Полный текст (320 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
شرح كتاب لمعة الاعتقاد [١]
كتاب لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد لابن قدامة المقدسي رحمه الله تعالى من أفضل الكتب المختصرة في باب العقيدة، وقد بين فيه مؤلفه رحمه الله تعالى مجمل اعتقاد أهل السنة والجماعة في باب الأسماء والصفات، والإيمان، والقرآن، والقدر، والإمامة، والصحابة وغيرها، بطريقة مختصرة ميسرة، مستشهداً على ذلك بالأدلة من الكتاب والسنة وآثار السلف.
стр. 2
ترجمة ابن قدامة صاحب (لمعة الاعتقاد)
بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: فسنبدأ -إن شاء الله تعالى- شرح رسالة من رسائل السلف رحمهم الله تعالى في العقيدة ألا وهي رسالة: (لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد) للإمام موفق الدين بن قدامة المقدسي رحمه الله تعالى.
مؤلف هذه الرسالة هو الإمام الفقيه أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي الحنبلي الصالحي، وهذا الإمام اشتهر لدى العلماء بأنه صاحب (المغني) ؛ لأن كتابه (المغني) في الفقه يعتبر أوسع موسوعة في مذاهب العلماء وأقاويلهم في مسائل الشريعة الإسلامية؛ فإنه جمع رحمه الله تعالى في هذا الكتاب العظيم الفريد في بابه بين ذكره لأقاويل الصحابة وأقاويل كبار التابعين وتابعيهم، ثم أيضاً ذكره لأقوال الأئمة الأربعة: الشافعي وأبي حنيفة ومالك وأحمد، بل وكبار أصحابهم رحمهم الله تعالى، وأيضاً استقصى رحمه الله تعالى الروايات داخل مذهب الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى.
ثم إنه أيضاً اعتمد على ذكر الأدلة والتعليلات التي ذكرها الفقهاء، ثم لم يترك أيضاً الخلاف هكذا، وإنما أخذ رحمه الله تعالى يرجح ما يراه راجحاً، فصار كتابه الذي طبع في مجلدات عديدة موسوعة من أهم موسوعات الفقه الإسلامي، ومرجعاً من أهم المراجع لدى العلماء من بعده وإلى عصرنا الحاضر، ومن ثّم اشتهر رحمه الله تعالى بأنه صاحب (المغني) ، فكأن شهرة كتابه (المغني) غطت على اسمه رحمه الله تعالى، فإذا قيل: صاحب (المغني) انتقل هذا التعريف إلى هذا الإمام الجليل الذي سبق أن ذكرنا نسبه باختصار.
هذا الإمام الجليل ولد سنة (٥٤١هـ) بفلسطين، ببلدة تسمى جماعيل قرب نابلس، وتوفي رحمه الله تعالى سنة (٦٢٠هـ) .
وأقول: إن هذا العالم الجليل تميز فوق تميزه العلمي بمثل كتابه (المغني) بمختصراته الأخرى في الفقه، ككتابه (المقنع) الذي يعتبر للمتوسطين، و (الكافي) وهو فوق ذلك، وأيضاً مثل كتابه (العمدة) للمبتدئين، إضافة إلى كتابه (روضة الناظر في أصول الفقه) وهو كتاب مشهور، وغير ذلك من رسائله وكتبه، ومنها هذا الكتاب الذي سنبدأ دراسته في هذه الدروس المتوالية إن شاء الله تعالى.
وأقول: إن هذا العالم الجليل فوق كونه عالماً بارعاً مصنفاً كان أيضاً إماماً مجاهداً، فقد اشتهر رحمه الله تعالى بمشاركاته في الجهاد في سبيل الله مع صلاح الدين الأيوبي هو وجماعته المقادسة من إخوانه وأبناء عمومته رحمهم الله تعالى، فإن هذه الأسرة كانت مع صلاح الدين الأيوبي رحمه الله تعالى في جهاده، وشارك في المعارك التي دارت سنة (٥٨٣هـ) لقتال الصليبيين وتحرير بيت المقدس منهم، وكان ابن قدامة رحمه الله تعالى وأفراد أسرته ممن له دور كبير في جهاد الصليبيين.
إذاً: إمامنا هو إمام علم، وإمام عمل وجهاد، وهؤلاء هم سلفنا الصالح رحمهم الله تعالى الذين كانت صفاتهم تميزهم بهذا التميز: علم مؤصل، ويعقبه عمل ودعوة وجهاد في سبيل الله.
стр. 3
شرح عنوان الرسالة
هذا الكتاب الذي معنا سماه المؤلف رحمه الله تعالى: (لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد) .
واللمعة هي: ما خالف بين بقية اللون، كأن يكون -مثلاً- اللون أسود وتكون فيه بقعة بيضاء، فتسمى هذه البقعة البيضاء لمعة.
ولذا اشتهرت هذه الكلمة بأن تطلق على لمعة الفرس التي تكون غالباً في الخيل ونحوها، وتكون هذه اللمعة لمعة بيضاء وبقية الجسم إما أدهم أو قريب من ذلك؛ المهم أنه اشتهر هذا اللفظ بقولهم: لمعة الفرس.
أو أن اللمعة بمعنى: البلغة من العيش، كما يقول أهل اللغة، وعلى هذا أو هذا فإن المصنف رحمه الله تعالى قصد بكلامه أو بكتابه هذا حين سماه بـ (لمعة الاعتقاد) أنه بلغة من الاعتقاد الصالح الصحيح، ومن ثَّم قال رحمه الله تعالى: (الهادي إلى سبيل الرشاد) ، ولاشك أن الاعتقاد الصحيح المبني على الأدلة الصحيحة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ هو هادٍ لمن سلكه وسار عليه إلى سبيل الرشاد.
وسبيل الرشاد هو في الدنيا بأن يكون من اعتصم بها ممن هدي ورشد واستقام في طريقه، وهو أيضاً سبيل إلى الرشاد في الآخرة حين يهدى من مات على هذا التوحيد الصحيح إلى جنات النعيم، أسأل الله ﵎ أن يجعلنا جميعاً من أهل الجنة، وممن وفق وهدي إلى سبيل الرشاد.
وعلى هذا فإن الشيخ رحمه الله تعالى لم يرد من رسالته هذه أن تكون كتاباً مفصلاً في الاعتقاد، وإنما أرادها لمعة تبين الطريق، أو أرادها بلغة للسالكين؛ بحيث إنه إذا قرأها الإنسان واستوعبها وفهمها استقام لديه معرفة العقيدة من جوانبها المتعددة، وهو رحمه الله تعالى ربط عقيدته بالأدلة من كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ .
стр. 4
شرح البسملة
بدأ المصنف رحمه الله تعالى رسالته هذه بما يبدأ به المصنفون من أئمة الإسلام رحمهم الله تعالى فقال: بسم الله الرحمن الرحيم والكلام على البسملة منتشر في كافة شروح الكتب من جميع الأنواع، في اللغة وفي النحو وفي كتب العقائد والفقه وغيرها، ولا يكاد من شرح كتاباً من هذه الكتب إلا وتكلم عن البسملة، وعن معناها وما دلت عليه من الأسماء لله : الله، الرحمن، الرحيم.
ونحن نشير إلى ذلك إشارة مجملة فنقول: قول المؤلف رحمه الله تعالى: (بسم الله الرحمن الرحيم) المعنى: أبتدئ كتابي مستعيناً بالله ﵎، و (باسم) : الجار والمجرور متعلق بمحذوف تقديره: أكتب، وهذا بالنسبة لمن يؤلف كتاباً، كإمامنا هنا، وإذا كان القارئ يقرأ القرآن وقال: بسم الله الرحمن الرحيم، تكون (باسم) جاراً ومجروراً متعلقاً بقوله: أقرأ، وإذا كان الإنسان يدخل بيته أو يدخل مكانه ويقول: باسم الله، فيكون معناها: أدخل هذا المكان باسم الله، أي مستعيناً بالله ﵎.
و (الله) الصحيح فيه: أنه مشتق وليس بجامد؛ لأن العلماء رحمهم الله تعالى اختلفوا في لفظ الجلالة (الله) ، فبعضهم قال: إنه علم جامد وغير مشتق، وبعضهم قال: إنه مشتق، ثم اختلفوا في الاشتقاق هل هو من أله يأله فهو مألوه، أو من أله يأله فهو آله؟ فذهب بعض المتكلمين: إلى أنه من أله يأله فهو آله، أي: أن الله يأله عباده، ومن ثمَّ فسروه بتوحيد الربوبية وهو الخلق، أي: أن الله يأله عباده؛ فهو الذي خلقهم، وهو الذي يرزقهم إلى آخره، وبناءً على هذا التفسير وقع خطأ كبير عند كثير من المتكلمين حين فسروا كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) بأن معناها: لا خالق إلا الله؛ بناءً على هذا الفهم في الاشتقاق.
القول الثاني هو: أنها من أله يأله فهو مألوه، أي: معبود، أي: أن الله هو المستحق للعبودية، وهذا هو القول الصحيح، ومن ثَّم جاء تفسير كلمة الشهادة (لا إله إلا الله) أي: لا معبود بحق إلا الله ﵎، وهذا هو توحيد العبادة، وهذا هو الصحيح في معنى (لا إله لا الله) ، وهو الصحيح أيضاً في اشتقاق كلمة (الله) .
و (الرحمن الرحيم) اسمان من أسماء الله ﵎؛ الرحمن: اسم، وهو صيغة مبالغة خاص بالله لا يوصف به مخلوق.
والرحيم أيضاً: اسم من أسمائه ﵎، لكن قد يوصف المخلوق بأنه رحيم.
ونحن نقول: إن اسمه ﵎ (الرحيم) دال على صفة الرحمة، وكذلك أيضاً اسم الله (الرحمن) ، ونثبتهما لله ﵎ كما يليق بجلاله وعظمته من غير مشابهة للمخلوقين؛ ولـ ابن القيم رحمه الله تعالى في أول (مدارج السالكين) كلام قيم جداً حول البسملة، وحول أيضاً اسمه تعالى (الرحمن الرحيم) ، فمن أراد فليرجع إليه؛ فإن فيه فوائد جمة.
стр. 5
معنى الحمدلة
ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: [الحمد لله المحمود بكل لسان] .
(أل) في الحمد للاستغراق، والمقصود بقول القائل: الحمد لله: ذكر أوصاف المحمود، والاعتراف بها، والثناء على الله بما هو أهله.
وقول المؤلف رحمه الله تعالى هنا: (بكل لسان) يدل على أمر مهم، وهو أن الله فطر جميع الخلق على حمده والاعتراف له بالربوبية، ومن ثمَّ فقوله: (المحمود بكل لسان) ، يشمل لسان الحال، ويشمل أيضاً لسان المقال؛ أما لسان الحال فإن الله يحمده جميع المخلوقات، وأما لسان المقال فإنه المحمود على جميع الألسنة، فمهما اختلفت اللغات فإن الله يحمده أهل تلك اللغة بما علموا من أوصافه بما هو أهله، وهذا من خصائص الربوبية والألوهية التي لا تكون لأحد.
стр. 6
أقسام العبودية ومعناها
ثم قال رحمه الله تعالى: [المعبود في كل زمان] .
أي: أنه له العبودية، والعبودية قسمان: القسم الأول منها: عبودية عامة شاملة لا يخرج عنها أحد، بل تشمل جميع الخلق، كما قال : ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم:٩٣] ، وهو معبود -أي: العبودية التي هي مقتضى الربوبية- عند جميع الخلق؛ لأنه هو خالقهم، وهو ربهم ﵎، لهذا فإن هذه العبودية العامة الشاملة لا يخرج عنها أحد من إنس ولا من جن، ولا مؤمن ولا كافر، ولا من البشر ولا من الملائكة، ولا من شمس ولا من أرض، ولا من بحر ولا من هواء، فالكل عبيد لله مسخرون له ﵎ مطيعون، وهذا مما دلت عليه النصوص الكثيرة؛ فإن الله هو الذي خلق الخلق، وهو الذي يأمرهم، وهو الذي يقدر لهم ما يشاء، وهم خاضعون له؛ فحتى بني آدم الذين أعطاهم الله عقولاً هم أيضاً في نشأتهم في هذه الأرض وفي حياتهم فيها، بل وفي رزقهم وأجلهم وموتهم وألوانهم وأطوالهم وما يجري داخل أجسامهم من حركات القلب والدم والهضم إلى آخره؛ كل ذلك هو خاضع لله ؛ فليس للإنسان إرادة في أن يختار كيفية معيشته، ولا كيفية نفسه، ولا كيفية ضخ الدم في عروقه إلى آخره.
إذاً: هذا في الإنسان العاقل المكلف، فكيف بغيره من المخلوقات؟! هذه هي العبودية الشاملة التي لا يخرج عنها أحد.
النوع الثاني من العبودية: العبودية الخاصة، وهذه العبودية الخاصة هي التي يتميز بها المؤمنون عن الكفار، فالمؤمنون هم الذين يعبدون الله ﵎ مخلصين له على وفق شريعته التي أمر بها على ألسنة رسله عليهم الصلاة والسلام.
فقول المؤلف رحمه الله تعالى: (المعبود في كل زمان) قد يدخل فيه العبودية العامة وقد يدخل فيه العبودية الخاصة بالمؤمنين.
وقوله: (في كل زمان) أيضاً وفي كل مكان، والمعنى: أنه لا يخلو زمان أو مكان من وجود من يعبد الله ، وهذا هو الذي علمناه من أخبار رسل الله الكرام، ومما أخبرنا به رسول الله ﷺ بأنه: (لا تزال طائفة من أمتي قائمة بالحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله تباك وتعالى) .
стр. 7
شمول علم الله
ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: [الذي لا يخلو من علمه مكان] .
وهذا فيه إثبات شمول علم الله ؛ فلا يخلو من علمه أي مكان، سواء كان هذا المكان ظاهراً أو باطناً، في جوف البحار أو في جوف الأرض أو تحت صخور الجبال أو ما هو غائب، فعلم الله قد أحاط بكل شيء، كما قال : ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام:٥٩] ، فعلمه أحاط بكل مكان، كما قال : ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر:١٩] .
стр. 8
شمول قدرة الله
ثم قال: [ولا يشغله شأن عن شأن] أي: لكمال صفاته، فالمخلوق لضعفه حتى لو كان عنده بعض الصفات لا يستطيع أن يشتغل بأكثر من أمر في وقت واحد، ويندر أن يجمع قواه العقلية لتكون في شغلين متكافئين، وإنما غاية ما يحصل عند الإنسان أن يشتغل بأمر يعمل فيها ذهنه، ثم يشتغل بيده أو برجله بشغلة أخرى لا تحتاج إلى إعمال الذهن، أما ماعدا ذلك فلا يستطيع.
أما الله فهو يسمع، وسمعه وسع السماوات والأرض؛ فيسمع في وقت واحد دعاء الداعين وأقوالهم على اختلاف الزمان والمكان، وهو كل يوم في شأن، ولا يشغله شأن عن شأن، فيغفر لهذا، ويتوب على هذا، ويستجيب لهذا، ويرزق هذا، ويحيي هذا، ويميت هذا، وتقدس؛ لأنه كامل الصفات، فلا يقاس بغيره، وهذا هو حقيقة فهم أئمة أهل السنة والجماعة رحمهم الله تعالى لأسمائه وصفاته؛ حيث إنهم يفهمونها كما يليق بجلاله وعظمته، ومن ثمَّ فلا يحتاجون إلى تأويل.
أما أهل الكلام الباطل فإنهم أولاً يقعون في التشبيه، فإذا سمعوا صفة من صفات الله ﵎ ظنوا أنها كصفة فلان فيقعون في التشبيه، ثم يضطرون إلى التأويل والتعطيل؛ أما أهل السنة والجماعة فيثبتون لله الصفات كما يليق بجلاله وعظمته، ولا يحتاجون إلى تأويل ولا إلى تحريف ولا إلى تعطيل.
стр. 9
تنزيه الله عن الند والشبيه والصاحبة والولد
ثم قال رحمه الله تعالى: [جل عن الأشباه والأنداد] .
أي: تقدس وتنزه.
وقوله: (عن الأشباه والأنداد) ، الشبيه هو: المشابه ببعض الوجوه دون بعض، وهو جل أن يشبه شيئاً من خلقه لا في ذاته ولا في أي صفة من صفاته ﵎، كما أنه أيضاً جل وتقدس عن الند والمثيل، سواء في الربوبية أو في الخالقية أو في أي صفة من صفاته سبحانه؛ فهو الرب المعبود وحده لا شريك له.
ثم قال: [وتنزه عن الصاحبة والأولاد] .
وهذا بنص القرآن؛ فقد دلت عليه الأدلة المعروفة، فلم يتخذ صاحبة ولا ولداً ، فهو ليس له صاحبة ولا ولد، وفي ذلك نقض لما ادعاه المشركون حين قالوا: إن الملائكة بنات الله! أو النصارى حينما يقولون: إنما المسيح ابن الله! أو اليهود حينما يقولون: إن العزير ابن الله! فالابن يحتاج إلى صاحبة، والله تنزه عن الصاحبة والولد، وتعالى عما يقول هؤلاء جميعاً علواً كبيراً.
стр. 10
نفوذ حكم الله القدري في جميع الخلق
ثم قال: [ونفذ حكمه في جميع العباد] .
أي: أن حكمه نافذ في جميع العباد، وهذا الحكم النافذ في جميع العباد الأصل فيه أنه حكمه القدري، فما شاء الله كان، وما شاء لم يكن، وهذا هو الذي ينفذ في الجميع: المؤمن والكافر؛ فجميع العباد نفذ فيهم وينفذ فيهم حكم الله ، فهم جاءوا إلى هذه الدنيا بأمر الله، ويحيون بأمر الله، ويموتون بأمر الله، فحكمه فيهم نافذ، وقد يدخل في عموم هذا الكلام أن الله وحده هو الذي يحكم بين العباد، كما قال تعالى: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف:٥٤] ، والخلق هو التقدير، والأمر هو نفاذ شرع الله ؛ فهو هو الذي يحكم بين عباده، ويشرع لهم ما يشاء؛ وبما أنه هو القاهر فوق عباده وحكمه القدري هو النافذ فهو أيضاً الذي له الشرع والحكم بين عباده، كما قال تعالى: ﴿وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:٢٦] ، وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦] ، ويقول : ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ * فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمْ الأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [القصص:٦٥-٦٦] ، وقال تعالى بعد ذلك: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ﴾ [القصص:٦٨] ، وقال سبحانه: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف:٥٤] ؛ فهو الذي ينفذ حكمه في جميع العباد قدراً، وهو الذي يجب أن ينفذ حكمه في جميع العباد أمراً وشرعاً.
стр. 11
تحريم تمثيل الله وتوهمه بالعقول والقلوب
قال رحمه الله تعالى: [لا تمثله العقول بالتفكير] .
أي: أنه في ذاته وصفاته لا يمكن أن تمثله أو تشبهه العقول في تفكيرها، أي: مهما بلغ العقل في فهمه وسعة خياله أو نحو ذلك فلا يستطيع أن يمثل أو يشبه ذات الله أو صفة من صفات الله ﵎، وكيف يستطيع عقل الإنسان القاصر الصغير أن يمثل ذات الله أو صفة من صفاته، والله يقول عن نفسه: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر:٦٧] ، فتصور هذا! فأنى لهذا الإنسان الذي يعتبر خلقاً صغيراً جداً يجري على هذه الأرض، وهذه الأرض بالنسبة لكون الله الشاسع لا تمثل إلا ذرة صغيرة جداً، ومع ذلك فإن الأرضين والسماوات بكواكبها ومجراتها وسعتها تكون كما قال الله : ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر:٦٧] ، فكيف يأتي العقل ليمثل صفات الله ؟! فالله لا تمثله العقول بالتفكير.
ثم قال ﵀: [ولا تتوهمه القلوب بالتصوير] .
أي: أن القلب مهما توهم لا يمكن أن يصل إلى وهم معين بتصوير ذات الله أو صفاته، ولهذا قطع أئمة السلف رحمهم الله تعالى أن كيفية صفات الله لا تدرك ولا يحاط بها، ولذا فإن أهل السنة والجماعة يثبتون لله الصفات، لكن الكيفية يكلون أمرها إلى الله ﵎، كما قال تعالى عن نفسه: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾ [الأنعام:١٠٣] ، أي: أنه وإن كان يراه المؤمنون يوم القيامة رؤية عيانية حقيقية إلا أنهم مع رؤيتهم له لا يدركونه، ولا يحيطون به .
وفرق بين الرؤية وبين الإدراك، فنحن الآن -مثلاً- نرى السماء أو نرى الشمس أو نرى القمر لكننا لا نستطيع أن ندركه، بل نرى الجبل في الأرض لكن لا نستطيع أن ندرك تفاصيل هذا الجبل ونحو ذلك، ولله المثل الأعلى؛ فالله يرى، لكن مع ذلك هو كما قال عن نفسه: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام:١٠٣] ، فهو سبحانه لا تتوهمه القلوب بتصوير معين، سواء كان هذا التصوير مما يتوهمه القلب لصفة ذاتية لله أو لصفة معنوية.
стр. 12
تنزيه الله عن التمثيل
ثم ذكر المصنف رحمه الله تعالى قاعدة من قواعد أهل السنة المستنبطة من كتاب الله ﵎ فقال: [ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]] .
وهذا هو منهاج أهل السنة والجماعة، فقوله: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) رد على المشبهة والممثلة؛ فهو ليس كمثله شيء، فلا يماثل أحداً من خلقه، ولا تماثل صفاته صفات أحد من خلقه، ولذا قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] ؛ وشيء هنا تعم، لأنها نكرة في سياق نفي وهو قوله: (ليس) .
والكاف في قوله: (كمثله) جاءت للتأكيد، والأصل فيه: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) ، فأكدها بقوله: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) .
وبعض العلماء قالوا: إن الكاف بمعنى: مثل، فيكون المعنى: (ليس مثل مثله شيء) ، قالوا: وهذا من باب المبالغة: أنه إذا نفى مثل المثل فالمثل من باب أولى، وإذا كان مثل المثل ليس كمثله سبحانه فإن المثل من باب أولى.
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] هذا لبيان إثبات الصفات لله .
فأول الآية رد على المشبهة وآخرها -وهو قوله-: (وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ) رد على المعطلة؛ لأن قوله تعالى: (وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ) اسمان لله دالان على صفة السمع والبصر له ﵎.
وإذا كان قوله: (السميع البصير) اسمان إلا أن هذين الاسمين لا يمكن أن يثبتا إلا بإثبات مدلولهما، وهو صفة السمع والبصر، ولذا اقترح بعض المعتزلة على أحد خلفاء بني العباس -في زمن تسلط المعتزلة- أن يكتب في سترة الكعبة أو نحوها وكان مكتوباً عليها: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] اقترح عليه أن يمحو هذه ويكتب: (ليس كمثله شيء وهو العزيز الحكيم) ! فبعضهم يقول: ما الفرق بين (السميع البصير) وبين (العزيز الحكيم) ؟ فنقول: إن هذا المعتزلي أراد أن يثبت أن الله عزيز حكيم، وهذان الاسمان قد يرجعهما إلى ربوبيته ونحو ذلك، لكنه أراد أن يمحو: (السميع البصير) ؛ حتى ينفي ما دلا عليه من صفة السمع والبصر؛ نظراً لتوهمه التشبيه.
стр. 13
إثبات الأسماء الحسنى والصفات العلى لله
ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: [له الأسماء الحسنى] .
والحسنى هي: الحسنة بالغة الحسن، وهذا بنص القرآن: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف:١٨٠] ، فأسماؤه كلها حسنة بالغة الكمال في الحسن.
ثم قال: [والصفات العلى] .
أي: أن له الصفات العالية بكمالها وقدرها وعظمتها؛ لأنها صفات عظيم فهي صفات كاملة.
ثم إن المصنف رحمه الله تعالى أراد أن يمثل في بداية هذه العقيدة لبيان منهاج السلف رحمهم الله تعالى ببعض الصفات التي قد يقع فيها خلاف أو كلام أو نحو ذلك بين الفرق والطوائف فقال: [ ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]] .
فهو أولاً ذكر قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] ، أي: أن له الأسماء الحسنى، ثم قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] ، فجمع رحمه الله تعالى بين الثناء على الله بما هو ثابت من صفاته مثل صفة الاستواء على العرش، وسيأتينا -إن شاء الله تعالى- في أثناء هذه الرسالة الكلام على صفة الاستواء ومدلوله، والمصنف هنا إنما أراد أن يشير إشارة إلى هذه الآية، لكن أيضاً أراد رحمه الله تعالى مع الثناء أن يبين منهاج السلف رحمهم الله تعالى في إثبات الصفات، وأهل السنة والجماعة يثبتون صفة الاستواء لله كما يليق بجلاله وعظمته؛ لأن استواء الله على العرش ورد في كتاب الله ﵎ في سبعة مواضع.
أما من فسره بالاستيلاء أو نحوه أو تأوله بذلك فتأويله باطل، وسيأتي -إن شاء الله تعالى- مناقشة ذلك.
стр. 14
إحاطة الله بكل شيء
ثم قال المصنف مستشهداً: [ ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى﴾ [طه:٦]] .
وهذا لبيان كمال صفاته، فهو سبحانه مالك الملك؛ فمن من المخلوقين يملك شيئاً؟
الجواب
لا أحد! حتى ملوك الدنيا فملكهم ناقص من جهتين: من جهة أنه ملك لا يستطيع هو أن يحرزه ويتصرف فيه كما يشاء؛ ومن جهة أخرى: أن ملكه هذا إما أن يرحل هو عنه أو يرحل عنه ملكه؛ أما مالك الملك الذي له ما في السماوات وما في الأرض فهو الخالق له وهو المالك ﵎.
وقوله تعالى: (وَمَا بَيْنَهُمَا) ، أي: ما بين السماء والأرض؛ (وَمَا تَحْتَ الثَّرَى) ، وهذا لبيان أن الله له كل شيء.
ثم قال: [ ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه:٧]] .
هذا لبيان كلام الله ، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ﴾ [طه:٧] ؛ لبيان أن الجهر بالقول أو العلانية عنده سواء، ولذا جاء التعليل بقوله: ﴿فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه:٧] ، والسر: قيل: هو ما يسره الإنسان لشخص آخر، فيقال: ساره بكذا، أي: كلمه سراً بينه وبينه؛ فقوله تعالى: (وَأَخْفَى) ، أي: أخفى من هذا السر الذي يكون بين اثنين وهو ما يسره الإنسان في نفسه فلا يخبر به أحداً؛ فإن كان قوله: (فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ) أي ما يسره الإنسان في نفسه فالذي يظهر -والله أعلم- أن قوله ﵎: (وَأَخْفَى) أي: ما هو أخفى من السر، أي: مما يجهله الإنسان من نفسه هو؛ فإن الإنسان يسر أمراً فيعلمه، لكن في نفسه أمور هي أخفى مما يسره، فالله يعلمها؛ فكيف بما فوق السر من الجهر بالقول؟! لا شك أن الله يعلم كل شيء، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة:٧] .
ولذا قال المصنف هنا: [أحاط بكل شيء علماً] .
وهذا هو مدلول الآية التي ذكرت: أن الله أحاط بكل شيء علماً؛ كما قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [البقرة:٢٥٥] ، وقال: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه:٧] ، فالله قد أحاط بكل شيء علماً، وهذا نص الآية: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق:١٢] .
وقوله: (بكل شيء) ، هذه نكرة تعم، أي: أن علمه أحاط بكل شيء مهما دق أو صغر أو خفي في ليل أو نهار في أعماق البحار أو تحت الثرى أو نحو ذلك، فقد أحاط الله ﵎ وتقدس بكل شيء.
стр. 15
قهر الله لكل شيء
ثم قال: [وقهر كل مخلوق عزة وحكماً] .
أي: أنه قهر الجميع عزة وحكماً؛ لأنه هو العزيز في ملكه، الحكيم في أمره وشرعه، فهو قهر كل مخلوق، وهذا واضح جلي؛ فالكل داخل تحت مشيئته ؛ وسبق أن بينا أن كل مخلوق سائر على ما يقدره الله .
ولنضرب أمثلة بمن قد يظن أنهم أوتوا قدرة: فلو أن رجلاً أوتي قوة عضلية أو أوتي قوة مال أو قوة سلطان أو قوة في قيادة الجيش أو نحو ذلك من القوى؛ فانظر إلى حال هذا الإنسان بذاته تجده بالنسبة لربه مقهوراً، يأتيه المرض فلا يستطيع أن يرده، ويأتيه الهرم فلا يستطيع أن يوقفه، ويأتيه الموت فيعجز هو ومن في الأرض جميعاً عن أن يؤخروا أجله لحظة! إضافة إلى أنه مقهور في وجوده في هذه الأرض بغير إرادة، وفي ولادته، وفي تحديد لونه وطوله، ونحو ذلك.
стр. 16
شمول رحمة الله لكل شيء
ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: [ووسع كل شيء رحمة وعلماً] .
أي: أنه قهر عباده، ووسعهم برحمته؛ فكما أنه وسعهم علماً وسعهم رحمة؛ ورحمة الله امتدت ووسعت كل شيء؛ حتى البهائم والحشرات، وحتى الكفار؛ لأننا نشاهد أن الكفار يرحم بعضهم بعضاً، ويرحمون أولادهم، فرحمته وسعت كل شيء، كما أن علمه ﵎ وسع كل شيء.
стр. 17
إحاطة علم الله بالخلق
ثم قال المصنف مستشهداً: [ ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه:١١٠]] .
وهذا مؤكد لما قلناه من قبل؛ فهو يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم، ويعلم ما أمامهم مما سيعملونه، سواء عملوه بتخطيط منهم وإرادة أو غير ذلك مما سوف يقع لهم من مقدورات الله المستقبلية، كما أنه يعلم ما خلفهم مما عملوه، إذ قد أحصاه الله وعلمه وكتبه؛ وعلى هذا فإن علم الله أحاط بكل شيء سابق ولاحق، والله ﵎ علم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون، كما قال تعالى عن الكفار حينما يقفون بين يدي الله ﵎ ويطلبون الرجعة: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ﴾ [الأنفال:٢٣] ، هذا في الدنيا؛ وقال عنهم في الآخرة: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام:٢٨] ، ولا تظنوا أن هذا من باب التقدير، بل هذا من باب العلم اليقين الكامل لله، فإن الكافر وهو واقف بين يدي الله يوم القيامة يشاهد العذاب ويوقن بالحقيقة التي لا مراء فيها يرى الحقيقة بأم عينيه ويرى البعث والجزاء والحساب والنار والجنة، قال الله عنه: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام:٢٨] ، أي: أن هذا الكافر لو عاد إلى الدنيا لعاد إلى كفره وشره، وربما لو عاد إلى الدنيا لقال: قد قلنا لكم إن الأمر الصحيح، فهانحن قد رجعنا إلى الدنيا مرة أخرى؛ لكن قوله تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا﴾ [الأنعام:٢٨] هذا من باب العلم، فالله تعالى يعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون، فهو علم ما كان وما لم يكن.
стр. 18
وجوب إثبات ما أثبته الله لنفسه أو أثبته له رسوله ﷺ من الصفات
ثم ذكر المصنف رحمه الله تعالى قاعدة من قواعد منهج أهل السنة والجماعة في باب الأسماء والصفات، فقال رحمه الله تعالى: [موصوف بما وصف به نفسه في كتابه العظيم، وعلى لسان نبيه الكريم] .
أي: أنه ﵎ موصوف بما وصف به نفسه في كتابه العظيم وعلى لسان نبيه الكريم، وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة؛ فإنهم يصفون الله بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ من غير أن يعطلوا الصفات أو يشبهوها أو يحرفوها أو يتأولوها تأويلاً يبعد بها عن معانيها اللائقة بها، مع قولهم واعتقادهم ويقينهم وإيمانهم أن كيفية هذه الصفات لا يعلمه إلا الله ؛ وهذه هي قاعدة أهل السنة والجماعة في هذا الباب؛ أي: إثبات الأسماء والصفات لله كما وردت في الكتاب والسنة وكما يليق بجلال الله وعظمته، وهذه القاعدة هي التي سار عليها المؤلف رحمه الله تعالى في كتابه هذا؛ وسيأتي -إن شاء الله تعالى- ذكر تفصيل ما ورد من أسماء الله ﵎ وصفاته وبقية مسائل الاعتقاد.
стр. 19
وجوب الإيمان بكل ما جاء في القرآن والسنة من صفات الله
ثم أوضحها رحمه الله تعالى ببيان أمر خطير ومهم تميز به أهل السنة والجماعة فقال: [وكل ما جاء في القرآن أو صح عن المصطفى ﵇ من صفات الرحمن وجب الإيمان به، وتلقيه بالتسليم والقبول، وترك التعرض له بالرد والتأويل والتشبيه والتمثيل] .
وهذه هي قاعدة أهل السنة والجماعة؛ فإنهم يقولون: إن كل ما جاء في القرآن العظيم فإننا نأخذ به.
وقد يقول قائل: وأيضاً أهل الكلام والمعطلة يأخذون بما في القرآن؟ فنقول: هناك فرق عظيم بين أن يؤخذ بما في القرآن مفسراً للقرآن بالقرآن ومفسراً للقرآن بسنة النبي ﷺ ومثبتاً لما ورد، وبين من يأخذ بالقرآن ثم يعمل فيه تحريفاً وتأويلاً.
فالذي قال -مثلاً- في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] : إن (استوى) بمعنى: استولى، هو في الظاهر أخذ بالقرآن، لكنه في الحقيقة لم يثبت ما في القرآن على الوجه الذي يليق بالله ، فحرف اللفظ والنص عن المعنى اللغوي الدال عليه، وهذا هو التحريف والتأويل الباطل الذي منعه الأئمة رحمهم الله تعالى، لكن أهل السنة والجماعة يأخذون بما في القرآن، ويثبتونه على مقتضى ما عرف من لغة العرب التي نزل بها القرآن مضبوطة ومقيدة بالأدلة الأخرى من الكتاب ومن السنة ومن فهم الصحابة ﵃ جميعاً لهذه النصوص.
أما أن ينطلق إلى نصوص القرآن ثم يعمل فيها كل إنسان بما يشاء فهذا هو الذي فرق الفرق، فحين تأتي إلى المعتزلة أو الخوارج أو المرجئة أو الرافضة تجد أن كلاً منهم يحتج بآيات من القرآن، فهل معنى ذلك أن مذاهبهم صحيحة؛ لأنهم احتجوا بالقرآن؟ نقول: لا؛ لأن الاحتجاج بالقرآن لابد أن يكون على منهاج صحيح وعلى منهاج سليم، ولا يصح أن الواحد يأخذ من النصوص ما يريد ويدع منها ما لا يريد بناءً على أهوائه؛ فإن هذا هو منهاج أهل الأهواء؛ أما منهاج أهل السنة والجماعة رحمهم الله تعالى فهو القائم على أسس صحيحة منضبطة في الاستدلال بنصوص الكتاب الكريم، وهكذا في كيفية الاستدلال والفهم.
ولذا قال: (وكل ما جاء في القرآن) ، أي: من الأسماء والصفات، فنحن نثبته لله كما يليق بجلاله وعظمته، ونسلم به.
стр. 20
حجية خبر الواحد العدل والعمل به في العقائد والأحكام
ثم قال: (أو صح عن المصطفى ﵇ من صفات الرحمن) ، أي: ما صح من حديث رسول الله ﷺ فنحن نأخذ به في باب الاعتقاد، ومن ذلك إثبات الصفات لله ﵎، وهذا هو بيت القصيد في منهاج أهل السنة والجماعة، وهو القضية الكبرى التي هي من القضايا والأصول الكبار التي ميزت أهل السنة والجماعة عن غيرهم من الطوائف، ألا وهي: حجية خبر الآحاد في العقيدة.
وأقول بهذه المناسبة: إن القول بأن خبر الآحاد إذا صح وتلقي بالقبول يفيد العلم، ويحتج به في باب الاعتقاد، كما يحتج به في باب الأحكام، هو الأصل الذي عليه جماهير السلف رحمهم الله تعالى وجماهير الأئمة، وقد ألفت في هذا الموضوع رسائل مطبوعة، فللشيخ الألباني رسالة، وللدكتور عمر الأشقر رسالة، وللشيخ سليم الهلالي أيضاً كتاب اسمه (الأدلة والشواهد بحجية خبر الواحد) وللشيخ ابن جبرين حفظه الله تعالى رسالة في حجية خبر الواحد وإن كانت في أصول الفقه إلا أنه أيضاً تطرق لقضية الاحتجاج بها في أصول الاعتقاد؛ وأوسع من تكلم في ذلك على حد علمي هو ابن القيم رحمه الله تعالى في آخر (مختصر الصواعق) ؛ فإن المائة صفحة الأخيرة من (مختصر الصواعق المرسلة) كلها في بيان هذه القضية، وقد تميز رحمه الله تعالى بأنه أصل القضية من أساسها تأصيلاً قوياً، وأرجعها إلى قضية شهادة أن محمداً رسول الله، وإلى قضية تبليغ الرسول لهذا الدين، وقضية أن هذا الدين كامل وباقٍِ، وإلى قضايا أخرى، وذكر عدداً من الأدلة الدالة على إفادته العلم وعلى حجيته في باب الاعتقاد وفي غيره.
وهذا الذي عليه جماهير الأئمة المتقدمين رحمهم الله تعالى هو الذي يجب أن نسوقه حينما نحكي الخلاف في هذه القضية؛ لأن الذي دعانا إلى بيان هذه المسألة المهمة هو ما اطلعت عليه في كتب أصول الفقه للأئمة المتأخرين، ومما يؤسف له: أن بعض من بحث هذه المسائل ممن كتب في أصول الفقه اعتمد على كتب الفقه التي ألفها أولئك الأئمة! فهؤلاء حكوا الخلاف بحسب ما يعلمونه هم، ولما كانت كتب أصول الفقه في غالبها أن من كتبها هم من أئمة الاعتزال أو الأشاعرة أو الماتريدية تأثر مؤلفوها بخلفياتهم الكلامية في كثير من قضايا العقيدة، ومنها هذه القضية التي معنا، وهي حجية خبر الآحاد وإفادته العلم.
وأقول لكم أيها الإخوة: إن الكتب الكبار التي هي مراجع ألفها غير أئمتنا، منها: (المعتمد في أصول الفقه) والكتاب مطبوع، وهو لـ أبي الحسين البصري، وهو معتزلي، و (المحصول في أصول الفقه) للفخر الرازي، وهو أشعري، و (المستصفى) للغزالي، وهو أشعري، و (البرهان في أصول الفقه) للجويني، وهو أشعري، و (العدة في أصول الفقه) لـ أبي يعلى، وكذلك كتاب (الإحكام في أصول الأحكام) للآمدي، وهذان حنبليان، ولكن الآمدي أشعري، وبالنسبة أيضاً لصاحب (العدة) أبي يعلى يميل كثيراً إلى مذهب الأشاعرة، وهكذا كثير من كتب أصول الفقه ألفها أئمة إما ماتريدية أو أشاعرة أو معتزلة؛ فلما حكى هؤلاء الخلاف في هذه القضية التي معنا -وهي حجية خبر الآحاد في العقيدة- حكوها بطريقة ينبغي أن يوقف عندها؛ فقالوا: اختلف العلماء في قضية إفادته للعلم، ومن ثَّم في حجيته للعقيدة، على قولين: فقال جماهير العلماء: إن أخبار الآحاد تفيد العلم ولا يحتج بها في العقيدة، والقول الثاني -وهو رواية عن الإمام أحمد -: إنها تفيد العلم، ويحتج بها في العقيدة، حتى وصل الأمر ببعضهم إلى أنه يكاد يسخر من مذهب الإمام أحمد بن حنبل؛ لقوله إنها تفيد العلم، فقال: ويلزمه أن كل خبر واحد يفيد العلم، يعني: أنه يلزمنا أن أي واحد وأي شخص كان يأتيك بخبر فخبره يفيد العلم، فنقول: هناك فرق بين خبر أي واحد ونقل سنة رسول الله ﷺ التي تروى بالأسانيد الصحيحة، وما عمله علماء الإسلام في الجرح والتعديل وفي غيره إلا لبيان وتوضيح هذه القضية؛ ومن ثمَّ تكلموا في الرجال، وتكلموا في لقاء الرواة بعضهم لبعض، وصحة السماع، والشذوذ والعلة إلى آخره؛ ففرق بين الحديث المصفى الذي ينظر فيه الأئمة فيقولون: هذا إسناد صحيح متصل، رواته عدول ضابطون، ليس فيه شذوذ ولا علة، فإن هذا الحكم ما جاء بسهولة، وإنما جاء من خلال دراسات وبراهين.
فـ البخاري لما اختار صحيحه اختاره من ألوف مؤلفة من الأحاديث والروايات، وانتقى أصحها، وكذا الإمام مسلم، وكذا غيرهم، وإذا درسنا أسانيد من لا يلتزم الصحيح وتبين لنا صحة أسانيده فنقبلها؛ لذلك فنحن نقول كما قال كثير من الأئمة: إن الأحاديث التي تلقتها الأمة بالقبول -أي: لم ينتقدها العلماء الجهابذة- تفيد العلم، ويحتج بها في العقيدة؛ فكيف يأتي هذا ويجعل قول الجمهور هو هذا، ثم يجعل القول بأنها تفيد العلم ويحتج بها في العقيدة قولاً ضعيفاً هزيلاً؟! لذلك فإننا نقول: إن حكاية الخلاف في هذه المسألة التي معنا هي كما يلي: جماهير الأئمة يرون أنه يفيد العلم ويحتج به في باب العقيدة.
وخالف في ذلك بعضهم فقال: يفيد الظن ويحتج به في العقيدة، كما قال ابن عبد البر رحمه الله تعالى، فخلاف لفظي، لكنه انتهى في النهاية إلى النتيجة نفسها لما قال: يحتج به في باب العقيدة.
وبعضهم قال أيضاً: لا يفيد العلم، ولا يحتج به في باب العقيدة.
لكن مذهب جماهير العلماء وهو إجماع الصحابة ويكاد أن يكون إجماع التابعين رحمهم الله تعالى هو أنها تفيد العلم، ومن ثَّم يحتج بها في باب العقيدة؛ ولهذا لم يفرقوا في روايتهم لهذه الأحاديث بين أحاديث العبادة وبين أحاديث العقيدة.
إذاً: ما ابتدعه المبتدعة من المعتزلة ومن غيرهم حين قالوا: إنه لا يحتج بأحاديث الآحاد في باب العقيدة معناه: سلخ لجزء كبير من نصوص الاعتقاد، ولا شك أن هذه المقالة مقالة باطلة، وليس هذا موضع تفصيلها، فارجعوا إلى المراجع والكتب التي ذكرتها قبل قليل.
إذاً: منهاج أهل السنة والجماعة هو: أن كل ما جاء به القرآن أو صح عن المصطفى ﵊ من صفات الرحمن فإنه يجب الإيمان والتصديق به، ويجب تلقيه بالتسليم والقبول؛ فإذا صح الإسناد ودرسناه ولم يعترض عليه أحد من الأئمة، فنأخذه ونتلقاه بالقبول، لأن هذا الذي وصلنا من طريق هؤلاء الأئمة العدول هو المنقول عن رسولنا ﷺ ، ولو رددنا هذه الأحاديث لكان ذلك مدخلاً لأن نرد أيضاً أحاديث الأحكام، كما فعلت بعض الطوائف وقالت: ما دام حديث الآحاد محكماً فكيف نأخذ به في أمورنا كلها؟ ولذا كان الأئمة رحمهم الله تعالى لا يفرقون، ولما قيل لـ إسحاق بن راهويه رحمه الله تعالى: تروي حديث النزول؟! فقال: نعم أرويه.
فقيل: كيف تروي حديث (ينزل ربنا إلى السماء الدنيا) ؟! وكأن السائل توهم أن فيه نوعاً من تشبيه أو مما لا يليق أن ينسب إلى الله ! فانتفض إسحاق بن راهويه رحمه الله تعالى وقال: هذه الأحاديث والروايات هي التي بها نحلل الدماء وبها نحرم، بها نحلل الفروج وبها نحرم، بها نحلل الأموال وبها نحرم، فكيف نأخذ بخبر الآحاد ونقطع به رقبة نفس معصومة، ثم لا نأخذ به حين يأتي بهذا الإسناد نفسه مخبراً عن صفة من صفات الله ﵎؟! لا شك أن هذا عين التناقض.
لذلك أخذ بها الأئمة رحمهم الله تعالى، وعملوا بها، ولم يفرقوا رحمهم الله تعالى بينها؛ حتى إن بعضهم صار يصرح بلفظ الشهادة؛ فإذا ساق إسناداً متصلاً رواته كلهم عدول ثقات أثبات يأتي ويقول: أشهد بالله أن رسول الله ﷺ قال هذا الحديث! ولا شك أنها ليست شهادة على باطل؛ لأنه بناها على علم، فقد وصل بذلك إلى علم اليقين، أما إذا رفضنا هذه الأحاديث فمعناه أنا رفضنا جزءاً كبيراً من الشريعة، والشيخ رحمه الله تعالى قال: (تتلقى بالتسليم وبالقبول فلا نرد شيئاً منها) .
وقوله: (وترك التعرض له بالرد والتأويل والتشبيه والتمثيل كما فعل أهل الباطل) هذا ما سنستكمله -إن شاء الله تعالى- في الدرس القادم.
وأستغفر الله العظيم الجليل الكريم لي ولكم من كل ذنب، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
والحمد لله رب العالمين.
стр. 21
شرح كتاب لمعة الاعتقاد [٢]
أهل السنة والجماعة يؤمنون بكل ما أخبر الله عن نفسه وبكل ما أخبر به الرسول ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، وهذا هو المنهج الذي كان عليه الصحابة ﵃، وكان عليه التابعون ومن تبعهم بإحسان، وعليه الأئمة والعلماء من أهل السنة والجماعة إلى يومنا هذا.
стр. 22
حكم تأويل أسماء الله وصفاته وذكر أقسام التأويل
قد بينا في الدرس السابق أن منهج السلف الصالح -كما أشار إليه المصنف- قائم على أن الله تعالى يوصف بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله محمد ﷺ ، وأن كل ما ورد في كتاب الله تعالى وفي سنته الصحيحة فإنه يتلقى بالقبول والتسليم، ثم إن المصنف قال في آخر كلامه: [وترك التعرض له بالرد والتأويل والتشبيه والتمثيل] .
وهذا هو منهج المخالفين لأهل السنة والجماعة؛ فإنهم إذا جاءتهم النصوص يكونون فيها على طرائق: فمنهم من يردها ويقول: حتى ولو جاء الدليل على هذه الصفة أو على هذا الأمر العقدي في كتاب الله أو صح عن رسول الله ﷺ فهو غير مقبول، وهذا معنى قول المصنف: (دون التعرض له بالرد) ؛ فأهل السنة والجماعة يقبلون ولا يردون ما ورد من ذلك، ولهذا فإن الرد هو رد النص ورد ما دل عليه النص من صفة ونحوها.
وقوله: (دون التعرض له بالرد والتأويل) أما التأويل فهو: صرف اللفظ من الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لدليل يقترن به.
هذا هو التعريف المشتهر عند كثير من أهل أصول الفقه وغيرهم، ولكن لفظ التأويل الوارد في الكتاب والسنة وعند السلف الصالح رحمهم الله تعالى يطلق على إطلاقين: أحدهما: أنه بمعنى التفسير، فيقول الإنسان: تأويل الآية كذا، أي: تفسيرها كذا، وهذا منهج ابن جرير الطبري في تفسيره؛ فإنه دائماً يقول: القول في تأويل قوله تعالى، أي: تفسير قوله تعالى.
الثاني: أن التأويل بمعنى الحقيقة التي يئول إليها الشيء، فتأويل صفات الله، أي: حقيقة صفات الله، وتأويل الرؤيا، أي: حقيقة الرؤيا، كما قال الله تعالى عن يوسف أنه قال: ﴿يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾ [يوسف:١٠٠] ، أي: حقيقة الرؤيا التي رآها أولاً تحققت من خلال ما جرى له عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والتسليم؛ ومن هنا فإن هذين المعنيين للتأويل هما المعنيان المشهوران المعروفان عند السلف الصالح.
وأما المعنى الثالث للتأويل وهو الذي ذكرته أولاً وهو الذي قصده المصنف هنا؛ فهو معنىً حدث بعد الافتراق الذي وقع في هذه الأمة، وهذا التأويل له حالتان: الحالة الأولى: أن يكون الدليل صحيحاً والصارف عن المعنى الراجح إلى المعنى المرجوح صحيحاً، ففي هذه الحالة يكون هذا التأويل صحيحاً.
الثاني: أن يكون التأويل لغير دليل، بل أحياناً يكون مخالفاً للدليل، فهذا هو التأويل الباطل، وهو الذي قصده المصنف هنا.
ولهذا قال: (دون التعرض له بالرد والتأويل) ، وهو يقصد رحمه الله تعالى بهذا منهج المنحرفين في باب الأسماء والصفات الذين أولوا النصوص، فيأتي أحدهم -مثلاً- إلى قول الله ﵎: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] ، فيتأول النص الظاهر إلى معنىً آخر بعيد جداً، فيقول: استوى بمعنى: استولى.
ويأتي إلى قول الله ﵎: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة:٦٤] ، فيقول: اليدان هما القدرة أو النعمة، أو القدرة والنعمة وهكذا، ويأتي على كل صفة ثابتة فيتأولها إلى معانٍ أخرى، وتكون هذه المعاني بعيدة لم يدل عليها النص، وإن دل عليها فدلالة ضعيفة جداً، بل إن تأويله هذا مصادم للنصوص الأخرى، ولمنهج السلف الصالح رحمهم الله تعالى في إثبات هذه الصفات على ما يليق بجلاله وعظمته، لهذا فإن السلف رحمهم الله تعالى يثبتون الأسماء والصفات لله تعالى كما يليق بجلاله وعظمته دون تأويل، ولهذا قال بعد ذلك: (والتشبيه والتمثيل) ، أي: دون التعرض لها بتشبيه؛ والتشبيه هو أن يجعل صفة من صفات الله تعالى مشبهة لصفة من صفات المخلوقين، أو بالعكس: أن يجعل صفة من صفات المخلوقين مشبهة لصفة من صفات الله تعالى.
والتمثيل: أن يجعلها مماثلة له، فالفرق بين التشبيه والتمثيل: أن التشبيه إنما يكون في بعض الأشياء، وقد لا يكون فيها جميعاً، أما التمثيل فإنه يكون في جميع الأشياء، فإذا قلت: هذا مثل هذا، فأنت تقصد أنه مماثل له تماماً، لكن إذا قلت: هذا يشبه هذا فأنت تقصد أن بينهما شبهاً، وأن بينهما أيضاً فرقاً.
فأهل السنة والجماعة وسط بين أهل التعطيل الذين دخلوا في التأويل والتحريف لنصوص الصفات وأهل التشبيه والتمثيل الذين شبهوا الله بخلقه، وشبهوا صفاته تعالى بصفات خلقه.
стр. 23
الرد على مذهب أهل التفويض
ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: [وما أشكل من ذلك وجب إثباته لفظاً، وترك التعرض لمعناه، ونرد علمه إلى قائله، ونجعل عهدته على ناقله؛ اتباعاً لطريق الراسخين في العلم الذين أثنى الله عليهم في كتابه المبين بقوله : ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران:٧]] .
هذه العبارة عند ابن قدامة فيها إشكال! وذلك من جهة أنه قال: (وما أشكل من ذلك وجب إثباته لفظاً وترك التعرض لمعناه) ؛ وسيأتي بعد قليل نقل ابن قدامة عن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى أنه قال في قول النبي ﷺ : (إن الله ينزل إلى سماء الدنيا) وقوله: (إن الله يرى في القيامة) وما أشبه هذه الأحاديث؛ يقول الإمام أحمد: (نؤمن بها، ونصدق بها، لا كيف ولا معنى، ولا نرد شيئاً منها، ونعلم أن ما جاء به الرسول ﷺ حق، ولا نرد على رسول الله ﷺ .
فقول الإمام أحمد هنا: (لا كيف ولا معنى) ، قد يظن البعض أن منهج الإمام أحمد رحمه الله تعالى -ومثله ابن قدامة في العبارة السابقة- هو التفويض في باب الأسماء والصفات، أي: إثبات ألفاظها فقط دون التعرض لإثباتها حقيقة وإثبات ما دلت عليه من معنىً يليق بجلال الله وعظمته.
ونقول: إن هذا المذهب مذهب أهل التفويض، وهم فرقة مخالفة لمذهب أهل السنة والجماعة، ولم يقل به أحد منهم، وإنما هو مذهب لطوائف انحرفت عن المنهج الصحيح لأهل السنة والجماعة، ولهذا فإن قول الإمام أحمد هنا: (لا كيف) صحيح، وقوله: (لا معنى) يقصد: أننا لا نتعرض لمعناها بالتأويل والتحريف والتشبيه ونحو ذلك، أي: لا نظهر لها معنىً يخالف ظاهرها الذي دلت عليه، ولهذا قال بعد ذلك: ولا نرد شيئاً منها، ونصدق بما جاء به الرسول ﷺ .
فهو بين أن منهج السلف إثبات الصفات، وإثبات الصفات لله هو إثباتها على ما يليق بجلاله وعظمته، وإثبات المعنى الذي دلت عليه والذي دل عليه النص، وليس المقصود إثبات اللفظ فقط، ولهذا فإن أهل السنة والجماعة يردون على المتأولة، ويردون على الذين يمثلون صفات الله تعالى بصفات خلقه أو يكيفونها، ولنضرب مثلاً بصفة السمع أو بصفة العلم: فإن أهل السنة والجماعة يثبتون هذه الصفة، ويعلمون معنى العلم ومعنى السمع، فيثبتون هذه الصفة لله كما يليق بجلاله وعظمته، ولكنهم وهم يثبتون هذه الصفة لا يتعرضون لتأويلها وتحريفها كما فعل أهل التحريف والتأويل، وأيضاً لا يكيفون هذه الصفة، فلا يقولون: إن كيفية الصفة كذا وكذا، أو يقولون: إنها تشبه صفة الخلق أو أحداً من الخلق أو نحو ذلك، ومن هنا فقول الإمام أحمد رحمه الله تعالى: (ولا معنى) أي: لا نقول: إن لها معاني تخالف ظاهرها؛ فنقع في التحريف والتأويل ونحو ذلك، وإنما نثبتها، والتفويض إنما يكون لكيفية الصفة، لا لحقيقة الصفة وما دلت عليه من المعنى؛ فكيفية صفات الله تعالى نفوضه إلى الله؛ لأننا كما لا نعلم ذاته فإننا أيضاً لا نعلم كيفية الصفات، أما الصفة نفسها فإننا نثبتها لله ، فنفرق بين العلم والقدرة، وبين السمع والبصر، وبين الحكيم والخبير، وبين قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] ، وقوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤] ، وقوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧] ، ونحوها؛ لأننا نعرف من قوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤] من المعاني غير ما نعلمه من قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] ، وهكذا.
إذاً: نخلص في هذه القضية إلى أن القول بأن السلف يثبتون ألفاظ نصوص الصفات مجردة، ويفوضون ما دلت عليه، ولا يثبتون لها معاني، هو قول أهل التفويض، وهو مردود، أما منهج أهل السنة والجماعة فهو إثبات هذه الصفات حقيقة على ما يليق بجلاله وعظمته دون تحريف ودون تشبيه، فيثبتونها ويثبتون ما دلت عليه من المعاني، أما الكيفية فهذه يفوضونها إلى الله ، ويقولون: إنه لا يعلم كيفية صفاته إلا الله .
هنا قلنا في عبارة الشيخ لما قال: (وما أشكل من ذلك وجب إثباته لفظاً وترك التعرض لمعناه) : إن كان الشيخ قد قصد ما قصده الإمام أحمد في العبارة التالية فما قاله المصنف هنا صحيح، وهو أن أهل السنة والجماعة لا يتعرضون للمعاني التي هي معانٍ تأويلية فيها تحريف لما دلت عليه هذه الصفات من معانٍ، بل يثبتونها ويثبتون ما دلت عليه كما يليق بجلاله وعظمته، أما إن كان قصد المصنف أن نثبت اللفظ فقط ولا نتطرق للمعنى ولا نفهم أي معنىً للصفة فنقول: هذا فيه شيء من التفويض، والمعروف عن أهل السنة والجماعة أنهم بعيدون جداً عن أهل التفويض؛ لأن مآل مذهب أهل التفويض هو التجهيل للرسول ﷺ ولأصحابه؛ لأن القائل إذا قال: نفوض الصفات ونفوض ما دلت عليه معانٍ يئول بنا الأمر إلى أننا نقرأ قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يونس:١٠٧] فلا نفهم شيئاً؛ وكذلك قوله: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [إبراهيم:٤] ، وقوله: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة:١٢٠] ، وقوله: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤] ، وقوله: ﴿أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [النساء:١٦٦] ، وقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] ، وقوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن:٢٧] ، وقوله: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [الفتح:٦] نقرأ هذه الآيات فلا نفقه منها شيئاً؛ لأننا نفوض المعنى، وهذا المعنى الذي قصده هؤلاء ينتهي بهم إلى التجهيل الذي قال فيه بعض العلماء إنه شر من التعطيل؛ لأن معناه أن الرسول ﷺ والصحابة يتلون القرآن، فما ورد منه متعلقاً بأسماء الله وصفاته فيجب أن يثبتوا لفظه فقط دون أن يثبتوا له أي دلالة وأي معنىً، وهذا مذهب خطير جداً مخالف لمذهب السلف رحمهم الله تعالى! أما حينما نثبت ما دلت عليه هذه النصوص من معانٍ ونقول: إننا نثبتها لله كما يليق بجلاله وعظمته من غير تعطيل ومن غير تشبيه، هذا فإننا نكون قد فهمنا ما دل عليه النص، فنفهم من قوله تعالى: ﴿الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [التحريم:٣] إثبات اسمه تعالى العليم واسمه تعالى الخبير، وما دل عليه هذا الاسم (العليم) من صفة العلم، وما دل عليه أيضاً اسمه تعالى (الخبير) من علمه سبحانه وكونه ﵎ مطلعاً على كل شيء، وهكذا بقية النصوص؛ فإذا أثبتنا ذلك فمعنى ذلك أننا لا نفوض، وإنما نثبت الصفة، ونثبت ما دلت عليه هذه النصوص من صفات كما يليق بجلاله وعظمته.
أما القول بأن أهل السنة والجماعة يثبتون مجرد لفظ الاسم أو الصفة فيقول أحدهم: أثبت العليم، لكن لا أدري ماذا يعني العليم، وأثبت السميع، ولا أدري ماذا يعني اسمه السميع، وأثبت لله صفة الإرادة والقدرة والغضب والرضا، ولا أدري ما معناها، فنقول: هذا معناه تفويض لمعنى هذه الصفات، ويؤدي إلى أنك تجهل النصوص، وتجهل ما دلت عليه، ولا شك أن الله أنزل علينا القرآن هدىً ورحمة وتبياناً لكل شيء، ولا شك أن من المقطوع به من منهج الصحابة ﵃ والسلف الصالح جميعاً، بل هو ضرورة لكل مسلم أننا حسب ما آتانا الله من علم نفقه ونعلم نصوص الكتاب ونصوص السنة النبوية، فحينما تأتي آيات في العقائد في أسماء الله وصفاته فإننا نتلوها ونعلم معناها، ونفرق بين هذه الآية وبين تلك الآية، وهذا التفريق مقتضاه أننا نثبت ما دلت عليه من معانٍ، لكن أهل السنة والجماعة يثبتونها كما يليق بجلاله وعظمته؛ فلا يحرفون النصوص، ولا يؤولونها، ولا يعطلونها عما دلت عليه، كما أنهم في المقابل لا يمثلونها، ولا يشبهونها بصفات المخلوقين، وهكذا.
стр. 24
المحكم والمتشابه في كتاب الله
قال المصنف رحمه الله تعالى بعد ذلك: [وقال في ذم مبتغي التأويل لمتشابه تنزيله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧] ؛ فجعل ابتغاء التأويل علامة على الزيغ، وقرنه بابتغاء الفتنة في الذم، ثم حجبهم عما أملوه، وقطع أطماعهم عما قصدوه بقوله سبحانه: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧]] .
стр. 25
معنى آية آل عمران والوقف فيها
وهذه الآية في سورة (آل عمران) ، وهي قول الله : ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران:٧] ، فالقرآن ورد أنه كله محكم، كما قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ [هود:١] ، أي: أنه كله متقن، وورد أنه كله متشابه، كما في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ [الزمر:٢٣] لأنه يشبه بعضه بعضاً في الإحكام والإتقان؛ ثم إنه تعالى في هذه الآية أخبر أن في القرآن آيات محكمات، وفيه آيات متشابهات، فبين الله ﵎ في هذه الآية أن أهل الزيغ يتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، وإثارة الفتنة بين الناس لإغوائهم عن الحق.
وقوله: (وابتغاء تأويله) ، أي: تأويل النصوص لتوافق ما عندهم.
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧] ، والعلماء ﵏ لهم في الوقف هنا أقوال، والوقف هنا سواء كان على قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧] ، أو على قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران:٧] ، مبني على معنى التأويل في الآية: فإذا قيل: إن معنى التأويل في الآية هو التفسير، أي: وما يعلم تفسيره إلا الله، فحينئذٍ يجوز الوقف، فيكون المعنى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ في العلم﴾ [آل عمران:٧] ؛ لأن الراسخين في العلم يعلمون تأويل وتفسير القرآن الكريم.
أما على المعنى الثاني المشهور عند السلف، وهو: أن التأويل حقيقة الشيء، فيكون الوقف واجب على قوله: (إلا الله) ، ويكون معنى قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧] ، أي: وما يعلم حقيقة هذه الصفة، أو حقيقة ما أعد الله للمؤمنين في الآخرة، أو حقيقة ما أعد الله للكفار في النار إلا الله، ثم قال: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران:٧] يسلمون ويقولون: (آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا) .
стр. 26
المقصود بالمحكم والمتشابه في القرآن الكريم
وهنا ما هو المحكم والمتشابه في هذه الآية؟ كثر خوض الناس في هذا، وخاصة من تعرض لمسائل علوم القرآن، فقلما تعرض من كتب في المحكم والمتشابه في علوم القرآن إلا وأخطأ في فهم هذه الآية، فالإتقان للسيوطي والبرهان للزركشي وغيرهما من الكتب التي تعرضت لعلوم القرآن لما جاءوا إلى هذه الآية، وتكلموا عن المحكم والمتشابه أخذوا يعرضون بأن المتشابه هو مثل بعض الصفات، فيدخلون الصفات في باب المتشابه، ويجعلون المتشابه فيها إما أن يفوض معناه، وإما أن يتأول، أي: أن تتأول هذه الصفات إلى معانٍ أخرى لم تدل عليها ولم يدل عليها سياق الآيات الكريمات.
والحق أن الأسماء والصفات ليست من المتشابه، وإنما هي من المحكم، ولهذا كثرت في الآيات الدالة على هذه الصفات، لكن ما يتعلق بكيفية هذه الصفات هو الذي نقول فيه: إنه لا يعلمه إلا الله .
أما معنى الصفة فهو مفهوم، وذلك مثل قوله تعالى: ﴿الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [التحريم:٣] ، وقوله ﵎: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء:١١] ، وقوله تعالى: ﴿أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [البقرة:١٩٦] ، وقوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام:٥٩] ، وغير ذلك من الآيات التي يفقه معناها، وليس فيها إشكال، ونثبتها لله كما يليق بجلاله وعظمته.
وقد يقول قائل: إذا كان الأمر كذلك فأين المحكم والمتشابه الذي نصت عليه الآية؟ نقول: الراجح أن التشابه المقصود في هذه الآية هو تشابه نسبي يعرض لبعض الناس، وليس هناك آيات بحد ذاتها هي من المتشابه؛ لأن بعض الناس يظن أن هناك آيات هي بحد ذاتها من المتشابه وآيات محكمات.
ونقول: التشابه الذي ذكره الله هنا هو التشابه النسبي الذي يعرض للإنسان أحياناً، ويعرض لبعض الآيات.
وأهل السنة والجماعة يقولون: نرد المتشابه إلى المحكم، وسأضرب مثالاً ورد في سيرة الرسول ﷺ : ورد في السيرة أنه لما جاء نصارى نجران إلى رسول الله ﷺ والتقى بهم، ودعاهم إلى كلمة التوحيد، احتجوا بآيات من القرآن على قولهم بالتثليث، احتجوا بمثل قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩] ، وقوله: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر:١] .
فقالوا: (إنا) و (نحن) تفيد الجمع، فهذا دليل لنا على أن الذي أنزل القرآن جمعاً وليس واحداً، فهو دليل على أن الله وتقدس ليس إلهاً واحداً، وإنما هو ثلاثة آلهة: الأب والابن والروح القدس! ففي هذه الحالة وقع في هذه الآية تشابه، لكن هذا الاشتباه يعرض لواحد من الناس، لكن أعداداً كثيرة أخرى لا يعرض لهم فيها اشتباه؛ لأنهم يفهمون أن مثل هذا الجمع قد يتكلم به الجمع، وقد يتكلم به المفرد الذي يعظم نفسه.
فإذاً: ما دام أنه قد يتكلم به المفرد الذي يعظم نفسه، فإنه والحالة هذه تكون دلالة الآية ليس فيها أي اشتباه، فقوله تعال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩] ، الجمع هنا للتعظيم، والذي نزل القرآن هو الله الذي لا إله إلا هو.
ولهذا فإننا نقول لمن وقع له نوع اشتباه في هذه الآية: الواجب عليك أن ترد المتشابه إلى المحكم، فإذا قال: وما المحكم؟ قلنا: هناك آيات ونصوص صريحة ليس فيها أي اشتباه، مثل قول الله : ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [البقرة:١٦٣] ، وقوله: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [المائدة:٧٣] ، فهذه النصوص صريحة صراحة تامة بأن الله واحد لا شريك له، فإذا رددنا هذا المتشابه إلى المحكم تبين لدينا المعنى الصحيح، ولم نقع في الخلط، لكن أهل الزيغ وأهل الفتنة يتبعون ما تشابه منه، فيأتي أحدهم بمثل هذه الآية ويحتج بها على المتشابه، ويقول: إن قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ﴾ [الحجر:٩] وقوله: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ﴾ [القدر:١] وقوله: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ﴾ [الزخرف:٣٢] ، دالة على أن الله أكثر من واحد، وحال هذا القائل كما قال تعالى: ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران:٧] ، قال تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧] .
فإذاً: التشابه الذي ذكره الله في هذه الآية هو تشابه نسبي، يعرض لبعض الناس، ويعرض للإنسان أحياناً، فالإنسان قد يجهل معنى آية من آيات القرآن الكريم، يسمعها لكن لا يستطيع أن يحدد معناها، ولكنه إذا تدبر معناها وعلمه تبين له أن هذه الآية ليس فيها أي اشتباه وهكذا.
стр. 27
زيغ وضلال أهل الأهواء والبدع بسبب التأويل الفاسد
فالزائغون الذين حادوا عن منهج الرسل عليهم الصلاة والسلام، وعن منهج أهل السنة والجماعة، هم الذين يتبعون ما تشابه منه، ويتأولون النصوص ليفتنوا الناس عن منهجهم ودينهم الحق، ويتأولون هذه النصوص تأويلات باطلة، ولهذا لما فتح أهل الكلام باب التأويل لنصوص صريحة احتج عليهم بها القرامطة والباطنية في تأويل نصوص أخرى، ولهذا تجد القرامطة والباطنية والفلاسفة يتأولون النصوص؛ حتى إنهم يتأولون نصوص المعاد، فيقولون بإنكار المعاد، أو بأن المعاد إنما هو روحي وليس جسمياً.
والمتأولة من أهل الكلام يكفرون هؤلاء، ويقولون: القرامطة كفار، والفلاسفة كفار؛ لأنهم ردوا النصوص القاطعة وتأولوها تأويلات باطلة لم يدل عليها دليل.
ولا شك أن من أنكر المعاد فهو كافر.
لا شك أن من أنكر حدوث العالم وقال بقدمه فهو كافر.
لكن أولئك القرامطة والباطنية قالوا للمتكلمين: كيف تسمحون لأنفسكم بتأويل النصوص ولا تسمحون لنا؟! كيف تسمحون لأنفسكم بأن تتأولوا نصوصاً صريحة في القرآن دالة على صفات الله وتقولون: منهجنا حق، وتأويلنا حق، ويجب التأويل إلى آخره، ثم إذا تأولنا نصوصاً أخرى مشابهة لها قلتم لنا: أنتم كفار؟! ما الفرق بين تأويلنا وتأويلكم؟! وكيف يصير تأويلنا كفراً، وتأويلكم طاعة وعقيدة صحيحة؟! ألكم على تأويلكم أجران، ونحن لنا على تأويلنا وزران؟! ولهذا تسلط الفلاسفة وتسلطت القرامطة وغيرهم على المتكلمين بسبب ما فتحوا من باب التأويل؛ لأن فتح باب التأويل معناه أن تترك النصوص لكل من شاء أن يعبث بها، ويأتي لأي نص ويبحث عن أي معنى ولو كان بعيداً، ويقول: هذا هو المقصود؛ ولهذا تجد القرامطة -مثلاً- يتأولون الصيام، ويقولون: الصيام هو حفظ أسرار الدعوة، فقيل لهم: كيف تتأولونه؟ فقالوا: نعم.
عندنا في اللغة العربية أن صام بمعنى: أمسك، والشاعر العربي يقول: خيل صيام وخيل غير صائمة تحت العجاج وأخرى تعلك اللجما أي: خيل ممسكة وخيل غير ممسكة، ونحن أمرنا بالصيام، فالصيام هو الإمساك، والإمساك المقصود به الإمساك عن كشف أسرار الدعوة الباطنية، وهذا تأويل صحيح، هكذا يزعمون! إذاً: هذا التأويل الذي دخل منه هؤلاء ليؤولوا الصلاة والصيام والحج وليؤولوا رءوس العبادات وأركان الإسلام، ما دخلوا إلا لما رأوا المتكلمين من المعتزلة العقلانيين ومن غيرهم ممن سلك مسلكهم يعبثون بنصوص القرآن والسنة الصريحة ويتأولونها! فقوله تعالى: ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف:٥٤] قالوا: استولى على العرش! فمن أين جاء هذا؟ ولم يرد في اللغة العربية استوى بمعنى استولى، إلا بيت شعر لا يعرف قائله، ويقال إنه مصنوع لأجل هذا المعنى: قد استوى بشر على العراق من غير سيف أو دم مهراق وهكذا مثل قول الله : ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] بصيغة التثنية، يأتيك المتأول هنا ويقول: اليد هنا القدرة، أو اليد هنا النعمة، فقوله: (بيدي) ، يعني: بقدرتي أو بنعمتي، وهذا لا يمكن، بل هذا تأويل بعيد جداً، بل إن تأويل القرامطة للصيام أقرب من هذا التأويل.
ومن هنا أيها الإخوة في الله! كان تركيز السلف رحمهم الله تعالى في هذا الباب على رد التحريف ورد التأويل؛ لأن التأويل يفتح أبواباً كثيرة وعظيمة، وأبواب فتنة وزيغ، وحينئذٍ يتلاعب المتلاعبون بنصوص كتاب الله تعالى وما صح من سيرة رسوله ﷺ .
стр. 28
معنى قول الإمام أحمد: (نؤمن بأحاديث الصفات ولا كيف ولا معنى)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [قال الإمام أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل ﵁ في قول الرسول ﷺ : (إن الله ينزل إلى سماء الدنيا) ، (وإن الله يرى في القيامة) ، وما أشبه هذه الأحاديث: نؤمن بها، ونصدق بها، ولا كيف ولا معنى] .
ويلاحظ أن الإمام أحمد هنا استشهد بأحاديث فيها دليل على إثبات الصفات لله من السنة الصحيحة، فنزول الله تعالى إلى سماء الدنيا ثابت، ودلت عليه الأحاديث الصريحة الصحيحة الكثيرة، ونزوله كما يليق بجلاله وعظمته ثابت أيضاً، يثبته أهل السنة والجماعة.
وكذلك أيضاً: إن الله يراه المؤمنون في الآخرة دلت عليه الأحاديث المتواترة، وهكذا غيرها من الأحاديث التي تثبت الصفات، قال عنها الإمام أحمد: (نؤمن بها، ونصدق بها، ولا كيف) ، أي: لا نكيفها؛ لأننا لا نعلم ذات الله تعالى فلا نكيفها، ثم قال: (ولا معنى) ، أي: لا نتعرض بالمعاني الأخرى الباطلة، فنأتي لها بمعانٍ جديدة.
ولهذا قال: [ولا نرد شيئاً منها، ونعلم أن ما جاء به الرسول حق ولا نرد على رسول الله ﷺ ] .
ولهذا لما كان أحد الأئمة -وهو إسحاق بن راهويه - عند ابن طاهر أمير خراسان يحدث له، ويقرأ عليه الأحاديث، فقرأ عليه بأسانيده أحاديث النزول بطرقها: (إن الله تعالى ينزل كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من تائب فأتوب عليه) ، فقال عبد الله بن طاهر -وفي بعض روايات القصة: أنه أحد الجالسين-: كيف ينزل؟ كيف تحدث بهذه الأحاديث التي فيها أن الله ينزل؟ وإلى الآن كثير من الناس يعترض ويقول: الذي ينزل هو رحمته الذي ينزل هو أمره الذي ينزل هو ملك من الملائكة؛ لأنهم يستثقلون مثل هذا الحديث الذي ثبت عن النبي ﷺ من طرق عديدة صحيحة، ويظنون أنه يلزم منه التشبيه، وأن نزول الله إلى السماء الدنيا مثل نزول المخلوقين.
فهذا الأمير احتار، وقال: كيف ينزل؟ وكيف تحدث بهذه الأشياء؟ فقال له إسحاق بن راهويه: يا أمير! هذه أحاديث رسول الله ﷺ نرويها، بها نحرم الحرام، وبها نحل الحلال، وبها نستحل الفروج، وبها تقطع الرقاب.
يعني: أننا نثبت بها الأحكام، ونفس الإسناد الذي نقطع به رقبة فلان شرعاً هو الذي نحدث به بمثل هذا الحديث عن الرسول ﷺ .
فإذا أردتنا أن نرد هذا فلنرد الشريعة الإسلامية من أولها إلى آخرها، ولنرد سنة الرسول ﷺ كلها.
فكان الأئمة رحمهم الله تعالى يروون هذه الأحاديث لا يفرقون بينها، المهم أن تكون صحيحة الإسناد، ثابتة إلى رسول الله ﷺ ، فما دلت عليه من صفة فإنهم يثبتونها كما لو دل عليها القرآن، فلا يفرقون بين القرآن وبين السنة في أي شيء.
ولهذا قال الإمام أحمد: (ولا نرد على رسول الله ﷺ ، أي: ما دام الإسناد ثابتاً فإننا نؤمن به ونصدقه، ونثبت هذه الصفات كما يليق بجلاله وعظمته من غير تحريف ومن غير تكييف، ومن غير تشبيه ومن غير تمثيل.
стр. 29
أهل السنة لا يصفون الله بأكثر مما وصف به نفسه
ثم قال المصنف: [ولا نصف الله بأكثر مما وصف به نفسه، بلا حد ولا غاية: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] ، ونقول كما قال، ونصفه بما وصف به نفسه] .
قوله: (ولا نصف الله بأكثر مما وصف به نفسه) قيد مهم في منهج أهل السنة والجماعة، بمعنى: أن الأسماء والصفات توقيفية، وأنه ليس كل معنىً صحيح نثبته لله صفة؛ لأنه معنىً صحيح، يشبه هذا أننا لا نأتي إلى عبارة صحيحة ونقول: قال رسول الله.
فمثلاً: لو جاء واحد وقال: قال رسول الله ﷺ : افعل الخير، وأحسن إلى جارك إحساناً في الليل وفي النهار.
فهذا المعنى صحيح، وما المانع من أن يقوله الرسول ﷺ ؟ فنقول: لا، حتى ولو كان المعنى صحيحاً فلا يجوز أن ننسبه إلى رسول الله ﷺ ما لم يثبت عنه بالإسناد الصحيح.
وكذلك أيضاً لا نأتي إلى صفة من الصفات -وإن كان معناها صحيحاً- ونقول: هذه الصفة نثبتها لله.
فمثلاً: لو أن كلمة (مهندس) أعجبتنا وقلنا: إن فن الهندسة في العصر الحديث تعتبر فناً دقيقاً ورائعاً، وإن هذا الفن في خلقه رائع وعظيم جداً، فما المانع من أن نقول: إن الله هو مهندس الكون، وإن من أسمائه المهندس، ومن صفاته هذه الصفة؟!
الجواب
لا ينبغي ذلك، وإن كان المعنى صحيحاً، فلا يجوز لنا أن نصف الله إلا بما ورد.
لكن بعض العلماء قالوا: نتساهل في باب الإخبار، يعني: إذا كنت تخبر أو تشرح فلا مانع من أن تأتي بكلمات ولو لم ترد فتنسبها إلى الله من باب الإخبار، فتقول مثلاً: إن الله صنع هذه الكون، إذا كنت تريد أن تشرح وتوضح، لكن لا تأتي وتقول: إن من أسمائه تعالى الصانع؛ لأنه لم يثبت هذا الاسم.
فقالوا: في باب الإثبات حينما تثبت لله اسماً من أسمائه أو صفة من صفاته لابد أن يكون قد دل الدليل من كتاب الله أو من سنة الرسول ﷺ على ذلك، لكن في باب الإخبار يجوز أن تخبر وأن توضح وأن تشرح هذه الأمور، ولو كان شرحك مما يتعلق بالله إذا أحسن الإنسان التعبير، وأتى بالعبارات اللائقة.
стр. 30
وجوب إثبات أسماء الله وصفاته من غير تشبيه ولا تعطيل
ثم إن الإمام أحمد أيضاً استشهد بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] ، وهذه قاعدة مشهورة لأهل السنة والجماعة، فقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] رد على المشبهة، وقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] رد على المعطلة.
وقوله: (ونقول كما قال، ونصفه بما وصف به نفسه) واضح.
ثم قال: [لا نتعدى ذلك، ولا يبلغه وصف الواصفين] .
أي: أن الله هو العظيم، وهو ذو الجلال والإكرام، فإن الواصفين له مهما وصفوه لن يبلغوا وصفه، ولن يبلغوا المبلغ اللائق به ؛ فإنه ﵎ له الأسماء الحسنى والصفات العليا، ونحن إنما نعلم بعضاً من هذه الصفات، ونعلم بعضاً من المعاني اللائقة بالله من هذه الصفات، أما نحن البشر المقصرين، فإننا لا نستطيع أن نصل إلى أن نصف الله بكل وصف وبكل اسم ثبت له، لا نستطيع أن نصل في ذلك إلى المبلغ والغاية.
ولهذا فإن الرسول ﷺ أخبرنا أن لله أسماء استأثر الله ﵎ بها في علم الغيب عنده، كما قال ﷺ : (اللهم إني أسألك بكل اسم هو لك؛ سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك) ، فلله أسماء وصفات استأثر بها، فمن أين لبشر أن يحيط بذلك؟! لكن نثبت لله ما علمنا مما ورد في الكتاب والسنة من أسمائه وصفاته كما يليق بجلاله وعظمته.
стр. 31
أهل السنة لا يردون شيئاً من الأسماء والصفات لشناعة شنعت عليهم
ثم قال: [نؤمن بالقرآن كله محكمه ومتشابهه، ولا نزيل عنه صفة من صفاته لشناعة شنعت، ولا نتعدى القرآن والحديث، ولا نعلم كيف كنه ذلك، إلا بتصديق الرسول ﷺ وتثبيت القرآن] .
وهذا الكلام دل على عدة أمور، دل على بعض الأمور التي سبقت، مثل: أننا لا نكيف، ولا نعلم كنه الصفة، أي لا نعلم كيفية وحقيقة صفات الله ؛ لأن هذه الأمور لا يعلمها إلا الله ﵎، ولكن نحن نثبت الصفات لله كما يليق بجلاله وعظمته، أما كيفيتها فلا يعلمها إلا الله.
وكذلك أيضاً لا نتعدى القرآن والحديث؛ فنثبت ما ورد فيهما، ولا نتعدى ذلك.
وقوله: (ولا نزيل عنه صفة من صفاته لشناعة شنعت) ، أي: أن كل ما ثبت بالدليل من كتاب الله أو من سنة رسوله ﷺ صفة لله فإننا نثبتها، ولا نرد هذه الصفة أو نتأولها لأجل تشنيع المخالفين، مثل أن يأتي قائل ويقول: كيف تثبت لله الوجه وتثبت لله اليدين؛ فإن إثبات الوجه واليدين والعين تجسيم؛ وأنت حين تثبت الصفات كأنك تشبه الله بالمخلوقين، فمن أثبت لله الوجه واليدين فقد أثبت لله أبعاضاً، فهو مجسم؟ فيشنع علينا عندما نثبت هذه الصفات بمثل هذه الشناعات؛ لأن هذا عنده تشبيه، وهذا تجسيم، وهذا لا يليق بالله، وكأنك تمثل الله بخلقه إلى آخره.
فما هو موقفنا من ذلك؟ هل نخضع لتشنيع هؤلاء، أم ماذا نصنع؟ منهجنا أهل السنة والجماعة أننا لا ننظر إلى التشنيع، بل نثبت لله ما ثبت ولو شنع علينا من شنع، فإذا جاءوا وقالوا: إثبات الوجه لله تجسيم، فنقول: نحن نثبت لله الوجه، وسمه تجسيماً أو لا تسمه فنحن لا نلتفت إلى قولك، نحن نثبت لله اليدين كما يليق بجلاله وعظمته، وإذا سميت هذا تشبيهاً وتجسيماً فنحن لا نلتفت لتسميتك، ولن نرد الصفة لأجل تشنيعك علينا بأننا مجسمة أو مشبهة أو حشوية أو نابتة أو غير ذلك، كما أننا -مثلاً- لا نرد محبة أصحاب الرسول ﷺ لأجل تشنيع الرافضة حينما يقولون: لا ولاء إلا ببراء.
فالرافضة يقولون: من لم يبغض الصحابة فهو ناصبي، فنقول لهم: كيف سميتموه ناصبياً؟ هذه الشناعات لا نلتفت إليها، نحن نحب أصحاب النبي ﷺ جميعاً، وبالمقابل لو قال لنا ناصبي: لا تحبوا آل البيت؛ لأن محبة آل البيت رفض، فنقول: حتى ولو شنعتم علينا وقلتم إن محبة آل بيت رسول الله ﵌ رفض، فنحن لا نخضع لقولكم، بل نحب آل بيت رسول الله ﷺ المحبة اللائقة بهم، حتى ولو شنعتم وسميتم ذلك رفضاً، وحالنا كما قال الشاعر: إن كان رفضاً حب آل محمد فليشهد الثقلان أني رافضي والآخر يقول: إن كان نصباً حب صحب محمد فليشهد الثقلان أني ناصبي يعني: أن العبارات والشناعات لا تغير من حقائق الأمور، فنحب أصحاب الرسول، ونحب آل بيت رسول الله، ولو أن هؤلاء سموه نصباً وأولئك سموه رفضاً.
كذلك أيضاً نثبت لله الوجه واليدين والاستواء والنزول كما يليق بجلاله وعظمته، حتى وإن سمت المعطلة هذا تشبيهاً أو تجسيماً أو غير ذلك.
فلا ينبغي للمتمسك بمنهج أهل السنة والجماعة أن يستسلم لتشنيع هؤلاء، ومثله تماماً ما يفعله كثير من الناس اليوم، إذا أحدهم رأى الشاب المسلم قال: هذا مطوع متزمت أصولي إرهابي إلى آخره! فلا ينبغي للإنسان أن يترك سنة الرسول وأن يترك التمسك بما أوجب الله عليه وأوجب عليه رسوله ﷺ لأجل شناعات هؤلاء.
فمثلاً: الذي يرفع ثوبه فوق الكعبين، يقال عنه: إنه متطرف، أو يشنع عليه بأنواع الشناعات، فلا ينبغي للإنسان أن يلبس ثوباً وينزله تحت الكعبين حتى تزول عنه الشناعة، وإنما يلتزم هدي الرسول ﷺ ولو شنع المشنع، فيجب الالتزام بكل سنة الرسول ﷺ .
وهكذا مسيرة أهل الزيغ والضلال متشابهة منذ عهد الرسول ﷺ وإلى ما شاء الله، فإنهم في كل وقت يخترعون ألقاباً جديدة يشنعون بها على المتمسكين وعلى المتشبثين بكتاب ربهم وسنة رسولهم ﷺ .
والمؤمن الصادق الواثق من نفسه الواثق من منهجه هو الذي لا يعبأ بمثل هذه العبارات، ولا بمثل هذه الشناعات، بل يعتز بدينه اعتزازاً قوياً، والله مؤيده وناصره ومثبته.
стр. 32
معنى قول الشافعي: (آمنت بما جاء عن الله على مراد الله)
ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: [قال الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي ﵁: آمنت بالله وبما جاء عن الله على مراد الله، وآمنت برسول الله وبما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله] .
وهذه عبارة عظيمة للإمام الشافعي ﵀.
أي: أنه يؤمن بالله تعالى وبما جاء عن الله في كتابه، وبما جاء عن رسول الله ﷺ في سنته على مراد الله وقصده، وعلى مراد رسول الله ﷺ وقصده.
والمعنى: أنني آمنت بهما كما أراد الله ﵎ وأراد الرسول ﷺ .
وقد يقول القائل: وهل معنى ذلك التسليم: أنني آمنت بما آمنت به لكن لا أعرف معناه؟ فنقول: لا؛ فإن الله تعالى لما أنزل علينا القرآن أراد منا أن نتلوه، وأن نعرف معناه، وأن نفهمه، وأن نعمل به، وإلا فكيف نعمل بالقرآن ونحن لا نفقه معناه؟! قال : ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤] ، وقال: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾ [المؤمنون:٦٨] ، وقال: ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:٤٤] إلى آخر الآيات.
أذاً: مراد الله لما أنزل علينا هذا القرآن وفيه أسماء الله وفيه صفاته أن نتدبر.
ومن هنا فنحن نثبتها على ما أراد الله؛ لأن سياقات هذه الآيات القرآنية دالة على ذلك، فحينما يقول الله : ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة:٢] أراد الله أن نفهم أنه شديد العقاب، لا أن نثبت اللفظ ولا نفقه المعنى، فوالله! لو كان هذا هو المراد ما فقهنا آيات القرآن من أولها إلى آخرها؛ لأنه لا تخلو -تقريباً- جملة من الآيات في سياق واحد من التذكير بأسماء الله وصفاته، فإذا كنت لا تفهم معنى أن الله شديد العقاب فمعنى ذلك: أنك ما فقهت الوعيد الذي ترتب عليه في هذا النص حينما نهاك الله عن مخالفة أمره، وأمرك باتباع ما أمرك وهكذا.
وكذلك أيضاً على مراد رسول الله، فالرسول ﷺ حدث أصحابه، وقال لهم: (ينزل ربنا) ، وقال: (إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر) ، وأراد رسول الله ﷺ من الصحابة أن يثبتوا أن الله يُرى كما يُرى القمران، والتشبيه إنما هو للرؤية، وليس للرئي بالمرئي، فهذا هو معنى عبارة الشافعي رحمه الله تعالى.
стр. 33
التعريف بالسلف والخلف
ثم قال المصنف: [وعلى هذا درج السلف وأئمة الخلف ﵃] .
السلف هم السلف الصالح ﵏.
وقول المصنف هنا: (وأئمة الخلف) ، الخلف لها معنىً لغوي ولها معنىً اصطلاحي، كما أن السلف لها معنىً لغوي ولها معنىً اصطلاحي.
فالمعنى اللغوي للسلف والخلف هو: أن السلف من سبق، والخلف من لحق، فيقال: هؤلاء سلف، وهؤلاء خلف لهم، فمن تقدم سلف، ومن جاء بعدهم يقال لهم خلف، هذا المعنى اللغوي، لكن بعد الخوض وبعد التفرق الذي وقع في الأمة الإسلامية صار لكل من السلف والخلف معنى خاص به، وهذا المعنى يدل دلالة اصطلاحية معينة، فصار السلف يدل على من سار على منهج الرسول ﷺ وأصحابه، سواء كان في عهد الصحابة أو في عهد التابعين، أو من بعدهم إلى آخر الزمان.
وصار الخلف يصطلح على من حرف وغيرَّ وبدل، فيقال: هذا من الخلف، أي: أنه مغير لا يسير على منهج السلف، فكلمتا (السلف والخلف) كلمتان متقابلتان، فالخلف: كل من يتأول، سواء كان في الزمن الأول -يعني في عصر التابعين ومن بعدهم- أو في العصر الحديث، فكل من تأول النصوص نقول عنه: هذا على منهج الخلف.
والمصنف قال: (وعلى هذا درج السلف وأئمة الخلف ﵃ وأرضاهم، فكلمة السلف سواء كانت هنا بالمعنى اللغوي أو الاصطلاحي ليس فيها إشكال، لكن كلمة (الخلف) المقصود بها: المعنى اللغوي.
وقوله: (وأئمة الخلف) ، أي: الأئمة الذين جاءوا بعد السلف، فإنهم ساروا على منهج السلف الصالح رحمهم الله تعالى، ولم يقصد أن أئمة الخلف وأئمة البدع هذا منهجهم، وإنما قصد أئمة الخلف الذين جاءوا بعد أولئك السلف ﵃.
стр. 34
معنى اتفاق السلف وأئمة الخلف على الإقرار والإمرار
ثم قال المصنف: [كلهم متفقون على الإقرار والإمرار] .
قوله (على الإقرار) أي: الإقرار واليقين والإيمان والإثبات لتلك الصفات الواردة في كتاب الله وفي سنة رسوله ﷺ .
وقوله: (والإمرار) أي: أنهم يمرونها ولا يتعرضون لتأويلها وتحريفها.
ولذا قال المصنف: [والإثبات لما ورد من الصفات في كتاب الله وسنة رسوله من غير تعرض لتأويله] .
وهذا واضح المعنى، ولكن نقف عند قوله: (والإمرار) ؛ لأنه ورد عن جمهرة من السلف أنهم سئلوا عن الصفات، فقالوا: أمروها كما جاءت.
فهل معنى قولهم: (أمروها كما جاءت) أن نمر بلفظها دون التعرض لها، ودون إثبات ما دلت عليه من المعاني؟ نقول: بعض المفوضة ظنوا أن مثل هذه العبارة دليل لهم على التفويض، لكن الصحيح أنها ليست كذلك؛ فإن السلف رحمهم الله تعالى أثبتوا الصفات، وأثبتوا ما دلت عليه، ثم إذا سئلوا عن الصفات قالوا: أمروها كما جاءت، يعني: لا تتعرضوا لتأويلها كما تعرض لها أهل التأويل.
والدليل على ذلك أنه ورد عن السلف مثل هذه العبارة في غير ما حديث، فسئل الإمام أحمد عن أحاديث الوعيد، كقوله ﵊: (اثنتان في أمتي هما بهم كفر) وقوله: (والله! لا يؤمن) ، وقوله: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) ، فقال رحمه الله تعالى: تمر كما جاءت.
وسأله بعضهم عن أحاديث الفضائل، أي: التي فيها الفضل العظيم، فقال: تمر كما جاءت، يعني: لا نتعرض لتأويلها وتحريفها والخوض فيها على غير المنهج الحق.
فدل على أن كلمة (تمر كما جاءت) ليست خاصة بصفات الله؛ حتى لا يأتي قائل ويقول: المقصود بذلك التفويض، وإنما المقصود -كما أشرنا- عدم التعرض لها بتحريف أو بتأويل أو تعطيل أو نحو ذلك.
стр. 35
الأمر بالاهتداء بمنهج السلف والتحذير من المحدثات
ثم قال المصنف: [وقد أمرنا بالاقتفاء لآثارهم والاهتداء بمنارهم] .
أي: أمرنا بأن نقتدي بهؤلاء السلف رحمهم الله تعالى، وأن نهتدي بمناراتهم العالية المضيئة التي أبرزوا من خلالها المنهج الحق الوسط، منهج السلف الصالح أهل السنة والجماعة رحمهم الله تعالى.
ولهذا قال: [وحذرنا المحدثات، وأخبرنا أنها من الضلالات، فقال النبي ﷺ ، (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين والمهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم! ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة) ] .
وهذا استشهاد من المصنف رحمه الله تعالى بهذا الحديث عن النبي ﷺ ، فإن الرسول ﷺ أمر أمته باتباع السنة، وحذرهم من البدع، وأمرهم باتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين، ولهذا لو تأملت ما ورد عن الخلفاء الراشدين لوجدته تطبيقاً عملياً لما في كتاب الله وما في سنته ﷺ ، ولم يقع منهم تحريف أو تأويل أو تغيير أو تفويض، وأما الخلاف في باب الأحكام فهذا واقع حتى بين الصحابة، كما حدث حين أمرهم النبي ﷺ بألا يصلوا العصر إلا في بني قريظة، فاختلف الصحابة، لكن في باب إثبات الأسماء والصفات لم يقع في هذه العهود المفضلة بين الصحابة ﵃ وأرضاهم أي اختلاف.
ولهذا أمرنا باتباع هدي وسنة الخلفاء الراشدين؛ وذلك في باب العقيدة وفي باب المنهج.
ثم قال ﷺ : (وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة) ، فحذر رسول الله ﷺ من الأمور المحدثة التي هي بدع وضلالات.
والبدعة هي: أمر محدث في الدين، فيه مضاهاة لما ورد في الشريعة، وإنما قلنا هذا حتى يخرج عن ذلك الأمور الحادثة التي هي من باب العادات، فلا يقول إنسان مثلاً: إنهم كانوا يركبون الإبل في الزمن القديم، فالسيارات بدعة، لأن هذه الأمور من باب العادات، والأصل فيها الإباحة، وإنما تضبط بقواعد الشرع العامة فقط من خلال المقاصد ونحو ذلك.
لكن المقصود بالبدعة: أن يبتدع الإنسان أمراً في الدين، سواء كان هذا الأمر أمراً عقدياً أو أمراً يتعلق بالعبادة والشرع، فهو بدعة وضلالة.
فأهل الأهواء تجد كل واحد منهم ابتدع بدعاً كثيرة مخالفة لنص كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، فنقول: هذه بدعة، كبدع الجهمية في باب الصفات، وفي باب القدر، وبدع المعتزلة في باب الصفات وفي باب القدر، وبدع الروافض في باب أصحاب الرسول ﷺ وغيرها، وبدع القدرية وبدع المرجئة، هذه كلها بدع محدثة في باب العقائد مخالفة لما كان عليه الرسول ﷺ وصحبه الكرام.
ومثله أيضاً البدع العملية، مثل أولئك الذين يبتدعون أوراداً أو أذكاراً أو موالد أو غير ذلك، فهذه بدع عملية؛ لأن صاحبها يريد أن يتقرب إلى الله بهذا العمل، فاخترع هذا الذكر بهذا الشكل وبهذه الصياغة وبهذه الجماعية في هذا الوقت، فهذه الأمور كلها تحول هذا الأمر إلى أمر بدعي.
ولقد حذر رسول الله ﷺ من هذه البدع جميعاً فقال: (وكل بدعة ضلالة) ، ولهذا فإن المنهج الصحيح هو السير على منهاج الرسول ﷺ ومنهاج أصحابه، فإن ذلك لا يتعارض أبداً مع مستجدات العصر.
بمعنى: أنه لا يمكن أن يأتي زمان -مهما كان هذا الزمان- نحتاج فيه إلى تغيير في شرع الله تعالى؛ لأن الشرع كامل صالح لكل زمان ومكان، فقد تتغير أمور الناس، وتتغير أشكال حياتهم، وتتغير الوسائل، لكن تبقى الأصول التي أمر الله بها وأمر بها رسوله وشرعها الله وشرعها الرسول ﷺ لا تتغير ولا تتبدل أبداً.
وهذه هي الثوابت في دين الله تعالى التي لا تقبل التغيير أبداً، وأي تغيير فيها هو اتهام لهذه الشريعة بالنقص، سواء كان في باب العقائد والتصورات ونحو ذلك، أو في باب الشريعة وتطبيقها، أو في باب العبادات التي يتقرب بها العباد إلى ربهم ، كل هذه الأمور مما جاءت به الشريعة كاملة، ولا تتغير هذه الأمور أبداً مهما اختلف الزمان، ومهما تغير المكان، وهذا واضح جداً، والحمد لله تعالى.
стр. 36
شرح أثر ابن مسعود ﵁ (اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم)
قال المصنف ﵀: [وقال عبد الله بن مسعود ﵁: اتبعوا ولا تبتدعوا؛ فقد كفيتم] .
قوله: (اتبعوا) ، أي: ابحثوا عن الاتباع، وقوله: (ولا تبتدعوا؛ فقد كفيتم) ، أي: أن الشريعة كاملة، ومنهج السلف الصالح الذين طبقوا هذه الشريعة كان منهجاً كاملاً، فلستم بحاجة إلى أن تخترعوا أشياء، ولهذا من العجيب جداً أن كثيراً من المسلمين يظن أن الأمور لا تصلح إلا بأن يأتي هو بشيء جديد، ويريد أن يزيد تعبيد الناس لربهم ﵎، فمثلاً: في باب الأذكار نجد أذكاراً مبتدعة؛ ونحن لسنا بحاجة إلى أذكار التيجانية ولا النقشبندية ولا الأحمدية ولا غيرها من الطرق الصوفية، فإن عندنا مما ثبت من كتاب الله وفي سنة رسوله ﷺ مئات الأذكار التي لو طبقناها وأخلصنا في تطبيقها لكنا أعبد الناس، ففي كل حالة وفي كل لحظة من لحظات الإنسان هناك أذكار، فهناك أذكار في الصباح في المساء أعقاب الصلوات في القدوم في الركوب في السفر في النوم في الاستيقاظ، بل حتى والإنسان في أخص خصوصياته مع أهله، كل هذه الأمور ورد فيها ذكر.
فهل نحن بحاجة إلى أن نقول: إن الناس فعلاً انحرفوا وضلوا، فنحن بحاجة إلى أن نقربهم؟
الجواب
لا، والله! لقد كفينا، ورسول الله ﷺ ما انتقل إلى الرفيق الأعلى إلا وقد أكمل الشريعة، وأكمل التبليغ، ووصلنا هذا كاملاً والحمد لله بأسانيد صحيحة، فلسنا بحاجة أبداً إلى أن يأتينا أناس يكملون.
ولهذا صارت هذه الأمور ما هي إلا بدع وضلالات؛ لأن فيها اتهاماً للرسول ﷺ بأنه ما كمل هذا الدين، وما كمل التبليغ، وفيها اتهام لربنا ﵎ وتقدس وتنزه أنه لم يكمل لنا الشريعة.
يقول ابن مسعود: (فقد كفيتم) ، نعم نحن مكفيون بكتاب الله وبما صح من سنة رسوله ﷺ ، ومكفيون بذلك التطبيق العملي من أصحاب الرسول ﷺ ، فلسنا بحاجة إلى أن نأتي ببدع نزعم أننا نقرب الناس بها إلى ربهم ﵎.
стр. 37
الأسئلة
стр. 38
صفة المجيء من الصفات الثابتة لله
السؤال
يقول الله : ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكًّا دَكًّا * وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر:٢١-٢٢] ، هل هذه صفة من صفات الله ؟
الجواب
نعم، من صفات الله ﵎ هذه الصفة، وهي صفة المجيء، وسيأتي بيانها إن شاء الله تعالى.
стр. 39
محادة المفوضة لرسول الله ﷺ
السؤال
أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى قال: (ولا نرد على رسول الله ﷺ ، هل هذا فيه رد على المفوضة؟
الجواب
نعم، فيه الرد على المفوضة ضمناً؛ لأن المفوضة كأنهم يردون على الرسول ﷺ ويزعمون أنه ما أوضح هذه الأمور، وإنما نحن نثبتها إثبات لفظ، ولا نثبت ما دلت عليه من معانٍ.
стр. 40
المقصود بإحصاء أسماء الله
السؤال
ورد عن النبي ﷺ أنه قال: (إن لله تسعة وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة) ، فهل نفهم أن لله تسعة وتسعين اسماً فقط؟ وما معنى أحصاها؟
الجواب
هذا الحديث لا يدل على أن لله تسعة وتسعين اسماً فقط، وإنما هذا فيه خبر أن لله تسعة وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة، ففيه خبر لمن أحصى هذه التسعة والتسعين، أما الأحاديث الأخرى فقد دلت على أن أسماء الله أكثر من تسعة وتسعين، كما في قوله ﷺ : (اللهم إني أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحداً من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك) .
أما معنى أحصاها، فالعلماء اختلفوا فيها، والذي يظهر -والله أعلم- أن معنى أحصاها، أي: حفظها ووعاها وعمل بمقتضاها، فلم يحفظها لفظاً، وإنما حفظها وما دلت عليه من معنى، ثم عمل بمقتضاها، فاسم الله السميع يعمل بمقتضاه بأن يعلم أن الله يسمع كلامه، فلا يقول الخنا، ولا يغش، ولا يدلس، وهكذا في بقية أسماء الله ، فمن قام بها وحفظها فإن له هذا الأجر العظيم الذي أخبر عنه النبي ﷺ بقوله: (دخل الجنة) .
وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
следующие страницы →