← Акыда

Акыда · id 7740

شرح لمعة الاعتقاد للمحمود

عبد الرحمن بن صالح المحمود

Полный текст (320 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

شرح أثر ابن مسعود ﵁ (اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم) قال المصنف ﵀: [وقال عبد الله بن مسعود ﵁: اتبعوا ولا تبتدعوا؛ فقد كفيتم] . قوله: (اتبعوا) ، أي: ابحثوا عن الاتباع، وقوله: (ولا تبتدعوا؛ فقد كفيتم) ، أي: أن الشريعة كاملة، ومنهج السلف الصالح الذين طبقوا هذه الشريعة كان منهجاً كاملاً، فلستم بحاجة إلى أن تخترعوا أشياء، ولهذا من العجيب جداً أن كثيراً من المسلمين يظن أن الأمور لا تصلح إلا بأن يأتي هو بشيء جديد، ويريد أن يزيد تعبيد الناس لربهم ﵎، فمثلاً: في باب الأذكار نجد أذكاراً مبتدعة؛ ونحن لسنا بحاجة إلى أذكار التيجانية ولا النقشبندية ولا الأحمدية ولا غيرها من الطرق الصوفية، فإن عندنا مما ثبت من كتاب الله وفي سنة رسوله ﷺ مئات الأذكار التي لو طبقناها وأخلصنا في تطبيقها لكنا أعبد الناس، ففي كل حالة وفي كل لحظة من لحظات الإنسان هناك أذكار، فهناك أذكار في الصباح في المساء أعقاب الصلوات في القدوم في الركوب في السفر في النوم في الاستيقاظ، بل حتى والإنسان في أخص خصوصياته مع أهله، كل هذه الأمور ورد فيها ذكر. فهل نحن بحاجة إلى أن نقول: إن الناس فعلاً انحرفوا وضلوا، فنحن بحاجة إلى أن نقربهم؟ الجواب لا، والله! لقد كفينا، ورسول الله ﷺ ما انتقل إلى الرفيق الأعلى إلا وقد أكمل الشريعة، وأكمل التبليغ، ووصلنا هذا كاملاً والحمد لله بأسانيد صحيحة، فلسنا بحاجة أبداً إلى أن يأتينا أناس يكملون. ولهذا صارت هذه الأمور ما هي إلا بدع وضلالات؛ لأن فيها اتهاماً للرسول ﷺ بأنه ما كمل هذا الدين، وما كمل التبليغ، وفيها اتهام لربنا ﵎ وتقدس وتنزه أنه لم يكمل لنا الشريعة. يقول ابن مسعود: (فقد كفيتم) ، نعم نحن مكفيون بكتاب الله وبما صح من سنة رسوله ﷺ ، ومكفيون بذلك التطبيق العملي من أصحاب الرسول ﷺ ، فلسنا بحاجة إلى أن نأتي ببدع نزعم أننا نقرب الناس بها إلى ربهم ﵎.

стр. 37

الأسئلة

стр. 38

صفة المجيء من الصفات الثابتة لله السؤال يقول الله : ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكًّا دَكًّا * وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر:٢١-٢٢] ، هل هذه صفة من صفات الله ؟ الجواب نعم، من صفات الله ﵎ هذه الصفة، وهي صفة المجيء، وسيأتي بيانها إن شاء الله تعالى.

стр. 39

محادة المفوضة لرسول الله ﷺ السؤال أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى قال: (ولا نرد على رسول الله ﷺ ، هل هذا فيه رد على المفوضة؟ الجواب نعم، فيه الرد على المفوضة ضمناً؛ لأن المفوضة كأنهم يردون على الرسول ﷺ ويزعمون أنه ما أوضح هذه الأمور، وإنما نحن نثبتها إثبات لفظ، ولا نثبت ما دلت عليه من معانٍ.

стр. 40

المقصود بإحصاء أسماء الله السؤال ورد عن النبي ﷺ أنه قال: (إن لله تسعة وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة) ، فهل نفهم أن لله تسعة وتسعين اسماً فقط؟ وما معنى أحصاها؟ الجواب هذا الحديث لا يدل على أن لله تسعة وتسعين اسماً فقط، وإنما هذا فيه خبر أن لله تسعة وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة، ففيه خبر لمن أحصى هذه التسعة والتسعين، أما الأحاديث الأخرى فقد دلت على أن أسماء الله أكثر من تسعة وتسعين، كما في قوله ﷺ : (اللهم إني أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحداً من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك) . أما معنى أحصاها، فالعلماء اختلفوا فيها، والذي يظهر -والله أعلم- أن معنى أحصاها، أي: حفظها ووعاها وعمل بمقتضاها، فلم يحفظها لفظاً، وإنما حفظها وما دلت عليه من معنى، ثم عمل بمقتضاها، فاسم الله السميع يعمل بمقتضاه بأن يعلم أن الله يسمع كلامه، فلا يقول الخنا، ولا يغش، ولا يدلس، وهكذا في بقية أسماء الله ، فمن قام بها وحفظها فإن له هذا الأجر العظيم الذي أخبر عنه النبي ﷺ بقوله: (دخل الجنة) . وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

стр. 41

شرح كتاب لمعة الاعتقاد [٣] اعلم أن السلف الصالح هم أعلم الأمة بكتاب ربها، وهم أدرى الناس بسنة نبيها، فلا تتجاوز أمرهم، فإنهم عن علم وقفوا، وببصر نافذ كفوا، ولا تخض في أمور هم على كشفها كانوا أقوى، وبالفضل -لو كان فيها- أحرى، ولقد وصفوا منه ما يشفي، وتكلموا فيه بما يكفي، فما فوقهم محِسِّر، وما دونهم مقصر.

стр. 42

كلام السلف ﵏ في الحد والغاية أحب أن أقف وقفة عند عبارة سابقة سأل عنها البعض، ألا وهي قول ابن قدامة رحمه الله تعالى: [ولا نصف الله بأكثر مما وصف به نفسه، بلا حد ولا غاية: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]] . ابن قدامة ﵀ يقرر هنا منهج أهل السنة والجماعة في باب أسماء الله وصفاته، وهو أنهم يثبتون ما أثبته الله وأثبته رسوله من غير نقص، سواء كان هذا النقص بنفي أو تعطيل أو نحو ذلك، ويثبتونها بغير زيادة، فلا يأتون من عند أنفسهم بصفات ولو ظنوها حسنى، ولا بأسماء ولو ظنوها حسنى، فلا يأتون بشيء لم يرد ليصفوا الله به، بل صفات الله سبحانه وتعالى عمادها التوقيف على ما ورد، أي: أننا نثبت ما ورد إثباته، وننفي ما ورد نفيه، ونتوقف عما لم يرد إثباته ولا نفيه. ثم إن المصنف هنا قال: (بلا حد ولا غاية) ، ومقصوده ﵀ أننا نثبت لله هذه الصفات على ما يليق بجلاله وعظمته، ونقول: إن صفاته ليست لها غاية، أي: ليس لعلم الله غاية ومنتهى، كما أنه ليس لكلام الله أيضاً غاية ومنتهى، فالله بكل شيء عليم، يعلم ما كان وما لم يكن لو كان كيف كان يكون، كما أن كلامه تعالى لا ينقضي، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ الله﴾ [لقمان:٢٧] ، وفي الآية الأخرى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ [الكهف:١٠٩] . قال العلماء في تفسير هاتين الآيتين: إن العدد غير مراد، فلا يعني أنه لو جئنا بسبعة أبحر نفدت كلمات الله، بل لو جئنا بسبعة وسبعة وسبعة ما نفدت كلمات الله أبداً، ومعنى الآيتين: أننا لو قطعنا الأشجار التي على الأرض وبرينا غصونها وأعوادها لتتحول إلى أقلام ثم تحول البحر إلى مداد وحبر وكتب بتلك الأقلام بذلك المداد كلمات الله ما نفدت كلمات الله أبداً. وهذا من عظمة الله ؛ لأن لكل مخلوق منتهى، أما الخالق فلا منتهى لأمره وعلمه ولا لكلامه سبحانه. ولهذا فإن ربنا ﵎ عظيم عظمة لا يمكن أن يتصورها مخلوق، ومهما تصور المخلوق فالله أعظم من ذلك، وأقرب مثال على ذلك أننا إذا قلنا: إن السماوات والأرض كلها بمجراتها وأفلاكها في يد الرحمن كخردلة في يد أحد، تبين بذلك كيفية عظمة الله ، وكيف أننا لا نستطيع ولن نستطيع أن نقدر قدره . وقول ابن قدامة: (إن صفاته نثبتها بلا حد ولا غاية) أي: لا نجعل لصفاته منتهى، فهو العظيم الذي لا عظيم فوقه . ولكن كلمة الحد هنا كلمة فيها إجمال، ولهذا ورد عن بعض السلف إثبات الحد لله ، فأين ورد إثبات الحد؟ وما معناه؟ وما هو القول الحق في هذه المسألة؟ نقول: ورد إثبات الحد لله في باب الاستواء، فقد سئل عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى: هل نثبت أن الله على العرش استوى؟ فقال: نعم، نثبت أن الله على العرش استوى. فقال السائل: بحد؟ قال: بحد. فما الذي قصده ابن المبارك وغيره من السلف من إثبات الحد لله؟ الذي قصده هؤلاء هو أن يثبتوا الفارق بين المخلوق والخالق، فنحن مخلوقون مربوبون نؤمن بأن الله فوقنا، ونصدق بأنه على العرش استوى استواءً يليق بجلاله وعظمته . ولكن قد يخطر ببال بعض عوام الناس، أو ببال بعض الصوفية الحلولية، أو ببال بعض الذين يقولون: إن الله في كل مكان، أن الله عظيم لا منتهى لعظمته، وإذا كان لا منتهى لعظمته في ذاته فإننا مهما تصورنا شيئاً فالله يمكن أن يكون أعظم من ذلك، والنتيجة: أنه لا يصبح هناك فارق بين الخالق وبين المخلوق، فأراد هؤلاء العلماء أن يقرروا البينونة بين الخالق والمخلوق حتى يردوا على الحلولية وعلى الاتحادية وعلى غيرهم من الصوفية الذين لا يفرقون بين الخالق والمخلوق. فهؤلاء قالوا: نؤمن بأن الله على العرش استوى، ونؤمن ببينونة الله عن خلقه، وهذه البينونة مقتضاها -كما أشار بعضهم- أن يكون لله حد لا يعلمه إلا هو، حتى نفصل بين الخالق وبين المخلوق. ولهذا سئل بعض السلف: بحد؟ فقال: نعم، بحد لا يعلمه إلا هو، أي: من باب إثبات البينونة بين الخالق وبين المخلوق، أما إذا أطلقنا هذا الأمر على قول هؤلاء العلماء، وقلنا: إن الله عظيم وبلا حد، فقد يتوهم متوهم أن هذه المخلوقات داخلة في الله . فأراد أن يبين هذه البينونة التي دلت عليها النصوص الكثيرة من كتاب الله ومن سنة رسوله ﷺ بين الخالق وبين المخلوق. وبعض السلف رحمهم الله تعالى قالوا: كلمة الحد لم ترد في كتاب الله ولا في سنة رسوله ﷺ ، ومن ثمَّ فنحن لا نطلقها، ولا نقول: بحد، وإنما نقول: على العرش استوى، ونثبت لله الصفات، ونتوقف في هذا. إذاً: انتهينا إلى خلاصة مهمة في هذا الباب مفادها: أن من السلف من لم يطلق لفظ الحد، وكأن عبارة ابن قدامة هنا موحية بهذا القول، ولهذا قال: بلا حد ولا غاية؛ لأن هذا اللفظ لم يرد في كتاب الله ولا في سنة رسوله ﷺ . وبعض السلف أثبت الحد لله، لكن حداً لا يعلمه إلا هو سبحانه، وإنما أثبتوه للرد على الحلولية وللرد على كثير ممن ينكر علو الله واستواءه على العرش، وليثبتوا البينونة بين الخالق والمخلوق، ولهذا نقول: إن لفظ الحد من الألفاظ المجملة، فنستفسر هذا الذي يثبت لفظ الحد: فإن كان يقصد أن الله يحده شيء، فنحن نقول: إن الله قد أحاط بكل شيء، والله لا يقدر قدره إلا هو، وإن قصد بلفظ الحد بيان البينونة بين الخالق والمخلوق، وأن الله تعالى على العرش استوى، ليس على الأرض بذاته ، وإنما علمه أحاط بكل شيء، فنقول: المعنى الذي أثبته صحيح، ولكن إثباتك للفظ الحد لم يرد في كتاب الله ولا في سنة رسوله ﷺ ، فنلحق لفظ الحد بلفظ الجسم والجهة والحيز ونحو ذلك، ونستفصل قائلها، فإن أراد معنىً صحيحاً قبلنا المعنى، وإن أراد معنىً باطلاً رددنا الكل، ونتوقف في إثبات هذه الألفاظ حتى ترد في كتاب الله وفي سنة رسوله ﷺ .

стр. 43

كلام عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى في الوقوف عندما وقف عنده الصحابة قال المصنف ﵀: [وقال عمر بن عبد العزيز ﵁: قف حيث وقف القوم] . وهذا الكلام مروي عن عمر بن عبد العزيز في كثير من كتب السنة. وأحب أن أذكر بأن الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى له موقف فريد مع أهل البدع، فقد اشتهر رحمه الله تعالى بالعدل، ووصفت بأنها راشدة، فكأنها تابعة لخلافة الخلفاء الراشدين؛ وإن كانت ولايته زمنها يسير إلا أنه حرص على أن يعود بالأمة إلى المنهج الحق والصدق في كثير مما انحرفت عنه، وإلا فالأمة الإسلامية في وقته كانت في غالب أمورها سائرة على المنهج الصحيح، لكن وقع شيء من الظلم وبعض الانحراف، خاصة لما نشأ التفرق والخلاف بين الطوائف والأحزاب ونحو ذلك، فأراد عمر بن عبد العزيز أن يعود بالأمة إلى منهج الصواب. وحاول رحمه الله تعالى محاولة جادة، ووفق في ذلك أيما توفيق. ولكن من الأمور التي كنت أحب أن تفرد ببحث أو دراسة: موقف عمر بن عبد العزيز من المخالفين ومن أهل البدع وتعامله معهم، وهذا النص الذي نقله ابن قدامة هو من أصول موقف عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى.

стр. 44

وصية عمر بن عبد العزيز ﵀ بالوقوف حيث وقف السلف قال رحمه الله تعالى موصياً أصحابه وإخوانه: (قف حيث وقف القوم) ، والمقصود بالقوم هنا السلف الصالح من الصحابة والتابعين الذين ساروا على منهاجهم ﵃ جميعاً، فلا تغير ولا تبتدع، ولكن انظر ماذا قالوا فقل، وانظر أي موقف وقفوا فقف معهم حيث وقفوا.

стр. 45

منهج السلف مبني على علم ثم إنه رحمه الله تعالى علل ذلك بتعليل دقيق جداً فقال: [فإنهم عن علم وقفوا] . وهذه العبارة عبارة منهجية في الصميم، تبين منهج أهل السنة والجماعة. فإنهم عن علم وقفوا وليس عن عجز، وبعض المتكلمين المتأخرين الذين ابتدعوا الكلام إذا قيل لهم: إن السلف ما تحدثوا عن ذلك، قالوا: كانوا مشغولين بالجهاد. بل إن بعضهم قد يتهم الصحابة ومن بعدهم بأنهم لم تكتمل عقولهم ومعرفتهم العقلية واطلاعهم على القضايا المنطقية، أي أنه يقول: لو اطلعوا على ذلك لتكلموا هذا الكلام. وهذا القول قول غير صحيح إطلاقاً، كما قال عمر بن عبد العزيز: (فإنهم عن علم وقفوا) ، بمعنى: أن السلف الصالح رحمهم الله تعالى سلكوا ذلك المسلك في باب الأسماء والصفات عن قناعة منهجية علمية، وليس كما يزعم البعض أن هؤلاء السلف إنما يسمعون النصوص وينقلونها كما سمعوها فقط، بل أولئك السلف سمعوا النصوص وفهموها وعرفوا مدلولاتها وأثبتوها، بل هم أرجح الناس عقلاً، وأعظم الناس فهماً، وأكمل الناس ديناً وتقوى، ومن ثمَّ كان فهمهم أصح الأفهام، وعلمهم أعمق العلم وأدقه بالنسبة لمن بعدهم. فهم لما جاءتهم هذه النصوص نظروا إليها بالميزان الصحيح، فوجدوا أن هذه الأمور إنما هي أمور إخبارية تتعلق بالله وأسمائه وصفاته، والخبر عن الله وأسمائه وصفاته مما لا تدخل في مجاله العقول؛ فإن البشر مهما أعملوا عقولهم فلا يمكن أن يصلوا إلى هذه الحقائق، فلما كان الأمر كذلك وكلوا كيفية الاطلاع والعلم بهذه الأمور إلى الخبر الصادق، فوجدوا أن كتاب الله وسنة رسوله ﷺ فيها البيان فأثبتوها. إذاً: المنهج الحق العلمي الصحيح لأهل السنة والجماعة ليس هو أن تعمل عقلك في كل شيء، وأن تزعم بأن إعمال العقل في كل الأمور هو دليل عمق الفهم ودقة التعبير والتحصيل ونحو ذلك، وإنما المنهج الصحيح هو أن تعطي كل ذي حق حقه، فإذا كان هناك خبر عن غائب فأنت والحالة هذه يجب أن تأخذ الخبر من مصدره؛ لأنه لا مجال لذلك الخبر بالنسبة لعقلك، مهما أعملت فكرك فيه، وهذه قضية منهجية. وأما في المجالات الأخرى، التي للعقل فيها مجال فإنهم أعملوا عقولهم، وعمروا الدنيا، وخططوا إدارياً وعسكرياً واقتصادياً وسياسياً، بل إن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى كتبت كتابات مستقلة -وهو قائل هذه العبارات- عن مناهجه في هذا الباب، وفي هذه الأمور كلها، وقبله الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه. إذاً: في المجال الذي يفيد المسلمين وللعقل وللتفكير فيه مجال فكروا وأنتجوا ما ينفع المسلمين، لكن المجال الذي مهما أعمل الإنسان فيه عقلاً لم ينتج وقفوا.

стр. 46

نفوذ بصر السلف ﵏ ومن هنا قال رحمه الله تعالى هذه العبارة العظيمة المحددة لمنهج أهل السنة، قال: [فإنهم عن علم وقفوا، وببصر نافذ كفوا] . قوله: (وببصر نافذ) ، البصر: بصيرة العقل، ولهذا ورد في حديث رواه البيهقي في الزهد وغيره: (إن الله يحب البصر النافذ عند ورود الشبهات) . فهؤلاء عن بصر نافذ دقيق جداً وتبصر حقيقي منهجي كفوا عن الخوض في هذه المسائل، فلم يخوضوا فيها كما خاض المتأخرون، ولم يقولوا: هذا نثبته وهذا لا نثبته، وهذا مجاز، وهذا العقول خالفته وناقضته، ونتأول أو لا نتأول، ما خاضوا في هذه الأمور، وإنما أثبتوا ما ورد، ووقفوا، فهم رحمهم الله تعالى ببصيرة وعقل كفوا عن الخوض فيها، لا عجزاً كما يدعي بعض المتكلمين الذين أشرنا إليهم قبل قليل حينما يسألون عن اختلاف منهجهم عن منهج السلف الصالح السابق، فيأتون بتلك العبارة المشهورة فيقولون: مذهب السلف أسلم، ومذهب الخلف أعلم وأحكم! وهذه عبارة خاطئة، بل إن مذهب السلف أسلم وأعلم وأحكم، ومذهب الخلف ليس أسلم ولا أعلم ولا أحكم.

стр. 47

كف السلف عن الخوض في المسائل التي ابتدعها المتأخرون ثم قال رحمه الله تعالى: [وهم على كشفها كانوا أقوى، وبالفضل لو كان فيها أحرى] . قوله: (وهم على كشفها كانوا أقوى) أي: إن أولئك السلف الصالح رحمهم الله تعالى لو أرادوا أن يخوضوا في تلك المسائل بعقولهم لاستطاعوا أن يخوضوا فيها، وهذه الأمور التي ابتدعها المتأخرون وقالوها لو كانت خيراً لسبق أولئك إليها. ولو كان ما فيها من معانٍ هي مما يليق بالله لسبق أولئك ولكشفوها؛ فإنهم كانوا أعمق الناس، وأذكى الناس، وأرجح الناس عقولاً، رحمهم الله تعالى. وقوله: (وبالفضل لو كان فيها أحرى) ،أي: أنهم كانوا أسبق إلى الفضائل، ولهذا كل من جاء بعدهم أقل فضلاً منهم، والرسول ﷺ أعطى ذلك القرن الخيرية فقال: (خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم) . فالقرن الذي نبتت فيه نابتة الافتراق والاختلاف والأقوال البدعية وغيرها، لا يمكن أن يكون أفضل من القرن الذي كان فيه أصحاب رسول الله ﷺ . ولهذا فهم كانوا أسبق الناس إلى أنواع الفضائل من أولها إلى آخرها، فكانوا أسبق الناس إلى كل فضل وإلى كل خير. ثم قال رحمه الله تعالى: [فلئن قلتم: حدث بعدهم، فما أحدثه إلا من خالف هديهم، ورغب عن سنتهم] . يعني: أن هذه الأمور المحدثات كلها مخالفة لهدي أولئك السلف الكرام رحمهم الله تعالى، ورغبة عن سنتهم، فكل ما ابتدعه المتأخرون -كما أشار عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى- مخالف لهم، ومخالف لهديهم وسنتهم. ثم قال: [ولقد وصفوا منه ما يشفي، وتكلموا منه بما يكفي] . قوله: (وصفوا منه ما يشفي) ، أي: أن أولئك الصحب الكرام نقلوا ما ورد من هذه الصفات ومسائل العقيدة كلها، وكل ما نقلوه إلى من بعدهم هو مما يشفي القلوب، ولهذا من اقتصر على هديهم انشرح صدره، وشفي قلبه، ومن لم يقتصر على ذلك بل ظن أنهم قصروا فأعمل عقله وأدخل نفسه في باب التأويلات الباطلة ونحوها، انتابته الأمراض المتعددة. وبلا شك أن اطمئنان السلف الصالح ليس كفوضى المتأخرين، فمن سلك سبيلهم كان أكثر اطمئناناً، فهم رحمهم الله تعالى وصفوا لنا وبلغونا ما يشفي، وتكلموا بما يكفي؛ فإنهم رحمهم الله تعالى كان كلامهم قليلاً، لكن كان مفيداً، وكان كلامهم مربوطاً بعمل، بخلاف من كان بعدهم، فقد كثر كلامهم، وقل فقههم، وتقلص عملهم، فأصبح المتأخرون يقولون ما لا يفعلون، ويكثر كلامهم بلا فائدة.

стр. 48

حال من خالف منهج السلف الصالح ثم قال رحمه الله تعالى: [فما فوقهم محسر، وما دونهم مقصر] . أراد رحمه الله تعالى أن يبين أن منهجهم وسط، فمن أراد أن يغلو ويثبت غير ما أثبتوه، ويظن أنهم أنقصوا بعض الحاجات، فإنه غالٍ عنهم، غير متبع لطريقتهم، ومن دونهم قصر ولم يأخذ بجميع ما جاءوا به، وإنما اكتفى ببعضه ونحو ذلك، فهو مقصر. ولهذا فلفظة (محسر) هنا ترجع إلى بعض المعاني اللغوية، فإن المقاتل الذي ليس عليه درع ولا على رأسه مغفر يسمى حاسراً. ولهذا في قصة بني قينقاع كان يقول أحد المنافقين للرسول ﷺ : يا محمد أربعمائة حاسر وثلاثمائة دارع تضرب أعناقهم مرة واحدة، هذا لا يكون. فقوله: حاسر، يعني: ليس معهم سلاح، وليس عليهم دروع، وليس على رءوسهم المغفر الذي يتقون به ضرب السيوف، فهم حُسَّر، ولهذا يقول الله بالنسبة للسماء: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ * الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ * ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ [الملك:١-٤] . ومعنى (حَسِيرٌ) : كليل ضعيف من شدة النظر؛ فإن الإنسان إذا نظر واشتد نظره إلى شيء، ولم ينته فيه إلى أمر، رجع إليه البصر حسيراً كليلاً؛ لأنه لم يصل إلى غاية، وهذا واضح، فالإنسان منا لو قال له قائل: انظر هنا على بعد خمسة عشر أو عشرين كيلو في ذلك الجبل، ففيه بقعة كذا، ولنفترض -مثلاً- أننا ننظر إليها بالناظور، فجاء هذا الإنسان ينظر بالعين المجردة إلى الجبل، فسيرى الجبل، لكن حين يريد أن ينظر إلى البقعة البيضاء أو السوداء أو نحو ذلك تجده ينظر وينظر وينظر وينظر، ثم في النهاية يكل بصره. هذا الإكلال جاء من شدة المبالغة في النظر. وهنا يقول عمر بن عبد العزيز: فما فوقهم محسر، أي: من أراد أن يقول أنا أفضل من الصحابة ويثبت ما لم يثبتوه، ويعمل ما لم يعملوه مما فيه هدي الرسول ﷺ فهو محسر، فيرجع كليلاً، ولهذا قيل: إن المنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى. حتى في باب العبادة نرى عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ وأرضاه لما عزم على دوام الصيام أوصاه الرسول ﷺ بالأهون، ولكنه قال: (أنا أستطيع أكثر من ذلك) ؛ وما زال يتدرج به حتى قال له: (صم يوماً وأفطر يوماً؛ لا أفضل من صيام داود) ، فـ عبد الله بن عمرو كان في شبابه قوياً فاستطاع، لكنه في آخر عمره قال: (ليتني أطعت رسول الله ﷺ مع أن الأمر كله سنة لكنه لا يريد أن يتخلى عن أمر فارق عليه رسول الله ﷺ . فالمهم أن الإنسان إذا غلا في الأمر انتهى به في النهاية إلى الضعف والعجز؛ ولهذا فإن الغلو مردود، والتقصير مردود؛ لأن التقصير معناه التخلي عن بعض الأمور وعن بعض القضايا التي ورد بها الشرع ووردت بها أدلة الكتاب والسنة، كما أن الغلو فيها يؤدي إلى هذا، ومنهج السلف رحمهم الله تعالى وسط في كل الأمور: وسط في باب العبادات وسط في باب المعاملات وسط في باب الأحكام وسط في باب العقائد وسط بين الملل وسط بين جميع الطوائف؛ فإنك تجد إما طائفة غالية في هذا الباب أو مقصرة، فإما إفراط وإما تفريط، ومنهج أهل السنة والجماعة في هذا الباب وسط، وهذا هو الذي أشار إليه عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى. ولهذا قال شارحاً ذلك: [لقد قصر عنهم قوم فجفوا] . فالجافي هو المقصر؛ لأن المقصر هو الذي أعرض، فكأنه أعرض عن بعض منهجهم. ثم قال: [وتجاوزهم آخرون فغلوا] . وهذا تفسير للعبارة السابقة. ثم قال: [وإنهم فيما بين ذلك لعلى هدى مستقيم] . أي: إن أولئك السلف والصحب الكرام رحمهم الله تعالى كانوا بين ذلك على طريق مستقيم.

стр. 49

وصية الأوزاعي ﵀ باتباع آثار السلف وترك آراء الرجال ثم نقل كلمة الإمام الأوزاعي فقال: [وقال الإمام أبو عمرو الأوزاعي ﵁] . وهو أحد الأئمة المشهورين، وله فقه عظيم، وهو من أئمة التابعين المشهورين رحمه الله تعالى، متوفى سنة (١٥٧هـ) . يقول: [عليك بآثار من سلف وإن رفضك الناس] . وهذه وصية لجميع العلماء، فقوله: (عليك) أي: الزم، (بآثار من سلف) أي: آثار السلف رحمهم الله تعالى، (وإن رفضك الناس) أي: وإن ابتعد عنك الناس أو رفضوا مقالك أو رفضوا منهجك أو رفضوا طريقتك فلا تعبأ بهم، فما دمت سائراً على منهج السلف فلا تعبأ بهؤلاء. ثم قال: [وإياك وآراء الرجال وإن زخرفوه لك بالقول] . أي: إياك أن تجعل معتمدك آراء الرجال ولو زخرفوه وحسنوه بالعبارات المنمقة وغيرها، وتترك الكتاب والسنة. لكن آراء الرجال إذا كانت شارحة أو موضحة لمنهج السلف الصالح فإن الاطلاع عليها مما يعين على ذلك؛ لكن إذا كانت آراء الرجال وزخرفتهم للقول وتنميقهم له مخالفة لما ورد من كتاب الله ومن سنة رسوله ﷺ فاحذر ذلك حذراً شديداً.

стр. 50

مناظرة عبد الله بن محمد الأذرمي في خلق القرآن ثم قال رحمه الله تعالى: [وقال عبد الله بن محمد الأذرمي لرجل تكلم ببدعة ودعا الناس إليها: هل علمها رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي أو لم يعلموها؟ قال: لم يعلموها! قال: فشيء لم يعلمه هؤلاء علمته أنت؟! فقال الرجل: فإني أقول: قد علموها؛ قال: أفوسعهم ألا يتكلموا به، ولا يدعوا الناس إليه أو لم يسعهم؟ قال: بلى وسعهم، قال: فشيء وسع رسول الله ﷺ وخلفاءه لا يسعك أنت؟! فانقطع الرجل، فقال الخليفة -وكان حاضراً-: لا وسع الله على من لم يسعه ما وسعهم] . قوله: (الأذرمي) ، الصحيح: أنه بالذال، أي: الأذرمي، وهو إمام مشهور اسمه: عبد الله بن محمد الأذرمي، تتلمذ على وكيع بن الجراح وسفيان بن عيينة وغيرهم، روى عنه أبو داود، وروى عنه النسائي وعبد الله ابن الإمام أحمد وأبو يعلى الموصلي وغيرهم، وهذا العالم الفاضل مترجم في (تهذيب التهذيب) في اسم: عبد الله، وقد أشار ابن حجر في (تهذيب التهذيب) إلى هذه القصة التي معنا؛ كما أن ياقوت في (معجم البلدان) لما جاء إلى مدينة أذرمة ترجم لهذا العالم، وأشار إلى هذه القصة. وقول ابن قدامة: (لرجل تكلم ببدعة) هذا الرجل هو شيخ المعتزلة في وقته أحمد بن أبي دؤاد، والبدعة التي جرى حولها النقاش هي بدعة القول بخلق القرآن؛ ومنهج هذا الإمام في مناقشة أحمد بن أبي داؤد منهج قوي جداً، ولقد وفق في أسلوب العرض أيما توفيق.

стр. 51

ضلال المعتزلة في القول بخلق القرآن وأحب أن أقف وقفة قصيرة هنا عند قضية القول بخلق القرآن فأقول: إن قضية القول بخلق القرآن هي القضية التي جعلها المعتزلة عنواناً لبدعتهم، فإن المعتزلة ينفون عن الله الصفات، ومما نفوه عنه صفة الكلام، فلما كان مستقراً في نفوس المسلمين أن هذا القرآن الذي معنا هو كلام الله؛ قالوا: لا، هذا القرآن مخلوق من المخلوقات المنفصلة عن الله ، فكما خلق السماوات والأرض وبني آدم خلق هذا القرآن، فلم تقم بالله صفة الكلام. والتي نعتقد نحن أنها صفة من صفات الله تليق بعظمته وجلاله. واسمحوا لي أيها الإخوة! إذا ذكرت هذه القضية؛ لأنني سئلت عن قضية القول بخلق القرآن؛ وسمعت أن بعض الناس يقول: لماذا تحولت عند المسلمين إلى مشكلة في ذلك القرن، وليس فيها إشكال؛ وسواء قلنا بخلق القرآن أو لم نقل بخلق القرآن فالمسألة يسيرة، وبعضهم قال: ما كانت لتستحق تلك المشكلة والفتنة الكبرى في تاريخ الأمة الإسلامية التي امتحن فيها المؤمنون امتحاناً شديداً، وثبت الله إمام أهل السنة أحمد بن حنبل ﵀ وبعض العلماء على ذلك! فأقول: إن هذه القضية قضية مرتبطة بمنهج المعتزلة العقلاني؛ فالمعتزلة أدخلوا عقولهم في هذا الباب، ودخلوا هذا المدخل الذي سموه توحيداً، وذلك من خلال قضايا متعددة أبرزها قضيتان: الأولى: أن إثبات الصفات يلزم منه التشبيه، فقالوا: إن إخلاص التوحيد هو بنفي الصفات عن الله؛ حتى لا نشبه الله بخلقه. الثانية: أن المعتزلة ناقشوا النصارى، وناقشوا شرك النصارى، وأن النصارى يقولون بأن هناك ثلاثة آلهة، فقالوا للنصارى: أنتم مشركون تقولون: الأب والابن وروح القدس، هذا شرك بالله؛ فالله واحد لا شريك له. فقال النصارى: نحن غير مشركين، نحن نقول: هذه أقانيم لإله واحد، فالأب والابن وروح القدس يساوي إلهاً واحداً، فجعلوها نظرية رياضية بدهية: ثلاثة تساوي واحداً. وهذا الكلام غير معقول وغير مقبول، فهؤلاء النصارى قالوا: أنتم يا مسلمون! إذا كنتم تتهموننا بأننا نقول بثلاثة آلهة فأنتم تقولون بسبعة أو بعشرة أو بأكثر! قيل لهم: كيف؟ قالوا: أنتم تقولون: الله السميع البصير له الكلام الإرادة القدرة، وتقولون: هذه صفات لله، وهذا شرك أكبر من شركنا؛ لأنكم إذا قلتم: إن صفات الله أزلية مع الله إذاً جعلتم مع الله أكثر من إله، فبسبب هذا النقاش قال المعتزلة: إخلاص التوحيد هو أن ننفي عن الله جميع الصفات؛ لأننا لو أثبتنا لله أي صفة وقلنا إن هذه الصفة أزلية لله فقد أثبتنا مع الله إلهاً آخر، فأدى بهم هذا الفهم القاصر إلى نفي جميع الصفات عن الله ، وذلك من خلال مناهجهم العقلية الباطلة، وضربوا بالكتاب والسنة ونصوصها عرض الحائط، وأعملوا فيها تأويلاً وتحريفاً وتعطيلاً. وقد وصلوا في الدولة العباسية إلى مناصب كبرى، ومنها وصول أحمد بن أبي دؤاد قاضي المعتزلة وشيخهم وكبيرهم إلى أن كان قاضي القضاة والمقرب من الخليفة، وقد أثر هذا القاضي المعتزلي على الخليفة حتى أقنعه بهذه البدعة، بل وأقنعه بأنها هي الحق الذي لا حق غيره، وأنه ينبغي له أن يلزم الناس بها، وفعلاً تبنت الدولة آراء المعتزلة، وتحولت قضية الاعتزال من خلاف بين أهل السنة وبعض المخالفين إلى أن تعلن الدولة قراراً حاسماً قوياً بأن هذه البدعة هي الحق، بل ويجب على كل إنسان أن يقول رأيه فيها، وأن يقول الرأي الموافق للمعتزلة، فنشأت فتنة القول بخلق القرآن. إذاً: هي ليست قضية جزئية، وإنما هي مسألة جعلت عنواناً لقضية أكبر في باب الاعتقاد وفي باب المنهج وفي باب الصفات، وفعلاً امتحنت الدولة ومن خلفها من أئمة الاعتزال المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها مما كان تحت سلطانهم، وكانت تحت سلطانهم كل البلاد الإسلامية في ذلك الوقت الذي اتسعت فيه الفتوحات؛ إذ بلغت إلى حد كبير جداً في نهاية القرن الثاني، واستمر على ذلك مجموعة من الخلفاء: المأمون والمعتصم والواثق، يوصي بعضهم بعضاً، وكانوا ينشرون مسألة القول بخلق القرآن، وأصدروا قرارات: من لم يقل بخلق القرآن يعزل إذا كان قاضياً في بلد أو كان فقيهاً أو كان إماماً! وحاربوا أرزاق الناس. وهذا الشيء مؤسف جداً، حيث يتحول الاختلاف في الرأي إلى أن يتجه الأقوى إلى حرب الناس في أرزاقهم؛ فالله هو الرزاق ذو القوة المتين، لكنه منهج الضعفاء، فمنهج الضعفاء أن تحارب الناس في أرزاقهم، وأن تظن أنك إذا قطعت الرزق قد قضيت على صاحبه، ولهذا فإن بعض العلماء اضطر إلى التورية، فكان بعضهم إذا سئل محاكمة: هل تقول بخلق القرآن؟ قال: القرآن والتوراة والإنجيل والزبور هذه مخلوقة، ويقصد يديه.

стр. 52

ثبات الإمام أحمد ﵀ في قضية القول بخلق القرآن لكن الإمام أحمد بن حنبل تحول في ذلك الوقت إلى أن تتجه الأنظار إليه؛ لأن صمود الإمام أحمد بن حنبل صار فيصلاً بين قضيتين كبيرتين، ومن هنا ثبت الله الإمام أحمد، فصار الاسم له، وإلا فهناك غيره من العلماء من وقف موقفه رحمه الله تعالى؛ فالإمام أحمد بن حنبل امتحن وسجن وعذب وضرب، وطلب منه الإقامة الجبرية، وامتحن في هذه العهود، ثم امتحن بالرخاء في عهد المتوكل. فالإمام الزاهد أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى مر بجميع أنواع الابتلاء التي يمكن أن يمر بها مؤمن صادق وداعية صادق، وكان الإمام أحمد في علمه وفي زهده جبلاً، فهو الذي كان يحفظ مئات الألوف من الأحاديث يحدث بها، ولا شك أن الناس أحوج ما يكونون إلى علمه، فكيف يترك ليسجن ويضرب ويموت تحت التعذيب؟! فجاءه بعض الناصحين وقالوا له: يا إمام! إن الناس يرون فيك فضلاً وعلماً فأبق على نفسك! أي: أبق على نفسك لا لنفسك وإنما للناس، فلو أنك وريت كما ورى غيرك وانتهت المشكلة؛ لكن الإمام أحمد وقد تحدد الأمر بالنسبة له كان يفقه القضية بعمق، وكان يعرف أن الناس ينتظرون مقالته، وأنه لو قال بخلق القرآن ولو كان مورياً فلربما عذر نفسه أو عذره اثنان بجانبه، لكن ملايين من خلفه ستأخذ الأمر على ظاهره؛ ولهذا كانوا إذا أرادوا أن يحاكموا الإمام أحمد بعد التعذيب لينطق، يكونون قد جمعوا الناس معهم الأقلام حتى يسمعوا مباشرة؛ لأنه لو نقل عن الخلافة أنه أجاب لما صدق أحد، ولكنهم كانوا يجمعون الناس من باب التوثيق، وما كان عندهم توثيق بالصوت والصورة مثلما عندنا، وإنما كان التوثيق أمام الناس، فيجمعون الناس ويدخلونهم قصر الإمارة ومعهم الأقلام؛ ليسمعوا ماذا يقول الإمام أحمد. وكان الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى في السجن، فجاءه أحدهم قبل لحظات من المحاكمة المتكررة، وقال له: يا إمام! لو أنك وريت فأبقيت على نفسك! فقال لهذا الرجل: انظر من خلفك، فنظر من خلفه فإذا ألوف قد جلسوا ينتظرون ماذا يقول الإمام أحمد، فقال له الإمام أحمد: يا هذا! لو أن الإمام أحمد ورى ما يدري هؤلاء أن الإمام أحمد يقول بالتورية، من يتحمل أثر إضلال هؤلاء وظنهم أن الإمام أحمد قال بخلق القرآن؟! وفعلاً ثبته الله ، وكان يقول لهم: ائتوني بكتاب الله وبسنة رسوله ﷺ ، وكانوا يقولون له: ماذا تقول فيه؟ فيقول: القرآن كلام الله، فيقولون له: هل تقول: إن القرآن مخلوق أم أنه كلام الله منزل غير مخلوق؟ فيقول: ائتوني بكتاب الله وبسنة رسوله ﷺ ، ائتوني بدليل! ولو أردنا أن نستطرد ما جرى في تلك القصة لطال المقام؛ فإن فيها عبراً كثيرة جداً، فإنهم حاولوا معه محاولات كثيرة، حتى إنهم حاولوا محاولات فكرية، وبحثوا عن الحجج والدلائل ليجدوا ما يلزمونه به حتى يقول بخلق القرآن، ومع ذلك نقض كل شبهة، بل إنه رحمه الله تعالى قد ثبته الله حتى بنصائح من داخل السجن، وقد كان مسجوناً مع اللصوص وغيرهم، ولهذا كان بعد الإفراج عنه يترحم على أحد السجناء اللصوص، فأحد أبنائه قال له: يا أبتِ! كثيراً ما تترحم على هذا؟ قال: هذا واحد من اللصوص التقيت به في السجن، قال: ولماذا تترحم عليه؟ قال: كنت جالساً في السجن فأتاني أحد أصحابي وجاء ليثبتني ويقول لي: اثبت يا إمام! فقلت له: إنما أخاف ألا أقوى على الضرب؛ يعني: أن الإمام أحمد قد يخاف ألا تقوى نفسه على تحمل الضرب فيقول غير الحق، فكان بجانبه أحد اللصوص يسمع الحوار، فقال له: اثبت يا إمام على الضرب، فو الله إنني لأثبت على الضرب وأنا على باطل، أفلا تثبت على الضرب وأنت على الحق؟! فكان الإمام أحمد بن حنبل يدعو لهذا الإنسان؛ لأنه أعطاه درساً. المهم أن فتنة القول بخلق القرآن هي البدعة التي وردت في هذه القصة، وجعلها المعتزلة عنواناً لمنهج فكري عقدي في الأمة الإسلامية من أقصاها إلى أقصاها، فليست كما يقول البعض: لماذا كبرت هذه المشكلة؟ ولماذا ضخمت؟ ونحن نقول: والله لو لم يكن فيها إلا صفة الكلام لله وقد ابتدعها هؤلاء، لكان حقيقاً أن يتحمل الإنسان في سبيل إثبات منهج أهل السنة والجماعة ما تحمل الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى.

стр. 53

شرح قصة الأذرمي مع المبتدع والعبرة منها وأما قصة عبد الله الأذرمي فإنها كما حكاها ابن الجوزي في ترجمة الإمام أحمد، وحكاها أيضاً الذهبي في (سير أعلام النبلاء) في المجلد الحادي عشر أيضاً في ترجمة الإمام أحمد بن حنبل هي: أن هذا الرجل الأذرمي أتي به مقيداً ليمتحن بالقول بخلق القرآن، وكان كل من يرد الامتحان يكون الخليفة حاضراً، وقاضي القضاة حاضراً، وكانت المسألة نوعاً من المحاكمة والنقاش، فدخل وهو في قيوده، ويقال: إن الفتنة كانت في عهد الواثق، والذي يحكيها ابنه: فقال هذا الشيخ: السلام على أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، فقال الخليفة: لا سلام عليك ولا رحمة؛ مذنب مجرم مرتكب لبدعة إثبات كلام الله ، وأنه يقول: القرآن كلام الله غير مخلوق، فقال هذا القاضي بكل أدب: بئس ما علمك مؤدبك، إن الله يقول: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء:٨٦] ، هنا انتبه أحمد بن أبي دؤاد؛ حيث كان يظن أن أمامه شيخ عادي، فقال أحمد بن أبي دؤاد القاضي المعتزلي: يا أمير المؤمنين! إن الرجل صاحب حجة، فدعني أحاجه؟! قال: تفضل، فبدأت المحاجة بينهما: فقال هذا الشيخ الأذرمي لـ أحمد بن أبي دؤاد: أسألك أو تسألني؟ فقال أحمد بن أبي دؤاد -من باب أن يعرف ما عنده-: اسأل أنت. فقال له الشيخ: هذا الذي تدعو إليه -القول بخلق القرآن- أعلمه رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر؟ فالمعتزلي قال: لا، فقال له: سبحان الله! شيء علمته ما علمه رسول الله ﷺ ولا أبو بكر ولا عمر، والله ما هذا علم ينفع، فانقطع. ولهذا جاء في بعض الروايات أنه قال للخليفة: هذه واحدة، يعني: سجلنا عليه نقطة في انقطاعه في الحوار، فقال أحمد بن أبي دؤاد: أقلني، يعني: أقلني عن الجواب الأول، فإنني أقول: قد علموها. إذاً: صارت النتيجة أن أحمد بن أبي دؤاد يدعي أن الرسول ﷺ وأبا بكر علموا هذه البدعة التي قال بها، فقال له ذلك الرجل: لما علموها هل تكلموا بها ودعوا الناس إليها؟ فقال له: لا، لم يتكلموا بها ولم يدعوا الناس إليها، فقال له: أفلا وسعك ما وسعهم؟ يعني: أمر وسع رسول الله ﷺ وأبا بكر وعمر وعثمان وعلياً، ولم يسعك أنت إلا أن ترغم الناس وتلزمهم بذلك؟! فصار الخليفة يردد عبارته الأخيرة: وسع رسول الله ﷺ وأبا بكر وعمر أفلا يسعنا ما وسعهم؟! ويكررها ويفكر فيها، ثم قال في الحال: فكوا قيوده. ففكوا قيوده، وأطلقوا سراحه. ويقال: إنه بسبب هذه القصة توقف الخليفة الواثق في آخر أمره عن القول بخلق القرآن، حتى يقال: إنه ما مات إلا وقد تاب من ذلك. ولننظر إلى منهج هذا الإمام في النقاش؛ حيث قال له: هل علموها أو لا؟ لأن هذا الإنسان ابتدع بدعة جديدة، فإذا كانوا لم يعلموها فكيف صرت أعلم من أصحاب الرسول ﷺ ؟ بل أعلم من الرسول ﵊؟! ثم بعد ذلك أيضاً لما قال له إنهم علموها، قال: هل دعوا الناس إليها؟ وفعلاً هم ما دعوا الناس إلى القول بخلق القرآن، فلما تبين أنهم لم يدعوا إليها قال: ألا يسعنا ما وسع هؤلاء؟ فانقطع الرجل المبتدع وأخرس، ولا شك أن هذا من توفيق الله . إذاً: العبرة من هذه القصة هي منهجية هذا الإمام، وكيف أنه أسكته لا بحجج عقلانية وغيرها، وإنما بالحجة القوية اليسيرة في عرضها وفهمها، لكن لأنها كانت منهجية كانت قوية في إفحام هذا المبتدع؛ لأنها كانت تعتمد هذا المنهج الصحيح في أن الأمور ترجع إلى ما كان عليه السلف الصالح، وأن من ابتدع بدعة فقد أحدث، وكانت نتيجة ما وفق الله هذا الإمام لهذا العرض القوي: أن قال الخليفة -وكان حاضراً-: (لا وسع الله على من لم يسعه ما وسعهم) .

стр. 54

من لم يسعه ما وسع رسول الله ﷺ وأصحابه فلا وسع الله عليه قال ابن قدامة ﵀ تعليقاً: [وهكذا من لم يسعه ما وسع رسول الله ﷺ وأصحابه، والتابعين لهم بإحسان، والأئمة من بعدهم، والراسخين في العلم، من تلاوة آيات الصفات وقراءة أخبارها وإمرارها كما جاءت؛ فلا وسع الله عليه] . فما كان عليه الرسول ﷺ والصحابة والتابعون لهم بإحسان يجب أن يتبع. وقوله: (بإحسان) ؛ لأنه قد وجد في التابعين من كان منحرفاً، لأنه لم يتبع الصحابة ﵃ بإحسان، فلا يتبع. وقوله: (والأئمة من بعدهم والراسخين في العلم) ، ولا شك أن من أعظم علامات الرسوخ في العلم هو أن يرجع الإنسان فيما لم يعلم إلى من يعلم؛ ولهذا كل من كان راسخاً في العلم فإنه يقول عن الشيء الذي لا يعلمه: لا أدري؛ فالإمام مالك وهو الإمام مالك سئل عن أربعين مسألة؟ فأجاب عن أربع، وقال عن ست وثلاثين منها: لا أعلم، فكيف بباب أخبار الصفات؟ فالراسخ في العلم هو الذي يقف عند الخبر الصادق، وهذا لا شك أنه من أعظم الرسوخ في العلم. وقوله: (من تلاوة آيات الصفات) ، يعني: الواردة في القرآن العظيم. وقوله: (وقراءة أخبارها) أي: أخبار الصفات الواردة في سنة رسول الله ﷺ ، وهكذا كان الأئمة يتلون القرآن، ويعلَّمونه الناس، وإذا مروا على آيات الصفات لا يعطلونها ولا يشبهونها، وإنما يثبتونها، لكن جاء من بعدهم وقال: إذا جئتم عند قوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن:٢٧] وقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] قال: قفوا ولا تفهموا من الآية ظاهرها؛ لأن هذه الآية لو وقفنا عند ظاهرها لوقعنا في التشبيه، ولذا يقول: استوى بمعنى استولى، ووجهه بمعنى ذاته؛ وهكذا يعمل فيها تأويلاً، والأئمة من قبله كانوا يقرءونها ويتلونها ويفسرونها بلا تأويل. وكذلك أيضاً قراءة أخبار الصفات: كان الأئمة يحدثون بالأحاديث ولا يفرقون بين أحاديث الأحكام وأحاديث الصفات، وإنما كانوا يحدثون بها جميعاً؛ وتعلمون أن مناهج الأئمة في تخريج الحديث على أقسام: منهم من صنف الحديث على الأبواب، مثلما فعل البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وغيرهم، فهؤلاء بوبوا: الصلاة الزكاة الإيمان القدر إلى آخره. ومنهم من ذكر الأحاديث حسب الأسانيد، إما حسب أسانيد الصحابة، مثل مسند الإمام أحمد وغيره من المسانيد، أو حسب معجم شيوخه، مثل معجم الطبراني في الصغير، فالذي ذكر أسانيد الصحابي -كالإمام أحمد بن حنبل مثلاً- يذكر كل مرويات هذا الصحابي، ولا يفرق بين العقيدة ولا بين غيرها، ولا يقول: لا تقل إلا أحاديث الأخبار والأحكام فقط، أما أحاديث الصفات فهذه أمرها عظيم، ونخاف أن تشبهوا، ونخاف أن تمثلوا، لم يقل أحد منهم ذلك، بل كانوا يقرءونها ويوردونها ويتلونها ويحدثون بها، ولا يفرقون بينها وبين غيرها من الأحاديث، وهذا منهجهم. ثم قال: (وإمرارها كما جاءت) ، ثم دعا عليه في الأخير فقال: (فلا وسع الله عليه) . قوله: (إمرارها كما جاءت) سبق أن شرحناها في عبارة سابقة، أي: أنهم يوردونها كما جاءت بالإثبات؛ فيثبتونها ويثبتون ما دلت عليه من معنى، لكن كيفية هذه الصفة يفوضون علمه إلى الله ، وكما قلنا سابقاً: فإن عبارة أمروها كما جاءت، أو تمر كما جاءت ليست حجة لأهل التفويض؛ لأن الأئمة ذكروها حتى في غير باب الصفات، وقد سبق شرح ذلك في الدرس الأول. ونقف عند ما ذكره من نماذج الصفات، ونستكمل -إن شاء الله- في الدرس القادم.

стр. 55

الأسئلة

стр. 56

معنى قول عمر بن عبد العزيز ﵀: (وببصر نافذ كفوا) السؤال قول عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى: (وببصر نافذ كفوا) هل هي من كفَّ أم من كفى؟ الجواب الذي يظهر لي أنها من كف، وليست من كفى، ويجوز أن تكون من كفى، يعني: وببصر نافذ كفاهم الله مؤنة القول في البدع ونحو ذلك، لكن الأدب أن تكون العبارة: (وببصر نافذ كفوا عن الخوض، وليس عن عجز) أي: ليس عن عجز منهم، وإنما ببصر نافذ كفوا عن ذلك، والعلم عند الله تعالى.

стр. 57

عدم التأويل والتكييف يشمل جميع أبواب العقيدة السؤال هل عبارة الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى خاصة في باب الأسماء والصفات أم شاملة في جميع العقائد؟ الجواب عبارة الإمام أحمد شاملة لجميع العقائد، سواء كانت في باب الصفات أو في باب مسائل الإيمان أو في باب القدر أو في غيره، لكن أحياناً تكون مسائل الصفات هي محك للفارق بين أهل السنة وبين غيرهم من أهل البدع.

стр. 58

حكم تكفير المعتصم العباسي السؤال هل المعتصم كافر؛ لأنه دعا إلى هذه البدعة؟ الجواب أئمة السلف رحمهم الله تعالى قالوا كلاماً عاماً، قالوا: من قال بخلق القرآن فهو كافر! لأن القول بخلق القرآن من القضايا الكفرية؛ لأنه من تأويل الصفات وتأويل الصفات كفر، ويجب على الإنسان أن يحذره، لكن ليس كل من قال بشيء من هذا يكون كافراً بعينه إلا بعد توفر شروطه وانتفاء موانعه، فلو أنه قالها متأولاً وهو صادق في تأويله فقد يكون معذوراً ولا يكفر، ولو أن شخصاً آخر قالها راداً لحديث الرسول ﷺ ومكذباً به لكان كافراً، ولهذا فإن أئمة الأمة الإسلامية ما كفروا كل من قال بخلق القرآن؛ بل قالوا: من قال بخلق القرآن فهو كافر، لكن ما كفروا أحداً بعينه، وإنما ورد عن بعض السلف تكفير معينين؛ سئل عن فلان المعروف برده للنصوص وببدعته وبغير ذلك، فقال: فلان كافر، فكفره لصفات ولأمور استقرت عنده بأن هذا الشخص غير معذور، وأنه كافر؛ لهذا فالقول بتكفير المعتصم أو المأمون يدخل ضمن هذه القاعدة، فالذي يظهر -والله أعلم- أنه لا يكفر؛ لأنه متأول.

стр. 59

حكم المخالطة والسلام على من ينفي الصفات والقدر ويسب الصحابة ﵃ السؤال هناك طائفة من الطوائف غالية في باب نفي الصفات غلواً فاحشاً؛ حيث ينفون الرؤية واليدين وسائر الصفات؛ بحجة التشبيه، ويقولون: إن المعاصي ليست من قدر الله، ويسبون بعض الصحابة الذين قاتلوا علياً ﵃ أجمعين؛ فهل يجوز مخالطتهم والسلام عليهم مع إصرارهم؟ الجواب هذه الطائفة تجمع بين شيء من التشيع وبين تبني أقوال المعتزلة، ومعلوم أن بعض الطوائف -كالرافضة والزيدية- تبنت مذهب المعتزلة في باب القدر والصفات، بل الإباضية -وهم خوارج- الذين على الضد تماماً من الرافضة تبنوا أيضاً أقوال المعتزلة في الصفات والقدر والقول بخلق القرآن ونفي رؤية الله في الآخرة؛ فهذا الذي قالوه هو مذهب المعتزلة؛ وما ذكروه من نفي الصفات ونفي الرؤية وأن المعاصي ليست من قدر الله هذا قول المعتزلة القدرية. وأما هل تجوز مخالطتهم والسلام عليهم، فهذا أمر يضبط بضابط الموقف من أهل الكتاب؛ لهذا نفرق بين الداعية إلى البدعة منهم وغير الداعية، ونفرق بين من كان منهم عارفاً بالحق تاركاً له عن قصد ومن كان منهم مقلداً لشيخه، فالواجب علينا أن نرد عليهم، وأن نبين ضلالهم في هذا الباب، وأن ندعوهم إلى الله ، وإذا كنا نريد أن ندعوهم إلى الله فلابد أن نختلط معهم، ونبين ما عندهم من ضلال. ثم مع ذلك كله نكره ما عندهم من بدع؛ فما دامت بدعهم قد لا تصل إلى حد الكفر فإننا يجب أن نحفظ لهم ما شاركونا فيه، وهو الإسلام، ونكره ما هم فيه من بدعة، وهذا منهج السلف: الولاء لجميع المؤمنين، والبراء من جميع الكافرين، فمن لم يرتكب منهم ناقضاً لا يكفر، أما من ارتكب منهم ناقضاً من نواقض الإسلام فحكمه حكم الكفار، فالولاية تكون لجميع المؤمنين، والبراءة تكون من جميع الكافرين؛ فالمسلمون المرتكبون لبدعة أو الواقعون في فسق أو كبيرة يوالون على قدر إيمانهم، ويعادون على قدر بدعتهم أو فسقهم إذا كانت بدعتهم غير مكفرة، أما إذا كانت مكفرة يخرج الإنسان بها عن دائرة الإسلام مثل بعض الفرق والطوائف فهؤلاء حكمهم حكم الكفار.

стр. 60

الأخذ بأحاديث الآحاد في العقائد والأحكام السؤال هل أحاديث الآحاد لا يؤخذ بها في العقائد؟ وما رأيك فيمن يقول: إن أحاديث الآحاد لا يؤخذ بها في باب العقائد؟ الجواب هذا منهج ضخم جداً من مناهج أهل البدع وعلى رأسهم المعتزلة، ومن المؤسف حقاً أن كثيراً من متكلمي الفقهاء من الحنفية والشافعية والمالكية الذين تبنوا عقائد الأشعرية والماتريدية يميلون إلى هذه القضية، وهي أن أخبار الآحاد يؤخذ بها في باب الأحكام، لكنها تفيد الظن، ومن ثمّ لا يؤخذ بها في باب العقائد، وهذا المنهج لا شك أنه منهج مخالف تمام المخالفة لمنهج السلف. وأما حكاية الخلاف في هذه القضية، فإن كثيراً منهم يحكي أن الجمهور يرون أنه لا يفيد العلم، ولا يحتج به في باب العقائد؛ وقلة من الحنابلة أو من غيرهم يرون أنه يفيد العلم ويحتج به في باب العقائد؛ وحكاية الخلاف بهذه الطريقة حكاية معكوسة، بل إن جماهير العلماء يرون أنه يفيد العلم، ويحتج به في باب العقيدة، وقلة ممن تبنى مذاهب المتكلمين من المعتزلة ومن غيرهم قالوا: إنه يفيد الظن، ولا يحتج به في باب العقيدة، ومن تأمل أحوال الأمة الإسلامية في نقلهم لحديث الرسول ﷺ وتفرغ جهابذة العلماء وخاصة علماء الجرح والتعديل يقطع بأن القضية ليست خبر آحاد، وإنما القضية قضية تبديل الرسالة؛ لأن من قال: إنها تفيد الظن، وقال: لا يحتج بها في باب العقائد، معناه أنه جعل لنفسه سلماً للطعن في جميع سنة الرسول ﷺ ؛ ونتيجتها: أن الله لم يبلغ، ولم يرسل إلينا هذا بطريقه الصحيح! أما أهل السنة والجماعة فيقولون: إن الرسول ﷺ بلغ الصحابة، والصحابة بلغوها من بعدهم، ووصل إليهم بالأسانيد والطرائق الصحيحة، والإمام البخاري استخرج صحيحه سبعة آلاف حديث من أكثر من ستمائة ألف حديث، والإمام أحمد بن حنبل كان يحفظ مئات الألوف من الأحاديث الموضوعة المكذوبة الضعيفة. فالقضية ليست سهلة، القضية ممحصة ومبينة، ومن ثم فإن القول بأن أخبار الآحاد لا يحتج بها في العقائد يناقض ما كان على عهد الصحابة والقرون الثلاثة المفضلة؛ وجماهير العلماء كلهم في منهجهم يقررون أن خبر الآحاد إذا كان صحيحاً ثابتاً بالإسناد الصحيح، ليس فيه علة، وليس فيه شذوذ، ولم يتكلم العلماء فيه؛ فهو يفيد العلم، ومن ثمَّ نأخذ به في باب العقيدة كما نأخذ به في أي باب من أبواب الأحكام الأخرى؛ وتفصيل هذا لعله تأتي له مناسبة أخرى. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، والحمد لله رب العالمين.

стр. 61

شرح كتاب لمعة الاعتقاد [٤] من عقيدة أهل السنة والجماعة أنهم يثبتون لله صفة الوجه، والنفس، والمجيء، والإتيان، والرضا، والمحبة، والغضب، والسخط، والنزول، وذلك على الوجه الذي يليق بالله جل وعلا، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تشبيه ولا تمثيل. وقد ضلت في ذلك فرق شتى، فمنهم من حرّف وعطل، ومنهم من شبه ومثل، والحق وسط بين الغلو والجفاء، وبين الإفراط والتفريط.

стр. 62

إثبات صفة الوجه لله

стр. 63

منهج ابن قدامة في ذكر الصفات كنا قد وقفنا عند قول الشيخ رحمه الله تعالى: [فمما جاء من آيات الصفات قول الله : ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن:٢٧]] . بعد أن ذكر المصنف مقدمة جليلة في منهج أهل السنة والجماعة بين فيها وجوب السير على منهاجهم والتحذير من سلوك طريقة أهل البدع المخالفة لطريقتهم وذكر أقوال الأئمة كـ الأوزاعي وعمر بن عبد العزيز وقبلهم عبد الله بن مسعود ﵁، وذكر بعد ذلك القصة التي وقعت في زمن الواثق في محنة القول بخلق القرآن، وكيف أن ذلك الشيخ استطاع بعون من الله وتوفيقه أن يرد على منهج المعتزلة في هذا الباب؛ حيث رد عليهم بمنهج أهل السنة والجماعة القائم على أن هذه الأمور المتعلقة بأسماء الله وصفاته لا يجوز أن يكون رسول الله ﷺ وأصحابه والتابعون لهم بإحسان من القرون المفضلة قد جهلوها، فكيف يأتي بعد ذلك أفراخ القرامطة والمتأثرون بالفلاسفة والسائرون على المناهج العقلية بتأويلات وتحريفات متعددة؛ ليكونوا هم العالمين بها؟! والأمر يتعلق بأمر غيبي لا مجال للعقل فيه، ألا وهو إثبات أسماء الله وصفاته وما ورد في ذلك من أخبار. فبعد أن قدم الشيخ هذه المقدمة بدأ يذكر أمثلة، فقال رحمه الله تعالى: (فمما جاء من آيات الصفات) ، وسيأتي بعد قليل بذكر أحاديث الصفات، ويلاحظ هنا أن ابن قدامة -لأنه كان متأخراً- لم يذكر بعض الصفات، مثل: صفة العلم والقدرة والإرادة والحياة والسمع والبصر؛ لأن هذه الصفات السبع لم يكن بين أهل السنة والجماعة وبين كثير من العلماء المنتسبين في ذلك الوقت إلى الإمام الشافعي أو أبي حنيفة أو مالك أو حتى أحمد بن حنبل من الأشعرية والماتريدية خلاف في الجملة في إثبات هذه الصفات، ولهذا لم يستشهد بها ولم يذكرها، وإلا فإن هذه الصفات لله هي من الصفات الثابتة، والشيخ أراد أن يذكر نماذج، ولهذا قال: (فمما يثبته أهل السنة من الصفات) ، فهو ذكر نماذج منها، لكنه ذكر من الصفات ما وقع فيه خلاف، فذكر أول صفة وهي صفة الوجه لله ﵎، واستشهد لها بآية من القرآن، وهي قوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧] . وقد وردت صفة الوجه في آيات كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨] ، وأيضاً ثبت ذلك في الأحاديث الصحيحة عن النبي ﷺ ، ومن ذلك ما ورد في صحيح البخاري: (أن رسول الله ﷺ تلا قول الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ [الأنعام:٦٥] ، فقال ﷺ : أعوذ بوجهك، ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ [الأنعام:٦٥] فقال: أعوذ بوجهك، ثم قرأ: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾ [الأنعام:٦٥] فقال ﷺ : هذه أهون) ، فاستعاذ ﷺ بوجه الله تعالى؛ ولهذا ورد في الحديث المتفق عليه عن النبي ﷺ من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ حين زاره رسول الله ﷺ وهو مريض وجرى بينهما ما جرى، فقال النبي ﷺ له: (إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها) . فالأدلة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ دلت على أن الله له هذه الصفة التي هي صفة الوجه؛ وصفة الوجه نثبتها لله كما يليق بجلاله وعظمته، لا نتأولها ولا نعطلها ولا نشبهها ولا نكيفها، وإنما نثبتها كما أثبتها السلف الصالح رحمهم الله تعالى.

стр. 64

الكلام على تقسيم الصفات إلى فعلية وذاتية ونحو ذلك وهنا ونحن نتكلم عن صفة الوجه لله تعالى أحب أن أقف وقفة قصيرة تتعلق بتقسيم الصفات؛ لأن بعضهم يقول: صفة الوجه واليدين صفات خبرية، وصفة العلم والحياة والإرادة والقدرة والسمع والبصر صفات عقلية، وأحياناً يقولون: صفة الوجه واليدين والحياة والعلم والسمع والبصر صفات ذاتية، وصفة الرضا والغضب والاستواء والمجيء والنزول والإتيان صفات فعلية، أي: أنها متعلقة بفعله وبإرادته ومشيئته ، وهذه التقسيمات لم تكن معروفة بهذا الشكل لدى السلف الصالح رحمهم الله تعالى، ولهذا تجدهم يثبتون جميع ما ورد من الصفات دون أن يفرقوا بين صفة وأخرى، كما فعل ابن قدامة هنا، حيث ذكر صفات عديدة لله دون أن يميز ويقول: هذه خبرية، وهذه عقلية، وهذه ذاتية، وهذه فعلية. ولهذا فإنني أنصحكم بقراءة آخر كتاب من صحيح البخاري رحمه الله تعالى الذي عنون له بعنوان: كتاب التوحيد، وهذا الكتاب عظيم جداً، ومن تأمل تبويب البخاري واستشهاده بالآيات ثم ذكره للأحاديث عن رسول الله ﷺ يرى في هذا الكتاب عجباً! ومن هنا فإن من تأمل تبويبات البخاري رحمه الله تعالى يجد أنه سار في ذلك أيضاً دون أن يفرق بين اسم من أسماء الله ولا بين صفة من صفات الله؛ فارجعوا إليه، إما إلى متنه أو ارجعوا مع المتن إلى شرح كتاب التوحيد للشيخ عبد الله الغنيمان؛ فإنه شرحه في مجلدين كبيرين، وشرحه من الشروح الوافية المهمة، وهكذا ارجعوا إلى شرح من قبله، مثل شرح ابن حجر في (فتح الباري) أو العيني في (عمدة القاري) أو السيوطي الذي لخص الشرحين في (إرشاد الساري) أو غيرها من شروح البخاري، فيستعين الإنسان بها، لكن شرح الغنيمان لكتاب التوحيد الذي هو آخر كتاب من كتب صحيح البخاري جاء مبسوطاً على وفق منهج أهل السنة والجماعة، مع المناقشة لمن أخطأ أو انحرف في هذا الباب. المهم هو أن هذه التقسيمات إنما جاءت بعد ذلك، وإذا كان بعضها له حظ من المعنى فإن بعض الصفات فعلاً خبرية، مثل صفة الوجه أو اليدين؛ لأنه لا يمكن أن نطلع عليها إلا بخبر الصادق، وبعضها خبري عقلي، مثل صفة العلم لله والإرادة، فإن هذه الصفات دلت عليها الأدلة من كتاب الله ومن سنة رسوله ﷺ ، وأيضاً دل عليها دليل العقل، لكن العمدة في الإثبات أولاً إنما هو النقل؛ لأن هذه متعلقة بأسماء الله وصفاته، لكن لا يمنع بعد إثباتها بالنقل أن ندلل عليها بدليل العقل إذا كان الاستدلال منهجياً وصحيحاً. وكذلك أيضاً التقسيم بأن هناك صفات ذاتية، مثل صفة الحياة لله ، وأن هناك صفات فعلية، هذا أيضاً مما له حظ من المعنى، وقد دلت عليه النصوص؛ فإن بعض صفات الله تتعلق بمشيئته وإرادته، فاستواء الله على العرش -مثلاً- له دلالتان: دلالة العلو، وهذه أزلية، ودلالة الاستواء على العرش، وهذه من صفات أفعاله، فليست أزلية؛ ولهذا قال الله ﵎: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الحديد:٤] ، فاستواؤه ﵎ على العرش بعد خلقه له، مثله نزوله ﵎ إلى سماء الدنيا، ومجيئه يوم القيامة لفصل القضاء، كل هذا مما يتعلق بإرادته ومشيئته، وسيأتي -إن شاء الله تعالى- ذكر لذلك.

стр. 65

الرد على الذين ينكرون صفة الوجه لله ﵎ أو يؤولونها ونقف عند صفة الوجه لله ؛ لأنها نموذج لبقية الصفات، فنحن نثبتها ولا نتأولها، والذين انحرفوا في هذا الباب تأولوا هذه الصفة قائلين: إن وجهه هو ذاته، فقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨] ، يعني: إلا ذاته، وهذا تأويل باطل؛ لأن دلالة الوجه على الذات لا شك فيها، ودلالة الصفة على الموصوف لا شك فيها، وأن له ذاتاً ليست كذوات المخلوقين لا شك فيها، لكن أن يقال: إن معنى صفة الوجه لله هي ذاته، ولا تدل على أن لله وجهاً يليق بجلاله وعظمته، نقول: هذا هو التأويل الخاطئ، بل يجب إثبات هذه الصفة لله على ما يليق بجلاله وعظمته؛ وهذا هو منهج السلف الصالح رحمهم الله تعالى؛ فإنهم يثبتون الصفة ولا يتأولون ولا يكيفون ولا يمثلون، وإنما يثبتون هذه الصفة لأن الله أخبرنا بها، وهو أعلم بنفسه، ولأن رسول الله ﷺ أخبرنا بها وهو ﷺ أعلم بربه، ومن ثمَّ فنحن نسير على منهاجهم، خاصة وأن سلف الأمة أجمعوا على ذلك. وقد يقول قائل: ولكن يقول الله ﵎ في كتابه العزيز: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة:١١٥] ، فإن بعض المفسرين من السلف قال: أي: قبلة الله، وظن هؤلاء أن قولهم: قبلة الله، إنما هو تأويل لهذه الصفة، ولهذا لما ألف شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى (العقيدة الواسطية) التي هي عقيدة جامعة لمسائل عظيمة، وخالفه من خالفه من أهل الكلام، قال لهم شيخ الإسلام ابن تيمية: أنا أمهلكم ثلاث سنوات، فإن أتيتموني بكلمة واحدة عن السلف رحمهم الله تعالى تخالف ما في العقيدة الواسطية فإنني أعترف لكم بأنني مخطئ. أو كلاماً نحو ذلك؟ فبحث المخالفون له، ودعوه إلى مناظرة حول عقيدته الواسطية في قصة ومحنة جرت له رحمه الله تعالى، ولكن الشاهد ما يتعلق بهذه المناظرة فيما نحن بصدده، وهو صفة الوجه لله . وكانت مناظرته حول الواسطية مع مخالفيه من أهل الكلام، وغالبهم أشعرية ﵏ جميعاً، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: فلما جلسنا قالوا لي -وكأنهم كانوا فرحين-: لقد وجدنا عن السلف تأويلاً، قال: فانقدح في ذهني، فقلت: لعلكم تقصدون قول الله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة:١١٥] ؟ قالوا: نعم، نقصد هذه الآية، فإن بعض السلف قالوا: فثمَّ قبلة الله، فقال لهم شيخ الإسلام ابن تيمية: هذه الآية ليست من الصفات، وما فسروه به بأن المقصود بها: فثمَّ قبلة الله حق؛ لأن الآية جاءت في سياق بيان القبلة: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة:١١٥] ، أي: أينما تتجهوا بوجوهكم وتعبدون الله مخلصين في صلاتكم فثمَّ قبلة الله ، ولا شك أن سياق الآية دال على هذا. لكن يبقى في الكلام بقية، ألا وهي أن شيخ الإسلام ابن تيمية في موضع آخر من كتبه احتج بهذه الآية، وأثبت منها صفة الوجه لله ﵎، فكيف ذلك؟ نقول: نعم، الاحتجاج بهذه الآية على إثبات صفة الوجه لله صحيح، وأرجو أن تنتبهوا لهذه المسألة؛ لأنكم ستجدون أنفسكم محتاجين إليها في بعض القضايا التي هي متعلقة بصفات الله ، فكيف تكون هذه الآية حجة؟ هذه الآية سيقت مساق بيان الضد، لكن لا يعبر عنها بنسبة الصفة إلى الله إلا ما صح أن يكون صفة لله. إذاً: قوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة:١١٥] المعنى يدل على القبلة، لكنه قال: (وجه الله) فنثبت من هذا صفة الوجه؛ لأنه ما أتى بهذا التعبير إلا والله له وجه يليق بجلاله وعظمته، ولهذا اختلف السلف رحمهم الله تعالى في بعض الصفات، مثل صفة الجنب، وذلك عند قوله تعالى: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٥٦] ؛ فبعض السلف قال: نأخذ منها إثبات صفة الجنب لله، وبعضهم قال: لا نثبت؛ لأن سياق الآية يدل على أنها تتحسر على ما فرطت في حق الله وطاعة الله، ولم تأت هذه الآية لبيان الصفة، وكلا القولين فيهما حق؛ لأن الذين قالوا: نثبت منها الصفة قالوا: نحن معكم على أن معنى الآية: على ما فرطت في حق الله وطاعة الله، وهذا واضح الدلالة جداً، ولو أراد إنسان أن يشرح هذه الآية وقيل له: تلك النفس التي تتأسف يوم القيامة على ما فرطت، ما معنى قول الله تعالى حكاية عنها: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٥٦] ؟ لفسرها: بأنها تتحسر على ما فرطت في الإيمان بالله وطاعة الله والصلاة والعبادة وغير ذلك، ويكون التفسير صحيحاً، لكن من قال: إنه يؤخذ منها صفة، قال: لا نصف الله إلا بما يصح أن يوصف الله به، ومن ثمَّ فقوله تعالى: (على ما فرطت في جنب الله) يدل على المعنى الذي دل عليه سياق الآية، وأيضاً نستفيد منه: أن لله جنباً يليق بجلاله وعظمته، ولا فرق بين الجنب والساق والقدم والرجل والوجه واليدين والعين، وهذه الصفات كلها دلت عليها أدلة صريحة صحيحة، بعضها في كتاب الله وبعضها في سنة رسوله ﷺ .

стр. 66

إثبات صفة اليدين لله ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقوله : ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤]] . وصفة اليدين لله أيضاً مما وردت أدلته نصاً في كتاب الله ﵎ في مثل هذه الآية التي استشهد بها الشيخ، ومثل قول الله ﵎: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْيدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات:٤٧] ، ومثل قول الله ﵎: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] ، ومثل قول النبي ﷺ في أحد ألفاظ البخاري: (يد الله ملأى لا يغيضها نفقة -يعني: لا ينقصها نفقة- سحاء الليل والنهار) ، والسحاء: كثيرة الصب. فقوله: (يد الله ملأى) يدل على إثبات صفة اليد لله . وأيضاً قول النبي ﷺ : (يقبض الله السماوات بيمينه والأرضين بشماله) ، على رواية مسلم. وأيضاً حديث الشفاعة حينما يأتي الناس إلى آدم ويقولون له: (وخلقك الله بيده) ، فهذه دالة على إثبات اليدين لله . والنصوص الواردة في مثل قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك:١] تدل على صفة اليد؛ وهكذا قوله: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس:٧١] ، ولا تعارض في ذلك؛ لأن الله يتكلم عن نفسه، وهو المعظم لنفسه والمعظم لصفاته، أو يقال: أقل الجمع اثنان، فتتفق آية: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس:٧١] مع آية: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤] ، وآية: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] .

стр. 67

الرد على المنكرين والمأولين لصفة اليدين لله والمخالفون لأهل السنة والجماعة في هذه الصفة من المعتزلة وكثير من الأشعرية والماتريدية يقولون: إن اليد بمعنى القدرة، وأحياناً يفسرونها بمعنى النعمة، وقولهم هذا مخالف لمنهج السلف الصالح رحمهم الله تعالى؛ لأنه تأويل لم يدل عليه دليل، والسلف رحمهم الله تعالى هذه الصفة، ومنعوا من تأويلها. لكن في صفة اليدين لله جاءت النصوص بدلالة قاطعة تمنع من التأويل، وإني والله حتى هذه اللحظة أعجب كيف تجرأ أولئك العلماء الفضلاء على أن يتأولوا قوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤] ، وقوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] ؛ فهذا نص صريح واضح لا يمكن التأويل فيه، ومع هذا قالوا: يداه: نعمته، ما خلقت بيدي: بنعمتي وبقدرتي، وهذا لا يمكن؛ لأن هذا نص صريح في إثبات صفة اليدين لله . ولهذا فإنني أقول كما قال من سبقني من أهل العلم: إن تأويلهم لهذه الآية لا وجه له، حتى من دلالة اللغة العربية؛ فقد تكون بعض التأويلات الأخرى -وإن كانت باطلة- لها وجه في اللغة العربية، لكن تأويلهم لليدين تأويل لا وجه له إطلاقاً في اللغة العربية، ولهذا في قول الله ﵎: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] جاءت العبارة وجاء التعبير قاطعاً في هذه المسألة؛ فقال أولاً: (خلقت) ، فأضاف الفعل إلى نفسه، وعبر بلفظ (الخلق) ، والخلق له دلالته الخاصة، ثم قال: (بيدي) ، وأضافها إلى نفسه، ثم جاء معبراً بلفظ التثنية، وكل ذلك يدل دلالة قاطعة على أن تأويل هذه الآية باطل، وإذا تبين بطلان تأويل هذه الآية فإنه دال على أن تأويلاتهم الأخرى لا دليل عليها، حتى ولو كان لها أحياناً وجه بعيد من اللغة، إلا أنه يدل على أن منهجم في التأويل منهج غير صحيح.

стр. 68

إثبات صفة النفس لله ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقوله تعالى إخباراً عن عيسى ﵇ أنه قال: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة:١١٦]] . وهذا في إثبات النفس لله كما يليق بجلاله وعظمته؛ ولهذا يقول الله في آية أخرى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران:٢٨] وورد ذلك أيضاً في أحاديث كثيرة جداً عن رسول الله ﷺ ، كقوله ﷺ : (سبحان الله وبحمده، عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته) ، وأيضاً ورد في الحديث القدسي الصحيح الآخر المشهور: (يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرماً، فلا تظالموا) ، فهذه الآيات والأحاديث عن النبي ﷺ دالة على إثبات هذه الصفة، وأهل السنة والجماعة يثبتونها لله كما يليق بجلاله وعظمته، لكن ينبغي ألا يفهم منها -وقد أشار إلى ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية - أن لله نفساً منفصلة عن الله ، كما يقال بالنسبة للمخلوق: إن له جسداً، وله روحاً تسمى نفساً، فيقولون: خرجت نفسه، يعني: خرجت روحه، فقول الله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران:٢٨] ، وقوله: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة:١١٦] لا يفهم منه أن لله نفساً منفصلة عنه، وهذا أيضاً هو الذي تدل عليه النصوص؛ فإن النفس هنا تدل على الصفة وعلى ذات الله التي لا تشبه ذوات المخلوقين؛ فقوله : ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران:٢٨] أي: يحذركم ذاته المتصفة بصفاته، وليس هناك صفة منفصلة اسمها النفس، كما قد يتوهم البعض.

стр. 69

الكلام على صفة المجيء والإتيان

стр. 70

إثبات صفة المجيء والإتيان لله ثم إن الشيخ رحمه الله تعالى ذكر صفة أخرى فقال: [وقوله : ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر:٢٢] وقوله تعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢١٠]] . وهاتان الآيتان دالتان على صفة المجيء والإتيان لله ؛ وهما من الصفات الفعلية التي يتصف بها ربنا كما يليق بجلاله وعظمته، وأهل السنة والجماعة يثبتون صفة المجيء، ويثبتون صفة الإتيان؛ لأن النصوص من كتاب الله ومن سنة رسوله ﷺ دلت عليها، ولهذا قال الله تعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ [البقرة:٢١٠] ، وقال في آية أخرى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾ [الأنعام:١٥٨] ، فقوله: (يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك) دليل على بطلان من تأول ذلك؛ لأنه ميز بين إتيان الرب وإتيان الآيات، ولو كان إتيان الرب هو إتيان الآيات أو بعض عباد الله أو نحو ذلك كما يقول المتأولة لما ذكره هنا وميزه، وهذا واضح الدلالة. والمخالفون لمنهج أهل السنة والجماعة يقولون: (وجاء ربك) أي: وجاء أمر ربك؛ (يأتي ربك) أي: يأتي أمر ربك، أو يأتي ملك من الملائكة، أو غير ذلك؛ وهذا كله من باب التأويل الباطل؛ فإن هذه النصوص قد دلت على أن الذي يأتي هو الله ، وأن مجيئه وإتيانه كما يليق بجلاله وعظمته لا يلزم منه لوازم النقص التي نعلمها على المخلوقين؛ ولهذا ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال في الحديث الطويل المتعلق بيوم القيامة: (حتى إذا لم يبق إلا من يعبد الله أتاهم رب العالمين) ، وهذا نص صريح أن الذي أتاهم هو رب العالمين ؛ أما تأويله بأنه أمر ربك أو نحو ذلك فهو مخالف لهذه النصوص الصريحة الدالة على أن الذي يتصف بها هو الله ﵎.

стр. 71

سبب تأويل المتكلمين للصفات الفعلية والرد عليهم وبعض المتكلمين تأول مثل هذه الصفات وقال: إنه لا يجوز أن نثبتها لله ؛ لأن الصفات الفعلية التي هي المجيء والإتيان والاستواء والنزول والغضب والرضا وغيرها يلزم منها حلول الحوادث في ذات الله تعالى؛ ومقصودهم بحلول الحوادث أن كل جسم حلت فيه الحوادث والتغيرات -سواء كانت هذه الحوادث سقماً أو مرضاً أو نقصاً أو نحو ذلك أو كانت أفعالاً مثل حركة وتلون وغير ذلك -أنه يكون حادثاً؛ فكل جسم حلت فيه هذه الأشياء فهو دليل على حدوثه! واستدلوا على حدوث العالم بهذه القاعدة، فقالوا: دليلنا على أن العالم حادث، وأنه غير أزلي، وأن كلام الفلاسفة بأن العالم قديم باطل، هو أن هذا العالم فيه متغيرات: شمس وقمر وكوكب وأرض وغير ذلك، هذه المتغيرات تدل على أنه حادث. وبعد أن قرروا هذه القاعدة، واحتجوا بهذا الدليل، وردوا به على الفلاسفة، وظنوا أنهم قصموا ظهور الفلاسفة القائلين بقدم العالم بهذا الدليل، انتكس عليهم هذا الدليل؛ لأنه دليل ضعيف فيما عندهم من عقيدة، فقيل لهم: إذا قلتم إن هذا الدليل صحيح، إذاً الله أيضاً متصف بهذه الصفات التي أنتم تسمونها حوادث؛ فالله لم يكن مستوياً على العرش فخلق العرش ثم استوى على العرش! والله ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا، والله يجيء يوم القيامة، إذاً: هذه كلها يلزم منها متغيرات، ويلزم منها الحركة، وهذه صفات الإنسان، فينتفي وجه الاعتراض. وفعلاً هم لما قيل لهم بهذا الاعتراض، قالوا: إذاً ننفي عن الله الصفات الفعلية، وهذا في الحقيقة أمر عجيب جداً! والمشكلة أن هذه القضية نشأت منذ زمن طويل قبل الأشاعرة وقبل الماتريدية، أي أنها نشأت منذ عهد ابن كلاب الذي كان سابقاً قليلاً للإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى، فإن ابن كلاب لما جاء وجد الناس في عصره على طريقتين: الأولى: طريقة أهل السنة والجماعة الذين يثبتون جميع الصفات دون أن يفرقوا فيها بين صفات الذات وصفات الفعل الخبرية وغير الخبرية، بل يثبتون الجميع؛ لأن منهجهم واحد، ولا فرق بين الصفات. الثانية: الجهمية المعتزلة الذين ينفون عن الله جميع الصفات، ولا يفرقون بين العلم والإرادة والقدرة والسمع والبصر والعلم والوجه واليدين وغير ذلك؛ فينفون عن الله جميع الصفات. ونظراً لأنه دخل في باب من أبواب علم الكلام، وهو دليل حدوث العالم واقتنع بذلك الدليل الباطل، نظراً لذلك فإن ابن كلاب أتى بمذهب جديد، جمع فيه بين مذهب السلف ومذهب المعتزلة، فأثبت لله الصفات، لكن نفى عن الله ما يتعلق بمشيئته وإرادته، وسيأتينا -إن شاء الله تعالى- توضيح له في إثبات صفة الكلام لله ﵎؛ لكن المهم هنا أن أهل السنة والجماعة رحمهم الله تعالى يثبتون لله المجيء والإتيان كما يليق بجلاله وعظمته، ويقولون: إنها صفات أفعال، فمجيئه إنما هو بمشيئته وإرادته؛ لأن الصفات لله على ثلاثة أقسام: القسم الأول: صفات ذاتية يتصف الله بها أزلاً وأبداً، مثل صفة الحياة والعلم ونحوهما. القسم الثاني: صفات فعلية ليست أزلية، وإنما هي متعلقة بإرادته ومشيئته، مثل استوائه على العرش، ومثل مجيئه يوم القيامة، ومثل نزوله إلى سماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر. القسم الثالث منها: ما هو ذاتي وفعلي، مثل صفة الكلام لله ، فالله متصف بصفة الكلام أزلاً، وهو أيضاً يتكلم إذا شاء متى شاء، فهو متصف بهذه الصفة منذ الأزل، وهو كلم موسى في ذلك الوقت، أي: بعد أن خلق موسى وكونه في ذلك المكان الذي ذكره الله بجانب الطور، وقبل ذلك لم يكلمه ، هذه الصفات التي ذكرناها: صفة المجيء والإتيان وغيرها هي من صفات الفعل التي نثبتها لله كما يليق بجلاله وعظمته، ونقول: هي متعلقة بمشيئته وإرادته.

стр. 72

الكلام على صفة الرضا ونحوها

стр. 73

إثبات صفة الرضا لله قال المصنف ﵀: [وقوله تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة:١١٩]] . صفة الرضا أيضاً يثبتها أهل السنة والجماعة لله ﵎، وقد دلت عليها آيات كثيرة جداً، كما قال : (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ) في أكثر من آية، وأيضاً ورد في صحيح مسلم عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الله ليرضى عن العبد يأكل الأكلة فيحمده عليها، ويشرب الشربة فيحمده عليها) ، وقوله: (إن الله يرضى لكم ثلاثاً) . وصفة الرضا يثبتها أهل السنة والجماعة لله كما يليق بجلاله وعظمته، وهي من صفات الأفعال، أي: أن الله يرضى عن عبده إذا شاء، وأخبر أنه يرضى عن عبده إذا فعل الطاعة.

стр. 74

الرد على المنكرين والمأولين لصفة الرضا هذه الصفة ومثلها صفة المحبة وغيرها يثبتها أهل السنة والجماعة رحمهم الله تعالى دون أن يتأولوها، ومن تأولها بأن المقصود بالرضا إرادة الإنعام، أو بالمحبة إرادة الإنعام ونحو ذلك فهذا تأويل باطل؛ لأنه لم يدل عليه دليل، وأولئك تأولوا مثل هذه الصفة خوفاً من التشبيه؛ لأنك إذا قلت لأحدهم: لماذا لا تثبت لله صفة الرضا أو صفة المحبة؟ قال: لا أثبتها خوفاً من التشبيه! لأن الرضا أو المحبة هي صفة في المخلوق تدل على نوع من ميل القلب ونحو ذلك، وهذا الميل والانكسار إنما يليق بالمخلوق، والله منزه عنها! فنقول له: ونحن ننزه الله عن صفات المخلوقين، لكن ماذا تقول عن هذه الآية، قال: أقول: الرضا إرادة الثواب، والمحبة إرادة الإنعام، ونحو ذلك. فنقول له: أنت فررت من شيء فوقعت في مثله تماماً؛ لأنك قلت: إرادة الإنعام، فأثبت لله صفة الإرادة، والإرادة هي أيضاً ميل القلب، فإذا قيل: فلان من البشر يريد هذا الشيء فالمعنى أن قلبه يميل إليه، وإذا قيل: يريد أن يصنع شيئاً، أي: أن نفسه تميل إليه، وهذه من صفات المخلوقين؛ فيلزمك فيما فررت إليه نظير ما لزمك فيما فررت منه، فأنت فررت من إثبات الرضا والمحبة فيلزمك في الإرادة ما لزمك في المحبة؛ فإن قلت: أنا أثبت الصفات السبع -مثلاً- ومنها صفة الإرادة، وقولي: إرادة الإنعام أثبتها لله كما يليق بجلاله وعظمته، ولا يلزم منها مشابهة المخلوقين، نقول: ونحن نقول لك أيضاً في صفة الرضا وصفة المحبة: نحن نثبتها لله كما يليق بجلاله وعظمته، ولا يلزم منها مشابهة المخلوقين. وهكذا كل من تأول صفة من صفات الله تعالى فإنه يلزمه فيما فر إليه نظير ما لزمه فيما فر منه، ولا يمكن أن ينفك عنها أي متأول أبداً؛ حتى المعتزلة الذين نفوا عن الله جميع الصفات خوفاً من تعدد الذوات؛ حيث قالوا: ننفي عن الله جميع الصفات حتى نوحد الله؛ حتى لا نقع فيما قاله النصارى: الأب والابن وروح القدس إلى آخره. فنقول للمعتزلة: أنتم تنفون هذا عن الله من باب التوحيد؟ فسيقولون: نعم، فنقول لهم: أنتم تقولون: الله موجود أو غير موجود؟ فإن قالوا: الله غير موجود، فقد انتهى الكلام معهم؛ لأنهم ينكرون وجود الله ، وإن قالوا: الله موجود، فسنقول لهم: والمخلوق موجود؛ فإذا كنتم تفرون من تشبيه الله بخلقه وتقولون إننا ننفي عن الله الصفات حتى لا نجعل مع الله غيره فأنتم ملزمون كذلك في صفة الوجود لله ؛ فإنه ﵎ موجود، فإن قالوا: نحن نقول: الله موجود، لكن وجود الله ليس كوجود المخلوقين؛ فالمخلوق وجد من عدم، والمخلوق غير واجب، بل ممكن، والله وجوده يليق به، فهو وجود واجب له لا يقبل العدم، فنقول لهم: إذا قلتم: لله وجود لا يشبه وجود المخلوقين كذلك أيضاً بقية الأسماء والصفات، فلله أيضاً إرادة لا تشبه إرادة المخلوقين، وله علم لا يشبه علم المخلوقين، وله سمع لا يشبه سمع المخلوقين، وهكذا؛ وكل من اتخذ باباً من باب التأويل فلابد أن يتناقض قوله.

стр. 75

إثبات صفة المحبة لله ثم قال المصنف هنا: [وقوله تعالى: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة:٥٤]] . وهذه الصفة أيضاً وردت في أكثر من آية من كتاب الله ، ووردت أيضاً في أحاديث كثيرة عن النبي ﷺ ، ومنها حديث النبي ﷺ مع علي بن أبي طالب ﵁ لما قال في خيبر: (لأعطين الراية رجلاً يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله) ، وبقية القصة معروفة حين دعا رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب ﵁. فقوله: (ويحبه الله ورسوله) دليل على إثبات صفة المحبة، وتأويل هذا لا يجوز.
следующие страницы →