفَانِ فَإِن كَانَا من بَاب حِكَايَة الْفِعْل، فَحكى صَحَابِيّ أَنه ﷺ فعل شَيْئا، وَحكى آخر أَنه فعل شَيْئا آخر، فَلَا تعَارض، ويكونان مباحين إِن كَانَا من بَاب الْعَادة دون الْعِبَادَة، أَو أَحدهمَا مُسْتَحبا وَالْآخر جَائِزا إِن لَاحَ على أَحدهمَا آثَار الْقرْبَة دون الآخر، أَو يكونَانِ جَمِيعًا مستحبين أَو واجبين يَكْفِي أَحدهمَا كِفَايَة الآخر إِن كَانَا جَمِيعًا من بَاب الْقرْبَة، وَقد نَص حفاظ الصَّحَابَة على مثله فِي كثير من السّنَن كالوتر بِإِحْدَى عشرَة رَكْعَة وبتسع وَسبع وكالجهر فِي التَّهَجُّد والمخافتة، وعَلى هَذَا الأَصْل يَنْبَغِي أَن يقْضِي فِي رفع الْيَدَيْنِ إِلَى الْأُذُنَيْنِ أَو الْمَنْكِبَيْنِ، وَفِي تشهد عمر وَابْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَفِي الْوتر هَل هُوَ رَكْعَة مُنْفَرِدَة أَو ثَلَاث رَكْعَات، وَفِي أدعية الاستفتاح وأدعية الصَّباح والمساء وَسَائِر الْأَسْبَاب والأوقات ... أَو يكونَانِ مُخلصين عَن مضيق إِن تقدم مَا يُوجب ذَلِك كخصال الْكَفَّارَة وكأجزية الْمُحَارب فِي قَول، أَو يكون هُنَالك عِلّة خُفْيَة
توجب، أَو تحسن أحد الْفِعْلَيْنِ فِي وَقت وَالْآخر فِي وَقت، أَو توجب شَيْئا وقتا، وترخص وقتا، فَيجب أَن يفحص عَنْهَا، أَو يكون أَحدهمَا عَزِيمَة وَالْآخر رخصَة إِن لَاحَ أثر الْأَصَالَة فِي الأول وَاعْتِبَار
стр. 200
الْحَرج فِي الثَّانِي وَإِن ظهر دَلِيل النّسخ قيل بِهِ ... ، وَإِن كَانَ أَحدهمَا حِكَايَة فعل وَالْآخر رفع قَول فَإِن لم يكن القَوْل قَطْعِيّ الدّلَالَة على تَحْرِيم أَو وجوب أَو قَطْعِيّ الرّفْع احتملا وُجُوهًا. وَإِن كَانَ قَطْعِيا حملا على تَخْصِيص الْفِعْل بِهِ ﷺ أَو النّسخ، فيفحص عَن قرائنهما وَإِن كَانَ قَوْلَيْنِ فَإِن كَانَ أَحدهمَا ظَاهرا فِي معنى مؤلا فِي غَيره، وَكَانَ التَّأْوِيل قَرِيبا حمل على أَن أَحدهمَا بَيَان للْآخر، وَإِن كَانَ بَعيدا لم يحمل عَلَيْهِ إِلَّا عِنْد قرينَة قَوِيَّة جدا أَو نقل التَّأْوِيل عَن صَحَابِيّ فَقِيه كَقَوْل عبد الله بن سَلام فِي السَّاعَة المرجوة إِنَّهَا قبيل الْغُرُوب، فأورد أَبُو هُرَيْرَة أَنَّهَا لَيست وَقت صَلَاة، وَقد قَالَ النَّبِي ﷺ : " لَا يسْأَل الله فِيهَا مُسلم قَائِم يُصَلِّي " فَقَالَ عبد الله بن سَلام المنتظر للصَّلَاة كَأَنَّهُ فِي الصَّلَاة فَهَذَا تَأْوِيل بعيد لَا يقبل مثله لَوْلَا ذهَاب الصَّحَابِيّ الْفَقِيه إِلَيْهِ، وضابطة الْبعيد أَنه إِن عرض على الْعُقُول السليمة بِدُونِ الْقَرِينَة أَو تجشم الجدل لم يحْتَمل، وَإِذا كَانَ مُخَالفا لايماء ظَاهر أَو مَفْهُوم وَاضح أَو مورد نَص لم يجز أصلا، فَمن الْقَرِيب قصر عَام جرت الْعَادة بِاسْتِعْمَال بعض أَفْرَاده فَقَط فِي نَظِير ذَلِك الحكم على ذَلِك الْبَعْض، وعام يسْتَعْمل فِي مَوضِع جرت الْعَادة بالتسامح فِيهِ كالمدح والذم، وعام سيق لشرع وضع فِي حكم بعد إِفَادَة أصل الحكم، فَيجْعَل فِي قُوَّة الْقَضِيَّة الْمُهْملَة كَقَوْلِه: " مَا سقته السَّمَاء فَفِيهِ الْعشْر " وَقَوله: " لَيْسَ فِيمَا دون خَمْسَة أوسق صَدَقَة " وَمِنْه تَنْزِيل كل وَاحِد على صُورَة إِن شهد المناط وَالْمُنَاسِب، وحملهما على الْكَرَاهِيَة وَبَيَان الْجَوَاز فِي الْجُمْلَة إِن أمكن، وَحمل التَّشْدِيد على الزّجر إِن تقدم لجاج أما قَوْله
﴿حرمت عَلَيْكُم الْميتَة﴾ .
أَي أكلهَا ﴿حرمت عَلَيْكُم أُمَّهَاتكُم﴾ .
أَي نِكَاحهنَّ، وَقَوله " الْعين حق " أَي تأثيرها ثَابت " وَالرَّسُول حق " أَي مَبْعُوث حَقًا وَقَوله " رفع عَن أمتِي الْخَطَأ وَالنِّسْيَان " أَي إِثْم مَا وَقعا فِيهِ وَقَوله: " لَا صَلَاة إِلَّا بِطهُور " " لَا نِكَاح إِلَى بولِي " " إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ " أَي لَا يَتَرَتَّب على هَذِه الْأَشْيَاء آثارها الَّتِي جعلهَا الشَّارِع لَهَا، ﴿
стр. 201
إِذا قُمْتُم إِلَى الصَّلَاة فَاغْسِلُوا﴾ .
أَي إِن لم تَكُونُوا على الْوضُوء فَظَاهر لَيْسَ بمؤل؛ لِأَن الْعَرَب يستعملون كل لَفْظَة مِنْهَا فِي مَحل، ويريدون مَا يُنَاسب ذَلِك الْمحل، وَتلك لغتهم الَّتِي لَا يرَوْنَ فِيهَا صرفا عَن الظَّاهِر، وَإِن كَانَا من بَاب الْفَتْوَى فِي مَسْأَلَة وَالْقَضَاء فِي وَاقعَة، فَإِن ظَهرت عِلّة فارقة قضي على حسبها، مِثَاله: سَأَلَهُ شَاب عَن الْقبْلَة للصَّائِم، فَنَهَاهُ، وَشَيخ، فَرخص لَهُ، وَإِن دلّ السِّيَاق فِي أَحدهمَا دون الآخر على وجود الْحَاجة أَو إلحاح السَّائِل أَو كَونه إغماضا عَن إِكْمَال أوردا للمتعنت المتشدد على نَفسه قضى بالعزيمة والرخصة، وَإِن كَانَا مُخلصين لمبتلى، أَو عقوبتين لجان، أَو كفارتين من حنث جَازَ الْحمل على صِحَة الْوَجْهَيْنِ، وَاحْتمل النّسخ، وعَلى هَذَا الأَصْل يقْضى فِي الْمُسْتَحَاضَة أفتاها تَارَة بِالْغسْلِ لكل صَلَاتَيْنِ، وَتارَة بالتحيض أَيَّام عَادَتهَا أَو أَيَّام ظُهُور الدَّم الشَّديد على قَول إِنَّه كَانَ خَيرهَا بَين أَمريْن، وَأَن الْعَادة ولون الدَّم كِلَاهُمَا يصلحان مَظَنَّة للْحيض فِي الصّيام، وَالْإِطْعَام عَمَّن مَاتَ وَعَلِيهِ
صَوْم على قَول، والشاك فِي الصَّلَاة يلغي شكه بِأحد أَمريْن: بتحري الصَّوَاب أَو أَخذ الْمُتَيَقن على قَول، وَالْقَضَاء فِي إِثْبَات النّسَب بالقائف أَو الْقرعَة على قَول، وَإِن ظهر دَلِيل النّسخ حمل عَلَيْهِ، وَيعرف النّسخ بِنَصّ النَّبِي ﷺ كَقَوْلِه: " كنت نَهَيْتُكُمْ عَن زِيَارَة الْقُبُور أَلا فزوروها " وبمعرفة تَأَخّر أَحدهمَا عَن الآخر مَعَ عدم إِمْكَان الْجمع، وَإِذا شرع الشَّارِع شرعا، ثمَّ شرع مَكَانَهُ آخر وَسكت عَن الأول، عرف فُقَهَاء الصَّحَابَة أَن ذَلِك نسخ للْأولِ، أَو اخْتلفت الْأَحَادِيث وَقضى الصَّحَابِيّ بِكَوْن أَحدهمَا نَاسِخا للْآخر، فَذَلِك ظَاهر فِي النّسخ غير قَطْعِيّ، وَقَول الْفُقَهَاء - لما يجدونه خلاف عمل مشايخهم: مَنْسُوخ - غير مقنع، والنسخ فِيمَا يبدونها تغير حكم بِغَيْرِهِ، وَفِي الْحَقِيقَة انْتِهَاء الحكم لانْتِهَاء علته، أَو انْتِهَاء كَونه مَظَنَّة للمقصد الْأَصْلِيّ، أَو لحدوث مَانع من الْعلية، أَو ظُهُور تَرْجِيح حكم آخر على النَّبِي ﷺ بِالْوَحْي الْجَلِيّ، أَو بِاجْتِهَادِهِ وَهَذَا إِذا كَانَ الأول اجتهاديا، قَالَ الله تَعَالَى فِي حَدِيث الْمِعْرَاج: ﴿مَا يُبدل القَوْل لدي﴾ .
وَإِذا لم يكن للْجمع والتأويل مساغ، وَلم يعرف النّسخ تحقق التَّعَارُض فَإِن ظهر
стр. 202
تَرْجِيح أَحدهمَا إِمَّا بِمَعْنى فِي السَّنَد من كَثْرَة الروَاة وَفقه الرَّاوِي، وَقُوَّة الِاتِّصَال، وتصريح صِيغَة الرّفْع، وَكَون الرَّاوِي صَاحب الْمُعَامَلَة بِأَن يكون هُوَ المستفتي أَو الْمُخَاطب أَو الْمُبَاشر، أَو بِمَعْنى فِي الْمَتْن من التَّأْكِيد وَالتَّصْرِيح، أَو بِمَعْنى فِي الحكم وعلته من كَونه مناسبا بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّة، وَكَونهَا عِلّة شَدِيدَة الْمُنَاسبَة عرف تأثيرها، أَو من خَارج من كَونه متمسك أَكثر أهل الْعلم أَخذ بالراجح وَإِلَّا تساقطا، وَهِي صُورَة مَفْرُوضَة لَا تكَاد تُوجد ... ، وَقَول الصَّحَابِيّ أَمر، وَنهى، وَقضى، وَرخّص، ثمَّ قَوْله: أمرنَا، ونهينا، ثمَّ قَوْله: من السّنة كَذَا، وَعصى أَبَا الْقَاسِم من فعل كَذَا،
ثمَّ قَوْله: هَذَا حكم النَّبِي ظَاهر فِي الرّفْع، وَيحْتَمل طروق اجْتِهَاد فِي تَصْوِير الْعلَّة الْمدَار عَلَيْهَا، أَو تعْيين الحكم من الْوُجُوب والاستحباب، أَو عُمُومه وخصوصه، وَقَوله. كَانَ يفعل كَذَا ظَاهر فِي تعدد الْفِعْل، وَلَا يُنَافِيهِ قَول الآخر كَانَ يفعل غَيره وَقَوله: صحبته، فَلم أره ينْهَى، وَكُنَّا نَفْعل فِي عَهده ظَاهر فِي التَّقْرِير، وَلَيْسَ نصا.
وَقد تخْتَلف صِيغ حَدِيث لاخْتِلَاف الطّرق وَذَلِكَ من جِهَة نقل الحَدِيث بِالْمَعْنَى فَإِن جَاءَ حَدِيث وَلم يخْتَلف الثِّقَات فِي لَفظه كَانَ ذَلِك لَفظه ﷺ ظَاهرا، وَأمكن الِاسْتِدْلَال بالتقديم وَالتَّأْخِير وَالْوَاو وَالْفَاء وَنَحْو ذَلِك من الْمعَانِي الزَّائِدَة على أصل المُرَاد، وَإِن اخْتلفُوا اخْتِلَافا مُحْتملا وهم متقاربون فِي الْفِقْه وَالْحِفْظ وَالْكَثْرَة سقط الظُّهُور، فَلَا يُمكن الِاسْتِدْلَال بذلك إِلَّا على الْمَعْنى جَاءُوا بِهِ جَمِيعًا، وَجُمْهُور الروَاة كَانُوا يعتنون برءوس الْمعَانِي لَا بحواشيها، وَإِن اخْتلفت مَرَاتِبهمْ أَخذ بقول الثِّقَة الَّذِي وَالْأَكْثَر والأعرف بالقصة، وَأَن أشعر قَول ثِقَة بِزِيَادَة الضَّبْط مثل قَوْله: قَالَت - وثب - وَمَا قَالَت - قَامَ - وَقَالَت - أَفَاضَ على جلده المَاء - وَمَا قَالَت - اغْتسل - أَخذ بِهِ، وَإِن اخْتلفُوا اخْتِلَافا فَاحِشا وهم متقاربون وَلَا مُرَجّح سَقَطت الخصوصيات الْمُخْتَلف فِيهَا.
والمرسل إِن اقْترن بِقَرِينَة مثل أَن يعتضد بموقوف صَحَابِيّ أَو مُسْنده الضَّعِيف أَو مُرْسل غَيره. والشيوخ مُتَغَايِرَة، أَو قَول أَكثر أهل الْعلم، أَو قِيَاس صَحِيح، أَو إِيمَاء من نَص، أَو عرف أَنه لَا يُرْسل إِلَّا عَن عدل - صَحَّ الِاحْتِجَاج بِهِ وَكَانَ نازلا من الْمسند وَإِلَّا لَا.
وَكَذَلِكَ الحَدِيث الَّذِي يرويهِ قَاصِر الضَّبْط غير مُتَّهم أَو مَجْهُول الْحَال - الْمُخْتَار أَنه يقبل إِن اقْترن بِقَرِينَة مثل مُوَافقَة الْقيَاس، أَو عمل أَكثر أهل الْعلم، وَإِلَّا لَا.
وَإِذا تفرد الثِّقَة بِزِيَادَة لَا يمْتَنع سكُوت البَاقِينَ عَنْهَا فَهِيَ مَقْبُولَة كإسناد
الْمُرْسل
стр. 203
وَزِيَادَة رجل فِي الْإِسْنَاد وَذكر مورد الحَدِيث وَسبب الرِّوَايَة وإطناب الْكَلَام وإيراد جملَة مُسْتَقلَّة لَا تغير معنى الْكَلَام، وَإِن امْتنع كالزيادة الْمُغيرَة للمعنى، أَو نادرة لَا يتْرك ذكرهَا عَادَة لم يقبل، وَإِذا حمل الصَّحَابِيّ حَدِيثا على محمل، فَإِن كَانَ للِاجْتِهَاد فِيهِ مساغ كَانَ ظَاهرا فِي الْجُمْلَة إِلَى أَن تقوم الْحجَّة بِخِلَافِهِ، وَإِلَّا كَانَ قَوِيا، كَمَا إِذا كَانَ فِيمَا يعرفهُ الْعَاقِل الْعَارِف باللغة من الْقَرَائِن الحالية والقالية. أما اخْتِلَاف آثَار الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ، فَإِن تيَسّر الْجمع بَينهَا بِبَعْض الْوُجُوه الْمَذْكُورَة سَابِقًا فَذَلِك، وَإِلَّا كَانَت الْمَسْأَلَة على قَوْلَيْنِ، أَو أَقْوَال، فَينْظر أَيهَا أصوب، وَمن الْعلم الْمكنون معرفَة مَأْخَذ مَذَاهِب الصَّحَابَة، فاجتهد تنَلْ مِنْهُ حظا وَالله أعلم.
стр. 204
(تَتِمَّة)
(بَاب أَسبَاب اخْتِلَاف الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ فِي الْفُرُوع)
اعْلَم أَن رَسُول الله ﷺ لم يكن الْفِقْه فِي زَمَانه الشريف مدونا، وَلم يكن الْبَحْث فِي الْأَحْكَام يَوْمئِذٍ مثل الْبَحْث من هَؤُلَاءِ الْفُقَهَاء حَيْثُ يبنون بأقصى جهدهمْ الْأَركان والشروط، وآداب كل شَيْء ممتازا عَن الآخر بدليله، ويفرضون الصُّور يَتَكَلَّمُونَ على تِلْكَ الصُّور الْمَفْرُوضَة،
ويحدون مَا يقبل الْحَد، ويحصرون مَا يقبل الْحصْر إِلَى غير ذَلِك من صنائعهم، أما رَسُول الله ﷺ فَكَانَ يتَوَضَّأ، فَيرى الصَّحَابَة وضوءه، فَيَأْخُذُونَ بِهِ من غير أَن يبين أَن هَذَا ركن وَذَلِكَ أدب، وَكَانَ يُصَلِّي، فيرون صلَاته، فيصلون كَمَا رَأَوْهُ يُصَلِّي، وَحج، فرمق النَّاس حجه، فَفَعَلُوا كَمَا فعل، فَهَذَا كَانَ غَالب حَاله ﷺ ، وَلم يبين أَن فروض الْوضُوء سِتَّة أَو أَرْبَعَة، وَلم يفْرض أَنه يحْتَمل أَن يتَوَضَّأ إِنْسَان بِغَيْر مُوالَاة حَتَّى يحكم عَلَيْهِ بِالصِّحَّةِ أَو الْفساد إِلَّا مَا شَاءَ الله، وقلما كَانُوا يسألونه عَن هَذِه الْأَشْيَاء. عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ: مَا رَأَيْت قوما كَانُوا خيرا من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ مَا سَأَلُوهُ عَن ثَلَاث عشرَة مَسْأَلَة حَتَّى قبض، كُلهنَّ فِي الْقُرْآن مِنْهُنَّ. ﴿يَسْأَلُونَك عَن الشَّهْر الْحَرَام قتال فِيهِ قل قتال فِيهِ كَبِير﴾ . ﴿ويسألونك عَن الْمَحِيض﴾ .
قَالَ: مَا كَانُوا يسْأَلُون إِلَّا عَمَّا يَنْفَعهُمْ. قَالَ ابْن عمر: لَا تسْأَل عَمَّا لم يكن فَإِنِّي سَمِعت عمر بن الْخطاب يلعن من سَأَلَ عَمَّا لم يكن.
стр. 205
قَالَ الْقَاسِم: إِنَّكُم تسْأَلُون عَن أَشْيَاء مَا كُنَّا نسْأَل عَنْهَا وتنقرون عَن أَشْيَاء مَا كُنَّا ننقر عَنْهَا. تسالون عَن أَشْيَاء مَا أَدْرِي مَا هِيَ، وَلَو علمناها مَا حل لنا أَن نكتمها. عَن عمر بن إِسْحَاق قَالَ: لمن أدْركْت من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ أَكثر مِمَّن سبقني مِنْهُم، فَمَا رَأَيْت قوما أيسر سيرة، وَلَا أقل تشديدا مِنْهُم، وَعَن عبَادَة بن بسر الْكِنْدِيّ، وَسُئِلَ عَن امْرَأَة مَاتَت مَعَ قوم لَيْسَ لَهَا ولي، فَقَالَ: أدْركْت أَقْوَامًا مَا كَانُوا يشددون تشديدكم، وَلَا يسْأَلُون مسائلكم،
أخرج هَذِه الْآثَار الدَّارمِيّ. وَكَانَ ﷺ يستفتيه النَّاس فِي الوقائع، فيفتيهم، وترفع إِلَيْهِ القضايا، فَيَقْضِي فِيهَا، وَيرى النَّاس يَفْعَلُونَ مَعْرُوفا، فيمدحه أَو مُنْكرا، فينكر عَلَيْهِ، وكل مَا أفتى بِهِ مستفتيا، أَو قضى بِهِ فِي قَضِيَّة، أَو أنكرهُ على فَاعله، كَانَ فِي الاجتماعات، وَكَذَلِكَ كَانَ الشَّيْخَانِ أَبُو بكر وَعمر إِذا لم يكن لَهما علم فِي الْمَسْأَلَة يسْأَلُون النَّاس عَن حَدِيث رَسُول الله ﷺ . وَقَالَ أَبُو بكر ﵁: مَا سَمِعت رَسُول الله ﷺ قَالَ فِيهَا شَيْئا يَعْنِي - الْجدّة - وَسَأَلَ النَّاس، فَلَمَّا صلى الظّهْر قَالَ: أَيّكُم سمع رَسُول الله ﷺ قَالَ فِي الْجدّة شَيْئا؟ فَقَالَ الْمُغيرَة بن شُعْبَة: أَنا، قَالَ: مَاذَا قَالَ؟ قَالَ: أَعْطَاهَا رَسُول الله ﷺ سدسا، قَالَ: أيعلم ذَاك أحد غَيْرك؟ فَقَالَ مُحَمَّد بن سَلمَة: صدق، فَأَعْطَاهَا أَبُو بكر السُّدس، وقصة سُؤال عمر النَّاس فِي الْغرَّة، ثمَّ رُجُوعه إِلَى خبر مُغيرَة، وسؤاله إيَّاهُم فِي الوباء، ثمَّ رُجُوعه إِلَى خبر عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، وَكَذَا رُجُوعه فِي قصَّة الْمَجُوس إِلَى خَبره، وسرور عبد الله بن مَسْعُود بِخَبَر معقل بن يسَار لما وَافق رَأْيه، وقصة رُجُوع أبي مُوسَى عَن بَاب عمر وسؤاله عَن الحَدِيث، وَشَهَادَة أبي سعيد لَهُ، وأمثال ذَلِك كَثِيرَة مَعْلُومَة مروية فِي الصَّحِيحَيْنِ وَالسّنَن:
وَبِالْجُمْلَةِ فَهَذِهِ كَانَت عَادَته الْكَرِيمَة ﷺ ، فَرَأى كل صَحَابِيّ مَا يسره الله لَهُ من عِبَادَته وفتاواه وأقضيته، فحفظها، وعقلها، وَعرف لكل شَيْء وَجها من قبل حفوف الْقَرَائِن بِهِ، فَحمل بَعْضهَا على الْإِبَاحَة، وَبَعضهَا على النّسخ لأمارات وقرائن كَانَت كَافِيَة عِنْده، وَلم يكن الْعُمْدَة عِنْدهم إِلَّا وجدان الاطمئنان والثلج من غير الْتِفَات إِلَى طرق الِاسْتِدْلَال كَمَا ترى الْأَعْرَاب يفهمون مَقْصُود الْكَلَام فِيمَا بَينهم، وتثلج صُدُورهمْ بالتصريح والتلويح والإيماء من حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ، فانقضى عصره الْكَرِيم وهم على ذَلِك، ثمَّ إِنَّهُم تفَرقُوا فِي الْبِلَاد وَصَارَ كل وَاحِد مقتدى نَاحيَة من النواحي،
فكثرت الوقائع، ودارت الْمسَائِل، فاستفتوا فِيهَا، فَأجَاب كل وَاحِد حَسْبَمَا حفظه، أَو استنبط، وَإِن لم يجد فِيمَا حفظه أَو استنبط مَا يصلح للجواب - اجْتهد بِرَأْيهِ، وَعرف الْعلَّة الَّتِي أدَار رَسُول الله ﷺ عَلَيْهَا الحكم فِي منصوصاته، فطرد
стр. 206
الحكم حَيْثُمَا وجدهَا لَا يألوا جهدا فِي مُوَافقَة غَرَضه ﵊، فَعِنْدَ ذَلِك وَقع الِاخْتِلَاف بَينهم على ضروب:
مِنْهَا أَن صحابيا سمع حكما فِي قَضِيَّة أَو فَتْوَى، وَلم يسمعهُ الآخر فاجتهد بِرَأْيهِ فِي ذَلِك. وَهَذَا على وُجُوه:
أَحدهَا أَن يَقع اجْتِهَاده مُوَافق الحَدِيث. مِثَاله مَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَغَيره أَن ابْن مَسْعُود ﵁ سُئِلَ عَن امْرَأَة مَاتَ عَنْهَا زَوجهَا، وَلم يفْرض لَهَا فَقَالَ: لم أر رَسُول الله ﷺ يقْضِي فِي ذَلِك، فَاخْتَلَفُوا عَلَيْهِ شهرا، وألحوا، فاجتهد بِرَأْيهِ، وَقضى بِأَن لَهَا مهر نسائها لَا وكس وَلَا شطط، وَعَلَيْهَا الْعدة، وَلها الْمِيرَاث، فَقَامَ معقل بن يسَار،
فَشهد بِأَنَّهُ ﷺ قضى بِمثل ذَلِك فِي امْرَأَة مِنْهُم، ففرح بذلك ابْن مَسْعُود فرحة لم يفرح مثلهَا قطّ بعد الْإِسْلَام.
ثَانِيهَا أَن يَقع بَينهمَا المناظرة، وَيظْهر الحَدِيث بِالْوَجْهِ الَّذِي يَقع بِهِ غَالب الظَّن، فَيرجع عَن اجْتِهَاده إِلَى المسموع. مِثَاله مَا رَوَاهُ الْأَئِمَّة من أَن أَبَا هُرَيْرَة ﵁ كَانَ من مذْهبه أَنه من أصبح جنبا فَلَا صَوْم لَهُ حَتَّى أخْبرته بعض أَزوَاج النَّبِي ﷺ بِخِلَاف مذْهبه، فَرجع.
وَثَالِثهَا أَن يبلغهُ الحَدِيث وَلَكِن لَا على الْوَجْه الَّذِي يَقع بِهِ غَالب الظَّن، فَلم يتْرك اجْتِهَاده، بل طعن فِي الحَدِيث، مِثَاله مَا رَوَاهُ أَصْحَاب الْأُصُول من أَن فَاطِمَة بنت قيس شهِدت عِنْد عمر بن الْخطاب بِأَنَّهَا كَانَت مُطلقَة
الثَّلَاث فَلم يَجْعَل لَهَا رَسُول الله ﷺ نَفَقَة وَلَا سُكْنى، فَرد شهادتها وَقَالَ: لَا أترك كتاب الله بقول امْرَأَة لَا نَدْرِي أصدقت أم كذبت لَهَا النَّفَقَة وَالسُّكْنَى، وَقَالَت عَائِشَة ﵂ لفاطمة: أَلا تتقي الله - يَعْنِي فِي قَوْلهَا - لَا سُكْنى وَلَا نَفَقَة ...
وَمِثَال آخر روى الشَّيْخَانِ أَنه كَانَ من مَذْهَب عمر بن الْخطاب أَن التَّيَمُّم لَا يُجزئ للْجنب الَّذِي لَا يجد مَاء، فروى عِنْده عمار أَنه كَانَ مَعَ رَسُول الله ﷺ فِي سفر، فأصابته جَنَابَة وَلم يجد مَاء، فتمعك فِي التُّرَاب فَذكر ذَلِك لرَسُول الله ﷺ ، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : " إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيك أَن تفعل هَكَذَا، وَضرب بيدَيْهِ على الأَرْض، فَمسح بهما وَجهه وَيَديه، فَلم يقبل عمر، وَلم ينْهض عِنْده حجَّة لقادح خَفِي رَآهُ فِيهِ حَتَّى استفاض الحَدِيث فِي الطَّبَقَة الثَّانِيَة من طرق كَثِيرَة، واضمحل وهم القادح فَأخذُوا بِهِ.
стр. 207
وَرَابِعهَا أَلا يصل إِلَيْهِ الحَدِيث أصلا، مِثَاله مَا أخرج مُسلم أَن ابْن عمر كَانَ يَأْمر النِّسَاء إِذا اغْتَسَلْنَ أَن يَنْقُضْنَ رءوسهن، فَسمِعت عَائِشَة بذلك، فَقَالَت يَا عجبا لِابْنِ عمر هَذَا يَأْمر النِّسَاء أَن يَنْقُضْنَ رءوسهن، أَفلا يَأْمُرهُنَّ أَن يَحْلِقن رءوسهن لقد كنت أَغْتَسِل أَنا وَرَسُول الله ﷺ من إِنَاء وَاحِد، وَمَا أَزِيد على أَن أفرغ على رَأْسِي ثَلَاث أفرغات مِثَال آخر مَا ذكره الزُّهْرِيّ من أَن هندا لم تبلغها رخصَة رَسُول الله ﷺ فِي الْمُسْتَحَاضَة، فَكَانَت تبْكي لِأَنَّهَا لَا تصلي.
وَمن تِلْكَ الضروب أَن يرَوا رَسُول الله ﷺ فعل فعلا، فَحَمله بَعضهم على الْقرْبَة، وَبَعْضهمْ على الْإِبَاحَة، مِثَاله مَا رَوَاهُ أَصْحَاب الْأُصُول فِي قَضِيَّة التحصيب - أَي النُّزُول بِالْأَبْطح عِنْد النَّفر - نزل رَسُول الله
ﷺ بِهِ، فَذهب أَبُو هُرَيْرَة وَابْن عمر إِلَى أَنه على وَجه الْقرْبَة فجعلوه من سنَن الْحَج، وَذَهَبت عَائِشَة وَابْن عَبَّاس إِلَى أَنه وَجه الِاتِّفَاق وَلَيْسَ من السّنَن.
وَمِثَال آخر ذهب الْجُمْهُور إِلَى أَن الرمل فِي الطّواف سنة، وَذهب ابْن عَبَّاس إِلَى أَنه إِنَّمَا فعله النَّبِي ﷺ على سَبِيل الارتفاق لعَارض عرض، وَهُوَ قَول الْمُشْركين حطمهم حمى يثرب وَلَيْسَ بِسنة ...
وَمِنْهَا اخْتِلَاف الْوَهم، مِثَاله أَن رَسُول الله ﷺ حج، فَرَآهُ النَّاس، فَذهب بَعضهم إِلَى أَنه كَانَ مُتَمَتِّعا، وَبَعْضهمْ إِلَى أَنه كَانَ قَارنا، وَبَعْضهمْ إِلَى أَنه كَانَ مُفردا.
مِثَال آخر أخرج أَبُو دَاوُد عَن سعيد بن جُبَير أَنه قَالَ: قلت لعبد الله ابْن عَبَّاس يَا أَبَا الْعَبَّاس عجبت لاخْتِلَاف أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ حِين أوجب فَقَالَ: إِنِّي لأعْلم النَّاس بذلك، إِنَّهَا كَانَت من رَسُول الله ﷺ حجَّة وَاحِدَة، فَمن هُنَاكَ اخْتلفُوا، خرج رَسُول الله ﷺ حَاجا، فَلَمَّا صلى فِي مَسْجِد ذِي الحليفة رَكْعَة أوجب فِي مَجْلِسه وَأهل بِالْحَجِّ حِين فرغ من ركعتيه، فَسمع ذَلِك من أَقوام، فحفظته عَنهُ، ثمَّ ركب، فَلَمَّا اسْتَقَلت بِهِ نَاقَته أهل وَأدْركَ ذَلِك مِنْهُ أَقوام، وَذَلِكَ أَن النَّاس إِنَّمَا كَانُوا يأْتونَ أَرْسَالًا، فسمعوه حِين اسْتَقَلت بِهِ نَاقَته يهل، فَقَالُوا: إِنَّمَا أهل رَسُول الله ﷺ حِين اسْتَقَلت بِهِ نَاقَته، ثمَّ مضى رَسُول الله ﷺ ، فَلَمَّا علا على شرف الْبَيْدَاء، أهل وَأدْركَ ذَلِك مِنْهُ أَقوام، فَقَالُوا: إِنَّمَا أهل حِين علا على شرف الْبَيْدَاء وَايْم الله لقد أوجب فِي مُصَلَّاهُ، وَأهل حِين اسْتَقَلت بِهِ نَاقَته، وَأهل حِين علا على شرف الْبَيْدَاء.
стр. 208
وَمِنْهَا اخْتِلَاف السَّهْو وَالنِّسْيَان، مِثَاله مَا روى أَن ابْن عمر كَانَ يَقُول اعْتَمر رَسُول الله ﷺ عمْرَة فِي رَجَب، فَسمِعت بذلك عَائِشَة فقضت عَلَيْهِ بالسهو.
وَمِنْهَا اخْتِلَاف الضَّبْط. مِثَاله مَا روى ابْن عمر - أَو عمر - عَنهُ ﷺ من أَن الْمَيِّت يعذب ببكاء أَهله عَلَيْهِ. فقضت عَائِشَة عَلَيْهِ بِأَنَّهُ لم يَأْخُذ الحَدِيث على وَجهه. مر رَسُول الله ﷺ على يَهُودِيَّة يبكي عَلَيْهَا أَهلهَا فَقَالَ: " إِنَّهُم يَبْكُونَ عَلَيْهَا وَأَنَّهَا تعذب فِي قبرها " فَظن الْعَذَاب معلولا للبكاء، فَظن الحكم عَاما على كل ميت
وَمِنْهَا اخْتلَافهمْ فِي عِلّة الحكم. مِثَاله الْقيام للجنازة فَقَالَ قَائِل لتعظيم الْمَلَائِكَة فَيعم الْمُؤمن وَالْكَافِر، وَقَالَ قَائِل: لهول الْمَوْت، فيعمهما. وَقَالَ الْحسن بن عَليّ ﵄: مر على رَسُول الله ﷺ بِجنَازَة يَهُودِيّ فَقَامَ لَهَا كَرَاهِيَة أَن تعلوا فَوق رَأسه، فيخص الْكَافِر.
وَمِنْهَا اخْتلَافهمْ فِي الْجمع بَين الْمُخْتَلِفين. مِثَاله رخص رَسُول الله ﷺ فِي الْمُتْعَة عَام خَيْبَر، ثمَّ رخص فِيهَا عَام أَوْطَاس، ثمَّ نهى عَنْهَا، فَقَالَ ابْن عَبَّاس كَانَت الرُّخْصَة للضَّرُورَة، وَالنَّهْي لانقضاء الضَّرُورَة وَالْحكم بَاقٍ على ذَلِك، وَقَالَ الْجُمْهُور: كَانَت الرُّخْصَة إِبَاحَة وَالنَّهْي نسخا لَهَا. مِثَال آخر، نهى رَسُول الله ﷺ عَن اسْتِقْبَال الْقبْلَة فِي الِاسْتِنْجَاء، فَذهب قوم إِلَى عُمُوم هَذَا الحكم وَكَونه غير مَنْسُوخ، وَرَآهُ جَابر يَبُول قبل أَن يتوفى بعام مُسْتَقْبل الْقبْلَة فَذهب إِلَى أَنه نسخ للنَّهْي الْمُتَقَدّم وَرَآهُ ابْن عمر قضى حَاجته مستدبر الْقبْلَة مُسْتَقْبل الشَّام، فَرد بِهِ قَوْلهم، وَجمع قوم بَين الرِّوَايَتَيْنِ، فَذهب الشّعبِيّ وَغَيره إِلَى أَن النَّهْي مُخْتَصّ بالصحراء، فَإِذا كَانَ فِي المراحيض فَلَا بَأْس بالاستقبال والاستدبار، وَذهب قوم
إِلَى أَن القَوْل عَام مُحكم، الْفِعْل يحْتَمل كَونه خَاصّا بِالنَّبِيِّ ﷺ فَلَا ينتهض نَاسِخا وَلَا مُخَصّصا.
وَبِالْجُمْلَةِ فاختلفت مَذَاهِب أَصْحَاب النَّبِي ﷺ ، وَأخذ عَنْهُم التابعون كَذَلِك كل وَاحِد مَا تيَسّر لَهُ، فحفظ مَا سمع من حَدِيث رَسُول الله ﷺ ومذاهب الصَّحَابَة وعقلها، وَجمع الْمُخْتَلف على مَا تيَسّر لَهُ وَرجح بعض الْأَقْوَال على بعض، واضمحل فِي نظرهم بعض الْأَقْوَال وَإِن كَانَ مأثورا عَن كبار الصَّحَابَة كالمذهب الْمَأْثُور عَن عمر وَابْن مَسْعُود فِي تيَمّم الْجنب اضمحل عِنْدهم لما استفاض من الْأَحَادِيث عَن عمار وَعمْرَان ابْن الْحصين وَغَيرهمَا، فَعِنْدَ ذَلِك صَار لكل عَالم من الْعلمَاء التَّابِعين مَذْهَب على حياله، فانتصب فِي كل بلد إِمَام مثل سعيد بن الْمسيب، وَسَالم بن عبد الله ابْن عمر فِي الْمَدِينَة،
стр. 209
وَبعدهَا الزُّهْرِيّ وَالْقَاضِي يحيى بن سعيد وَرَبِيعَة بن عبد الرَّحْمَن فِيهَا، وَعَطَاء بن أبي رَبَاح بِمَكَّة، وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَالشعْبِيّ، بِالْكُوفَةِ، وَالْحسن الْبَصْرِيّ بِالْبَصْرَةِ، وَطَاوُس بن كيسَان بِالْيمن، وَمَكْحُول بِالشَّام، فأظمأ الله أكبادا إِلَى علومهم، فرغبوا فِيهَا، وَأخذُوا عَنْهُم الحَدِيث وفتاوى الصَّحَابَة وأقاويلهم، ومذاهب هَؤُلَاءِ الْعلمَاء وتحقيقاتهم من عِنْد أنفسهم، واستفتى مِنْهُم المستفتون، ودارت الْمسَائِل بَينهم، وَرفعت إِلَيْهِم الْأَقْضِيَة، وَكَانَ سعيد بن الْمسيب وَإِبْرَاهِيم وأمثالهما جمعُوا أَبْوَاب الْفِقْه أجمعها، وَكَانَ لَهُم فِي كل بَاب أصُول تلقوها من السّلف، وَكَانَ سعيد وَأَصْحَابه يذهبون إِلَى أَن أهل الْحَرَمَيْنِ أثبت النَّاس فِي الْفِقْه، وأصل مَذْهَبهم فَتَاوَى عبد الله بن عمر وَعَائِشَة وَابْن عَبَّاس، وقضايا قُضَاة الْمَدِينَة، فَجمعُوا من ذَلِك مَا يسره الله لَهُم، ثمَّ نظرُوا فِيهَا نظر اعْتِبَار وتفتيش، فَمَا كَانَ مِنْهَا مجمعا عَلَيْهِ بَين عُلَمَاء الْمَدِينَة فَإِنَّهُم يَأْخُذُونَ عَلَيْهِ بنواجذهم، وَمَا كَانَ فِيهِ اخْتِلَاف عِنْدهم، فَإِنَّهُم يَأْخُذُونَ بأقواها وأرجحها إِمَّا بِكَثْرَة من ذهب إِلَيْهِ مِنْهُم أَو لموافقته بِقِيَاس قوى أَو تَخْرِيج صَرِيح، من الْكتاب وَالسّنة أَو نَحْو ذَلِك، وَإِذا لم يَجدوا فِيمَا حفظوا مِنْهُم جَوَاب الْمَسْأَلَة خَرجُوا من كَلَامهم وتتبعوا الْإِيمَاء والاقتضاء،
فَحصل لَهُم مسَائِل كَثِيرَة فِي كل بَاب بَاب، وَكَانَ إِبْرَاهِيم وَأَصْحَابه يرَوْنَ أَن عبد الله بن مَسْعُود وَأَصْحَابه أثبت النَّاس فِي الْفِقْه كَمَا قَالَ عَلْقَمَة لمسروق: هَل أحد مِنْهُم أثبت من عبد الله؟ وَقَول أبي حنيفَة ﵁ للأوزاعي إِبْرَاهِيم أفقه من سَالم، وَلَوْلَا فضل الصُّحْبَة لَقلت أَن عَلْقَمَة أفقه من عبد الله ابْن عَمْرو وَعبد الله - هُوَ عبد الله - وأصل مذْهبه فَتَاوَى عبد الله بن مَسْعُود وقضايا عَليّ ﵄ وفتاواه وقضايا شُرَيْح وَغَيره من قُضَاة الْكُوفَة، فَجمع من ذَلِك مَا يسره الله. ثمَّ صنع فِي آثَارهم كَمَا صنع أهل الْمَدِينَة فِي آثَار أهل الْمَدِينَة، وَخرج كَمَا خَرجُوا، فلخص لَهُ مسَائِل الْفِقْه فِي كل بَاب بَاب. وَكَانَ سعيد بن الْمسيب لِسَان فُقَهَاء الْمَدِينَة، وَكَانَ أحفظهم لقضايا عمر وَلِحَدِيث أبي هُرَيْرَة، وَإِبْرَاهِيم لِسَان فُقَهَاء الْكُوفَة، فَإِذا تكلما بِشَيْء، وَلم ينسباه إِلَى أحد فَإِنَّهُ فِي الْأَكْثَر مَنْسُوب إِلَى أحد من السّلف صَرِيحًا أَو إيما وَنَحْو ذَلِك، فَاجْتمع عَلَيْهِمَا فُقَهَاء بلدهما وَأخذُوا عَنْهُمَا وعقلوه وَخَرجُوا عَلَيْهِ وَالله أعلم.
стр. 210
(بَاب أَسبَاب اخْتِلَاف مَذَاهِب الْفُقَهَاء)
اعْلَم أَن الله تَعَالَى أنشأ بعد عصر التَّابِعين نشئا من حَملَة الْعلم إنحازا لما وعده رَسُول الله ﷺ حَيْثُ قَالَ: " يحمل هَذَا الْعلم من كل خلف عَدو لَهُ " فَأخذُوا عَمَّن اجْتَمعُوا مَعَه مِنْهُم صفة الْوضُوء وَالْغسْل وَالصَّلَاة وَالْحج وَالنِّكَاح والبيوع وَسَائِر مَا يكثر وُقُوعه، وَرووا حَدِيث النَّبِي ﷺ ، وسمعوا قضايا قُضَاة الْبلدَانِ وفتاوى مفتيها، وسألوا عَن الْمسَائِل، واجتهدوا فِي ذَلِك كُله، ثمَّ صَارُوا كبراء قوم، ووسد إِلَيْهِم الْأَمر، فنسجوا على منوال شيوخهم، وَلم يألوا فِي تتبع الإيماآت
والاقتضاآت، فقضوا، وأفتوا، وَرووا، وَعَلمُوا. وَكَانَ صَنِيع الْعلمَاء فِي هَذِه الطَّبَقَة متشابها.
وَحَاصِل صنيعهم أَن يتَمَسَّك بالمسند من حَدِيث رَسُول الله ﷺ والمرسل جَمِيعًا، ويستدل بأقوال الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ علما مِنْهُم أَنَّهَا إِمَّا أَحَادِيث منقولة عَن رَسُول الله ﷺ احتقروها، فجعلوها مَوْقُوفَة كَمَا قَالَ إِبْرَاهِيم، وَقد روى حَدِيث نهى رَسُول الله ﷺ عَن المحاقلة والمزابنة فَقيل لَهُ: أما تحفظ عَن رَسُول الله ﷺ حَدِيثا غير هَذَا؟ قَالَ: بلَى وَلَكِن أَقُول قَالَ عبد الله قَالَ عَلْقَمَة: أحب إِلَيّ، وكما قَالَ الشّعبِيّ - وَقد سُئِلَ عَن حَدِيث - وَقيل إِنَّه يرفع إِلَى النَّبِي ﷺ قَالَ لَا بِأَعْلَى من دون النَّبِي ﷺ أحب إِلَيّ، فَإِن كَانَ فِيهِ زِيَادَة ونقصان كَانَ عَليّ من دون النَّبِي ﷺ ، أَو يكون استنباطا مِنْهُم من الْمَنْصُوص أَو اجْتِهَادًا مِنْهُم بآرائهم وهم أحسن صنيعا فِي ذَلِك مِمَّن يَجِيء بعدهمْ وَأكْثر إِصَابَة وأقدم زَمَانا وأوعى علما، فَتعين الْعَمَل بهَا إِلَّا إِذا اخْتلفُوا وَكَانَ حَدِيث رَسُول الله ﷺ كل يُخَالف قَوْلهم مُخَالفَة ظَاهِرَة، وَأَنه إِذا اخْتلفت أَحَادِيث رَسُول الله ﷺ فِي مَسْأَلَة رجعُوا إِلَى أَقْوَال الصَّحَابَة، فَإِن قَالُوا بنسخ بَعْضهَا أَو بصرفه عَن ظَاهره، أَو لم يصرحوا بذلك، وَلَكِن اتَّفقُوا على تَركه وَعدم القَوْل بِمُوجبِه فَإِنَّهُ كابداء على فِيهِ أَو الحكم بنسخه أَو تَأْوِيله - اتَّبَعُوهُمْ فِي كل ذَلِك، وَهُوَ قَول مَالك فِي حَدِيث ولغَ الْكَلْب جَاءَ هَذَا الحَدِيث
وَلَكِن لَا أَدْرِي مَا حَقِيقَته يَعْنِي حَكَاهُ ابْن الْحَاجِب فِي مُخْتَصر الْأُصُول لم أر الْفُقَهَاء يعْملُونَ بِهِ ... ، وَأَنه إِذا اخْتلفت مَذَاهِب الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ فِي مَسْأَلَة فالمختار عِنْد كل عَالم مَذْهَب
стр. 211
أهل بَلَده وشيوخه لِأَنَّهُ أعرف بِصَحِيح أقاويلهم عَن السقيم وأوعى للاصوال الْمُنَاسبَة لَهَا وَقَلبه أميل إِلَى فَضلهمْ وتبحرهم فمذهب عمر وَعُثْمَان وَابْن عمر وَعَائِشَة وَابْن عَبَّاس وَزيد بن ثَابت، وأصحابهم مثل سعيد بن الْمسيب فَإِنَّهُ كَانَ أحفظهم لقضايا عمر، وَحَدِيث أبي هُرَيْرَة، وَمثل عُرْوَة وَسَالم وَعَطَاء بن يسَار وقاسم وَعبيد الله وَابْن عبد الله وَالزهْرِيّ، وَيحيى بن سعيد وَزيد بن أسلم وَرَبِيعَة - أَحَق بِالْأَخْذِ من غَيره عِنْد أهل الْمَدِينَة لما بَينه النَّبِي ﷺ فِي فَضَائِل الْمَدِينَة، وَلِأَنَّهَا مأوى الْفُقَهَاء وَمجمع الْعلمَاء فِي كل عصر، وَلذَلِك ترى مَالِكًا يلازم محجتهم، وَمذهب عبد الله بن مَسْعُود وَأَصْحَابه، وقضايا على وَشُرَيْح وَالشعْبِيّ وفتاوى إِبْرَاهِيم، - أَحَق بِالْأَخْذِ عَن أهل الْكُوفَة من غَيره وَهُوَ قَول عَلْقَمَة حِين مَال مَسْرُوق إِلَى قَول زيد بن ثَابت فِي التَّشْرِيك قَالَ: هَل أحد مِنْكُم أثبت من عبد الله؟ فَقَالَ لَا وَلَكِن رَأَيْت زيد بن ثَابت وَأهل الْمَدِينَة يشركُونَ، فَإِن اتّفق أهل الْبَلَد على شَيْء أخذُوا بنواجذه، وَهُوَ الَّذِي يَقُول فِي مثله مَالك: السّنة الَّتِي لَا اخْتِلَاف فِيهَا عندنَا كَذَا وَكَذَا، وَإِن اخْتلفُوا أخذُوا بأقواها وأرجحها إِمَّا بِكَثْرَة الْقَائِلين بِهِ أَو لموافقته لقياس قوي، أَو تَخْرِيج من الْكتاب وَالسّنة، وَهُوَ الَّذِي يَقُول فِي مثله مَالك: هَذَا أحسن مَا سَمِعت، فَإِذا لم يَجدوا فِيمَا حفظوا مِنْهُم جَوَاب الْمَسْأَلَة خَرجُوا من كَلَامهم، وتتبعوا الْإِيمَاء والاقتضاء، وألهموا فِي هَذِه الطَّبَقَة التدوين، فدون مَالك وَمُحَمّد بن عبد الرَّحْمَن بن أبي ذِئْب بِالْمَدِينَةِ، وَابْن جريج وَابْن عُيَيْنَة بِمَكَّة، وَالثَّوْري بِالْكُوفَةِ، وربيع بن صبيح بِالْبَصْرَةِ. وَكلهمْ مَشوا على هَذَا الْمنْهَج الَّذِي ذكرته، وَلما حج الْمَنْصُور قَالَ لمَالِك: قد عزمت أَن أَمر بكتبك هَذِه
الَّتِي صنفتها، فتنسخ، ثمَّ أبْعث فِي كل مصر من أَمْصَار الْمُسلمين مِنْهَا نُسْخَة، وَآمرهُمْ بِأَن يعملوا بِمَا فِيهَا، وَلَا يتعدوه إِلَى غَيره، فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لَا تفعل هَذَا فَإِن النَّاس قد سبقت إِلَيْهِم أقاويل، وسمعوا أَحَادِيث، وَرووا رِوَايَات، وَأخذ كل قوم بِمَا سبق إِلَيْهِم، وَأتوا بِهِ من اخْتِلَاف النَّاس، فدع النَّاس وَمَا اخْتَار أهل كل بلد مِنْهُم لأَنْفُسِهِمْ، ويحكى نِسْبَة هَذِه الْقِصَّة إِلَى هَارُون الرشيد، وَأَنه شاور مَالِكًا فِي أَن يعلق الْمُوَطَّأ فِي الْكَعْبَة، وَيحمل النَّاس على مَا فِيهِ، فَقَالَ: لَا تفعل فَإِن أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ اخْتلفُوا فِي الْفُرُوع، وَتَفَرَّقُوا فِي الْبلدَانِ، وكل سنة مَضَت قَالَ: وفقك الله يَا أَبَا عبد الله حَكَاهُ السُّيُوطِيّ.
وَكَانَ مَالك من أثبتهم فِي حَدِيث الْمَدَنِيين عَن رَسُول الله ﷺ وأوثقهم إِسْنَادًا
стр. 212
وأعلمهم بقضايا عمر وأقاويل عبد الله بن عمر وَعَائِشَة وأصحابهم من الْفُقَهَاء السَّبْعَة، وَبِه وبأمثاله قَامَ علم الرِّوَايَة وَالْفَتْوَى، فَلَمَّا وسد إِلَيْهِ الْأَمر حدث، وَأفْتى، وَأفَاد، وأجاد، وَعَلِيهِ انطبق قَول النَّبِي ﷺ : " يُوشك أَن يضْرب النَّاس أكباد الْإِبِل يطْلبُونَ الْعلم، فَلَا يَجدونَ أحدا أعلم من عَالم الْمَدِينَة " على مَا قَالَه ابْن عُيَيْنَة وَعبد الرَّزَّاق - وناهيك بهما - فَجمع أَصْحَابه رواياته ومختاراته لخصوها، وحرروها، وشرحوها، وَخَرجُوا عَلَيْهَا، وَتَكَلَّمُوا فِي أُصُولهَا ودلائلها، وَتَفَرَّقُوا إِلَى الْمغرب ونواحي الأَرْض، فنفع الله بهم كثيرا من خلقه.
وَإِن شِئْت أَن تعرف حَقِيقَة مَا قُلْنَاهُ، من أصل مذْهبه فَانْظُر فِي كتاب الْمُوَطَّأ تَجدهُ كَمَا ذكرنَا.
وَكَانَ أَبُو حنيفَة ﵁ ألزمهم بِمذهب إِبْرَاهِيم وأقرانه لَا يُجَاوِزهُ إِلَّا مَا شَاءَ الله، وَكَانَ عَظِيم الشَّأْن فِي التَّخْرِيج على مذْهبه دَقِيق النّظر فِي وُجُوه التخريجات مُقبلا على الْفُرُوع أتم إقبال، وَإِن شِئْت أَن تعلم حَقِيقَة
مَا قُلْنَا فلخص أَقْوَال إِبْرَاهِيم وأقرانه من كتاب الْآثَار لمُحَمد ﵀ وجامع عبد الرَّزَّاق ومصنف أَبُو بكر بن أبي شيبَة، ثمَّ قايسه بمذهبه تَجدهُ لَا يُفَارق تِلْكَ المحجة إِلَّا فِي مَوَاضِع يسيرَة وَهُوَ فِي تِلْكَ الْيَسِيرَة أَيْضا لَا يخرج عَمَّا ذهب إِلَيْهِ فُقَهَاء الْكُوفَة، وَكَانَ أشهر أَصْحَابه ذكرا أَبُو يُوسُف ﵀، فولى قَضَاء الْقُضَاة أَيَّام هَارُون الرشيد، فَكَانَ سَببا لظُهُور مذْهبه وَالْقَضَاء بِهِ فِي أقطار الْعرَاق وخراسان وَمَا وَرَاء النَّهر، وَكَانَ أحْسنهم تصنيفا وألزمهم درسا مُحَمَّد بن الْحسن، وَكَانَ من خَبره أَنه تفقه على أبي يُوسُف، ثمَّ خرج، إِلَى الْمَدِينَة، فَقَرَأَ الْمُوَطَّأ على مَالك، ثمَّ رَجَعَ إِلَى نَفسه، فطبق مَذْهَب أَصْحَابه على الْمُوَطَّأ مَسْأَلَة مَسْأَلَة فَإِن وَافق فِيهَا وَإِلَّا فَإِن رأى طَائِفَة من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ ذَاهِبين إِلَى مَذْهَب أَصْحَابه فَكَذَلِك، وَإِن وجد قِيَاسا ضَعِيفا أَو تخريجا لينًا يُخَالِفهُ حَدِيث صَحِيح فِيمَا عمل بِهِ الْفُقَهَاء أَو يُخَالِفهُ عمل أَكثر الْعلمَاء - تَركه إِلَى مَذْهَب من مَذَاهِب السّلف مِمَّا يرَاهُ أرجح مَا هُنَاكَ، وَهَذَانِ لَا يزَالَانِ على محجة إِبْرَاهِيم وأقرانه مَا أمكن لَهما كَمَا كَانَ أَبُو حنيفَة ﵁ يفعل ذَلِك.
وَإِنَّمَا كَانَ اخْتلَافهمْ فِي أحد شَيْئَيْنِ: إِمَّا أَن يكون لشيخهما تَخْرِيج على مَذْهَب إِبْرَاهِيم يزاحمانه فِيهِ، أَو يكون هُنَاكَ لإِبْرَاهِيم ونظرائه أَقْوَال مُخْتَلفَة يخالفان شيخهما فِي تَرْجِيح بَعْضهَا على بعض، فصنف مُحَمَّد ﵀ وَجمع رَأْي هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة، ونفع كثيرا من النَّاس، فَتوجه أَصْحَاب أبي حنيفَة ﵁ إِلَى تِلْكَ التصانيف تلخيصا وتقريبا أَو شرحا أَو تخريجا أَو تأسيسا أَو اسْتِدْلَالا، ثمَّ تفَرقُوا إِلَى خُرَاسَان وَمَا وَرَاء النَّهر، فيسمى ذَلِك مَذْهَب أبي حنيفَة.
стр. 213
وَنَشَأ الشَّافِعِي فِي أَوَائِل ظُهُور المذهبين وترتيب أصولهما وفروعهما، فَنظر فِي صَنِيع الْأَوَائِل، فَوجدَ فِيهِ أمورا كبحت عنانه عَن الجريان فِي طريقهم، وَقد ذكرهَا فِي أَوَائِل كتاب الْأُم.
مِنْهَا أَنه وجدهم يَأْخُذُونَ بالمرسل والمنقطع، فَيدْخل فيهمَا الْخلَل، فَإِنَّهُ إِذا جمع طرق الحَدِيث يظْهر أَنه كم من مُرْسل لَا أصل لَهُ، وَكم من مُرْسل يُخَالف مُسْندًا، فقرر أَلا يَأْخُذ بالمرسل إِلَّا عِنْد وجود شُرُوط، وَهِي مَذْكُورَة فِي كتب الْأُصُول.
وَمِنْهَا أَنه لم تكن قَوَاعِد الْجمع بَين المختلفات مضبوطة عِنْدهم فَكَانَ يتَطَرَّق بذلك خلل فِي مجتهداتهم، فَوضع لَهَا أصولاً، ودونها فِي كتاب، وَهَذَا أول تدوين كَانَ فِي أصُول الْفِقْه. مِثَاله مَا بلغنَا أَنه دخل على مُحَمَّد ابْن الْحسن وَهُوَ يطعن على أهل الْمَدِينَة فِي قضائهم بِالشَّاهِدِ الْوَاحِد مَعَ الْيَمين، وَيَقُول: هَذِه زِيَادَة على كتاب الله، فَقَالَ الشَّافِعِي: أثبت عنْدك أَنه لَا تجوز الزِّيَادَة على كتاب الله بِخَبَر الْوَاحِد؟ قَالَ: نعم قَالَ: فَلم قلت إِن الْوَصِيَّة للْوَارِث لَا تجوز لقَوْله ﷺ " أَلا لَا وَصِيَّة لوَارث " وَقد قَالَ الله تَعَالَى:
﴿كتب عَلَيْكُم إِذا حضر أحدكُم الْمَوْت﴾ . وَأورد عَلَيْهِ أَشْيَاء من هَذَا الْقَبِيل، فَانْقَطع كَلَام مُحَمَّد ابْن الْحسن.
وَمِنْهَا أَن بعض الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة لم يبلغ عُلَمَاء التَّابِعين مِمَّن وسد إِلَيْهِم الْفَتْوَى، فاجتهدوا بآرائهم، أَو اتبعُوا العمومات، أَو اقتدوا بِمن مضى من الصَّحَابَة فأفتوا حسب ذَلِك. ثمَّ ظَهرت بعد ذَلِك فِي الطَّبَقَة الثَّالِثَة فَلم يعلمُوا بهَا ظنا مِنْهُم أَنَّهَا تخَالف عمل أهل مدينتهم وسنتهم الَّتِي لَا اخْتِلَاف
لَهُم فِيهَا، وَذَلِكَ قَادِح فِي الحَدِيث وَعلة مسقطة لَهُ، أَو لم تظهر فِي الثَّالِثَة، وَإِنَّمَا ظهر ت بعد ذَلِك عِنْدَمَا أمعن أهل الحَدِيث فِي جمع طرق الحَدِيث، ورحلوا إِلَى أقطار الأَرْض، وَبَحَثُوا عَن حَملَة الْعلم، فَكثر من الْأَحَادِيث مَا لَا يرويهِ من الصَّحَابَة إِلَّا رجل أَو رجلَانِ، وَلَا يرويهِ عَنهُ أَو عَنْهُمَا إِلَّا رجل أَو رجلَانِ، وهلم جرا، فخفي على أهل الْفِقْه، وَظهر فِي عصر الْحفاظ الجامعين لطرق الحَدِيث كَثِيرَة من الْأَحَادِيث، رَوَاهُ أهل الْبَصْرَة مثلا وَسَائِر الأقطار فِي غَفلَة مِنْهُ، فَبين الشَّافِعِي أَن الْعلمَاء من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ لم يزل شَأْنهمْ أَنهم يطْلبُونَ الحَدِيث فِي الْمَسْأَلَة، فاذا لم يَجدوا تمسكوا بِنَوْع آخر من الِاسْتِدْلَال، ثمَّ إِذا ظهر عَلَيْهِم الحَدِيث بعد رجعُوا من اجتهادهم إِلَى الحَدِيث فاذا كَانَ الْأَمر على ذَلِك لَا يكون عدم تمسكهم بِالْحَدِيثِ قدحا فِيهِ، اللَّهُمَّ إِلَّا
стр. 214
إِذا بينوا الْعلَّة القادحة. مِثَاله حَدِيث الْقلَّتَيْنِ فَإِنَّهُ حَدِيث صَحِيح روى بطرق كَثِيرَة معظمها ترجع إِلَى أبي الْوَلِيد بن كثير. عَن مُحَمَّد بن جَعْفَر بن الزبير عَن عبد الله - أَو مُحَمَّد بن عباد بن جَعْفَر - عَن عبيد الله بن عبد الله كِلَاهُمَا عَن ابْن عمر، ثمَّ تشعبت الطّرق بعد ذَلِك؛ وَهَذَانِ وَإِن كَانَا من الثِّقَات لكنهما لَيْسَ مِمَّن وسد إِلَيْهِم الْفَتْوَى، وعول النَّاس عَلَيْهِم، فَلم يظْهر الحَدِيث فِي عصر سعيد بن الْمسيب وَلَا فِي عصر الزُّهْرِيّ، وَلم يمش عَلَيْهِ الْمَالِكِيَّة وَلَا الْحَنَفِيَّة، فَلم يعملوا بِهِ، وَعمل بِهِ الشَّافِعِي، وكحديث - خِيَار الْمجْلس - فانه حَدِيث صَحِيح رُوِيَ بطرق كَثِيرَة، وَعمل بِهِ ابْن عمر وَأَبُو هُرَيْرَة من الصَّحَابَة، وَلم يظْهر على الْفُقَهَاء السَّبْعَة ومعاصريهم، فَلم يَكُونُوا يَقُولُونَ بِهِ، فَرَأى مَالك وَأَبُو حنيفَة هَذِه عِلّة قادحة فِي الحَدِيث، وَعمل بِهِ الشَّافِعِي.
وَمِنْهَا أَن أَقْوَال الصَّحَابَة جمعت فِي عصر الشَّافِعِي، فتكثرت، وَاخْتلف وتشعبت، وَرَأى كثيرا مِنْهَا يُخَالف الحَدِيث الصَّحِيح حَيْثُ لم يبلغهم، وَرَأى
السّلف لم يزَالُوا يرجعُونَ فِي مثل ذَلِك إِلَى الحَدِيث، فَترك التَّمَسُّك بأقوالهم مَا لم يتفقوا، وَقَالَ: هم رجال وَنحن رجال.
وَمِنْهَا أَنه رأى قوما من الْفُقَهَاء يخلطون الرَّأْي الَّذِي لم يسوغه الشَّرْع بِالْقِيَاسِ الَّذِي أثْبته، فَلَا يميزون وَاحِد مِنْهَا من الآخر، ويسمونه تَارَة بالاستحسان - وأعني بِالرَّأْيِ أَن ينصب مَظَنَّة حرج أَو مصلحَة عِلّة لحكم وَإِنَّمَا الْقيَاس أَن تخرج الْعلَّة من الحكم الْمَنْصُوص، ويدار عَلَيْهَا الحكم - فَأبْطل هَذَا النَّوْع أتم إبِْطَال، وَقَالَ من أستحسن: فانه أَرَادَ أَن يكون شَارِعا، حَكَاهُ ابْن الْحَاجِب فِي - مُخْتَصر الْأُصُول - مِثَاله رشد الْيَتِيم أَمر خَفِي، فاقاموا مَظَنَّة الرشد وَهُوَ بُلُوغ خمس عشْرين سنة مقَامه، وَقَالُوا: إِذا بلغ الْيَتِيم هَذَا الْعُمر سلم إِلَيْهِ مَاله، قَالُوا: هَذَا اسْتِحْسَان، وَالْقِيَاس لَا يسلم إِلَيْهِ. وَبِالْجُمْلَةِ لما رأى فِي صَنِيع الْأَوَائِل مثل هَذِه الْأُمُور، أَخذ الْفِقْه من الرَّأْس، فَأَسَّسَ الْأُصُول، وَفرع الْفُرُوع، وصنف الْكتب فأجاد، وَأفَاد، وَاجْتمعَ عَلَيْهِ الْفُقَهَاء، وتصرفوا اختصارا وشرحا واستدلالا وتخريجا، ثمَّ تفَرقُوا فِي الْبلدَانِ، فَكَانَ هَذَا مذهبا للشَّافِعِيّ وَالله أعلم.
стр. 215
(بَاب الْفرق بَين أهل الحَدِيث وَأَصْحَاب الرَّأْي)
اعْلَم أَنه كَانَ من الْعلمَاء فِي عصر سعيد بن الْمسيب وَإِبْرَاهِيم وَالزهْرِيّ، وَفِي عصر مَالك وسُفْيَان، وَبعد ذَلِك - قوم يكْرهُونَ الْخَوْض بِالرَّأْيِ، ويهابون الْفتيا والاستنباط إِلَّا لضَرُورَة لَا يَجدونَ مِنْهَا بدا، وَكَانَ أكبر هَمهمْ رِوَايَة حَدِيث رَسُول الله ﷺ ، سُئِلَ عبد الله بن مَسْعُود عَن شَيْء، فَقَالَ: إِنِّي لأكْره أَن أحل لَك شَيْئا حرمه الله عَلَيْك، أَو أحرم مَا أحله الله لَك. وَقَالَ معَاذ بن جبل: يَا أَيهَا النَّاس، لَا تعجلوا بالبلاء قبل
نُزُوله، فَإِنَّهُ لم يَنْفَكّ الْمُسلمُونَ أَن يكون فيهم من إِذا سُئِلَ سرد، وَرُوِيَ نَحْو ذَلِك عَن عمر وَعلي وَابْن عَبَّاس وَابْن مَسْعُود فِي كَرَاهَة التَّكَلُّم فِيمَا لم ينزل. وَقَالَ ابْن عمر لجَابِر بن زيد: إِنَّك من فُقَهَاء الْبَصْرَة، فَلَا تفت إِلَّا بقرآن نَاطِق أَو سنة مَاضِيَة، فَإنَّك إِن فعلت غير ذَلِك هَلَكت، وأهلكت وَقَالَ أَبُو النَّصْر - لما قدم أَبُو سَلمَة الْبَصْرَة - أَتَيْته أَنا وَالْحسن فَقَالَ لِلْحسنِ: أَنْت الْحسن؟ مَا كَانَ أحد بِالْبَصْرَةِ أحب إِلَى لِقَاء مِنْك، وَذَلِكَ أَنه بَلغنِي أَنَّك تُفْتِي بِرَأْيِك، فَلَا تفت بِرَأْيِك إِلَّا أَن يكون سنة عَن رَسُول الله ﷺ أَو كتاب منزل. وَقَالَ ابْن الْمُنْكَدر: إِن الْعَالم يدْخل فِيمَا بَين الله وَبَين عباده، فليطلب لنَفسِهِ الْمخْرج. وَسُئِلَ الشّعبِيّ. كَيفَ كُنْتُم تَصْنَعُونَ إِذا سئلتم؟ قَالَ: على الْخَبِير وَقعت كَانَ إِذا سُئِلَ الرجل قَالَ لصَاحبه: أفتهم، فَلَا يزَال حَتَّى يرجع إِلَى الأول، وَقَالَ الشّعبِيّ: مَا حدثوك هَؤُلَاءِ عَن رَسُول الله ﷺ فَخذ بِهِ، وَمَا قَالُوهُ برأيهم، فألقه فِي الحش أخرج هَذِه الْآثَار عَن آخرهَا الدَّارمِيّ، فَوَقع شيوع تدوين الحَدِيث والأثر فِي بلدان الْإِسْلَام، وَكِتَابَة الصُّحُف والنسخ حَتَّى قل من يكون أهل الرِّوَايَة إِلَّا كَانَ لَهُ تدوين أَو صحيفَة أَو نُسْخَة من حَاجتهم لموقع عَظِيم، فَطَافَ من أدْرك من عظمائهم ذَلِك الزَّمَان بِلَاد الْحجاز وَالشَّام وَالْعراق، ومصر واليمن وخراسان، وجمعوا الْكتب، وتتبعوا النّسخ، وأمعنوا فِي التفحص عَن غَرِيب الحَدِيث ونوادر الْأَثر، فَاجْتمع باهتمام أُولَئِكَ من الحَدِيث والْآثَار مَا لم يجْتَمع لأحد قبلهم، وتيسر لَهُم مَا لم يَتَيَسَّر لأحد قبلهم، وخلص إِلَيْهِم من طرق الْأَحَادِيث شَيْء كثير حَتَّى كَانَ يكثر من الْأَحَادِيث عِنْدهم مائَة طَرِيق فَمَا فَوْقهَا، فكشف بعض الطّرق مَا استتر فِي بَعْضهَا الآخر، وَعرفُوا مَحل كل حَدِيث من الغرابة والاستفاضة، وَأمكن لَهُم النّظر فِي المتابعات والشواهد، وَظهر عَلَيْهِم أَحَادِيث صَحِيحَة
كَثِيرَة لم تظهر على أهل الْفَتْوَى من قبل. قَالَ الشَّافِعِي لِأَحْمَد: أَنْتُم أعلم بالأخبار الصَّحِيحَة منا، فَإِذا كَانَ خبر صَحِيح، فأعلموني حَتَّى أذهب إِلَيْهِ كوفيا كَانَ أَو بصريا أَو شاميا، حَكَاهُ ابْن الْهمام، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ كم من حَدِيث صَحِيح لَا يرويهِ إِلَّا أهل بلد خَاصَّة كأفراد الشاميين والعراقيين أَو أهل بَيت خَاصَّة كنسخة بريد عَن أبي بردة عَن أبي مُوسَى، ونسخة عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه
следующие страницы →