← Фикх общий

Фикх общий · id 773

حجة الله البالغة

ولي الله الدهلوي

Полный текст (619 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

جليسه، وَيقْرَأ بالستين إِلَى الْمِائَة فَلَا مُنَافَاة بَينه وَبَين حَدِيث الْغَلَس. وَوقت الضَّرُورَة وَهُوَ مَا لَا يجوز التَّأْخِير إِلَيْهِ إِلَّا بِعُذْر. وَهُوَ قَوْله ﷺ : " من أدْرك رَكْعَة من الصُّبْح قبل أَن تطلع الشَّمْس فقد أدْرك الصُّبْح، وَمن أدْرك رَكْعَة من الْعَصْر قبل أَن تغرب الشَّمْس فقد أدْرك الْعَصْر " وَقَوله ﷺ . " تِلْكَ صَلَاة الْمُنَافِق يرقب الشَّمْس حَتَّى إِذا اصغرت " الحَدِيث وَهُوَ حَدِيث ابْن عَبَّاس فِي الْجمع بَين الظّهْر وَالْعصر وَبَين الْمغرب وَالْعشَاء والعذر مثل السّفر وَالْمَرَض والمطر وَفِي الْعشَاء إِلَى طُلُوع الْفجْر، وَالله أعلم وَوقت الْقَضَاء إِذا ذكر، وَهُوَ قَوْله ﷺ : " من نسي صَلَاة أَو نَام عَنْهَا فليصلها إِذا ذكرهَا ". أَقُول: وَالْجُمْلَة فِي ذَلِك أَلا تسترسل النَّفس بِتَرْكِهَا، وَأَن يدْرك مَا فَاتَهُ من فَائِدَة تِلْكَ الصَّلَاة، وَألْحق الْقَوْم التفويت بالفوت نظرا إِلَى أَنه أَحَق بِالْكَفَّارَةِ. ووصى ﷺ أَبَا ذَر إِذا كَانَ عَلَيْهِ أُمَرَاء يميتون الصَّلَاة " صل الصَّلَاة لوَقْتهَا، فَإِن أدركتها مَعَهم فصلها فَإِنَّهَا لَك نَافِلَة ". أَقُول: راعي فِي الصَّلَاة اعتبارين اعْتِبَار كَونهَا وَسِيلَة بَينه وَبَين الله، وَكَونهَا من شَعَائِر الله يلام على تَركهَا. قَوْله ﷺ : " لَا تزَال أمتِي بِخَير مَا لم يؤخروا الْمغرب إِلَى أَن تشتبك النُّجُوم أَقُول: هَذَا إِشَارَة إِلَى أَن التهاون فِي الْحُدُود الشَّرْعِيَّة سَبَب تَحْرِيف الْملَّة. قَالَ الله تَعَالَى: ﴿حَافظُوا على الصَّلَوَات وَالصَّلَاة الْوُسْطَى﴾ وَالْمرَاد بهَا الْعَصْر. قَوْله ﷺ : " من صلى البردين دخل الْجنَّة ". قَوْله ﷺ : " من ترك صَلَاة الْعَصْر حَبط عمله ". وَقَوله ﷺ : " الَّذِي تفوته صَلَاة الْعَصْر فَكَأَنَّمَا وتر أَهله وَمَاله " قَوْله ﷺ : " لَيْسَ صَلَاة أثقل على الْمُنَافِقين من الْفجْر وَالْعشَاء، وَلَو يعلمُونَ مَا فيهمَا لأتوهما وَلَو حبوا " أَقُول: إِنَّمَا خص هَذِه الصَّلَوَات الثَّلَاث بِزِيَادَة الاهتمام ترغيبا وترهيبا لِأَنَّهَا مَظَنَّة

стр. 282

التهاون والتكاسل لِأَن الْفجْر وَالْعشَاء وَقت النّوم لَا ينتهض لله من بَين فرَاشه ووطائه عِنْد لذيذ نَومه ووسنه إِلَّا مُؤمن تَقِيّ، وَأما وَقت الْعَصْر فَكَانَ وَقت قيام أسواقهم واشغالهم بالبيوع وَأهل الزِّرَاعَة أتعب حَالهم هَذِه قَوْله ﷺ : " لَا يغلبنكم الْأَعْرَاب على اسْم صَلَاتكُمْ الْمغرب " وَفِي حَدِيث آخر: " على اسْم صَلَاة الْعشَاء " أَقُول: يكره تَسْمِيَة مَا ورد فِي الْكتاب وَالسّنة مُسَمّى شَيْء اسْما آخر بِحَيْثُ يكون ذَرِيعَة لهجر الِاسْم الأول لِأَن ذَلِك دَلِيل يلبس على النَّاس دينهم ويعجم عَلَيْهِم كِتَابهمْ (الْأَذَان) لما علمت الصَّحَابَة أَن الْجَمَاعَة مَطْلُوبَة مُؤَكدَة، وَلَا يَتَيَسَّر الِاجْتِمَاع فِي زمَان وَاحِد وَمَكَان وَاحِد بِدُونِ إِعْلَام وتنبيه، تكلمُوا فِيمَا يحصل بِهِ الْأَعْلَام، فَذكرُوا النَّار فَردهَا ﷺ لمشابهة الْمَجُوس، - وَذكروا الْقرن -، فَرده لمشابهة الْيَهُود - وَذكروا الناقوس، - فَرده لمشابهة النَّصَارَى، فَرَجَعُوا من غير تعْيين، فَأرى عبد الله بن زيد - الْأَذَان وَالْإِقَامَة فِي مَنَامه، فَذكر ذَلِك للنَّبِي ﷺ فَقَالَ: " رُؤْيا حق ". .، وَهَذِه الْقِصَّة دَلِيل وَاضح على أَن الْأَحْكَام إِنَّمَا شرعت لأجل الْمصَالح، وَأَن للِاجْتِهَاد فِيهَا مدخلًا، وَأَن التَّيْسِير أصل أصيل، وَأَن مُخَالفَة أَقوام تَمَادَوْا فِي ضلالتهم فِيمَا يكون من شَعَائِر الدّين مَطْلُوب، وَأَن غير النَّبِي ﷺ قد يطلع بالمنام أَو النفث فِي الروع على مُرَاد الْحق، لَكِن لَا يُكَلف النَّاس بِهِ وَلَا تَنْقَطِع الشُّبْهَة حَتَّى يقرره النَّبِي ﷺ ، واقتضت الْحِكْمَة الإلهية إِلَّا يكون الْأَذَان صرف إِعْلَام وتنبيه، بل يضم مَعَ ذَلِك من شَعَائِر الدّين بِحَيْثُ يكون النداء بِهِ على رُءُوس الخامل والنبيه تنويها بِالدّينِ، وَيكون قبُوله من الْقَوْم آيَة انقيادهم لدين الله، فَوَجَبَ أَن يكون مركبا من ذكر الله وَمن الشَّهَادَتَيْنِ والدعوة إِلَى الصَّلَاة ليَكُون مُصَرحًا بِمَا أُرِيد بِهِ. وللأذان طرق: أَصَحهَا طَرِيقه بِلَال ﵁، فَكَانَ الْأَذَان على عهد رَسُول الله ﷺ مرَّتَيْنِ مرَّتَيْنِ وَالْإِقَامَة مرّة مرّة غير أَنه كَانَ يَقُول: قد قَامَت الصَّلَاة قد قَامَت الصَّلَاة.

стр. 283

ثمَّ طَريقَة أبي مجذوره علمه النَّبِي ﷺ الْأَذَان تسع عشره كلمة وَالْإِقَامَة سبع عشر كلمة، وَعِنْدِي أَنَّهَا كأحرف الْقُرْآن، كلهَا شاف كَاف. قَوْله ﷺ : " فَإِن كَانَ صَلَاة الصُّبْح قلت: الصَّلَاة خير من النّوم الصَّلَاة خير من النّوم. أَقُول لما كَانَ الْوَقْت وَقت نوم وغفلة، وَكَانَت الْحَاجة إِلَى التَّنْبِيه الْقوي شَدِيدَة اسْتحبَّ زِيَادَة هَذَا اللَّفْظَة. قَوْله ﷺ : " من أذن فَهُوَ يُقيم " أَقُول: سره أَنه لما شرع فِي الْأَذَان وَجب على إخوانه أَلا يزاحموه فِيمَا أَرَادَ من الْمَنَافِع الْمُبَاحَة بِمَنْزِلَة قَوْله ﷺ : " لَا يخْطب الرجل على خطْبَة أَخِيه ". وفضائل الْأَذَان ترجع إِلَى أَنه من شَعَائِر الْإِسْلَام، وَبِه تصير الدَّار دَار الْإِسْلَام، وَلِهَذَا كَانَ النَّبِي ﷺ إِن سمع الْأذن أمسك، وَإِلَّا أغار، وَأَنه شُعْبَة من شعب النُّبُوَّة لِأَنَّهُ حث على أعظم الْأَركان وَأم القربات، وَلَا يرضى الله وَلَا يغْضب الشَّيْطَان مثل مَا يكون فِي الْخَيْر المتعدى، وإعلاء كلمة الْحق،

стр. 284

وَهُوَ قَوْله ﷺ : " فَقِيه وَاحِد أَشد على الشَّيْطَان من ألف عَابِد " وَقَوله ﷺ : " إِذا نودى للصَّلَاة أدبر الشَّيْطَان لَهُ ضراط ". قَوْله ﷺ : " المؤذنون أطول النَّاس أعناقا " وَقَوله ﷺ : " الْمُؤَذّن يغْفر لَهُ مدى صَوته، وَيشْهد لَهُ الْجِنّ وَالْإِنْس " أَقُول. أَمر المجازاة مَبْنِيّ على مُنَاسبَة الْمعَانِي بالصور وعلاقة الْأَرْوَاح وبالأشباح، فَوَجَبَ أَن يظْهر نباهة شَأْن الْمُؤَذّن من جِهَة عُنُقه وصوته، وتتسع رَحْمَة الله عَلَيْهِ أتساع دَعوته إِلَى الْحق. قَوْله ﷺ : " من أذن سبع سِنِين محتسبا كتبت لَهُ بَرَاءَة من النَّار وَذَلِكَ لِأَنَّهُ مُبين صِحَة تَصْدِيقه لَا تتَصَوَّر الْمُوَاظبَة عَلَيْهِ لله إِلَّا مِمَّن أسلم وَجهه لله، وَلِأَنَّهُ أمكن من نَفسه غاشية عَظِيمَة من الرَّحْمَة الإلهية. قَول الله فِي رَاعى غنم فِي رَأس شظية " انْظُرُوا إِلَى عَبدِي هَذَا يُؤذن، وَيُقِيم الصَّلَاة يخَاف مني، قد غفرت لَهُ وأدخلته الْجنَّة " قَوْله: " يخَاف مني " دَلِيل على أَن الْأَعْمَال تعْتَبر بدواعيها المنبعثة هِيَ مِنْهَا، وَأَن الْأَعْمَال أشباح، وَتلك الدَّوَاعِي أَرْوَاح لَهَا، فَكَانَ خَوفه من الله وإخلاصه لَهُ سَبَب مغفرته. وَلما كَانَ الْأَذَان من شَعَائِر الدّين جعل ليعرف بِهِ قبُول الْقَوْم للهداية

стр. 285

الإلهية أَمر بالإجابة لتَكون مصرحة بِمَا أُرِيد مِنْهُم، فيجيب الذّكر والشهادتين بهما، ويجيب الدعْوَة بِمَا فِيهِ تَوْحِيد فِي الْحول وَالْقُوَّة دفعا لما عَسى أَن يتَوَهَّم عِنْد إقدامه على الطَّاعَة من الْعجب من فعل ذَلِك خَالِصا من قلبه دخل الْجنَّة لِأَنَّهُ شبح الانقياد وَإِسْلَام الْوَجْه لله، وَأمر بِالدُّعَاءِ للنَّبِي ﷺ تكميلا لِمَعْنى قبُول دينه وَاخْتِيَار حبه. قَوْله ﷺ : " لَا يرد الدُّعَاء بَين الْأَذَان وَالْإِقَامَة " أَقُول: ذَلِك لشمُول الرَّحْمَة الإلهية وَوُجُود الإنقياد من الدَّاعِي. قَوْله ﷺ : " وَإِن بِلَالًا يُنَادي بلَيْل، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادي ابْن أم مَكْتُوم " أَقُول: يسْتَحبّ للْإِمَام إِذا رأى الْحَاجة أَن يتَّخذ مؤذنين يعْرفُونَ أصواتهما، وَيبين للنَّاس أَن فلَانا يُنَادي بلَيْل، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادي فلَان، ليَكُون الأول مِنْهُمَا للقائم والمتسحر أَن يرجعا، وللنائم أَن يقوم إِلَى صلَاته، ويتدارك مَا فَاتَهُ من سحوره. قَوْله ﷺ : " إِذا أُقِيمَت الصَّلَاة فَلَا تأتوها تسعون، وأتوها تمشون " أَقُول: هَذَا إِشَارَة إِلَى رد التعمق فِي التنسك. (الْمَسَاجِد) فضل بِنَاء الْمَسْجِد وملازمته وانتظار الصَّلَاة فِيهِ ترجع إِلَى أَنه من شَعَائِر الْإِسْلَام، وَهُوَ قَوْله ﷺ : " إِذا رَأَيْتُمْ مَسْجِدا، أَو سَمِعْتُمْ مُؤذنًا، فَلَا تقتلُوا أحدا "، وَأَنه مَحل الصَّلَاة معتكف العابدين ومطرح الرَّحْمَة وَيُشبه الْكَعْبَة من وَجه، وَهُوَ قَوْله ﷺ : " من خرج من بَيته متطهرا إِلَى صَلَاة مَكْتُوبَة فَأَجره كَأَجر الْحَاج الْمحرم، وَمن خرج إِلَى تَسْبِيح الضُّحَى لَا ينصبه إِلَّا إِيَّاه فَأَجره كَأَجر الْمُعْتَمِر " وَقَوله ﷺ : " إِذا مررتم برياض الْجنَّة فارتعوا قيل: وَمَا رياض الْجنَّة؟ قَالَ: الْمَسَاجِد ". وَإِن التَّوَجُّه إِلَيْهِ فِي أَوْقَات الصَّلَاة من بَين شغله وَأَهله لَا يقْصد إِلَّا الصَّلَاة - معرف لإخلاصه فِي دينه وانقياده لرَبه من جذر قلبه، وَهُوَ قَوْله ﷺ ؛ " إِذا تَوَضَّأ فَأحْسن الْوضُوء، ثمَّ خرج إِلَى الْمَسْجِد لَا يُخرجهُ إِلَّا الصَّلَاة لم يخط خطْوَة إِلَّا رفعت لَهُ بهَا دَرَجَة، وَحط عَنهُ بهَا خَطِيئَة، فَإِذا صلى لم تزل الْمَلَائِكَة تصلى عَلَيْهِ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ، اللَّهُمَّ صل عَلَيْهِ اللَّهُمَّ أرحمه، وَلَا يزَال أحدكُم فِي صَلَاة مَا انْتظر الصَّلَاة " وَإِن بناءه إِعَانَة لَا عَلَاء كلمة الْحق. قَوْله ﷺ : " من غَدا إِلَى الْمَسْجِد أَو رَاح أعد الله لَهُ نزلة من الْجنَّة كلما غَدا أَو رَاح " أَقُول: هَذَا إِشَارَة إِلَى غدْوَة وروحة تمكن من انقياد البهيمية للملكية. قَوْله ﷺ : " من بنى لله مَسْجِدا بنى الله لَهُ بَيْتا فِي الْجنَّة " أَقُول سره أَن المجازاة تكون بصوره الْعَمَل، وَإِنَّمَا انْقَضى ثَوَاب الِانْتِظَار بِالْحَدَثِ؛ لِأَنَّهُ لَا يبْقى متهيئا للصَّلَاة وَإِنَّمَا فضل مَسْجِد النَّبِي ﷺ وَالْمَسْجِد الْحَرَام بمضاعفة الْأجر لمعان: مِنْهَا أَن هُنَالك مَلَائِكَة موكلة بِتِلْكَ الْمَوَاضِع يحفونَ بِأَهْلِهَا، وَيدعونَ لمن حلهَا وَمِنْهَا أَن عمَارَة تِلْكَ الْمَوَاضِع فِي تَعْظِيم شَعَائِر الله وإعلاء كلمة الله. وَمِنْهَا أَن الْحُلُول بهَا مُذَكّر لحَال أثمة الْملَّة. قَوْله ﷺ : " لَا تشد الرّحال إِلَّا إِلَى ثَلَاثَة مَسَاجِد الْمَسْجِد الْحَرَام وَالْمَسْجِد الْأَقْصَى، ومسجدي هَذَا " أَقُول: كَانَ أهل الْجَاهِلِيَّة يقصدون مَوَاضِع معظمة بزعمهم يزورونها، ويتبركون بهَا، وَفِيه من التحريف وَالْفساد مَا لَا يخفى، فسد النَّبِي ﷺ الْفساد لِئَلَّا يلْتَحق غير الشعائر بالشعائر، وَلِئَلَّا يصير ذَرِيعَة لعبادة غير الله، وَالْحق عِنْدِي أَن الْقَبْر وَمحل عبَادَة ولي من أَوْلِيَاء الله وَالطور كل ذَلِك سَوَاء فِي النَّهْي وَالله أعلم وآداب الْمَسْجِد ترجع إِلَى معَان. مِنْهَا تَعْظِيم الْمَسْجِد ومؤاخذة نَفسه أَن يجمع الخاطر وَلَا يسترسل عِنْد دُخُوله، وَهُوَ قَوْله ﷺ : " إِذا دخل أحدكُم الْمَسْجِد فليركع رَكْعَتَيْنِ قبل أَن يجلس ". وَمِنْهَا تنظيفه مِمَّا يتقذر ويتنفر مِنْهُ - وَهُوَ قَول الرَّاوِي - أَمر يعْنى النَّبِي ﷺ بِبِنَاء الْمَسْجِد، وَأَن ينظف ويطيب، وَقَوله ﷺ : " عرضت عَليّ أجور أمتِي حَتَّى القذاة يُخرجهَا الرجل من الْمَسْجِد "، وَقَوله ﷺ : " البزاق فِي الْمَسْجِد خَطِيئَة وكفارتها دَفنهَا ".

стр. 286

وَمِنْهَا الِاحْتِرَاز عَن تشويش الْعباد وهيشات الْأَسْوَاق وَهُوَ قَوْله ﷺ : " أمسك بنصالها ". قَوْله ﷺ : " من سمع رجلا ينشد ضَالَّة فِي الْمَسْجِد فَلْيقل لَا ردهَا الله إِلَيْك فان الْمَسَاجِد لم تبن لهَذَا " قَوْله ﷺ : " إِذا رَأَيْتُمْ من يَبِيع أَو يبْتَاع فِي الْمَسْجِد فَقولُوا لَا أربح الله تجارتك " وَنهى عَن تناشد الْأَشْعَار فِي الْمَسْجِد، وَأَن يستقاد فِي الْمَسْجِد، وَأَن تُقَام فِيهِ الْحُدُود. أَقُول أما نَشد الضَّالة أَي رفع الصَّوْت بطلبها فَلِأَنَّهُ صخب ولغط يشوش على الْمُصَلِّين والمعتكفين، وَيسْتَحب أَن يُنكر عَلَيْهِ بِالدُّعَاءِ بِخِلَاف مَا يَطْلُبهُ إرغاما لَهُ، وَعلله النَّبِي ﷺ بِأَن الْمَسَاجِد لم تبن لهَذَا أَي إِنَّمَا بنيت للذّكر وَالصَّلَاة، وَأما الشِّرَاء وَالْبيع فلئلا يصير الْمَسْجِد سوقا يتعامل فِيهِ النَّاس، فتذهب حرمته وَيحصل التشويش على الْمُصَلِّين والمعتكفين، وَأما تناشد الْأَشْعَار - فَلَمَّا ذكرنَا - وَلِأَن فِيهِ إعْرَاضًا عَن الذّكر وحثا على الْأَعْرَاض عَنهُ، وَأما الْقود وَالْحُدُود فَلِأَنَّهَا مَظَنَّة للألواث والجزع والبكاء والصخب والتشويش على أهل الْمَسْجِد، ويخص من الْأَشْعَار مَا كَانَ فِيهِ الذّكر ومدح النَّبِي ﷺ وغيظ الْكفَّار لِأَنَّهُ غَرَض شَرْعِي، وَهُوَ قَوْله ﷺ لحسان: " اللَّهُمَّ أيده بِروح الْقُدس ". قَوْله ﷺ : " إِنِّي لَا أحل الْمَسْجِد لحائض وَلَا جنب ". أَقُول السَّبَب فِي ذَلِك تَعْظِيم الْمَسْجِد فَإِن أعظم التَّعْظِيم أَلا يقربهُ إِنْسَان إِلَّا بِطَهَارَة، وَكَانَ فِي منع دُخُول الْمُحدث حرج عَظِيم، وَلَا حرج فِي الْجنب وَالْحَائِض، ولانهما أبعد النَّاس عَن الصَّلَاة، وَالْمَسْجِد إِنَّمَا بنى لَهَا. قَوْله ﷺ : " من أكل هَذِه الشَّجَرَة المنتنة، فَلَا يقربن مَسْجِدنَا فَإِن الْمَلَائِكَة تتأذى مِمَّا يتَأَذَّى مِنْهُ الْأنس ". أَقُول هِيَ البصل أَو الثوم، وَفِي مَعْنَاهُ كل منتن، وَمعنى تتأذى تكره وتتنفر لِأَنَّهَا تحب محَاسِن الْأَخْلَاق والطيبات، وَتكره أضدادها. قَوْله ﷺ : " إِذا دخل أحدكُم الْمَسْجِد فَلْيقل اللَّهُمَّ افْتَحْ لي أَبْوَاب رحمتك، فَإِذا خرج فَلْيقل اللَّهُمَّ إِنِّي أَسأَلك من فضلك ". أَقُول الْحِكْمَة فِي تَخْصِيص الدَّاخِل بِالرَّحْمَةِ وَالْخَارِج بِالْفَضْلِ أَن الرَّحْمَة فِي كتاب

стр. 287

الله أُرِيد بهَا النعم النفسانية والاخروية كالولاية والنبوة قَالَ تَعَالَى: ﴿وَرَحْمَة رَبك خير مِمَّا يجمعُونَ﴾ . وَالْفضل على النعم الدُّنْيَوِيَّة قَالَ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُم جنَاح أَن تَبْتَغُوا فضلا من ربكُم﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِذا قضيت الصَّلَاة فَانْتَشرُوا فِي الأَرْض وابتغوا من فضل الله﴾ . وَمن دخل الْمَسْجِد إِنَّمَا يطْلب الْقرب من الله، وَالْخُرُوج وَقت ابْتِغَاء الرزق. قَوْله ﷺ : " إِذا دخل أحدكُم الْمَسْجِد فليركع رَكْعَتَيْنِ قبل أَن يجلس ". أَقُول إِنَّمَا شرع ذَلِك لِأَن ترك الصَّلَاة إِذا دخل بِالْمَكَانِ الْمعد لَهَا ترة وحسرة، وَفِيه ضبط الرَّغْبَة فِي الصَّلَاة بِأَمْر محسوس، وَفِيه تَعْظِيم الْمَسْجِد. قَالَ النَّبِي ﷺ : " الأَرْض كلهَا مَسْجِد إِلَّا الْمقْبرَة وَالْحمام ". وَنهى أَن يُصَلِّي فِي سَبْعَة مَوَاطِن فِي المزبلة والمقبرة، والمجزرة، وقارعة الطَّرِيق، وَفِي الْحمام وَفِي معاطن الْإِبِل، وَفَوق ظهر بَيت الله، وَنهى عَن الصَّلَاة فِي أَرض بابل فانها ملعونة. وَأَقُول الْحِكْمَة فِي النَّهْي عَن المزبلة والمجزرة أَنَّهُمَا موضعا النَّجَاسَة، وَالْمُنَاسِب للصَّلَاة هُوَ التطهر والتنظيف، وَفِي الْمقْبرَة الِاحْتِرَاز عَن أَن تتَّخذ قُبُور الْأَحْبَار والرهبان مَسَاجِد بِأَن يسْجد لَهَا كالأوثان، وَهُوَ الشّرك الْجَلِيّ، أَو يتَقرَّب إِلَى الله بِالصَّلَاةِ فِي تِلْكَ الْمَقَابِر، وَهُوَ الشّرك وَهَذَا مَفْهُوم قَوْله ﷺ : " لعن الله الْيَهُود وَالنَّصَارَى اتَّخذُوا قُبُور أَنْبِيَائهمْ مَسَاجِد " وَنَظِيره نَهْيه ﷺ عَن الصَّلَاة وَقت الطُّلُوع والاستواء والغروب لِأَن الْكفَّار يَسْجُدُونَ للشمس حِينَئِذٍ، وَفِي الْحمام أَنه مَحل انكشاف العورات ومظنة الازدحام، فيشغله ذَلِك عَن الْمُنَاجَاة بِحُضُور الْقلب، وَفِي معاطن الْإِبِل أَن الْإِبِل لعظم جثتها وَشدَّة بطشها وَكَثْرَة جراءتها كَادَت تؤذي الْإِنْسَان، فيشغله ذَلِك عَن الْحُضُور بِخِلَاف الْغنم، وَفِي قَارِعَة الطَّرِيق، اشْتِغَال الْقلب بالمارين وتضييق الطَّرِيق عَلَيْهِم، وَلِأَنَّهَا ممر السبَاع كَمَا ورد صَرِيحًا فِي النَّهْي عَن النُّزُول فِيهَا، وَفَوق بَيت الله أَن الترقي على سطح الْبَيْت من غير حَاجَة ضَرُورِيَّة مَكْرُوه هاتك لِحُرْمَتِهِ، وللشك فِي الِاسْتِقْبَال حالتئذ، وَفِي الأَرْض الملعونة بِنَحْوِ خسف أَو مطر الْحِجَارَة إهانتها والبعد عَن مظان الْغَضَب هَيْبَة مِنْهُ وَهُوَ قَوْله ﷺ : " وَلَا تدخلوه إِلَّا بَاكِينَ ".

стр. 288

(ثِيَاب الْمُصَلِّي) اعْلَم أَن لبس الثِّيَاب مِمَّا امتاز بِهِ الْإِنْسَان عَن سَائِر الْبَهَائِم، وَهُوَ أحسن حالات الْإِنْسَان، وَفِيه شُعْبَة من معنى الطَّهَارَة، وَفِيه تَعْظِيم الصَّلَاة وَتَحْقِيق أدب الْمُنَاجَاة بَين يَدي رب الْعَالمين، وَهُوَ وَاجِب أُصَلِّي جعل شرطا فِي الصَّلَاة لتكميله مَعْنَاهَا، وَجعله الشَّارِع على حَدَّيْنِ. حد لَا بُد مِنْهُ وَهُوَ شَرط صِحَة الصَّلَاة، وحد هُوَ مَنْدُوب إِلَيْهِ فَالْأول مِنْهُ السوأتان وَهُوَ آكدهما، وَألْحق بهما الفخذان، وَفِي الْمَرْأَة سَائِر بدنهَا، لقَوْله ﷺ : " لَا تقبل صَلَاة حَائِض إِلَّا بخمار " يَعْنِي الْبَالِغَة لِأَن الْفَخْذ مَحل الشَّهْوَة، وَكَذَا بدن الْمَرْأَة فَكَانَ حكمهَا حكم السوأتين. وَالثَّانِي قَوْله ﷺ : " لَا يصلين أحدكُم فِي الثَّوْب الْوَاحِد لَيْسَ على عَاتِقه مِنْهُ شَيْء، وَقَالَ: " إِذا كَانَ وَاسِعًا فَخَالف بَين طَرفَيْهِ " والسر فِيهِ أَن الْعَرَب والعجم وَسَائِر أهل الأمزجة المعتدلة إِنَّمَا تَمام هيئتهم وَكَمَال زيهم على اخْتِلَاف أوضاعهم فِي لِبَاس القباء والقميص والحلة وَغَيرهَا أَن يستر العاتقان وَالظّهْر، وَسُئِلَ النَّبِي ﷺ عَن الصَّلَاة فِي ثوب وَاحِد فَقَالَ أَو لكلهم ثَوْبَان، ثمَّ سُئِلَ عمر ﵁ فَقَالَ إِذا وسع الله فوسعوا جمع رجل الخ. أَقُول: الظَّاهِر أَن رَسُول الله ﷺ سُئِلَ عَن الْحَد الأول وَقَول عمر ﵁ بَيَان للحد الثَّانِي وَيحْتَمل أَن يكون السُّؤَال فِي الثَّانِي الَّذِي هُوَ مَنْدُوب، فَلم يَأْمر بثوبين لِأَن جَرَيَان التشريع وَلَو بِالْحَدِّ الثَّانِي بِاشْتِرَاط الثَّوْبَيْنِ حرج، وَلَعَلَّ من لَا يجد ثَوْبَيْنِ يجد فِي نَفسه، فَلَا تكمل صلَاته لما يجد فِي نَفسه من التَّقْصِير، وَعرف عمر ﵁ أَن وَقت التشريع انْقَضى، وَمضى، وَكَانَ قد عرف اسْتِحْبَاب إِكْمَال الزي فِي الصَّلَاة، فَحكم على حسب ذَلِك، وَالله أعلم. وَقَالَ ﷺ فِي الَّذِي يُصَلِّي وَرَأسه معقوص من وَرَائه: " إِنَّمَا مثل هَذَا مثل الَّذِي يُصَلِّي وَهُوَ مكتوف ". أَقُول: نبه على أَن سَبَب الْكَرَاهِيَة الْإِخْلَال بالتجمل وَتَمام الْهَيْئَة وزي الْأَدَب. قَوْله ﷺ فِي خميصة لَهَا أَعْلَام: إِنَّهَا ألهتنى آنِفا عَن صَلَاتي " وَفِي قرام عَائِشَة أميطي عَنَّا قرامك هَذَا فَإِنَّهُ لَا يزَال تصاويره تعرض فِي صَلَاتي، وَفِي فروج الْحَرِير لَا يَنْبَغِي هَذَا لِلْمُتقين.

стр. 289

أَقُول: يَنْبَغِي للْمُصَلِّي أَن يدْفع عَن نَفسه كلما يلهيه عَن الصَّلَاة لحسن هَيئته أَو لعجب النَّفس بِهِ تكميلا لما قصد لَهُ الصَّلَاة. وَكَانَ الْيَهُود يكْرهُونَ الصَّلَاة فِي نعَالهمْ وخفافهم لما فِيهِ من ترك التَّعْظِيم فَإِن النَّاس يخلعون النِّعَال بِحَضْرَة الكبراء، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿فاخلع نعليك إِنَّك بالوادي الْمُقَدّس طوى﴾ وَكَانَ هُنَا وَجه آخر وَهُوَ أَن الْخُف والنعل تَمام زِيّ الرجل، فَترك النَّبِي ﷺ الْقيَاس الأول، وأيد الثَّانِي مُخَالفَة للْيَهُود، وَهُوَ قَوْله ﷺ : " خالفوا الْيَهُود فَإِنَّهُم لَا يصلونَ فِي نعَالهمْ وخفافهم " فَالصَّحِيح أَن الصَّلَاة متنعلا وحافيا سَوَاء. وَنهى النَّبِي ﷺ عَن السدل فِي الصَّلَاة، فَقيل: هُوَ أَن يلتحف بِثَوْبِهِ، وَيدخل يَدَيْهِ فِيهِ، وسيجئ أَن اشْتِمَال الصماء أقبح لبسة لِأَنَّهُ مُخَالفَة لما هُوَ أصل طبيعة الْإِنْسَان وعادته من إبْقَاء الْيَدَيْنِ مستر سلتين، وَلِأَنَّهُ على شرف انكماش الْعَوْرَة فَإِنَّهُ كثيرا مَا يحْتَاج إِلَى إِخْرَاج الْيَدَيْنِ للبطش، فتنكشف، وَقيل: إرْسَال الثَّوْب من غير أَن يضم جانبيه وَهُوَ إخلال بالتجمل وَتَمام الْهَيْئَة، وَإِنَّمَا نعني بِتمَام الْهَيْئَة مَا يحكم الْعرف وَالْعَادَة أَنه غير فَاقِد مَا يَنْبَغِي أَن يكون لَهُ وأوضاع لباسهم مُخْتَلفَة وَلَكِن فِي كل لبسة تَمام هَيْئَة يعرف بالسير، وَقد بنى النَّبِي ﷺ الْأَمر على عرف الْعَرَب يَوْمئِذٍ. (الْقبْلَة) لما قدم ﷺ الْمَدِينَة صلى إِلَى بَيت الْمُقَدّس سِتَّة أَو سَبْعَة عشر شهرا، ثمَّ أَمر أَن يسْتَقْبل الْكَعْبَة، فاستقر الْأَمر على ذَلِك. أَقُول: السِّرّ فِي ذَلِك أَنه لما كَانَ تَعْظِيم شَعَائِر الله وبيوته وَاجِبا - لَا سِيمَا فِيمَا هُوَ أصل أَرْكَان الْإِسْلَام. وَأم القربات. وَأشهر شَعَائِر الدّين، وَكَانَ التَّوَجُّه فِي الصَّلَاة إِلَى مَا هُوَ مُخْتَصّ بِاللَّه بِطَلَب رضَا الله بالتقرب مِنْهُ أجمع للخاطر، وأحث على صفة الْخُشُوع، وَأقرب لحضور الْقلب، لِأَنَّهُ يشبه مُوَاجهَة الْملك فِي مناجاته - اقْتَضَت الْحِكْمَة الالهية أَن يَجْعَل اسْتِقْبَال قبْلَة مَا شرطا فِي الصَّلَاة فِي جَمِيع الشَّرَائِع. وَكَانَ إِبْرَاهِيم. وإسمعيل ﵉. وَمن تدين بدينهما يستقبلون الْكَعْبَة. وَكَانَ إِسْرَائِيل ﵇ وَبَنوهُ يستقبلون بَيت الْمُقَدّس. هَذَا هُوَ الأَصْل الْمُسلم فِي الشَّرَائِع.

стр. 290

فَلَمَّا قدم النَّبِي ﷺ الْمَدِينَة، وتوجهت الْعِنَايَة إِلَى تأليف الْأَوْس، والخزرج، وحلفائهم من الْيَهُود، وصاروا هم القائمين بنصرته، وَالْأمة الَّتِي أخرجت للنَّاس، وَصَارَت مُضر وَمَا والاها أعدى أعاديه وَأبْعد النَّاس عَنهُ - اجْتهد، وَحكم باستقبال بَيت الْمُقَدّس؛ إِذْ الأَصْل أَن يُرَاعِي فِي أوضاع القربات حَال الْأمة الَّتِي بعث الرَّسُول فِيهَا، وَقَامَت بنصرته وَصَارَت شُهَدَاء على النَّاس - وَهُوَ الْأَوْس. والخرزج - يَوْمئِذٍ، وَكَانُوا أخضع شَيْء لعلوم الْيَهُود بَينه ابْن عَبَّاس ﵁ فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: ﴿فَأتوا حَرْثكُمْ أَنى شِئْتُم﴾ حَيْثُ قَالَ: " إِنَّمَا كَانَ هَذَا الْحَيّ من الْأَنْصَار، وهم أهل وثن، مَعَ هَذَا الْحَيّ من الْيَهُود، وهم أهل الْكتاب، فَكَانُوا يرَوْنَ لَهُم فضلا عَلَيْهِم فِي الْعلم، فَكَانُوا يقتدون بِكَثِير من فعلهم " الحَدِيث، وَأَيْضًا الأَصْل أَن تكون الشَّرَائِع مُوَافقَة لما عَلَيْهِ الْملَل الحقة مَا لم تكن من تحريفات الْقَوْم وتعمقاتهم، ليَكُون أتم لإِقَامَة الْحجَّة عَلَيْهِم، وَأَشد لطمأنينة قُلُوبهم، وَالْيَهُود هم القائمون بِرِوَايَة الْكتاب السماوي وَالْعَمَل بِمَا فِيهِ، ثمَّ أحكم الله آيَاته وأطلع نبيه على مَا هُوَ أوفق بِالْمَصْلَحَةِ من هَذَا وأقعد بقوانين التشريع بالنفث فِي روعه أَولا، فَكَانَ يتَمَنَّى أَن يَأْمر باستقبال الْكَعْبَة، وَكَانَ يقلب وَجهه فِي السَّمَاء طَمَعا أَن يكون جِبْرَائِيل نزل بذلك، وَبِمَا أنزل فِي الْقُرْآن الْعَظِيم. ثَانِيًا، وَذَلِكَ لِأَن النَّبِي ﷺ بعث فِي الْأُمِّيين الآخذين بالملة الإسماعيلية، وَقدر الله فِي سَابق علمه أَنهم هم القائمون بنصرة دينه، وهم شُهَدَاء الله على النَّاس من بعده، وهم خلفاؤه فِي أمته، وَأَن الْيَهُود لَا يُؤمن مِنْهُم إِلَّا شرذمة قَليلَة، والكعبة من شَعَائِر الله عِنْد الْعَرَب أذعن لَهَا أقاصيهم وأدانيهم، وَجَرت السّنة عِنْدهم باستقبالها شَائِعا ذائعا، فَلَا معنى للعدول عَن ذَلِك. وَلما كَانَ اسْتِقْبَال الْقبْلَة شرطا - إِنَّمَا أُرِيد بِهِ تَكْمِيل الصَّلَاة، وَلَيْسَ شرطا - لَا يَتَأَتَّى أصل فَائِدَة الصَّلَاة إِلَّا بِهِ تَلا - رَسُول الله ﷺ فِيمَن تحرى فِي لَيْلَة مظْلمَة وَصلى لغير الْقبْلَة قَوْله تَعَالَى: ﴿فأينما توَلّوا فثم وَجه الله﴾ . يومى إِلَى أَن صلَاتهم جَائِزَة للضَّرُورَة.

стр. 291

(الستْرَة) قَوْله ﷺ : " لَو يعلم الْمَار بَين يَدي الْمُصَلِّي مَاذَا عَلَيْهِ لَكَانَ أَن يقف أَرْبَعِينَ خيرا لَهُ من أَن يمر بَين يَدَيْهِ " أَقُول: السِّرّ فِي ذَلِك أَن الصَّلَاة من شَعَائِر الله يجب تعظيمها، وَلما كَانَ المنظور فِي الصَّلَاة التَّشَبُّه بِقِيَام العبيد بِخِدْمَة مواليهم ومثولهم بَين أَيْديهم كَانَ من تعظيمها أَلا يمر الْمَار بَين يَدي الْمُصَلِّي، فَإِن الْمُرُور بَين السَّيِّد وعبيده القائمين إِلَيْهِ سوء أدب، وَهُوَ قَوْله ﷺ : " إِن أحدكُم إِذا قَامَ فِي الصَّلَاة فَإِنَّمَا يُنَاجِي ربه وَإِن ربه بَينه وَبَين الْقبْلَة " الحَدِيث. وَضم مَعَ ذَلِك أَن مروره رُبمَا يُؤَدِّي إِلَى تشويش قلب الْمُصَلِّي، وَلذَلِك كَانَ لَهُ حق فِي درته، وَهُوَ قَوْله ﷺ : " فليقاتله فَإِنَّهُ شَيْطَان ". قَوْله ﷺ : " تقطع الصَّلَاة الْمَرْأَة وَالْحمار. وَالْكَلب الْأسود " اقول: مَفْهُوم هَذَا الحَدِيث أَن من شُرُوط صِحَة الصَّلَاة خلوص ساحتها عَن الْمَرْأَة. وَالْحمار وَالْكَلب، والسر فِيهِ أَن الْمَقْصُود من الصَّلَاة هُوَ الْمُنَاجَاة والمواجهة مَعَ رب الْعَالمين، واختلاط النِّسَاء والتقرب مِنْهُنَّ والصحبة مَعَهُنَّ مَظَنَّة الِالْتِفَات إِلَى مَا هُوَ ضد هَذِه الْحَالة، وَالْكَلب شَيْطَان لما ذكرنَا لَا سِيمَا الْأسود فَإِنَّهُ أقرب إِلَى فَسَاد المزاج وداء الْكَلْب، وَالْحمار أَيْضا بِمَنْزِلَة الشَّيْطَان لِأَنَّهُ كثيرا مَا يسافد بَين ظهرانى بني آدم، وينتشر ذكره فَتكون رُؤْيَة ذَلِك مخلة بِمَا هُوَ بصدده لَكِن لم يعْمل بِهِ حفاظ الصَّحَابَة، وفقهاؤهم. مِنْهُم عَليّ. وَعَائِشَة. وَابْن عَبَّاس. وَأَبُو سعيد. وَغَيرهم ﵃ وَرَوَاهُ مَنْسُوخا - وَإِن كَانَ فِي استدلاهم على النّسخ كَلَام، وَهَذَا أحد الْمَوَاضِع الَّتِي اخْتلف فِيهَا طَرِيقا التلقي من النَّبِي ﷺ :

стр. 292

وَقَوله ﷺ . " إِذا وضع أحدكُم بَين يَدَيْهِ مثل مؤخرة الرحل فَليصل، وَلَا يبال بِمن وَرَاء ذَلِك " أَقُول: لما كَانَ فِي ترك الْمُرُور حرج ظَاهر أَمر بِنصب الستْرَة لتتميز ساحة الصَّلَاة بَادِي الرَّأْي، فَيلْحق بالمرور من بعد. (الْأُمُور الَّتِي لَا بُد مِنْهَا فِي الصَّلَاة) اعْلَم أَن أصل الصَّلَاة ثَلَاثَة أَشْيَاء: أَن يخضع لله تَعَالَى بِقَلْبِه، وَيذكر الله بِلِسَانِهِ، ويعظمه غَايَة التَّعْظِيم بجسده، فَهَذِهِ الثَّلَاثَة أجمع الْأُمَم على أَنَّهَا من الصَّلَاة، وَإِن اخْتلفُوا فِيمَا سوى ذَلِك، وَقد رخص النَّبِي ﷺ عِنْد الْأَعْذَار فِي غير هَذِه الثَّلَاثَة، وَلم يرخص فِيهَا، وَقد قَالَ النَّبِي ﷺ فِي الْوتر: " إِن لم تستطع فأوم إِيمَاء ". وَأَرَادَ النَّبِي ﷺ أَن يشرع لَهُم فِي الصَّلَاة حَدَّيْنِ حدا لَا يخرج من الْعهْدَة بِأَقَلّ مِنْهُ. وحدا هُوَ الاتم الْأَكْمَل المستوفي لفائدة الصَّلَاة، وَالْحَد الأول يشْتَمل على مَا يجب إِعَادَة الصَّلَاة بِتَرْكِهِ، وَمَا يحصل فِيهَا نقص بِتَرْكِهِ، وَلَا يجب الْإِعَادَة، وَمَا يلام على تَركه أَشد الْمَلَامَة من غير جزم بِالنَّقْصِ، وَالْفرق بَين هَذِه الْمَرَاتِب الثَّلَاث صَعب جدا، وَلَيْسَ فِيهِ نَص صَرِيح، وَلَا إِجْمَاع إِلَّا فِي شَيْء يسير، وَلذَلِك قوي الْخلاف بَين الْفُقَهَاء فِي ذَلِك، وَالْأَصْل فِيهِ حَدِيث الرجل الْمُسِيء فِي صلَاته حَيْثُ قَالَ لَهُ رَسُول الله ﷺ : " ارْجع فصل فَإنَّك لم تصل - مرَّتَيْنِ. أَو ثَلَاثًا، ثمَّ قَالَ النَّبِي ﷺ إِذا قُمْت إِلَى الصَّلَاة فاسبغ الْوضُوء، ثمَّ اسْتقْبل الْقبْلَة فَكبر، ثمَّ اقْرَأ بِمَا تيَسّر مَعَك من الْقُرْآن، ثمَّ أركع حَتَّى تطمئِن رَاكِعا، ثمَّ أرفع رَأسك حَتَّى تستوي قَائِما، ثمَّ اسجد حَتَّى تطمئِن سَاجِدا، ثمَّ ارْفَعْ حَتَّى تطمئِن جَالِسا، ثمَّ اسجد حَتَّى تطمئِن سَاجِدا، ثمَّ أرفع حَتَّى تطمئِن جَالِسا، ثمَّ أفعل ذَلِك فِي صَلَاتك كلهَا " وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ " فَإِذا فعلت ذَلِك فقد تمت صَلَاتك وَإِن انتقصت مِنْهَا انتقصت من صَلَاتك " قَالَ: كَانَ هَذَا أَهْون عَلَيْهِم من الأولى أَنه من انْتقصَ من ذَلِك شَيْئا انْتقصَ من صلَاته، وَلم تذْهب كلهَا،

стр. 293

وَمَا ذكره النَّبِي ﷺ بِلَفْظ الركنية كَقَوْلِه ﷺ : " لَا صَلَاة إِلَّا بِفَاتِحَة الْكتاب " وَقَوله ﷺ : " لَا تجزى صَلَاة الرجل حَتَّى يُقيم ظَهره فِي الرُّكُوع وَالسُّجُود " وَمَا سمى الشَّارِع الصَّلَاة بِهِ فَإِنَّهُ تَنْبِيه بليغ على كَونه ركنا فِي الصَّلَاة كَقَوْلِه ﷺ : " من قَامَ رَمَضَان "، وَقَوله ﷺ : " فليركع رَكْعَتَيْنِ "، وَقَوله تَعَالَى: ﴿واركعوا مَعَ الراكعين﴾ ، وَقَوله تَعَالَى: ﴿وأدبار السُّجُود﴾ ، وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَقُرْآن الْفجْر﴾ ، وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَقومُوا لله قَانِتِينَ﴾ وَمَا ذكره بِمَا يشْعر بِأَنَّهُ لَا بُد مِنْهُ كَقَوْلِه ﷺ : " تَحْرِيمهَا التَّكْبِير وتحليلها التَّسْلِيم " وَقَوله ﷺ : " فِي كل رَكْعَتَيْنِ التَّحِيَّة "، وَقَوله ﷺ فِي التَّشَهُّد: " إِذا فعلت ذَلِك تمت صَلَاتك " وَنَحْو ذَلِك، وَمَا لم يخْتَلف فِيهِ الْمُسلمُونَ أَنه لَا بُد مِنْهُ فِي الصَّلَاة، وتوارثوه فِيمَا بَينهم، وتلاوموا على تَركه. وَبِالْجُمْلَةِ فَالصَّلَاة على مَا تَوَاتر عَنهُ ﷺ وتوارثه الْأمة أَن يتَطَهَّر، وَيسْتر عَوْرَته، وَيقوم، وَيسْتَقْبل الْقبْلَة بِوَجْهِهِ، وَيتَوَجَّهُ إِلَى الله بِقَلْبِه، ويخلص لَهُ الْعَمَل وَيَقُول. الله أكبر بِلِسَانِهِ، وَيقْرَأ فَاتِحَة الْكتاب، وَيضم مَعهَا إِلَّا فِي ثَالِثَة الْفَرْض ورابعته - سُورَة من الْقُرْآن، ثمَّ يرْكَع، وينحني بِحَيْثُ يقدر على أَن يمسح رُكْبَتَيْهِ برءوس أَصَابِعه حَتَّى يطمئن رَاكِعا، ثمَّ يرفع رَأسه حَتَّى يطمئن قَائِما، ثمَّ يسْجد على الْآرَاب، السَّبْعَة الْيَدَيْنِ. وَالرّجلَيْنِ. والركبتين. وَالْوَجْه، ثمَّ يرفع رَأسه حَتَّى يَسْتَوِي جَالِسا، ثمَّ يسْجد ثَانِيًا كَذَلِك، فَهَذِهِ رَكْعَة ثمَّ يقْعد على رَأس كل رَكْعَتَيْنِ، ويتشهد فَإِن كَانَ أخر صلَاته صلى على النَّبِي ﷺ ، ودعا أحب الدُّعَاء إِلَيْهِ، وَسلم على من يَلِيهِ من الْمَلَائِكَة وَالْمُسْلِمين، فَهَذِهِ صَلَاة النَّبِي ﷺ لم يثبت أَنه ترك

стр. 294

شَيْئا من ذَلِك قطّ عمدا من غير عذر فِي فَرِيضَة، وَصَلَاة الصَّحَابَة. وَالتَّابِعِينَ. وَمن بعدهمْ من أَئِمَّة الْمُسلمين، وَهِي الَّتِي توارثوا أَنَّهَا مُسَمّى الصَّلَاة، وَهِي من ضروريات الْملَّة، نعم اخْتلف الْفُقَهَاء فِي أحرف مِنْهَا هَل هِيَ أَرْكَان الصَّلَاة لَا يعْتد بهَا بِدُونِهَا. أَو واجباتها الَّتِي تنقص بِتَرْكِهَا، أَو أبعاض يلام على تَركهَا وتجبر بِسَجْدَة السَّهْو. وَالْأَصْل فِي ذَلِك أَن خضوع الْقلب لله وتوجهه إِلَيْهِ تَعْظِيمًا ورغبة وَرَهْبَة - أَمر خَفِي لَا بُد لَهُ من ضبط، فضبطه النَّبِي ﷺ بشيئين: أَن يسْتَقْبل الْقبْلَة بِوَجْهِهِ وبدنه. وَأَن يَقُول بِلِسَانِهِ: الله أكبر، وَذَلِكَ لِأَن من جبلة الْإِنْسَان أَنه إِذا اسْتَقر فِي قلبه شَيْء جرى حسب ذَلِك الْأَركان وَاللِّسَان، وَهُوَ قَوْله ﷺ : " إِن فِي جَسَد ابْن آدم مُضْغَة " الحَدِيث فَفعل اللِّسَان والأركان أقرب مَظَنَّة وَخَلِيفَة لفعل الْقلب، وَلَا يصلح للضبط إِلَّا مَا يكون كَذَلِك. وَلما كَانَ الْحق متعاليا عَن الْجِهَة - نصب التَّوَجُّه إِلَى بَيته، وَأعظم شعائره مقَام التَّوَجُّه إِلَيْهِ، وَهُوَ قَوْله ﷺ : " مُقبلا إِلَى الله بِوَجْهِهِ وَقَلبه ". وَلما كَانَ التَّكْبِير أفْصح عبارَة عَن انقياد الْقلب للتعظيم لم يكن لفظ أَحَق أَن ينصب مقَام توجه الْقلب مِنْهُ. وفيهَا وُجُوه أُخْرَى: مِنْهَا أَن اسْتِقْبَال الْقبْلَة وَاجِب من جِهَة تَعْظِيم بَيت الله وَقت الصَّلَاة، ليكمل كل وَاحِد بِالْآخرِ. وَمِنْهَا أَنه أشهر عَلَامَات الْملَّة الْحَنَفِيَّة الَّتِي يتَمَيَّز بهَا النَّاس عَن غَيرهَا، فَلَا بُد من أَن ينصب مثله عَلامَة للدخول فِي الاسلام، فوقت بأعظم الطَّاعَات وأشهرها، وَهُوَ قَوْله ﷺ : " من صلى صَلَاتنَا، واستقبل قبلتنا، وَأكل ذبيحتنا فَذَلِك الْمُسلم الَّذِي لَهُ ذمَّة الله وَذمَّة رَسُوله ". وَمِنْهَا أَن الْقيام لَا يكون تَعْظِيمًا إِلَّا إِذا كَانَ مَعَ اسْتِقْبَال. وَمِنْهَا أَنه لَا بُد لكل حَال تبَاين سَائِر الْحَالَات فِي الْأَحْكَام من أبتداء وانتهاء، وَقَوله ﷺ : " تحريمهما التَّكْبِير وتحليلها التَّسْلِيم " أما التَّعْظِيم بجسده فَالْأَصْل فِيهِ ثَلَاث حالات: الْقيام بَين يَدَيْهِ، وَالرُّكُوع، وَالسُّجُود، وَأحسن التَّعْظِيم مَا جمع بَين الثَّلَاث، وَكَانَ التدريج من الْأَدْنَى إِلَى الْأَعْلَى أَنْفَع فِي تَنْبِيه النَّفس للخضوع من غَيره، وَكَانَ السُّجُود أعظم التَّعْظِيم يظنّ أَنه مَقْصُود بِالذَّاتِ، وَأَن الْبَاقِي طَرِيق إِلَيْهِ، فَوَجَبَ أَن يُؤَدِّي حق هَذَا الشّبَه وَذَلِكَ بتكراره.

стр. 295

وَأما ذكر الله فَلَا بُد من توقيته أَيْضا، فَإِن التَّوْقِيت أجمع لشملهم. أُطوع لقُلُوبِهِمْ. وَأبْعد من أَن يذهب كل أحد إِلَى مَا يَقْتَضِيهِ رَأْيه حسنا كَانَ أَو قبيحا، وَإِنَّمَا تفوض إِلَيْهِم الْأَدْعِيَة النَّافِلَة الَّتِي يُخَاطب بِمِثْلِهَا السَّابِقُونَ على أَنهم أَيْضا لم يَتْرُكهَا النَّبِي ﷺ بِغَيْر تَوْقِيت وَلَو استجبابا وَإِذا تعين التَّوْقِيت فَلَا أَحَق من الْفَاتِحَة لِأَنَّهَا دُعَاء جَامع أنزلهُ الله تَعَالَى على أَلْسِنَة عباده، يعلمهُمْ كَيفَ يحْمَدُونَ الله، ويثنون عَلَيْهِ، ويقرون لَهُ بتوحيد الْعِبَادَة والاستعانة، وَكَيف يسألونه الطَّرِيقَة الجامعة لأنواع الْخَيْر، ويتعوذون بِهِ من طَريقَة المغضوب عَلَيْهِم والضالين، وَأحسن الدُّعَاء أجمعه. وَلما كَانَ تَعْظِيم الْقرَان وتلاوته وَاجِبا فِي الْملَّة، وَلَا شَيْء من التَّعْظِيم مثل أَن يُنَوّه بِهِ فِي أعظم أركا ٠٠ ن الْإِسْلَام وَأم القربات وَأشهر شَعَائِر الدّين، وَكَانَت تِلَاوَته قربَة كَامِلَة تكمل الصَّلَاة وتتمها - شرع لَهُم قِرَاءَة سُورَة من الْقُرْآن لِأَن السُّورَة كَلَام تَامّ تحدى بِهِ النَّبِي ﷺ ببلاغته المنكرين للنبوة، ولانها منفرزة بمبدئها ومنتهاها، وَلكُل وَاحِد مِنْهَا أسلوب أنيق وَإِذا قد ورد من الشَّارِع قِرَاءَة بعض السُّورَة فِي بعض الأحيان جعلُوا فِي مَعْنَاهَا ثَلَاث آيَات قصار أَو آيَة طَوِيلَة. وَلما كَانَ الْقيام لَا تستوي أَفْرَاده، فَمنهمْ من يقوم مطرقا، وَمِنْهُم من يقوم منحنيا، ويعد جَمِيع ذَلِك من الْقيام - مست الْحَاجة إِلَى تَمْيِيز الانحناء الْمَقْصُود مِمَّا يُسمى قيَاما، فضبط بِالرُّكُوعِ، وَهُوَ الانحناء المفرط الَّذِي تصل بِهِ رُءُوس الْأَصَابِع إِلَى الرُّكْبَتَيْنِ. وَلما لم يكن الرُّكُوع، وَلَا السُّجُود تَعْظِيمًا إِلَّا بِأَن يلبث على تِلْكَ الْهَيْئَة زَمَانا، ويخضع لرب الْعَالمين، ويستشعر التَّعْظِيم قلبه فِي تِلْكَ الْحَالة - جعل ذَلِك ركنا لَازِما. وَلما كَانَ السُّجُود والاستلقاء على الْبَطن وَسَائِر الهيآت الْقَرِيبَة مِنْهُ - مُشْتَركَة فِي وضع الرَّأْس على الأَرْض وَالْأول تَعْظِيم دون الْبَاقِي مست الْحَاجة إِلَى أَن يضْبط الْفَارِق بَينهمَا، فَقَالَ: " أمرت أَن اسجد على سَبْعَة أراب " الحَدِيث وَلما كَانَ كل من يهوي إِلَى السُّجُود لَا بُد لَهُ من الانحناء حَتَّى يصل إِلَيْهِ. وَلَيْسَ ذَلِك رُكُوعًا بل هُوَ طَرِيق إِلَى السَّجْدَة - مست الْحَاجة إِلَى التَّفْرِيق بَين الرُّكُوع وَالسُّجُود بِفعل أَجْنَبِي يتَمَيَّز بِهِ كل من الآخر، ليَكُون كل وَاحِد طَاعَة مُسْتَقلَّة يقصدها مستأنفا، فَتنبه النَّفس لثمرة كل وَاحِد بانفرادها - وَهُوَ القومة -.

стр. 296

وَلما كَانَت السجدتان لَا تصيران اثْنَيْنِ إِلَّا بتخلل فعل أَجْنَبِي شرعت الجلسة بَينهمَا. وَلما كَانَت القومة والسجدة بِدُونِ الطُّمَأْنِينَة طيشا وَلَعِبًا منافيا للطاعة أَمر بطمأنينة فيهمَا. وَلما كَانَ الْخُرُوج من الصَّلَاة ينْقض صلطهارة أَو غير ذَلِك من مَوَانِع الصَّلَاة ومفسداتها - قبيحا مستنكرا منافيا للتعظيم، وَلَا بُد من فعل ننتهي بِهِ الصَّلَاة وَيُبَاح بِهِ مَا حرم فِي الصَّلَاة وَلَو لم يضْبط لذهب كل وَاحِد إِلَى هَوَاهُ - وَجب أَن لَا يكون الْخُرُوج إِلَّا بِكَلَام وَهُوَ أحسن كَلَام النَّاس أَعنِي السَّلَام، وَأَن يُوجب ذَلِك وَهُوَ قَوْله ﷺ : " تحليلها التَّسْلِيم ". وَكَانَ الصَّحَابَة استحبوا أَن يقدموا على السَّلَام قَوْلهم: السَّلَام على الله قبل عباده، السَّلَام على جِبْرَائِيل وَالسَّلَام على فلَان، فَغير رَسُول الله ﷺ ذَلِك بالتحيات، وَبَين سَبَب التَّغْيِير حَيْثُ قَالَ: " لَا تَقولُوا السَّلَام على الله فَإِن الله هُوَ السَّلَام " يَعْنِي إِنَّمَا الدُّعَاء بالسلامة إِن يُنَاسب من لَا تكون السَّلامَة من الْعَدَم ولواحقه ذاتيا لَهُ، ثمَّ اخْتَار بعده السَّلَام على النَّبِي تنويها بِذكرِهِ وإثباتا اللإقرار برسالته أَدَاء لبَعض حُقُوقه، ثمَّ عمم بقوله: السَّلَام علينا وعَلى عياد الله الصَّالِحين، قَالَ: فَإِذا قَالَ ذَلِك أصَاب كل عبد صَالح فِي السَّمَاء وَالْأَرْض " ثمَّ أَمر بالتشهد لِأَنَّهُ أعظم الْأَذْكَار قَالَ: " ثمَّ ليتخير من الدُّعَاء أعجبه إِلَيْهِ " وَذَلِكَ لِأَن وَقت الْفَرَاغ من الصَّلَاة وَقت الدُّعَاء لِأَنَّهُ تغشى بغاشية عَظِيمَة من الرَّحْمَة وَحِينَئِذٍ يُسْتَجَاب الدُّعَاء. وَمن آدَاب الدُّعَاء تَقْدِيم الثَّنَاء على الله والتوسل بِنَبِي الله، ليستجاب الدُّعَاء، ثمَّ تقرر الْأَمر على ذَلِك، وَجعل التَّشَهُّد ركنا لِأَن لَوْلَا هَذِه الْأُمُور لَكَانَ الْفَرَاغ من الصَّلَاة مثل فرَاغ المعرض أَو النادم، وهنالك وُجُوه كَثِيرَة بَعْضهَا خَفِي المأخذ وَبَعضهَا ظَاهر لم نذكرها اكْتِفَاء بِمَا ذكرنَا. وَبِالْجُمْلَةِ من تَأمل فِيمَا ذكرنَا وَفِي الْقَوَاعِد الَّتِي أسلفناها علم قطعا أَن الصَّلَاة بِهَذِهِ الْكَيْفِيَّة هِيَ الَّتِي يَنْبَغِي أَن تكون، وأنما لَا تتَصَوَّر الْعقل أحسن مِنْهَا وَلَا أكمل، وَأَنَّهَا هِيَ الْغَنِيمَة الْكُبْرَى للمغتنم. وَلما كَانَ الْقَلِيل من الصَّلَاة لَا يُفِيد فَائِدَة معتدا بهَا، وَالْكثير جدا يعسر إِقَامَته اقْتَضَت حِكْمَة الله أَلا يشرع لَهُم أقل من رَكْعَتَيْنِ، فالركعتان أقل الصَّلَاة، وَلذَلِك قَالَ: " فِي كل رَكْعَتَيْنِ التَّحِيَّة ".

стр. 297

وَهَهُنَا سر دَقِيق، وَهُوَ أَن سنة الله تَعَالَى فِي خلق الْأَفْرَاد والأشخاص من الْحَيَوَان والنبات أَن يكون هُنَالك شقان يضم كل وَاحِد بِالْآخرِ، ويجعلان شَيْئا وَاحِدًا، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالشَّفْع وَالْوتر﴾ أما الْحَيَوَان فشقاه معلومان، وَرُبمَا تعرض الآفة شقا دون شقّ كالفالج، أما النَّبَات فالنواة والحبة فيهمَا شقان، وَإِذا نَبتَت الخامة وَإِنَّمَا تنْبت ورقتان كل ورقة مِيرَاث أحد شقي النواة والحبة، ثمَّ يتَحَقَّق النمو على ذَلِك النمط، فانتقلت هَذِه السّنة من بَاب الْخلق إِلَى بَاب التشريع فِي حَظِيرَة الْقُدس، لِأَن التَّدْبِير فرع الْخلق، وانعكس من هُنَاكَ فِي قلب النَّبِي ﷺ . فَأصل الصَّلَاة هُوَ رَكْعَة وَاحِدَة، وَلم يشرع أقل من رَكْعَتَيْنِ فِي عَامَّة الصَّلَاة، وضمت كل وَاحِدَة بِالْأُخْرَى وصارتا شَيْئا وَاحِدًا، قَالَت عَائِشَة ﵂: " فرض الله الصَّلَاة حِين فَرضهَا رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ فِي الْحَضَر وَالسّفر، فأقرت صَلَاة السّفر وَزيد فِي صَلَاة الْحَضَر " وَفِي رِوَايَة - إِلَّا الْمغرب فَإِنَّهَا كَانَت ثَلَاثًا -. أَقُول الأَصْل فِي عدد الرَّكْعَات أَن الْوَاجِب الَّذِي لَا يسْقط بِحَال إِنَّمَا هُوَ أحدى عشر رَكْعَة، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ اقْتَضَت حِكْمَة الله أَلا يشرع فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة إِلَّا عددا مُبَارَكًا متوسطا لَا يكون كثيرا جدا، فيعسر إِقَامَته على الْمُكَلّفين جَمِيعًا، وَلَا قَلِيلا جدا، فَلَا يُفِيد لَهُم مَا أُرِيد من الصَّلَاة، وَقد علمت فِيمَا سبق أَن الْأَحَد عشر من بَين الْأَعْدَاد أشبههَا بالوتر الْحَقِيقِيّ، ثمَّ لما هَاجر النَّبِي ﷺ وَاسْتقر الْإِسْلَام، وَكثر أَهله، وتوفرت الرغبات فِي الطَّاعَة زيدت سِتّ رَكْعَات، وأبقيت صَلَاة السّفر على النمط الأول، وَذَلِكَ لِأَن الزِّيَادَة لَا يَنْبَغِي أَن تصل إِلَى مثل الشَّيْء أَو أَكْثَره، وَكَانَ الْمُنَاسب أَن يَجْعَل نصف الأَصْل لَكِن لَيْسَ لأحد عشر نصف بِغَيْر كسر، فَبَدَا عددان خَمْسَة وَسِتَّة، وبالخمسة يصير عدد الرَّكْعَات شفعا غير وتر، فتعينت السِّتَّة، وَأما توزيع الرَّكْعَات على الْأَعْدَاد فمبني على آثَار الْأَنْبِيَاء السَّابِقين على مَا يذكر فِي الْأَخْبَار، وَأَيْضًا فالمغرب آخر الصَّلَاة من وَجه لِأَن الْعَرَب يعدون اللَّيَالِي قبل الْأَيَّام، فَنَاسَبَ أَن يكون الْوَاحِد الْوتر للركعات فِيهَا ووقتها ضيق فَلَا تناسب زِيَادَة مَا زيد فِيهَا آخرا، وَوقت الْفجْر وَقت نوم وكسل فَلم يزِيد فِي عدد الرَّكْعَات، وَزَاد فِيهَا اسْتِحْبَاب طول الْقِرَاءَة لمن أطاقه، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى:

стр. 298

﴿وَقُرْآن الْفجْر إِن قُرْآن الْفجْر كَانَ مشهودا﴾ وَالله أعلم. (أذكار الصَّلَاة وهيأتها الْمَنْدُوب إِلَيْهَا) اعْلَم أَن الْحَد الْأَكْمَل الَّذِي يَسْتَوْفِي فَائِدَة الصَّلَاة كَامِلَة زَائِدَة على الْحَد الَّذِي لَا بُد مِنْهُ بِوَجْهَيْنِ: بالكيف والكم. أما الكيف فأعني بِهِ الْأَذْكَار، والهيآت، ومؤاخذة الْإِنْسَان نَفسه بِأَن يُصَلِّي لله كَأَنَّهُ يرَاهُ، وَلَا يحدث فِيهَا نَفسه، وَأَن يحْتَرز من هيآت مَكْرُوهَة وَنَحْو ذَلِك. وَأما الْكمّ فصلوات يتنفلون بهَا، وسيأتيك ذكر النَّوَافِل من بعد إِن شَاءَ الله تَعَالَى. وَالْأَصْل فِي الْأَذْكَار حَدِيث عَليّ ﵁ فِي الْجُمْلَة. وَأبي هُرَيْرَة. وَعَائِشَة. وَجبير بن مطعم. وَابْن عمر. وعيرهم ﵃ فِي الاستفتاح، وَحَدِيث عَائِشَة. وَابْن مَسْعُود. وَأبي هُرَيْرَة. وثوبان. وَكَعب بن عجْرَة ﵃ فِي سَائِر الْمَوَاضِع وَغير هَؤُلَاءِ مَا نذكرهُ تَفْصِيلًا. وَالْأَصْل فِي الهيآت حَدِيث أبي حميد السَّاعِدِيّ الَّذِي حَدثهُ فِي عشرَة من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ ، فَسَلمُوا لَهُ، وَحَدِيث عَائِشَة. وَوَائِل بن حجر ﵄ فِي الْجُمْلَة، وَحَدِيث ابْن عمر ﵁ فِي رفع الْيَدَيْنِ، وَغير هَؤُلَاءِ مِمَّا سَنذكرُهُ، والهيآت المندوبة ترجع إِلَى معَان: مِنْهَا تَحْقِيق الخضوع، وَضم الْأَطْرَاف، والتنبيه للنَّفس على مثل الْحَال الَّتِي تعتري السوقة عِنْد مُنَاجَاة الْمُلُوك من الهيبة والدهش، كصف الْقَدَمَيْنِ. وَوضع الْيُمْنَى على الْيُسْرَى. وَقصر النّظر. وَترك الِالْتِفَات. وَمِنْهَا محاكاة ذكر الله وإيثاره على من سواهُ بأصابعه وَيَده حَذْو مَا يعلقه بجنانه، ويقوله بِلِسَانِهِ، كرفع الْيَدَيْنِ، وَالْإِشَارَة بالمسبحة، ليَكُون بعض الْأَمر معاضدا لبَعض. وَمِنْهَا اخْتِيَار هيآت الْوَقار ومحاسن الْعَادَات، والاحتراز عَن الطيش والهيآت الَّتِي يذمها أهل الرَّأْي، وينسبونها إِلَى غير ذَوي الْعُقُول، كنقر الديك، وإقعاء الْكَلْب، واحتفاز

стр. 299

الثَّعْلَب، وبروك الْبَعِير، وافتراش السَّبع، وَالَّتِي تكون للمتخيرين وَأهل الْبلَاء كالاختصار. وَمِنْهَا أَن تكون الطَّاعَة بطمأنينة وَسُكُون، وعَلى رسل كجلسة الاسْتِرَاحَة، وَنصب الْيُمْنَى وافتراش الْيُسْرَى فِي الْقعدَة الأولى لِأَنَّهُ أيسر لقِيَامه وَالْقعُود على الورك فِي الثَّانِيَة لِأَنَّهُ أَكثر رَاحَة. وَأما الْأَذْكَار فترجع إِلَى معَان: مِنْهَا إيقاظ النَّفس لتنبه للخضوع الَّذِي وضع لَهُ الْفِعْل كأذكار الرُّكُوع وَالسُّجُود. وَمِنْهَا الْجَهْر بِذكر الله، ليَكُون تَنْبِيها للْقَوْم بانتقال الامام من ركن إِلَى ركن كالتكبيرات عِنْد كل خفض وَرفع. وَمِنْهَا أَلا تخلوا حَالَة فِي الصَّلَاة من ذكر كالتكبيرات وكأذكار القومة والجلسة، فَإِذا كبر رفع يَدَيْهِ إِيذَانًا بِأَنَّهُ أعرض عَمَّا سوى الله تَعَالَى، وَدخل فِي حيّز الْمُنَاجَاة، وَيرْفَع إِلَى أُذُنَيْهِ أَو مَنْكِبَيْه، وكل ذَلِك سنة، وَوضع يَده الْيُمْنَى على الْيُسْرَى وصف الْقَدَمَيْنِ وَقصر النّظر على مَحل السَّجْدَة تَعْظِيمًا وجمعا لأطراف الْبدن حَذْو جمع الخاطر، ودعا دَعَاهُ الاستفتاح تمهيدا لحضور الْقلب وإزعاجا للخاطر إِلَى الْمُنَاجَاة. وَقد صَحَّ فِي ذَلِك صِيغ، مِنْهَا اللَّهُمَّ باعد بيني وَبَين خطاياي كَمَا باعدت بَين الْمشرق وَالْمغْرب، اللَّهُمَّ نقي من الْخَطَايَا كَمَا ينقى الثَّوْب الْأَبْيَض من الدنس، اللَّهُمَّ اغسل خطاياي بِالْمَاءِ والثلج وَالْبرد. أَقُول الْغسْل بالثلج وَالْبرد كِنَايَة عَن تَكْفِير الْخَطَايَا مَعَ إِيجَاد الطُّمَأْنِينَة وَسُكُون الْقلب، وَالْعرب تَقول: برد قلبه أَي سكن وإطمأن، وَأَتَاهُ الثَّلج أَي الْيَقِين. وَمِنْهَا ﴿وجهت وَجْهي للَّذي فطر السَّمَاوَات وَالْأَرْض حَنِيفا وَمَا أَنا من الْمُشْركين﴾ . ﴿إِن صَلَاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب الْعَالمين لَا شريك لَهُ وَبِذَلِك أمرت وَأَنا أول الْمُسلمين﴾ . وَفِي رِوَايَة - وَأَنا من الْمُسلمين. وَمِنْهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك وتبارك اسْمك وَتَعَالَى جدك وَلَا إِلَه غَيْرك الله أكبر كَبِيرا ثَلَاثًا. وَسُبْحَان الله بكرَة وَأَصِيلا ثَلَاثًا، ثمَّ يتَعَوَّذ لقَوْله تَعَالَى:

стр. 300

﴿فَإِذا قَرَأت الْقُرْآن فاستعذ بِاللَّه من الشَّيْطَان الرَّجِيم﴾ أَقُول: السِّرّ فِي ذَلِك أَن من أعظم ضَرَر الشَّيْطَان أَن يوسوس لَهُ فِي تَأْوِيل كتاب الله مَا لَيْسَ بمرضي، أَو يصده عَن التَّدْبِير. وَفِي التَّعَوُّذ صِيغ: مِنْهَا أعوذ بِاللَّه من الشَّيْطَان الرَّجِيم. وَمِنْهَا استعيذ بِاللَّه من الشَّيْطَان الرَّجِيم. وَمِنْهَا أعوذ بِاللَّه من الشَّيْطَان من نفخه ونفثه وهمزه. ثمَّ يبسمل سرا لما شرع الله لنا من تَقْدِيم التَّبَرُّك باسم الله على الْقِرَاءَة وَلِأَن فِيهِ احْتِيَاطًا إِذْ قد اخْتلفت الرِّوَايَة هَل هِيَ آيَة من الْفَاتِحَة أم لَا؟ وَقد صَحَّ عَن النَّبِي ﷺ أَنه كَانَ يفْتَتح الصَّلَاة أَي الْقِرَاءَة بِالْحَمْد لله رب الْعَالمين، وَلَا يجْهر بِبسْم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم. أَقُول: وَلَا يبعد ان يكون جهر بهَا فِي بعض الأحيان ليعلمهم الصَّلَاة وَالظَّاهِر أَنه ﷺ كَانَ يخص يتَعَلَّم هَذِه الْأَذْكَار الْخَواص من أَصْحَابه، وَلَا يَجْعَلهَا بِحَيْثُ يوأخذ بهَا الْعَامَّة ويلادمون على تَركهَا، وَهَذَا تَأْوِيل مَا قَالَه مَالك ﵀ عِنْدِي، وَهُوَ مَفْهُوم قَول أبي هُرَيْرَة ﵁: كَانَ النَّبِي ﷺ يسكت بَين التَّكْبِير وَبَين الْقِرَاءَة إسكاتة، فَقلت: بِأبي وَأمي إسكاتك بَين التَّكْبِير وَالْقِرَاءَة، مَا تَقول فِيهِ؟ ثمَّ يرتل سُورَة الْفَاتِحَة وَسورَة من الْقُرْآن ترتيلا يمد الْحُرُوف وَيقف على رُؤُوس الْآي يُخَافت فِي الظّهْر وَالْعصر ويجهر الإِمَام فِي الْفجْر. وأولي الْمغرب وَالْعشَاء، وَإِن كَانَ مَأْمُوما وَجب عَلَيْهِ الانصات وَالِاسْتِمَاع فَإِن جهر الإِمَام لم يقْرَأ إِلَّا عِنْد الإسكاته، وَإِن خَافت فَلهُ الخيره، فَإِن قَرَأَ فليقرأ الْفَاتِحَة قِرَاءَة لَا يشوش على الإِمَام، وَهَذَا أولى الْأَقْوَال عِنْدِي، وَبِه يجمع بَين أَحَادِيث الْبَاب، والسر فِيهِ مَا نَص عَلَيْهِ من أَن الْقِرَاءَة مَعَ الإِمَام تشوش عَلَيْهِ وتفوت التدبر وتخالف تَعْظِيم الْقُرْآن، وَلم يعزم عَلَيْهِم أَن يقرءوا سرا لِأَن الْعَامَّة مَتى أردوا أَن يصححوا الْحُرُوف بأجمعهم كَانَت لَهُم لجنة مشوشة، فسجل فِي النَّهْي عَن التشويش، وَلم يعزم عَلَيْهِم مَا يُؤَدِّي إِلَى الْمنْهِي، وَأبقى خَيره لمن اسْتَطَاعَ، وَذَلِكَ غَايَة الرَّحْمَة فِي بالأمة.

стр. 301

والسر فِي مُخَالفَته الظّهْر وَالْعصر أَن النَّهَار مَظَنَّة الصخب واللغط فِي الْأَسْوَاق والدور، وَأما غَيرهمَا فوقت هدوء الْأَصْوَات والجهر أقرب إِلَى تذكر الْقَوْم واتعاظهم. قَوْله ﷺ . إِذا أَمن الإِمَام، فَأمنُوا، فَإِن من وَافق تأمينه تَأْمِين الْمَلَائِكَة غفر لَهُ مَا تقدم من ذَنبه ". أَقُول: الْمَلَائِكَة يحْضرُون الذّكر رَغْبَة مِنْهُم فِيهِ، ويؤمنون على أدعيتهم لأجل مَا يترشح عَلَيْهِم من الْمَلأ الْأَعْلَى، وَفِيه إِظْهَار التأسي بِالْإِمَامِ وَإِقَامَة لسنة الأقتداء. وَرويت إسكاتتان: إسكاتة بَين التَّكْبِير وَالْقِرَاءَة ليتحرم الْقَوْم بأجمعهم فِيمَا بَين ذَلِك، فيقبلوا على اسْتِمَاع الْقِرَاءَة بعزيمة، وإسكاتة بَين قِرَاءَة الْفَاتِحَة وَالسورَة، قيل: ليتيسر لَهُم الْقِرَاءَة من غير تشويش وَترك إنصات. أَقُول: الحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ أَصْحَاب السّنَن لَيْسَ بِصَرِيح فِي الإسكاتة الَّتِي يَفْعَلهَا الإِمَام لقِرَاءَة الْمَأْمُومين، فَإِن الظَّاهِر أَنَّهَا للتلفظ بآمين عِنْد من يسر بهَا، أَو سكتة لَطِيفَة تميز بَين الْفَاتِحَة وآمين لِئَلَّا يشْتَبه غير الْقُرْآن بِالْقُرْآنِ، عِنْد من يجْهر بهَا أَو سكتة لَطِيفَة ليرد إِلَى الْقَارئ نَفسه وعَلى التنزل فاستغراب الْقرن الأول إِيَّاهَا يدل على أَنَّهَا لَيست سنة مُسْتَقِرَّة وَلَا مِمَّا عمل بِهِ الْجُمْهُور وَالله أعلم. وَيقْرَأ فِي الْفجْر سِتِّينَ آيَة إِلَى مائَة تداركا لقلَّة ركعاته بطول قِرَاءَته، وَلِأَن رين الأشغال المعاشية لم يستحكم بعد، فيغتنم الفرصة لتدبر الْقُرْآن. وَفِي الْعشَاء: ﴿سبح اسْم رَبك الْأَعْلَى﴾ ﴿وَاللَّيْل إِذا يغشى﴾ وَمثلهَا، وقصة معَاذ - وَمَا كره النَّبِي ﷺ من تنقير الْقَوْم - مَشْهُورَة. وَحمل الظّهْر على الْفجْر، وَالْعصر على الْعشَاء فِي بعض الرِّوَايَات، وَالظّهْر على الْعشَاء وَالْعصر على الْمغرب فِي بَعْضهَا. وَفِي الْمغرب بقصار الْمفصل لضيق الْوَقْت، وَكَانَ رَسُول الله ﷺ يطول، ويخفف على مَا يرى من الْمصلحَة الْخَاصَّة بِالْوَقْتِ، وَإِنَّمَا أَمر النَّاس بِالتَّخْفِيفِ فَإِن فيهم الضَّعِيف. وَفِيهِمْ السقيم. وَفِيهِمْ ذَا الْحَاجة وَقد اخْتَار رَسُول الله ﷺ بعض السُّور فِي بعض الصَّلَوَات لفوائد من غير حتم، وَلَا طلب مُؤَكد؛ فَمن اتبع فقد أحسن، وَمن لَا فَلَا حرج.

стр. 302

كَمَا اخْتَار فِي الْأَضْحَى. وَالْفطر (ق) و (أقتربت) لبديع أسلوبهما وجمعهما لعامه مَقَاصِد الْقُرْآن فِي اخْتِصَار، وَإِلَى ذَلِك حَاجَة عِنْد اجْتِمَاع النَّاس، أَو (سبح اسْم) و (هَل أَتَاك) للتَّخْفِيف وأسلوبهما البديع. وَفِي الْجُمُعَة، سُورَة - الْجُمُعَة وَالْمُنَافِقِينَ - للمناسبة والتحذير، فَإِن الْجُمُعَة تجمع من الْمُنَافِقين وأشباههم من لَا يجمعه غير الْجُمُعَة وَفِي الْفجْر يَوْم الْجُمُعَة (ألم تَنْزِيل) و (هَل أَتَى) تذكيرا للساعة وَمَا فِيهَا وَالْجُمُعَة تكون الْبَهَائِم فِيهَا مسيخة أَن تكون السَّاعَة فَكَذَلِك يَنْبَغِي لبني آدم أَن يَكُونُوا فزعين بهَا. وَإِذا مر الْقَارئ على (سبح اسْم رَبك الْأَعْلَى) قَالَ: سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى وَمن قَرَأَ (أَلَيْسَ الله بِأَحْكَم الْحَاكِمين) فَلْيقل بلَى وَأَنا على ذَلِك من الشَّاهِدين، وَمن قَرَأَ (أَلَيْسَ ذَلِك بِقَادِر على أَن يحي الْمَوْتَى) فَلْيقل بلَى، وَمن قَرَأَ (فَبِأَي حَدِيث بعده يُؤمنُونَ) فَلْيقل: آمنا بِاللَّه، وَلَا يخفى مَا فِيهِ من الْأَدَب والمسارعة إِلَيّ الْخَيْر، فَإِذا أَرَادَ أَن يرْكَع رفع يَدَيْهِ حَذْو مَنْكِبَيْه أَو أُذُنَيْهِ، وَكَذَلِكَ إِذا رفع رَأسه من الرُّكُوع وَلَا يفعل ذَلِك فِي السُّجُود. أَقُول: السِّرّ فِي ذَلِك أَن رفع الْيَدَيْنِ فعل تعظيمي يُنَبه النَّفس على ترك الاشغال المنافية للصَّلَاة وَالدُّخُول فِي حيّز الْمُنَاجَاة، فشرع ابْتِدَاء كل فعل من التعظيمات الثَّلَاث بِهِ، لتتنبه النَّفس لثمرة ذَلِك الْفِعْل مستأنفا، وَهُوَ من الهيآت فعله النَّبِي ﷺ مرّة، وَتَركه مرّة، وَالْكل سنة، وَأخذ بِكُل وَاحِد جمَاعَة من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ. وَمن بعدهمْ، وَهَذَا أحد الْمَوَاضِع الَّتِي اخْتلف فِيهَا الْفَرِيقَانِ أهل الْمَدِينَة والكوفة، وَلكُل وَاحِد أصل أصيل، وَالْحق عِنْدِي فِي مثل ذَلِك أَن الْكل سنة وَنَظِيره الْوتر بِرَكْعَة وَاحِدَة أَو بِثَلَاث وَالَّذِي يرفع أحب إِلَيّ مِمَّن لَا يرفع، فَإِن أَحَادِيث الرّفْع أَكثر وَأثبت غير أَن لَا يَنْبَغِي لإِنْسَان فِي مثل هَذِه الصُّور أَن يثير على نَفسه فتْنَة عوام بَلَده، وَهُوَ قَوْله ﷺ " لَوْلَا حدثان قَوْمك بالْكفْر لنقضت الْكَعْبَة " وَلَا يبعد أَن يكون ابْن مَسْعُود رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ ظن أَن السبة المتقررة آخرا هُوَ تَركه، لما تلقن من أَن مبْنى الصَّلَاة على سُكُون الْأَطْرَاف وَلم يظْهر لَهُ

стр. 303

أَن الرّفْع فعل تعظيمي، وَلذَلِك ابْتَدَأَ بِهِ فِي الصَّلَاة، أَو لما تلقن من أَنه فعل يُنبئ على التّرْك، فَلَا يُنَاسب كَونه فِي أثْنَاء الصَّلَاة، وَلم يظْهر لَهُ أَن تَجْدِيد التنبه لترك مَا سوى الله عِنْد كل فعل أصل من الصَّلَاة مَطْلُوب وَالله أعلم. قَوْله " لَا يفعل ذَلِك فِي السُّجُود " أَقُول. القومة شرعت فارقة بَين الرُّكُوع وَالسُّجُود، فالرفع مَعهَا رفع للسُّجُود فَلَا معنى للتكرار، وَيكبر فِي كل خفض وَرفع للتّنْبِيه الْمَذْكُور وليسمع الْجَمَاعَة فيتنبهوا للانتقال. وَمن هيآت الرُّكُوع أَن يضع راحتيه على رُكْبَتَيْهِ، وَيجْعَل أَصَابِعه أَسْفَل من ذَلِك كالقابض، ويجافي بمرفقيه، ويعتدل، فَلَا يصبى رَأسه، وَلَا يقنع وَمن أذكاره: " سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبنَا وَبِحَمْدِك اللَّهُمَّ اغْفِر لي "، وَفِيه الْعَمَل بقوله تَعَالَى: ﴿فسبح بِحَمْد رَبك وَاسْتَغْفرهُ﴾ وَمِنْهَا " سبوح قدوس رَبنَا وَرب الْمَلَائِكَة وَالروح " وَمِنْهَا " سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيم " ثَلَاثًا، وَمِنْهَا " اللَّهُمَّ لَك ركعت، وَبِك آمَنت وَلَك أسلمت، خشع لَك سَمْعِي وبصري ومخي وعظمي وعصبي ". وَمن هيآت القومة أَن يَسْتَوِي قَائِما حَتَّى يعود كل فقار مَكَانَهُ، وَأَن يرفع يَدَيْهِ. وَمن أذكارها: " سمع الله لمن حَمده " وَمِنْهَا " اللَّهُمَّ رَبنَا لَك الْحَمد حمدا كثيرا طيبا مُبَارَكًا فِيهِ " وَجَاءَت زِيَادَة " ملْء السَّمَوَات وَالْأَرْض وملء مَا شِئْت من شَيْء بعد " وَزَاد فِي رِوَايَة: أهل الثَّنَاء وَالْمجد أَحَق مَا قَالَ العَبْد، وكلنَا لَك عبد، اللَّهُمَّ لَا مَانع لما أَعْطَيْت، وَلَا معطي لما منعت، وَلَا ينفع ذَا الْجد مِنْك الْجد " وَمِنْهَا " اللَّهُمَّ طهرني بالثلج وَالْبرد، وَالْمَاء الْبَارِد، اللَّهُمَّ طهرني من الذُّنُوب والخطايا كَمَا ينقى الثَّوْب الْأَبْيَض من الدنس ". وَاخْتلفت الْأَحَادِيث. ومذاهب الصَّحَابَة. وَالتَّابِعِينَ فِي قنوت الصُّبْح، وَعِنْدِي أَن الْقُنُوت وَتَركه سيان، وَمن لم يقنت إِلَّا عِنْد حَادِثَة عَظِيمَة، أَو كَلِمَات يسيرَة إخفاءة قبل

стр. 304

الرُّكُوع أحب إِلَيّ، لِأَن الْأَحَادِيث شاهدة على أَن الدُّعَاء على رعل وذكوان كَانَ أَولا ثمَّ ترك، وَهَذَا وَإِن لم يدل على نسخ مُطلق الْقُنُوت، لَكِنَّهَا تؤمي إِلَى أَن الْقُنُوت لَيْسَ سنة مُسْتَقِرَّة، أَو نقُول: لَيْسَ وَظِيفَة راتبة، وَهُوَ قَول الصَّحَابِيّ: أَن بنى مُحدث يَعْنِي الْمُوَاظبَة عَلَيْهِ، وَكَانَ النَّبِي ﷺ وخلفاءه إِذا نابهم أَمر دعوا للْمُسلمين وعَلى الْكَافرين بعد الرُّكُوع أَو قبله، وَلم يَتْرُكُوهُ بِمَعْنى عدم القَوْل عِنْد النائبة. وَمن هيآت السُّجُود أَن يضع رُكْبَتَيْهِ قبل يَدَيْهِ، وَلَا يبسط ذِرَاعَيْهِ انبساط الْكَلْب، ويجافي يَدَيْهِ حَتَّى يَبْدُو بَيَاض إبطَيْهِ، وَيسْتَقْبل بأطراف أَصَابِع رجلَيْهِ الْقبْلَة. وَمن أذكاره: " سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى ثَلَاثًا " وَمِنْهَا " سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبنَا وَبِحَمْدِك اللَّهُمَّ اغْفِر لي " وَمِنْهَا: " اللَّهُمَّ لَك سجدت وَبِك آمَنت وَلَك أسلمت، سجد وَجْهي للَّذي خلقه، وصوره، وشق سَمعه وبصره، فَتَبَارَكَ الله أحسن الْخَالِقِينَ " وَمِنْهَا: " سبوح قدوس رَبنَا وَالْمَلَائِكَة وَالروح " وَمِنْهَا: اللَّهُمَّ اغْفِر لي ذَنبي كُله دقه وجله وأوله وَآخره وعلانيته وسره وَمِنْهَا: اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عُقُوبَتك، وَأَعُوذ بك مِنْك لَا أحصي ثَنَاء عَلَيْك كَمَا أثنيت على نَفسك ". وَإِنَّمَا قَالَ ﷺ " فأعني على نَفسك بِكَثْرَة السُّجُود " لِأَن السُّجُود غَايَة التَّعْظِيم، فَهُوَ مِعْرَاج الْمُؤمن، وَوقت خلوص ملكيته من أسر البهيمية، وَمن مكن من نَفسه للغاشية الالهية فقد أعَان مفيض الْخَيْر. وَقَوله ﷺ : " أمتِي يَوْم الْقِيَامَة غر من السُّجُود محجلون من الْوضُوء ". أَقُول: عَالم الْمِثَال مبناه على مُنَاسبَة الْأَرْوَاح بالأشباح كَمَا ظهر منع الصائمين عَن الْأكل وَالْجِمَاع بالختم على الأفواه والفروج. وَمن هيآت مَا بَين السَّجْدَتَيْنِ أَن يجلس على رجله الْيُسْرَى، وَينصب الْيُمْنَى، وَيَضَع راحتيه على رُكْبَتَيْهِ. وَمن أذكاره: " اللَّهُمَّ اغْفِر لي، وارحمني، واهدني، وَعَافنِي، وارزقني ". وَمن هيآت الْقعدَة أَن يجلس على رجله الْيُسْرَى، وَينصب الْيُمْنَى، وَرُوِيَ فِي

стр. 305

الْأَخِيرَة قدم رجله، الْيُسْرَى وَنصب الْأُخْرَى، وَقعد على مقعدته، وَأَن يضع يَدَيْهِ على رُكْبَتَيْهِ، وَورد يلقم كَفه الْيُسْرَى ركبته، وَأَن يعْقد ثَلَاثًا وَخمسين وَأَشَارَ بالسبابة، وَرُوِيَ قبض ثِنْتَيْنِ، وَحلق حَلقَة، والسر فِي رفع الْأصْبع الْإِشَارَة إِلَى التَّوْحِيد، ليتعاضد القَوْل وَالْفِعْل، وَيصير الْمَعْنى متمثلا متصورا، وَمن قَالَ: أَن مَذْهَب أبي حنيفَة ﵀ ترك الْإِشَارَة بالمسبحة فقد أَخطَأ، وَلَا يعضده رِوَايَة وَلَا دراية قَالَه ابْن الْهمام، نعم لم يذكرهُ مُحَمَّد ﵀ فِي الأَصْل، وَذكره فِي الْمُوَطَّأ، وَوجدت بَعضهم لَا يُمَيّز بَين قَوْلنَا لَيست الْإِشَارَة فِي ظَاهر الْمَذْهَب، وَقَوْلنَا ظَاهر الْمَذْهَب أَنَّهَا لَيست، ومفاسد الْجَهْل والتعصب أَكثر من أَن تحصى. وَجَاء فِي التَّشَهُّد صِيغ: أَصَحهَا تشهد ابْن مَسْعُود ﵁، ثمَّ تشهد ابْن عَبَّاس. وَعمر ﵄؛ وَهِي كأحرف الْقُرْآن كلهَا شاف كَاف، وَأَصَح صِيغ الصَّلَاة " اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد وعَلى آل مُحَمَّد، كَمَا صليت على إِبْرَاهِيم وعَلى آل إِبْرَاهِيم، إِنَّك حميد مجيد، اللَّهُمَّ بَارك على مُحَمَّد وعَلى آل مُحَمَّد كَمَا باركت على إِبْرَاهِيم وعَلى آل إِبْرَاهِيم إِنَّك حميد مجيد واللهم صلي على مُحَمَّد وأزواجه وَذريته، كَمَا صليت على آل إِبْرَاهِيم، وَبَارك على مُحَمَّد وأزواجه وَذريته، كَمَا باركت على آل إِبْرَاهِيم، إِنَّك حميد مجيد ". وَقد ورد فِي صِيغ الدُّعَاء فِي التَّشَهُّد: " اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك من عَذَاب جَهَنَّم، وَأَعُوذ بك من عَذَاب الْقَبْر، وَأَعُوذ بك من شَرّ الْمَسِيح الدَّجَّال، وَأَعُوذ بك من فتْنَة الْمحيا وَالْمَمَات " وَورد " اللَّهُمَّ إِنِّي ظلمت نَفسِي ظلما كثيرا: وَلَا يغْفر الذُّنُوب إِلَّا أَنْت، فَاغْفِر لي مغْفرَة من عنْدك، وارحمني أَنَّك أَنْت الغفور الرَّحِيم " وَورد " اللَّهُمَّ اغْفِر لي مَا قدمت، وَمَا أخرت، وَمَا أسررت، وَمَا أعلنت، وَمَا أسرفت، وَمَا أَنْت أعلم بِهِ مني، أَنْت الْمُقدم، وَأَنت الْمُؤخر، لَا إِلَه إِلَّا أَنْت. وَمن أذكار مَا بعد الصَّلَاة اسْتغْفر الله ثَلَاثًا، واللهم أَنْت السَّلَام ومنك السَّلَام تَبَارَكت يَا ذَا الْجلَال وَالْإِكْرَام، لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ، لَهُ الْملك، وَله الْحَمد، وَهُوَ على كل شَيْء قدير اللَّهُمَّ لَا مَانع لما أَعْطَيْت، وَلَا معطي لما منعت، وَلَا ينفع ذَا الْجد مِنْك الْجد، لَا إِلَه إِلَّا الله، وَلَا نعْبد إِلَّا إِيَّاه، وَله النِّعْمَة، وَله الْفضل، وَله الثَّنَاء الْحسن، لَا إِلَه إِلَّا الله مُخلصين لَهُ الدّين وَلَو كره الْكَافِرُونَ، اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك من الْجُبْن، وَأَعُوذ بك من الْبُخْل، وَأَعُوذ بك من أرذل

стр. 306

الْعُمر، وَأَعُوذ بك من فتْنَة الدُّنْيَا وَعَذَاب الْقَبْر وَثَلَاث وَثَلَاثُونَ تَسْبِيحَة، وَثَلَاث وَثَلَاثُونَ تَحْمِيدَة. وَأَرْبع وَثَلَاثُونَ تَكْبِيرَة. وروى من كل ثَلَاث وَثَلَاثُونَ وَتَمام الْمِائَة لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ الخ، وَرُوِيَ من كل خمس وَعِشْرُونَ، وَالرَّابِع لَا إِلَه إِلَّا الله، ويروى يسبحون فِي دبر كل صَلَاة عشرا، ويحمدون عشرا، وَيُكَبِّرُونَ عشرا؛ وَرُوِيَ من كل مائَة، والأدعية كلهَا بِمَنْزِلَة أحرف الْقُرْآن، من من قَرَأَ مِنْهَا شَيْئا فَازَ بالثواب الْمَوْعُود. وَالْأولَى أَن يَأْتِي بِهَذِهِ الْأَذْكَار قبل الرَّوَاتِب فَإِنَّهُ جَاءَ فِي بعض الْأَذْكَار مَا يدل على ذَلِك نصا كَقَوْلِه: من قَالَ - قبل أَن ينْصَرف، ويثني رجلَيْهِ من صَلَاة الْمغرب وَالصُّبْح لَا إِلَه إِلَّا الله الخ، وكقول الرَّاوِي كَانَ إِذا سلم من صلَاته يَقُول بِصَوْتِهِ الْأَعْلَى: لَا إِلَه إِلَّا الله الخ، قَالَ ابْن عَبَّاس: كنت أعرف انْقِضَاء صَلَاة رَسُول الله ﷺ بِالتَّكْبِيرِ، وَفِي بَعْضهَا مَا يدل ظَاهرا كَقَوْلِه " دبر كل صَلَاة "، وَأما قَول عَائِشَة: كَانَ إِذا سلم لَا يقْعد إِلَّا مِقْدَار مَا يَقُول: اللَّهُمَّ أَنْت السَّلَام فيتحمل وُجُوهًا، مِنْهَا أَنه كَانَ لَا يقْعد بهيئة الصَّلَاة إِلَّا هَذَا الْقدر، وَلكنه كَانَ يتيامن، أَو يتياسر، أَو يقبل على الْقَوْم بِوَجْهِهِ، فَيَأْتِي بالأذكار؛ لِئَلَّا يظنّ الظَّان أَن الْأَذْكَار من الصَّلَاة، وَمِنْهَا أَنه كَانَ حينا بعد حِين يتْرك الْأَذْكَار غير هَذِه الْكَلِمَات يعلمهُمْ أَنَّهَا لَيست فَرِيضَة، وَإِنَّمَا مُقْتَضى كَانَ وجود هَذَا الْفِعْل كثير لَا مرّة وَلَا مرَّتَيْنِ وَلَا الْمُوَاظبَة. وَالْأَصْل فِي الرَّوَاتِب أَن يَأْتِي بهَا فِي بَيته، والسر فِي ذَلِك كُله أَن يطع الْفَصْل بَين الْفَرْض والنوافل بِمَا لَيْسَ من جنسهما، وَأَن يكون فصلا معتدا بِهِ يدْرك ببادئ الرَّأْي، وَهُوَ قَول عمر ﵁ لمن أَرَادَ أَن يشفع بعد الْمَكْتُوبَة: " اجْلِسْ فَإِنَّهُ لم يهْلك أهل الْكتاب إِلَّا أَنه لم يكن بَين صلواتهم فصل، فَقَالَ النَّبِي ﷺ أصَاب الله بك يَا ابْن الْخطاب "، وَقَوله ﷺ : " اجْعَلُوهَا فِي بُيُوتكُمْ " وَالله أعلم.

стр. 307

(مَا لَا يجوز فِي الصَّلَاة وَسُجُود السَّهْو والتلاوة) (مَا لَا يجوز فِي الصَّلَاة) وَاعْلَم أَن مبْنى الصَّلَاة على خشوع الْأَطْرَاف، وَحُضُور الْقلب، وكف اللِّسَان إِلَّا عَن ذكر الله، وَقِرَاءَة الْقُرْآن ... ، فَكل هَيْئَة باينت الْخُشُوع، وكل كلمة لَيست بِذكر الله، فَإِن ذَلِك يُنَافِي الصَّلَاة، لَا تتمّ الصَّلَاة إِلَّا بِتَرْكِهِ والكف عَنهُ، لَكِن هَذِه الْأَشْيَاء مُتَفَاوِتَة، وَمَا كل نُقْصَان يبطل الصَّلَاة بِالْكُلِّيَّةِ، والتمييز بَين مَا يُبْطِلهَا بِالْكُلِّيَّةِ، وَبَين مَا ينقصها فِي الْجُمْلَة - تشريع موكول إِلَى نَص الشَّارِع، وللفقهاء فِي ذَلِك كَلَام كثير، وتطبيق الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة عَلَيْهِ عسير، وأوفق الْمذَاهب بِالْحَدِيثِ فِي هَذَا الْبَاب أوسعها. وَلَا شكّ أَن الْفِعْل الْكثير الَّذِي يتبدل بِهِ الْمجْلس، وَالْقَوْل الْكثير الَّذِي يستكثر جدا - نَاقص. فَمن الثَّانِي قَوْله ﷺ : " إِن هَذِه الصَّلَاة لَا يصلح فِيهَا شَيْء من كَلَام النَّاس إِنَّمَا هِيَ التَّسْبِيح وَالتَّكْبِير وَقِرَاءَة الْقُرْآن " وتعليله ﷺ التُّرَاب فِي الرجل يُسَوِّي الترتب حَيْثُ يسْجد،: " إِن كنت فَاعِلا فَوَاحِدَة "، وَنَهْيه ﷺ عَن الخصر وَهُوَ وضع الْيَد على الخاصرة " فَإِنَّهُ رَاحَة أهل النَّار " يَعْنِي هَيْئَة أهل الْبلَاء المتحيين المدهوشين، وَعَن الِالْتِفَات " فَإِنَّهُ اختلاس يختلسه الشَّيْطَان من صَلَاة العَبْد " يَعْنِي ينقص الصَّلَاة وينافي كَمَاله. وَقَوله ﷺ : " إِذا تثاءب أحدكُم فِي الصَّلَاة فليكظم مَا اسْتَطَاعَ فَإِن الشَّيْطَان يدْخل فِي فِيهِ " أَقُول: يُرِيد أَن التثاؤب مَظَنَّة لدُخُول ذُبَاب أَو نَحوه مِمَّا يشوش خاطره، ويصده عَمَّا

стр. 308

هُوَ بسبيله. وَقَوله ﷺ : " إِذا قَامَ أحدكُم إِلَى الصَّلَاة فَلَا يمسح الْحَصَى، فَإِن الرَّحْمَة تواجهه " وَقَوله ﷺ : " لَا يزَال الله تَعَالَى مُقبلا على العَبْد وَهُوَ فِي صلَاته مَا لم يلْتَفت، فَإِذا ألتفت أعرض عَنهُ " وَكَذَا مَا ورد من إِجَابَة الله للْعَبد فِي الصلاته، أَقُول: هَذَا إِشَارَة إِلَى أَن جود الْحق عَام فائض، وَأَنه إِنَّمَا تَتَفَاوَت النُّفُوس فِيمَا بَينهَا باستعدادها الْجبلي أوالكسبي، فَإِذا توجه إِلَى الله فتح لَهُ بَاب من جوده، وَإِذا أعرض حرمه، بل اسْتحق الْعقُوبَة بأعراضة. قَوْله ﷺ : " العطاس وَالنُّعَاس والتثاؤب فِي الصَّلَاة وَالْحيض والقيء والرعاف من الشَّيْطَان " أَقُول: يُرِيد أَنَّهَا مُنَافِيَة لِمَعْنى الصَّلَاة ومبناها وَأما الأول فَإِن النَّبِي ﷺ قد فعل أَشْيَاء فِي الصَّلَاة بَيَانا للشَّرْع، وَقرر على أَشْيَاء، فَذَلِك مَا دونه لَا يبطل الصَّلَاة. وَالْحَاصِل من الاستقراء أَن القَوْل الْيَسِير - مثل ألعنك بلعنة الله ثَلَاثًا، ويرحمك الله، وَيَا ثكل أُمَّاهُ، وَمَا شَأْنكُمْ تنْظرُون إِلَيّ، والبطش الْيَسِير مثل وضع صبيته من العاتق ورفعها، وغمز الرجل، وَمثل فتح الْبَاب، وَالْمَشْي الْيَسِير كالنزول من درج الْمِنْبَر إِلَى مَكَان، ليتأتى مِنْهُ السُّجُود فِي أصل الْمِنْبَر، والتأخر من مَوضِع الإِمَام إِلَى الصَّفّ، والتقدم إِلَى الْبَاب الْمُقَابل؛ ليفتح، والبكاء خوفًا من الله، وَالْإِشَارَة المفهمة، وَقتل الْحَيَّة وَالْعَقْرَب، واللحظ يَمِينا وَشمَالًا من غير لي الْعُنُق - لَا يفْسد، وَإِن تعلق القذر بجسده أَو ثَوْبه إِذا لم يكن بِفِعْلِهِ أَو كَانَ لَا يُعلمهُ، لَا يفْسد هَذَا وَالله أعلم بِحَقِيقَة الْحَال. (سُجُود السَّهْو) وَسن رَسُول الله ﷺ فِيمَا إِذا قصر الْإِنْسَان فِي صلَاته أَن يسْجد سَجْدَتَيْنِ تداركا لما فرط، فَفِيهِ شبه الْقَضَاء وَشبه الْكَفَّارَة. والمواضع الَّتِي ظهر فِيهَا النَّص أَرْبَعَة: الأول قَوْله ﷺ : " إِذا شكّ أحدكُم فِي صلَاته، وَلم يدر كم صلى ثَلَاثًا أَو أَرْبعا، فليطرح الشَّك، وليبن على مَا استيقن، ثمَّ يسْجد سَجْدَتَيْنِ قبل أَن يسلم، فَإِن كَانَ صلى خمْسا شفعها بِهَاتَيْنِ السَّجْدَتَيْنِ، وَإِن كَانَ صلى تَمامًا لأَرْبَع كَانَتَا ترغيما للشَّيْطَان " أَي زِيَادَة فِي الْخَيْر، وَفِي مَعْنَاهُ الشَّك فِي الرُّكُوع وَالسُّجُود.

стр. 309

الثَّانِي أَنه ﷺ صلى الظّهْر خمْسا فَسجدَ سَجْدَتَيْنِ بعد مَا سلم وَفِي معنى زِيَادَة الرَّكْعَة زِيَادَة الرُّكْن. الثَّالِث أَنه ﷺ سلم فِي رَكْعَتَيْنِ، فَقيل لَهُ فِي ذَلِك، فصلى مَا ترك ثمَّ سجد سَجْدَتَيْنِ، وَأَيْضًا روى أَنه سلم وَقد بَقِي عَلَيْهِ رَكْعَة بِمثلِهِ، وَفِي مَعْنَاهُ أَن يفعل سَهوا مَا يبطل عمده. الرَّابِع أَنه ﷺ قَامَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ لم يجلس حَتَّى إِذا قضى الصَّلَاة سجد سَجْدَتَيْنِ قبل أَن يسلم، وَفِي مَعْنَاهُ ترك التَّشَهُّد فِي الْقعُود. قَوْله ﷺ : " إِذا قَامَ الإِمَام فِي الرَّكْعَتَيْنِ فَإِن ذكر قبل أَن يَسْتَوِي قَائِما فليجلس، وَإِن اسْتَوَى قَائِما، فَلَا يجلس وَيسْجد سَجْدَتي السَّهْو، أَقُول: وَذَلِكَ أَنه إِذا قَامَ فَاتَ مَوْضِعه، فَإِن رَجَعَ لَا أحكم بِبُطْلَان صلَاته، وَفِي الحَدِيث دَلِيل على أَن من كَانَ قريب الاسْتوَاء وَلما يستو فَإِنَّهُ يجلس خلافًا لما عَلَيْهِ الْعَامَّة (سُجُود التِّلَاوَة) وَسن رَسُول الله ﷺ لمن قَرَأَ آيَة فِيهَا أَمر بِالسُّجُود، أَو بَيَان ثَوَاب من سجد، وعقاب من أَبى عَنهُ أَن يسْجد تَعْظِيمًا لكَلَام ربه ومسارعة إِلَى الْخَيْر، وَلَيْسَ مِنْهَا مَوَاضِع سُجُود الْمَلَائِكَة لآدَم ﵇ لِأَن الْكَلَام فِي السُّجُود لله تَعَالَى. والآيات الَّتِي ظهر فِيهَا النَّص أَربع عشرَة آيَة أَو خمس عشرَة، وَبَين عمر ﵁ أَنَّهَا مُسْتَحبَّة، وَلَيْسَت بواجبة على رَأس الْمِنْبَر، فَلم يُنكر السامعون، وسلموا لَهُ، وتاويل حَدِيث - سجد النَّبِي ﷺ بِالنَّجْمِ، وَسجد مَعَه الْمُسلمُونَ، وَالْمُشْرِكُونَ. وَالْجِنّ. والأنس - عِنْدِي أَن فِي ذَلِك الْوَقْت ظهر الْحق ظهورا بَينا، فَلم يكن لأحد إِلَّا الخضوع والاستسلام، فَلَمَّا رجعُوا إِلَى طبيعتهم كفر من كفر، وَأسلم من أسلم، وَلم يقبل شيخ من قُرَيْش تِلْكَ الغاشية الإلهية لقُوَّة الْخَتْم على قلبه إِلَّا بِأَن رفع التُّرَاب إِلَى الْجَبْهَة، فَعجل تعذيبه بِأَن قتل ببدر، وَمن أذكار سَجْدَة التِّلَاوَة: سجد وَجْهي للَّذي خلقه، وشق سَمعه وبصره بحوله وقوته، وَمِنْهَا اللَّهُمَّ اكْتُبْ لي بهَا عنْدك أجرا، وضع بهَا عني وزرا، وَاجْعَلْهَا لي عنْدك ذخْرا، وتقبلها مني كَمَا تقبلتها من عَبدك دَاوُد.

стр. 310

(النَّوَافِل) لما كَانَ من الرَّحْمَة المرعية فِي الشَّرَائِع - أَن يبين لَهُم مَا لَا بُد مِنْهُ، وَمَا يحصل بِهِ فَائِدَة الطَّاعَة كَامِلَة، ليَأْخُذ كل إِنْسَان حَظه، ويتمسك المشغول والمقبل على الارتفاقات بِمَا لَا بُد مِنْهُ، وَيُؤَدِّي الفارغ الْمقبل على تَهْذِيب نَفسه وَإِصْلَاح آخرته الْكَامِل - تَوَجَّهت الْعِنَايَة التشريعية إِلَى بَيَان صلوَات يتنفلون بهَا، وتوقيتها بِأَسْبَاب وأوقات تلِيق بهَا، وَأَن يحث عَلَيْهَا، ويرغب فِيهَا، ويفصح عَن فوائدها، وَإِلَى ترغيبهم فِي الصَّلَاة النَّافِلَة غير المؤقتة إِجْمَالا إِلَّا عِنْد مَانع كالأوقات المنهية. فَمِنْهَا رواتب الْفَرَائِض، وَالْأَصْل فِيهَا أَن الأشغال الدُّنْيَوِيَّة لما كَانَت منسية ذكر الله صادة عَن تدبر الْأَذْكَار وَتَحْصِيل ثَمَرَة الطَّاعَات فَإِنَّهَا تورث إخلادا إِلَى الْهَيْئَة البهيمية وقسوة ودهشا للملكية - وَجب أَن يشرع لَهُم مصقلة يستعملونها قبل الْفَرَائِض؛ ليَكُون الدُّخُول فِيهَا على حِين صفاء الْقلب وَجمع الهمة، وَكَثِيرًا مَا لَا يُصَلِّي الْإِنْسَان بِحَيْثُ يَسْتَوْفِي فَائِدَة الصَّلَاة، وَهُوَ الْمشَار إِلَيْهِ فِي قَوْله ﷺ " كم من مصل لَيْسَ لَهُ من صلَاته إِلَّا نصفهَا ثلثهَا ربعهَا " فَوَجَبَ أَن يسن بعْدهَا صَلَاة تَكْمِلَة للمقصود وآكدها عشر رَكْعَات، أَو اثْنَتَا عشرَة رَكْعَة متوزعة على الْأَوْقَات وَذَلِكَ أَنه أَرَادَ أَن يزِيد بِعَدَد الرَّكْعَات الْأَصْلِيَّة، وَهِي إِحْدَى عشرَة لَكِنَّهَا أشفاع، فَاخْتَارَ أحد العددين. قَوْله ﷺ : " بنى لَهُ بَيت فِي الْجنَّة " أَقُول هَذَا إِشَارَة إِلَى أَنه مكن من نَفسه لحظ عَظِيم من الرَّحْمَة قَوْله ﷺ : " رَكعَتَا الْفجْر خير من الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا " أَقُول: إِنَّمَا كَانَتَا خيرا مِنْهَا لِأَن الدُّنْيَا فانية، وَنَعِيمهَا لَا يَخْلُو عَن كدر النصب والتعب، وثوابها بَاقٍ غير كدر وَقَوله ﷺ : " من صلى الْفجْر فِي جمَاعَة، ثمَّ قعد يذكر الله حَتَّى تطلع الشَّمْس، ثمَّ صلى رَكْعَتَيْنِ كَانَت لَهُ كَأَجر حجَّة وَعمرَة " أَقُول: هَذَا هُوَ الِاعْتِكَاف الَّذِي سنه رَسُول الله ﷺ كل يَوْم، وَقد مر فَوَائِد الِاعْتِكَاف

стр. 311

وَقَوله ﷺ فِي أَربع قبل الظّهْر: " تفتح لَهُنَّ أَبْوَاب اسماء " وَقَوله ﷺ " إِنَّهَا سَاعَة تفتح فِيهَا أَبْوَاب السَّمَاء، فَأحب أَن يصعد لي فِيهَا عمل صَالح " وَقَوله ﷺ " مَا مشيء إِلَّا يسبح فِي تِلْكَ السَّاعَة " أَقُول: قد ذكرنَا من قبل أَن المتعالي عَن الْوَقْت لَهُ تجليات فِي الْأَوْقَات، وَأَن الروحانية تَنْتَشِر فِي بعض الْأَوْقَات، فراجع هَذَا الْفَصْل وَإِنَّمَا سنّ أَربع بعد الْجُمُعَة لمن صلاهَا فِي الْمَسْجِد، وركعتان بعْدهَا لمن صلاهَا فِي بَيته لِئَلَّا يحصل مثل الصَّلَاة فِي وَقتهَا ومكانها فِي اجْتِمَاع عَظِيم من النَّاس، فَإِن ذَلِك يفتح على الْعَوام ظن الْإِعْرَاض من الْجَمَاعَة وَنَحْو ذَلِك من الأوهام، وَهُوَ أمره ﷺ أَلا يُوصل صَلَاة بِصَلَاة حَتَّى يتَكَلَّم، أَو يخرج، وروى أَربع قبل الْعَصْر وست بعد الْمغرب وَلم يسن بعد الْفجْر لِأَن السّنة فِيهِ الْجُلُوس فِي مَوضِع الصَّلَاة إِلَى صَلَاة الْإِشْرَاق، فَحصل الْمَقْصُود، وَلِأَن الصَّلَاة بعده تفتح بَاب المشابهة بالمجوس، وَلَا بعد الْعَصْر للمشابهة الْمَذْكُورَة وَمِنْهَا صَلَاة اللَّيْل اعْلَم أَنه لما كَانَ آخر اللَّيْل - وَقت صفاء الخاطر عَن الاشغال المشوشة وَجمع الْقلب. وهدء الصَّوْت ونوم النَّاس. وابعد من الرِّيَاء والسمعة - وَأفضل أَوْقَات الطَّاعَة مَا كَانَ فِيهِ الْفَرَاغ وإقبال الخاطر، وَهُوَ قَوْله ﷺ " وصلوا بِاللَّيْلِ وَالنَّاس نياما " وَقَوله تَعَالَى: ﴿إِن ناشئة اللَّيْل هِيَ أَشد وطئا وأقوام قيلا إِن لَك فِي النَّهَار سحبا طَويلا﴾ وَأَيْضًا فَذَلِك الْوَقْت وَقت نزُول الرَّحْمَة الإلهية، وَأقرب مَا يكون الرب إِلَى العَبْد فِيهِ، وَقد ذَكرْنَاهُ من قبل، وَأَيْضًا فللسهر خاصية عَجِيبَة فِي إضعاف البهيمية، وَهُوَ بِمَنْزِلَة الترياق، وَلذَلِك جرت عَادَة طوائف النَّاس أَنهم إِذا أَرَادوا تسخير السبَاع وَتَعْلِيمهَا الصَّيْد لم يستطيعوه إِلَّا من قبل السهر والجوع، وَهُوَ قَوْله ﷺ : " إِن هَذَا السهر جهد وَثقل " الحَدِيث - كَانَت الْعِنَايَة بِصَلَاة التَّهَجُّد أَكثر فَبين النَّبِي ﷺ فضائلها، وَضبط آدابها وأذكارها

стр. 312

قَوْله ﷺ " يعْقد الشَّيْطَان على قافية رَأس أحدكُم إِذا هُوَ نَام ثَلَاث عقد " الحَدِيث أَقُول: الشَّيْطَان يلذذ إِلَيْهِ النّوم، ويوسوس إِلَيْهِ أَن اللَّيْل طَوِيل، ووسوسته تِلْكَ أكيدة شَدِيدَة لَا تنقشع إِلَّا بتدبير بَالغ ينْدَفع بِهِ النّوم، وينفتح بِهِ من التَّوَجُّه إِلَى الله، فَلذَلِك سنّ أَن يذكر الله إِذا هَب وَهُوَ يمسح النّوم عَن وَجهه، ثمَّ يتَوَضَّأ ويتسوك، ثمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ خفيفتين، ثمَّ يطول بالآداب والأذكار مَا شَاءَ، وَإِنِّي جربت تِلْكَ العقد الثَّلَاث، وشاهدت ضربهَا وتأثيرها مَعَ علمي حِينَئِذٍ بِأَنَّهُ من الشَّيْطَان، وذكري هَذَا الحَدِيث. قَوْله ﷺ " رب كاسية فِي الدُّنْيَا - أَي بأصناف اللبَاس - عَارِية فِي الْآخِرَة " أَي جَزَاء وفَاقا لخلو نَفسهَا عَن الْفَضَائِل النفسانية. قَوْله ﷺ " مَاذَا أنزل " الحَدِيث. أَقُول: هَذَا دَلِيل وَاضح على تمثل الْمعَانِي ونزولها إِلَى الأَرْض قبل وجودهَا المحسوس. قَوْله ﷺ " ينزل رَبنَا ﵎ إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا " الحَدِيث قَالُوا هَذِه كِنَايَة عَن تهيؤ النُّفُوس لاستنزال رَحْمَة الله من وَجهه هدء الْأَصْوَات الشاغلة عَن الْحُضُور، وصفاء الْقلب عَن الأشغال المشوشة، والبعد من الرِّيَاء، وَعِنْدِي أَنه مَعَ ذَلِك كِنَايَة عَن شَيْء متجدد يسْتَحق أَن يعبر عَنهُ بالنزول، وَقد أَشَرنَا إِلَى شَيْء من هَذَا، ولهذين السرين قَالَ النَّبِي ﷺ " أقرب مَا يكون الرب من العَبْد فِي جَوف اللَّيْل الآخر " وَقَالَ: " أَن فِي اللَّيْل لساعة لَا يُوَافِقهَا عبد مُسلم يسْأَل الله فِيهَا خيرا إِلَّا أعطَاهُ " وَقَالَ: عَلَيْكُم بِقِيَام اللَّيْل فَإِنَّهُ دأب الصَّالِحين قبلكُمْ وَهُوَ قربَة لكم إِلَى ربكُم، مكفرة للسيئات، منهاة عَن الْإِثْم، قد ذكرنَا أسرار التَّكْبِير وَالنَّهْي عَن الْإِثْم وَغَيرهمَا مراجع.

стр. 313

قَوْله ﷺ : " من أَوَى إِلَى فرَاشه طَاهِرا يذكر الله حَتَّى يُدْرِكهُ النعاس لم يَنْقَلِب سَاعَة من اللَّيْل يسْأَل الله شَيْئا من خير الدُّنْيَا وَالْآخِرَة إِلَّا أعطَاهُ ". أَقُول مَعْنَاهُ من نَام على حَالَة الْإِحْسَان الْجَامِع بَين التَّشَبُّه بالملكوت. والتطلع إِلَى الجبروت لم يزل طول ليلته على تِلْكَ الْحَالة، وَكَانَت نَفسه رَاجِعَة إِلَى الله فِي عبَادَة المقربين. وَمن سنَن التَّهَجُّد أَن يذكر الله إِذا قَامَ من النّوم قبل أَن يتَوَضَّأ، وَقد ذكر فِيهِ صِيغ مِنْهَا " اللَّهُمَّ لَك الْحَمد أَنْت قيم السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَمن فِيهِنَّ، وَلَك الْحَمد أَنْت نور السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَمن فِيهِنَّ، وَلَك الْحَمد أَنْت ملك السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَمن فِيهِنَّ، وَلَك الْحَمد أَنْت الْحق وَعدك الْحق، ولقاؤك حق، وقولك حق، وَالْجنَّة حق، وَالنَّار حق والنبيون حق، وَمُحَمّد حق، والساعة حق، اللَّهُمَّ لَك أسلمت، وَبِك آمَنت، وَعَلَيْك توكلت، وَإِلَيْك أنبت، وَبِك خَاصَمت، وَإِلَيْك حاكمت فَاغْفِر لي مَا قدمت، وَمَا أخرت، وَمَا أسررت، وَمَا أعلنت، وَمَا أَنْت أعلم بِهِ مني، أَنْت الْمُقدم، وَأَنت الْمُؤخر، لَا إِلَه إِلَّا أَنْت، وَلَا إِلَه غَيْرك ". وَمِنْهَا: أَن كبر الله عشرا، وَحمد الله عشرا، وَقَالَ: سُبْحَانَ الله وَبِحَمْدِهِ عشرا، وَقَالَ: سُبْحَانَ الْملك القدوس عشرا، واستغفر الله عشرا وَهَلل عشرا، ثمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك من ضيق الدُّنْيَا، وضيق يَوْم الْقِيَامَة عشرا. ومنعها: " لَا إِلَه إِلَّا أَنْت سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك، أستغفرك لذنبي، وَأَسْأَلك رحمتك، اللَّهُمَّ زِدْنِي علما، وَلَا تزغ قلبِي بعد إِذْ هديتني، وهب لي من لَدُنْك رَحْمَة إِنَّك أَنْت الْوَهَّاب. وَمِنْهَا تِلَاوَة: ﴿إِن فِي خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَاخْتِلَاف اللَّيْل وَالنَّهَار لآيَات لأولي الْأَلْبَاب﴾ إِلَى آخر السُّورَة، ثمَّ يستوك، وَيتَوَضَّأ، وَيُصلي إِحْدَى عشرَة رَكْعَة أَو ثَلَاث عشر رَكْعَة مِنْهَا الْوتر. وَمن آدَاب صَلَاة اللَّيْل أَن يواظب على الْأَذْكَار الَّتِي سنّهَا رَسُول الله ﷺ فِي أَرْكَان الصَّلَاة، وَأَن يسلم على كل رَكْعَتَيْنِ، ثمَّ يرفع يَدَيْهِ يَقُول: يَا رب يَا رب يبتهل فِي الدُّعَاء، وَكَانَ فِي دُعَائِهِ ﷺ اللَّهُمَّ اجْعَل فِي قلبِي نورا، وَفِي بَصرِي نورا، وَفِي سَمْعِي نورا، وَعَن يَمِيني نورا، وَعَن يساري نورا، وفوقي نورا، وتحتي نورا، وأمامي نورا، وَخَلْفِي نورا، وَاجعَل لي نورا ".

стр. 314

وَقد صلاهَا النَّبِي ﷺ على وُجُوه، وَالْكل سنة، وَالْأَصْل أَن صَلَاة اللَّيْل هُوَ الْوتر، وَهُوَ معنى قَوْله ﷺ " إِن الله أمدكم بِصَلَاة هِيَ الْوتر، فصلوها مَا بَين الْعشَاء وَالْفَجْر " وَإِنَّمَا شرعها النَّبِي ﷺ وترا لِأَن الْوتر عدد مبارك، وَهُوَ قَوْله ﷺ " إِن الله وتر يحب الْوتر فأوتروا يَا أهل الْقُرْآن " لَكِن لما رأى النَّبِي ﷺ أَن الْقيام لصَلَاة اللَّيْل جهد لَا يطيقه إِلَّا من وفْق لَهُ لم يشرعه تشريعا عَاما، وَرخّص فِي تَقْدِيم الْوتر أول اللَّيْل، وَرغب فِي تَأْخِيره، وَهُوَ قَوْله ﷺ " من خَافَ أَلا يقوم من آخر اللَّيْل فليوتر أَوله، وَمن طمع أَن يُوتر آخِره فليوتر آخِره، فَإِن صَلَاة اللَّيْل مَشْهُودَة، وَذَلِكَ أفضل "، وَالْحق أَن الْوتر سنة هُوَ أوكد السّنَن بَينه عَليّ وَابْن عمر. وَعبادَة بن الصَّامِت ﵃. قَوْله ﷺ " أَن الله أمدكم بِصَلَاة هِيَ خيرا لكم من حمر النعم ". أَقُول: هَذَا إِشَارَة إِلَى أَن الله تَعَالَى لم يفْرض عَلَيْهِم إِلَّا مِقْدَارًا يَتَأَتَّى مِنْهُم، فَفرض عَلَيْهِم أَولا إِحْدَى عشرَة رَكْعَة، ثمَّ أكملها بباقي الرَّكْعَات فِي الْحَضَر، ثمَّ أمدها بالوتر للمحسنين لعلمه ﷺ أَن المستعدين للإحسان يَحْتَاجُونَ إِلَى مِقْدَار زَائِد، فَجعل الزِّيَادَة بِقدر الأَصْل إِحْدَى عشرَة رَكْعَة، وَهُوَ قَول ابْن مَسْعُود ﵁ للأعرابي: لَيْسَ لَك ولأصحابك. وَمن أذكار الْوتر كَلِمَات علمهَا النَّبِي ﷺ الْحسن بن عَليّ ﵄، فَكَانَ يَقُولهَا فِي قنوت الْوتر: اللَّهُمَّ اهدني فِيمَن هديت، وَعَافنِي فِيمَن عافيت، وتولني فِيمَن توليت، وَبَارك لي فِيمَا أَعْطَيْت، وقني شَرّ مَا قضيت، فَإنَّك تقضي، وَلَا يقْضى عَلَيْك، إِنَّه لَا يذل من واليت، وَلَا يعز من عاديت، تَبَارَكت رَبنَا وَتَعَالَيْت. وَمِنْهَا أَن يَقُول فِي آخِره: اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ برضاك من سخطك، وَأَعُوذ بمعافاتك من عُقُوبَتك، وَأَعُوذ بك مِنْك لَا أحصي ثَنَاء عَلَيْك، أَنْت كَمَا أثنيت على نَفسك. وَمِنْهَا أَن يَقُول إِذا سلم: سُبْحَانَ الْملك القدوس ثَلَاث مَرَّات يرفع صَوته فِي الثَّالِثَة، وَكَانَ النَّبِي ﷺ إِذا صلاهَا ثَلَاثًا يقْرَأ فِي الأولى: ﴿سبح اسْم رَبك الْأَعْلَى﴾ وَفِي الثَّانِيَة: ﴿قل يَا أَيهَا الْكَافِرُونَ﴾ وَفِي الثَّالِثَة: ﴿قل هُوَ الله أحد﴾ والمعوذتين.

стр. 315

وَمِنْهَا قيام شهر رَمَضَان، والسر فِي مشروعيته أَن الْمَقْصُود من رَمَضَان أَن يلْحق الْمُسلمُونَ بِالْمَلَائِكَةِ، ويتشبهون بهم، فَجعل النَّبِي ﷺ ذَلِك على دَرَجَتَيْنِ: دَرَجَة الْعَوام - وَهِي صَوْم رَمَضَان والاكتفاء على الْفَرَائِض - ودرجة الْمُحْسِنِينَ - وَهِي صَوْم رَمَضَان وَقيام لياليه. وتنزيه اللِّسَان مَعَ الِاعْتِكَاف وَشد المئزر فِي الْعشْر الْأَوَاخِر - وَقد علم النَّبِي ﷺ أَن جَمِيع الْأمة لَا يَسْتَطِيعُونَ الْأَخْذ بالدرجة الْعليا، وَلَا بُد من أَن يفعل كل وَاحِد مجهوده. قَوْله ﷺ " مَا زَالَ بكم الَّذِي رَأَيْت من ضيعكم حَتَّى خشيت أَن يكْتب عَلَيْكُم وَلَو كتب عَلَيْكُم مَا قُمْتُم بِهِ ". اعْلَم أَن الْعِبَادَات لَا تؤقت عَلَيْهِم إِلَّا بِمَا إطمأنت بِهِ نُفُوسهم، فخشي النَّبِي ﷺ أَن يعْتَاد ذَلِك أَوَائِل الْأمة، فتطمئن بِهِ نُفُوسهم، وسجدوا فِي نُفُوسهم عِنْد التَّقْصِير فِيهَا التَّفْرِيط فِي جنب الله، أَو يصير من شَعَائِر الدّين، فيفرض عَلَيْهِم، وَينزل الْقُرْآن، فيثقل على أواخرهم، وَمَا خشِي ذَلِك حَتَّى تفرس أَن الرَّحْمَة التشريعية تُرِيدُ أَن تكلفهم بالتشبه بالملكوت، وَأَن لَيْسَ بِبَعِيد أَن ينزل الْقُرْآن لأدنى تشهير فيهم واطمئنانهم بِهِ وعضهم عَلَيْهِ بالنواجذ وَلَقَد صدق الله فراسته، فنفث فِي قُلُوب الْمُؤمنِينَ من بعده أَن يعضوا عَلَيْهَا بنواجذهم. قَوْله ﷺ " من قَامَ رَمَضَان إِيمَانًا واحتسابا غفر لَهُ مَا تقدم من ذَنبه " وَذَلِكَ لِأَنَّهُ بِالْأَخْذِ بِهَذِهِ الدرجَة أمكن من نَفسه لنفحات ربه الْمُقْتَضِيَة لظُهُور الملكية وتكفير السَّيِّئَات. وزادت الصَّحَابَة وَمن بعدهمْ فِي قيام رَمَضَان ثَلَاثَة أَشْيَاء: الِاجْتِمَاع لَهُ فِي مَسَاجِدهمْ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يُفِيد التَّيْسِير على خاصتهم وعامتهم، وأداؤه فِي أول اللَّيْل مَعَ القَوْل بِأَن صَلَاة أخر اللَّيْل مَشْهُودَة، وَهِي أفضل كَمَا نبه عمر رَضِي عَنهُ لهَذَا التَّيْسِير الَّذِي أَشَرنَا إِلَيْهِ، وعدده عشرُون رَكْعَة، وَذَلِكَ لأَنهم رَأَوْا النَّبِي ﷺ شرع للمحسنين إِحْدَى عشرَة رَكْعَة فِي جَمِيع السّنة، فحكموا أَنه لَا يَنْبَغِي أَن يكون حَظّ الْمُسلم فِي رَمَضَان عِنْد قَصده الاقتحام فِي لجة التَّشَبُّه بالملكوت أقل من ضعفها. وَمِنْهَا الضُّحَى وسرها أَن الْحِكْمَة الإلهية اقْتَضَت أَلا يَخْلُو كل ربع من أَربَاع النَّهَار من صَلَاة تذكر لَهُ مَا ذهل عَنهُ من ذكر الله لِأَن الرّبع ثَلَاث سَاعَات، وَهِي أول كَثْرَة للمقدار الْمُسْتَعْمل عِنْدهم فِي أَجزَاء النَّهَار عربهم وعجمهم، وَلذَلِك كَانَ الضُّحَى سنة الصَّالِحين قبل النَّبِي ﷺ . وَأَيْضًا فَأول النَّهَار وَقت ابْتِغَاء الرزق وَالسَّعْي فِي الْمَعيشَة، فسن فِي ذَلِك الْوَقْت صَلَاة ليَكُون ترياقا لسم الْغَفْلَة الطارئة فِيهِ بِمَنْزِلَة مَا سنّ النَّبِي ﷺ لداخل فِي السُّوق من ذكر لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ

стр. 316

الخ ... وللضحى ثَلَاث دَرَجَات أقلهَا رَكْعَتَانِ، وفيهَا أَنَّهَا تُجزئ عَن الصَّدقَات الْوَاجِبَة " على كل سلامى ابْن آدم " وَذَلِكَ أَن إبْقَاء كل مفصل على صِحَّته الْمُنَاسبَة لَهُ نعْمَة عَظِيمَة تستوجب الْحَد بأَدَاء الْحَسَنَات لله وَالصَّلَاة أعظم الْحَسَنَات تتأتي بِجَمِيعِ الْأَعْضَاء الظَّاهِرَة والقوى الْبَاطِنَة. وَثَانِيها أَربع رَكْعَات، وفيهَا عَن الله تَعَالَى " يَا ابْن آدم اركع لي أَربع رَكْعَات من أول النَّهَار أكفك أَخّرهُ " أَقُول: مَعْنَاهُ أَنه نِصَاب صَالح من تَهْذِيب النَّفس وَإِن لم يعْمل عملا مثله إِلَى آخر النَّهَار. وَثَالِثهَا مَا زَاد عَلَيْهَا كثماني رَكْعَات وثنتي عشرَة. وأكمل أوقاته حِين يترحل النَّهَار وترمض الفصال. وَمِنْهَا صَلَاة الاستخارة، وَكَانَ أهل الْجَاهِلِيَّة إِذا عنت لَهُم حَاجَة من سفر أَو نِكَاح أَو بيع استقسموا بالأزلام، فَنهى عَنهُ النَّبِي ﷺ لِأَنَّهُ غير مُعْتَمد على أصل، وَإِنَّمَا هُوَ مَحْض اتِّفَاق، وَلِأَنَّهُ افتراء على الله بقَوْلهمْ: أَمرنِي رَبِّي، ونهاني رَبِّي، فوضهم من ذَلِك الاستخارة؛ فَإِن الْإِنْسَان إِذا استمطر الْعلم من ربه، وَطلب مِنْهُ كشف مرضاة الله فِي ذَلِك الْأَمر، ولج فِي قلبه بِالْوُقُوفِ على بَابه - لم يتراخ من ذَلِك فيضان سر إلهي، وَأَيْضًا فَمن أعظم فوائدها أَن يغنى الْإِنْسَان عَن مُرَاد نَفسه، ونتقاد بهيميته لملكيته، وَيسلم وَجهه لله، فَإِذا فعل ذَلِك صَار بِمَنْزِلَة الْمَلَائِكَة فِي انتظارهم لإلهام الله، فَإِذا ألهموا سعوا فِي الْأَمر بداعية إلهية لَا دَاعِيَة نفسانية. وَعِنْدِي أَن إكثار الاستخارة فِي الْأُمُور ترياق مجرب لتَحْصِيل شبه الْمَلَائِكَة. وَضبط النَّبِي ﷺ آدابها ودعاءها، فشرع رَكْعَتَيْنِ، وَعلم " اللَّهُمَّ إِنِّي استخيرك بعلمك، واستقدرك بقدرتك، وَأَسْأَلك من فضلك الْعَظِيم، فَإنَّك تقدر، وَلَا أقدر، وَتعلم وَلَا أعلم، وَأَنت علام الغيوب، اللَّهُمَّ إِن كنت تعلم أَن هَذَا الْأَمر خير لي فِي ديني ومعاشي وعاقبة أَمْرِي - أَو قَالَ: فِي عَاجل أَمْرِي وآجله - فاقدره لي، ويسره لي، ثمَّ بَارك لي فِيهِ، وَإِن كنت تعلم أَن هَذَا الْأَمر شَرّ لي فِي ديني ومعاشي وعاقبة أَمْرِي - أَو قَالَ: فِي عَاجل أَمْرِي وآجله - فاصرفه عني، واصرفني عَنهُ، واقدر لي الْخَيْر حَيْثُ كَانَ، ثمَّ أرضني بِهِ، قَالَ. ويسمي حَاجته.

стр. 317

وَمِنْهَا صَلَاة الحاحة، وَالْأَصْل فِيهَا أَن الابتغاء من النَّاس وَطلب الْحَاجة مِنْهُم مَظَنَّة أَن يرى إِعَانَة مَا من غير الله تَعَالَى، فيخل بتوحيد الِاسْتِعَانَة، فشرع لَهُم صَلَاة وَدُعَاء ليدفع عَنْهُم هَذَا الشَّرّ، وَيصير وُقُوع الْحَاجة مؤيدا لَهُ فِيمَا هُوَ بسبيله من الْإِحْسَان، فسن لَهُم أَن يركعوا رَكْعَتَيْنِ، ثمَّ يثنوا على الله، ويصلوا على النَّبِي ﷺ ، ثمَّ يَقُولُوا " لَا إِلَه إِلَّا الله الْحَلِيم الْكَرِيم سُبْحَانَ الله رب الْعَرْش الْعَظِيم، وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين، أَسأَلك مُوجبَات رحمتك، وعزائم مغفرتك، وَالْغنيمَة من كل بر، والسلامة من كل أَثم، لَا تدع لي ذَنبا إِلَّا غفرته، وَلَا هما إِلَّا فرجته، وَلَا حَاجَة هِيَ لَك رضَا إِلَّا قضيتها يَا أرْحم الرَّاحِمِينَ ". وَمِنْهَا صَلَاة التَّوْبَة، وَالْأَصْل فِيهَا أَنا الرُّجُوع إِلَى الله لَا سِيمَا عقيب الذَّنب قبل أَن يرتسخ فِي قلبه رين الذَّنب - مكفر مزيل عَنهُ السوء. وَمِنْهَا صَلَاة الْوضُوء، وفيهَا قَوْله ﷺ لِبلَال ﵁: " إِنِّي سَمِعت دف نعليك بَين يَدي فِي الْجنَّة " أَقُول وسرها أَن الْمُوَاظبَة على الطَّهَارَة وَالصَّلَاة عقبيها نِصَاب صَالح من الْإِحْسَان لَا يَتَأَتَّى إِلَّا من ذِي حَظّ عَظِيم. وَقَوله ﷺ : " بِمَ سبقتني إِلَى الْجنَّة " (أَقُول) مَعْنَاهُ أَن السَّبق فِي هَذِه الْوَاقِعَة شبح التَّقَدُّم فِي الْإِحْسَان، والسر فِي تقدم بِلَال على إِمَام الْمُحْسِنِينَ أَن للكمل بِإِزَاءِ كل كَمَال من شعب الْإِحْسَان تدليا هُوَ مكشاف حَاله، وَمِنْه يفِيض على قلبه معرفَة ذَلِك الْكَمَال ذوقا ووجدانا نَظِير ذَلِك من المألوف أَن زيدا الشَّاعِر المحاسب رُبمَا يحضر فِي ذهنه كَونه شَاعِرًا، وَأَنه من أَي منزلَة من الشّعْر، فيذهل عَن الْحساب، وَرُبمَا يحضر فِي ذهنه كَونه محاسبا، فيستغرق فِي بهجتها، وَيذْهل عَن الشّعْر، والأنبياء ﵈ أعرف النَّاس بتدلي الْإِيمَان العامى لِأَن الله تَعَالَى أَرَادَ أَن يتبينوا حَقِيقَته بالذوق، فيسنوا للنَّاس سنتهمْ فِيمَا ينوبهم فِي تِلْكَ الْمرتبَة، وَهَذَا سر ظُهُور الْأَنْبِيَاء ﵈ من اسْتِيفَاء اللَّذَّات الحسية وَغَيرهَا فِي صُورَة عَامَّة الْمُؤمنِينَ، فَرَأى رَسُول ﷺ تدليه الإيماني بتقدمة بِلَال، فَعرف رسوخ قدمه فِي الْإِحْسَان. وَمِنْهَا صَلَاة التَّسْبِيح سرها أَنَّهَا صَلَاة ذَات حَظّ جسيم من الذّكر بِمَنْزِلَة الصَّلَاة

стр. 318

التَّامَّة الْكَامِلَة الَّتِي سنّهَا رَسُول ﷺ بأذكارها للمحسنين فَتلك تَكْفِي عَنْهَا لمن لم يحط بهَا، وَلذَلِك بَين النَّبِي ﷺ عشر خِصَال فِي فَضلهَا. وَمِنْهَا صَلَاة الْآيَات - كالكسوف. والخسوف والظلمة - وَالْأَصْل فِيهَا أَن الْآيَات إِذا ظَهرت انقادت لَهَا النُّفُوس والتجأت إِلَى الله، وانفكت عَن الدُّنْيَا نوع انفكاك، فَتلك الْحَالة غنيمَة الْمُؤمن يَنْبَغِي أَن يبتهل فِي الدُّعَاء وَالصَّلَاة وَسَائِر أَعمال الْبر، وَأَيْضًا فَإِنَّهَا وَقت قَضَاء الله الْحَوَادِث فِي عَالم الْمِثَال، وَلذَلِك يستشعر فِيهَا العارفون الْفَزع، وفزع الرَّسُول الله ﷺ عِنْدهَا لأجل ذَلِك، وَهِي أَوْقَات سريان الروحانية فِي الأَرْض، فَالْمُنَاسِب إِلَى للمحسن أَن يتَقرَّب إِلَى الله فِي تِلْكَ الْأَوْقَات، وَهُوَ قَوْله ﷺ فِي الْكُسُوف فِي حَدِيث نعْمَان بن بشير: " فَإِذا تجلى الله لشَيْء من خلقه خشع لَهُ "، وَأَيْضًا فالكفار يَسْجُدُونَ للشمس وَالْقَمَر، فَكَانَ من حق الْمُؤمن إِذا رأى آيَة عدم اسْتِحْقَاقهَا الْعِبَادَة أَن يتَضَرَّع إِلَى الله، وَيسْجد لَهُ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا تسجدوا للشمس وَلَا للقمر واسجدوا لله الَّذِي خَلقهنَّ﴾ ليَكُون شعاراً للدّين وجواباً مسكتا لمنكر بِهِ وَقد صَحَّ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَامَ قيامين، وَركع ركوعين حملا لَهُم على السَّجْدَة فِي مَوضِع الابتهال، فَإِنَّهُ خضوع مثلهَا، فَيَنْبَغِي تكرارها، وَأَنه صلاهَا جمَاعَة، وَأمر إِن يُنَادى بهَا أَن الصَّلَاة جَامِعَة، وجهر بِالْقِرَاءَةِ، فَمن اتبع فقد أحسن، وَمن صلى صَلَاة معتدا بهَا فِي الشَّرْع فقد عمل بقوله ﵇: فَإِذا رَأَيْتُمْ ذَلِك فَادعوا الله وَكَبرُوا، وصلوا، وتصدقوا ". وَمِنْهَا صَلَاة الاسْتِسْقَاء، وَقد استسقى النَّبِي ﷺ لأمته مَرَّات على أنحاء كَثِيرَة، لَكِن الْوَجْه الَّذِي سنه لأمته أَن خرج بِالنَّاسِ إِلَى الْمصلى مبتذلا متواضعا متضرعا، فصلى بهم رَكْعَتَيْنِ جهر فيهمَا بِالْقِرَاءَةِ، ثمَّ خطب، واستقبل فِيهَا الْقبْلَة يَدْعُو، وَيرْفَع يَدَيْهِ، وحول رِدَاءَهُ، وَذَلِكَ لِأَن لِاجْتِمَاع الْمُسلمين فِي مَكَان وَاحِد راغبين فِي شَيْء وَاحِد بأقصى هَمهمْ واستغفارهم وفعلهم الْخيرَات أثرا عَظِيما فِي استجابة الدُّعَاء، وَالصَّلَاة أقرب أَحْوَال العَبْد من الله، وَرفع الْيَدَيْنِ حِكَايَة عَن التضرع التَّام والابتهال الْعَظِيم، تنبه النَّفس على التخشع، وتحويل رِدَائه حِكَايَة عَن تقلب أَحْوَالهم كَمَا يفعل المستغيث بِحَضْرَة الْمُلُوك. وَكَانَ من دُعَائِهِ ﵇ إِذا استسقى " اللَّهُمَّ اسْقِ عِبَادك وبهيمتك، وانشر

стр. 319

رحمتك، وأحي بلدك الْمَيِّت " وَمِنْه أَيْضا " اللَّهُمَّ اسقنا غيثا مغيثا مريئا مريعا نَافِعًا غير ضار عَاجلا غير آجل ". وَمِنْهَا صَلَاة الْعِيدَيْنِ، وسيأتيك بيانهما. وَمِمَّا يُنَاسِبهَا سُجُود الشُّكْر عِنْد مَجِيء أَمر يسره أَو اندفاع نقمة، أَو عِنْد علمه بِأحد الْأَمريْنِ، لِأَن الشُّكْر فعل الْقلب، وَلَا بُد لَهُ من شبح فِي الظَّاهِر، ليعتضد بِهِ، وَلِأَن للنعم بطرا، فيعالج بالتذلل للمنعم. فَهَذِهِ هِيَ الصَّلَوَات الَّتِي سنّهَا رَسُول الله ﷺ لستمدي الْإِحْسَان والسبق من أمته زِيَادَة على الْوَاجِب المحتوم على خاصتهم وعامتهم. ثمَّ الصَّلَاة خير مَوْضُوع فَمن اسْتَطَاعَ أَن يستكثر مِنْهَا فَلْيفْعَل غير أَنه نهى عَن خَمْسَة أَوْقَات: ثَلَاثَة مِنْهَا أوكد نهيا عَن الباقيين، وَحَتَّى السَّاعَات الثَّلَاث إِذا طلعت الشَّمْس بازغة حَتَّى ترْتَفع، وَحين يقوم قَائِم الظهيرة حَتَّى تميل، وَحين تتضيف للغروب حَتَّى تغرب، لِأَنَّهَا أَوْقَات صَلَاة الْمَجُوس، وهم قوم حرفوا الدّين جعلُوا يعْبدُونَ الشَّمْس من دون الله، واستحوذ عَلَيْهِم الشَّيْطَان، وَهَذَا معنى قَوْله ﷺ : " فَإِنَّهَا تطلع حِين تطلع بَين قَرْني الشَّيْطَان " وَحِينَئِذٍ يسْجد لَهَا الْكفَّار، فَوَجَبَ أَن يُمَيّز مِلَّة الْإِسْلَام وملة الْكفْر فِي أعظم الطَّاعَات من جِهَة الْوَقْت أَيْضا. وَأما الْآخرَانِ فَقَوله ﷺ : " لَا صَلَاة بعد الصُّبْح حَتَّى تبزغ الشَّمْس وَلَا بعد الْعَصْر حَتَّى تغرب ". أَقُول: إِنَّمَا نهى عَنْهُمَا لِأَن الصَّلَاة فيهمَا تفتح بَاب الصَّلَاة فِي السَّاعَات الثَّلَاث، وَلذَلِك صلى فيهمَا النَّبِي ﷺ تَارَة أَنه مَأْمُون أَن يهجم عَلَيْهِ الْمَكْرُوه، وروى اسْتثِْنَاء نصف النَّهَار يَوْم الْجُمُعَة، واستنبط جَوَازهَا فِي الْأَوْقَات الثَّلَاث فِي الْمَسْجِد الْحَرَام من حَدِيث " يَا بني عبد منَاف من ولي مِنْكُم من أَمر النَّاس شَيْئا فَلَا يمنعن أحدا طَاف بِهَذَا الْبَيْت، وَصلى أَي سَاعَة شَاءَ من ليل أَو نَهَار " وعَلى هَذَا فالسر فِي ذَلِك أَنَّهُمَا وَقت ظُهُور شَعَائِر الدّين ومكانه فعارضا الْمَانِع فِي الصَّلَاة.

стр. 320

(الاقتصاد فِي الْعَمَل) اعْلَم أَن أدوأ الدَّاء فِي الطَّاعَات ملال النَّفس، فَإِنَّهَا إِذا ملت لم تنتبه لصفة الْخُشُوع، وَكَانَت تِلْكَ المشاق خَالِيَة عَن معنى الْعِبَادَة، وَهُوَ قَوْله ﷺ : " إِن لكل شَيْء شرة وَإِن لكل شرة فَتْرَة " وَلِهَذَا السِّرّ كَانَ أجر الْحَسَنَة عِنْد اندراس الرَّسْم بعملها وَظُهُور التهاون فِيهَا مضاعفا أضعافا كَثِيرَة، لِأَنَّهَا وَالْحَالة هَذِه لَا تنبجس إِلَّا من تنبه شَدِيد وعزم مُؤَكد، وَلِهَذَا جعل الشَّارِع للطاعات قدرا كمقدار الدَّوَاء فِي حق الْمَرِيض لَا يُزَاد، وَلَا ينقص. وَأَيْضًا فالمقصود هُوَ تَحْصِيل صفة الْإِحْسَان على وَجه لَا يُفْضِي إِلَى إهمال الارتفاقات اللَّازِمَة، وَلَا إِلَى غمط حق من الْحُقُوق، وَهُوَ قَول سلمَان ﵁: إِن لعينيك عَلَيْك حَقًا وَإِن لزوجك عَلَيْك حَقًا، فَصدقهُ النَّبِي ﷺ : " أَنا أَصوم وَأفْطر، وأقوم وأرقد، وأتزوج النِّسَاء، فَمن رغب عَن سنتي فَلَيْسَ مني ". وَأَيْضًا فالمقصود من الطَّاعَات هُوَ استقامة النَّفس وَدفع اعوجاجها، لَا الإحصاء، فَإِنَّهُ كالمتعذر فِي حق الْجُمْهُور، وَهُوَ قَوْله ﷺ : " اسْتَقِيمُوا، وَلنْ تُحْصُوا، وَأتوا من الْأَعْمَال مَا تطيقون " والاستقامة تحصل بِمِقْدَار معِين يُنَبه النَّفس لالتذاذها بلذات الملكية وتألمها من خسائس البهيمية، ويفطنها بكيفية انقياد البهيمية للملكية، فَلَو أَنه أَكثر مِنْهَا اعتادتها النَّفس، واستحلتها فَلم تتنبه لثمرتها وَأَيْضًا فَمن الْمَقَاصِد الجليلة فِي التشريع أَن يسد بَاب التعمق فِي الدّين لِئَلَّا يعضوا عَلَيْهَا بنواجذهم، فَيَأْتِي من بعدهمْ قوم، فيظنوا أَنَّهَا من الطَّاعَات السماوية الْمَفْرُوضَة عَلَيْهِم، ثمَّ تَأتي طبقَة أُخْرَى، فَيصير الظَّن عِنْدهم يَقِينا، والمحتمل مطمأنا بِهِ، فيظل الدّين محرفا، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿رَهْبَانِيَّة ابتدعوها مَا كتبناها عَلَيْهِم﴾ وَأَيْضًا فَمن ظن من نَفسه - وَإِن أقرّ بِخِلَاف ذَلِك من لِسَانه - أَن الله لَا يرضى إِلَّا بِتِلْكَ الطَّاعَات الشاقة، وَأَنه لَو قصر فِي حَقّهَا فقد وَقع بَينه وَبَين تَهْذِيب نَفسه حجاب عَظِيم، وَأَنه فرط فِي جنب الله، فَإِنَّهُ يُؤَاخذ بِمَا ظن، وَيُطَالب فِي بِالْخرُوجِ عَن التَّفْرِيط فِي جنب الله
следующие страницы →