← Фикх общий

Фикх общий · id 773

حجة الله البالغة

ولي الله الدهلوي

Полный текст (619 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

الخ ... وللضحى ثَلَاث دَرَجَات أقلهَا رَكْعَتَانِ، وفيهَا أَنَّهَا تُجزئ عَن الصَّدقَات الْوَاجِبَة " على كل سلامى ابْن آدم " وَذَلِكَ أَن إبْقَاء كل مفصل على صِحَّته الْمُنَاسبَة لَهُ نعْمَة عَظِيمَة تستوجب الْحَد بأَدَاء الْحَسَنَات لله وَالصَّلَاة أعظم الْحَسَنَات تتأتي بِجَمِيعِ الْأَعْضَاء الظَّاهِرَة والقوى الْبَاطِنَة. وَثَانِيها أَربع رَكْعَات، وفيهَا عَن الله تَعَالَى " يَا ابْن آدم اركع لي أَربع رَكْعَات من أول النَّهَار أكفك أَخّرهُ " أَقُول: مَعْنَاهُ أَنه نِصَاب صَالح من تَهْذِيب النَّفس وَإِن لم يعْمل عملا مثله إِلَى آخر النَّهَار. وَثَالِثهَا مَا زَاد عَلَيْهَا كثماني رَكْعَات وثنتي عشرَة. وأكمل أوقاته حِين يترحل النَّهَار وترمض الفصال. وَمِنْهَا صَلَاة الاستخارة، وَكَانَ أهل الْجَاهِلِيَّة إِذا عنت لَهُم حَاجَة من سفر أَو نِكَاح أَو بيع استقسموا بالأزلام، فَنهى عَنهُ النَّبِي ﷺ لِأَنَّهُ غير مُعْتَمد على أصل، وَإِنَّمَا هُوَ مَحْض اتِّفَاق، وَلِأَنَّهُ افتراء على الله بقَوْلهمْ: أَمرنِي رَبِّي، ونهاني رَبِّي، فوضهم من ذَلِك الاستخارة؛ فَإِن الْإِنْسَان إِذا استمطر الْعلم من ربه، وَطلب مِنْهُ كشف مرضاة الله فِي ذَلِك الْأَمر، ولج فِي قلبه بِالْوُقُوفِ على بَابه - لم يتراخ من ذَلِك فيضان سر إلهي، وَأَيْضًا فَمن أعظم فوائدها أَن يغنى الْإِنْسَان عَن مُرَاد نَفسه، ونتقاد بهيميته لملكيته، وَيسلم وَجهه لله، فَإِذا فعل ذَلِك صَار بِمَنْزِلَة الْمَلَائِكَة فِي انتظارهم لإلهام الله، فَإِذا ألهموا سعوا فِي الْأَمر بداعية إلهية لَا دَاعِيَة نفسانية. وَعِنْدِي أَن إكثار الاستخارة فِي الْأُمُور ترياق مجرب لتَحْصِيل شبه الْمَلَائِكَة. وَضبط النَّبِي ﷺ آدابها ودعاءها، فشرع رَكْعَتَيْنِ، وَعلم " اللَّهُمَّ إِنِّي استخيرك بعلمك، واستقدرك بقدرتك، وَأَسْأَلك من فضلك الْعَظِيم، فَإنَّك تقدر، وَلَا أقدر، وَتعلم وَلَا أعلم، وَأَنت علام الغيوب، اللَّهُمَّ إِن كنت تعلم أَن هَذَا الْأَمر خير لي فِي ديني ومعاشي وعاقبة أَمْرِي - أَو قَالَ: فِي عَاجل أَمْرِي وآجله - فاقدره لي، ويسره لي، ثمَّ بَارك لي فِيهِ، وَإِن كنت تعلم أَن هَذَا الْأَمر شَرّ لي فِي ديني ومعاشي وعاقبة أَمْرِي - أَو قَالَ: فِي عَاجل أَمْرِي وآجله - فاصرفه عني، واصرفني عَنهُ، واقدر لي الْخَيْر حَيْثُ كَانَ، ثمَّ أرضني بِهِ، قَالَ. ويسمي حَاجته.

стр. 317

وَمِنْهَا صَلَاة الحاحة، وَالْأَصْل فِيهَا أَن الابتغاء من النَّاس وَطلب الْحَاجة مِنْهُم مَظَنَّة أَن يرى إِعَانَة مَا من غير الله تَعَالَى، فيخل بتوحيد الِاسْتِعَانَة، فشرع لَهُم صَلَاة وَدُعَاء ليدفع عَنْهُم هَذَا الشَّرّ، وَيصير وُقُوع الْحَاجة مؤيدا لَهُ فِيمَا هُوَ بسبيله من الْإِحْسَان، فسن لَهُم أَن يركعوا رَكْعَتَيْنِ، ثمَّ يثنوا على الله، ويصلوا على النَّبِي ﷺ ، ثمَّ يَقُولُوا " لَا إِلَه إِلَّا الله الْحَلِيم الْكَرِيم سُبْحَانَ الله رب الْعَرْش الْعَظِيم، وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين، أَسأَلك مُوجبَات رحمتك، وعزائم مغفرتك، وَالْغنيمَة من كل بر، والسلامة من كل أَثم، لَا تدع لي ذَنبا إِلَّا غفرته، وَلَا هما إِلَّا فرجته، وَلَا حَاجَة هِيَ لَك رضَا إِلَّا قضيتها يَا أرْحم الرَّاحِمِينَ ". وَمِنْهَا صَلَاة التَّوْبَة، وَالْأَصْل فِيهَا أَنا الرُّجُوع إِلَى الله لَا سِيمَا عقيب الذَّنب قبل أَن يرتسخ فِي قلبه رين الذَّنب - مكفر مزيل عَنهُ السوء. وَمِنْهَا صَلَاة الْوضُوء، وفيهَا قَوْله ﷺ لِبلَال ﵁: " إِنِّي سَمِعت دف نعليك بَين يَدي فِي الْجنَّة " أَقُول وسرها أَن الْمُوَاظبَة على الطَّهَارَة وَالصَّلَاة عقبيها نِصَاب صَالح من الْإِحْسَان لَا يَتَأَتَّى إِلَّا من ذِي حَظّ عَظِيم. وَقَوله ﷺ : " بِمَ سبقتني إِلَى الْجنَّة " (أَقُول) مَعْنَاهُ أَن السَّبق فِي هَذِه الْوَاقِعَة شبح التَّقَدُّم فِي الْإِحْسَان، والسر فِي تقدم بِلَال على إِمَام الْمُحْسِنِينَ أَن للكمل بِإِزَاءِ كل كَمَال من شعب الْإِحْسَان تدليا هُوَ مكشاف حَاله، وَمِنْه يفِيض على قلبه معرفَة ذَلِك الْكَمَال ذوقا ووجدانا نَظِير ذَلِك من المألوف أَن زيدا الشَّاعِر المحاسب رُبمَا يحضر فِي ذهنه كَونه شَاعِرًا، وَأَنه من أَي منزلَة من الشّعْر، فيذهل عَن الْحساب، وَرُبمَا يحضر فِي ذهنه كَونه محاسبا، فيستغرق فِي بهجتها، وَيذْهل عَن الشّعْر، والأنبياء ﵈ أعرف النَّاس بتدلي الْإِيمَان العامى لِأَن الله تَعَالَى أَرَادَ أَن يتبينوا حَقِيقَته بالذوق، فيسنوا للنَّاس سنتهمْ فِيمَا ينوبهم فِي تِلْكَ الْمرتبَة، وَهَذَا سر ظُهُور الْأَنْبِيَاء ﵈ من اسْتِيفَاء اللَّذَّات الحسية وَغَيرهَا فِي صُورَة عَامَّة الْمُؤمنِينَ، فَرَأى رَسُول ﷺ تدليه الإيماني بتقدمة بِلَال، فَعرف رسوخ قدمه فِي الْإِحْسَان. وَمِنْهَا صَلَاة التَّسْبِيح سرها أَنَّهَا صَلَاة ذَات حَظّ جسيم من الذّكر بِمَنْزِلَة الصَّلَاة

стр. 318

التَّامَّة الْكَامِلَة الَّتِي سنّهَا رَسُول ﷺ بأذكارها للمحسنين فَتلك تَكْفِي عَنْهَا لمن لم يحط بهَا، وَلذَلِك بَين النَّبِي ﷺ عشر خِصَال فِي فَضلهَا. وَمِنْهَا صَلَاة الْآيَات - كالكسوف. والخسوف والظلمة - وَالْأَصْل فِيهَا أَن الْآيَات إِذا ظَهرت انقادت لَهَا النُّفُوس والتجأت إِلَى الله، وانفكت عَن الدُّنْيَا نوع انفكاك، فَتلك الْحَالة غنيمَة الْمُؤمن يَنْبَغِي أَن يبتهل فِي الدُّعَاء وَالصَّلَاة وَسَائِر أَعمال الْبر، وَأَيْضًا فَإِنَّهَا وَقت قَضَاء الله الْحَوَادِث فِي عَالم الْمِثَال، وَلذَلِك يستشعر فِيهَا العارفون الْفَزع، وفزع الرَّسُول الله ﷺ عِنْدهَا لأجل ذَلِك، وَهِي أَوْقَات سريان الروحانية فِي الأَرْض، فَالْمُنَاسِب إِلَى للمحسن أَن يتَقرَّب إِلَى الله فِي تِلْكَ الْأَوْقَات، وَهُوَ قَوْله ﷺ فِي الْكُسُوف فِي حَدِيث نعْمَان بن بشير: " فَإِذا تجلى الله لشَيْء من خلقه خشع لَهُ "، وَأَيْضًا فالكفار يَسْجُدُونَ للشمس وَالْقَمَر، فَكَانَ من حق الْمُؤمن إِذا رأى آيَة عدم اسْتِحْقَاقهَا الْعِبَادَة أَن يتَضَرَّع إِلَى الله، وَيسْجد لَهُ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا تسجدوا للشمس وَلَا للقمر واسجدوا لله الَّذِي خَلقهنَّ﴾ ليَكُون شعاراً للدّين وجواباً مسكتا لمنكر بِهِ وَقد صَحَّ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَامَ قيامين، وَركع ركوعين حملا لَهُم على السَّجْدَة فِي مَوضِع الابتهال، فَإِنَّهُ خضوع مثلهَا، فَيَنْبَغِي تكرارها، وَأَنه صلاهَا جمَاعَة، وَأمر إِن يُنَادى بهَا أَن الصَّلَاة جَامِعَة، وجهر بِالْقِرَاءَةِ، فَمن اتبع فقد أحسن، وَمن صلى صَلَاة معتدا بهَا فِي الشَّرْع فقد عمل بقوله ﵇: فَإِذا رَأَيْتُمْ ذَلِك فَادعوا الله وَكَبرُوا، وصلوا، وتصدقوا ". وَمِنْهَا صَلَاة الاسْتِسْقَاء، وَقد استسقى النَّبِي ﷺ لأمته مَرَّات على أنحاء كَثِيرَة، لَكِن الْوَجْه الَّذِي سنه لأمته أَن خرج بِالنَّاسِ إِلَى الْمصلى مبتذلا متواضعا متضرعا، فصلى بهم رَكْعَتَيْنِ جهر فيهمَا بِالْقِرَاءَةِ، ثمَّ خطب، واستقبل فِيهَا الْقبْلَة يَدْعُو، وَيرْفَع يَدَيْهِ، وحول رِدَاءَهُ، وَذَلِكَ لِأَن لِاجْتِمَاع الْمُسلمين فِي مَكَان وَاحِد راغبين فِي شَيْء وَاحِد بأقصى هَمهمْ واستغفارهم وفعلهم الْخيرَات أثرا عَظِيما فِي استجابة الدُّعَاء، وَالصَّلَاة أقرب أَحْوَال العَبْد من الله، وَرفع الْيَدَيْنِ حِكَايَة عَن التضرع التَّام والابتهال الْعَظِيم، تنبه النَّفس على التخشع، وتحويل رِدَائه حِكَايَة عَن تقلب أَحْوَالهم كَمَا يفعل المستغيث بِحَضْرَة الْمُلُوك. وَكَانَ من دُعَائِهِ ﵇ إِذا استسقى " اللَّهُمَّ اسْقِ عِبَادك وبهيمتك، وانشر

стр. 319

رحمتك، وأحي بلدك الْمَيِّت " وَمِنْه أَيْضا " اللَّهُمَّ اسقنا غيثا مغيثا مريئا مريعا نَافِعًا غير ضار عَاجلا غير آجل ". وَمِنْهَا صَلَاة الْعِيدَيْنِ، وسيأتيك بيانهما. وَمِمَّا يُنَاسِبهَا سُجُود الشُّكْر عِنْد مَجِيء أَمر يسره أَو اندفاع نقمة، أَو عِنْد علمه بِأحد الْأَمريْنِ، لِأَن الشُّكْر فعل الْقلب، وَلَا بُد لَهُ من شبح فِي الظَّاهِر، ليعتضد بِهِ، وَلِأَن للنعم بطرا، فيعالج بالتذلل للمنعم. فَهَذِهِ هِيَ الصَّلَوَات الَّتِي سنّهَا رَسُول الله ﷺ لستمدي الْإِحْسَان والسبق من أمته زِيَادَة على الْوَاجِب المحتوم على خاصتهم وعامتهم. ثمَّ الصَّلَاة خير مَوْضُوع فَمن اسْتَطَاعَ أَن يستكثر مِنْهَا فَلْيفْعَل غير أَنه نهى عَن خَمْسَة أَوْقَات: ثَلَاثَة مِنْهَا أوكد نهيا عَن الباقيين، وَحَتَّى السَّاعَات الثَّلَاث إِذا طلعت الشَّمْس بازغة حَتَّى ترْتَفع، وَحين يقوم قَائِم الظهيرة حَتَّى تميل، وَحين تتضيف للغروب حَتَّى تغرب، لِأَنَّهَا أَوْقَات صَلَاة الْمَجُوس، وهم قوم حرفوا الدّين جعلُوا يعْبدُونَ الشَّمْس من دون الله، واستحوذ عَلَيْهِم الشَّيْطَان، وَهَذَا معنى قَوْله ﷺ : " فَإِنَّهَا تطلع حِين تطلع بَين قَرْني الشَّيْطَان " وَحِينَئِذٍ يسْجد لَهَا الْكفَّار، فَوَجَبَ أَن يُمَيّز مِلَّة الْإِسْلَام وملة الْكفْر فِي أعظم الطَّاعَات من جِهَة الْوَقْت أَيْضا. وَأما الْآخرَانِ فَقَوله ﷺ : " لَا صَلَاة بعد الصُّبْح حَتَّى تبزغ الشَّمْس وَلَا بعد الْعَصْر حَتَّى تغرب ". أَقُول: إِنَّمَا نهى عَنْهُمَا لِأَن الصَّلَاة فيهمَا تفتح بَاب الصَّلَاة فِي السَّاعَات الثَّلَاث، وَلذَلِك صلى فيهمَا النَّبِي ﷺ تَارَة أَنه مَأْمُون أَن يهجم عَلَيْهِ الْمَكْرُوه، وروى اسْتثِْنَاء نصف النَّهَار يَوْم الْجُمُعَة، واستنبط جَوَازهَا فِي الْأَوْقَات الثَّلَاث فِي الْمَسْجِد الْحَرَام من حَدِيث " يَا بني عبد منَاف من ولي مِنْكُم من أَمر النَّاس شَيْئا فَلَا يمنعن أحدا طَاف بِهَذَا الْبَيْت، وَصلى أَي سَاعَة شَاءَ من ليل أَو نَهَار " وعَلى هَذَا فالسر فِي ذَلِك أَنَّهُمَا وَقت ظُهُور شَعَائِر الدّين ومكانه فعارضا الْمَانِع فِي الصَّلَاة.

стр. 320

(الاقتصاد فِي الْعَمَل) اعْلَم أَن أدوأ الدَّاء فِي الطَّاعَات ملال النَّفس، فَإِنَّهَا إِذا ملت لم تنتبه لصفة الْخُشُوع، وَكَانَت تِلْكَ المشاق خَالِيَة عَن معنى الْعِبَادَة، وَهُوَ قَوْله ﷺ : " إِن لكل شَيْء شرة وَإِن لكل شرة فَتْرَة " وَلِهَذَا السِّرّ كَانَ أجر الْحَسَنَة عِنْد اندراس الرَّسْم بعملها وَظُهُور التهاون فِيهَا مضاعفا أضعافا كَثِيرَة، لِأَنَّهَا وَالْحَالة هَذِه لَا تنبجس إِلَّا من تنبه شَدِيد وعزم مُؤَكد، وَلِهَذَا جعل الشَّارِع للطاعات قدرا كمقدار الدَّوَاء فِي حق الْمَرِيض لَا يُزَاد، وَلَا ينقص. وَأَيْضًا فالمقصود هُوَ تَحْصِيل صفة الْإِحْسَان على وَجه لَا يُفْضِي إِلَى إهمال الارتفاقات اللَّازِمَة، وَلَا إِلَى غمط حق من الْحُقُوق، وَهُوَ قَول سلمَان ﵁: إِن لعينيك عَلَيْك حَقًا وَإِن لزوجك عَلَيْك حَقًا، فَصدقهُ النَّبِي ﷺ : " أَنا أَصوم وَأفْطر، وأقوم وأرقد، وأتزوج النِّسَاء، فَمن رغب عَن سنتي فَلَيْسَ مني ". وَأَيْضًا فالمقصود من الطَّاعَات هُوَ استقامة النَّفس وَدفع اعوجاجها، لَا الإحصاء، فَإِنَّهُ كالمتعذر فِي حق الْجُمْهُور، وَهُوَ قَوْله ﷺ : " اسْتَقِيمُوا، وَلنْ تُحْصُوا، وَأتوا من الْأَعْمَال مَا تطيقون " والاستقامة تحصل بِمِقْدَار معِين يُنَبه النَّفس لالتذاذها بلذات الملكية وتألمها من خسائس البهيمية، ويفطنها بكيفية انقياد البهيمية للملكية، فَلَو أَنه أَكثر مِنْهَا اعتادتها النَّفس، واستحلتها فَلم تتنبه لثمرتها وَأَيْضًا فَمن الْمَقَاصِد الجليلة فِي التشريع أَن يسد بَاب التعمق فِي الدّين لِئَلَّا يعضوا عَلَيْهَا بنواجذهم، فَيَأْتِي من بعدهمْ قوم، فيظنوا أَنَّهَا من الطَّاعَات السماوية الْمَفْرُوضَة عَلَيْهِم، ثمَّ تَأتي طبقَة أُخْرَى، فَيصير الظَّن عِنْدهم يَقِينا، والمحتمل مطمأنا بِهِ، فيظل الدّين محرفا، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿رَهْبَانِيَّة ابتدعوها مَا كتبناها عَلَيْهِم﴾ وَأَيْضًا فَمن ظن من نَفسه - وَإِن أقرّ بِخِلَاف ذَلِك من لِسَانه - أَن الله لَا يرضى إِلَّا بِتِلْكَ الطَّاعَات الشاقة، وَأَنه لَو قصر فِي حَقّهَا فقد وَقع بَينه وَبَين تَهْذِيب نَفسه حجاب عَظِيم، وَأَنه فرط فِي جنب الله، فَإِنَّهُ يُؤَاخذ بِمَا ظن، وَيُطَالب فِي بِالْخرُوجِ عَن التَّفْرِيط فِي جنب الله

стр. 321

حسب اعْتِقَاده، فَإِذا قصر انقلبت علومه عَلَيْهِ ضارة مظْلمَة، فَلم تقبل طاعاته لهنة فِي نَفسه، وَهُوَ قَوْله ﷺ : " إِن الدّين يسر وَلنْ يشاد الدّين أحد إِلَّا غَلبه " فلهذه الْمعَانِي عزم النَّبِي ﷺ على أمته أَن يقتصدوا فِي الْعَمَل، أَلا يجاوزوا إِلَى حد يُفْضِي إِلَى ملال واشتباه فِي الدّين أَو إهمال الارتفاقات، وَبَين تِلْكَ الْمعَانِي تَصْرِيحًا أَو تَلْوِيحًا. قَوْله ﷺ : " أحب الْأَعْمَال إِلَى الله أدومها وَإِن قل " أَقُول: وَذَلِكَ لِأَن إدامتها والمواظبة عَلَيْهَا آيَة كَونه رَاغِبًا فِيهَا، وَأَيْضًا فَالنَّفْس لَا تقبل أثر الطَّاعَة، وَلَا تتشرب فائدتها إِلَّا بعد مُدَّة ومواظبة واطمئنان بهَا ووجدان أَوْقَات تصادف من النَّفس فراغا بِمَنْزِلَة الْفَرَاغ الَّذِي يكون سَببا لانطباع الْعُلُوم من الْمَلأ الْأَعْلَى فِي رُؤْيَاهُ، وَذَلِكَ غير مَعْلُوم الْقدر، فَلَا سَبِيل إِلَى تَحْصِيل ذَلِك إِلَّا الإدامة والإكثار، وَهُوَ قَول لُقْمَان ﵇: وعود نَفسك كَثْرَة الاسْتِغْفَار، فَإِن الله سَاعَة لَا يرد فِيهَا سَائِلًا. قَوْله ﷺ : " خُذُوا من الْأَعْمَال مَا تطيقون، فَإِن الله لَا يمل حَتَّى تملوا " أَي لَا يتْرك الإثابة إِلَّا عِنْد ملالهم، فَأطلق الملال مشاكلة. قَوْله ﷺ : " إِن أحدكُم إِذا صلى وَهُوَ ناعس لَا يدْرِي لَعَلَّه يسْتَغْفر، فيسب نَفسه ". أَقُول: يُرِيد أَنه لَا يُمَيّز بَين الطَّاعَة وَغَيرهَا من شدَّة الملال، فَكيف يتَنَبَّه بِحَقِيقَة الطَّاعَة. قَوْله ﷺ : " فسددوا " يَعْنِي خُذُوا طَريقَة السداد، وَهِي التَّوَسُّط الَّذِي يُمكن مراعاته والمواظبة عَلَيْهِ " وقاربوا " يَعْنِي لَا تظنوا أَنكُمْ بعداء لَا تصلونَ إِلَّا بِالْأَعْمَالِ الشاقة " وَأَبْشِرُوا " يَعْنِي حصلوا الرَّجَاء والنشاط " وَاسْتَعِينُوا بالغدوة والروحة وَشَيْء من الدلجة " هَذِه الْأَوْقَات أَوْقَات نزُول الرَّحْمَة وصفاء لوح الْقلب من أَحَادِيث النَّفس، وَقد ذكرنَا من ذَلِك فصلا. قَوْله ﷺ : " من نَام عَن حزبه، أَو عَن شَيْء مِنْهُ فقرأه فِيمَا بَين صَلَاة الْفجْر وَصَلَاة الظّهْر كتب لَهُ كإنما قَرَأَهُ من اللَّيْل ". أَقُول: السَّبَب الْأَصْلِيّ فِي الْقَضَاء شَيْئَانِ: أَحدهمَا أَلا تسترسل النَّفس بترك الطَّاعَة، فيعتاده، ويحسر عَلَيْهِ إلتزامها من بعد، وَالثَّانِي أَن يخرج عَن الْعهْدَة، وَلَا يضمر أَنه فرط فِي جنب الله، فيؤاخذ عَلَيْهِ من حَيْثُ يعلم أَو لَا يعلم.

стр. 322

(بَاب صَلَاة المعذورين) لما كَانَ من تَمام التشريع - أَن يبين لَهُم الرُّخص عِنْد الْأَعْذَار، ليَأْتِي المكلفون من الطَّاعَة بِمَا يَسْتَطِيعُونَ، وَيكون قدر ذَلِك مفوضا إِلَى الشَّارِع، ليراعي فِيهِ التَّوَسُّط، لَا إِلَيْهِم، فيفرطوا، أَو يفرطوا - اعتنى رَسُول الله ﷺ بضبط الرُّخص والأعذار. وَمن أصُول الرُّخص أَن ينظر إِلَى اصل الطَّاعَة حَسْبَمَا تَأمر بِهِ حِكْمَة الْبر، فيعض عَلَيْهَا فِي بالنواجد على كل حَال، وَينظر إِلَى حُدُود وضوابط شرعها الشَّارِع، ليتيسر لَهُم الْأَخْذ بِالْبرِّ، فَيصْرف فِيهَا إِسْقَاطًا وإبدالا حَسْبَمَا تُؤدِّي إِلَيْهِ الضَّرُورَة. فَمن الْأَعْذَار السّفر، وَفِيه من الْحَرج مَا لَا يحْتَاج إِلَى بَيَان، فشرع رَسُول الله ﷺ لَهُ رخصا. مِنْهَا الْقصر، فأبقى أصل أعداد الرَّكْعَات - وَهِي إِحْدَى عشرَة رَكْعَة، وَأسْقط مَا زيد بِشَرْط الطُّمَأْنِينَة والحضر، وَلما كَانَ هَذَا الْعدَد فِيهِ شَائِبَة الْعَزِيمَة لم يكن من حَقه أَن يقدر بِقدر الضَّرُورَة، ويضيق فِي ترخيصه كل التَّضْيِيق، فَلذَلِك بَين رَسُول الله ﷺ أَن شَرط الْخَوْف فِي الْآيَة لبَيَان الْفَائِدَة، وَلَا مَفْهُوم لَهُ، فَقَالَ: " صَدَقَة تصدق الله بهَا عَلَيْكُم فاقبلوا صَدَقَة " وَالصَّدَََقَة لَا يضيق فِيهَا أهل المروءات، وَلذَلِك أَيْضا واظب رَسُول الله ﷺ على الْقصر، وَإِن جوز الاتمام، فِي الْجُمْلَة فَهُوَ سنة مُؤَكدَة، وَلَا اخْتِلَاف بيم مَا روى من جَوَاز الْإِتْمَام، وَأَن الرَّكْعَتَيْنِ فِي السّفر تَمام غير قصر لِأَنَّهُ يُمكن أَن يكون الْوَاجِب الْأَصْلِيّ هُوَ رَكْعَتَيْنِ، وَمَعَ ذَلِك يكون الاتمام مجزئا بِالْأولَى - كَالْمَرِيضِ. وَالْعَبْد - يصليان الْجُمُعَة فَيسْقط عَنْهُم الظّهْر، أَو كَالَّذي وَجب عَلَيْهِ بنت مَخَاض فَتصدق بِالْكُلِّ، وَلذَلِك كَانَ من حَقه أَنه إِذا صَحَّ على الْمُكَلف إِطْلَاق اسْم الْمُسَافِر جَازَ لَهُ الْقصر إِلَى أَن يَزُول عَنهُ هَذَا الِاسْم بِالْكُلِّيَّةِ، لَا ينظر فِي ذَلِك إِلَى وجود الْحَرج، وَلَا إِلَى عدم الْقُدْرَة على الاتمام لِأَنَّهُ وَظِيفَة من هَذَا شَأْنه ابْتِدَاء وَهُوَ قَول ابْن عمر ﵁: سنّ رَسُول الله ﷺ صَلَاة السّفر رَكْعَتَيْنِ، وهما تَمام غير قصر. وَاعْلَم أَن السّفر وَالْإِقَامَة وَالزِّنَا وَالسَّرِقَة، وَسَائِر مَا أدَار الشَّارِع عَلَيْهِ الحكم أُمُور يستعملها أهل الْعرف فِي مظانها، ويعرفون مَعَانِيهَا، وَلَا ينَال حَده الْجَامِع الْمَانِع إِلَّا بِضَرْب من الِاجْتِهَاد والتأمل، وَمن المهم معرفَة طَرِيق الِاجْتِهَاد، فَنحْن نعلم نموذجا مِنْهَا فِي

стр. 323

السّفر، فَنَقُول: هُوَ مَعْلُوم بِالْقِسْمَةِ. والمثال: يعلم جَمِيع أهل اللِّسَان أَن الْخُرُوج من مَكَّة إِلَى الْمَدِينَة، وَمن الْمَدِينَة إِلَى خَيْبَر سفر لَا محَالة، وَقد ظهر من فعل الصَّحَابَة وَكَلَامهم، أَن الْخُرُوج من مَكَّة إِلَى جدة. وَإِلَى الطَّائِف. وَإِلَى عسفان وَسَائِر مَا يكون الْمَقْصد فِيهِ على أَرْبَعَة برد سفر، ويعلمون أَيْضا أَن الْخُرُوج من الوطن على أَقسَام: تردد إِلَى الزَّارِع والبساتين وهيمان بِدُونِ تعْيين مقصد سفر، ويعلمون أَن اسْم اُحْدُ هَذِه لَا يُطلق على الآخر، وسبيل الِاجْتِهَاد أَن يَسْتَقْرِئ الْأَمْثِلَة الَّتِي يُطلق عَلَيْهَا الِاسْم عرفا وَشرعا، وَأَن يسبر الْأَوْصَاف الَّتِي بهَا يُفَارق أَحدهَا قسيمة، فَيجْعَل أعمها فِي مَوضِع الْجِنْس، واخصها فِي مَوضِع الْفَصْل، فَعلمنَا أَن الِانْتِقَال من الوطن جُزْء نَفسِي، إِذْ من كَانَ ثاويا فِي مَحل إِقَامَته لَا يُقَال لَهُ: مُسَافر، وَأَن الِانْتِقَال إِلَى مَوضِع معِين جُزْء نَفسِي، وَإِلَّا كَانَ هيمانا لَا سفرا، وَأَن كَون ذَلِك الْموضع بِحَيْثُ لَا يُمكن لَهُ الرُّجُوع مِنْهُ إِلَى مَحل إِقَامَته فِي يَوْمه وأوائل ليلته جُزْء نَفسِي، وَإِلَّا كَانَ مثل التَّرَدُّد إِلَى الْبَسَاتِين والمزارع، وَمن لَازمه أَن يكون مسيرَة يَوْم تَامّ - وَبِه قَالَ سَالم - لَكِن مسير أَرْبَعَة برد مُتَيَقن، وَمَا دونه مَشْكُوك وَصِحَّة هَذَا الِاسْم يكون بِالْخرُوجِ من سور الْبَلَد أَو حلَّة الْقرْيَة أَو بيوتها بِقصد مَوضِع هُوَ على أَرْبَعَة برد، وَزَوَال هَذَا الِاسْم إِنَّمَا يكون بنية الْإِقَامَة مُدَّة صَالِحَة يعْتد بهَا فِي بَلَده أَو قربه. وَمِنْهَا الْجمع بَين الظّهْر. وَالْعصر. وَالْمغْرب. وَالْعشَاء، وَالْأَصْل فِيهِ مَا أَشَرنَا أَن الْأَوْقَات الْأَصْلِيَّة ثَلَاثَة: الْفجْر. وَالظّهْر. وَالْمغْرب، وَإِنَّمَا اشتق الْعَصْر من الظّهْر، وَالْعشَاء من الْمغرب لِئَلَّا تكون الْمدَّة الطَّوِيلَة صلَة بَين الذكرين، وَلِئَلَّا يكون النّوم على صفة الْغَفْلَة، فشرع، لَهُم جمع التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير لكنه لم يواظب عَلَيْهِ وَلم يعزم عَلَيْهِ مثل مَا فعل فِي الْقصر. وَمِنْهَا ترك السّنَن فَكَانَ رَسُول الله ﷺ . وَأَبُو بكر. وَعمر. وَعُثْمَان ﵃ لَا يسبحون إِلَّا سنة الْفجْر وَالْوتر. وَمِنْهَا الصَّلَاة على الرَّاحِلَة حَيْثُ تَوَجَّهت بِهِ يُومِئ إِيمَاء وَذَلِكَ فِي النَّوَافِل وَسنة الْفجْر. وَالْوتر لَا الْفَرَائِض. وَمن الْأَعْذَار الْخَوْف، وَقد صلى رَسُول الله ﷺ صَلَاة الْخَوْف على أنحاء كَثِيرَة.

стр. 324

مِنْهَا أَن رتب الْقَوْم صفّين، فصلى بهم، فَلَمَّا سجد سجد مَعَه صف سجدتيه، وحرس صف، فَلَمَّا قَامُوا سجد من حرس، ولحقوه، وَسجد مَعَه فِي الثَّانِي من حرس أَولا، وحرس الْآخرُونَ، فَلَمَّا جلس سجد من حرس، وَتشهد بالصفين، وَسلم وَالْحَالة الَّتِي تَقْتَضِي هَذَا النَّوْع أَن يكون الْعَدو فِي جِهَة الْقبْلَة. وَمِنْهَا أَن صلى مرَّتَيْنِ كل مرّة بفرقة، وَالْحَالة الَّتِي تَقْتَضِي هَذَا النَّوْع أَن يكون الْعَدو فِي غَيرهَا، وَأَن يكون توزيع الرَّكْعَتَيْنِ عَلَيْهِم مشوشا لَهُم، وَلَا يحيطوا بأجمعهم بكيفية الصَّلَاة. وَمِنْهَا أَن وقفت فرقة فِي وجهة، وَصلى بفرقة رَكْعَة، فَلَمَّا قَامَ للثَّانِيَة فارقته، وأتمت، وَذَهَبت وجاه الْعَدو، وَجَاء الواقفون، فاقتدوا بِهِ، فصلى بهم الثَّانِيَة، فَلَمَّا جلس للتَّشَهُّد قَامُوا، فَأتمُّوا ثانيتهم، ولحقوه، وَسلم بهم ... ، وَالْحَالة الْمُقْتَضِيَة لهَذَا النَّوْع أَن يكون الْعَدو فِي بِغَيْر الْقبْلَة، وَلَا يكون توزيع الرَّكْعَتَيْنِ عَلَيْهِم مشوشا لَهُم. وَمِنْهَا أَنه صلى بطَائفَة مِنْهُم، وَأَقْبَلت طَائِفَة من الْعَدو، فَرَكَعَ بهم رَكْعَة، ثمَّ انصرفوا بمَكَان الطَّائِفَة الَّتِي لم تصل، وَجَاء أُولَئِكَ، فَرَكَعَ بهم رَكْعَة، ثمَّ أتم هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاء. وَمِنْهَا أَن يُصَلِّي كل وَاحِد كَيْفَمَا أمكن رَاكِبًا أَو مَاشِيا لقبلة أَو غَيرهَا رَوَاهُ ابْن عمر ﵄ ... ، وَالْحَالة الْمُقْتَضِيَة لهَذَا النَّوْع أَن يشْتَد الْخَوْف، أَو يلتحم الْقِتَال. وَبِالْجُمْلَةِ فَكل نَحْو روى عَن النَّبِي ﷺ فَهُوَ جَائِز، وَيفْعل الْإِنْسَان مَا هُوَ أخف عَلَيْهِ وأوفق بِالْمَصْلَحَةِ حالتئذ. وَمن الْأَعْذَار الْمَرَض وَفِيه قَوْله ﷺ " صل قَائِما فَإِن لم تستطع، فقاعداً، فَإِن لم تستطع، فعلى جنب ". وَقَالَ ﷺ فِي: النَّافِلَة من صلى قَائِما فَهُوَ أفضل، وَمن صلى قَاعِدا فَلهُ نصف أجر الْقَائِم "

стр. 325

أَقُول لما كَانَ من حق الصَّلَاة أَن يكثر مِنْهَا - وأصل الصَّلَاة يَتَأَتَّى قَائِما وَقَاعِدا كَمَا بَينا، وَإِنَّمَا وَجب الْقيام عِنْد التشريع، مَا لَا يدْرك كُله لَا يتْرك كُله - واقتضت الرَّحْمَة أَن يسوغ لَهُم الصَّلَاة النَّافِلَة قَاعِدا، وَبَين لَهُم مَا بَين الدرجتين. وَقد وَردت صَلَاة الطَّالِب، وَصَلَاة الْمَطَر، وَصَلَاة الوحل: وَلم يترخص أحد من الصَّحَابَة فِي الضوابط وَالْحُدُود من ضَرُورَة لَا يجد مِنْهَا بدا من غير شَائِبَة الْإِنْكَار والتهاون إِلَّا وَسلمهُ النَّبِي ﷺ ، وَقَوله ﷺ " فَإِذا أَمرتكُم بِأَمْر فَأتوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُم " كلمة جَامِعَة، وَالله أعلم. (الْجَمَاعَة) اعْلَم أَنه لَا شَيْء أَنْفَع من غائلة الرسوم من أَن يَجْعَل شَيْء من الطَّاعَات رسما فاشيا يُؤَدِّي على رُءُوس الخامل والنبيه، وَيَسْتَوِي فِيهِ الْحَاضِر والباد، ويجرى فِيهِ التفاخر والتباهي، حَتَّى تدخل فِي الارتفاقات الضرورية الَّتِي لَا يُمكن لَهُم أَن يتركوها، وَلَا أَن يهملوها لتصير مؤيدا لعبادة الله، وَالسّنة تَدْعُو إِلَى الْحق، وَيكون الَّذِي يخَاف مِنْهُ الضَّرَر هُوَ الَّذِي يجلبهم إِلَى الْحق. وَلَا شَيْء من الطَّاعَات أتم شَأْنًا وَلَا أعظم برهانا من الصَّلَاة، فَوَجَبَ إشاعتها فِيمَا بَينهم والاجتماع لَهَا، وموافقة النَّاس فِيهَا. وَأَيْضًا فالملة تجمع نَاسا عُلَمَاء يقْتَدى بهم، وناسا يَحْتَاجُونَ فِي تحصل إحسانهم إِلَى دَعْوَة حثيثة، وناسا ضعفاء البنية وَلَو لم يكلفوا أَن يؤدوا على أعين النَّاس تهاونوا فِيهَا. فَلَا أَنْفَع وَلَا أوفق بِالْمَصْلَحَةِ فِي حق هَؤُلَاءِ جَمِيعًا أَن يكلفوا أَن يطيعوا الله على أعين النَّاس ليتميز فاعلها من تاركها، وراغبها من الزَّاهِد فِيهَا، ويقتدي بعالمها، وَيعلم جاهلها، وَتَكون طَاعَة الله فيهم كسبيكة تعرض على طائف النَّاس، يُنكر مِنْهَا الْمُنكر، وَيعرف مِنْهَا الْمَعْرُوف، وَيرى غشها وخالصها. وَأَيْضًا فلاجتماع الْمُسلمين راغبين فِي الله، راجين راهبين مِنْهُ، مُسلمين وُجُوههم إِلَيْهِ - خاصية عَجِيبَة فِي نزُول البركات وتدلي الرَّحْمَة كَمَا بَينا فِي الاسْتِسْقَاء. وَالْحج. وَأَيْضًا فمراد الله من نصب هَذِه الْأمة أَن تكون كلمة الله هِيَ الْعليا، وَألا يكون فِي الأَرْض دين أَعلَى من الْإِسْلَام، وَلَا يتَصَوَّر ذَلِك إِلَّا بِأَن يكون سنتهمْ أَن يجْتَمع خاصتهم وعامتهم، وحاضرهم وباديهم، وصغيرهم وَكَبِيرهمْ، لما هُوَ أعظم شعائره وَأشهر طاعاته. فلهذه الْمعَانِي انصرفت الْعِنَايَة التشريعية إِلَى شرع الْجُمُعَة وَالْجَمَاعَات، وَالتَّرْغِيب فِيهَا وتغليظ النَّهْي عَن تَركهَا.

стр. 326

والإشاعة إشاعتان: إِشَاعَة فِي الْحَيّ، وإشاعة فِي الْمَدِينَة، والإشاعة فِي الْحَيّ تتيسر فِي كل وَقت صَلَاة والإشاعة فِي الْمَدِينَة لَا تتيسر إِلَّا غب طَائِفَة من الزَّمَان كالأسبوع، أما الأولى فَهِيَ الْجَمَاعَة، وفيهَا قَوْله ﷺ : صَلَاة الْجَمَاعَة تفصل صَلَاة الْفَذ بِسبع وَعشْرين دَرَجَة " وَفِي رِوَايَة " بِخمْس وَعشْرين دَرَجَة " وَقد صرح النَّبِي ﷺ ، أَو لوح أَن من المرجحات أَنه إِذا تَوَضَّأ، فَأحْسن وضوءه، ثمَّ توجه إِلَى الْمَسْجِد، لَا ينهضه إِلَّا الصَّلَاة كَانَ مَشْيه فِي حكم الصَّلَاة، وخطواته مكفرات لذنوبه، وَأَن دَعْوَة الْمُسلمين تحيط بهم من ورائهم، وَأَن فِي انْتِظَار الصَّلَوَات معنى الرِّبَاط وَالِاعْتِكَاف إِلَى غير ذَلِك، ثمَّ مَا نوه بِأحد العددين الْمَذْكُورين إِلَّا لنكتة بليغة تمثلت عِنْده ﷺ ، وَقد ذَكرنَاهَا من قبل فراجع، وَلَيْسَ فِي الْحق الَّذِي لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِل من بَين يَدَيْهِ وَلَا من خَلفه جزاف بِوَجْه من الْوُجُوه. وفيهَا قَوْله ﷺ " مَا من ثَلَاثَة فِي قَرْيَة أَو بَدو لَا تُقَام فيهم الصَّلَاة إِلَّا قد استحوذ عَلَيْهِم الشَّيْطَان " أَقُول هُوَ إِشَارَة إِلَى أَن تَركهَا يفتح بَاب التهاون. وَقَوله ﷺ : " وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لقد هَمَمْت أَن آمُر بحطب فيحطب " الحَدِيث أَقُول الْجَمَاعَة سنة مُؤَكدَة تُقَام اللأئمة على تَركهَا لِأَنَّهَا من شَعَائِر الدّين، لكنه ﷺ رأى من بعض من هُنَالك تأخرا واستبطاء، وَعرف أَن سَببه ضعف النِّيَّة فِي الْإِسْلَام، فَشدد النكير عَلَيْهِم، وأخاف قُلُوبهم. ثمَّ لما كَانَ فِي شُهُود الْجَمَاعَة حرج للضعيف، والسقيم، وَذي الْحَاجة اقْتَضَت الْحِكْمَة أَن يرخص فِي تَركهَا عِنْد ذَلِك، ليتَحَقَّق الْعدْل بَين الإفراط والتفريط: فَمن أَنْوَاع الْحَرج لَيْلَة ذَات برد ومطر، وَيسْتَحب عِنْد ذَلِك قَول الْمُؤَذّن: أَلا صلوا فِي الرّحال. وَمِنْهَا حَاجَة يعسر التَّرَبُّص بهَا كالعشاء إِذا حضر، فَإِنَّهُ رُبمَا تتشوف نفس إِلَيْهِ، وَرُبمَا يضيع الطَّعَام، وكمدافعة الاخبثين، فَإِنَّهُ بمعزل عَن فَائِدَة الصَّلَاة مَعَ مَا بِهِ من اشْتِغَال النَّفس، وَلَا اخْتِلَاف بَين حَدِيث لَا صَلَاة بِحَضْرَة الطَّعَام " وَحَدِيث " لَا تؤخروا الصَّلَاة

стр. 327

لطعام وَلَا غَيره " إِذْ يُمكن تَنْزِيل كل وَاحِد على صُورَة أَو معنى إِذْ المُرَاد نفي وجوب الْحُضُور سدا لباب التعمق، وَعدم التَّأْخِير هُوَ الْوَظِيفَة لمن أَمن شَرّ التعمق، وَذَلِكَ كتنزيل فطر الصَّائِم وَعَدَمه على الْحَالين، أَو التَّأْخِير إِذا كَانَ تشوف إِلَى الطَّعَام، أَو خوف ضيَاع وَعَدَمه إِذا لم يكن، وَذَلِكَ مَأْخُوذ من حَالَة الْعلَّة. وَمِنْهَا مَا إِذا كَانَ خوف فتْنَة كامرأة أَصَابَت بخورا، وَلَا اخْتِلَاف بَين قَوْله ﷺ : " إِذا اسْتَأْذَنت امْرَأَة أحدكُم إِلَى الْمَسْجِد فَلَا يمْنَعهَا " وَبَين مَا حكم بِهِ جُمْهُور الصَّحَابَة من مَنعهنَّ إِذْ الْمنْهِي الْغيرَة الَّتِي تنبعث من الأنفة دون خوف الْفِتْنَة، والجائز مَا فِيهِ خوف الْفِتْنَة، وَذَلِكَ قَوْله ﷺ الْغيرَة غيرتان " الحَدِيث، وَحَدِيث عَائِشَة " إِن النِّسَاء أحدثن " الحَدِيث. وَمِنْهَا الْخَوْف وَالْمَرَض، وَالْأَمر فيهمَا الظَّاهِر، وَمعنى قَوْله ﷺ للأعمى أتسمع النداء بِالصَّلَاةِ؟ قَالَ: نعم، قَالَ: فأجب أَن سُؤَاله كَانَ فِي الْعَزِيمَة فَلم يرخص لَهُ. ثمَّ وَقعت الْحَاجة إِلَى بَيَان الأحق بِالْإِمَامَةِ، وَكَيْفِيَّة الِاجْتِمَاع، وَوَصِيَّة الإِمَام أَن يُخَفف بالقوم، والمأمومين أَن يحافظوا على اتِّبَاعه، وقصة معَاذ ﵁ فِي الإطالة مَشْهُورَة، فَبين هَذِه الْمعَانِي بأوكد وَجه، وَهُوَ قَوْله ﷺ يؤم الْقَوْم أقرؤهم للْكتاب الله فَإِن كَانُوا فِي الْقِرَاءَة سَوَاء فأعلمهم بِالسنةِ، فَإِن كَانُوا فِي السّنة سَوَاء فأقدمهم هِجْرَة، فَإِن كَانُوا فِي الْهِجْرَة سَوَاء فأقدمهم سنا، وَلَا يُؤمن الرجل الرجل فِي سُلْطَانه ". وَسبب تَقْدِيم الأقرأ أَنه ﷺ حد للْعلم حدا مَعْلُوما كَمَا بَينا، وَكَانَ أول مَا هُنَالك معرفَة كتاب الله لِأَنَّهُ أصل الْعلم، وَأَيْضًا فَإِنَّهُ من شَعَائِر الله، فَوَجَبَ أَن يقدم صَاحبه، وينوه بِشَأْنِهِ؛ ليَكُون ذَلِك دَاعيا إِلَى التنافس فِيهِ، وَلَيْسَ كَمَا يظنّ أَن السَّبَب احْتِيَاج الْمُصَلِّي إِلَى الْقِرَاءَة فَقَط، وَلَكِن الأَصْل حملهمْ على المنافسة فِيهَا، وَإِنَّمَا تدْرك الْفَضَائِل بالمنافسة، وَسبب خُصُوص الصَّلَاة بِاعْتِبَار المنافسة احتياجها إِلَى الْقِرَاءَة فليتدبر. ثمَّ من بعْدهَا معرفَة السّنة لِأَنَّهُ تلو الْكتاب، وَبهَا قيام الْملَّة، وَهِي مِيرَاث النَّبِي ﷺ فِي قومه.

стр. 328

ثمَّ بعده اعْتبرت الْهِجْرَة إِلَى النَّبِي ﷺ لِأَن النَّبِي ﵊ ﷺ عظم أَمر الْهِجْرَة، وَرغب فِيهَا، ونوه بشأنها، وَهَذَا من تَمام التَّرْغِيب والتنويه. ثمَّ زِيَادَة السن إِذْ السّنة الفاشية فِي الْملَل جَمِيعهَا توقير الْكَبِير، وَلِأَنَّهُ أَكثر تجربة، وَأعظم حلما. وَإِنَّمَا نهى عَن التَّقَدُّم على ذِي سُلْطَان فِي سُلْطَانه لِأَنَّهُ يشق عَلَيْهِ، ويقدح فِي سُلْطَانه، فشرع ذَلِك إبْقَاء عَلَيْهِ. وَقَوله ﷺ إِذا صلى أحدكُم للنَّاس فليخفف، فَإِن فيهم السقيم والضعيف وَالْكَبِير، وَإِذا صلى أحدكُم لنَفسِهِ فليطول مَا شَاءَ " أَقُول: الدعْوَة إِلَى الْحق لَا تتمّ مائدتها إِلَّا بالتيسير، والتنفير يُخَالف الْمَوْضُوع، وَالشَّيْء الَّذِي يُكَلف بِهِ جُمْهُور النَّاس من حَقه التَّخْفِيف كَمَا صرح النَّبِي ﷺ حَيْثُ قَالَ إِن مِنْكُم منفرين ". قَوْله ﷺ إِنَّمَا جعل الإِمَام ليؤتم بِهِ، فَلَا تختلفوا عَلَيْهِ، فَإِذا ركع، فاركعوا، وَإِذا قَالَ سمع الله لمن حَمده، فَقَالُوا اللَّهُمَّ رَبنَا لَك الْحَمد، وَإِذا سجد، فاسجدوا، وَإِذا صلى جَالِسا، فصلوا جُلُوسًا أَجْمَعِينَ " وَفِي رِوَايَة " وَإِذا قَالَ: (وَلَا الضَّالّين) فَقولُوا: أَمِين " أَقُول بَدْء الْجَمَاعَة مَا اجتهده عَلَيْهِ معَاذ ﵁ بِرَأْيهِ، فقرره النَّبِي ﷺ واستصوبه، وَإِنَّمَا اجْتهد لِأَنَّهُ بِهِ تصير صلَاتهم وَاحِدَة، وَدون ذَلِك إِنَّمَا هُوَ اتِّفَاق فِي الْمَكَان دون الصَّلَاة. وَقَوله ﷺ إِذا صلى جَالِسا فصلوا جُلُوسًا " مَنْسُوخ بِدَلِيل إِمَامَة النَّبِي ﷺ فِي آخر عمره جَالِسا وَالنَّاس قيام، والسر فِي هَذَا النّسخ أَن جُلُوس الإِمَام وَقيام الْقَوْم يشبه فعل الْأَعَاجِم فِي إفراط تَعْظِيم مُلُوكهمْ كَمَا صرح بِهِ فِي بعض رِوَايَات الحَدِيث، فَلَمَّا اسْتَقَرَّتْ الْأُصُول الإسلامية، وَظَهَرت الْمُخَالفَة مَعَ الْأَعَاجِم فِي كثير من الشَّرَائِع رجح قِيَاس آخر، وَهُوَ أَن الْقيام ركن الصَّلَاة، فَلَا يتْرك من غير عذر وَلَا عذر للمقتدي. قَوْله ﷺ ليلنى مِنْكُم أَو لَو الأحلام وَالنَّهْي، ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ ثَلَاثًا وَإِيَّاكُم وهيشات الْأَسْوَاق " أَقُول: ذَلِك ليتقرر عِنْدهم توقير الْكَبِير، أَو ليتنافسوا فِي عَادَة أهل السؤدد، وَلِئَلَّا يشق على أولى الأحلام تَقْدِيم من دونهم عَلَيْهِم، وَنهى عَن الهيشات تأدبا، وليتمكنوا من تدبر الْقُرْآن، وليتشبهوا بِقوم ناجوا الْملك.

стр. 329

قَوْله ﷺ أَلا تصفون كَمَا تصف الْمَلَائِكَة عِنْد رَبهَا " أَقُول لكل ملك مقَام مَعْلُوم، وَإِنَّمَا وجدوا على مُقْتَضى التَّرْتِيب الْعقلِيّ فِي الاستعدادات، فَلَا يُمكن أَن يكون هُنَالك فُرْجَة، قَوْله ﷺ إِنِّي لأرى الشَّيْطَان يدْخل من خلل الصَّفّ كَأَنَّهَا الْحَذف ". أَقُول: قد جربنَا أَن التراص فِي حلق الذّكر سَبَب جمع الخاطر ووجدان الْحَلَاوَة فِي الذّكر وسد الخطرات، وَتَركه ينقص من هَذِه الْمعَانِي، والشيطان يدْخل كلما انْتقصَ شَيْء من هَذِه الْمعَانِي، فَرَأى ذَلِك رَسُول الله ﷺ متمثلا بِهَذِهِ الصُّورَة، وَإِنَّمَا رأى فِي هَذِه الصُّورَة لِأَن دُخُول الْحَذف أقرب مَا يرى فِي الْعَادة من هجوم شَيْء فِي المضايق مَعَ السوَاد الْمشعر بقبح السريرة. فتمثل الشَّيْطَان بِتِلْكَ الصُّورَة. قَوْله ﷺ لتسون صفوفكم، أَو ليخالفن الله بَين وُجُوهكُم " وَقَوله ﷺ أما يخْشَى الَّذِي يرفع رَأسه قبل الإِمَام أَن يحول الله رَأسه إِلَى رَأس حمَار " أَقُول: كَانَ النَّبِي ﷺ أَمرهم بالتسوية والاتباع، ففرطوا، وسجل عَلَيْهِم، فَلم ينزجروا، فغلظ التهديد، وأخافهم إِن أصروا على الْمُخَالفَة أَن يلعنهم الْحق؛ إِذْ منابذة التدليات الإلهية جالبة للعن، واللعن إِذا أحَاط بِأحد يُورث المسخ، أَو وُقُوع الْخلاف بَينهم، والنكتة فِي خُصُوص الْحمار أَنه بَهِيمَة يضْرب بِهِ الْمثل فِي الْحمق والإهانة، كَذَلِك هَذَا العَاصِي غلب عَلَيْهِ البهيمية والحمق، وَفِي خُصُوص مُخَالفَة الْوُجُوه أَنهم أساءوا الْأَدَب فِي إِسْلَام الْوَجْه لله، فجوزوا فِي الْعُضْو الَّذِي أساءوا بِهِ، كَمَا فِي كي الْوُجُوه، أَو اخْتلفُوا صُورَة بالتقدم والتأخر، فجوزوا بالاختلاف معنى والمناقشة. قَوْله ﷺ إِذا جئْتُمْ إِلَى الصَّلَاة وَنحن سُجُود فاسجدوا، وَلَا تعدوه شَيْئا، وَمن أدْرك الرَّكْعَة فقد أدْرك الصَّلَاة " أَقُول: ذَلِك لِأَن الرُّكُوع أقرب شبها بِالْقيامِ، فَمن أدْرك الرُّكُوع فَكَأَنَّهُ أدْركهُ، وَأَيْضًا فالسجدة أصل أصُول الصَّلَاة وَالْقِيَام وَالرُّكُوع تمهيدا لَهُ وتوطئة.

стр. 330

وَقَوله ﷺ : " إِذا صليتما فِي رحالكما، ثمَّ أتيتما مَسْجِد جمَاعَة فَصَليَا مَعَهم، فَإِنَّهَا لَكمَا نَافِلَة " أَقُول: ذَلِك لِئَلَّا يعْتَذر وتارك الصَّلَاة بِأَنَّهُ صلى فِي بَيته، فَيمْتَنع بالإنكار عَلَيْهِ، وَلِئَلَّا تفترق كلمة الْمُسلمين وَلَو بادئ الرَّأْي. (الْجُمُعَة) الأَصْل فِيهَا أَنه لما كَانَت إِشَاعَة الصَّلَاة فِي الْبَلَد - بِأَن يجْتَمع لَهَا أَهلهَا - متعذره كل يَوْم وَجب أَن يعين لَهَا حد لَا يسْرع دورانه جدا، فيتعسر عَلَيْهِم، وَلَا ييطؤ جدا، فيفوتهم الْمَقْصُود وَكَانَ الْأُسْبُوع مُسْتَعْملا فِي الْعَرَب والعجم. وَأكْثر الْملَل، وَكَانَ صَالحا لهَذَا الْحَد، فَوَجَبَ أَن يَجْعَل ميقاتها ذَلِك، ثمَّ اخْتلف أهل الْملَل فِي الْيَوْم الَّذِي يُوَقت بِهِ، فَاخْتَارَ الْيَهُود السبت، وَالنَّصَارَى الْأَحَد لمرجحات ظَهرت لَهُم، وَخص الله تَعَالَى هَذِه الْأمة بِعلم عَظِيم نفثه أَولا فِي صُدُور أَصْحَابه ﷺ حَتَّى أَقَامُوا الْجُمُعَة فِي الْمَدِينَة قبل مقدمه ﷺ وكشفه عَلَيْهِ ثَانِيًا بِأَن أَتَاهُ جِبْرَائِيل بِمِرْآة فِيهَا نقطة سَوْدَاء، فَعرفهُ مَا أُرِيد بِهَذَا الْمِثَال، فَعرف. وَحَاصِل هَذَا الْعلم أَن أَحَق الْأَوْقَات بأَدَاء الطَّاعَات هُوَ الْوَقْت الَّذِي يتَقرَّب فِيهِ الله إِلَى عباده، ويستجاب فِيهِ أدعيتهم، لِأَنَّهُ أدنى أَن تقبل طاعتهم، وتؤثر فِي صميم النَّفس، وتنتفع نفع عدد كَبِير من الطَّاعَات، وَأَن لله وقتا دائرا بدوران الْأُسْبُوع يتَقرَّب فِيهِ إِلَى عباده، وَهُوَ الَّذِي يتجلى فِيهِ لعبادة فِي جنَّة الْكَثِيب، وَأَن أقرب مَظَنَّة لهَذَا الْوَقْت هُوَ يَوْم الْجُمُعَة، فَإِنَّهُ وَقع فِيهِ أُمُور عِظَام، وَهُوَ قَوْله ﷺ : " خير يَوْم طلعت عَلَيْهِ الشَّمْس يَوْم الْجُمُعَة، فِيهِ خلق آدم، وَفِيه أَدخل الْجنَّة، وَفِيه أخرج مِنْهَا، وَلَا تقوم السَّاعَة إِلَّا يَوْم الْجُمُعَة، والبهائم تكون فِيهِ مسيخة " يَعْنِي فزعة مرعوبة كَالَّذي مَاله صَوت شَدِيد، وَذَلِكَ لما يترشح على نُفُوسهم فِي الْمَلأ السافل، ويترشح عَلَيْهِم من الْمَلأ الْأَعْلَى حِين تفزع أَولا لنزول الْقَضَاء، وَهُوَ قَوْله ﷺ كسلسلة على صَفْوَان حَتَّى إِذا فزع عَن قُلُوبهم " الحَدِيث، وَقد حدث النَّبِي ﷺ بِهَذِهِ النِّعْمَة كَمَا أمره

стр. 331

ربه فَقَالَ: " نَحن الْآخرُونَ السَّابِقُونَ يَوْم الْقِيَامَة " يعْنى فِي دُخُول الْجنَّة أَو الْعرض لِلْحسابِ " بيد أَنهم أُوتُوا الْكتاب من قبلنَا، وأوتيناه من بعدهمْ " يَعْنِي غير هَذِه الْخصْلَة فَإِن الْيَهُود. وَالنَّصَارَى تقدمُوا فِيهَا " ثمَّ هَذَا يومهم الَّذِي فرض عَلَيْهِم " يَعْنِي الْفَرد الْمُنْتَشِر الصَّادِق بِالْجمعَةِ فِي حَقنا وبالسبت. والأحد فِي حَقهم " فَاخْتَلَفُوا فِيهِ مهدانا الله لَهُ " أَي لهَذَا الْيَوْم كَمَا هُوَ عِنْد الله، وَبِالْجُمْلَةِ فَتلك فَضِيلَة خص الله بهَا هَذِه الْأمة، وَالْيَهُود. وَالنَّصَارَى لم يفتهم أصل مَا يَنْبَغِي من التشريع، وَكَذَلِكَ الشَّرَائِع السماوية لَا تخطئ قوانين التشريع وَإِن امتاز بَعْضهَا بفضلية زَائِدَة. ونوه ﷺ بِهَذِهِ السَّاعَة، وَعظم شَأْنهَا فَقَالَ " لَا يُوَافِقهَا مُسلم يسْأَل الله فِيهَا خيرا إِلَّا أعطَاهُ إِيَّاه ". ثمَّ اخْتلفت الرِّوَايَة فِي تَعْيِينهَا فَقيل: هِيَ مَا بَين أَن يجلس الإِمَام إِلَى أَن تقضى الصَّلَاة لِأَنَّهَا سَاعَة تفتح فِيهَا أَبْوَاب السَّمَاء، وَيكون الْمُؤْمِنُونَ فِيهَا راغبين إِلَى الله، فقد أجتمع فِيهَا بَرَكَات السَّمَاء وَالْأَرْض. وَقيل بعد الْعَصْر ألى غيبوبة الشَّمْس لِأَنَّهَا وَقت نزُول الْقَضَاء، وَفِي بعض الْكتب الإلهية إِن فِيهَا خلق آدم، وَعِنْدِي أَن الْكل بَيَان أقرب مَظَنَّة، وَلَيْسَ بِتَعْيِين. ثمَّ مست الْحَاجة إِلَى بَيَان وُجُوبهَا والتأكيد فِيهِ، فَقَالَ النَّبِي ﷺ " لينتهين أَقوام عَن ودعهم الْجُمُعَات، أَو ليختمن الله على قُلُوبهم، ثمَّ لَيَكُونن من الغافلين ". أَقُول هَذَا إِشَارَة إِلَى أَن تَركهَا يفتح بَاب التهاون، وَبِه يستحوذ الشَّيْطَان. وَقَالَ ﷺ : " تجب الْجُمُعَة على كل مُسلم إِلَّا امْرَأَة أَو صبي أَو مَمْلُوك " وَقَالَ ﷺ : " الْجُمُعَة على من سمع النداء " أَقُول: هَذَا رِعَايَة للعدل بَين الإفراط والتفريط، وَتَخْفِيف لِذَوي الاعذار، وَالَّذين يشق عَلَيْهِم الْوُصُول إِلَيْهَا، أَو يكون فِي حضورهم فتْنَة. وَإِلَى اسْتِحْبَاب التَّنْظِيف وبالغسل والسواك والتطيب وَلبس الثِّيَاب لِأَنَّهَا من مكملات الطَّهَارَة، فيتضاعف التَّنْبِيه لخلة النَّظَافَة، وَهُوَ قَوْله ﷺ : " لَوْلَا أَن اشق على أمتِي لأمرتهم بِالسِّوَاكِ " وَلِأَنَّهُ لَا بُد لَهُم من يَوْم يغتسلون فِيهِ، ويتطيبون لِأَن ذَلِك من محَاسِن ارتفاقات بني آدم، وَلما لم يَتَيَسَّر كل يَوْم أَمر بذلك يَوْم الْجُمُعَة لِأَن التَّوْقِيت يحض عَلَيْهِ، ويكمل الصَّلَاة، وَهُوَ قَوْله ﷺ : " حق على كل مُسلم أَن يغْتَسل فِي كل سَبْعَة أَيَّام يَوْمًا يغسل فِيهِ

стр. 332

رَأسه وَجَسَده " وَلِأَنَّهُم كَانُوا عملة أنفسهم، وَكَانَ لَهُم إِذا اجْتَمعُوا ريح كريح الضَّأْن، فَأمروا فِي بِالْغسْلِ ليَكُون رَافعا لسَبَب التنفير، وأدعى للاجتماع، بَينه ابْن عَبَّاس وَعَائِشَة ﵄. وَإِلَى الْأَمر بالإنصات والدنو من الإِمَام، وَترك اللَّغْو والتبكير ليَكُون أدنى إِلَى اسْتِمَاع الموعظة والتدبر فِيهَا. وبالمشي وَترك الرّكُوب لِأَنَّهُ أقرب إِلَى التَّوَاضُع والتذلل لرَبه، وَلِأَن الْجُمُعَة تجمع المملق والمثري، فَلَعَلَّ من لَا يجد المركوب يستحي، فاستحب سد هَذَا الْبَاب. وَإِلَى اسْتِحْبَاب الصَّلَاة قبل الْخطْبَة لما بَينا فِي سنَن الرَّوَاتِب، فَإِذا جاءو الإِمَام يخْطب فليركع رَكْعَتَيْنِ، وليتجوز فيهمَا رِعَايَة لسنة الرَّاتِبَة وأدب الْخطْبَة جَمِيعًا بِقدر الْإِمْكَان، وَلَا تغتر فِي هَذِه الْمَسْأَلَة بِمَا يلهج بِهِ أهل بلدك فَإِن الحَدِيث صَحِيح وَاجِب اتِّبَاعه. وَإِلَى النَّهْي عَن التخطي أَو التَّفْرِيق بَين اثْنَيْنِ وَإِقَامَة أحد ليخالف إِلَى مَقْعَده لِأَنَّهَا مِمَّا يَفْعَله الْجُهَّال كثيرا، وَيحصل بهَا فَسَاد ذَات الْبَين وَهِي بذر الحقد. ثمَّ بَين رَسُول الله ﷺ ثَوَاب من أدّى الْجُمُعَة كَامِلَة موفرة بآدابها أَنه يغْفر لَهُ مَا بَينه وَبَين الْجُمُعَة الْأُخْرَى، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ مِقْدَار صَالح للحلول فِي لجة النُّور ودعوة الْمُؤمنِينَ وبركات صحبتهم وبركة الموعظة وَالذكر وَغير ذَلِك. وَبَين دَرَجَات التَّكْبِير مَا يَتَرَتَّب عَلَيْهَا من الْأجر بِمَا ضرب من مثل - الْبَدنَة. وَالْبَقَرَة. والكبش. والدجاجة - وَتلك السَّاعَات أزمنة خَفِيفَة من وَقت وجوب الْجُمُعَة إِلَى قيام الْخطْبَة. وَاعْلَم أَن كل صَلَاة تجمع الأقاصي والأدانى فَإِنَّهَا شفع وَاحِد لِئَلَّا تثقل عَلَيْهِم وَأَن فيهم الضَّعِيف والسقيم وَذَا الْحَاجة. ويجهر فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ، وليكون أمكن لتدبرهم فِي الْقُرْآن وأنوه بِكِتَاب الله، وَيكون فِيهَا خطْبَة، ليعلم الْجَاهِل، وَيذكر النَّاسِي، وَسن رَسُول الله ﷺ فِي الْجُمُعَة خطبتين يجلس بَينهمَا، ليتوفر الْمَقْصد مَعَ استراحة الْخَطِيب وتطرية نشاطه ونشاطهم.

стр. 333

وَسنة الْخطْبَة أَن يحمد الله، وَيصلى على نبيه، ويتشهد، وَيَأْتِي بِكَلِمَة الْفَصْل وَهِي - أما بعد - وَيذكر، وَيَأْمُر بالتقوى، ويحذر عَذَاب الله فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة، وَيقْرَأ شَيْئا من الْقُرْآن وَيَدْعُو للْمُسلمين وَسبب ذَلِك أَنه ضم مَعَ التَّذْكِير التنويه بِذكر الله وَنبيه وبكتاب الله لِأَن الْخطْبَة من شَعَائِر الدّين، فَلَا يَنْبَغِي أَن يخلوا مِنْهَا كالأذان. وَفِي الحَدِيث " كل خطْبَة لَيْسَ فِيهَا تشهد فَهِيَ كَالْيَدِ الجذماء " وَقد تلقت الْأمة تلقيا معنويا من غير تلقي لفظ أَنه يشْتَرط فِي الْجُمُعَة الْجَمَاعَة وَنَوع من التمدن، وَكَانَ النبى ﷺ . وخلفاؤه ﵃. وَالْأَئِمَّة المجتهدون رَحِمهم الله تَعَالَى يجمعُونَ فِي الْبلدَانِ، وَلَا يؤاخذون أهل البدو، بل وَلَا يُقَام فِي عَهدهم فِي البدو، ففهموا من ذَلِك قرنا بعد قرن وعصرا بعد عصر أَنه يشْتَرط لَهَا الْجَمَاعَة والتمدن أَقُول وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لما كَانَ حَقِيقَة الْجُمُعَة إِشَاعَة الدّين فِي الْبَلَد وَجب أَن ينظر إِلَى تَمُدَّن وَجَمَاعَة، وَالأَصَح عِنْدِي أَنه يَكْفِي اقل مَا يُقَال فِيهِ قَرْيَة، لما رُوِيَ من طرق شَتَّى يُقَوي بَعْضهَا بَعْضًا " خَمْسَة لَا جُمُعَة عَلَيْهِم " وعد مِنْهُم أهل الْبَادِيَة قَالَ ﷺ الْجُمُعَة على الْخمسين رجلا " أَقُول الْخَمْسُونَ يتقرى بهم قَرْيَة، وَقَالَ الْجُمُعَة وَاجِبَة على كل قَرْيَة " وَأَقل مَا يُقَال فِيهِ: جمَاعَة لحَدِيث الانفضاض، وَالظَّاهِر أَنهم لم يرجِعوا وَالله أعلم، فَإِذا حصل ذَلِك وَجَبت الْجُمُعَة وَمن تخلف عَنْهَا فَهُوَ الآثم، وَلَا يشْتَرط أَرْبَعُونَ، وَأَن الْأُمَرَاء أَحَق بِإِقَامَة الصَّلَاة وَهُوَ قَول عَليّ كرم الله وَجهه: أَربع إِلَى الإِمَام الخ، وَلَيْسَ وجود الإِمَام شرطا، وَالله أعلم بِالصَّوَابِ. (العيدان) الأَصْل فيهمَا أَن كل قوم لَهُم يَوْم يتجملون فِيهِ، وَيخرجُونَ من بِلَادهمْ بزينتهم، وَتلك عَادَة لَا يَنْفَكّ عَنْهَا أحد من طوائف الْعَرَب. والعجم، وَقدم ﷺ الْمَدِينَة، وَلَهُم يَوْمَانِ يَلْعَبُونَ فيهمَا، فَقَالَ: " مَا هَذَانِ اليومان؟ قَالُوا: كُنَّا نلعب فِيهَا فِي الْجَاهِلِيَّة، فَقَالَ: قد أبدلكم

стр. 334

الله بهما خيرا مِنْهُمَا يَوْم الْأَضْحَى وَيَوْم الْفطر " قيل: هما النيروز. والمهرجان، وَإِنَّمَا بَدَلا لِأَنَّهُ مَا من عيد فِي النَّاس إِلَّا وَسبب وجوده تنويه بشعائر دين، أَو مُوَافقَة أَئِمَّة مَذْهَب، أَو شَيْء مِمَّا يضاهي ذَلِك، فخشي النَّبِي ﷺ إِن تَركهم وعادتهم أَن يكون هُنَالك تنويه بشعائر الْجَاهِلِيَّة، أَو ترويج لسنة أسلافها، فأبدلهما بيومين فيهمَا تنويه بشعائر الْملَّة الحنيفية وَضم مَعَ التجميل فيهمَا ذكر الله وأبوابا من الطَّاعَة، لِئَلَّا يكون اجْتِمَاع الْمُسلمين بمحض اللّعب، وَلِئَلَّا يخلوا اجْتِمَاع مِنْهُم من إعلاء كلمة الله. أَحدهمَا يَوْم فطر صِيَامهمْ وَأَدَاء نوع من زكاتهم، فَاجْتمع الْفَرح الطبيعي من قبل تفرغهم عَمَّا يشق عَلَيْهِم وَأخذ الْفَقِير الصَّدقَات، والعقلي من قبل الابتهاج مِمَّا أنعم الله عَلَيْهِم من توفيق أَدَاء مَا افْترض عَلَيْهِم، وأسبل عَلَيْهِم من إبْقَاء رُءُوس الْأَهْل وَالْولد إِلَى سنة أُخْرَى. وَالثَّانِي يَوْم ذبح إِبْرَاهِيم وَلَده إِسْمَاعِيل ﵉ وإنعام الله عَلَيْهِمَا بِأَن فدَاه بِذبح عَظِيم، إِذْ فِيهِ تذكر حَال أَئِمَّة الْملَّة الحنيفية وَالِاعْتِبَار بهم فِي بذل المهج وَالْأَمْوَال فِي طَاعَة الله وَقُوَّة الصَّبْر، وَفِيه تشبه بالحاج وتنويه بهم وشوق لما هم فِيهِ، وَلذَلِك سنّ التَّكْبِير وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿ولتكبروا الله على مَا هدَاكُمْ﴾ . يَعْنِي شكرا لما وفقكم للصيام، وَلذَلِك سنّ الْأُضْحِية والجهر فِي بِالتَّكْبِيرِ أَيَّام منى، وَاسْتحبَّ ترك الْحلق لمن قصد التَّضْحِيَة، وَسن الصَّلَاة وَالْخطْبَة لِئَلَّا يكون شَيْء من اجْتِمَاعهم بِغَيْر ذكر الله وتنويه شَعَائِر الدّين. وَضم مَعَه مقصوا آخر من مَقَاصِد الشَّرِيعَة، وَهُوَ أَن كل مِلَّة لَا بُد لَهَا من عرضة يجْتَمع فِيهَا أَهلهَا؛ لتظهر شوكتهم، وَتعلم كثرتهم، وَلذَلِك اسْتحبَّ خُرُوج الْجَمِيع حَتَّى الصّبيان وَالنِّسَاء وَذَوَات الْخُدُور وَالْحيض ويعتزلن الْمصلى، ويشهدن دَعْوَة الْمُسلمين - وَلذَلِك كَانَ النَّبِي ﷺ يُخَالف فِي الطَّرِيق ذَهَابًا وإيابا؛ ليطلع أهل كلتا الطَّرِيقَيْنِ على شَوْكَة الْمُسلمين. وَلما كَانَ أصل الْعِيد الزِّينَة اسْتحبَّ حسن اللبَاس والتقليس وَمُخَالفَة الطَّرِيق وَالْخُرُوج إِلَى الْمصلى. وَسنة صَلَاة الْعِيدَيْنِ أَن يبْدَأ بِالصَّلَاةِ من غير أَذَان وَلَا إِقَامَة يجْهر فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ يقْرَأ عِنْد إِرَادَة التَّخْفِيف -

стр. 335

بسبح اسْم رَبك الْأَعْلَى، وَهل أَتَاك وَعند الْإِتْمَام (ق، واقتربت السَّاعَة) يكبر فِي الأولى سبعا قبل الْقِرَاءَة، وَالثَّانيَِة خمْسا قبل الْقِرَاءَة، وَعمل الْكُوفِيّين أَن يكبر اربعا كتكبير الْجَنَائِز فِي الأولى قبل الْقِرَاءَة وَفِي الثَّانِيَة بعْدهَا، وهما سنتَانِ، وَعمل الْحَرَمَيْنِ أرجح. ثمَّ يخْطب يَأْمر بتقوى الله، ويعظ، وَيذكر. وَفِي الْفطر خَاصَّة أَلا يَغْدُو حَتَّى يَأْكُل تمرات، ويأكلهن وترا، وَحَتَّى يُؤَدِّي زَكَاة الْفطر إغناء للْفُقَرَاء فِي مثل هَذَا الْيَوْم؛ ليشهدوا الصَّلَاة فارغي الْقلب، وليتحقق مُخَالفَة عَادَة الصَّوْم عِنْد إِرَادَة التنويه بِانْقِضَاء شهر الصّيام وَفِي الْأَضْحَى خَاصَّة أَلا يَأْكُل حَتَّى يرجع، فيأكل من أضحيته اعتناء بالأضحية ورغبة فِيهَا وتبركا بهَا، وَلَا يُضحي إِلَّا بعد الصَّلَاة؛ لِأَن الذّبْح لَا يكون قربَة إِلَّا بتشبه الْحَاج، وَذَلِكَ بالاجتماع للصَّلَاة. وَالْأُضْحِيَّة مُسِنَّة من معز، أَو جذع من ضَأْن فِي كل أهل بَيت وقاسوها على الْهدى، فأقاموا الْبَقر عَن سَبْعَة، وَالْجَزُور عَن سَبْعَة مقَامهَا. وَلما كَانَت الْأُضْحِية من بَاب بذل المَال لله تَعَالَى، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿لن ينَال الله لحومها وَلَا دماؤها وَلَكِن يَنَالهُ التَّقْوَى مِنْكُم﴾ . كَانَ تَسْمِيَتهَا وَاخْتِيَار الْجيد مِنْهَا مُسْتَحبا لدلالته على صِحَة رغبته فِي الله، فَلذَلِك يَتَّقِي من الضَّحَايَا أَرْبعا: العرجاء الْبَين ظلعها. والعوراء الْبَين عورها. والمريضة الْبَين مَرضهَا. والعجفاء الَّتِي لَا تنقى، وَيُنْهِي عَن أعضب الْقرن وَالْأُذن، وَسن استشراف الْعين وَالْأُذن، وَألا يُضحي بِمُقَابلَة. وَلَا مدابرة. وَلَا شرقاء وَلَا خرقاء، وَسن الْفَحْل الأقرن الَّذِي ينظر فِي سَواد، ويبرك فِي سَواد؛ ويطأ فِي سَواد لِأَن ذَلِك تَمام شباب الْعِزّ، وَمن أذكار التَّضْحِيَة. ﴿إِنِّي وجهت وَجْهي للَّذي فطر السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ . الخ اللَّهُمَّ مِنْك وَإِلَيْك وَلَك من الله، وَالله أكبر.

стр. 336

(الْجَنَائِز) اعْلَم أَن عيادات الْمَرِيض وتمسكه بالرقى الْمُبَارَكَة. والرفق بالمحتضر. وتكفين الْمَيِّت وَدَفنه، والاحسان إِلَيْهِ والبكا عَلَيْهِ وتعزية أَهله. وزيارة الْقُبُور أُمُور تتداولها طوائف الْعَرَب، وتتوارد عَلَيْهَا أَو على نظائرها أَصْنَاف الْعَجم، وَتلك عَادَة لَا يَنْفَكّ عَنْهَا أهل الأمزجة السليمة، وَلَا يَنْبَغِي لَهُم أَن ينفكوا، فَلَمَّا بعث النَّبِي ﷺ نظر فِيمَا عِنْدهم من الْعَادَات فأصلحها، وَصحح السقيم مِنْهَا. والمصلحة المرعية إِمَّا رَاجِعَة إِلَى نفس الْمُبْتَلى من حَيْثُ الدُّنْيَا، أَو من حَيْثُ الْآخِرَة، أَو إِلَى أَهله من إِحْدَى الحيثيتين، أَو فِي الْملَّة، وَالْمَرِيض يحْتَاج إِلَى حَيَاته الدُّنْيَا إِلَى تَنْفِيس كربته بالتسلية والرفق، وَإِلَى أَن يتَعَرَّض النَّاس لمعاونته فِيمَا يعجز عَنهُ، وَلَا يتَحَقَّق إِلَّا أَن تكون العيادة سنة لَازِمَة فِي إخوانه وَأهل مدينته، وَفِي آخرته يحْتَاج إِلَى الصَّبْر، وَأَن يتَمَثَّل الشدائد عِنْده بِمَنْزِلَة الدَّوَاء المر يعاف طعمها، ويرجو نَفعهَا لِئَلَّا يكون سَببا لغوصه فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا واحتجابه والتنحي عَن ربه، بل مؤيدة فِي حط ذنُوبه مَعَ تحلل أَجزَاء نسمته، وَلَا يتَحَقَّق إِلَّا بِأَن يُنَبه على فَوَائِد الصَّبْر وَمَنَافع الآلام والمحتضر فِي آخر يَوْم من أَيَّام الدُّنْيَا، وَأول يَوْم من أَيَّام الْآخِرَة، فَوَجَبَ أَن يحث على الذّكر والتوجه إِلَى الله لتفارق نَفسه - وَهِي فِي غاشية من الْإِيمَان - فيجد ثَمَرَتهَا فِي معاده، وَالْإِنْسَان عِنْد سَلامَة مزاجه كَمَا جبل على حب المَال والأهل كَذَلِك جبل على حب أَن يذكرهُ النَّاس بِخَير فِي حَيَاته وَبعد مماته، وَألا تظهر سوأته لَهُم حَتَّى إِن أَسد النَّاس رَأيا من كل طَائِفَة يجب أَن يبْذل أَمْوَالًا خطيرة فِي بِنَاء شامخ يبْقى بِهِ ذكره، ويهجم على المهالك؛ ليقال لَهُ من بعده: أَنه جرئ، ويوصي أَن يَجْعَل قَبره شامخا ليقول النَّاس: هُوَ ذُو حَظّ عَظِيم فِي حَيَاته وَبعد مَوته، وَحَتَّى قَالَ حكماؤهم: إِن من كَانَ ذكره حَيا فِي النَّاس، فَلَيْسَ بميت، وَلما كَانَ ذَلِك أمرا يخلقون عَلَيْهِ ويموتون مَعَه كَانَ تَصْدِيق ظنهم وإيفاء وعدهم نوعا من الْإِحْسَان إِلَيْهِم بعد مَوْتهمْ. وَأَيْضًا إِن الرّوح إِذا فَارَقت الْجَسَد بقيت حساسة مدركة بالحس الْمُشْتَرك وَغَيره، وَبقيت على علومها وظنونها الَّتِي كَانَت مَعهَا فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا، ويترشح عَلَيْهَا من فَوْقهَا عُلُوم يعذب بهَا أَو ينعم، وهمم الصَّالِحين من عباد الله ترتقي إِلَى حَظِيرَة الْقُدس فَإِذا ألحوا فِي الدُّعَاء لمَيت، أَو عانوا صَدَقَة عَظِيمَة لأَجله وَقع ذَلِك بتدبير الله نَافِعًا للْمَيت، وصادف الْفَيْض النَّازِل عَلَيْهِ من هَذِه الحظيرة، فأعد لرفاهية حَاله.

стр. 337

وَأهل الْمَيِّت قد أَصَابَهُم حزن شَدِيد، فمصلحتهم من حَيْثُ الدُّنْيَا أَن يعزوا؛ ليخفف ذَلِك عَنْهُم بعض مَا يجدونه. وَأَن يعاونوا على دفن ميتهم، وَأَن يهيأ لَهُم مَا يشبعهم فِي يومهم وليلتهم، وَمن حَيْثُ الْآخِرَة أَن يَرْغَبُوا فِي الْأجر الجزيل ليَكُون سدا لغوصهم فِي القلق، وفتحا لباب التَّوَجُّه إِلَى الله، وَأَن ينهوا عَن النِّيَاحَة وشق الْجُيُوب وَسَائِر مَا يذكرهُ الأسف والموجدة، ويتضاعف بِهِ الْحزن والقلق؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ بِمَنْزِلَة الْمَرِيض يحْتَاج أَن يداوى مَرضه لَا يَنْبَغِي أَن يمد فِيهِ، وَكَانَ أهل الْجَاهِلِيَّة ابتدعوا أمورا تقضى إِلَى الشّرك بِاللَّه، فمصلحة الْملَّة أَن يسد ذَلِك الْبَاب، إِذا علمت هَذَا حَان أَن شرع فِي شرح الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي الْبَاب، قَوْله ﷺ : مَا من مُسلم يُصِيبهُ أَذَى من مرض، فَمَا سواهُ إِلَّا حط الله تَعَالَى بِهِ سيأته كَمَا تحط الشَّجَرَة وَرقهَا ". أَقُول قد ذكرنَا الْمعَانِي الْمُوجبَة لتكفير الْخَطَايَا، مِنْهَا كسر حجاب النَّفس، وتحلل النَّسمَة البهيمية الحاملة للملكات السَّيئَة، وَأَن صَاحبهَا يعرض عَن الاطمئنان بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا نوع إِعْرَاض. قَوْله ﷺ " مثل الْمُؤمن كَمثل الخامة وَمثل الْمُنَافِق كَمثل الازره " الحَدِيث أَقُول: السِّرّ فِي ذَلِك أَن لنَفس الْإِنْسَان قوتين: قُوَّة بهيمية، وَقُوَّة ملكية، وَأَن من خاصيته أَنه قد تكمن بهيميته، وتبرز ملكيته، فَيصير فِي أعداد الْمَلَائِكَة ... ، وَقد تكمن ملكيته، وتبرز بهيميته، فَيصير كَأَنَّهُ من الْبَهَائِم لَا يعبأ بِهِ، وَله عِنْد الْخُرُوج من سُورَة البهيمية إِلَى سلطنة الملكية أَحْوَال تتعالجان فِيهَا، تنَال هَذِه مِنْهَا وَتلك من هَذِه ... ، وَتلك مَوَاطِن المجازاة فِي الدُّنْيَا، وَقد ذكرنَا لمية المجازاة من قبل، فراجع. قَوْله ﷺ : " إِذا مرض العَبْد، أَو سَافر كتب لَهُ بِمثل مَا كَانَ يعْمل صَحِيحا مُقيما " أَقُول: الْإِنْسَان إِذا كَانَ جَامع الهمة على الْفِعْل، وَلم يمْنَع عَنهُ إِلَّا مَانع خارجي، فقد أَتَى بوظيفة الْقلب، وَإِنَّمَا التَّقْوَى فِي الْقلب، وَإِنَّمَا الْأَعْمَال شُرُوح ومؤكدات، يعَض عَلَيْهَا عِنْد الِاسْتِطَاعَة، ويمهل عِنْد الْعَجز.

стр. 338

قَوْله ﷺ : " الشُّهَدَاء خَمْسَة، أَو سَبْعَة " الحَدِيث أَقُول: الْمُصِيبَة الشَّدِيدَة الَّتِي لَيست بصنعة العَبْد تعْمل عمل الشَّهَادَة فِي تَكْفِير الذُّنُوب، وَكَونه مرحوما. قَوْله ﷺ : " إِن الْمُسلم إِذا عَاد أَخَاهُ الْمُسلم لم يزل فِي خرفة الْجنَّة حَتَّى يرجع " أَقُول: تآلف أهل الْمَدِينَة فِيمَا بَينهم لَا يُمكن إِلَّا بمعاونة ذَوي الْحَاجَات، وَالله تَعَالَى يحب مَا فِيهِ صَلَاح مدينتهم، والعيادة سَبَب صَالح لإِقَامَة التألف. قَول الله تَعَالَى يَوْم الْقِيَامَة: " يَا ابْن آدم مَرضت فَلم تعدني " الخ أَقُول: هَذَا التجلي مثله بِالنِّسْبَةِ إِلَى الرّوح الْأَعْظَم الْمَذْكُور فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿الْمَلَائِكَة وَالروح﴾ . مثل الصُّورَة الظَّاهِرَة فِي رُؤْيا الْإِنْسَان بِالنِّسْبَةِ إِلَى ذَلِك الْإِنْسَان، فَكَمَا أَن اعْتِقَاد الْإِنْسَان فِي ربه أَو حكمه وَرضَاهُ فِي حق هَذَا الشَّخْص يتَمَثَّل فِي رُؤْيَاهُ بربه تَعَالَى، وَلذَلِك كَانَ من حق الْمُؤمن الْكَامِل أَن يرَاهُ فِي أحسن صُورَة كَمَا رَآهُ النَّبِي ﷺ ، وَكَانَ تَعْبِير من يرَاهُ يلطمه فِي دهليز بَابه أَنه فرط فِي جنب الله فِي ذَلِك الدهليز، فَكَذَلِك يتَمَثَّل حق الله وَحكمه وَرضَاهُ وتدبيره أَو قيوميته لأفراد الْإِنْسَان، أَو كَونه مبدأ تحققهم ومبلغ اعْتِقَاد أَفْرَاد الْإِنْسَان فِي رَبهم عِنْد صِحَة مزاجهم واستقامة نُفُوسهم حَسْبَمَا تعطيه الصُّورَة النوعية فِي أَفْرَاد الْإِنْسَان فِي الْمعَاد بصور كَثِيرَة كَمَا بَينه النَّبِي ﷺ ، وَهَذَا التجلي إِنَّمَا هُوَ للروح الْأَعْظَم الَّذِي هُوَ جَامع أَفْرَاد الْإِنْسَان، ومتلقى كثرتهم، ومبلغ رقيهم فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة، أَعنِي بذلك أَن هُنَا لَك لله تَعَالَى شَأْنًا كليا بِحَسب قيومته لَهُ وَحكمه فِيهِ، وَهُوَ الَّذِي يرَاهُ النَّاس فِي الْمعَاد عيَانًا دَائِما بقلوبهم وَأَحْيَانا إِذا تمثل بِصُورَة مُنَاسبَة بِأَبْصَارِهِمْ وَبِالْجُمْلَةِ فَلذَلِك كَانَ هَذَا التجلي مكشافا بِحكم الله وَحقه فِي أَفْرَاد الْإِنْسَان من حَيْثُ تعطيها الصُّورَة النوعية مثل تألفهم فِيمَا بَينهم وتحصيلهم للكمال الإنساني الْمُخْتَص بالنوع وَإِقَامَة الْمصلحَة المرضية فيهم، فَوَجَبَ أَن ينْسب مَا للْقَوْم إِلَى نَفسه لهَذِهِ العلاقة. وَأمر النَّبِي ﷺ برقى تَامَّة كَامِلَة فِيهَا ذكر الله والاستعانة بِهِ يُرِيد أَن تغشاهم غاشية من رَحْمَة الله، فندفع بلاياهم، وَأَن يكبحهم عَمَّا كَانُوا يَفْعَلُونَ فِي الْجَاهِلِيَّة من الِاسْتِعَانَة

стр. 339

بطواغيتهم، ويعوضهم عَن ذَلِك بِأَحْسَن عوض، مِنْهَا قَول الراقي وَهُوَ يمسحه بِيَمِينِهِ: " أذهب الباس رب النَّاس، واشف أَنْت الشافي لَا شِفَاء إِلَّا شفاؤك شِفَاء لَا يُغَادر سقما " وَقَوله: " بِسم الله ارقيك من كل شَيْء يُؤْذِيك من شَرّ كل نفس أَو عين حَاسِد، الله يشفيك باسم الله أرقيك " وَقَوله " أُعِيذك بِكَلِمَات الله التَّامَّة من كل شَيْطَان وَهَامة وَمن كل عين لَامة " وَقَوله سبع مَرَّات: " أسأَل الله الْعَظِيم رب الْعَرْش الْعَظِيم أَن يشفيك " وَمِنْهَا النفث بالمعوذات، وَالْمسح، وَأَن يضع يَده على الَّذِي يألم من جسده وَيَقُول. " باسم الله ثَلَاثًا وَسبع مَرَّات أعوذ بعزة الله وَقدرته من شَرّ مَا أجد وأحاذر "، وَأَقُول: " باسم الله الْكَبِير أعوذ بِاللَّه الْعَظِيم من شَرّ كل عرق نعار وَمن شَرّ حر النَّار " وَقَوله: " رَبنَا الله الَّذِي فِي السَّمَاء تقدس اسْمك، أَمرك فِي السَّمَاء وَالْأَرْض، كَمَا رحمتك فِي السَّمَاء فَاجْعَلْ رحمتك فِي الأَرْض، اغْفِر لنا حوبنا وخطايانا، أَنْت رب الطيبين، أنزل رَحْمَة من رحمتك وشفاء من شفائك على هَذَا الوجع. قَوْله ﷺ : " لَا يتمنين أحدكُم الْمَوْت " الحَدِيث. أَقُول: من أدب الْإِنْسَان فِي جنب ربه أَلا يجترئ على طلب سلب نعْمَة، والحياة نعْمَة كَبِيرَة لِأَنَّهَا وَسِيلَة إِلَى كسب الْإِحْسَان، فَإِنَّهُ إِذا مَاتَ انْقَطع أَكثر عمله، وَلَا يترقى إِلَّا ترقيا طبيعيا، وَأَيْضًا فَذَلِك تهور وتضجر وهما من أقبح الْأَخْلَاق. قَوْله ﷺ : " من أحب لقاءه الله أحب الله لقاءه وَمن كره لِقَاء الله كره الله لِقَائِه ". أَقُول: معنى لِقَاء الله أَن ينْتَقل من الْإِيمَان بِالْغَيْبِ إِلَى الْإِيمَان عيَانًا وَشَهَادَة، وَذَلِكَ أَن تنقشع عَنهُ الْحجب الغليظة البهيمية فَيظْهر نور الملكية، فيترتشح عَلَيْهِ الْيَقِين من حَظِيرَة الْقُدس، فَيصير مَا وعد على أَلْسِنَة التراجمة بمرأى مِنْهُ ومسمع، وَالْعَبْد الْمُؤمن الَّذِي لم يزل يسْعَى فِي ردع بهيميته وتقوية ملكيته يشتاق إِلَى هَذِه الْحَالة اشتياق كل عنصر إِلَى حيزه وكل ذِي حس إِلَى مَا هُوَ لَذَّة ذَلِك الْحس، وَإِن كَانَ بِحَسب نظام جسده يتألم، ويتنفر من الْمَوْت وأسبابه. وَالْعَبْد الْفَاجِر الَّذِي لم يزل يسْعَى فِي تَغْلِيظ البهيمية يشتاق إِلَى الْحَيَاة الدُّنْيَا، ويميل إِلَيْهَا كَذَلِك، وَحب الله وكراهيته وردا على المشاكلة، وَالْمرَاد إعداد مَا يَنْفَعهُ أَو يُؤْذِيه وتهيئته وَكَونه بمرصاد من ذَلِك.

стр. 340

وَلما اشْتبهَ على عَائِشَة ﵂ أحد الشَّيْئَيْنِ بِالْآخرِ نبه رَسُول الله ﷺ على الْمَعْنى المُرَاد بِذكر أصرح حالات الْحبّ المترشح من فَوْقه الَّذِي لَا يشْتَبه بِالْآخرِ وَهِي حَالَة ظُهُور الْمَلَائِكَة. وَقَوله ﷺ : " لَا يموتن أحدكُم إِلَّا وَهُوَ يحسن ظَنّه بربه " اعْلَم أَنه لَيْسَ عمل صَالح أَنْفَع للْإنْسَان بعد أدنى مَا تستقيم بِهِ النَّفس، ويندفع بِهِ اعوجاجها، أَعنِي أَدَاء الْفَرَائِض والاجتناب من الْكَبَائِر من أَن يَرْجُو من الله خيرا، فَإِن التملي من الرَّجَاء بِمَنْزِلَة الدُّعَاء الحثيث والهمة القوية فِي كَونه معدا لنزول رَحْمَة الله، وَإِنَّمَا الْخَوْف سيف يُقَاتل بِهِ أَعدَاء الله من الْحجب الغليظة الشهوية والسبعية ووساوس الشَّيْطَان، وكما أَن الرجل الَّذِي لَيْسَ بحاذق فِي الْقِتَال قد يَسْطُو بِسَيْفِهِ، فَيُصِيب نَفسه كَذَلِك الَّذِي لَيْسَ بحاذق فِي تَهْذِيب النَّفس وَرُبمَا يسْتَعْمل الْخَوْف فِي غير مَحَله، فيتهم جَمِيع أَعماله الْحَسَنَة بالعجب والرياء وَسَائِر الْآفَات حَتَّى لَا يحْتَسب لشَيْء مِنْهَا أجرا عِنْد الله، وَيرى جَمِيع صغائره وزلاته وَاقعَة بِهِ لَا محَالة، فَإِذا مَاتَ تمثلت سيئاته عاضة عَلَيْهِ فِي ظَنّه، فَكَانَ ذَلِك سَببا لفيضان قُوَّة مثالية فِي تِلْكَ الْمثل الخيالية، فيعذب نوعا من الْعَذَاب، وَلم ينْتَفع بحسناته من أجل تِلْكَ الشكوك والظنون انتفاعا معتدا بِهِ، وَهُوَ قَوْله ﷺ عَن الله ﵎ أَنا عِنْد ظن عَبدِي بِي " وَلما كَانَ الْإِنْسَان فِي مَرضه وَضَعفه كثيرا مَا لَا يتَمَكَّن من اسْتِعْمَال سيف الْخَوْف فِي مَحَله أَو يشْتَبه عَلَيْهِ كَانَت السّنة فِي حَقه أَن يكون رجاؤه أَكثر من خَوفه. قَوْله ﷺ : " أَكْثرُوا ذكر هَادِم اللَّذَّات " أَقُول: لَا شَيْء أَنْفَع فِي كسر حجاب النَّفس وردع الطبيعة عَن خوضها فِي لَذَّة الْحَيَاة الدُّنْيَا من ذكر الْمَوْت، فَإِنَّهُ يمثل بَين عَيْنَيْهِ صُورَة الانفكاك عَن الدُّنْيَا وهيئة لِقَاء الله، وَلِهَذَا التمثل أثر عَجِيب، وَقد ذكرنَا شَيْئا من ذَلِك فراجع. وَقَوله ﷺ " من كَانَ آخر كَلَامه لَا إِلَه إِلَّا الله دخل الْجنَّة " أَقُول: ذَلِك لِأَن مؤاخذته نَفسه - وَقد أحيط بِنَفسِهِ - بِذكر الله تَعَالَى دَلِيل صِحَة إيمَانه وَدخُول بشاشته الْقلب، وَأَيْضًا فَذكره ذَلِك مَظَنَّة انصباغ نَفسه بصبغ الْإِحْسَان، فَمن مَاتَ وهذ، حَالَته وَجَبت لَهُ الْجنَّة.

стр. 341

قَوْله ﷺ : لقنوا مَوْتَاكُم لَا إِلَه إِلَّا الله " وَقَوله ﷺ أقرءوا على مَوْتَاكُم (يس) أَقُول: هَذَا غَايَة الْإِحْسَان بالمختصر بِحَسب صَلَاح معاده، وَإِنَّمَا خص " لَا إِلَه إِلَّا الله " لِأَنَّهُ أفضل الذّكر مُشْتَمل على التَّوْحِيد وَنفي الْإِشْرَاك، وأنوه أذكار الْإِسْلَام، و (يس) لِأَنَّهُ قلب الْقُرْآن، وسيأتيك، لِأَنَّهُ مِقْدَار صَالح للعظة. قَوْله ﷺ : مَا من مُسلم تصيبه مُصِيبَة، فَيَقُول مَا أَمر الله: ﴿إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون﴾ . اللَّهُمَّ أجرني فِي مصيبتي واخلف لي خيرا مِنْهَا إِلَّا أخلف الله لَهُ خيرا مِنْهَا " أَقُول: ذَلِك ليتذكر الْمُصَاب مَا عِنْد الله من الْأجر، وَمَا الله قَادر عَلَيْهِ من أَن يخلف عَلَيْهِ خيرا لتتخفف موجدته. قَوْله ﷺ " إِذا حضرتم الْمَيِّت، فَقولُوا خيرا " كَقَوْلِه ﷺ : " اللَّهُمَّ اغْفِر لأبي سَلمَة وَرفع دَرَجَته " الحَدِيث أَقُول: كَانَ من عَادَة النَّاس فِي الْجَاهِلِيَّة أَن يدعوا على أنفسهم، وَعَسَى أَن، يتَّفق سَاعَة الْإِجَابَة، فيستجاب، فبدل ذَلِك بِمَا هُوَ أَنْفَع لَهُ وَلَهُم، وَأَيْضًا فَهَذِهِ هِيَ الصدمة الأولى، فَيسنّ هَذَا الدُّعَاء ليَكُون وَسِيلَة إِلَى التَّوَجُّه تِلْقَاء الله. قَالَ النَّبِي ﷺ فِي ابْنَته: اغسلنها وترا، ثَلَاثًا أَو خمْسا. أَو سبعا بِمَاء وَسدر، واجعلن فِي الْآخِرَة كافورا، وَقَالَ: ابدأن بميامنها ومواضع الْوضُوء مِنْهَا أَقُول: الأَصْل فِي غسل الْمَوْتَى أَن يحمل على غسل الْأَحْيَاء لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي كَانَ يَسْتَعْمِلهُ فِي حَيَاته وَهُوَ الَّذِي يَسْتَعْمِلهُ الغاسلون فِي أنفسهم فَلَا شَيْء فِي تكريم الْمَيِّت مثله، وَإِنَّمَا أَمر بالسدر وَزِيَادَة الغسلات لِأَن الْمَرَض مَظَنَّة الأوساخ والرياح المنتنة، وَإِنَّمَا أَمر بالكافور فِي الْآخِرَة لِأَن من خاصيته أَلا يسْرع التَّغَيُّر فِيمَا اسْتعْمل، وَيُقَال: من فَوَائده أَنه لَا يقرب مِنْهُ حَيَوَان مؤذ، وَإِنَّمَا بُدِئَ بالميامن ليَكُون غسل الْمَوْتَى بِمَنْزِلَة غسل الْأَحْيَاء، وليحصل إكرام هَذِه الْأَعْضَاء، وَإِنَّمَا جرت السّنة فِي الشَّهِيد أَلا يغسل، ويدفن فِي ثِيَابه ودمائه تنويها بِمَا فعل، وليتمثل صُورَة بَقَاء عمله بادى الرَّأْي، وَلِأَن النُّفُوس البشرية إِذا فَارَقت أجسادها بقيت حساسة عَالِمَة بأنفسها وَيكون بَعْضهَا مدْركا لما يفعل بهَا فَإِذا أُبْقِي أثر عمل مثل هَذِه كَانَ إِعَانَة فِي تذكر الْعَمَل وتمثله عِنْدهَا، وَهَذَا قَوْله ﷺ " جروحهم تدمي اللَّوْن لون دم وَالرِّيح ريح مسك " وَصَحَّ فِي الْمحرم أَيْضا " كفنوه فِي ثوبيه، وَلَا تمسوه بِطيب، وَلَا تخمروا رَأسه، فَإِنَّهُ يبْعَث يَوْم الْقِيَامَة ملبيا " فَوَجَبَ الْمصير إِلَيْهِ.

стр. 342

وَإِلَى هَذِه النُّكْتَة أَشَارَ النَّبِي ﷺ : لقَوْله " الْمَيِّت يبْعَث فِي ثِيَابه الَّتِي يَمُوت فِيهَا " وَالْأَصْل فِي التَّكْفِين الشّبَه بِحَال النَّائِم المسجي بِثَوْبِهِ، أكمله فِي الرجل إِزَار وقميص وَمِلْحَفَة أَو حلَّة، وَفِي الْمَرْأَة هَذِه مَعَ زِيَادَة لِأَنَّهُ يُنَاسِبهَا زِيَادَة السّتْر قَوْله ﷺ " لَا تغَالوا فِي الْكَفَن فَإِنَّهُ يسلب سلبا سَرِيعا " أَرَادَ الْعدْل بَين الإفراط والتفريط وَألا ينتحلوا عَادَة الْجَاهِلِيَّة فِي المغالاة. قَوْله ﷺ " أَسْرعُوا فِي بالجنازة فَإِنَّهَا إِن تَكُ صَالِحَة " أَقُول السَّبَب فِي ذَلِك أَن الإبطاء مَظَنَّة فَسَاد جثة الْمَيِّت وقلق الْأَوْلِيَاء فَإِنَّهُم مَتى مَا رَأَوْا الْمَيِّت اشتدت موجدتهم، وَإِذا غَابَ عَنْهُم اشتغلوا عَنهُ، وَقد أَشَارَ النَّبِي ﷺ إِلَى كلا السببين فِي كلمة وَاحِدَة حَيْثُ قَالَ " لَا يَنْبَغِي لجيفة مُسلم أَن تحسس بَين ظهراني أَهله ". قَوْله ﷺ " فَإِن كَانَت صَالِحَة " الخ أَقُول: هَذَا عندنَا مَحْمُول على حَقِيقَته، وَبَعض النُّفُوس إِذا فَارَقت أجسادها تحس بِمَا يفعل بجسدها، وتتكلم بِكَلَام روحاني إِنَّمَا يفهم من الترشح على النُّفُوس دون المالوف عِنْد النَّاس من الِاسْتِمَاع بالأذن، وَذَلِكَ قَوْله ﷺ : إِلَّا الْإِنْسَان ". قُوَّة لَهُ ﷺ : " من اتبع جَنَازَة مُسلم إِيمَانًا واحتسابا " الخ أَقُول: السِّرّ فِي شرع الِاتِّبَاع إكرام الْمَيِّت وجبر قُلُوب الْأَوْلِيَاء ليَكُون طَرِيقا إِلَى اجْتِمَاع أمة صَالِحَة من الْمُؤمنِينَ للدُّعَاء لَهُ تعرضا لمعاونة الْأَوْلِيَاء فِي الدّفن؛ وَلذَلِك رغب فِي الْوُقُوف لَهَا إِلَى أَن يفرغ من الدّفن، وَنهى عَن الْقعُود حَتَّى تُوضَع. قَوْله ﷺ " إِن الْمَوْت فزع فَإِذا رَأَيْتُمْ الْجِنَازَة فَقومُوا " أَقُول لما كَانَ ذكر هاذم اللَّذَّات والاتعاظ من انْقِرَاض حَيَاة الاخوان مَطْلُوبا وَكَانَ أمرا خفِيا لَا يدْرِي الْعَامِل بِهِ من التارك لَهُ ضبط بِالْقيامِ لَهَا، وَلكنه النَّبِي ﷺ لم يعزم عَلَيْهِ وَلم يكن سنة قَائِمَة، وَقيل: مَنْسُوخ، وعَلى هَذَا فالسر فِي النّسخ أَنه كَانَ أهل الْجَاهِلِيَّة يَفْعَلُونَ أفعالا مشابهة بِالْقيامِ، فخشي أَن يحمل ذَلِك على غير محمله، فَيفتح بَاب الممنوعات،

стр. 343

وَالله أعلم. وَإِنَّمَا شرعت الصَّلَاة على الْمَيِّت لِأَن اجْتِمَاع أمة من الْمُؤمنِينَ شافعين للْمَيت لَهُ تَأْثِير بليغ فِي نزُول الرَّحْمَة عَلَيْهِ. وَصفَة الصَّلَاة عَلَيْهِ أَن يَقُول الإِمَام بِحَيْثُ يكون الْمَيِّت بَينه وَبَين الْقبْلَة ويصطف النَّاس خَلفه وَيكبر أَربع تَكْبِيرَات يَدْعُو فِيهَا للْمَيت ثمَّ يسلم، وَهَذَا مَا تقرر فِي زمَان عمر ﵁، وَاتفقَ عَلَيْهِ جَمَاهِير الصَّحَابَة. وَمن بعدهمْ وَإِن كَانَت الْأَحَادِيث متخالفة فِي الْبَاب. وَمن السّنة قِرَاءَة فَاتِحَة الْكتاب لِأَنَّهَا خير الْأَدْعِيَة وأجمعها، علمهَا الله تَعَالَى عباده فِي مُحكم كِتَابه، وَمِمَّا حفظ من دُعَاء النَّبِي ﷺ على الْمَيِّت " اللَّهُمَّ اغْفِر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وَكَبِيرنَا وَذكرنَا وأنثانا، اللَّهُمَّ من أحييته منا فأحيه على الْإِسْلَام، وَمن توفيته منا فقوفه على الْإِيمَان، اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمنَا أجره، وَلَا تفتنا بعده " و" اللَّهُمَّ إِن فلَان ابْن فلَان فِي ذِمَّتك وحبل جوارك فقه من فتْنَة الْقَبْر وَعَذَاب النَّار، وَأَنت أهل الْوَفَاء وَالْحق، اللَّهُمَّ اغْفِر لَهُ وارحمه إِنَّك أَنْت الغفور الرَّحِيم " و" اللَّهُمَّ اغْفِر لَهُ، وارحمه، وعافه، واعف عَنهُ، وَأكْرم نزله، ووسع مدخله، واغسله بِالْمَاءِ والثلج وَالْبرد، ونقه من الْخَطَايَا كَمَا نقيت الثَّوْب الْأَبْيَض من الدنس، وأبدله دَارا خير من دَاره وَأهلا خيرا من أَهله وزوجا خيرا من زوجه، وَأدْخلهُ الْجنَّة، وأعذه من عَذَاب الْقَبْر وَمن عَذَاب النَّار " وَفِي رِوَايَة " وقه فتْنَة الْقَبْر وَعَذَاب النَّار " قَوْله ﷺ " إِن هَذِه الْقُبُور مَمْلُوءَة ظلمَة على أَهلهَا، وَإِن الله ينورها لَهُم بصلاتي " وَقَوله ﷺ " مَا من مُسلم يَمُوت، فَيقوم على جنَازَته أَرْبَعُونَ رجلا لَا يشركُونَ بِاللَّه شَيْئا إِلَّا شفعهم الله فِيهِ "، وَفِي رِوَايَة " يُصَلِّي عَلَيْهِ أمة من الْمُسلمين يبلغون مائَة " أَقُول: لما كَانَ الْمُؤثر هُوَ الدُّعَاء - مِمَّن لَهُ بَال عِنْد الله ليخرق دعاؤه الْحجب، ويعد لنزوله الرَّحْمَة بِمَنْزِلَة الاسْتِسْقَاء - وَجب أَن يرغب فِي أحد الْأَمريْنِ أَن يكون من نفس عالية تعد أمة من النَّاس، أَو جمَاعَة عَظِيمَة. قَوْله ﷺ " هَذَا أثنيتم عَلَيْهِ خيرا وَجَبت لَهُ الْجنَّة " الحَدِيث أَقُول: أَنا الله تَعَالَى إِذا أحب عبدا أحبه الْمَلأ الْأَعْلَى، ثمَّ ينزل الْقبُول فِي الْمَلأ السافل، ثمَّ إِلَى الصَّالِحين من النَّاس، وَإِذا أبْغض عبدا نزل البغض كَذَلِك، فَمن شهد لَهُ جمَاعَة من الصَّالِحِي الْمُسلمين بِالْخَيرِ من صميم قُلُوبهم من غير رِيَاء وَلَا مُوَافقَة عَادَة فَإِنَّهُ آيَة كَونه ناجيا، وَإِذا أثنوا عَلَيْهِ شرا فَإِنَّهُ آيَة كَونه هَالكا، وَمعنى قَوْله ﷺ : " أَنْتُم شُهَدَاء الله فِي الأَرْض " إِنَّهُم مورد الإلهام وتراجمة الْغَيْب. قَوْله ﷺ : " لَا تسبوا الْأَمْوَات فَإِنَّهُم قد أفضوا إِلَى مَا قدمُوا "

стр. 344

أَقُول: لما كَانَ سَبَب الأموت سَبَب غيظ الْأَحْيَاء وتأذيهم وَلَا فَائِدَة فِيهِ، وَإِن كثيرا من النَّاس لَا يعلم حَالهم إِلَّا الله نهى عَنهُ، وَقد بَين النَّبِي ﷺ هَذَا السَّبَب فِي قصَّة سبّ جاهلي وَغَضب الْعَبَّاس لاجله. وَهل يمشي أَمَام الْجِنَازَة أَو خلفهَا، وَهل يحملهَا أَرْبَعَة أَو اثْنَان، وَهل يسل من قبل رجلَيْهِ أَو من الْقبْلَة؟ الْمُخْتَار أَن الْكل وَاسع، وَأَنه قد صَحَّ فِي الْكل حَدِيث أَو أثر. قَوْله ﷺ : " اللَّحْد لنا والشق لغيرنا " أَقُول ذَلِك لِأَن اللَّحْد أقرب من إكرام الْمَيِّت وإهالة التُّرَاب على وَجهه من غير ضَرُورَة سوء أدب. وَإِنَّمَا بعث النَّبِي ﷺ عليا ﵁ أَلا يدع تمثالا إِلَّا طمثه، وَلَا قبرا مشرفا إِلَّا سواهُ، وَنهى أَن يجصص الْقَبْر، وَأَن يبْنى عَلَيْهِ، وَأَن يقْعد عَلَيْهِ، وَقَالَ: " لَا تصلوا إِلَيْهَا لِأَن ذَلِك ذَرِيعَة أَن يتخذها النَّاس معبودا، وَأَن يفرطوا فِي تعظيمها بِمَا لَيْسَ بِحَق، فيحرفوا دينهم كَمَا فعل أهل الْكتاب، وَهُوَ قَوْله ﷺ : " لعن الله الْيَهُود وَالنَّصَارَى اتَّخذُوا قُبُور أَنْبِيَائهمْ مَسَاجِد وَمعنى أَن يقْعد عَلَيْهِ، قيل: أَن يلازمه المزورون، وَقيل: أَن يطأوا الْقُبُور، وعَلى هَذَا فَالْمَعْنى إكرام الْمَيِّت، فَالْحق التَّوَسُّط بَين التَّعْظِيم الَّذِي يُقَارب الشّرك، وَبَين الإهانة وَترك الْمُوَالَاة بِهِ. وَلما كَانَ البكا على الْمَيِّت والحزن عَلَيْهِ طبيعة لَا يَسْتَطِيعُونَ أَن ينفكوا عَنْهَا لم يجز أَن يكلفوا بِتَرْكِهِ كَيفَ وَهُوَ ناشيء من رقة الجنسية وَهِي محمودة لتوقف تألف أهل الْمَدِينَة فِيمَا بَينهم عَلَيْهَا، وَلِأَنَّهَا مُقْتَضى سَلامَة مزاج الْإِنْسَان، وَهُوَ قَوْله ﷺ : " إِنَّمَا يرحم الله من عباده الرُّحَمَاء ". قَوْله ﷺ : " أَنا الله لَا يعذب بدمع الْعين وَلَا بحزن الْقلب، وَلَكِن يعذب بِهَذَا - وَأَشَارَ إِلَى لِسَانه - أَو يرحم "، قَوْله ﷺ : " لَيْسَ منا من ضرب الخدود، وشق الْجُيُوب، ودعا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّة " السِّرّ فِيهِ أَن ذَلِك سَبَب تهيج الْغم، وَإِنَّمَا الْمُصَاب بالثكل بِمَنْزِلَة الْمَرِيض يعالج ليخفف مَرضه، وَلَا يَنْبَغِي أَن يسْعَى فِي تضَاعف وَجَعه، وَكَذَلِكَ الْمُصَاب يشغل عَمَّا يجده، وَلَا يَنْبَغِي أَن يغوص بِقَصْدِهِ، وَأَيْضًا فَلَعَلَّ هيجان القلق يكون سَببا لعدم الرِّضَا بِالْقضَاءِ، وَأَيْضًا فَكَانَ أهل الْجَاهِلِيَّة يراءون النَّاس بِإِظْهَار التفجع وَتلك عَادَة خبيثة ضارة، فنهوا عَنْهَا.

стр. 345

وَقَوله ﷺ فِي النائحة: " تُقَام يَوْم الْقِيَامَة وَعَلَيْهَا سربال من قطران وَدرع من جرب " أَقُول: إِنَّمَا كَانَ كَذَلِك لِأَنَّهَا أحاطت بهَا الْخَطِيئَة، فجوزيت بتمثل الْخَطِيئَة نَتنًا محيطا بجسدها، وَإِنَّمَا تُقَام تشهيرا أَو لِأَنَّهَا كَانَت قَائِمَة عِنْد النوحة. قَوْله ﷺ : " أَربع فِي أمتِي من أَمر الْجَاهِلِيَّة لَا يتركونهن " الحَدِيث أَقُول إِنَّمَا تفطن النَّبِي ﷺ أَنهم لَا يتركون لِأَن ذَلِك مُقْتَضى إفراط الطبيعة البشرية بِمَنْزِلَة الشبق، فَإِن النُّفُوس لَهَا تيه يظْهر فِي الْأَنْسَاب وألفة بالأموات تستدعي النِّيَاحَة، ورصد يُؤَدِّي إِلَى الاسْتِسْقَاء بالنجوم، وَلذَلِك لن ترى أمة من الْبشر من عربهم وعجمهم إِلَّا وَهَذِه سنة فيهم. وَقَوله ﷺ فِي النِّسَاء يتبعن الْجِنَازَة: " ارْجِعْنَ مَأْزُورَات غير مَأْجُورَات: أَقُول إِنَّمَا نهين عَن ذَلِك لِأَن حضورهن مَظَنَّة الصخب والنياحة وَعدم الصَّبْر وانكشاف العورات. قَوْله ﷺ : " لَا يَمُوت لمُسلم ثَلَاثَة من الْوَلَد، فيلج النَّار " أَقُول: ذَلِك لجاهد نَفسه بالاحتساب ولمعان ذَكرنَاهَا فراجع. قَوْله ﷺ : " من عزى مصابا فَلهُ مثل أجره " أَقُول: ذَلِك لسببين: أَحدهمَا أَن الْحَاضِر يرق رقة الْمُصَاب، وَثَانِيهمَا أَن عَالم الْمِثَال مبناه على ظُهُور الْمعَانِي التضايفية، فَفِي تَعْزِيَة الثكلى صُورَة الثكل، فجوزي شبه جَزَائِهِ. قَوْله ﷺ : " اصنعوا لآل جَعْفَر طَعَاما، فقد أَتَاهُم مَا يشغلهم ". أَقُول: هَذَا نِهَايَة الشَّفَقَة بِأَهْل الْمُصِيبَة وحفظهم من أَن يتضرروا بِالْجُوعِ. قَوْله ﷺ : " نَهَيْتُكُمْ عَن زِيَارَة الْقُبُور فزوروها " أَقُول: كَانَ نهى عَنْهَا لِأَنَّهَا تفتح بَاب الْعِبَادَة لَهَا، فَلَمَّا اسْتَقَرَّتْ الْأُصُول الإسلامية، وإطمأنت نُفُوسهم على تَحْرِيم الْعِبَادَة لغير الله أذن فِيهَا، وَعلل التجويز بِأَن فَائِدَته عَظِيمَة، وَهِي أَنَّهَا تذكر الْمَوْت، وَأَنَّهَا سَبَب صَالح للاعتبار بتقلب الدُّنْيَا. وَمن دُعَاء الزائر لأهل الْقُبُور: السَّلَام عَلَيْكُم يَا أهل الديار من الْمُؤمنِينَ وَالْمُسْلِمين، وَإِنَّا إِن شَاءَ الله بكم لاحقون نسْأَل الله لنا وَلكم الْعَافِيَة - وَفِي رِوَايَة - السَّلَام عَلَيْكُم يَا أهل الْقُبُور يغْفر الله لنا وَلكم وَأَنْتُم سلفنا وَنحن بالأثر، وَالله أعلم.

стр. 346

(من أَبْوَاب الزَّكَاة) اعْلَم أَن عُمْدَة مَا روعي فِي الزَّكَاة مصلحتان: مصلحَة ترجع إِلَى تَهْذِيب النَّفس، وَهِي أَنَّهَا أحضرت الشُّح، وَالشح أقبح الْأَخْلَاق ضار بهَا فِي الْمعَاد، وَمن كَانَ شحيحا فَإِنَّهُ إِذا مَاتَ بقى قلبه مُتَعَلقا بِالْمَالِ، وعذب بذلك، وَمن تمرن بِالزَّكَاةِ، وأزال الشُّح من نَفسه كَانَ ذَلِك نَافِعًا لَهُ، أَنْفَع الْأَخْلَاق فِي الْمعَاد بعد الإخبات لله تَعَالَى هُوَ سخاوة النَّفس، فَكَمَا أَن الإخبات يعد للنَّفس هَيْئَة التطلع إِلَى الجبروت، فَكَذَلِك السخاوة تعد لَهَا الْبَرَاءَة عَن الهيآت الخسيسة الدُّنْيَوِيَّة، وَذَلِكَ لِأَن أصل السخاوة قهر الملكية البهيمية، وَأَن تكون الملكية هِيَ الْغَالِبَة وَتَكون البهيمية منصبغة بصبغها آخذة حكمهَا، وَمن المنبهات عَلَيْهَا بذل المَال مَعَ الْحَاجة إِلَيْهِ وَالْعَفو عَمَّن ظلم وَالصَّبْر على الشدائد فِي الكريهات بِأَن يهون عَلَيْهِ ألم الدُّنْيَا لَا يقانه بِالآخِرَة، فَأمر النَّبِي ﷺ بِكُل ذَلِك، وَضبط أعظمها وَهُوَ بذل المَال بحدود، وقرنت بِالصَّلَاةِ وَالْإِيمَان فِي مَوَاضِع كَثِيرَة من الْقُرْآن وَقَالَ تَعَالَى عَن أهل النَّار: ﴿لم نك من الْمُصَلِّين وَلم نك نطعم الْمِسْكِين وَكُنَّا نَخُوض مَعَ الخائضين﴾ . وَأَيْضًا فَإِنَّهُ إِذا عنت للمسكين حَاجَة شَدِيدَة، وَاقْتضى تَدْبِير الله أَن يسد خلته بِأَن يلهم الْإِنْفَاق عَلَيْهِ فِي قلب رجل، فَكَانَ هُوَ بذلك انبسط قلبه اللألهام، وَتحقّق لَهُ بذلك انْشِرَاح روحاني، وَصَارَ معدا لرحمة الله تَعَالَى نَافِعًا جدا فِي تَهْذِيب نَفسه، والإلهام الجملى المتوجه إِلَى النَّاس فِي الشَّرَائِع تلو الإلهام التفصيلي فِي فَوَائده، وَأَيْضًا فالمزاج السَّلِيم مجبول على رقة الجنسية، وَهَذِه خصْلَة عَلَيْهَا يتَوَقَّف أَكثر الْأَخْلَاق الراجعة إِلَى حسن الْمُعَامَلَة مَعَ النَّاس، فَمن فقدها فَفِيهِ ثلمة يجب عَلَيْهِ سدها، وَأَيْضًا فَإِن الصَّدقَات تكفر الخطيئات، وتزيد فِي البركات على مَا بَينا فِيمَا سبق.

стр. 347

ومصلحة ترجع إِلَى الْمَدِينَة وَهِي أَنَّهَا تجمع لَا محَالة الضُّعَفَاء وَذَوي الْحَاجة وَتلك الْحَوَادِث تَغْدُو على قوم وَتَروح على آخَرين، فَلَو لم تكن السّنة بَينهم مواساة الْفُقَرَاء وَأهل الْحَاجَات لهلكوا، وماتوا جوعا، وَأَيْضًا فنظام الْمَدِينَة يتَوَقَّف على مَال يكون بِهِ قوام معيشة الْحفظَة الذابين عَنْهَا والمدبرين السائسين لَهَا، وَلما كَانُوا عاملين للمدينة عملا نَافِعًا - مشغولين بِهِ عَن اكْتِسَاب كفافهم - وَجب أَن تكون قوام معيشتهم عَلَيْهَا والانفاقات الْمُشْتَركَة لَا تسهل على الْبَعْض أَو لَا يقدر عَلَيْهَا الْبَعْض، فَوَجَبَ أَن تكون جباية الْأَمْوَال من الرّعية سنة. وَلما لم يكن أسهل وَلَا أوفق بِالْمَصْلَحَةِ من أَن تجْعَل إِحْدَى المصلحتين مَضْمُومَة بِالْأُخْرَى أَدخل الشَّرْع إِحْدَاهمَا فِي الْأُخْرَى. ثمَّ مست الْحَاجة إِلَى تعْيين مقادير الزَّكَاة، إِذا لَوْلَا التَّقْدِير لفرط المفرط، ولاعتدى المعتدي، وَيجب أَن تكون غير يسيره لَا يَجدونَ بهَا بَالا، وَلَا تنجع من بخلهم، وَلَا ثَقيلَة يعسر عَلَيْهِم أَدَاؤُهَا، وَإِلَى تعْيين الْمدَّة الَّتِي نجنى فِيهَا الزكوات، وَيجب أَلا تكون قَصِيرَة يسْرع دورانها، فتعسر إِقَامَتهَا فِيهَا، وَألا تكون طَوِيلَة لَا تنجع من بخلهم، وَلَا تدر على المحتاجين والحفظة إِلَّا بعد انْتِظَار شَدِيد، وَلَا أوفق بِالْمَصْلَحَةِ من أَن يَجْعَل القانون فِي الجباية مَا اعتاده النَّاس فِي جباية الْمُلُوك العادلة فِي رعاياهم، لِأَن التَّكْلِيف بِمَا اعتاده الْعَرَب والعجم، وَصَارَ كالضروري الَّذِي لَا يَجدونَ فِي صُدُورهمْ حرجا مِنْهُ، وَالْمُسلم الَّذِي أذهبت الألفة عَنهُ الكلفة أقرب من إِجَابَة الْقَوْم وأوفق للرحمة بهم. والأبواب الَّتِي اعتادها طوائف الْمُلُوك الصَّالِحين من أهل الأقاليم الصَّالِحَة وَهُوَ غير ثقيل عَلَيْهِم، وَقد تلقتها الْعُقُول بِالْقبُولِ - أَرْبَعَة: الأول أَن تُؤْخَذ من حَوَاشِي الْأَمْوَال النامية، فَإِنَّهَا أحْوج الْأَمْوَال إِلَى الذب عَنْهَا لِأَن النمو لَا يتم إِلَّا بالتردد خَارج الْبِلَاد، وَلَإِنْ إِخْرَاج الزَّكَاة أخف عَلَيْهِم لما يرَوْنَ من التزايد كل حِين، فَيكون الْغرم بالغنم والاموال النامية ثَلَاثَة أَصْنَاف: الْمَاشِيَة المتناسلة السَّائِمَة. والزروع. وَالتِّجَارَة. وَالثَّانِي: أَن تُؤْخَذ من أهل الدُّثُور والكنوز لأَنهم أحْوج النَّاس إِلَى حفظ المَال من السراق وقطاع الطَّرِيق، وَعَلَيْهِم انفاقات لَا يعسر عَلَيْهِم أَن تدخل الزَّكَاة فِي تضاعيفها.

стр. 348

وَالثَّالِث: أَن تُؤْخَذ من الْأَمْوَال النافعة الَّتِي ينالها النَّاس من غير تَعب كدفائن الْجَاهِلِيَّة وجواهر العاديين؛ فَإِنَّهَا بِمَنْزِلَة المجان يخف عَلَيْهِم الانفاق مِنْهُ. وَالرَّابِع: أَن تلْزم ضَرَائِب على رُءُوس الكاسبين فانهم عَامَّة النَّاس وَأَكْثَرهم، إِذا جبى من كل مِنْهُم شَيْء يسير كَانَ خَفِيفا عَلَيْهِم عَظِيم الْخطر فِي نَفسه. وَلما كَانَ دوران التِّجَارَات من الْبلدَانِ النائية وحصاد الزروع وجبي الثمرات فِي كل سنة، وَهِي أعظم أَنْوَاع الزَّكَاة قدر الْحول لَهَا، وَلِأَنَّهَا تجمع فصولا مُخْتَلفَة الطبائع وَهِي مَظَنَّة النَّمَاء، وَهِي مُدَّة صَالِحَة لمثل هَذِه التقديرات. والآسهل والأوفق فِي بِالْمَصْلَحَةِ أَلا تجْعَل الزَّكَاة إِلَّا من جنس تِلْكَ الْأَمْوَال فتؤخذ من كل صرمة من الْإِبِل نَاقَة، وَمن كل قطيع من الْبَقَرَة بقرة، وَمن كل ثلة من الْغنم شاه مثلا، ثمَّ وَجب أَن يعرف كل وَاحِد من هَذِه بالمثال وَالْقِسْمَة والاستقراء ليتَّخذ ذَلِك ذَرِيعَة إِلَى معرفَة الْحُدُود الجامعة الْمَانِعَة، فالماشية فِي أَكثر الْبلدَانِ الْإِبِل. الْبَقر. الْغنم، ويجمعها إسم الْأَنْعَام، وَأما الْخَيل فَلَا تكْثر صرمها وَلَا تناسل نَسْلًا وافرا إِلَّا فِي أقطار يسيرَة كتركستان، والزروع عبارَة عَن الأقوات، وَالثِّمَار الْبَاقِيَة سنة كَامِلَة، وَمَا دون ذَلِك يُسمى بالخضروات، وَالتِّجَارَة عبارَة عَن أَن يَشْتَرِي شَيْئا يُرِيد أَن يربح فِيهِ إِذْ من ملك بهبه أَو مِيرَاث وَاتفقَ أَن بَاعه فربح لَا يُسمى تَاجِرًا، والكنز عبارَة عَن مِقْدَار كثير من الذَّهَب وَالْفِضَّة مَحْفُوظ مُدَّة طَوِيلَة، وَمثل عشرَة دَرَاهِم وَعشْرين درهما لَا يُسمى كنزا، وَإِن بَقِي سِنِين، وَسَائِر الْأَمْتِعَة لَا تسمى كنزا، وَإِن كثرت، وَالَّذِي يغدوا وَيروح وَلَا يكون مُسْتَقرًّا لَا يُسمى كنزا فَهَذِهِ الْمُقدمَات تجْرِي مجْرى الْأُصُول الْمسلمَة فِي بَاب الزَّكَاة، ثمَّ أَرَادَ النَّبِي ﷺ أَن يضْبط الْمُبْهم مِنْهَا بحدود مَعْرُوفَة عِنْد الْعَرَب مستعملة عِنْدهم فِي كل بَاب. (فضل الْإِنْفَاق وكراهية الْإِمْسَاك) ثمَّ مست الْحَاجة إِلَى بَيَان فَضَائِل الْإِنْفَاق وَالتَّرْغِيب فِيهِ، ليَكُون برغبة وسخاوة نفس، وَهِي روح الزَّكَاة. وَبهَا قوام الْمصلحَة الراجعة إِلَى تَهْذِيب النَّفس، وَإِلَى بَيَان مساوى الامساك، والتزهيد فِيهِ، وَإِذا الشُّح هُوَ مبدأ تضرر مَانع الزَّكَاة، وَذَلِكَ إِمَّا فِي الدُّنْيَا، وَهُوَ قَول الْملك: " اللَّهُمَّ أعْط منفقا خلفا، وَالْآخر. اللَّهُمَّ اعط ممسكا تلفا.

стр. 349

قَوْله ﷺ " اتَّقوا الشُّح فَإِن الشُّح أهلك من قبلكُمْ " الحَدِيث، وَقَوله ﷺ " إِن الصَّدَقَة لتطفي غضب الرب "، وَقَوله ﷺ : " إِن الصَّدَقَة تُطْفِئ الْخَطِيئَة كَمَا يُطْفِئ المَاء النَّار "، وَقَوله ﷺ : " فَإِن الله يقبلهَا بِيَمِينِهِ، ثمَّ يُرَبِّيهَا لصَاحِبهَا " الحَدِيث أَقُول: سر ذَلِك كُله أَن دَعْوَة الْمَلأ الْأَعْلَى إصْلَاح حَال بني آدم وَالرَّحْمَة بِمن يسْعَى فِي إصْلَاح الْمَدِينَة أَو فِي تَهْذِيب نَفسه إِلَى تَنْصَرِف هَذَا الْمُنفق، فتورث تلقي عُلُوم الْمَلأ السافل وَبني آدم أَن يحسنوا إِلَيْهِ، وَيكون سَببا لمغفرة خطاياه، وَمعنى يتقبلها أَن تتمثل صُورَة الْعَمَل فِي الْمِثَال منسوبة إِلَى صَاحبهَا فتنسبغ هُنَالك بدعوات الْمَلأ الْأَعْلَى وَرَحْمَة الله بِهِ، أَو فِي الْآخِرَة، وَهُوَ قَوْله ﷺ " مَا من صَاحب ذهب وَلَا فضَّة لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقّهَا إِلَّا إِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة صفحت لَهُ صَفَائِح ". وَقَوله ﷺ : " مثل لَهُ شجاعا أَقرع " وَقَوله ﷺ فِي الْإِبِل وَالْبَقر وَالْغنم قَرِيبا من ذَلِك - أَقُول: السَّبَب الْبَاعِث على كَون جَزَاء مَانع الزَّكَاة على هَذِه الصّفة شيآن: أَحدهمَا أصل، الثَّانِي كالمؤكد لَهُ، وَذَلِكَ أَنه كَمَا أَن الصُّورَة الذهنية تجنب صُورَة أُخْرَى كسلسلة أَحَادِيث النَّفس الجالب بَعْضهَا بَعْضًا، وكما أَن حُضُور صُورَة متضايف فِي الذِّهْن يَسْتَدْعِي حُضُور صُورَة متضايف آخر كالبنوة والأبوة، وكما أَن امتلاء أوعية المنى بِهِ وثوران بخاره فِي القوى الفكرية يهز النَّفس لمشاهدة صور النِّسَاء فِي الْحلم، وكما أَن امتلاء الأوعية ببخار ظلماني يهيج فِي النَّفس صور الْأَشْيَاء المؤذية الهائلة - كالفيل - مثلا، فَكَذَلِك المدارك تَقْتَضِي بطبيعتها إِذا أفيضت قُوَّة مثالية على النَّفس أَن يتَمَثَّل بخلها بالأموال ظَاهرا سابغا، وَأَن يجلب ذَلِك تميل مَا بخل بِهِ وتعانى فِي حفظه، وامتلأت قواه الفكرية بِهِ أَيْضا ظَاهرا سابغاً يتألم مِنْهُ حَسْبَمَا جرت سنة الله أَن يتألم مِنْهَا، فَمن الذَّهَب وَالْفِضَّة الكى، وَمن الْإِبِل الْوَطْء والعض، وعَلى هَذَا الْقيَاس. وَلما كَانَ الْمَلأ الْأَعْلَى علمُوا ذَلِك، وانعقد فِي وجوب الزَّكَاة عَلَيْهِم، وتمثل عِنْدهم تأذي النُّفُوس البشرية بهَا - كَانَ ذَلِك معدا لفيضان هَذِه الصُّورَة فِي موطن الْحَشْر، وَالْفرق بَين تمثله شجاعا. وتمثله صَفَائِح، أَن الأول فِيمَا يغلب عَلَيْهِ حب المَال إِجْمَالا

стр. 350

فتتمثل فِي نَفسه صُورَة المَال شَيْئا وَاحِدًا وتتمثل إحاطتها بِالنَّفسِ تطوقا وتأذي النَّفس بهَا بلسع الْحَيَّة الْبَالِغَة فِي السم أقْصَى الغايات، وَالثَّانِي فِيمَا يغلب عَلَيْهِ حب الدَّرَاهِم وَالدَّنَانِير بِأَعْيَانِهَا، ويتعانى فِي حفظهَا، وتمتلئ قواه الفكرية بصورها فتمثل تِلْكَ الصُّورَة كَامِلَة تَامَّة مؤلمة. قَوْله ﷺ : " السخي قريب من الله قريب من الْجنَّة قريب من النَّاس بعيد من النَّار، والبخيل بعيد من الله بعيد من الْجنَّة بعيد من النَّاس قريب من النَّار، ولجاهل سخي أحب إِلَى الله من عَابِد بخيل " أَقُول: قربه من الله تَعَالَى كَونه مستعدا لمعرفته وكشف الْحجاب عَنهُ، وقربه من الْجنَّة أَن يكون مستعدا بطرح الهيآت الخسيسة الَّتِي تنَافِي الملكية لتَكون البهيمية الحاملة لَهَا بلون الملكية، وقربه من النَّاس أَن يحبوه، وَلَا يناقشوه لِأَن أصل المناقشة هُوَ الشُّح، وَهُوَ قَوْله ﷺ " إِن الشُّح أهلك من كَانَ قبلكُمْ حملهمْ على أَن يسفكوا دِمَاءَهُمْ ويستحلوا مَحَارِمهمْ " وَإِنَّمَا كَانَ الْجَاهِل السخي أحب من العابد الْبَخِيل لِأَن الطبيعة إِذا سمحت بِشَيْء كَانَ أتم وأوفر مِمَّا يكون بالقسر. قَوْله ﷺ : " مثل الْبَخِيل والمتصدق كَمثل رجلَيْنِ عَلَيْهِمَا جنتان " الحَدِيث أَقُول: فِيهِ إِشَارَة إِلَى حَقِيقَة الْإِنْفَاق والإمساك وروحهما، وَذَلِكَ أَن الْإِنْسَان إِذا أحاطت بِهِ مقتضيات الْإِنْفَاق، وَأَرَادَ أَن يَفْعَله يحصل لَهُ _ وَإِن كَانَ سخي النَّفس سمحها - انْشِرَاح روحاني وصولة على المَال، ويتمثل المَال بَين يَدَيْهِ حَقِيرًا ذليلا يكون نفضه عَنهُ هينا، بل يستريح بذلك، وَتلك الْخصْلَة هِيَ الْعُمْدَة فِي نفض النَّفس علاقاتها بالهيآت الخسيسة والبهيمية المنطبعة فِيهَا، وَإِن كَانَ شحيحا غاصت نَفسه فِي حب المَال، وتمثل بَين عَيْنَيْهِ حسنه، وَملك قلبه فَلم يسْتَطع مِنْهُ محيصا، وَتلك الْخصْلَة هِيَ الْعُمْدَة فِي لجاج النَّفس بالهيآت الدنية واشتباكها بهَا، وَمن هَذَا التحقق يَنْبَغِي أَن تعلم معنى قَوْله ﷺ : " لَا يدْخل الْجنَّة خب وَلَا بخيل وَلَا منان ". وَقَوله ﷺ " لَا يجْتَمع الشُّح وَالْإِيمَان فِي قلب عبد أبدا " وَقَوله ﷺ " للجنة أَبْوَاب ثَمَانِيَة فَمن كَانَ من أهل الصَّلَاة " الحَدِيث.

стр. 351

أَقُول: أعلم أَن الْجنَّة حَقِيقَتهَا رَاحَة النَّفس بِمَا يترتشح عَلَيْهَا من فَوْقهَا من الرِّضَا والموافقة والطمأنينة، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَفِي رَحْمَة من الله هم فِيهَا خَالدُونَ﴾ . وَقَوله تَعَالَى فِي ضدها: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِم لعنة الله وَالْمَلَائِكَة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ خَالِدين فِيهَا﴾ . وَطَرِيق خُرُوج النَّفس إِلَيْهَا من ظلمات البهيمية إِنَّمَا يكون من الْخلق الَّذِي جبلت النَّفس على ظُهُور الملكية فِيهِ، وانقهار البهيمية، فَمن النُّفُوس من تكون مجبولة على قُوَّة الملكية فِي خلق الْخُشُوع وَالطَّهَارَة، وَمن خاصيتها أَن تكون ذَات حَظّ عَظِيم من الصَّلَاة، أَو فِي خلق السماحة، وَمن خاصيتها، أَن تكون ذَات حَظّ عَظِيم من الصَّدقَات وَالْعَفو عَمَّن ظلم، وخفض الْجنَاح للْمُؤْمِنين مَعَ كبر النَّفس، أَو فِي خلق الشجَاعَة، فينفث تَدْبِير الْحق لاصلاح عباده فِيهَا، فَيكون أول مَا يقبل النفث مِنْهُ هُوَ الشجَاعَة، فَتكون ذَات حَظّ عَظِيم من الْجِهَاد، أَو يكون من الْأَنْفس المتجاذبة، فيهدي لَهَا إلهام أَو تجربة على نَفسهَا أَن كسر البهيمية بِالصَّوْمِ وَالِاعْتِكَاف منقذ لَهَا من ظلماتها، فيتلقى ذَلِك بسمع قبُول واجتهاد من صميم قلبه، فيجازى جَزَاء وفَاقا بالريان فَهَذِهِ هِيَ الْأَبْوَاب الَّتِي صرح بهَا النَّبِي ﷺ فِي هَذَا الحَدِيث، وَيُشبه أَن يكون مِنْهَا بَاب الْعلمَاء الراسخين، وَبَاب أهل البلايا والمصائب والفقر، وَبَاب الْعَدَالَة، وَهُوَ قَوْله ﷺ فِي سَبْعَة يظلهم الله فِي ظله: " إِمَام عَادل ". وآيته أَن يكون عَظِيم السَّعْي فِي التَّأْلِيف بَين النَّاس، وَبَاب التَّوَكُّل. وَترك الطَّيرَة، وَفِي كل بَاب من هَذِه الْأَبْوَاب أَحَادِيث كَثِيرَة مَشْهُورَة، وَبِالْجُمْلَةِ فَهَذِهِ أعظم أَبْوَاب خُرُوج النَّفس إِلَى رَحْمَة الله، وَيجب فِي حِكْمَة الله أَن يكون للجنة الَّتِي خلقهَا الله لِعِبَادِهِ أَيْضا ثَمَانِيَة أَبْوَاب بازائها، والكمل من السَّابِقين يفتح عَلَيْهِم الْإِحْسَان من بَابَيْنِ وَثَلَاثَة وَأَرْبَعَة، فَيدعونَ يَوْم الْقِيَامَة مِنْهَا، وَقد وعد بذلك أَبُو بكر الصّديق ﵁ وَمعنى قَوْله ﷺ " من أنْفق زَوْجَيْنِ " الحَدِيث أَنه يدعى من بعض أَبْوَابهَا إِنَّمَا خصّه بِالذكر زِيَادَة لاهتمامه.

стр. 352

(مقادير الزَّكَاة) قَالَ ﷺ " لَيْسَ فِيمَا دون خَمْسَة أوسق من التَّمْر صَدَقَة، وَلَيْسَ فِيمَا دون خمس أَوَاقٍ من الْوَرق صَدَقَة وَلَيْسَ فِيمَا دون خمس ذود من الْإِبِل صَدَقَة ". أَقُول: إِنَّمَا قدر من الْحبّ وَالتَّمْر خَمْسَة أوسق لِأَنَّهَا تَكْفِي أقل أهل بَيت إِلَى سنة، وَذَلِكَ لِأَن أقل الْبَيْت الزَّوْج وَالزَّوْجَة وثالث خَادِم أَو ولد بَينهمَا، وَمَا يضاهي ذَلِك من أقل الْبيُوت، وغالب قوت الْإِنْسَان رَطْل أَو مد من الطَّعَام، فَإِذا أكل كل وَاحِد من هَؤُلَاءِ ذَلِك الْمِقْدَار كفاهم لسنة، وَبقيت بَقِيَّة لنوائبهم أَو إدَامهمْ، وَإِنَّمَا قدر من الْوَرق خمس أوراق لِأَنَّهَا مِقْدَار يَكْفِي أقل أهل بَيت سنة كَامِلَة إِذا كَانَت الأسعار مُوَافقَة فِي أَكثر الأقطار، واستقرئ عادات الْبِلَاد المعتدلة فِي الرُّخص والغلاء وتجد ذَلِك، وَإِنَّمَا قدر من الْإِبِل خَمْسَة ذود وَجعل زَكَاته شَاة، وَإِن كَانَ الأَصْل أَلا تُؤْخَذ الزَّكَاة إِلَّا من جنس المَال وَأَن يَجْعَل النّصاب عددا لَهُ بَال لِأَن الأبل أعظم الْمَوَاشِي جثة وأكثرها فَائِدَة يُمكن أَن تذبح، وتركب، وتحلب، وَيطْلب مِنْهَا النَّسْل، ويستدفأ بأوبارها وجلودها، وَكَانَ بَعضهم يقتني نَجَائِب قَليلَة تَكْفِي كِفَايَة الصرمة، وَكَانَ الْبَعِير يُسَوِّي فِي ذَلِك الزَّمَان بِعشر شِيَاه وبثمان شِيَاه. واثتني عشر شَاة، كَمَا ورد فِي كثير من الْأَحَادِيث فَجعل خمس ذود فِي حكم أدنى نِصَاب من من الْغنم، وَجعل فِيهَا شَاة. قَوْله ﷺ : " لَيْسَ على الْمُسلم صَدَقَة فِي عَبده وَلَا فِي فرسه ". أَقُول: ذَلِك لِأَنَّهُ لم تجر الْعَادة باقتناء الرَّقِيق للتناسل، وَكَذَا الْخَيل فِي كثير من الأقاليم، لَا تكْثر كَثْرَة يعْتد بهَا فِي جنب الْأَنْعَام، فَلم يَكُونَا من الْأَمْوَال النامية اللَّهُمَّ إِلَّا بِاعْتِبَار التِّجَارَة. وَقد استفاض من رِوَايَة ابي بكر الصّديق. وَعمر بن الْخطاب. وَعلي بن أبي طَالب. وَابْن مَسْعُود. وَعَمْرو بن حزم. وَغَيرهم ﵃، بل صَار متواترا بَين الْمُسلمين أَن زَكَاة الْإِبِل فِي كل خمس شَاة فَإِذا بلغت خمْسا وَعشْرين إِلَى خمس وَثَلَاثِينَ فَفِيهَا بنت مَخَاض فَإِذا بلغت سِتا وَثَلَاثِينَ إِلَى خمس وَأَرْبَعين فَفِيهَا بنت لبون،

стр. 353

وَإِذا بلفت سِتا وَأَرْبَعين إِلَى سِتِّينَ فَفِيهَا حقة، فَإِذا بلغت واحده وَسِتِّينَ إِلَى خمس وَسبعين فَفِيهَا جَذَعَة، فَإِذا بلغت سِتا وَسبعين إِلَى تسعين فَفِيهَا بِنْتا لبون. فَإِذا بلغت إِحْدَى وَتِسْعين إِلَى عشْرين وَمِائَة فَفِيهَا حقتان، فَإِذا زَادَت على عشْرين وَمِائَة فَفِي كل أَرْبَعِينَ بنت لبون وَفِي كل خمسين حقة. أَقُول: الأَصْل فِي ذَلِك أَنه إِذا أَرَادَ توزيع النوق على الصرم، فَجعل النَّاقة الصَّغِيرَة للصرمة الصَّغِيرَة والكبيرة للكبيرة رِعَايَة للأنصاف، وَوجد الصرمة لَا تَنْطَلِق فِي عرفهم إِلَّا على أَكثر من عشْرين، فضبط بِخمْس وَعشْرين، ثمَّ جعل فِي كل عشرَة زِيَادَة سنّ من الْأَسْنَان المرغوب فِيهَا عِنْد الْعَرَب غَايَة الرَّغْبَة، فَجعل زيادتها فِي كل خَمْسَة عشر. وَقد استفاض من روايتهم أَيْضا فِي زَكَاة الْغنم أَنه إِذا كَانَت أَرْبَعِينَ إِلَى عشْرين وَمِائَة فَفِيهَا شَاة، فَإِذا زَادَت على عشْرين وَمِائَة إِلَى مِائَتَيْنِ فَفِيهَا شَاتَان، فَإِذا زَادَت على مِائَتَيْنِ إِلَى ثلثمِائة فَفِيهَا ثَلَاث شِيَاه. فَإِذا زَادَت على ثلثمِائة فَفِي كل مائَة شاه أَقُول: الأَصْل فِيهِ أَن ثلة من الشَّاء تكون كَثِيرَة، وثلة مِنْهَا تكون قَليلَة، وَالِاخْتِلَاف فِيهَا يتفاحش لِأَنَّهَا يسهل اقتناؤها، وكل يقتني بِحَسب التَّيْسِير، فضبط النَّبِي ﷺ أقل ثلة بِأَرْبَعِينَ، وَأعظم ثلة بِثَلَاث أربعينات، ثمَّ جعل فِي كل مائَة شاه تيسيرا فِي الْحساب. وَصَحَّ من حَدِيث معَاذ ﵁ فِي الْبَقر فِي كل ثَلَاثِينَ تبيع، أَو تبيعه، وَفِي كل أَرْبَعِينَ مسن، أَو مُسِنَّة، وَذَلِكَ لِأَنَّهَا متوسطة بَين الأبل وَالشَّاء، فروعي فِيهَا شبههما. واستفاض أَيْضا أَن زَكَاة الرقة ربع الْعشْر، فَإِن لم يكن إِلَّا تسعون وَمِائَة فَلَيْسَ فِيهَا شَيْء، وَذَلِكَ لِأَن الْكُنُوز أنفس المَال يتضررون بانفاق الْمِقْدَار الْكثير مِنْهَا، فَمن حق زَكَاته أَن تكون أخف الزكوات، وَالذَّهَب مَحْمُول على الْفضة، وَكَانَ فِي ذَلِك الزَّمَان صرف دِينَار بِعشْرَة دَرَاهِم فَصَارَ نصابه عشْرين مِثْقَالا. وَفِيمَا سقت السَّمَاء والعيون - أَو كَانَ عشريا - الْعشْر، وَمَا سقى بالنضح نصف الْعشْر، فَإِن الَّذِي هُوَ أقل تعانيا وَأكْثر ريعا أَحَق بِزِيَادَة الضريبة، وَالَّذِي هُوَ أَكثر تعانيا وَأَقل ريعا أَحَق بتخفيفها.

стр. 354

قَوْله ﷺ فِي الْخرص " دعوا الثُّلُث فَإِن لم تدعوا الثُّلُث، فدعوا الرّبع " أَقُول: السِّرّ فِي مَشْرُوعِيَّة الْخرص دفع الْحَرج عَن أهل الزِّرَاعَة، فَإِنَّهُم يُرِيدُونَ أَن يَأْكُلُوا بسرا. ورطبا. وَعِنَبًا. ونيئا ونضيجا. وَعَن المصدقين لأَنهم لَا يُطِيقُونَ الْحِفْظ عَن أَهلهَا إِلَّا بشق الْأَنْفس، وَلما كَانَ الْخرص مَحل الشُّبْهَة، وَالزَّكَاة من حَقّهَا التَّخْفِيف أَمر بترك الثُّلُث أَو الرّبع، وَالَّذِي يعد للْبيع لَا يكون لَهُ ميزَان إِلَّا الْقيمَة، فَوَجَبَ أَن يحمل على زَكَاة النَّقْد. وَفِي الرِّكَاز الْخمس لِأَنَّهُ يشبه الْغَنِيمَة من وَجه وَيُشبه المجان فَجعلت زَكَاته خمْسا. فرض رَسُول الله ﷺ زَكَاة الْفطر صَاعا من تمر أَو صَاعا من شعير على العَبْد. وَالْحر. وَالذكر. وَالْأُنْثَى. وَالصَّغِير. وَالْكَبِير من الْمُسلمين، وَفِي رِوَايَة أَو صَاعا من أقط أَو صَاعا من زبيب، وَإِنَّمَا قدر بالصاع لِأَنَّهُ يشْبع أهل الْبَيْت، فَفِيهِ غنية مُعْتَد بهَا للْفَقِير، وَلَا يتَضَرَّر الْإِنْسَان بانفاق هَذَا الْقدر غَالِبا، وَحمل فِي بعض الرِّوَايَات نصف صَاع من قَمح على صَاع من شعير لِأَنَّهُ كَانَ غَالِبا فِي ذَلِك الزَّمَان لَا يَأْكُلهُ إِلَّا أهل التنعم، وَلم يكن من مأكل الْمَسَاكِين، بَينه زيد بن أَرقم فِي قصَّة السّرقَة، ثمَّ قَالَ عَليّ ﵁: إِذا وسع الله فوسعوا، وَإِنَّمَا وَقت بعيد الْفطر لمعان: مِنْهَا أَنَّهَا تكمل كَونه من شَعَائِر الله، وَأَن فِيهَا طهرة للصائمين وتكميلا لصومهم بِمَنْزِلَة سنَن الرَّوَاتِب فِي الصَّلَاة. وَهل فِي الْحلِيّ زَكَاة؟ الْأَحَادِيث فِيهِ متعارضة، واطلاق الْكَنْز عَلَيْهِ بعيد، وَمعنى الْكَنْز حَاصِل، وَالْخُرُوج من الِاخْتِلَاف أحوط. (المصارف) الأَصْل فِي المصارف أَن الْبِلَاد على نَوْعَيْنِ: مِنْهَا مَا خلص للْمُسلمين لَا يشوبهم أحد من سَائِر الْملَل، وَمن حَقّهَا أَن يُخَفف عَلَيْهَا، وَهِي لَا تحْتَاج إِلَى جمع رجال وَنصب قتال، وَكَثِيرًا مَا يخرج مِنْهَا من يُبَاشر الْأَعْمَال الْمُشْتَرك نَفعهَا تَصْدِيقًا لما وعد الله من أجر الْمُحْسِنِينَ، وَله كفاف فِي خويصة مَاله إِذْ الْجَمَاعَات الْكَثِيرَة من الْمُسلمين لَا تخلوا من مثل ذَلِك. وَمِنْهَا مَا فِيهِ جماعات من أهل سَائِر الْملَل، وَمن حَقّهَا أَن يشدد فِيهَا وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿أشداء على الْكفَّار رحماء بَينهم﴾ . وَهِي تحْتَاج إِلَى جنود كَثِيرَة وَأَعْوَان قَوِيَّة، وتحتاج إِلَى أَن يقبض على كل عمل نَافِع من يباشره، وَيكون معيشته فِي بَيت المَال،

стр. 355

فَجعل النَّبِي ﷺ لكل من هذَيْن سنة، وَجعل الجباية بِحَسب المصارف، وَسَيَأْتِي مبَاحث الثَّانِي فِي كتاب الْجِهَاد. والبلاد الْخَاصَّة بِالْمُسْلِمين عُمْدَة مَا يتلخص فِيهَا من المَال نَوْعَانِ بِإِزَاءِ نَوْعَيْنِ من الْمصرف: نوع من المَال الَّذِي زَالَت عَنهُ يَد مالكة كتركة الْمَيِّت لَا وَارِث لَهُ، وضوال من الْبَهَائِم لَا مَالك لَهَا، ولقطة أَخذهَا أعوان بَيت المَال، وَعرفت، فَلم يعرف لمن هِيَ، وأمثال ذَلِك، من حَقه أَن يصرف إِلَى الْمَنَافِع الْمُشْتَركَة مِمَّا لَيْسَ فِيهَا تمْلِيك لأحد. ككرى الْأَنْهَار. وَبِنَاء القناطر. والمساجد. وحفر الْآبَار. والعيون - وأمثال ذَلِك؛ وَنَوع هُوَ صدقَات الْمُسلمين جمعت فِي بَيت المَال، وَمن حَقه أَن يصرف إِلَى مَا فِيهِ تمْلِيك لأحد. وَفِي ذَلِك قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الصَّدقَات للْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين﴾ . الْآيَة وَالْجُمْلَة فِي ذَلِك أَن الْحَاجَات من هَذَا النَّوْع وَإِن كَانَت كَثِيرَة جدا لَكِن الْعُمْدَة فِيهَا ثَلَاثَة: المحتاجون، وضبطهم الشَّارِع بالفقراء وَالْمَسَاكِين وَأَبْنَاء السَّبِيل والغارمين فِي مصلحَة أنفسهم. والحفظة، وضبطهم بالغزاة والعاملين على الجبايات. وَالثَّالِث مَال يصرف إِلَى دفع الْفِتَن الْوَاقِعَة بَين الْمُسلمين أَو المتوقعة عَلَيْهِم من غَيرهم وَذَلِكَ إِمَّا أَن يكون بمواطأه ضَعِيف النِّيَّة فِي الْإِسْلَام بالكفار أَو برد الْكَافِر عَمَّا يُرِيد من المكيدة بِالْمَالِ، وَيجمع ذَلِك اسْم الْمُؤَلّفَة قُلُوبهم، أَو المشاجرات بَين الْمُسلمين، وَهُوَ الْغَارِم فِي حمالَة يتحملها، وَكَيْفِيَّة التَّقْسِيم عَلَيْهِم وَأَنه بِمن يبْدَأ وَكم يعْطى؟ مفوض إِلَى رَأْي الإِمَام. وَعَن ابْن عَبَّاس يعْتق من زَكَاة مَاله وَيُعْطِي فِي الْحَج، وَعَن الْحسن مثله ثمَّ تَلا ﴿إِنَّمَا الصَّدقَات للْفُقَرَاء﴾ فِي أَيهَا أَعْطَيْت أَجْزَأت، وَعَن أبي الآس حملنَا النَّبِي ﷺ على إبل الصَّدَقَة لِلْحَجِّ. وَفِي الصَّحِيح " وَأما خَالِد فأنكم تظْلمُونَ خَالِدا وَقد احْتبسَ أدراعه وأعتده فِي سَبِيل الله " وَفِيه شيئآن:
следующие страницы →