← Фикх общий

Фикх общий · id 773

حجة الله البالغة

ولي الله الدهلوي

Полный текст (619 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

قَالَ ﷺ : " كتب الله مقادير الْخَلَائق قبل أَن يخلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض بِخَمْسِينَ ألف سنة وَكَانَ عَرْشه على المَاء " أَقُول: خلق الله تَعَالَى الْعَرْش وَالْمَاء أول مَا خلق، ثمَّ خلق جَمِيع مَا أَرَادَ أَن يُوجد فِي قُوَّة من قوى الْعَرْش يشبه الخيال من قوانا، وَهُوَ الْمعبر عَنهُ بِالذكر على مَا بَينه الإِمَام الْغَزالِيّ - وَلَا تَظنن ذَلِك مُخَالفا للسّنة - فَإِنَّهُ لم يَصح عِنْد أهل الْمعرفَة بِالْحَدِيثِ من بَيَان صُورَة الْقَلَم واللوح على مَا يلهج بِهِ الْعَامَّة شَيْء يعْتد بِهِ، وَالَّذِي يَرْوُونَهُ هُوَ من الاسرائيليات وَلَيْسَ من الْأَحَادِيث المحمدية، وَذَهَاب الْمُتَأَخِّرين من أهل الحَدِيث إِلَى مثله نوع من التعمق وَلَيْسَ للْمُتَقَدِّمين فِي ذَلِك كَلَام. وَبِالْجُمْلَةِ فتحققت هُنَالك صُورَة هَذِه السلسلة بِتَمَامِهَا عبر عَنهُ بِالْكِتَابَةِ أخذا من إِطْلَاق الْكِتَابَة فِي السياسة المدنية على التَّعْيِين والإيجاب، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿كتب عَلَيْكُم الصّيام﴾ . وَقَوله تَعَالَى: ﴿كتب عَلَيْكُم إِذا حضر﴾ . الْآيَة وَقَوله ﷺ : " إِن الله كتب على عَبده حَظه من من الزِّنَا " الحَدِيث، وَقَول الصَّحَابِيّ: كتبت فِي غَزْوَة كَذَا وَلم يكن هُنَاكَ ديوَان كَمَا ذكره كَعْب بن مَالك، وَنَظِير ذَلِك فِي أشعار الْعَرَب كثير جدا، وَذكر - خمسين ألف سنة - يحْتَمل أَن يكون تعيينا وَيحْتَمل أَن يكون بَيَانا لطول الْمدَّة. قَوْله ﷺ : " إِن الله خلق آدم، ثمَّ مسح ظَهره بِيَمِينِهِ " الحَدِيث أَقُول لما خلق الله آدم ليَكُون أَبَا للبشر. التف فِي وجوده حقائق بنيه، فَأعْطَاهُ الله تَعَالَى وقتا من أوقاته، علم مَا تضمنه وجوده بِحَسب الْقَصْد الألهي، فَأرَاهُ إيَّاهُم رأى عين بِصُورَة مثالية، وَمثل سعادتهم وشقاوتهم بِالنورِ والظلمة، وَمثل مَا جبلهم عَلَيْهِ من استعداد التَّكْلِيف بالسؤال وَالْجَوَاب والالتزام على أنفسهم، فهم يؤاخذون بِأَصْل استعدادهم، وتنسب الْمُؤَاخَذَة إِلَى شبحه فِي الظَّاهِر.

стр. 247

قَوْله ﷺ : " إِن خلق أحدكُم يجمع فِي بطن أمه " الحَدِيث أَقُول: هَذَا الِانْتِقَال تدريجي غير دفعي، وكل حد يباين السَّابِق واللاحق، وَيُسمى مَا لم يتَغَيَّر من صُورَة الدَّم تغيرا فَاحِشا - نُطْفَة - وَمَا فِيهِ انجماد ضَعِيف - علقَة وَمَا فِيهِ انجماد أَشد من ذَلِك - مُضْغَة وَإِن كَانَ فِيهِ عظم رخو، وكما أَن النواة إِذا ألقيت فِي الأَرْض وَذَلِكَ فِي وَقت مَعْلُوم، وأحاط بهَا تَدْبِير مَعْلُوم علم المطلع على خاصية نوع النّخل وخاصية تِلْكَ الأَرْض وَذَلِكَ المَاء وَذَلِكَ الْوَقْت أَنه يحسن نباتها ويتحقق من شَأْنه على بعض الْأَمر، فَكَذَلِك يجلي الله على بعض الْمَلَائِكَة حَال الْمَوْلُود بِحَسب الجبلة الَّتِي جبل عَلَيْهَا. وَقَوله ﷺ : " مَا مِنْكُم من أحد إِلَّا وَقد كتب لَهُ مَقْعَده من النَّار ومقعده من الْجنَّة " أَقُول: كل صنف من أَصْنَاف النَّفس لَهُ كَمَال ونقصان، عَذَاب وثواب، وَيحْتَمل أَن يكون الْمَعْنى إِمَّا من الْجنَّة وَإِمَّا من النَّار، وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَإِذا أَخذ رَبك من بني آدم﴾ . الْآيَة لَا يُخَالف حَدِيث " ثمَّ مسح ظَهره بِيَمِينِهِ واستخرج مِنْهُ ذُريَّته " لِأَن آدم أخذت عَنهُ ذُريَّته وَمن ذُريَّته ذُرِّيتهمْ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة على التَّرْتِيب الَّذِي يوجدون عَلَيْهِ، فَذكر فِي الْقُرْآن بعض الْقِصَّة وَبَين الحَدِيث تتمتها، قَوْله تَعَالَى: ﴿فَأَما من أعْطى وَاتَّقَى وَصدق بِالْحُسْنَى﴾ . أَي من كَانَ متصفا بِهَذِهِ الصِّفَات فِي علمنَا وقدرنا (فسنسيره) لتِلْك الْأَعْمَال فِي الْخَارِج، وَبِهَذَا التَّوْجِيه ينطبق عَلَيْهِ الحَدِيث. قَوْله تَعَالَى: ﴿وَنَفس وَمَا سواهَا فألهمها فجورها وتقواها﴾ . أَقُول المُرَاد بالإلهام هُنَا خلق صُورَة الْفُجُور فِي النَّفس كَمَا سبق فِي حَدِيث ابْن مَسْعُود، فالإلهام فِي الأَصْل خلق الصُّورَة العلمية الَّتِي يصير بهَا عَالما، ثمَّ نقل إِلَى صُورَة إجمالية هِيَ مبدأ آثَار، وَإِن لم يصر بهَا عَالما تجوزا، وَالله أعلم.

стр. 248

(من أَبْوَاب الِاعْتِصَام بِالْكتاب وَالسّنة) قد حذرنا النَّبِي ﷺ مدَاخِل التحريف بأقسامها. وَغلظ النَّهْي عَنْهَا، وَأخذ العهود من أمته فِيهَا، فَمن أعظم أَسبَاب التهاون ترك الْأَخْذ بِالسنةِ، وَفِيه قَوْله ﷺ : مَا من نَبِي بَعثه الله فِي أمته قبلي إِلَّا كَانَ لَهُ من أمته حواريون وَأَصْحَاب يَأْخُذُونَ بسنته، ويقتدون بأَمْره، ثمَّ إِنَّهَا تخْتَلف من بعدهمْ خلوف يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ، ويفعلون مَا لَا يؤمرون، فَمن جاهدهم بِيَدِهِ فَهُوَ مُؤمن، وَمن جاهدهم بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤمن، وَمن جاهدهم بِقَلْبِه فَهُوَ مُؤمن، وَلَيْسَ وَرَاء ذَلِك من الْإِيمَان حَبَّة خَرْدَل " وَقَوله ﷺ : " لَا أَلفَيْنِ أحدكُم مُتكئا على أريكته يَأْتِيهِ الْأَمر من أَمْرِي مِمَّا أمرت بِهِ أَو نهيت عَنهُ، فَيَقُول: لَا أَدْرِي مَا وَجَدْنَاهُ فِي كتاب الله اتبعناه " وَرغب فِي الْأَخْذ بِالسنةِ جدا لَا سِيمَا عِنْد اخْتِلَاف النَّاس. وَفِي التشدد قَوْله ﷺ : " لَا تشددوا على أَنفسكُم، فيشدد الله عَلَيْكُم " ورده على عبد الله بن عَمْرو والرهط الَّذين تقالوا عبَادَة النَّبِي ﷺ وَأَرَادُوا شاق الطَّاعَات. وَفِي التعمق قَوْله ﷺ : " مَا بَال أَقوام يتنزهون عَن الشَّيْء أصنعه، فوَاللَّه إِنِّي لأعلمهم بِاللَّه وأشدهم خشيَة لَهُ " وَقَوله ﷺ : " مَا ضل قوم بعد هدى كَانُوا عَلَيْهِ إِلَّا أُوتُوا الجدل " وَقَوله ﷺ : " أَنْتُم أعلم بِأُمُور دنياكم ". وَفِي الْخَلْط قَوْله ﷺ لمن أَرَادَ الْخَوْض فِي علم الْيَهُود " أمتهوكون أَنْتُم كَمَا تهوكت الْيَهُود والنصار؟ لقد جِئتُكُمْ بهَا بَيْضَاء نقية وَلَو كَانَ مُوسَى حَيا لما وَسعه إِلَّا اتباعي "، وَجعله ﷺ من أبْغض النَّاس من هُوَ مبتغ فِي الْإِسْلَام سنة الْجَاهِلِيَّة. وَفِي الِاسْتِحْسَان قَوْله ﷺ : " من أحدث فِي أمرنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رد " وَضرب الْمَلَائِكَة لَهُ ﷺ مثل رجل بنى دَارا، وَجعل فِيهَا مأدبة، وَبعث دَاعيا أَقُول هَذَا إِشَارَة إِلَى تَكْلِيف النَّاس بِهِ وَجعله كالأمر المحسوس إكمالا للتعليم.

стр. 249

قَوْله ﷺ : " مثلي كَمثل رجل استوقد نَارا، الحَدِيث وَقَوله ﷺ : " إِنَّمَا مثلي وَمثل مَا بَعَثَنِي الله بِهِ كَمثل رجل أَتَى قوما فَقَالَ يَا قوم إِنِّي رَأَيْت الْجَيْش بعيني " الحَدِيث دَلِيل ظَاهر على أَن هُنَالك أعمالا تستوجب فِي أَنْفسهَا عذَابا قبل الْبعْثَة، وَقَوله ﷺ : " مثل مَا بَعَثَنِي الله بِهِ من الْهدى وَالْعلم كَمثل الْغَيْث الْكثير أصَاب أَرضًا الحَدِيث فِيهِ بَيَان قبُول أهل الْعلم هدايته ﷺ بِأحد وَجْهَيْن، الرِّوَايَة صَرِيحًا، وَالرِّوَايَة دلَالَة بِأَن استنبطوا، وأخبروا بالمستنبطات، أَو عمِلُوا بِالشَّرْعِ، فاهتدى النَّاس بهديهم، وَعدم قبُول أهل الْجَهْل رَأْسا. قَوْله ﷺ فِي الموعظة البليغة: " فَعَلَيْكُم بِسنتي وَسنة الْخُلَفَاء الرَّاشِدين المهديين ". أَقُول انتظام الدّين يتَوَقَّف على اتِّبَاع سنَن النَّبِي، وانتظام السياسة الْكُبْرَى يتَوَقَّف على الانقياد للخلفاء فِيمَا يأمرونهم بِالِاجْتِهَادِ فِي بَاب الارتفاقات وَإِقَامَة الْجِهَاد، وأمثال ذَلِك مَا لم يكن إبداعا لشريعة أَو مُخَالفا لنَصّ. " خطّ رَسُول الله ﷺ لَهُم خطا ثمَّ قَالَ: هَذَا سَبِيل الله، ثمَّ خطّ خُطُوطًا عَن يَمِينه وَعَن شِمَاله وَقَالَ: هَذِه سبل، على كل سَبِيل مِنْهَا شَيْطَان يَدْعُو إِلَيْهِ وَقَرَأَ. ﴿وَأَن هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبعُوهُ وَلَا تتبعوا السبل فَتفرق بكم عَن سَبيله﴾ . أَقُول الْفرْقَة النَّاجِية هم الآخذون فِي العقيدة وَالْعَمَل جَمِيعًا بِمَا ظهر من الْكتاب وَالسّنة، وَجرى عَلَيْهِ جُمْهُور الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَإِن اخْتلفُوا فِيمَا بَينهم فِيمَا لم يشْتَهر فِيهِ نَص، وَلَا ظهر من الصَّحَابَة اتِّفَاق عَلَيْهِ اسْتِدْلَالا مِنْهُم بِبَعْض مَا هُنَالك أَو تَفْسِيرا لمجمله. وَغير النَّاجِية كل فرقة انتحلت عقيدة خلاف عقيدة السّلف أَو عملا دون أَعْمَالهم. قَوْله ﷺ : " لَا تَجْتَمِع هَذِه الْأمة على الضَّلَالَة " وَقَوله ﷺ : " يبْعَث الله لهَذِهِ الْأمة على راس كل أمة سنة من يجدد لَهَا دينهَا " وَتَفْسِيره فِي حَدِيث آخر: يحمل هَذَا الْعلم من كل خلف عَدو لَهُ ينفون عَنهُ تَحْرِيف الغالين وانتحال المبطلين وَتَأْويل الْجَاهِلين ". اعْلَم أَن النَّاس لما اخْتلفُوا فِي الدّين، وأفسدوا فِي الأَرْض قرع ذَلِك بَاب جود الْحق

стр. 250

فَبعث مُحَمَّد ﷺ وَأَرَادَ بذلك إِقَامَة الْملَّة العوجاء، ثمَّ لما توفّي النَّبِي ﷺ صَارَت تِلْكَ الْعِنَايَة بِعَينهَا متوجهة إِلَى حفظ علمه ورشده فِيمَا بَينهم، فأورثت فيهم إلهامات وتقريبات، فَفِي حَظِيرَة الْقُدس دَاعِيَة لإِقَامَة الْهِدَايَة فيهم مَا لم تقم السَّاعَة، فَوَجَبَ لذَلِك أَن يكون فيهم لَا محَالة أمة قَائِمَة بِأَمْر الله، وَأَن لَا يجتمعوا على الضَّلَالَة بأسرهم، وَأَن يحفظ الْقُرْآن فيهم، وَأوجب اخْتِلَاف استعدادهم أَن يلْحق بِمَا عِنْدهم مَعَ ذَلِك شَيْء من التَّغَيُّر، فانتظرت الْعِنَايَة لناس مستعدين قضى لَهُم بالتنويه، فأورث فِي قُلُوبهم الرَّغْبَة فِي الْعلم، وَنفى تَحْرِيف الغالين وَهُوَ إِشَارَة إِلَى التشدد والتعمق، وانتحال المبطلين وَهُوَ إِشَارَة إِلَى الِاسْتِحْسَان وخلط مِلَّة بِملَّة، وَتَأْويل الْجَاهِلين وَهُوَ إِشَارَة إِلَى التهاون، وَترك الْمَأْمُور بِهِ بِتَأْوِيل ضَعِيف قَوْله ﷺ : " من يرد الله بِهِ خير يفقهه فِي الدّين " وَقَوله ﷺ : " أَن الْعلمَاء وَرَثَة الْأَنْبِيَاء " وَقَوله ﷺ : " فضل الْعَالم على العابد كفضلي على أدناكم " وأمثال ذَلِك، اعْلَم أَن الْعِنَايَة الإلهية إِذا حلت بشخص، وصيره الله مَظَنَّة لتدبير إلهي لَا بُد أَن يصير مرحوما وَأَن تُؤمر الْمَلَائِكَة بمحبته وتعظيمه لحَدِيث محبَّة جِبْرَائِيل وَوضع الْقبُول فِي الأَرْض، وَلما انْتقل النَّبِي ﷺ وَنزلت الْعِنَايَة الْخَاصَّة بِهِ بِحَسب حفظ مِلَّته إِلَى حَملَة الْعلم وَرُوَاته ومشيعيه، فانتج فيهم فَوَائِد لَا تحصى قَوْله ﷺ : " نضر الله عبدا سمع مَقَالَتي فحفظها ووعاها وأداها كَمَا سَمعهَا " أَقُول: سَبَب هَذَا الْفضل أَنه مَظَنَّة لحمل الْهِدَايَة النَّبَوِيَّة إِلَى الْخلق. قَوْله ﷺ : " من كذب عَليّ مُتَعَمدا، فَليَتَبَوَّأ مَقْعَده من النَّار " قَوْله ﷺ : " يكون فِي آخر الزَّمَان دجالون كذابون ". أَقُول لما كَانَ طَرِيق بُلُوغ الدّين إِلَى الْأَعْصَار الْمُتَأَخِّرَة إِنَّمَا هِيَ الرِّوَايَة، وَإِذا دخل الْفساد من وَجهه الرِّوَايَة لم يكن لَهُ علاج الْبَتَّةَ كَانَ الْكَذِب على النَّبِي ﷺ كَبِيرَة، وَوَجَب الِاحْتِيَاط فِي الرِّوَايَة لِئَلَّا يرْوى كذبا. قَوْله ﷺ : " حدثوا عَن بني إِسْرَائِيل وَلَا حرج " وَقَوله ﷺ " لَا تُصَدِّقُوهُمْ وَلَا تكذبوهم " أَقُول: الرِّوَايَة عَن أهل الْكتاب تجوز فِيمَا سَبيله سَبِيل الِاعْتِبَار، وَحَيْثُ يكون الآمن عَن الِاخْتِلَاط فِي شرائع الدّين، وَلَا تجوز فِيمَا سوى ذَلِك،، وَمِمَّا يَنْبَغِي أَن يعلم أَن غَالب الْإسْرَائِيلِيات المدسوسة فِي كتب التَّفْسِير، وَالْأَخْبَار منقولة عَن أَخْبَار أهل الْكتاب لَا يَنْبَغِي أَن يبْنى عَلَيْهَا حكم واعتقاد فَتدبر. قَوْله ﷺ : " من تعلم علما مِمَّا يَنْبَغِي بِهِ وَجه الله لَا يتعلمه إِلَّا ليصيب بِهِ عرضا من الدُّنْيَا لم يحد عرف الْجنَّة يَوْم الْقِيَامَة " يَعْنِي رِيحهَا

стр. 251

أَقُول يحرم طلب الْعلم الديني لأجل الدُّنْيَا وَيحرم تَعْلِيم من يرى فِيهِ الْغَرَض الْفَاسِد لوجوه: مِنْهَا أَن مثله لَا يَخْلُو غَالِبا من تَحْرِيف الدّين لأغراض الدُّنْيَا بِتَأْوِيل ضَعِيف، فَوَجَبَ سد الذريعة وَمِنْهَا ترك حُرْمَة الْقُرْآن وَالسّنَن وَعدم الاكتراث بهَا. قَوْله ﷺ : " من سُئِلَ عَن علم علمه، ثمَّ كتمه، ألْجم يَوْم الْقِيَامَة بلجام من نَار " أَقُول يحرم كتم الْعلم عِنْد الْحَاجة إِلَيْهِ لِأَنَّهُ أصل التهاون وَسبب نِسْيَان الشَّرَائِع، وأجزية الْمعَاد تبنى على المناسبات فَلَمَّا كَانَ الْإِثْم كف لِسَانه عَن النُّطْق جوزي بشبح الْكَفّ وَهُوَ اللجام من نَار. قَوْله ﷺ : " الْعلم ثَلَاثَة آيَة محكمَة، أَو سنة قَائِمَة، أَو فَرِيضَة عادلة، وَمَا كَانَ سوى ذَلِك فَهُوَ فضل " أَقُول هَذَا ضبط وتحديد لما يجب عَلَيْهِم بالكفاية، فَيجب معرفَة الْقُرْآن لفظا، وَمَعْرِفَة محكمَة بالبحث عَن شرح غَرِيبه وَأَسْبَاب نُزُوله وتوجيه معضله وناسخه ومنسوخه أما المتشابهة فحكمة التَّوَقُّف أَو الإرجاع إِلَى الْمُحكم وَالسّنة الْقَائِمَة مَا ثَبت فِي الْعِبَادَات والارتفاقات من الشَّرَائِع وَالسّنَن مِمَّا يشْتَمل عَلَيْهِ علم الْفِقْه، والقائمة مَا لم ينْسَخ، وَلم يهجر، وَلم يشذ رَاوِيه، وَجرى عَلَيْهِ جُمْهُور الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ. أَعْلَاهَا مَا اتّفق فُقَهَاء الْمَدِينَة والكوفة عَلَيْهِ، وآيته أَن يتَّفق على ذَلِك الْمذَاهب الْأَرْبَعَة، ثمَّ مَا كَانَ فِيهِ قَولَانِ لجمهور الصَّحَابَة أَو ثَلَاثَة، ذَلِك كل قد عمل بِهِ طَائِفَة من أهل الْعلم، وَآيَة ذَلِك أَن تظهر فِي مثل الْمُوَطَّأ وجامع عبد الرَّزَّاق ورواياتهم وَمَا سوى ذَلِك فَإِنَّمَا هُوَ استنباط بعض الْفُقَهَاء دون بعض تَفْسِيرا وتخريجا واستدلالا واستنباطا، وَلَيْسَ من الْقَائِمَة وَالْفَرِيضَة العادلة الْأَنْصِبَاء للْوَرَثَة، وَيلْحق بِهِ أَبْوَاب الْقَضَاء مِمَّا سَبيله قطع الْمُنَازعَة بَين الْمُسلمين بِالْعَدْلِ فَهَذِهِ الثَّلَاثَة يحرم خلو الْبَلَد عَن غالبها لتوقف الدّين عَلَيْهِ، وَمَا سوى ذَلِك من بَاب الْفضل وَالزِّيَادَة. وَنهى ﷺ عَن الأغلوطات، وَهِي الْمسَائِل الَّتِي يَقع الْمَسْئُول عَنْهَا فِي الْغَلَط ويمتحن بهَا أذهان النَّاس، وَإِنَّمَا نهى عَنْهَا لوجوه. مِنْهَا أَن فِيهَا إِيذَاء وإذلالا للمسئول عَنهُ وعجبا وبطرا لنَفسِهِ وَمِنْهَا أَنَّهَا تفتح بَاب التعمق وَإِنَّمَا الصَّوَاب مَا كَانَ عِنْد الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ أَن يُوقف

стр. 252

على ظَاهر السّنة، وَمَا هُوَ بِمَنْزِلَة الظَّاهِر من الْإِيمَاء والاقتضاء والفحوى، وَألا يمعن جدا أَلا يقتحم فِي الِاجْتِهَاد حَتَّى يضْطَر إِلَيْهِ، وَتَقَع الْحَادِثَة فَإِن الله يفتح عِنْد ذَلِك الْعلم عناية مِنْهُ بِالنَّاسِ، وَأما تهيئته من قبل فمظنة الغلظ. قَوْله ﷺ : " من قَالَ فِي الْقُرْآن بِرَأْيهِ، فَليَتَبَوَّأ مَقْعَده فِي النَّار " - أَقُول: يحرم الْخَوْض فِي التَّفْسِير لمن لَا يعرف اللِّسَان الَّذِي نزل الْقُرْآن بِهِ والمأثور عَن النَّبِي ﷺ وَأَصْحَابه وَالتَّابِعِينَ من شرح غَرِيب وَسبب نزُول وناسخ ومنسوخ. قَوْله ﷺ : " المراء فِي الْقُرْآن كفر " أَقُول: يحرم الْجِدَال فِي الْقُرْآن وَهُوَ أَن يرد الحكم الْمَنْصُوص بِشُبْهَة يجدهَا فِي نَفسه: قَوْله ﷺ : " إِنَّمَا هلك من كَانَ قبلكُمْ بِهَذَا ضربوا كتاب الله بعضه بِبَعْض " أَقُول: يحرم التدارؤ بِالْقُرْآنِ، وَهُوَ أَن يسْتَدلّ وَاحِد بِآيَة، فَيردهُ آخر بِآيَة أُخْرَى طلبا لإِثْبَات مَذْهَب نَفسه، وَهدم وضع صَاحبه، أَو ذَهَابًا إِلَى نصْرَة مَذْهَب بعض الْأَئِمَّة على مَذْهَب بعض، وَلَا يكون جَامع الهمة على ظُهُور الصَّوَاب والتدارؤ بِالسنةِ مثل ذَلِك. قَوْله ﷺ : " لكل آيَة مِنْهَا ظهر وبطن وَلكُل حد مطلع " أَقُول أَكثر مَا فِي الْقُرْآن بَيَان صِفَات الله تَعَالَى وآياته، وَالْأَحْكَام والقصص والاحتجاج على الْكفَّار وَالْمَوْعِظَة بِالْجنَّةِ وَالنَّار - فالظهر - الْإِحَاطَة بِنَفس مَا سيق الْكَلَام لَهُ والبطن فِي آيَات الصفاء التفكر فِي آلَاء الله والمراقبة، وَفِي آيَات الْأَحْكَام الاستنباط بِالْإِيمَاءِ وَالْإِشَارَة والفحوى والاقتضاء كاستنباط عَليّ ﵁ من قَوْله تَعَالَى: ﴿وَحمله وفصاله ثَلَاثُونَ شهرا﴾ . إِن هَذِه مُدَّة الْحمل قد تكون سِتَّة أشهر لقَوْله: ﴿حَوْلَيْنِ كَامِلين﴾ وَفِي الْقَصَص معرفَة منَاط الثَّوَاب والمدح أَو الْعَذَاب أَو الذَّم، وَفِي العظة رقة الْقلب وَظُهُور الْخَوْف والرجاء وأمثال ذَلِك ومطلع كل حد الاستعداد الَّذِي بِهِ يحصل كمعرفة اللِّسَان والْآثَار وكلطف الذِّهْن واستقامة الْفَهم.

стр. 253

قَوْله تَعَالَى: ﴿مِنْهُ آيَات محكمات هن أم الْكتاب وَأخر متشابهات﴾ أَقُول الظَّاهِر أَن الْمُحكم مَا لم يحْتَمل إِلَّا وَجها وَاحِدًا مثل: ﴿حرمت عَلَيْكُم أُمَّهَاتكُم وبناتكم وأخواتكم﴾ والمتشابه مَا احْتمل وُجُوهًا، وَإِنَّمَا المُرَاد بَعْضهَا كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿لَيْسَ على الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات جنَاح فِيمَا طعموا﴾ حملهَا الزائغون على إِبَاحَة الْخمر مَا لم يكن بغي أَو إِفْسَاد فِي الأَرْض، وَالصَّحِيح حملهَا على شاربيها قبل التَّحْرِيم. قَوْله ﷺ " إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ " أَقُول: النِّيَّة الْقَصْد والعزيمة، وَالْمرَاد هَهُنَا الْعلَّة الغائبة الَّتِي يتصورها الْإِنْسَان فيبعثه على الْعَمَل مثل طلب ثَوَاب من الله أَو طلب رضَا الله، وَالْمعْنَى لَيْسَ للأعمال أثر فِي تَهْذِيب النَّفس وَإِصْلَاح عوجها إِلَّا إِذا كَانَت صادرة من تصور مقصد مِمَّا يرجع إِلَى التَّهْذِيب دون الْعَادة وموافقة النَّاس أَو الرِّيَاء والسمعة أَو قَضَاء جبلة، كالقتال من الشجاع الَّذِي لَا يَسْتَطِيع الصَّبْر عَن الْقِتَال، فلولا مجاهدة الْكفَّار لصرف هَذَا الْخلق فِي قتال الْمُسلمين، وَهُوَ مَا سُئِلَ النَّبِي ﷺ " الرجل وَيُقَاتل رِيَاء يُقَاتل شجاعة فأيها فِي سَبِيل الله؟ فَقَالَ: من قَاتل لتَكون كلمة الله هِيَ الْعليا فَهُوَ فِي سَبِيل الله " وَالْفِقْه فِي ذَلِك أَن عَزِيمَة الْقلب روح الْأَعْمَال أشباح لَهَا. قَوْله ﷺ : " الْحَلَال بَين، وَالْحرَام بَين، وَبَينهمَا مُشْتَبهَات، فَمن اتَّقى الشُّبُهَات فقد اسْتَبْرَأَ لدينِهِ وَعرضه " أَقُول قد تتعارض الْوُجُوه فِي الْمَسْأَلَة، فَتكون السّنة حِينَئِذٍ الِاسْتِبْرَاء وَالِاحْتِيَاط، فَمن التَّعَارُض أَن تخْتَلف الرِّوَايَة تَصْرِيحًا كمس الذّكر، هَل ينْقض الْوضُوء، أثْبته الْبَعْض، ونفاه الْآخرُونَ، وَلكُل وَاحِد حَدِيث يشْهد لَهُ، كَالنِّكَاحِ للْمحرمِ سوغه طَائِفَة، ونفاه آخَرُونَ، وَاخْتلفت الرِّوَايَة. وَمِنْه أَن يكون اللَّفْظ الْمُسْتَعْمل فِي هَذَا الْبَاب غير منضبط الْمَعْنى يكون مَعْلُوما بِالْقِسْمَةِ والمثال، وَلَا يكون مَعْلُوما بِالْحَدِّ الْجَامِع الْمَانِع، فَيخرج ثَلَاث مواد، مَادَّة يُطلق عَلَيْهِ اللَّفْظ يَقِينا، ومادة لَا يُطلق عَلَيْهَا يَقِينا، ومادة لَا يدْرِي هَل يَصح الْإِطْلَاق عَلَيْهَا أم لَا. وَمِنْه أَن يكون الحكم مَنُوطًا يَقِينا بعلة هِيَ مَظَنَّة لمقصد يَقِينا، وَيكون نوع لَا يُوجد فِيهِ الْمَقْصد، وَيُوجد فِيهِ الْعلَّة كالأمة الْمُشْتَرَاة مِمَّن لَا يُجَامع مثله، هَل يجب استبراؤها؟ فَهَذِهِ وأمثالها يتَأَكَّد الِاحْتِيَاط فِيهَا.

стр. 254

قَوْله ﷺ : نزل الْقُرْآن على خَمْسَة وُجُوه، حَلَال، وَحرَام، ومحكم، ومتشابه، وأمثال. أَقُول: هَذِه الْوُجُوه أَقسَام للْكتاب وَلَو بتقسيمات شَتَّى، فَلَا جرك لَيْسَ فِيهِ تمانع حَقِيقِيّ، فَالْحكم يكون تَارَة حَلَالا وَأُخْرَى حَرَامًا، وَفِي أصُول الدّين ترك الْخَوْض بِالْعقلِ فِي المتشابهات من الْآيَات وَالْأَحَادِيث، وَمن ذَلِك أُمُور كَثِيرَة لَا يدْرِي أأريد حَقِيقَة الْكَلَام أم أقرب مجَاز إِلَيْهَا؟ وَذَلِكَ فِيمَا لم تجمع عَلَيْهِ الْأمة، وَلم ترْتَفع فِيهِ الشُّبْهَة وَالله أعلم. (من أَبْوَاب الطَّهَارَة) اعْلَم أَن الطَّهَارَة على ثَلَاثَة أَقسَام: طَهَارَة من الْحَدث، وطهارة من النَّجَاسَة الْمُتَعَلّقَة بِالْبدنِ أَو الثَّوْب أَو الْمَكَان، وطهارة من الأوساخ النابتة من الْبدن كشعر الْعَانَة والأظافر والدرن. أما الطَّهَارَة من الْأَحْدَاث فمأخوذة من أصُول الْبر، والعمدة فِي معرفَة الْحَدث، وروح الطَّهَارَة وجدان أَصْحَاب النُّفُوس الَّتِي ظَهرت فِيهَا أنوار ملكية، فأحسست بمنافرتها للحالة الَّتِي تسمى حَدثا، وسرورها وانشراحها فِي الْحَالة الَّتِي تسمى طَهَارَة، وَفِي تعْيين هيئات الطَّهَارَة وموجباتها مَا اشْتهر فِي الْملَل السَّابِقَة من الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوس وبقايا الْملَل الإسماعيلية، فَكَانُوا يجْعَلُونَ الْحَدث على قسمَيْنِ، وَالطَّهَارَة على ضَرْبَيْنِ - كَمَا ذكرنَا من قبل - وَكَانَ الْغسْل من الْجَنَابَة سنة سائره فِي الْعَرَب فوزع النَّبِي ﷺ قسمي الطَّهَارَة على نَوْعي الْحَدث، فَجعل الطَّهَارَة الْكُبْرَى بأزاء الحَدِيث الْأَكْبَر لِأَنَّهُ أقل وقوعا وَأكْثر لوثا وأحوج إِلَى تَنْبِيه النَّفس بِعَمَل شاق، قَلما يفعل، مثله، وَالطَّهَارَة الصُّغْرَى بأزاء الْحَدث الْأَصْغَر لِأَنَّهُ أَكثر وقوعا وَأَقل لوثا ويكفيه التَّنْبِيه فِي الْجُمْلَة، والأمور الَّتِي فِيهَا معنى الحَدِيث كَثِيرَة جدا يعرفهَا أهل الاذواق السليمة ... لَكِن الَّذِي يصلح أَن يُخَاطب بِهِ النَّاس كَافَّة مَا هُوَ منضبط بِأُمُور محسوسة ظَاهِرَة الْأَثر فِي النَّفس لتمكن الْمُؤَاخَذَة بِهِ جهرة، فَلذَلِك تعين أَلا يدار الحكم على اشْتِغَال النَّفس بِمَا يختلج فِي الْمعدة، وَلَكِن يدار على خُرُوج شَيْء من السَّبِيلَيْنِ فَإِن الأول غير مضبوط الْمِقْدَار وَإِذا تمكن لَا يعرفهُ الْوضُوء من خَارج، وَالثَّانِي مَعْلُوم بالحس، وَأَيْضًا فلمعنى انقباض النَّفس فِيهِ شبح محسوس وخليقه ظَاهِرَة وَهِي التلطخ بِالنَّجَاسَةِ، وَأَيْضًا إِنَّمَا يُؤثر الْوضُوء عِنْد زَوَال اشْتِغَال النَّفس وَذَلِكَ بِالْخرُوجِ، وَقد نبه النَّبِي ﷺ فِي قَوْله " لَا يصل أحدكُم وَهُوَ يدافع الأخبثين. " أَن نفس الِاشْتِغَال فِيهِ معنى من مَعَاني الْحَدث. والأمور الَّتِي فِيهَا معنى الطَّهَارَة كَثِيرَة كالتطيب والأذكار المذكرة لهَذِهِ الْخلَّة كَقَوْلِه ﷺ : " اللَّهُمَّ اجْعَلنِي من التوابين واجعلني من المتطهرين " وَقَوله: " اللَّهُمَّ نقني من الْخَطَايَا

стр. 255

كَمَا نقيت الثَّوْب الْأَبْيَض من الدنس " والحلول بالمواضع المتبركة وَنَحْو ذَلِك، لَكِن الَّذِي يصلح أَن يُخَاطب بِهِ جَمَاهِير النَّاس مَا يكون منضبطا متيسرا لَهُم كل حِين وكل مَكَان. وَالَّذِي يحس أَثَره بَادِي الرَّأْي، وَالَّذِي جرى عَلَيْهِ طوائف الْأُمَم. وأصل الْوضُوء غسل الْأَطْرَاف، فضبط الْوَجْه وَالْيَدَيْنِ - إِلَى الْمرْفقين - لِأَن دون ذَلِك لَا يحس أَثَره، وَالرّجلَيْنِ - إِلَى الْكَعْبَيْنِ - لِأَن دون ذَلِك لَيْسَ بعضو تَامّ، وَجعل وظيفه الرَّأْس الْمسْح لِأَن غسله نوع من الْحَرج. وأصل الْغسْل نعميم الْبدن بِالْغسْلِ. وأصل مُوجب الْوضُوء الْخَارِج من السَّبِيلَيْنِ وَمَا سوى ذَلِك مَحْمُول عَلَيْهِ وأصل مُوجب الْغسْل الْجِمَاع وَالْحيض، وَكَأن هذَيْن الْأَمريْنِ كَانَا مُسلمين فِي الْعَرَب قبل النَّبِي ﷺ ، وَأما القسمان الْآخرَانِ من الطَّهَارَة فمأخوذان من الارتفاقات فَإِنَّهُمَا من مُقْتَضى أصل طبيعة الْإِنْسَان لَا يَنْفَكّ عَنْهُمَا قوم وَلَا مِلَّة، والشارع اعْتمد فِي ذَلِك على مَا عِنْد الْعَرَب القح من الرَّفَاهِيَة المتوسطة كَمَا اعْتمد عَلَيْهِ فِي سَائِر مَا ضبط من الارتفاقات فَلم يزدْ النَّبِي ﷺ على تعْيين الْآدَاب وتمييز الْمُشكل وَتَقْدِير الْمُبْهم. (فصل فِي الْوضُوء) قَالَ النَّبِي ﷺ : " الطّهُور شطر الْإِيمَان ". أَقُول: المُرَاد بِالْإِيمَان هَهُنَا هيأة نفسانية مركبة من نور الطَّهَارَة والإخبات، وَالْإِحْسَان أوضح مِنْهُ فِي هَذَا الْمَعْنى، وَلَا شكّ أَن الطّهُور شطره. قَوْله ﷺ : " من تَوَضَّأ فَأحْسن الْوضُوء خرجت خطاياه من جسده حَتَّى تخرج من أَظْفَاره " أَقُول: النَّظَافَة المؤثرة فِي جذر النَّفس، تقدس النَّفس، وتلحقها بِالْمَلَائِكَةِ، وتنسى كثيرا من الْحَالَات الدنسية فَجعلت خاصيتها خاصية للْوُضُوء الَّذِي هُوَ شبحها ومظنتها وعنوانها.

стр. 256

قَوْله ﷺ . " إِن أمتِي يدعونَ يَوْم الْقِيَامَة غرا محجلين من آثَار الْوضُوء، فَمن اسْتَطَاعَ مِنْكُم أَن يُطِيل غرته فَلْيفْعَل " وَقَوله ﷺ : " تبلغ الْحِلْية من الْمُؤمن حَيْثُ يبلغ الْوضُوء " أَقُول لما كَانَ شبح الطَّهَارَة مَا يتَعَلَّق بالأعضاء الْخَمْسَة تمثل تنعم النَّفس بهَا حلية لتِلْك الْأَعْضَاء وغرة وتحجلا كَمَا يتَمَثَّل الْجُبْن وَبرا والشجاعة أسدا. قَوْله ﷺ : " لَا يحافظ على الْوضُوء إِلَّا مُؤمن " أَقُول: لما كَانَت الْمُحَافظَة عَلَيْهِ شاقة لَا تتأتى إِلَّا مِمَّن كَانَ على بَصِيرَة من أَمر الطَّهَارَة موقنا بنفعها الجسيم جعلت عَلامَة الْإِيمَان (صفة الْوضُوء) صفة الْوضُوء على مَا ذكره عُثْمَان وَعلي وَعبد الله بن زيد وَغَيرهم رضى الله عَنْهُم عَن النَّبِي ﷺ بل تَوَاتر عَنهُ ﷺ وتطابق عَلَيْهِ الْأمة أَن يغسل يَدَيْهِ قبل إدخالهما الْإِنَاء، ويتمضمض، ويستنثر، ويستنشق، فَيغسل وَجهه فذراعيه إِلَى الْمرْفقين، فيمسح بِرَأْسِهِ، فَيغسل رجلَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ، وَلَا عِبْرَة بِقوم تجارت بهم الْأَهْوَاء، فانكروا غسل الرجلَيْن مُتَمَسِّكِينَ بِظَاهِر الْآيَة، فانه لَا فرق عِنْدِي بَين من قَالَ بِهَذَا القَوْل وَبَين من انكر غَزْوَة بدر أَو أحد مِمَّا هُوَ كَالشَّمْسِ فِي رَابِعَة النَّهَار، نعم من قَالَ بِأَن الِاحْتِيَاط الْجمع بَين الْغسْل وَالْمسح أَو أَن أدنى الْفَرْض الْمسْح، وَإِن كَانَ الْغسْل مِمَّا يلام أَشد الْمَلَامَة على تَركه فَذَلِك أَمر يُمكن أَن يتَوَقَّف فِيهِ الْعلمَاء حَتَّى تنكشف فِيهِ جلية الْحَال، وَلم أجد فِي رِوَايَة صَحِيحَة تَصْرِيحًا بِأَن النَّبِي ﷺ تَوَضَّأ بِغَيْر مضمضة واستنشاق وترتيب، فهى متأكدة فِي الْوضُوء غَايَة الوكادة، وهما طهارتان مستقلتان من خِصَال الْفطْرَة ضمتا مَعَ الْوضُوء ليَكُون ذَلِك توقيتا لَهما، ولإنهما من بَاب تعهد المغابن، والوصل بَينهمَا أصح من الْفَصْل. واداب الْوضُوء ترجع إِلَى معَان (مِنْهَا) : تعهد المغابن الَّتِى لَا يصل إِلَيْهَا المَاء إِلَّا بعناية كالمضمضة وَالِاسْتِنْشَاق وتخليل أَصَابِع الْيَدَيْنِ وَالرّجلَيْنِ واللحية وتحريك الْخَاتم.

стр. 257

وَمِنْهَا إِكْمَال التَّنْظِيف كتثليث الْغسْل وكالاسباغ - وَهُوَ إطالة الْغرَّة - والتحجيل والإنقاء - وَهُوَ الدَّلْك - وَمسح الْأُذُنَيْنِ مَعَ الرَّأْس وَالْوُضُوء على الْوضُوء. وَمِنْهَا مُوَافقَة عاداتهم فِي الْأُمُور المهمة كالبداءة بِالْإِيمَان، فَإِن الْيَمين أقوى وَأولى، فَكَانَ أَحَق بالبداءة فِيمَا كَانَ بهما، واختصاصه بالطيبات، والمحاسن دون أضدادها فِيمَا كَانَ بأحداهما وَمِنْهَا ضبط فعل الْقلب بِأَلْفَاظ صَرِيحَة فِي المُرَاد، وَضم الذّكر اللساني مَعَ الْقلب. قَوْله ﷺ : " لَا وضوء لمن لم يذكر الله ". أَقُول. هَذَا الحَدِيث لم يجمع أهل الْمعرفَة بِالْحَدِيثِ على تَصْحِيحه وعَلى تَقْدِير صِحَّته، فَهُوَ من الْمَوَاضِع الَّتِي اخْتلف فِيهَا طَرِيق التلقي من النَّبِي ﷺ ، فقد اسْتمرّ الْمُسلمُونَ يحكون وضوء النَّبِي ﷺ ، ويعلمون النَّاس، وَلَا يذكرُونَ التَّسْمِيَة حَتَّى ظهر زمَان أهل الحَدِيث، وَهُوَ نَص على أَن التَّسْمِيَة ركن أَو شَرط، وَيُمكن أَن يجمع بَين الْوَجْهَيْنِ بِأَن المُرَاد هُوَ التَّذَكُّر بِالْقَلْبِ، فَإِن الْعِبَادَات لَا تقبل إِلَّا بِالنِّيَّةِ، وَحِينَئِذٍ يكون صِيغَة لَا وضوء على ظَاهرهَا، نعم التَّسْمِيَة أدب كَسَائِر الْآدَاب لقَوْله ﷺ : " كل أَمر ذِي بَال لم يبْدَأ باسم الله فَهُوَ أَبتر، وَقِيَاسًا على مَوَاضِع كَثِيرَة، وَيحْتَمل أَن يكون الْمَعْنى لَا يكمل الْوضُوء لَكِن لَا أرتضي مثل التَّأْوِيل، فَإِنَّهُ من التَّأْوِيل الْبعيد الَّذِي يعود بالمخالفة على اللَّفْظ. قَوْله ﷺ : " فَإِنَّهُ لَا يدْرِي أَيْن باتت يَده ". أَقُول: مَعْنَاهُ أَن بعد الْعَهْد بالتطهر والغفلة عَنْهُمَا مَلِيًّا مَظَنَّة لوصول النَّجَاسَة والأوساخ إِلَيْهِمَا، مِمَّا يكون إِدْخَال المَاء مَعَه تنجيسا لَهُ أَو تكديرا وشناعة، وَهُوَ عِلّة النَّهْي عَن النفخ فِي الشَّرَاب. قَوْله ﷺ : " فان الشَّيْطَان يبيت على خيشومه " أَقُول: مَعْنَاهُ أَن اجْتِمَاع المخاط والمواد الغليظة فِي الخيشوم سَبَب لتبلد الذِّهْن وَفَسَاد الْفِكر، فَيكون أمكن لتأثير الشَّيْطَان بالوسوسة وصده عَن تدبر الاذكار:

стр. 258

قَوْله ﷺ : " مَا مِنْكُم من أحد يتَوَضَّأ، فَيبلغ الْوضُوء، ثمَّ يَقُول: أشهد الخ - وَفِي رِوَايَة - اللَّهُمَّ اجْعَلنِي من التوابين، واجعلني من المتطهرين فتحت لَهُ أَبْوَاب الْجنَّة الثَّمَانِية يدْخل من أَيهَا يَشَاء ". أَقُول: روح الطَّهَارَة لَا يتم إِلَّا بتوجه النَّفس إِلَى عَالم الْغَيْب واستفراغ الْجهد فِي طلبَهَا، فضبط لذَلِك ذكرا ورتب عَلَيْهِ مَا هُوَ فَائِدَة الطَّهَارَة الدَّاخِلَة فِي جذر النَّفس. قَوْله ﷺ : " لمن لم يستوعب: " ويل لِلْأَعْقَابِ من النَّار " أَقُول: السِّرّ فِيهِ أَن الله تَعَالَى لما أوجب غسل هَذِه الْأَعْضَاء، اقْتضى ذَلِك أَن يُحَقّق مَعْنَاهُ، فَإِذا غسل بعض الْعُضْو، وَلم يستوعب كُله لَا يَصح أَن يُقَال: غسل الْعُضْو، وَأَيْضًا فِيهِ سد بَاب التهاون وَإِنَّمَا تخللت النَّار فِي الأعقاب لِأَن تراكم الْحَدث والإصرار على عدم إِزَالَته خصْلَة مُوجبَة للنار، وَالطَّهَارَة مُوجبه للنجاة مِنْهَا وتكفير الْخَطَايَا، فَإِذا لم يُحَقّق معنى الطَّهَارَة فِي عُضْو، وَخَالف حكم الله فِيهِ كَانَ ذَلِك سَبَب أَن يظْهر تألم النَّفس بالخصلة الْمُوجبَة لفساد النَّفس من قبل هَذَا الْعُضْو، وَالله أعلم. (مُوجبَات الْوضُوء) قَوْله ﷺ : " لَا تقبل صَلَاة من أحدث حَتَّى يتَوَضَّأ: وَقَوله ﷺ : " لَا تقبل صَلَاة بِغَيْر طهُور " وَقَوله ﷺ : " مِفْتَاح الصَّلَاة الطّهُور "، أَقُول: كل ذَلِك تَصْرِيح بِاشْتِرَاط الطَّهَارَة، وَالطَّهَارَة طَاعَة مُسْتَقلَّة وقتت بِالصَّلَاةِ لتوقف فَائِدَة كل وَاحِدَة مِنْهُمَا على الْأُخْرَى، وَفِيه تَعْظِيم أَمر الصَّلَاة الَّتِي هِيَ من شَعَائِر الله. وموجبات الْوضُوء فِي شريعتنا على ثَلَاث دَرَجَات: (إِحْدَاهَا) . مَا اجْتمع عَلَيْهِ جُمْهُور الصَّحَابَة، وتطابق فِيهِ الرِّوَايَة، وَالْعَمَل الشَّائِع وَهُوَ الْبَوْل الْغَائِط وَالرِّيح والمذي وَالنَّوْم الثقيل وَمَا فِي مَعْنَاهَا. قَوْله ﷺ : " وكاء السه العينان " وَقَوله ﷺ : " فانه إِذا اضْطجع استرخت مفاصله. أَقُول: مَعْنَاهُ أَن النّوم الثقيل مَظَنَّة لاسترخاء الْأَعْضَاء وَخُرُوج الْحَدث، وَأرى أَن مَعَ ذَلِك لَهُ سَبَب آخر، هُوَ أَن النّوم يبلد النَّفس، وَيفْعل فعل الْأَحْدَاث. قَوْله ﷺ فِي الْمَذْي: " يغسل ذكره، وَيتَوَضَّأ ". أَقُول. لَا شكّ أَن الْمَذْي الْحَاصِل من الملاعبة قَضَاء شَهْوَة دون شَهْوَة الْجِمَاع، فَكَانَ من حَقه أَن يسْتَوْجب طَهَارَة دون الطَّهَارَة الْكُبْرَى.

стр. 259

قَوْله ﷺ فِي الشاك: " لَا يخْرجن من الْمَسْجِد حَتَّى يسمع صَوتا أَو يجد ريحًا ". أَقُول: مَعْنَاهُ حَتَّى يستيقن لما أدير الحكم على الْخَارِج من السَّبِيلَيْنِ كَانَ ذَلِك مقتضيا أَن يُمَيّز بَين مَا هُوَ فِي الْحَقِيقَة وَبَين مَا هُوَ مشتبه بِهِ وَلَيْسَ هُوَ، وَالْمَقْصُود نفي التعمق. وَالثَّانيَِة مَا اخْتلف فِيهِ السّلف من فُقَهَاء الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وتعارض فِيهِ الرِّوَايَة عَن النَّبِي ﷺ كمس الذّكر لقَوْله ﷺ " من مس ذكره فَليَتَوَضَّأ " قَالَ بِهِ ابْن عمر وَسَالم وَعُرْوَة وَغَيرهم، ورده عَليّ وَابْن مَسْعُود وفقهاء الْكُوفَة وَلَهُم قَوْله ﷺ " هَل هُوَ إِلَّا بضعَة مِنْهُ "، وَلم يجِئ الثَّلج بِكَوْن أَحدهمَا مَنْسُوخا. ولمس الْمَرْأَة قَالَ بِهِ عمر وَابْن عمر وَابْن مَسْعُود وَإِبْرَاهِيم لقَوْله تَعَالَى ﴿أَو لَا مستم النِّسَاء﴾ . وَلَا يشْهد لَهُ حَدِيث بل يشْهد حَدِيث عَائِشَة بِخِلَافِهِ لَكِن فِيهِ نظر لِأَن فِي إِسْنَاده انْقِطَاعًا، وَعِنْدِي أَن مثل هَذِه الْعلَّة إِنَّمَا تعْتَبر فِي مثل تَرْجِيح أحد الْحَدِيثين على الآخر، وَلَا تعْتَبر فِي ترك حَدِيث من غير تعَارض وَالله أعلم. وَكَانَ عمر وَابْن مَسْعُود لَا يريان التَّيَمُّم عَن الْجَنَابَة فَتعين حمل الْآيَة عِنْدهمَا على اللَّمْس لَكِن صَحَّ التَّيَمُّم عَنْهَا عَن عمرَان وعمار وَعَمْرو بن الْعَاصِ، وانعقد عَلَيْهِ الْإِجْمَاع، وَكَانَ ابْن عمر يذهب إِلَى الِاحْتِيَاط، وَكَانَ إِبْرَاهِيم يُقَلّد ابْن مَسْعُود حَتَّى وضع على أبي حنيفَة حَال الدَّلِيل الَّذِي تمسك بِهِ ابْن مَسْعُود، فَترك قَوْله مَعَ شدَّة اتِّبَاعه مَذْهَب إِبْرَاهِيم، وَبِالْجُمْلَةِ فجَاء الْفُقَهَاء من بعدهمْ فِي هذَيْن على ثَلَاث طَبَقَات آخذ بِهِ على ظَاهره، وتارك لَهُ رَأْسا، وَفَارق بَين الشَّهْوَة وَغَيرهَا. وَقَالَ إِبْرَاهِيم بِالْوضُوءِ من الدَّم السَّائِل والقيء الْكثير، وَالْحسن بِالْوضُوءِ من القهقهة

стр. 260

فِي الصَّلَاة، وَلم يقل بذلك آخَرُونَ، وَفِي كل ذَلِك حَدِيث لم يجمع أهل الْمعرفَة بِالْحَدِيثِ على تَصْحِيحه، وَالأَصَح فِي هَذِه أَن من احتاط فقد - اسْتَبْرَأَ لدينِهِ وَعرضه - وَمن لَا فَلَا سَبِيل عَلَيْهِ فِي صراح الشَّرِيعَة. وَلَا شُبْهَة أَن لمس الْمَرْأَة مهيج للشهوة مَظَنَّة لقَضَاء شَهْوَة دون شَهْوَة الْجِمَاع وَأَن مس الذّكر فعل شنيع، وَلذَلِك جَاءَ النَّهْي عَن مس الذّكر بِيَمِينِهِ فِي الِاسْتِنْجَاء، فَإِذا كَانَ قبضا عَلَيْهِ كَانَ من أَفعَال الشَّيَاطِين لَا محَالة، وَالدَّم السَّائِل والقيء الْكثير ملوثا للبدن ومبلدان للنَّفس، والقهقهة فِي الصَّلَاة خَطِيئَة تحْتَاج إِلَى كَفَّارَة، فَلَا عجب أَن يَأْمر الشَّارِع بِالْوضُوءِ من هَذِه، وَلَا عجب أَلا يَأْمر، وَلَا عجب أَن يرغب فِيهِ من غير عَزِيمَة. وَالثَّالِثَة مَا وجد فِيهِ شُبْهَة من لفظ الحَدِيث وَقد أجمع الْفُقَهَاء من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ على تَركه كَالْوضُوءِ مِمَّا مسته النَّار فَإِنَّهُ ظهر عمل النَّبِي ﷺ وَالْخُلَفَاء وَابْن عَبَّاس وَأبي طَلْحَة وَغَيرهم بِخِلَافِهِ، وَبَين جَابر أَنه مَنْسُوخ، وَكَانَ السَّبَب فِي الْوضُوء مِنْهُ أَنه ارتفاق كَامِل لَا يفعل مثله الْمَلَائِكَة، فَيكون سَببا لانْقِطَاع مشابهتهم، وَأَيْضًا فان مَا يطْبخ بالنَّار يذكر نَار جَهَنَّم، وَلذَلِك نهى عَن الكي إِلَّا لضَرُورَة فَلذَلِك لَا يَنْبَغِي للْإنْسَان أَن يشغل قلبه بِهِ. أما لحم الْإِبِل - فَالْأَمْر فِيهِ أَشد - لم يقل بِهِ أحد من فُقَهَاء الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَلَا سَبِيل إِلَى الحكم بنسخه، فَلذَلِك لم يقل بِهِ من يغلب عَلَيْهِ التَّخْرِيج، وَقَالَ بِهِ أَحْمد واسحق، وَعِنْدِي أَنه يَنْبَغِي أَن يحْتَاط فِيهِ الْإِنْسَان وَالله أعلم. والسر فِي إِيجَاب الْوضُوء من لُحُوم الْإِبِل على قَول من قَالَ بِهِ أَنَّهَا كَانَت مُحرمَة فِي التَّوْرَاة، وَاتفقَ جُمْهُور أَنْبيَاء بني إِسْرَائِيل على تَحْرِيمهَا، فَلَمَّا أَبَاحَهَا الله لنا شرع الْوضُوء مِنْهَا لمعنيين، أَحدهمَا أَن يكون الْوضُوء شكرا لما أنعم الله علينا من إباحتها بعد تَحْرِيمهَا على من قبلنَا، وَثَانِيها أَن يكون الْوضُوء علاجا لما عَسى أَن يختلج فِي بعض الصُّدُور من إباحتها بعد مَا حرمهَا الْأَنْبِيَاء من بني إِسْرَائِيل، فَإِن النَّقْل من التَّحْرِيم إِلَّا كَونه مُبَاحا يجب مِنْهُ الْوضُوء أقرب لاطمئنان نُفُوسهم، وَعِنْدِي أَنه كَانَ فِي أول الْإِسْلَام ثمَّ نسخ.

стр. 261

(الْمسْح على الْخُفَّيْنِ) لما كَانَ مبْنى الْوضُوء على غسل الْأَعْضَاء الظَّاهِرَة الَّتِي تسرع إِلَيْهَا الأوساخ، وَكَانَت الرّجلَانِ تدخلان عِنْد لبس الْخُفَّيْنِ فِي الْأَعْضَاء الْبَاطِنَة، وَكَانَ لبسهما عَادَة متعارفة عِنْدهم، وَلَا يَخْلُو الْأَمر بخلعهما عِنْد كل صَلَاة من حرج سقط غسلهمَا عِنْد لبسهما فِي الْجُمْلَة، وَلما كَانَ من بَاب التَّيْسِير الاحتيال بِمَا لَا يسترسل مَعَه النَّفس بترك الْمَطْلُوب اسْتَعْملهُ الشَّارِع هَهُنَا من رُجُوع ثَلَاثَة. أَحدهَا التَّوْقِيت بِيَوْم وَلَيْلَة للمقيم، وَثَلَاثَة أَيَّام ولياليها للْمُسَافِر لِأَن الْيَوْم بليلة مِقْدَار صَالح للتعهد يَسْتَعْمِلهُ النَّاس فِي كثير مِمَّا يُرِيدُونَ تعهده، وَكَذَلِكَ ثَلَاثَة أَيَّام بلياليها فوزع المقداران على الْمُقِيم وَالْمُسَافر لمكانهما من الْحَرج. وَالثَّانِي اشْتِرَاط أَن يكون لبسهما على طَهَارَة ليتمثل بَين عَيْني الْمُكَلف أَنَّهُمَا كالباقي على الطَّهَارَة قِيَاسا على قلَّة وُصُول الأوساخ إِلَى الْأَعْضَاء المستورة، وأمثال هَذِه القياسات مُؤثرَة فِيمَا يرجع إِلَى تَنْبِيه النَّفس. وَالثَّالِث أَن يمسح على ظاهرهما عوض الْغسْل إبْقَاء لمذكر ونموذج. وَقَالَ عَليّ ﵁: لَو كَانَ الدّين بِالرَّأْيِ لَكَانَ أَسْفَل الْخُف أولى بِالْمَسْحِ من أَعْلَاهُ. أَقُول: لما كَانَ الْمسْح إبْقَاء لنموذج الْغسْل لَا يُرَاد مِنْهُ إِلَّا ذَلِك، وَكَانَ الْأَسْفَل مَظَنَّة لتلويث الْخُفَّيْنِ عِنْد الْمَشْي فِي الأَرْض كَانَ الْمسْح على ظاهرهما دون باطنهما معقولا وموافقا بِالرَّأْيِ، وَكَانَ ﵁ من أعلم النَّاس بِعلم مَعَاني الشَّرَائِع كَمَا يظْهر من كَلَامه وخطبه، لَكِن أَرَادَ أَن يسد مدْخل الرَّأْي لِئَلَّا يفْسد الْعَامَّة على أنفسهم دينهم (صفة الْغسْل) على مَا روته عَائِشَة ومَيْمُونَة، وتطابق عَلَيْهِ الْأمة أَن يغسل يَدَيْهِ قبل إدخالهما الْإِنَاء، ثمَّ يغسل مَا وجد من نَجَاسَة على بدنه وفرجه، ثمَّ يتَوَضَّأ كَمَا يتَوَضَّأ للصَّلَاة، ويتعهد رَأسه بالتخليل، ثمَّ يصب المَاء على جسده،

стр. 262

وَاخْتلفُوا فِي حرف وَاحِد يُؤَخر غسل الْقَدَمَيْنِ أَولا؟ وَقيل بِالْفرقِ بَين مَا إِذا كَانَ فِي مستنقع من الأَرْض وَمَا إِذا لم يكن كَذَلِك. أما غسل الْيَدَيْنِ فَلَمَّا مر الْوضُوء. وَأما غسل الْفرج فلئلا تتكثر النَّجَاسَة بإسالة المَاء عَلَيْهَا، فيعسر غسلهَا وَيحْتَاج إِلَى مَاء كثير، وَأَيْضًا لَا يصفو الْغسْل لطهارة الْحَدث. وَأما الْوضُوء فَلِأَن من حق الطَّهَارَة الْكُبْرَى أَن تشْتَمل على الطَّهَارَة الصُّغْرَى وَزِيَادَة ليتضاعف تنبه النَّفس لخلة الطَّهَارَة، وَأَيْضًا فالوضوء فِي الْغسْل من بَاب تعهد المغابن فَإِنَّهُ إِذا أَفَاضَ على رَأسه المَاء لَا يستوعب الْأَطْرَاف إِلَّا بتعهد واعتناء. وَأما تَأْخِير غسل الْقَدَمَيْنِ فلئلا يتَكَرَّر غسلهمَا بِلَا فَائِدَة اللَّهُمَّ إِلَّا الْمُحَافظَة على صُورَة الْوضُوء، ثمَّ كمل الْغسْل بالندب إِلَى التَّثْلِيث والدلك وتعهد المغابن وتأكيد السّتْر. قَوْله ﷺ : " إِن الله حييّ ستير " تَفْسِيره قَوْله: " يحب الْحيَاء والستر " والستر من أعين النَّاس وَاجِب، وَكَونه بِحَيْثُ لَو هجم إِنْسَان بِالْوَجْهِ الْمُعْتَاد لم ير عَوْرَته مُسْتَحبّ. قَوْله ﷺ : " خذي فرْصَة من مسك فتطهري بهَا " يَعْنِي تتبعي بهَا أثر الدَّم أَقُول إِنَّمَا أَمر الْحَائِض بالفرصة الممسكة لمعان مِنْهَا زِيَادَة الطَّهَارَة إِذْ الطّيب يفعل فعل الطَّهَارَة، وَإِنَّمَا لم يسن فِي سَائِر الْأَوْقَات احْتِرَازًا عَن الْحَرج. وَمِنْهَا إِزَالَة الرَّائِحَة الكريهة الَّتِي لَا يَخْلُو عَنْهَا الْحيض. وَمِنْهَا انْقِضَاء الْحيض والشروع فِي الطُّهْر وَقت ابْتِغَاء الْوَلَد وَالطّيب يهيج تِلْكَ الْقُوَّة. وَاخْتَارَ الصَّاع إِلَى خَمْسَة أَمْدَاد للْغسْل، وَالْمدّ للْوُضُوء لِأَن ذَلِك مِقْدَار صَالح فِي الْأَجْسَام المتوسطة، قَالَ النَّبِي ﷺ : " تَحت كل شَعْرَة جَنَابَة فَاغْسِلُوا الشّعْر وانقوا الْبشرَة: وَقَوله ﷺ : " من ترك مَوضِع شَعْرَة من الْجَنَابَة لم يغسلهَا فعل بهَا كَذَا وَكَذَا ": سر ذَلِك مثل مَا ذَكرْنَاهُ فِي اسْتِيعَاب الْوضُوء من أَنه تَحْقِيق لِمَعْنى الْغسْل، وَأَن الْبَقَاء

стр. 263

على الْجَنَابَة والاصرار على ذَلِك مُوجبَة للنار، وَأَنه يظْهر تألم النَّفس من قبل الْعُضْو الَّذِي جَاءَ مِنْهُ الْخلَل. (مُوجبَات الْغسْل) قَالَ رَسُول الله ﷺ " إِذا جلس بَين شعبها الْأَرْبَع، ثمَّ وجهدها فقد وَجب الْغسْل وَإِن لم ينزل " وَأَقُول اخْتلفت الرِّوَايَة هَل يحمل الاكسال أَي الْجِمَاع من غير إِنْزَال على الْجِمَاع الْكَامِل فِي معنى قَضَاء الشَّهْوَة أَعنِي مَا يكون مَعَه الْإِنْزَال، وَالَّذِي صَحَّ رِوَايَة وَعَلِيهِ جُمْهُور الْفُقَهَاء هُوَ أَن من جهدها فقد وَجب عَلَيْهَا الْغسْل وَإِن لم ينزل، وَاخْتلفُوا فِي كَيْفيَّة الْجمع بَين هَذَا الحَدِيث وَحَدِيث إِنَّمَا المَاء من المَاء " فَقَالَ ابْن عَبَّاس: إِنَّمَا المَاء من المَاء للاحتلام وَفِيه مَا فِيهِ، وَقَالَ أبي. إِنَّمَا كَانَ المَاء من المَاء رخصَة أول الْإِسْلَام، ثمَّ نهى، وَقد رُوِيَ عَن عُثْمَان وَعلي وَطَلْحَة وَالزُّبَيْر وَأبي بن كَعْب وَأبي أَيُّوب ﵃ فِيمَن جَامع امْرَأَته وَلم يمن قَالُوا: يتَوَضَّأ كَمَا يتَوَضَّأ للصَّلَاة، وَيغسل ذكره، وَرفع ذَلِك إِلَى النَّبِي ﷺ ، وَلَا يبعد عِنْدِي أَن يحمل ذَلِك على الْمُبَاشرَة الْفَاحِشَة، فانه قد يُطلق الْجِمَاع عَلَيْهَا. وَسُئِلَ النَّبِي ﷺ عَن الرجل يجد البلل وَلَا يذكر الِاحْتِلَام قَالَ " يغْتَسل " وَعَن الرجل الَّذِي يرى أَنه قد احْتَلَمَ وَلَا يجد بللا قَالَ. " لَا غسل عَلَيْهِ " أَقُول إِنَّمَا أدَار الحكم على البلل دون الرُّؤْيَا لِأَن الرُّؤْيَا تكون تَارَة حَدِيث نفس، وَلَا تَأْثِير لَهُ، وَتارَة تكون قَضَاء شَهْوَة، وَلَا تكون بِغَيْر بَلل، فَلَا يصلح لإدارة الحكم إِلَّا البلل، وَأَيْضًا فان البلل شَيْء ظَاهر يصلح للانضباط، وَأما الرُّؤْيَا فَإِنَّهَا كثيرا مَا تنسى. وَلَا شكّ أَن طول مُدَّة الطُّهْر وَالْحيض وقصرها يَخْتَلِفَانِ باخْتلَاف المزاج والغذاء وَنَحْوهمَا، وَلَا يكَاد أَن يضبطان بِشَيْء مطرد، فَلَا جرم أَن الْأَصَح هُوَ الرُّجُوع إِلَى عادتهن، فَإِذا رأين أَنه حيض فَهُوَ حيض، وَإِذا رأين أَنه اسْتِحَاضَة فَهُوَ اسْتِحَاضَة.

стр. 264

وَاخْتِلَاف الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ فِي ذَلِك منشؤه الاستقراء والتقريب. واستفتت حمْنَة فِي الِاسْتِحَاضَة فَأمرهَا بالكرسف والتلجم وَخَيرهَا بَين أَمريْن الخ. أَقُول الأَصْل فِي ذَلِك أَنه ﷺ لما رأى أَن الِاسْتِحَاضَة لَيست من الْأُمُور الصحية وَترك الصَّلَاة فِيهَا يُؤَدِّي إِلَى إهمالها مُدَّة مديدة أَرَادَ أَن يحملهَا على الْأَمر الْمَعْرُوف عِنْدهم فَبَدَا وَجْهَان. أَحدهمَا أَنَّهَا عرق أَي دَاء خَفِي المأخذ - وَلَيْسَت حَيْضَة بِمَنْزِلَة الرعاف فَردهَا إِلَى مَا كَانَ فِي الصِّحَّة من حَيْضهَا وطهرها فِي كل شهر، وَلَا بُد حِينَئِذٍ من تميز الْحَيْضَة عَن غَيرهَا، إِمَّا باللون فالأقوى كالأسود للْحيض أَو بأيامها الْمَعْرُوفَة عِنْدهَا. وَالثَّانِي أَنَّهَا حَيْضَة فَاسِدَة؛ فلكونها حَيْضَة يَنْبَغِي أَن تُؤمر بِالْغسْلِ عِنْد كل صَلَاة، وَإِن تعذر فَعِنْدَ كل صَلَاتَيْنِ، ولكونها فَاسِدَة لم تمنع الصَّلَاة - وَالْحكمَة فِي الكرسف والتلجم - أَن يلْحق الدَّم بِمَا اسْتَقر فِي مَكَانَهُ وَلَا يعدوه، وَلِئَلَّا يُصِيب بدنهَا وثيابها، وَأفْتى جُمْهُور الْفُقَهَاء بِالْأولِ إِلَّا عِنْد تعذره (مَا يُبَاح للْجنب والمحدث وَمَا لَا يُبَاح لَهما) لما كَانَ تَعْظِيم شَعَائِر الله وَاجِبا - وَمن الشعائر الله الصَّلَاة والكعبة وَالْقُرْآن - وَكَانَ أعظم التَّعْظِيم أَلا يقرب مِنْهُ الْإِنْسَان إِلَّا بِطَهَارَة كَامِلَة، وتنبه النَّفس بِفعل مُسْتَأْنف وَجب أَلا يقربهَا إِلَّا متطهر، وَلم يشْتَرط الْوضُوء لقِرَاءَة الْقُرْآن لِأَن الْتِزَام الْوضُوء عِنْد كل قِرَاءَة يخل فِي حفظ الْقُرْآن وتلقيه، وَلَا بُد من فتح هَذَا الْبَاب وَالتَّرْغِيب فِيهِ وَالتَّخْفِيف على من أَرَادَ حفظه، وَوَجَب أَن يُؤَكد الْأَمر فِي الْحَدث الْأَكْبَر، فَلَا يجوز نفس الْقِرَاءَة أَيْضا - وَلَا أَن يدْخل الْمَسْجِد جنب أَو حَائِض - لِأَن الْمَسْجِد مُهَيَّأ للصَّلَاة وَالذكر، وَهُوَ من شَعَائِر الْإِسْلَام ونموذج الْكَعْبَة.

стр. 265

وَلم يشْتَرط الطَّهَارَة فِي مجَالِس النَّبِي ﷺ لِأَن كل شَيْء لَهُ تَعْظِيم يُنَاسِبه وَكَانَ بشرا يعروه من الْأَحْدَاث والجنابة مَا يعرو الْبشر، فَكَانَ اشْتِرَاط الطَّهَارَة فِي ذَلِك قلبا للموضوع. قَالَ النَّبِي ﷺ : " لَا تدخل الْمَلَائِكَة بَيْتا فِيهِ صُورَة وَلَا كلب وَلَا جنب ". أَقُول المُرَاد أَن هَذِه تنفر مِنْهَا الْمَلَائِكَة، وَأَنَّهَا أضداد مَا فِيهِ الْمَلَائِكَة من الطَّهَارَة والتنفر من عَبدة الْأَصْنَام. وَقَالَ النَّبِي ﷺ فِيمَن تصيبه الْجَنَابَة من اللَّيْل: " تَوَضَّأ، واغسل ذكرك، ثمَّ نم " أَقُول لما كَانَت الْجَنَابَة مُنَافِيَة لهيئات الْمَلَائِكَة كَانَ المرضى فِي حق الْمُؤمن أَلا يسترسل فِي حَوَائِجه من النّوم وَالْأكل مَعَ الْجَنَابَة إِذا تَعَذَّرَتْ الطَّهَارَة الْكُبْرَى لَا يَنْبَغِي أَن يدع الطَّهَارَة الصُّغْرَى لِأَن أَمرهمَا وَاحِد غير أَن الشَّارِع وزعهما على الحدثين. (التَّيَمُّم) لما كَانَ من سنة الله فِي شرائعه أَن يسهل عَلَيْهِم كل مَا لَا يستطيعونه، وَكَانَ أَحَق أَنْوَاع التَّيْسِير أَن يسْقط مَا فِيهِ حرج إِلَى بدل لتطمئن نُفُوسهم، وَلَا تخْتَلف الخواطر عَلَيْهِم بإهمال مَا التزموه غَايَة الِالْتِزَام مرّة وَاحِدَة، وَلَا يألفوا ترك الطهارات - أسقط الْوضُوء وَالْغسْل فِي الْمَرَض وَالسّفر إِلَى التَّيَمُّم، وَلما كَانَ ذَلِك كَذَلِك نزل الْقَضَاء فِي الْمَلأ الْأَعْلَى بِإِقَامَة التَّيَمُّم مقَام الْوضُوء وَالْغسْل، وَحصل لَهُ وجود تشبيهي أَنه طَهَارَة من الطهارات، وَهَذَا الْقَضَاء أحد الْأُمُور الْعِظَام الَّتِي تميزت بهَا الْملَّة المصطفوية من سَائِر الْملَل، وَهُوَ قَوْله ﷺ : " جعلت تربَتهَا لنا طهُورا إِذا لم نجد المَاء " أَقُول: إِنَّمَا خص الأَرْض لِأَنَّهَا لَا تكَاد تفقد، فَهِيَ أَحَق مَا يرفع بِهِ الْحَرج، وَلِأَنَّهَا طهُور فِي بعض الْأَشْيَاء كالخف وَالسيف بَدَلا عَن الْغسْل بِالْمَاءِ، وَلِأَن فِيهِ تذللا بِمَنْزِلَة تعفير الْوَجْه فِي التُّرَاب، وَهُوَ يُنَاسب طلب الْعَفو، وَإِنَّمَا لم يفرق بَين بدل الْغسْل وَالْوُضُوء - وَلم يشرع التمرغ - لِأَن من حق مَا لَا يعقل مَعْنَاهُ بادئ الرَّأْي أَن يَجْعَل كالمؤثر بالخاصية دون الْمِقْدَار، فانه هُوَ الَّذِي اطمأنت نُفُوسهم بِهِ فِي هَذَا الْبَاب، وَلِأَن التمرغ فِيهِ بعض الْحَرج، فَلَا يصلح رَافعا للْحَرج بِالْكُلِّيَّةِ. وَفِي معنى الْمَرَض الْبرد الضار - لحَدِيث عَمْرو بن الْعَاصِ - وَالسّفر لَيْسَ بِقَيْد، إِنَّمَا هُوَ صُورَة لعدم وجدان المَاء يتَبَادَر إِلَى الذِّهْن، وَإِنَّمَا لم يُؤمر بمسح الرجل بِالتُّرَابِ - لِأَن الرجل مَحل الأوساخ - وَإِنَّمَا يُؤمر بِمَا لَيْسَ حَاصِلا ليحصل بِهِ التنبه.

стр. 266

أما صفة التَّيَمُّم فَهُوَ أحد مَا اخْتلف فِيهِ طَرِيق التلقي عَن النَّبِي ﷺ ، فَإِن أَكثر الْفُقَهَاء من التَّابِعين وَغَيرهم قبل أَن تمهد طَريقَة الْمُحدثين على أَن التَّيَمُّم ضربتان، وضربه للْوَجْه، وضربة لِلْيَدَيْنِ إِلَى الْمرْفقين. وَأما الْأَحَادِيث فأصحها حَدِيث عمار " إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيك أَن تضرب بيديك الأَرْض، ثمَّ تنفخ فيهمَا، ثمَّ تمسح بهما وَجهك وكفيك " وَرُوِيَ من حَدِيث ابْن عمر " التَّيَمُّم ضربتان، ضَرْبَة للْوَجْه وضربة لِلْيَدَيْنِ إِلَى الْمرْفقين " وَقد روى عمل النَّبِي ﷺ وَالصَّحَابَة على الْوَجْهَيْنِ، وَوجه الْجمع ظَاهر يرشد إِلَيْهِ لفظ " إِنَّمَا يَكْفِيك " فَالْأول أدنى التَّيَمُّم وَالثَّانِي هُوَ السّنة وعَلى ذَلِك يُمكن أَن يحمل اخْتلَافهمْ فِي التَّيَمُّم، وَلَا يبعد أَن يكون تَأْوِيل فعله ﷺ أَنه علم عمارا أَن الْمَشْرُوع فِي التَّيَمُّم إِيصَال مَا لصق باليدين بِسَبَب الضَّرْبَة - دون التمرغ، وَلم يرد بَيَان قد رالمسموح من أَعْضَاء التَّيَمُّم وَلَا عدد الضَّرْبَة، وَلَا يبعد أَن يكون قَوْله لعمَّار أَيْضا مَحْمُولا على هَذَا الْمَعْنى، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ الْحصْر بِالنِّسْبَةِ إِلَى التمرغ، وَفِي مثل هَذِه الْمَسْأَلَة لَا يَنْبَغِي أَن يَأْخُذ الْإِنْسَان إِلَّا بِمَا يخرج بِهِ من الْعَهْد يَقِينا، وَكَانَ عمر وَابْن مَسْعُود ﵄ لَا يريان التَّيَمُّم على الْجَنَابَة، وحملا الْآيَة على اللَّمْس وَأَنه ينْقض الْوضُوء، لَكِن حَدِيث عمرَان وعمار يشْهد بِخِلَاف ذَلِك، وَلم أجد فِي حَدِيث صَحِيح تَصْرِيحًا بِأَنَّهُ يجب أَن يتَيَمَّم لكل فَرِيضَة، أَو لَا يجوز التَّيَمُّم للآبق وَنَحْوه، وَإِنَّمَا ذَلِك من التخريجات. قَوْله ﷺ فِي الرجل المشجوج: " إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ أَن يتَيَمَّم ويعصب على جرحه خرقَة، ثمَّ يمسح عَلَيْهَا وَيغسل سَائِر جسده ": فِيهِ أَن التَّيَمُّم هُوَ الْبَدَل عَن الْعُضْو كتمام الْبدن لِأَنَّهُ كالشيء الْمُؤثر بالخاصية، وَفِيه الْأَمر بِالْمَسْحِ لما ذكرنَا فِي الْمسْح على الْخُفَّيْنِ. قَوْله ﷺ : " إِن الصَّعِيد الطّيب وضوء الْمُسلم وَإِن لم يجد المَاء عشر سِنِين " أَقُول الْمَقْصُود مِنْهُ سد بَاب التعمق، فان مثله يتعمق فِيهِ المتعمقون ويخالفون حكم الله فِي الترخيص.

стр. 267

(آدَاب الْخَلَاء) هِيَ ترجع إِلَى معَان: تَعْظِيم الْقبْلَة، وَهُوَ قَوْله ﷺ : " إِذا أتيتم الْغَائِط فَلَا تستقبلوا الْقبْلَة، وَلَا تستدبروها. وَفِيه حكمه أُخْرَى، وَهِي أَنه لما كَانَ توجه الْقلب إِلَى تَعْظِيم الله أمرا خفِيا لم يكن بُد من إِقَامَة مَظَنَّة ظَاهِرَة مقامة؛ وَكَانَ الشَّرَائِع الْمُتَقَدّمَة تجْعَل تِلْكَ المظنة الْحُلُول بالصوامع المبنية لله تَعَالَى الَّتِي صَارَت من شَعَائِر الله وَدينه، وَجعلت شريعتنا المظنة اسْتِقْبَال الْقبْلَة وَالتَّكْبِير، فَلَمَّا جعل الله تَعَالَى اسْتِقْبَال الْقبْلَة قَائِما مقَام توجه الْقلب إِلَى تَعْظِيم الله وَجمع الخاطر فِي ذكر الله وَكَانَ سَبَب إِقَامَته أَن هَذِه الْهَيْئَة تذكر الله - استنبط النَّبِي ﷺ من هَذَا الحكم أَنه يجب أَن يَجْعَل هَيْئَة الِاسْتِقْبَال مُخْتَصَّة بالتعظيم وَذَلِكَ بألا يسْتَعْمل فِي الهيأة المباينة للصَّلَاة كل المباينة - ورؤي استقباله واستدباره - فَجمع بتنزيل التَّحْرِيم على الصَّحرَاء والاباحة على الْبُنيان، وَجمع بِحمْل النَّهْي على الْكَرَاهِيَة وَهُوَ الأضهر. وَمِنْهَا تَحْقِيق معنى التَّنْظِيف، فورد النَّهْي عَن الِاسْتِنْجَاء بِأَقَلّ من ثَلَاثَة أَحْجَار - أَي ثَلَاث مسحات - لِأَنَّهَا لَا تنقي غَالِبا واستحباب الْجمع بَين الْحجر وَالْمَاء. وَمِنْهَا الِاحْتِرَاز عَمَّا يضر النَّاس كالتحلي فِي ظلّ النَّاس وطريقهم ومتحدثهم وَالْمَاء الدَّائِم والاستنجاء بالعظم لِأَنَّهُ طَعَام الْجِنّ، وَكَذَا سَائِر مَا ينْتَفع بِهِ، وَأفهم قَوْله ﷺ : " اتَّقوا اللاعنين " أَن الْحِكْمَة الِاحْتِرَاز عَن لعنهم وتأذيهم، أَو مَا يضر بِنَفسِهِ كالبول فِي الْجُحر، فَإِنَّهُ قد يكون مأوى حَيَّة أَو مثلهَا فَيخرج ويؤذي. وَمِنْهَا اخْتِيَار محَاسِن الْعَادَات، فَلَا يتمسح بِيَمِينِهِ، وَلَا يَأْخُذ ذكره بِيَمِينِهِ، وَلَا يستنجي برجيع، ويوتر فِي الِاسْتِجْمَار. وَمِنْهَا رِعَايَة السّتْر فَيَنْبَغِي أَن يبعد لِئَلَّا يسمع مِنْهُ صَوت، أَو يشم مِنْهُ ريح، أَو يرى مِنْهُ عَورَة، وَلَا يرفع ثَوْبه حَتَّى يدنو من الأَرْض، وَيسْتر بِمثل حائش نخل مِمَّا يواري أسافل بدنه، فَمن لم يجد إِلَّا أَن يجمع كثيبا من رمل، فليستدبره فَإِن الشَّيْطَان يلْعَب بمقاعد بني آدم، وَذَلِكَ لِأَن الشَّيْطَان جبل على أفكار فَاسِدَة وأعمال شنيعة. وَمِنْهَا الِاحْتِرَاز من أَن يُصِيب بدنه أَو ثَوْبه نَجَاسَة وَهُوَ قَوْله ﷺ : " إِذا أَرَادَ أحدكُم أَن يَبُول فليرتد لبوله "

стр. 268

وَمِنْهَا إِزَالَة الوسواس وَهُوَ قَوْله ﷺ : " فَلَا يبولن أحدكُم فِي مستحمة فَإِن عَامَّة الوسواس مِنْهُ "، وَقَوله ﷺ " لَا تبل قَائِما ". أَقُول: إِنَّمَا أكره الْبَوْل قَائِما لِأَنَّهُ يُصِيبهُ الرشاش، وَلِأَنَّهُ يُنَافِي الْوَقار ومحاسن الْعِبَادَات وَهُوَ مَظَنَّة انكشاف الْعَوْرَة. قَوْله ﷺ : " إِن الحشوش محتضرة فَإِذا أَتَى أحدكُم الْخَلَاء، فَلْيقل أعوذ بِاللَّه من الْخبث والخبائث وَإِذا خرج من الْخَلَاء قَالَ غفرانك " أَقُول: يسْتَحبّ أَن يَقُول عِنْد الدُّخُول اللَّهُمَّ أَنِّي أعوذ بك من الْخبث والخبائث لِأَن الحشوش محتضرة يحضرها الشَّيَاطِين لأَنهم يحبونَ النَّجَاسَة وَعند الْخُرُوج غفرانك لِأَنَّهُ وَقت ترك ذكر الله ومخالطة الشَّيَاطِين. قَوْله ﷺ : " أما أَحدهمَا فَكَانَ لَا يستبرئ من الْبَوْل " الحَدِيث أَقُول فِيهِ إِن الِاسْتِبْرَاء وَاجِب وَهُوَ أَن يمْكث، وينثر حَتَّى يظنّ أَنه لم يبْق فِي قَصَبَة الذّكر شَيْء من الْبَوْل، وَفِيه أَن مُخَالطَة النَّجَاسَة وَالْعَمَل الَّذِي يُؤَدِّي إِلَى فَسَاد ذَات الْبَين يُوجب عَذَاب الْقَبْر، أما شقّ الجريدة والغرز فِي كل قبر فسره الشَّفَاعَة الْمقيدَة إِذْ لم تمكن الْمُطلقَة لكفرهما. (خِصَال الْفطْرَة ومأ يتَّصل بهَا) قَالَ النَّبِي ﷺ : " عشر من الْفطْرَة: قصّ الشَّارِب، وإعفاء اللِّحْيَة، والسواك، والاسنتشاق بِالْمَاءِ، وقص الأظافر، وَغسل البراجم، ونتف الأبط، وَحلق الْعَانَة، وانتقاص المَاء - يَعْنِي الِاسْتِنْجَاء قَالَ الرَّاوِي: ونسيت الْعَاشِرَة إِلَّا أَن تكون الْمَضْمَضَة ". أَقُول هَذِه الطَّهَارَة منقولة عَن إِبْرَاهِيم ﵇ متداولة فِي طوائف الْأُمَم الحنيفية أشربت فِي قُلُوبهم، وَدخلت فِي صميم اعْتِقَادهم، عَلَيْهَا محياهم، وَعَلَيْهَا مماتهم

стр. 269

عصرا بعد عصر، وَلذَلِك سميت بالفطرة وَهَذِه شَعَائِر الْملَّة الحنيفية، وَلَا بُد لكل مِلَّة من شَعَائِر يعْرفُونَ بهَا، ويؤاخذون عَلَيْهَا، ليَكُون طاعتها وعصيانها أمرا محسوسا، وَإِنَّمَا يَنْبَغِي أَن يَجْعَل من الشعائر مَا كثر وجوده، وتكرر وُقُوعه، وَكَانَ ظَاهرا، وَفِيه فَوَائِد جمة تقبله أذهان النَّاس أَشد الْقبُول. وَالْجُمْلَة فِي ذَلِك أَن بعض الشُّعُور النابتة من جَسَد الْإِنْسَان يفعل فعل الْأَحْدَاث فِي قبض الخاطر، وَكَذَا شعث الرَّأْس واللحية وليرجع الْإِنْسَان فِي ذَلِك إِلَى مَا ذكره الْأَطِبَّاء فِي الشرى والحكة وَغَيرهمَا من الْأَمْرَاض الجلدية أَنَّهَا تحزن الْقلب وَتذهب النشاط. واللحية هِيَ الفارقة الصَّغِير وَالْكَبِير وَهِي جمال الفحول وَتَمام هيأتهم فَلَا بُد من إعفائها، وقصها سنة الْمَجُوس، وَفِيه تَغْيِير خلق الله، ولحوق أهل السؤدد والكبرياء بالرعاع، وَمن طَالَتْ شواربه تعلق الطَّعَام وَالشرَاب بهَا، وَاجْتمعَ فِيهَا الأوساخ وَهُوَ من سنه الْمَجُوس، وَهُوَ قَوْله ﷺ : " خالفوا الْمُشْركين قصوا الشَّوَارِب وَاعْفُوا اللحى ". وَفِي الْمَضْمَضَة وَالِاسْتِنْشَاق والسواك إِزَالَة المخاط والبخر، والغرلة عُضْو زَائِد يجْتَمع فِيهَا الْوَسخ وَيمْنَع الِاسْتِبْرَاء من الْبَوْل وينقض لَذَّة الْجِمَاع، وَفِي التَّوْرَاة - إِن الْخِتَان ميسم الله على إِبْرَاهِيم وَذريته - مَعْنَاهُ أَن الْمُلُوك جرت عَادَتهم بِأَن يسموا مَا يخصهم من الدَّوَابّ لتتميز من غَيرهَا وَالْعَبِيد الَّذين لَا يُرِيدُونَ إعتاقهم، فَكَذَلِك جعل الْخِتَان ميسما عَلَيْهِم، وَسَائِر الشعائر يُمكن أَن يدخلهَا تَغْيِير وتدليس، والختان لَا يتَطَرَّق إِلَيْهِ تَغْيِير إِلَّا بِجهْد، وانتقاص المَاء كِنَايَة عَن الِاسْتِنْجَاء بِهِ. قَوْله ﷺ : " أَرْبَعَة من سنَن الْمُرْسلين الْحيَاء - ويروى الْخِتَان - والتعطر والسواك وَالنِّكَاح " أَقُول: أرى أَن هَذِه كلهَا من الطَّهَارَة فالحياء ترك الوقاحة وَالْبذَاء وَالْفَوَاحِش، وَهِي تلوث النَّفس، وتكدرها. والتعطر يهيج سرُور النَّفس وانشراحها وينبه على الطَّهَارَة تَنْبِيها قَوِيا، وَالنِّكَاح يطهر الْبَاطِن من التوقان إِلَى النِّسَاء ودوران أَحَادِيث تميل إِلَى قَضَاء هَذِه الشَّهْوَة.

стр. 270

قَوْله ﷺ : " لَوْلَا أَن اشق على أمتِي لأمرتهم بِالسِّوَاكِ عِنْد كل صَلَاة " أَقُول: مَعْنَاهُ لَوْلَا خوف الْحَرج لجعلت السِّوَاك شرطا للصَّلَاة كَالْوضُوءِ، وَقد ورد بِهَذَا الأسلوب أَحَادِيث كَثِيرَة جدا وَهِي دَلَائِل وَاضِحَة على أَن لاجتهاد النَّبِي ﷺ مدخلًا فِي الْحُدُود الشَّرْعِيَّة، وَأَنَّهَا منوطة بالمقاصد، وَأَن رفع الْحَرج من الْأُصُول الَّتِي بنى عَلَيْهَا الشَّرَائِع. قَول الرَّاوِي فِي صفة تسوكه ﷺ يَقُول: أع أع - كَأَنَّهُ يتهوع أَقُول: يَنْبَغِي للْإنْسَان أَن يبلغ بِالسِّوَاكِ أقاصى الْفَم، فَيخرج بلاغم الْحلق والصدر، وَالِاسْتِقْصَاء فِي السِّوَاك يذهب بالقلاع، ويصفى الصَّوْت، ويطيب النكهة. قَوْله ﷺ : " حق على كل مُسلم أَن يغْتَسل فِي كل سَبْعَة أَيَّام يَوْمًا، يغسل فِيهِ جسده وَرَأسه " أَقُول: هَذَا يدل على أَن الِاغْتِسَال فِي كل سَبْعَة أَيَّام سنة مُسْتَقلَّة شرعت لدفع الأوساخ والأدران وتنبيه النَّفس لصفة الطَّهَارَة، وَإِنَّمَا وَقت لصَلَاة الْجُمُعَة لِأَن كل وَاحِد فمنهما يكمل بِالْآخرِ، وَفِيه تعظم صَلَاة الْجُمُعَة. وَكَانَ النَّبِي ﷺ يغْتَسل من أَربع من الْجَنَابَة وَيَوْم الْجُمُعَة وَمن الْحجامَة وَمن غسل الْمَيِّت. أَقُول: أما الْحجامَة فَلِأَن الدَّم كثيرا مَا ينتشر على الْجَسَد، ويتعسر غسل كل نقطة على حدتها وَلِأَن المص بالملازم جاذب للدم من كل جَانب، فَلَا يُفِيد نقص الدَّم من الْعُضْو، وَالْغسْل يزِيل السيلان، وَيمْنَع انجذابه. وَأما غسل الْمَيِّت فَلِأَن الرشاش ينتشر فِي الْبدن، وَجَلَست عِنْد محتضر، فَرَأَيْت أَن الْمَلَائِكَة الموكلة بِقَبض الْأَرْوَاح لَهَا نكاية عَجِيبَة فِي أَرْوَاح الْحَاضِرين ففهمت أَنه لَا بُد من تَغْيِير الْحَالة لتتنبه النَّفس لمخالفها. أَمر ﷺ من أسلم بِأَن يغْتَسل بِمَاء وَسدر؛ وَقَالَ لآخر: " ألق عَنْك شعر الْكفْر ". أَقُول سره أَن يتَمَثَّل عِنْده الْخُرُوج من شَيْء من أصرح مَا يكون، وَالله أعلم.

стр. 271

(أَحْكَام الْمِيَاه) قَوْله ﷺ : " لَا يبولن أحدكُم فِي المَاء الدَّائِم الَّذِي لَا يجْرِي ثمَّ يغْتَسل فِيهِ ". أَقُول: مَعْنَاهُ النَّهْي عَن كل وَاحِد من الْبَوْل فِي المَاء وَالْغسْل فِيهِ مثل حَدِيث: " لَا يخرج الرّجلَانِ يضربان الْغَائِط كاشفين عَن عورتهما يتحدثان فَإِن الله يمقت على ذَلِك " وَيبين ذَلِك رِوَايَة النَّهْي عَن الْبَوْل فِي المَاء فَقَط وَرِوَايَة أُخْرَى النَّهْي عَن الِاغْتِسَال فَقَط وَالْحكمَة أَن كل وَاحِد مِنْهُمَا لَا يَخْلُو من أحد أَمريْن: إِمَّا أَن يُغير المَاء بِالْفِعْلِ، أَو يُفْضِي إِلَى التَّغْيِير بِأَن يرَاهُ النَّاس بِفعل، فيتتابعوا، وَهُوَ بِمَنْزِلَة اللاعنين اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يكون المَاء مستبحرا أَو جَارِيا والعفاف أفضل كل حَال. وَأما المَاء الْمُسْتَعْمل فَمَا كَانَ أحد من طوائف النَّاس يَسْتَعْمِلهُ فِي الطَّهَارَة، وَكَانَ كالمهجور المطرود فأبقاه النَّبِي ﷺ على مَا كَانَ عِنْدهم، وَلَا شكّ أَنه طَاهِر. قَوْله ﷺ : " إِذا بلغ المَاء ملتين لم يحمل خبثا ". أَقُول مَعْنَاهُ لم يحمل خبثا معنويا إِنَّمَا يحكم بِهِ الشَّرْع دون الْعرف وَالْعَادَة، فَإِذا تغير أحد أَوْصَافه بِالنَّجَاسَةِ، وفحشت النَّجَاسَة كَمَا أَو كيفا فَلَيْسَ مِمَّا ذكر، وَإِنَّمَا جعل الْقلَّتَيْنِ حدا فاصلا بَين الْكثير والقليل لأمر ضَرُورِيّ لَا بُد مِنْهُ، وَلَيْسَ تحكما وَلَا جزَافا - وَكَذَا سَائِر الْمَقَادِير الشَّرْعِيَّة - وَذَلِكَ أَن للْمَاء محلين مَعْدن واوان، أما الْمَعْدن فالآبار والعيون، وَيلْحق بهَا الأودية، أما الْأَوَانِي فالقرب والقلال والجفان والمخاضب والأداوة، وَكَانَ الْمَعْدن يتضررون بتنجسه، ويقاسون الْحَرج فِي نزحه، وَأما الْأَوَانِي فتملأ فِي كل يَوْم وَلَا حرج فِي إراقتها، والمعادن لَيْسَ لَهَا غطاء، وَلَا يُمكن سترهَا من رَوْث الدَّوَابّ وولغ السبَاع، وَأما الْأَوَانِي فَلَيْسَ فِي تغطيتها وحفظها كثير حرج اللَّهُمَّ إِلَّا من الطوافين والطوافات، والمعدن كثير غرير لَا يُؤثر فِيهِ كثير من النَّجَاسَات بِخِلَاف الْأَوَانِي، فَوَجَبَ أَن يكون حكم الْمَعْدن غير حكم الْأَوَانِي، وَأَن يرخص فِي الْمَعْدن مَا لَا يرخص فِي الْأَوَانِي، وَلَا يصلح فارقا بَين حد الْمَعْدن وحد الْأَوَانِي إِلَّا القلتان لِأَن مَاء الْبِئْر وَالْعين لَا يكون أقل من الْقلَّتَيْنِ أَلْبَتَّة وكل مَا دون الْقلَّتَيْنِ من الأودية لَا يُسمى حوضا وَلَا جوبة، وَإِنَّمَا يُقَال لَهُ حفيرة وَإِذا كَانَ قدر قُلَّتَيْنِ فِي مستو من الأَرْض يكون غَالِبا سَبْعَة أشبار، وَذَلِكَ أدنى الْحَوْض، وَكَانَ أَعلَى الْأَوَانِي الْقلَّة وَلَا يعرف أَعلَى مِنْهَا عِنْدهم آنِية،

стр. 272

وَلَيْسَت القلال سَوْدَاء: فقلة عِنْدهم تكون قلَّة وَنصفا، وَقلة وربعا، وَقلة وَثلثا، وَلَا تعرف قلَّة تكون كقلتين فَهَذَا حد لَا تبلغه الْأَوَانِي، وَلَا ينزل مِنْهُ الْمَعْدن، فَضرب حدا فاصلا بَين الْكثير والقليل، وَمن يقل بالقلتين اضْطر إِلَى مثلهمَا فِي ضبط المَاء الْكثير - كالمالكية - والرخصة فِي آبار الفلوات من نَحْو أبعار الْإِبِل فَمن هُنَا يَنْبَغِي أَن يعرف الْإِنْسَان أَمر الْحُدُود الشَّرْعِيَّة فَإِنَّهَا نازلة على وَجه ضَرُورِيّ لَا يَجدونَ مِنْهُ بدا، وَلَا يجوز الْعقل غَيرهَا. قَوْله ﷺ : " المَاء طهُور لَا يُنجسهُ شَيْء " وَقَوله ﷺ : " المَاء لَا يجنب " وَقَوله ﷺ : " الْمُؤمن لَا ينجس " وَمثله مَا فِي الْأَخْبَار من أَن الْبدن لَا ينجس وَالْأَرْض لَا تنجس. أَقُول: معنى ذَلِك كُله يرجع إِلَى نفي نَجَاسَة خَاصَّة تدل عَلَيْهِ الْقَرَائِن الحالية والقالية فَقَوله: " المَاء لَا ينجس " مَعْنَاهُ الْمَعَادِن لَا تنجس بملاقاة النَّجَاسَة إِذا أخرجت، ورميت، وَلم يتَغَيَّر أحد أَوْصَافه، وَلم تفحش، وَالْبدن يغسل، فيطهر، وَالْأَرْض يُصِيبهَا الْمَطَر وَالشَّمْس، وتدلكها الأرجل فَتطهر، وَهل يُمكن أَن يظنّ ببئر بضَاعَة أَنَّهَا كَانَت تَسْتَقِر فِيهَا النَّجَاسَات؟ ! كَيفَ وَقد جرت عَادَة بني آدم بالاجتناب عَمَّا هَذَا شَأْنه، فَكيف يستقى بهَا رَسُول الله ﷺ ؟ بل كَانَت تقع فِيهَا النَّجَاسَات من غير أَن يقْصد إلقاؤها كَمَا تشاهد من آبار زَمَاننَا، ثمَّ تخرج تِلْكَ النَّجَاسَات، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَام سَأَلُوا عَن الطَّهَارَة الشَّرْعِيَّة الزَّائِدَة على مَا عِنْدهم، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : " المَاء طهُور لَا يُنجسهُ شَيْء " يَعْنِي لَا ينجس نَجَاسَة غير مَا عنْدكُمْ، وَلَيْسَ هَذَا تَأْوِيلا وَلَا صرفا عَن الظَّاهِر بل هُوَ كَلَام الْعَرَب فَقَوله تَعَالَى: ﴿قل لَا أجد فِيمَا أُوحِي إِلَيّ محرما على طاعم﴾ الْآيَة. مَعْنَاهُ مِمَّا اختلفتم فِيهِ، وَإِذا سُئِلَ الطَّبِيب عَن شَيْء فَقَالَ لَا يجوز اسْتِعْمَاله عرف أَن المُرَاد نفي الْجَوَاز بِاعْتِبَار صِحَة الْبدن، وَإِذا سُئِلَ فَقِيه عَن شَيْء فَقَالَ لَا يجوز عرف أَنه يُرِيد نفي الْجَوَاز الشَّرْعِيّ،

стр. 273

قَوْله تَعَالَى: ﴿حرمت عَلَيْكُم أُمَّهَاتكُم﴾ . وَقَوله تَعَالَى: ﴿حرمت عَلَيْكُم الْميتَة﴾ . فَالْأول فِي النِّكَاح وَالثَّانِي فِي الْأكل قَوْله ﷺ : " لَا نِكَاح إِلَّا بولِي " نفي للْجُوَاز الشَّرْعِيّ لَا الْوُجُود الْخَارِجِي وأمثال هَذَا كَثِيرَة وَلَيْسَ من التَّأْوِيل. وَأما الْوضُوء من المَاء الْمُقَيد الَّذِي لَا ينْطَلق عَلَيْهِ اسْم المَاء بِلَا قيد فَأمر تَدْفَعهُ الْملَّة بادئ الرَّأْي، نعم وَإِزَالَة الْخبث بِهِ مُحْتَمل بل هُوَ الرَّاجِح، وَقد أَطَالَ الْقَوْم من فروع موت الْحَيَوَان فِي الْبِئْر، وَالْعشر فِي الْعشْر، وَالْمَاء الْجَارِي وَلَيْسَ فِي كل ذَلِك حَدِيث عَن النَّبِي ﷺ ألبته، وَأما الْآثَار المنقولة عَن الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ كأثر ابْن الزبير فِي الزنْجِي، وَعلي ﵁ فِي الْفَأْرَة، وَالنَّخَعِيّ. وَالشعْبِيّ فِي نَحْو السنور فَلَيْسَتْ مِمَّا يشْهد لَهُ المحدثون بِالصِّحَّةِ وَلَا مِمَّا اتّفق عَلَيْهِ جُمْهُور أهل الْقُرُون الأولى،، وعَلى تَقْدِير صِحَّتهَا يُمكن أَن يكون ذَلِك تطبيبا للقلوب وتنظيفا للْمَاء لَا من جِهَة الْوُجُوب الشَّرْعِيّ كَمَا ذكر فِي كتب الْمَالِكِيَّة، وَدون نفي هَذَا الِاحْتِمَال خرط القتاد. وَبِالْجُمْلَةِ فَلَيْسَ فِي هَذَا الْبَاب شَيْء يعْتد بِهِ، وَيجب الْعَمَل عَلَيْهِ، وَحَدِيث الْقلَّتَيْنِ أثبت فِي ذَلِك كُله بِغَيْر شُبْهَة، وَمن الْمحَال أَن يكون الله تَعَالَى شرع فِي هَذِه الْمسَائِل لعبادة شَيْئا زِيَادَة على مَا لَا ينفكون عَنهُ من الارتفاقات وَهِي مِمَّا يكثر وُقُوعه، وتعم بِهِ الْبلوى، ثمَّ لَا ينص عَلَيْهِ النَّبِي ﷺ نصا جليا، وَلَا يستفيض فِي الصَّحَابَة وَمن بعدهمْ وَلَا حَدِيث وَاحِد فِيهِ، وَالله أعلم. (تَطْهِير النَّجَاسَات) النَّجَاسَة كل شَيْء يستقذره أهل الطبائع السليمة، ويتحفظون عَنهُ ويغسلون الثِّيَاب إِذا أَصَابَهَا كالعذرة وَالْبَوْل وَالدَّم. وَأما تَطْهِير النَّجَاسَات فَهُوَ مَأْخُوذ عَنْهُم ومستنبط مِمَّا اشْتهر فيهم والروث ركس لحَدِيث ابْن مَسْعُود وَبَوْل مَا يُؤْكَل لَحْمه لَا شُبْهَة فِي كَونه خبثا تستقذره الطبائع السليمة، وَإِنَّمَا يرخص فِي شربه لضَرُورَة الِاسْتِشْفَاء، وَإِنَّمَا يحكم بِطَهَارَتِهِ أَو بخفة نَجَاسَته لدفع الْحَرج، وَألْحق الشَّارِع بهَا الْخمر وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿رِجْس من عمل الشَّيْطَان﴾ لِأَنَّهُ حرمهَا وأكد تَحْرِيمهَا، فاقتضت الْحِكْمَة أَن يَجْعَلهَا بِمَنْزِلَة الْبَوْل والعذرة ليتمثل قبحها عِنْدهم، وَيكون ذَلِك أكبح لنفوسهم عَنْهَا.

стр. 274

قَالَ النَّبِي ﷺ " إِذا شرب الْكَلْب فِي إِنَاء أحدكُم فليغسله سبع مَرَّات " وَفِي رِوَايَة " أولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ " أَقُول ألحق النَّبِي ﷺ سُؤْر الْكَلْب بالنجاسات، وَجعله من أَشدّهَا لِأَن الْكَلْب حَيَوَان مَلْعُون تنفر مِنْهُ الْمَلَائِكَة، وَينْقص - اقتناؤه والمخالطة مَعَه بِلَا عذر - من الْأجر كل يَوْم قيراطا، والسر فِي ذَلِك أَنه يشبه الشَّيْطَان بجبلته لِأَن ديدته لعب وَغَضب واطراح فِي النَّجَاسَات وإيذاء للنَّاس، وَيقبل الإلهام من الشَّيَاطِين، فَرَأى مِنْهُم صدودا وتهاونا، وَلم يكن سَبِيل إِلَى النَّهْي عَنهُ بِالْكُلِّيَّةِ لضَرُورَة الزَّرْع والماشية والحراسة وَالصَّيْد، فعالج ذَلِك بِاشْتِرَاط أتم الطهارات وأوكدها وَمَا فِيهَا بعض الْحَرج ليَكُون بِمَنْزِلَة الْكَفَّارَة فِي الردع وَالْمَنْع، واستشعر بعض حَملَة الْملَّة بِأَن ذَلِك لَيْسَ بتشريع بل نوع تَأْكِيد، وَاخْتَارَ بَعضهم رِعَايَة ظَاهر الحَدِيث وَالِاحْتِيَاط أفضل. قَوْله ﷺ : " هريقوا على بَوْله سجلا من مَاء " أَقُول الْبَوْل على الأَرْض يطهره مكاثرة المَاء عَلَيْهِ، وَهُوَ مَأْخُوذ مِمَّا تقرر عِنْد النَّاس قاطبة أَن الْمَطَر الْكثير يطهر الأَرْض، وَأَن المكاثرة تذْهب بالرائحة المنتنة وَتجْعَل الْبَوْل متلاشيا كَأَن لم يكن. قَوْله ﷺ : " إِذا أصَاب ثوب إحداكن الدَّم من الْحَيْضَة، فلتقرصه، ثمَّ لتنضحه بِمَاء ثمَّ لتصلى فِيهِ " أَقُول: تحصل الطَّهَارَة بِزَوَال عين النَّجَاسَة وأثرها وَسَائِر الخصوصيات بَيَان لصورة صَالِحَة لزوالهما وتنبيه على ذَلِك لَا شَرط. وَأما المنى فَالْأَظْهر أَنه نجس لوُجُود مَا ذكرنَا فِي حد النَّجَاسَة، وَأَن الفرك يطهر يابسة إِذا كَانَ لَهُ حجم.

стр. 275

قَوْله ﷺ : " يغسل من بَوْل الْجَارِيَة ويرش من بَوْل الْغُلَام " أَقُول: هَذَا أَمر كَانَ قد تقرر فِي الْجَاهِلِيَّة، وأبقاه النَّبِي ﷺ ، وَالْحَامِل على هَذَا الْفرق أُمُور: مِنْهَا أَن بَوْل الْغُلَام ينتشر فيعسر إِزَالَته، فيناسبه التَّخْفِيف، وَبَوْل الْجَارِيَة يجْتَمع، فيسهل إِزَالَته: وَمِنْهَا أَن بَوْل الْأُنْثَى أغْلظ وأنتن من بَوْل الذّكر. وَمِنْهَا أَن الذّكر ترغب فِيهِ النُّفُوس وَالْأُنْثَى تعافها، وَقد أَخذ بِالْحَدِيثِ أهل الْمَدِينَة وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ، وأضجع فِيهِ القَوْل مُحَمَّد فَلَا تغتر بالمشهور بَين النَّاس. قَوْله ﷺ : " إِذا أدبغ الأهاب، فقد طهر " أَقُول: اسْتِعْمَال جُلُود الْحَيَوَانَات المدبوغة أَمر شَائِع مُسلم عِنْد طوائف النَّاس، والسر فِيهِ أَن الدّباغ يزِيل النتن والرائحة الكريهة. قَوْله ﷺ : " إِذا وطئ أحدكُم بنعله الْأَذَى فَإِن التُّرَاب لَهُ طهُور " أَقُول النَّعْل والخف يطهر من النَّجَاسَة الَّتِي لَهَا جرم بالدلك لِأَنَّهُ جسم صلب لَا يَتَخَلَّل فِيهِ النَّجَاسَة وَالظَّاهِر أَنه عَام فِي الرّطبَة واليابسة. قَوْله ﷺ فِي الْهِرَّة " إِنَّهَا من الطوافين والطوافات ". أَقُول: مَعْنَاهُ على قَول أَن الْهِرَّة وَأَن كَانَت تلغ فِي النَّجَاسَات، وَتقتل الْفَأْرَة فهنالك ضَرُورَة فِي الحكم بتطهير سؤرها، وَدفع الْحَرج أصل من أصُول الشَّرْع، وعَلى قَول آخر حث على الْإِحْسَان على كل ذَات كبد رطبَة وَشبههَا بالسائلين والسائلات، وَالله أعلم. (من أَبْوَاب الصَّلَاة) اعْلَم أَن الصَّلَاة أعظم الْعِبَادَات شَأْنًا وأوضحها برهانا وأشهرها فِي النَّاس وأنفعها فِي النَّفس، وَلذَلِك اعتنى الشَّارِع بِبَيَان فَضلهَا وَتَعْيِين أَوْقَاتهَا وشروطها وأركانها وآدابها ورخصها ونوافلها اعتناء عَظِيم لم يفعل فِي سَائِر أَنْوَاع الطَّاعَات، وَجعلهَا من أعظم شَعَائِر الدّين، وَكَانَت مسلمة فِي الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوس وبقايا الْملَّة الإسماعيلية، فَوَجَبَ أَلا يذهب فِي توقيتها وَسَائِر مَا يتَعَلَّق بهَا إِلَّا إِلَى مَا كَانَ عِنْدهم من الْأُمُور الَّتِي اتَّفقُوا عَلَيْهَا، وَاتفقَ عَلَيْهَا جمهورهم وَأما مَا كَانَ من تحريفهم، ككراهية الْيَهُود الصَّلَاة فِي الْخفاف وَالنعال وَنَحْو ذَلِك، فَمن حَقه أَن يسجل على تَركه، وَأَن يَجْعَل سنة الْمُسلمين غير سنة

стр. 276

هَؤُلَاءِ، وَكَذَلِكَ كَانَ الْمَجُوس حرفوا دينهم، وعبدوا الشَّمْس،؛ فَوَجَبَ أَن تميز مِلَّة الْإِسْلَام من ملتهم غَايَة التَّمْيِيز، فنهي الْمُسلمُونَ عَن الصَّلَاة فِي أَوْقَات صلواتهم أَيْضا. ولاتساع أَحْكَام الصَّلَاة وَكَثْرَة أُصُولهَا الَّتِي تبنى عَلَيْهَا لم تذكر الْأُصُول فِي فَاتِحَة كتاب الصَّلَاة كَمَا ذكرنَا فِي سَائِر الْكتب، بل ذكرنَا أصل كل فصل فِي ذَلِك الْفَصْل. قَوْله ﷺ : " مروا أَوْلَادكُم بِالصَّلَاةِ وهم أَبنَاء سبع سِنِين وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وهم أَبنَاء عشر سِنِين، وَفرقُوا بَينهم فِي الْمضَاجِع " أَقُول: بُلُوغ الصَّبِي على وَجْهَيْن: بُلُوغ فِي صَلَاحِية السقم وَالصِّحَّة النفسانيتين، ويتحقق بِالْعقلِ فَقَط، وأمارة ظُهُور الْعقل سبع، فَابْن السَّبع ينْتَقل فِيهَا لَا محَالة من حَالَة إِلَى حَالَة انتقالا ظَاهرا، وأمارة تَمَامه الْعشْر فَابْن الْعشْر عِنْد سَلامَة المزاج يكون عَاقِلا يعرف نَفعه من ضَرَره ويحذق فِي التِّجَارَة وَمَا يشبهها. وبلوغ فِي صَلَاحِية الْجِهَاد وَالْحُدُود والمؤاخذة عَلَيْهِ، وَأَن يصير بِهِ من الرِّجَال الَّذين يعانون المكايد، وَيعْتَبر حَالهم فِي السياسات المدنية والملية، ويجبرون قسرا على الصِّرَاط الْمُسْتَقيم، ويعتمد على تَمام الْعقل وَتَمام الجثة وَذَلِكَ بِخمْس عشر سنة فِي الْأَكْثَر، وَمن عَلَامَات هَذَا الْبلُوغ الِاحْتِلَام وإنبات الْعَانَة. وَالصَّلَاة لَهَا اعتباران: فباعتبار كَونهَا وَسِيلَة فِيمَا بَينه وَبَين مَوْلَاهُ منقذه عَن التردي فِي أَسْفَل السافلين أَمر بهَا عِنْد الْبلُوغ الأول. وَبِاعْتِبَار كَونه من شَعَائِر الْإِسْلَام يؤاخذون بهَا، ويجبرون عَلَيْهَا أشاؤا أم أَبَوا حكمهَا حكم سَائِر الْأُمُور. وَلما كَانَ سنّ الْعشْر برزخا بَين الحدين جَامعا بَين الْجِهَتَيْنِ جعل لَهُ نَصِيبا مِنْهُمَا. وَإِنَّمَا أَمر بتفريق الْمضَاجِع لِأَن الْأَيَّام أَيَّام مراهقة فَلَا يبعد أَن تُفْضِي المضاجعة إِلَى شَهْوَة المجامعة، فَلَا بُد من سد سَبِيل الْفساد قبل وُقُوعه.

стр. 277

(فضل الصَّلَاة) قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الْحَسَنَات يذْهبن السَّيِّئَات﴾ وَقَوله ﷺ لمن صلى فِي الْجَمَاعَة بعد الذَّنب: " فَإِن الله قد غفر لَك ذَنْبك " وَقَوله ﷺ : " لَو أَن نَهرا بِبَاب أحدكُم يغْتَسل فِيهِ كل يَوْم خمْسا هَل يبْقى من درنه شَيْء؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: فَذَلِك مثل الصَّلَوَات الْخمس يمحوا الله بهَا الْخَطَايَا ". وَقَوله ﷺ : " الصَّلَوَات الْخمس وَالْجُمُعَة إِلَى الْجُمُعَة ورمضان إِلَى رَمَضَان مكفرات لما بَينهُنَّ إِذا اجْتنب الْكَبَائِر ". أَقُول: الصَّلَاة جَامِعَة للتنظيف والاخبات، مُقَدَّسَة للنَّفس إِلَى عَالم الملكوت، وَمن خاصية النَّفس إِنَّهَا إِذا اتصفت بِصفة رفضت ضدها، وَتَبَاعَدَتْ عَنهُ، وَصَارَ ذَلِك مِنْهَا كَأَن لم يكن شَيْئا مَذْكُورا، فَمن أدّى الصَّلَوَات على وَجههَا، وَأحسن وضوءهن، وصلاهن لوقتهن، وَأتم ركوعهن وخشوعهن وأذكارهن وهيآتهن، وَقصد بالأشباح أرواحها، وبالصور مَعَانِيهَا، لَا بُد أَنه يَخُوض فِي لجة عَظِيمَة من الرَّحْمَة، ويمحو الله عَنهُ الْخَطَايَا. قَوْله ﷺ : " بَين العَبْد وَبَين الْكفْر ترك الصَّلَاة ". أَقُول. الصَّلَاة من أعظم شَعَائِر الْإِسْلَام وعلامته الَّتِي إِذا فقدت يَنْبَغِي أَن يحكم بفقده لقُوَّة الملابسة بَينهَا وَبَينه، وَأَيْضًا الصَّلَاة هِيَ المحققة لِمَعْنى إِسْلَام الْوَجْه لله، وَمن لم يكن لَهُ حَظّ مِنْهَا فَإِنَّهُ لم يبؤ من الْإِسْلَام إِلَّا بِمَا لَا يعبأ بِهِ. (أَوْقَات الصَّلَاة) لما كَانَت فَائِدَة الصَّلَاة وَهِي الْخَوْض فِي لجة الشُّهُود، والانسلاك فِي سلك الْمَلَائِكَة لَا تحصل إِلَّا بمداومة عَلَيْهَا وملازمة بهَا وإكثار مِنْهَا حَتَّى تطرح عَنْهُم أثقالهم، وَلَا يُمكن أَن يؤمروا بِمَا يُفْضِي إِلَى ترك الارتفاقات الضرورية والانسلاخ عَن أَحْكَام الطبيعة بالليلة - أوجبت الْحِكْمَة الإلهية أَن يؤمروا بالمحافظة عَلَيْهَا والتعهد لَهَا بعد كل بُرْهَة من الزَّمَان، ليَكُون انتظارهم للصَّلَاة وتهيؤهم لَهَا قبل أَن يفعلوها وَبَقِيَّة لَوْنهَا وصبابه نورها بعد أَن يفعلوها فِي حكم الصَّلَاة، وَتَكون أَوْقَات الْغَفْلَة مَضْمُونَة بطمح بصر إِلَى ذكر الله وَتعلق خاطر بِطَاعَة الله، فَيكون حَال الْمُسلم كَحال حصان مربوط بآخية يستن شرفا أَو شرفين ثمَّ يرجع إِلَى أخيته وَيكون ظلمَة الْخَطَايَا والغفلة لَا تدخل فِي جذر الْقلب، وَهَذَا هُوَ الدَّوَام المتيسر عِنْدَمَا امْتنع الدَّوَام الْحَقِيقِيّ. ثمَّ لما آل الْأَمر إِلَى تعْيين أَوْقَات الصَّلَاة لم يكن وَقت أَحَق بهَا من السَّاعَات الْأَرْبَع الَّتِي تَنْتَشِر فِيهَا الروحانية، وتنزل

стр. 278

فِيهَا الْمَلَائِكَة، ويعرض فِيهَا على الله أَعْمَالهم، ويستجاب دعاؤهم، وَهِي كالأمر الْمُسلم عِنْد جُمْهُور أهل التلقي من الْمَلأ الْأَعْلَى، لَكِن وَقت نصف اللَّيْل لَا يُمكن تَكْلِيف الْجُمْهُور بِهِ - كَمَا لَا يخفى - فَكَانَت أَوْقَات الصَّلَاة فِي الأَصْل ثَلَاثَة: الْفجْر والعشى وغسق اللَّيْل، وَهُوَ قَوْله ﵎: ﴿أقِم الصَّلَاة لدلوك الشَّمْس إِلَى غسق اللَّيْل وَقُرْآن الْفجْر إِن قُرْآن الْفجْر كَانَ مشهودا﴾ وَإِنَّمَا قَالَ: (إِلَى غسق اللَّيْل) لِأَن صَلَاة العشى ممتدة إِلَيْهِ حكما - لعدم وجود الْفَصْل - وَلذَلِك جَازَ عِنْد الضَّرُورَة الْجمع بَين الظّهْر وَالْعصر وَبَين الْمغرب وَالْعشَاء - فَهَذَا أصل. وَلَا يجوز أَن يكون الْفَصْل بَين كل صَلَاتَيْنِ كثيرا جدا، فَيفوت معنى الْمُحَافظَة، وينسى مَا كَسبه أول مرّة - وَلَا قَلِيلا جدا - فَلَا يتفرغون لابتغاء معاشهم، وَلَا يجوز أَن يضْرب فِي ذَلِك إِلَّا حدا ظَاهرا محسوسا يتبينه الْخَاصَّة والعامة، وَهُوَ كَثْرَة مَا للجزء الْمُسْتَعْمل عِنْد الْعَرَب والعجم - فِي بَاب تَقْدِير الْأَوْقَات، وَلَيْسَت بِالْكَثْرَةِ المفرطة - وَلَا يصلح لهَذَا إِلَّا ربع النَّهَار فَإِنَّهُ ثَلَاث سَاعَات، وتجزئه اللَّيْل وَالنَّهَار إِلَى اثْنَتَيْ عشرَة سَاعَة أمرأ جمع عَلَيْهِ أهل الأقاليم الصَّالِحَة، وَكَانَ أهل الزِّرَاعَة وَالتِّجَارَة والصناعة وَغَيرهم يعتادون غَالِبا أَن يتفرغوا لأشغالهم من البكرة إِلَى الهاجرة، فَإِنَّهُ وَقت ابْتِغَاء الرزق وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَجَعَلنَا النَّهَار معاشا﴾ وَقَوله تَعَالَى: ﴿لتبتغوا من فَضله﴾ واتصاف كثير من الأشغال ينجر إِلَى مُدَّة طَوِيلَة، وَيكون التهيؤ للصَّلَاة والتفرغ لَهَا من النَّاس أجمعهم فِي أثْنَاء ذَلِك حرجا عَظِيما، فَلذَلِك أسقط الشَّارِع الضُّحَى، وَرغب فِيهَا ترغيبا عَظِيما من غير إِيجَاب، فَوَجَبَ أَن تشتق صَلَاة العشى إِلَى صَلَاتَيْنِ بَينهمَا نَحْو ربع النَّهَار وهما الظّهْر وَالْعصر، وغسق اللَّيْل إِلَى صَلَاتَيْنِ بَينهمَا نَحْو من ذَلِك وهما الْمغرب وَالْعشَاء، وَوَجَب أَلا يرخص فِي الْجمع بَين كل من شقي الْوَقْتَيْنِ إِلَّا عِنْد ضَرُورَة لَا يجد مِنْهَا بدا، وَإِلَّا لبطلت الْمصلحَة الْمُعْتَبرَة فِي تعْيين الْأَوْقَات - وَهَذَا أصل آخر وَكَانَ جُمْهُور أهل الأقاليم الصَّالِحَة والأمزجة المعتدلة الَّذين هم المقصودون بِالذَّاتِ فِي الشَّرَائِع لَا يزالون متيقظين مترددين فِي حوائجهم من وَقت الْأَسْفَار إِلَى غسق اللَّيْل، وَكَانَ أَحَق مَا يُؤدى فِيهِ الصَّلَاة وَقت خلو النَّفس عَن ألوان الأشغال المعاشية المنسية ذكر الله، ليصادف قلبا فَارغًا، فَتمكن مِنْهُ وَيكون أَشد تَأْثِيرا فِيهِ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى:

стр. 279

﴿وَقُرْآن الْفجْر إِن قُرْآن الْفجْر كَانَ مشهودا﴾ وَوقت الشُّرُوع فِي النّوم ليَكُون كَفَّارَة لما مضى وتصقيلا للصدأ، وَهُوَ قَوْله ﷺ : " من صلى الْعشَاء فِي جمَاعَة كَانَ كقيام نصف اللَّيْل الأول، وَمن صلى الْعشَاء وَالْفَجْر فِي جمَاعَة كَانَ كقيام ليله " وَوقت اشتغالهم كالضحى ليَكُون مهونا للانهماك فِي الدُّنْيَا وترياقا لَهُ، غير أَن هَذَا لَا يجوز أَن يُخَاطب بِهِ النَّاس جَمِيعًا لأَنهم حِينَئِذٍ بَين أَمريْن: إِمَّا أَن يتْركُوا هَذَا أَو ذَاك - وَهَذَا أصل آخر. وَأَيْضًا لَا أَحَق فِي بَاب تعْيين الْأَوْقَات من أَن يذهب إِلَى الْمَأْثُور من سنَن الْأَنْبِيَاء المقربين من قبل، فَإِنَّهُ كالمنبه للنَّفس على أَدَاء الطَّاعَة تَنْبِيها عَظِيما والمهيج لَهَا على مُنَافَسَة الْقَوْم، والباعث على أَن يكون للصالحين فيهم ذكر جميل، وَهُوَ قَول جِبْرِيل ﵇: " هَذَا وَقت الْأَنْبِيَاء من قبلك ". لَا يُقَال ورد فِي حَدِيث معَاذ فِي الْعشَاء " وَلم يصلها أحد قبلكُمْ " لِأَن الحَدِيث رَوَاهُ جمَاعَة، فَقَالَ بَعضهم: أَن النَّاس صلوا ورقدوا، وَقَالَ بَعضهم وَلَا يُصليهَا أحد إِلَّا بِالْمَدِينَةِ وَنَحْو ذَلِك، فَالظَّاهِر أَنه من قبل الرِّوَايَة بِالْمَعْنَى وَهَذَا أصل آخر. وَبِالْجُمْلَةِ فَفِي تعْيين الْأَوْقَات سر عميق من وُجُوه كَثِيرَة، فتمثل جِبْرِيل ﵇ وَصلى بِالنَّبِيِّ ﷺ وَعلمه الْأَوْقَات، وَلما ذكرنَا طهر وَجه مَشْرُوعِيَّة الْجمع بَين الصَّلَاتَيْنِ فِي الْجُمْلَة، وَسبب وجود التَّهَجُّد وَالضُّحَى على النَّبِي ﷺ والأنبياء على مَا ذكرُوا وَكَونهَا نَافِلَة للنَّاس وَسبب تَأْكِيد أَدَاء الصَّلَوَات على أَوْقَاتهَا، وَالله أعلم. وَلما كَانَ فِي التَّكْلِيف بِأَن يُصَلِّي جَمِيع النَّاس فِي سَاعَة وَاحِدَة بِعَينهَا لَا يتقدمون، وَلَا يتأخرون غَايَة الْحَرج - وسع فِي الْأَوْقَات توسعه مَا. وَلما كَانَ لَا يصلح للتشريع إِلَّا المظنات الظَّاهِرَة عِنْد الْعَرَب غير الْخَفِيفَة على الأداني والأقاصي - جعل لأوائل الْأَوْقَات وأواخرها حدودا مضبوطة محسوسة. ولتزاحم هَذِه الْأَسْبَاب حصل للصلوات أَرْبَعَة أَوْقَات: وَقت الِاخْتِيَار وَهُوَ الْوَقْت الَّذِي يجوز أَن يُصَلِّي فِيهِ من غير كراهيه، والعمدة فِيهِ حديثان حَدِيث جِبْرِيل فَإِنَّهُ صلى بِالنَّبِيِّ ﷺ يَوْمَيْنِ، وَحَدِيث بُرَيْدَة فَفِيهِ أَنه ﷺ أجَاب السَّائِل عَنْهَا بِأَن صلى يَوْمَيْنِ، والمفسر مِنْهُمَا قَاض على الْمُبْهم، وَمَا اخْتلف يتبع فِي حَدِيث بُرَيْدَة لِأَنَّهُ مدنِي مُتَأَخّر، وَالْأول مكي مُتَقَدم، وَإِنَّمَا يتبع الآخر فالآخر وَذَلِكَ أَن آخر وَقت الْمغرب هُوَ مَا قبل أَن يغيب الشَّفق،

стр. 280

وَلَا يبعد أَن يكون جبر يل أخر الْمغرب فِي الْيَوْم الثَّانِي قَلِيلا جدا لقصر وقته فَقَالَ الرَّاوِي: صلى الْمغرب فِي يَوْمَيْنِ فِي وَقت وَاحِد إِمَّا لخطأ فِي اجْتِهَاده أَو بَيَانا لغاية الْقلَّة وَالله أعلم. وَكثير من الْأَحَادِيث يدل على أَن آخر وَقت الْعَصْر أَن تَتَغَيَّر الشَّمْس، وَهُوَ الَّذِي أطبق عَلَيْهِ الْفُقَهَاء، فَلَعَلَّ المثلين بَيَان لآخر الْوَقْت الْمُخْتَار، وَالَّذِي يسْتَحبّ فِيهِ، أَو نقُول: لَعَلَّ الشَّرْع نظر أَولا إِلَى أَن الْمَقْصُود من اشتقاق الْعَصْر أَن يكون الْفَصْل بَين كل صَلَاتَيْنِ نَحوا من ربع النَّهَار، فَجعل الأمد الآخر بُلُوغ الظل إِلَى المثلين، ثمَّ ظهر من حوائجهم وأشغالهم مَا يُوجب الحكم بِزِيَادَة الأمد، وَأَيْضًا معرفَة ذَلِك الْحَد تحْتَاج إِلَى ضرب من التَّأَمُّل وَحفظ للفيء الْأَصْلِيّ ورصد، وَإِنَّمَا يَنْبَغِي أَن يُخَاطب النَّاس فِي مثل ذَلِك بِمَا هُوَ محسوس ظَاهر، فنفث الله فِي روعه ﷺ أَن يَجْعَل الأمد تغير قرص الشَّمْس أَو ضوئها، وَالله أعلم. وَوقت الِاسْتِحْبَاب الَّذِي يسْتَحبّ أَن يُصَلِّي فِيهِ وَهُوَ أَوَائِل الْأَوْقَات إِلَّا الْعشَاء فالمستحب الْأَصْلِيّ تَأْخِيرهَا لما ذكرنَا من الْوَضع الطبيعي، وَهُوَ قَوْله ﷺ : " لَوْلَا أَن أشق على أمتِي لأمرتهم أَن يؤخروا الْعشَاء " وَلِأَنَّهُ أَنْفَع فِي تصفية الْبَاطِن من الأشغال المنسية ذكر الله وأقطع لمادة السمر بعد الْعشَاء لَكِن التَّأْخِير رُبمَا يُفْضِي إِلَى تقليل الْجَمَاعَة وتنفير الْقَوْم. وَفِيه قلب الْمَوْضُوع. فَلهَذَا كَانَ النَّبِي ﷺ إِذا كثر النَّاس عجل، وَإِذا قلوا أخر - وَالْأَظْهَر الصَّيف - وَهُوَ قَوْله ﷺ : " إِذا اشْتَدَّ الْحر فأبردوا بِالظّهْرِ فان شدَّة الْحر من فيح جَهَنَّم " أَقُول: مَعْنَاهُ مَعْدن الْجنَّة وَالنَّار هُوَ مَعْدن مَا يفاض فِي هَذَا الْعَالم من الكيفيات الْمُنَاسبَة والمنافرة وَهُوَ تَأْوِيل مَا ورد فِي الْأَخْبَار فِي الهندبا وَغَيره. قَوْله ﷺ " أسفروا بِالْفَجْرِ فَإِنَّهُ أعظم لِلْأجرِ " أَقُول: هَذَا الْخطاب لقوم خَشوا تقليل الْجَمَاعَة جدا أَن ينتظروا إِلَى الْأَسْفَار أَو لأهل الْمَسَاجِد الْكَبِيرَة الَّتِي تجمع الضُّعَفَاء وَالصبيان وَغَيرهم كَقَوْلِه ﷺ : " أَيّكُم صلى بِالنَّاسِ فليخفف فَإِنَّهُ فيهم الضَّعِيف " الحَدِيث أَو مَعْنَاهُ طولوا الصَّلَاة حَتَّى يَقع آخرهَا فِي وَقت الْأَسْفَار لحَدِيث أبي بَرزَة كَانَ يَنْفَتِل فِي صَلَاة الْغَدَاة حِين يعرف الرجل

стр. 281

جليسه، وَيقْرَأ بالستين إِلَى الْمِائَة فَلَا مُنَافَاة بَينه وَبَين حَدِيث الْغَلَس. وَوقت الضَّرُورَة وَهُوَ مَا لَا يجوز التَّأْخِير إِلَيْهِ إِلَّا بِعُذْر. وَهُوَ قَوْله ﷺ : " من أدْرك رَكْعَة من الصُّبْح قبل أَن تطلع الشَّمْس فقد أدْرك الصُّبْح، وَمن أدْرك رَكْعَة من الْعَصْر قبل أَن تغرب الشَّمْس فقد أدْرك الْعَصْر " وَقَوله ﷺ . " تِلْكَ صَلَاة الْمُنَافِق يرقب الشَّمْس حَتَّى إِذا اصغرت " الحَدِيث وَهُوَ حَدِيث ابْن عَبَّاس فِي الْجمع بَين الظّهْر وَالْعصر وَبَين الْمغرب وَالْعشَاء والعذر مثل السّفر وَالْمَرَض والمطر وَفِي الْعشَاء إِلَى طُلُوع الْفجْر، وَالله أعلم وَوقت الْقَضَاء إِذا ذكر، وَهُوَ قَوْله ﷺ : " من نسي صَلَاة أَو نَام عَنْهَا فليصلها إِذا ذكرهَا ". أَقُول: وَالْجُمْلَة فِي ذَلِك أَلا تسترسل النَّفس بِتَرْكِهَا، وَأَن يدْرك مَا فَاتَهُ من فَائِدَة تِلْكَ الصَّلَاة، وَألْحق الْقَوْم التفويت بالفوت نظرا إِلَى أَنه أَحَق بِالْكَفَّارَةِ. ووصى ﷺ أَبَا ذَر إِذا كَانَ عَلَيْهِ أُمَرَاء يميتون الصَّلَاة " صل الصَّلَاة لوَقْتهَا، فَإِن أدركتها مَعَهم فصلها فَإِنَّهَا لَك نَافِلَة ". أَقُول: راعي فِي الصَّلَاة اعتبارين اعْتِبَار كَونهَا وَسِيلَة بَينه وَبَين الله، وَكَونهَا من شَعَائِر الله يلام على تَركهَا. قَوْله ﷺ : " لَا تزَال أمتِي بِخَير مَا لم يؤخروا الْمغرب إِلَى أَن تشتبك النُّجُوم أَقُول: هَذَا إِشَارَة إِلَى أَن التهاون فِي الْحُدُود الشَّرْعِيَّة سَبَب تَحْرِيف الْملَّة. قَالَ الله تَعَالَى: ﴿حَافظُوا على الصَّلَوَات وَالصَّلَاة الْوُسْطَى﴾ وَالْمرَاد بهَا الْعَصْر. قَوْله ﷺ : " من صلى البردين دخل الْجنَّة ". قَوْله ﷺ : " من ترك صَلَاة الْعَصْر حَبط عمله ". وَقَوله ﷺ : " الَّذِي تفوته صَلَاة الْعَصْر فَكَأَنَّمَا وتر أَهله وَمَاله " قَوْله ﷺ : " لَيْسَ صَلَاة أثقل على الْمُنَافِقين من الْفجْر وَالْعشَاء، وَلَو يعلمُونَ مَا فيهمَا لأتوهما وَلَو حبوا " أَقُول: إِنَّمَا خص هَذِه الصَّلَوَات الثَّلَاث بِزِيَادَة الاهتمام ترغيبا وترهيبا لِأَنَّهَا مَظَنَّة

стр. 282

التهاون والتكاسل لِأَن الْفجْر وَالْعشَاء وَقت النّوم لَا ينتهض لله من بَين فرَاشه ووطائه عِنْد لذيذ نَومه ووسنه إِلَّا مُؤمن تَقِيّ، وَأما وَقت الْعَصْر فَكَانَ وَقت قيام أسواقهم واشغالهم بالبيوع وَأهل الزِّرَاعَة أتعب حَالهم هَذِه قَوْله ﷺ : " لَا يغلبنكم الْأَعْرَاب على اسْم صَلَاتكُمْ الْمغرب " وَفِي حَدِيث آخر: " على اسْم صَلَاة الْعشَاء " أَقُول: يكره تَسْمِيَة مَا ورد فِي الْكتاب وَالسّنة مُسَمّى شَيْء اسْما آخر بِحَيْثُ يكون ذَرِيعَة لهجر الِاسْم الأول لِأَن ذَلِك دَلِيل يلبس على النَّاس دينهم ويعجم عَلَيْهِم كِتَابهمْ (الْأَذَان) لما علمت الصَّحَابَة أَن الْجَمَاعَة مَطْلُوبَة مُؤَكدَة، وَلَا يَتَيَسَّر الِاجْتِمَاع فِي زمَان وَاحِد وَمَكَان وَاحِد بِدُونِ إِعْلَام وتنبيه، تكلمُوا فِيمَا يحصل بِهِ الْأَعْلَام، فَذكرُوا النَّار فَردهَا ﷺ لمشابهة الْمَجُوس، - وَذكروا الْقرن -، فَرده لمشابهة الْيَهُود - وَذكروا الناقوس، - فَرده لمشابهة النَّصَارَى، فَرَجَعُوا من غير تعْيين، فَأرى عبد الله بن زيد - الْأَذَان وَالْإِقَامَة فِي مَنَامه، فَذكر ذَلِك للنَّبِي ﷺ فَقَالَ: " رُؤْيا حق ". .، وَهَذِه الْقِصَّة دَلِيل وَاضح على أَن الْأَحْكَام إِنَّمَا شرعت لأجل الْمصَالح، وَأَن للِاجْتِهَاد فِيهَا مدخلًا، وَأَن التَّيْسِير أصل أصيل، وَأَن مُخَالفَة أَقوام تَمَادَوْا فِي ضلالتهم فِيمَا يكون من شَعَائِر الدّين مَطْلُوب، وَأَن غير النَّبِي ﷺ قد يطلع بالمنام أَو النفث فِي الروع على مُرَاد الْحق، لَكِن لَا يُكَلف النَّاس بِهِ وَلَا تَنْقَطِع الشُّبْهَة حَتَّى يقرره النَّبِي ﷺ ، واقتضت الْحِكْمَة الإلهية إِلَّا يكون الْأَذَان صرف إِعْلَام وتنبيه، بل يضم مَعَ ذَلِك من شَعَائِر الدّين بِحَيْثُ يكون النداء بِهِ على رُءُوس الخامل والنبيه تنويها بِالدّينِ، وَيكون قبُوله من الْقَوْم آيَة انقيادهم لدين الله، فَوَجَبَ أَن يكون مركبا من ذكر الله وَمن الشَّهَادَتَيْنِ والدعوة إِلَى الصَّلَاة ليَكُون مُصَرحًا بِمَا أُرِيد بِهِ. وللأذان طرق: أَصَحهَا طَرِيقه بِلَال ﵁، فَكَانَ الْأَذَان على عهد رَسُول الله ﷺ مرَّتَيْنِ مرَّتَيْنِ وَالْإِقَامَة مرّة مرّة غير أَنه كَانَ يَقُول: قد قَامَت الصَّلَاة قد قَامَت الصَّلَاة.

стр. 283

ثمَّ طَريقَة أبي مجذوره علمه النَّبِي ﷺ الْأَذَان تسع عشره كلمة وَالْإِقَامَة سبع عشر كلمة، وَعِنْدِي أَنَّهَا كأحرف الْقُرْآن، كلهَا شاف كَاف. قَوْله ﷺ : " فَإِن كَانَ صَلَاة الصُّبْح قلت: الصَّلَاة خير من النّوم الصَّلَاة خير من النّوم. أَقُول لما كَانَ الْوَقْت وَقت نوم وغفلة، وَكَانَت الْحَاجة إِلَى التَّنْبِيه الْقوي شَدِيدَة اسْتحبَّ زِيَادَة هَذَا اللَّفْظَة. قَوْله ﷺ : " من أذن فَهُوَ يُقيم " أَقُول: سره أَنه لما شرع فِي الْأَذَان وَجب على إخوانه أَلا يزاحموه فِيمَا أَرَادَ من الْمَنَافِع الْمُبَاحَة بِمَنْزِلَة قَوْله ﷺ : " لَا يخْطب الرجل على خطْبَة أَخِيه ". وفضائل الْأَذَان ترجع إِلَى أَنه من شَعَائِر الْإِسْلَام، وَبِه تصير الدَّار دَار الْإِسْلَام، وَلِهَذَا كَانَ النَّبِي ﷺ إِن سمع الْأذن أمسك، وَإِلَّا أغار، وَأَنه شُعْبَة من شعب النُّبُوَّة لِأَنَّهُ حث على أعظم الْأَركان وَأم القربات، وَلَا يرضى الله وَلَا يغْضب الشَّيْطَان مثل مَا يكون فِي الْخَيْر المتعدى، وإعلاء كلمة الْحق،

стр. 284

وَهُوَ قَوْله ﷺ : " فَقِيه وَاحِد أَشد على الشَّيْطَان من ألف عَابِد " وَقَوله ﷺ : " إِذا نودى للصَّلَاة أدبر الشَّيْطَان لَهُ ضراط ". قَوْله ﷺ : " المؤذنون أطول النَّاس أعناقا " وَقَوله ﷺ : " الْمُؤَذّن يغْفر لَهُ مدى صَوته، وَيشْهد لَهُ الْجِنّ وَالْإِنْس " أَقُول. أَمر المجازاة مَبْنِيّ على مُنَاسبَة الْمعَانِي بالصور وعلاقة الْأَرْوَاح وبالأشباح، فَوَجَبَ أَن يظْهر نباهة شَأْن الْمُؤَذّن من جِهَة عُنُقه وصوته، وتتسع رَحْمَة الله عَلَيْهِ أتساع دَعوته إِلَى الْحق. قَوْله ﷺ : " من أذن سبع سِنِين محتسبا كتبت لَهُ بَرَاءَة من النَّار وَذَلِكَ لِأَنَّهُ مُبين صِحَة تَصْدِيقه لَا تتَصَوَّر الْمُوَاظبَة عَلَيْهِ لله إِلَّا مِمَّن أسلم وَجهه لله، وَلِأَنَّهُ أمكن من نَفسه غاشية عَظِيمَة من الرَّحْمَة الإلهية. قَول الله فِي رَاعى غنم فِي رَأس شظية " انْظُرُوا إِلَى عَبدِي هَذَا يُؤذن، وَيُقِيم الصَّلَاة يخَاف مني، قد غفرت لَهُ وأدخلته الْجنَّة " قَوْله: " يخَاف مني " دَلِيل على أَن الْأَعْمَال تعْتَبر بدواعيها المنبعثة هِيَ مِنْهَا، وَأَن الْأَعْمَال أشباح، وَتلك الدَّوَاعِي أَرْوَاح لَهَا، فَكَانَ خَوفه من الله وإخلاصه لَهُ سَبَب مغفرته. وَلما كَانَ الْأَذَان من شَعَائِر الدّين جعل ليعرف بِهِ قبُول الْقَوْم للهداية

стр. 285

الإلهية أَمر بالإجابة لتَكون مصرحة بِمَا أُرِيد مِنْهُم، فيجيب الذّكر والشهادتين بهما، ويجيب الدعْوَة بِمَا فِيهِ تَوْحِيد فِي الْحول وَالْقُوَّة دفعا لما عَسى أَن يتَوَهَّم عِنْد إقدامه على الطَّاعَة من الْعجب من فعل ذَلِك خَالِصا من قلبه دخل الْجنَّة لِأَنَّهُ شبح الانقياد وَإِسْلَام الْوَجْه لله، وَأمر بِالدُّعَاءِ للنَّبِي ﷺ تكميلا لِمَعْنى قبُول دينه وَاخْتِيَار حبه. قَوْله ﷺ : " لَا يرد الدُّعَاء بَين الْأَذَان وَالْإِقَامَة " أَقُول: ذَلِك لشمُول الرَّحْمَة الإلهية وَوُجُود الإنقياد من الدَّاعِي. قَوْله ﷺ : " وَإِن بِلَالًا يُنَادي بلَيْل، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادي ابْن أم مَكْتُوم " أَقُول: يسْتَحبّ للْإِمَام إِذا رأى الْحَاجة أَن يتَّخذ مؤذنين يعْرفُونَ أصواتهما، وَيبين للنَّاس أَن فلَانا يُنَادي بلَيْل، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادي فلَان، ليَكُون الأول مِنْهُمَا للقائم والمتسحر أَن يرجعا، وللنائم أَن يقوم إِلَى صلَاته، ويتدارك مَا فَاتَهُ من سحوره. قَوْله ﷺ : " إِذا أُقِيمَت الصَّلَاة فَلَا تأتوها تسعون، وأتوها تمشون " أَقُول: هَذَا إِشَارَة إِلَى رد التعمق فِي التنسك. (الْمَسَاجِد) فضل بِنَاء الْمَسْجِد وملازمته وانتظار الصَّلَاة فِيهِ ترجع إِلَى أَنه من شَعَائِر الْإِسْلَام، وَهُوَ قَوْله ﷺ : " إِذا رَأَيْتُمْ مَسْجِدا، أَو سَمِعْتُمْ مُؤذنًا، فَلَا تقتلُوا أحدا "، وَأَنه مَحل الصَّلَاة معتكف العابدين ومطرح الرَّحْمَة وَيُشبه الْكَعْبَة من وَجه، وَهُوَ قَوْله ﷺ : " من خرج من بَيته متطهرا إِلَى صَلَاة مَكْتُوبَة فَأَجره كَأَجر الْحَاج الْمحرم، وَمن خرج إِلَى تَسْبِيح الضُّحَى لَا ينصبه إِلَّا إِيَّاه فَأَجره كَأَجر الْمُعْتَمِر " وَقَوله ﷺ : " إِذا مررتم برياض الْجنَّة فارتعوا قيل: وَمَا رياض الْجنَّة؟ قَالَ: الْمَسَاجِد ". وَإِن التَّوَجُّه إِلَيْهِ فِي أَوْقَات الصَّلَاة من بَين شغله وَأَهله لَا يقْصد إِلَّا الصَّلَاة - معرف لإخلاصه فِي دينه وانقياده لرَبه من جذر قلبه، وَهُوَ قَوْله ﷺ ؛ " إِذا تَوَضَّأ فَأحْسن الْوضُوء، ثمَّ خرج إِلَى الْمَسْجِد لَا يُخرجهُ إِلَّا الصَّلَاة لم يخط خطْوَة إِلَّا رفعت لَهُ بهَا دَرَجَة، وَحط عَنهُ بهَا خَطِيئَة، فَإِذا صلى لم تزل الْمَلَائِكَة تصلى عَلَيْهِ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ، اللَّهُمَّ صل عَلَيْهِ اللَّهُمَّ أرحمه، وَلَا يزَال أحدكُم فِي صَلَاة مَا انْتظر الصَّلَاة " وَإِن بناءه إِعَانَة لَا عَلَاء كلمة الْحق. قَوْله ﷺ : " من غَدا إِلَى الْمَسْجِد أَو رَاح أعد الله لَهُ نزلة من الْجنَّة كلما غَدا أَو رَاح " أَقُول: هَذَا إِشَارَة إِلَى غدْوَة وروحة تمكن من انقياد البهيمية للملكية. قَوْله ﷺ : " من بنى لله مَسْجِدا بنى الله لَهُ بَيْتا فِي الْجنَّة " أَقُول سره أَن المجازاة تكون بصوره الْعَمَل، وَإِنَّمَا انْقَضى ثَوَاب الِانْتِظَار بِالْحَدَثِ؛ لِأَنَّهُ لَا يبْقى متهيئا للصَّلَاة وَإِنَّمَا فضل مَسْجِد النَّبِي ﷺ وَالْمَسْجِد الْحَرَام بمضاعفة الْأجر لمعان: مِنْهَا أَن هُنَالك مَلَائِكَة موكلة بِتِلْكَ الْمَوَاضِع يحفونَ بِأَهْلِهَا، وَيدعونَ لمن حلهَا وَمِنْهَا أَن عمَارَة تِلْكَ الْمَوَاضِع فِي تَعْظِيم شَعَائِر الله وإعلاء كلمة الله. وَمِنْهَا أَن الْحُلُول بهَا مُذَكّر لحَال أثمة الْملَّة. قَوْله ﷺ : " لَا تشد الرّحال إِلَّا إِلَى ثَلَاثَة مَسَاجِد الْمَسْجِد الْحَرَام وَالْمَسْجِد الْأَقْصَى، ومسجدي هَذَا " أَقُول: كَانَ أهل الْجَاهِلِيَّة يقصدون مَوَاضِع معظمة بزعمهم يزورونها، ويتبركون بهَا، وَفِيه من التحريف وَالْفساد مَا لَا يخفى، فسد النَّبِي ﷺ الْفساد لِئَلَّا يلْتَحق غير الشعائر بالشعائر، وَلِئَلَّا يصير ذَرِيعَة لعبادة غير الله، وَالْحق عِنْدِي أَن الْقَبْر وَمحل عبَادَة ولي من أَوْلِيَاء الله وَالطور كل ذَلِك سَوَاء فِي النَّهْي وَالله أعلم وآداب الْمَسْجِد ترجع إِلَى معَان. مِنْهَا تَعْظِيم الْمَسْجِد ومؤاخذة نَفسه أَن يجمع الخاطر وَلَا يسترسل عِنْد دُخُوله، وَهُوَ قَوْله ﷺ : " إِذا دخل أحدكُم الْمَسْجِد فليركع رَكْعَتَيْنِ قبل أَن يجلس ". وَمِنْهَا تنظيفه مِمَّا يتقذر ويتنفر مِنْهُ - وَهُوَ قَول الرَّاوِي - أَمر يعْنى النَّبِي ﷺ بِبِنَاء الْمَسْجِد، وَأَن ينظف ويطيب، وَقَوله ﷺ : " عرضت عَليّ أجور أمتِي حَتَّى القذاة يُخرجهَا الرجل من الْمَسْجِد "، وَقَوله ﷺ : " البزاق فِي الْمَسْجِد خَطِيئَة وكفارتها دَفنهَا ".
следующие страницы →