Полный текст (320 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
إثبات العلو لله في الكتب القديمة
ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: [وفيما نقل من علامات النبي ﷺ وأصحابه في الكتب المتقدمة: أنهم يسجدون بالأرض، ويزعمون أن إلههم في السماء] .
هذا الكلام مروي عن عدي بن عميرة بن فروة الكندي، وقد رواه عنه بإسناده ابن قدامة في كتابه (العلو) ، والذهبي، وقال الذهبي عن هذا الكلام: إنه غريب، أي: أنه لم يرو بإسناد صحيح يعول عليه، وإنما هو نقل من كتب الأقدمين، فقوله في وصف النبي ﷺ وأصحابه: (إنهم يسجدون بالأرض ويزعمون أن إلههم في السماء) نقول: مثل هذا اللفظ إذا كان وارداً في الكتب السابقة فمن المؤكد أن فيه تحريفاً؛ لأن قوله: (يسجدون بالأرض) هذا صحيح، والرسول ﷺ قال عن الخصائص التي اختصت بها أمته: (وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً) ، وهذا من خصائص هذه الأمة.
لكن التحريف -والله أعلم- هو في قوله: (ويزعمون أن إلههم في السماء) ؛ لأنه لو كانت العبارة ويقولون أو ويقررون أو ويعتقدون أو نحو ذلك لقلنا: إن هذه العبارة ربما تكون صحيحة المعنى.
أما إسنادها فقد تبين أنه ليس مما يعتمد، وأن الذهبي قال فيه: إنه غريب.
لكن يكون المعنى صحيحاً؛ وأما قوله: (ويزعمون) فالزعم فيه نوع من الانتحال، والله في السماء حقيقة وليس ادعاءً.
стр. 107
دليل آخر على العلو
ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: [وروى أبو داود في سننه أن النبي ﷺ قال: (إن ما بين السماء إلى السماء مسيرة كذا وكذا -وذكر الخبر إلى قوله- وفوق ذلك العرش، والله سبحانه فوق ذلك) ] .
هذا الحديث أيضاً رواه الترمذي وحسنه، وبعض العلماء تكلم في إسناده، ورواه أيضاً أبو داود وابن ماجة وغيرهم.
وهذا الحديث أيضاً دال على إثبات صفة العلو لله ، ففيه: (أن ما بين السماء إلى السماء مسيرة كذا) ، أي: خمسمائة عام؛ ولكن الشاهد قوله: (وفوق ذلك العرش، والله سبحانه فوق ذلك) ، وهذا نص صريح على أن العرش فوق السماوات، وأن الله فوق العرش، وهذا دليل على إثبات صفة العلو لله .
فهذه بعض الأدلة على إثبات صفة العلو لله ، وبقيت الإشارة إلى أن الأدلة في هذا كثيرة؛ فأحاديث النزول دالة على العلو، فقوله ﷺ : (ينزل ربنا) يدل على أن الله في السماء، وهكذا أحاديث العروج والصعود إليه، كما في قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر:١٠] ، وقوله: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج:٤] ، أي: إلى الله .
والنبي ﷺ -كما في الصحيحين وغيرهما- عرج به إلى الله حتى بلغ سدرة المنتهى، وكلمه ربه ﵎ من غير واسطة.
وهذه الأدلة تزيد على ألف دليل، وكلها دالة على أن الله في العلو، ونحن نثبت ذلك ونقول: إن الله في علو فوق السماوات على العرش استوى، وأنه فوق خلقه بائن منهم، ومع ذلك لا يخفى عليه شيء من أمور خلقه.
ونكتفي بهذا، ونسأل الله التوفيق والهداية، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
стр. 108
الأسئلة
стр. 109
الحكمة في تكرار الرقم (سبعة) في كثير من الأشياء
السؤال
ما هو السبب في تكرار رقم (سبعة) : فأيام الأسبوع سبعة، والأرضون سبع، والسماوات سبع، وكذلك أيضاً الجنة لها سبعة أبواب، والنار لها سبعة أبواب إلخ؟
الجواب
مثل هذا تعلق به الإسماعيلية الباطنية الذين يقولون: إن الأمور كلها تدور على سبعة، فجعلوا الإمامة تنتهي بالسابع بعد جعفر الصادق، وقالوا: إن الإمام بعده إسماعيل بن جعفر، ومن ثم يفترقون عن الجعفرية الإثني عشرية الذين يقولون: إن الإمام بعد جعفر هو موسى بن جعفر، وهؤلاء الباطنيون يقولون: إن الدورات كلها هي دورات سبع، وإن هذا الإمام السابع هو الذي تنتهي به الإمامة، لكن دليل في ذلك؛ لأن من تأمل الأعداد في القرآن الكريم وجد أعداداً غير سبعة؛ ففي القرآن الكريم عشرة، كما في قوله تعالى: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة:١٩٦] ، وقوله: ﴿وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾ [الأعراف:١٤٢] وفيه ثلاثة، وسبعة، وتسعة عشر، وأربعون، وثلاثون، فلا دلالة في هذا، وإنما هي حكمة لله قد لا نعلمها.
стр. 110
تكليم الله لأنبيائه ﵈
السؤال
هل تكليم الله للنبي ﷺ كان كتكليم موسى؟
الجواب
نعم، تكليم الله هو تكليم بدون واسطة، كتكليم الله لموسى، لكنهما افترقا في شيء واحد، وهو أن الله كلم موسى وهو في الأرض، وكلم النبي ﷺ وهو في السماء، ولهذا فإن بعضهم يعلل كون موسى ﵊ هو الذي لقب كليم الله بذلك، وهو أن تكليم الله لموسى كان وهو على الأرض، بينما تكليم الله لآدم ومحمد ﷺ إنما كان وهما في السماء، والله أعلم بحال الإنسان حينما يكون في السماء واختلافه عن حاله حينما يكون في الأرض.
стр. 111
الحكم على حديث: (كم إلهاً تعبد ؟)
السؤال
ما حال حديث حصين (كم إلهاً تعبد؟) ؟
الجواب
هذا الحديث حسنه الترمذي، وقال: حسن غريب، والذي يظهر أنه ضعيف، لكن كما أشرنا في الدرس أن مثل هذه الرواية لا يحتج بها العلماء استقلالاً، وإنما ورد إثبات علو الله في أدلة كثيرة جداً.
стр. 112
عدد حملة العرش يوم القيامة
السؤال
ورد في القرآن الكريم عن الملائكة قوله تعالى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٧] ، هل هذا على سبيل الحصر؟
الجواب
بعض المفسرين قال: الله أعلم، لا ندري ما المقصود بـ (ثمانية) ، هل هي ثمانية ملائكة أو ثمانية صفوف أو غير ذلك؟ لكن الظاهر -والله أعلم- أن المقصود: ثمانية ملائكة يحملون العرش يوم القيامة.
стр. 113
معنى قوله تعالى: (فأينما تولوا فثم وجه الله)
السؤال
كيف نرد على من يستدل بقوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة:١١٥] على أن الله تعالى في كل مكان؟
الجواب
نرد عليه بأن هذه الآية إنما هي في القبلة، أي: أينما تولوا في صلاتكم فإنما تستقبلون قبلة الله ، وليس كل آية فيها إحاطة الله تدل على أن الله في كل مكان، وإلا فهم قد احتجوا قبل ذلك بمثل قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف:٨٤] ، فقالوا: قوله: (وفي الأرض إله) يدل على أنه أيضاً يكون في الأرض، وهذا لا حجة فيه.
стр. 114
الفرق بين التشبيه والتمثيل والتكييف
السؤال
ما الفرق بين التشبيه والتمثيل والتكييف؟
الجواب
سبق بيان ذلك، فالتكييف هو أن يبين أو أن يقول: كيفية الصفة كذا وكذا.
أما التمثيل فهو أن يمثل صفة الله بصفات خلقه، أو بالعكس.
وأما التشبيه فهو أن يقول: إن صفة الله كذا شبيهة بكذا.
فالتمثيل معناه المطابقة من كل وجه، والتشبيه هو التشابه من بعض الوجوه دون بعض، والتكييف أن يكيف الصفة، بمعنى: أنه يصفها بصفة لا يشبهها بكذا وكذا، وإنما يريد بها كيفية معينة من طول أو قصر أو عرض أو غير ذلك.
стр. 115
الهوى سبب انحراف أهل البدع في الغالب
السؤال
لقد تبين من تأويلات المتكلمين وغيرهم أن منطلقهم في هذا التأويل إنما هو هوىً في النفس، أرجو أن تبينوا هذا الأمر بصورة أمثل؟
الجواب
لا شك أن أهل البدع إنما يسوقهم الهوى، لكن هذا الهوى أحياناً قد يكون مبعثه شبهة أو تقليداً أو غير ذلك، ولكن الهوى خطير جداً؛ لأنه يعمي صاحبه عن الحق، والواجب على الإنسان أن يقبل الحق ممن جاء به مهما كان.
стр. 116
التعريف بالأشاعرة
السؤال
من هم الأشاعرة؟ وما هي معتقداتهم؟
الجواب
الكلام حولهم طويل، لكن الأشاعرة والماتريدية لازالوا موجودين في كثير من بلاد العالم الإسلامي، وكثير من الجامعات الرسمية في بعض البلاد الإسلامية يتبنون المذهب الأشعري، ويدرسونه على أنه هو الحقيقة، أو المذهب الماتريدي، وانتشارهم في الحقيقة انتشار كبير جداً؛ ولهذا فإن واجب السلف والمنتسبين إلى السلف أن يغيروا هذه العقيدة، ويبينوا ما فيها بياناً واضحاً.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 117
شرح كتاب لمعة الاعتقاد [٦]
يجب على المرء المسلم أن يؤمن بكل صفات الله التي ثبتت في القرآن الكريم، وفي السنة الصحيحة، كما يجب عليه أن يثبتها كما أثبتها السلف الصالح رحمهم الله تعالى، ومن ذلك صفة العلو التي ثبتت بالأدلة المتواترة من الكتاب والسنة والفطرة والعقل.
ومن صفات الله الثابتة له أيضاً صفة الكلام، فالله تعالى يتكلم بما شاء، متى شاء، كيف شاء، بحرف وصوت، ومن تأول ذلك أو حرفه فقد خالف منهج السلف الصالح.
стр. 118
شبهات في مسألة العلو والرد عليها
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فهذا وما أشبهه مما أجمع السلف ﵏ على نقله وقبوله، ولم يتعرضوا لرده ولا تأويله، ولا تشبيهه ولا تمثيله] .
هذه العبارة فيها بيان ما سبق أن ذكرنا من منهج السلف رحمهم الله تعالى في هذه القضية، ونحن في الدرس الماضي تحدثنا عن قضية العلو، وذكرنا أن إثبات علو الله من قضايا العقيدة التي دلت عليها الأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة والفطرة، وأدلة العقول، بل والإجماع؛ فقد أجمع عليها سلفنا الصالح رحمهم الله تعالى.
стр. 119
الرد على شبهة أن الله في كل مكان
تقدم أن المخالفين لمنهج السلف في مسألة العلو يقولون بأحد قولين حينما يسئلون عن علو الله ، فبعضهم يقول: الله في كل مكان، وبعضهم يقول: إن الله تعالى لا داخل العالم ولا خارجه! والحقيقة أن هذين القولين باطلان، أما من يقول: إن الله في كل مكان فنقول له: هل تثبت لله ذاتاً متصفة بالصفة أم لا؟ فإن أثبت لله ذاتاً موجودة متصفة بالصفات، فنقول: أين الله؟ فإن قال: في كل مكان، فنقول: هذا هو قول الحلولية؛ بل إن النصارى قالوا بالحلول في المسيح فقط، وإن الصوفية المشبهين للنصارى المنحرفين قالوا بالحلول في بعض الأشخاص أو في بعض الأماكن عدا من قال منهم بوحدة الوجود، وأنتم تزعمون أن الله في كل مكان، فهل معنى ذلك أن الله في السماء وفي الأرض وفي الجبال وفي البحار؟ بل وفيما ينزه الله عنه من أماكن القذر والوسخ ونحو ذلك؟! أم أنكم لا تثبتون لله ذاتاً، وكأنكم تقولون: إنه لا يوجد إله، وإنما هو شيء مثل الهواء أو مثل الريح لا حقيقة له؟! وإن أثبتم لله ذاتاً، وهذه الذات متصفة بصفاتها، وأن الله تعالى عليم خبير، فعال لما يريد، على كل شيء قدير، يأخذ الكفار أخذ عزيز مقتدر، خلق السماوات والأرض، فهذه الذات هل يقول قائل: إنها في كل مكان؟! لا شك أن هذا القول ينبت منه الحلول الباطل؛ بل الحلول الذي هو أخبث وأقبح من أقوال النصارى وأقوال بعض الصوفية، وحقيقته في النهاية الانتهاء إلى إنكار وجود الله؛ لأن معنى ذلك أنه ليس له ذات متميزة.
وإن قالوا: إن الله ليست له ذات حقيقة متصفة، كفروا.
إذاً: القول بأن الله في كل مكان يقتضي أن الله حال في كل مكان متحد بخلقه، وهذا مما ينزه الله عنه أتم التنزيه؛ بل نقول: لما خلق الله الخلق، هل خلقهم داخل ذاته أو خارج ذاته؟ إن قلتم خلقهم داخل ذاته فمؤدى ذلك أن يكون الله قد حل فيه القاذورات والمخلوقات ونحو ذلك والعياذ بالله! وإن قلتم خلقهم خارج ذاته، فهذا هو الحق، فإن الله خلقهم خارج ذاته، كما قال السلف رحمهم الله تعالى: إن الله بائن من خلقه، وإذا كان قد خلقهم خارج ذاته فلابد أن يكون عالياً عليهم، وهذه لا محيد عنها، ولا يمكن أن يجيبوا بأي جواب يخرج عن هذا.
وبهذا استدل الأئمة رحمهم الله تعالى، وبينوا به بطلان مذاهب الحلول؛ لأن مقتضى الحلول عدم تنزيه الله ، أما مذهب السلف رحمهم الله تعالى فهو أن الله مستو على العرش بائن من خلقه.
стр. 120
الرد على شبهة القول بأن الله لا داخل العالم ولا خارجه
أما الجواب الثاني الذي يجيب به بعضهم: أن الله لا داخل العالم ولا خارجه، فهذا الجواب يكثر عند من يشتغل منهم بالفلسفة والمنطق وعلم الكلام، وهذا الجواب أيضاً لا يعقل؛ لأن القول بأنه لا داخل العالم ولا خارجه مستحيل؛ فالقول بأنه ليس داخل العالم يقتضي أنه خارج العالم، والقول بأنه ليس خارج العالم يقتضي بأنه داخل العالم، وأما القول بأنه لا خارج ولا داخل فهذا غير معقول، فإما أن يكون الله خارج العالم أو داخله، ولا يمكن أن يتصور الذهن غير هذا أبداً، فلا يمكن أن يكون الشيء لا داخل هذا الشيء ولا خارجه، بل إما أن يكون داخله وإما أن يكون خارجه؛ ولهذا فإن بطلان هذا القول لا شك فيه؛ لأنه قول يتضمن أمراً مستحيلاً.
وبهذا يتبين بطلان دعواهم تلك، وأن ما قاله السلف رحمهم الله تعالى مما هو مستدل عليه بالأدلة الكثيرة هو المنهج الحق.
стр. 121
الرد على شبهة استلزام إحاطة السماء بالأرض أنه الجهات كلها علو
وهنا قضية أحب أن أشير إليها في مسألة العلو؛ لأن بعض الناس سألني عنها في أكثر من مناسبة، ولأنه قد يقع في النفس منها شيء، ألا وهي كروية الأرض.
فبعضهم يقول: إن الأرض كروية، وسواء كنت هنا أو في أوروبا أو في أمريكا أو في جهة اليابان فإن السماء من فوقك، فمعنى ذلك أنك إلى أي جهة اتجهت فأنت تتجه إلى السماء.
فنقول: نعم، بالنسبة للسماء والأرض ليس هناك جهات، وإنما هناك جهتان: (فوق وتحت) وأما بالنسبة لنا ونحن على الأرض فعندنا ست جهات: (أمام، وخلف، ويمين، وشمال، وفوق، وتحت) .
فبالنسبة للسماء والأرض لو أن واحداً علق في السقف وصار رأسه تحت ورجلاه فوق فإنا نقول: السماء فوقه، ولو أن واحداً مضطجع نقول: السماء فوقه، وإذا كان نائماً على الجهة اليسرى أو على الجهة اليمنى نقول أيضاً: السماء فوقه.
إذاً: على كل حال ليس هناك إلا فوق أو تحت، والله هو فوق وليس تحت.
قد يقول قائل: إذاً لو خرقنا في الأرض وانتهينا إلى الطرف المقابل فإننا ننتهي إلى جهة.
نقول: نعم، لو خرقت وانتهيت إلى الطرف المقابل فإنك ستخرج إلى الجهة المقابلة وتتجه إليها.
قد يقول قائل: إذاً معنى ذلك أنني إذا اتجهت إلى أي جهة فإنني اتجه إلى الله .
فنقول له: هنا فرق، فما دام أنه ليس هناك إلا جهة فوق أو تحت فأنت في أي مكان على الأرض إما أن تطلب الله فوق، أو أن تطلبه تحت (وهو الذي يؤدي إلى مركز الأرض) ، وليس هناك جهة أخرى، والمعلوم أن الله فوق السماوات، وأنه محيط بكل شيء عليم خبير.
إذاً: مقتضى هذا أن نؤمن -في أي مكان كنا على الأرض- بأن الله فوقنا.
стр. 122
إحاطة السماء بالأرض لا تستلزم أن يكون الله في كل جهة
وهنا أحب أيضاً أن أشير إلى مسألتين: الأولى منهما: قد يقول قائل: أنا حينما أتجه جهة الأمام فأنا أتجه إلى جهة السماء، ولو اتجهت إلى الأرض مخترقاً الأرض فأنا أيضاً أتجه إلى جهة السماء.
فنقول له: أنت حينما تطلب أمراً تأتيه من أقرب الطرق إليه، فالإنسان مفطور على ذلك، فهذا الذي يتجه إلى هذه الجهة يطلب ربه في السماء مثل ذلك الذي أراد أن يحج من الرياض -مثلاً- فقال: أذهب إلى دمشق ثم أذهب إلى مكة! فنقول له: حينما تذهب إلى دمشق ثم تتجه إلى مكة ستصل إلى مكة، لكن ستوصف بالجنون أو ضعف العقل؛ لأن الذاهب إلى مكة يجب أن يذهب إليها من أقرب الطرق إليها، ولما كان الله العليم الخبير، وهو سبحانه معبودنا وإلهنا نحبه ونتوجه إليه، فإننا نبحث عن أقرب الطرق إليه، وبحثنا عن أقرب الطرق إليه إنما يكون بأن نتجه إلى السماء في جهة العلو، فمن طلبه متفلسفاً بطرق معينة فهو شبيه بمن يريد أن يذهب من الرياض إلى مكة عن طريق المغرب أو عن طريق أفغانستان أو غير ذلك.
إذاً: ونحن على الأرض نطلب ربنا في السماء، ولا يأتي إنسان ويطلب ربه في جهة أخرى زاعماً أنه يمكن أن يصل إلى هذا الأمر بطريقة معينة، وإنما يطلبه من أقرب الطرق إليه.
стр. 123
إحاطة السماء بالأرض لا تقتضي إحاطة الله بمخلوقاته
الثانية: أن القول بأن السماء محيطة بالأرض لا يقتضي أن يكون الله بذاته محيطاً بمخلوقاته كما ادعى أهل الضلال الذين يكيفون ذات الله .
وإنما نقول: إن هذه الأرض ما هي إلا ذرة صغيرة في الكون تحيط بها ملايين المجرات، وتحيط بها السماوات وفوق السماوات عرش الرحمن ، والله فوق العرش وهو أعظم منها، ولايقدر قدره إلا الله ، وقد أخبرنا أنه يقبض السماوات بيمينه، قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر:٦٧] ، فإذا كانت هذه السماوات وهذه المجرات وما يتبعها مطويات بيمينه، فلا يتصور أحد أن الأرض تحيط بها السماء من كل جانب، وأن الله له ذات، وهذه الذات بشكل كيت وكيت وهي تحيط بالمخلوقات.
وإنما الواجب أن يعلم المرء أن الله على العرش استوى، وهذه الأرض وما حولها كلها حقيرة بالنسبة له .
ومن ثمَّ فلا يلزم ذلك اللازم الباطل، ولهذا شبه بعض علماء السلف رحمهم الله تعالى تشبيهاً في هذه المسألة يوضحها فقال: لو أن نسراً طار في السماء، وأمسك برجله شعيرة، فهذه الحبة بالنسبة للنسر تحته، فهل يقتضي هذا أن يكون هذا النسر على هذا النحو محيطاً بالحبة؟ لا يلزم، ولله المثل الأعلى.
وقد أخبرنا الله أن السماوات والأرضين كلها مقبوضة بيد الرحمن ﵎، وعلى هذا فهي لا تساوي شيئاً، كما ورد في الحديث: (ما السماوات السبع والأرضون السبع في يد الرحمن إلا كخردلة في يد أحدكم) .
إذاً: الفهم الخاطئ في هذا الأمر نشأ من قصور العقل، ونشأ من التشبيه؛ حيث ظن الإنسان أن الله مثلما نقول: فلك أو جبل أو نحو ذلك، ثم قاس الله بها، فإذا كانت السماوات بملايين المجرات في يد الرحمن كخردلة في يد أحدهم، فكيف يتصور أحد ذلك التصور الساذج؟! بل نقول: سبحانك يا إلهنا ما أعظمك! وما عبدناك حق عبادتك، ونؤمن بالله وبأسمائه وصفاته، ولا يخطر ببالنا أي شيء من هذا الأمر.
فالإيمان الصحيح بالله وأسمائه وصفاته وعظمته يجعل الإنسان يعبد رباً عظيماً رحيماً قديراً خبيراً أحاط بكل شيء علماً، يعبد رباً على العرش استوى استواءً يليق بجلالته وعظمته، يعبد رباً لا تساوي هذه المخلوقات بالنسبة له شيئاً، وإذا آمن بذلك أيقن يقيناً تاماً أنه لا يمكن أن يكون الله إلا في جهة العلو، وأن أي اعتقاد عدا ذلك من حلول كامل أو حلول محدد بشخص أو مكان، أو القول بإن الله لا داخل العالم ولا خارجه أو نحو ذلك، ما هو إلا دوران حول أنواع من الشرك بالله، نسأل الله السلامة والعافية.
стр. 124
كروية الأرض وعدد الاتجاهات بالنسبة لها
стр. 125
شرح أثر مالك بن أنس: (الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول)
ثم قال المصنف رحمه الله تعالى أيضاً: [سئل الإمام مالك بن أنس رحمه الله تعالى، فقيل: يا أبا عبد الله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] ، كيف استوى؟ فقال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، ثم أمر بالرجل فأخرج] .
الإمام مالك ولد سنة (٩٣ هـ) ، وتوفي سنة (١٧٩ هـ) ، والإمام مالك رحمه الله تعالى عاصر بعض البدع التي وجدت في عهده، فدخل عليه في أحد الأيام رجل وهو في المسجد في الحلقة، فقال: يا أبا عبد الله!: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] ، كيف استوى؟ إذاً: عندنا أمران: الأمر الأول: أن السائل يعلم بأنه ورد في القرآن إثبات الاستواء، وأنه دل عليه قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] .
الثاني: أن السؤال إنما هو على الكيفية؛ لأنه قال: كيف استوى؟ ونحن نقول هذا الكلام لأن جواب الإمام مالك فسره المخالفون لأهل السنة والجماعة تفسيراً خاطئاً، فالإمام مالك قال: (الاستواء غير مجهول) وفي بعض الروايات أنه قال: (الاستواء معلوم، والكيف مجهول) ، وهنا قال: (والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة) .
فالإمام مالك قال: (الاستواء غير مجهول) يعني أن معنى الاستواء كما نفقهه، ونحن خوطبنا باللغة العربية، فهذا الاستواء معلوم لنا غير مجهول، لكن ما هو الشيء الذي نجهله ولا نعقله؟
الجواب
هو الكيف، لأننا لا نعلم كيف الله فكذلك لا نعلم كيف صفاته .
وبعض الذين ينكرون استواء الله ويتأولونه بالاستيلاء يجيبون عن هذا ويقولون: إن قول الإمام مالك: (الاستواء معلوم) يعني أنه مذكور في القرآن، فنقول لهم: لو كان قصد الإمام مالك أن الاستواء مذكور في القرآن لاكتفى بكلام السائل؛ لأن السائل أولاً قال: يا أبا عبد الله ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] كيف استوى؟ ولكان قوله: (الاستواء معلوم) كلاماً لا قيمة له، ولكن السائل سيقول: أنا ما سألتك إلا وأنا أعلم أن الاستواء مذكور في القرآن، لكن أراد الإمام مالك إثبات وبيان قضية منهج السلف رحمهم الله تعالى، ألا وهي أن الاستواء معلوم، أي: نحن نعلم معنى الاستواء بما خوطبنا به في اللغة العربية؛ فإنه بمعنى: علا، وارتفع، واستقر، وصعد، هذه هي الألفاظ الواردة عن السلف رحمهم الله تعالى، وعلى هذا فإن الاستواء معلوم، وأما كونه مذكوراً في القرآن فهذا أمر بدهي، ولا يمكن أن يغفل عنه الإمام مالك، والسائل نفسه ذكر أن سؤاله إنما هو عن الكيفية، والكيفية غير معقولة.
وهذا هو منهج السلف رحمهم الله تعالى؛ فإنهم يثبتون الصفات لله إثباتاً حقيقياً، ويثبتون ما دلت عليه من معانٍ، ويقولون: إن الكيفية لا يعلمها إلا الله .
وقوله: (والإيمان به واجب) ، أي: أن إثبات الاستواء على منهج السلف الصالح رحمهم الله تعالى واجب، ولا يجوز تأويله.
وقوله: (والسؤال عنه بدعة) ، أي أن السؤال عن كيفية الاستواء بدعة، وليس المقصود به السؤال عن إثبات الاستواء؛ لأنه ورد عن النبي ﷺ حديث قال فيه: (إذا ذكر القدر فأمسكوا، وإذا ذكر أصحابي فأمسكوا) ، فهل معنى ذلك ألا نتكلم عن الإيمان بالقدر، ولا نتكلم عن فضل الصحابة؟ الجواب: لا، وإنما المقصود أنه إذا ذكر القدر وخاض فيه الخائضون بالباطل فلا نتكلم، وإنما نكل الأمر إلى الله ، لكن إثبات الإيمان بالقدر أصل من الأصول؛ بل هو ركن من أركان الإيمان، قال فيه النبي ﷺ (وتؤمن بالقدر خيره وشره) .
إذاً: قوله هنا: (أمسكوا) أي: عن الخوض فيه بالباطل، وهكذا ذكر الصحابة، هل معنى ذلك أننا لا نذكر الصحابة بشيء أبداً؟ الجواب: لا، وإنما المقصود أنه إذا ذكر الصحابة وتكلم فيما وقع بينهم كما هو ديدن كثير من أهل البدع، فيجب علينا أن نمسك، وألا نخوض في ذلك، وأن نكل ما جرى بينهم إلى الله ، كما سيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى.
وقوله: (ثم أمر بالرجل فأخرج) ، أي: أن الإمام مالكاً أمر بهذا الرجل فأخرج تأديباً له وتعليماً لأصحابه؛ لأن أهل البدع يجب ألا يمكنوا من نشر بدعهم، وهذا هو منهج السلف الصالح، فبعض الناس يظن أن فتح الحوار يدل على منهج علمي واقعي، وأنه ينبغي أن يفتح الإنسان الحوار لكل من هب ودب، فمن كان من هؤلاء من أهل البدع فإنه حينما يكون هناك قدرة للمتمسكين بمنهج أهل السنة والجماعة فيجب عليهم ألا يتهاونوا، فـ عمر ﵁ وأرضاه ما ترك صبيغ بن عسل يتكلم بالمتشابهات، وإنما أتى له بعراجين النخل وضربه حتى قال: والله يا أمير المؤمنين لقد ذهب عني الذي أجد.
لكن إذا وجدت البدعة وابتلي بها المسلمون، ولم يكن للمسلمين من أهل السنة والجماعة قدرة على منع الخوض فيها، فحينئذ تشرع مناقشتهم لا أن نفتح نحن الحوار ونقول: تعالوا لنشر بدعكم؛ وذلك لأن البدعة قد يصوغها صاحبها ولا يستطيع الجواب عنها، فتثير في النفس شكاً وريبة، فكيف إذا كان هذا يقع عند المتعلمين؟ فكيف بالعوام؟ وكيف بالنساء؟ وكيف بغيرهم؟ فمثلاً: لو أن إحدى البدع تقام في التلفزيون، ويشاهدها الأطفال والنساء وغيرهم، ونقول لصاحبها: نفتح معك الحوار، وهذا يصلح وهذا يرد، فهذا لا شك أنه سيؤدي إلى بلاء قذر.
فمنهج السلف الصالح رحمهم الله تعالى هو بيان الحق وبيان العقيدة بأدلتها؛ حتى تؤمن النفس ويصفو إيمانها، ولا يخوضون في ذلك إلا عند الضرورات وعند الحاجة، وحينما يكون هناك خطر لا يمكن رده إلا بالنقض والبسط، كما فعل أئمة السلف رحمهم الله تعالى في القرن الثالث والرابع وما بعدهما.
стр. 126
الكلام على صفة الكلام
стр. 127
إثبات صفة الكلام لله
ثم قال رحمه الله تعالى: [ومن صفات الله تعالى: أنه متكلم بكلام قديم، يسمعه منه من شاء من خلقه] .
وهنا بدأ المصنف يتكلم عن إثبات صفة الكلام لله، وقد ذكر قبل ذلك بعض الصفات، وأعقبها بصفة العلو والاستواء، ثم ذكر كلام الله .
فمن صفات الله تعالى أنه متكلم بكلام قديم، ولفظة (قديم) يرى بعض العلماء أنه لم يرد وصف الله بالقدم؛ لأن القديم في اللغة العربية هو المتقدم على غيره، والله ليس له غير حتى يقال: إنه متقدم عليه، ومن ثمَّ قالوا: إن الأولى وصفه تعالى بالأزلي، والأصح منه أيضاً الاسم الشرعي (الأول الذي ليس قبله شيء) لكن ورد في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ في سنن أبي داود أنه قال: (من قال حين يدخل المسجد: أعوذ بالله العظيم وسلطانه القديم) ، وهذا يدل على أن القديم قد يستعمل أحياناً مرادفاً للأزلي.
وقوله: (إنه متكلم بكلام قديم) ، أي: أزلي، وأهل السنة والجماعة يثبتون لله صفة الكلام على ما يليق بجلاله وعظمته؛ لكنهم يقولون: إن كلامه ﵎ قديم النوع حادث الآحاد؛ لأن الكلام من صفات الأفعال، أي أنه ﵎ يتكلم إذا شاء متى شاء، وهو يتصف بصفة الكلام أزلاً، وهو يتكلم بإرادته ومشيئته؛ ولهذا قال العلماء: هو قديم النوع حادث الآحاد، فقولهم: (قديم النوع) أي أن الله متصف بهذه الصفة في الأزل، وقولهم: (حادث الآحاد) أي أن الله يتكلم إذا شاء متى شاء.
стр. 128
بيان مذهب المعتزلة والأشاعرة في الكلام
وهذه الصفة أثبتها السلف رحمهم الله تعالى، وأثبتها الأشاعرة؛ لأنهم يثبتون سبع صفات ومنها صفة الكلام، لكن إثبات السلف رحمهم الله تعالى لها هو إثبات حقيقي، أما إثبات أولئك لها فهو مخالف لما دلت عليه النصوص.
وحتى نبين مذهب السلف في كلام الله فإننا نذكر قول المعتزلة وقول الأشاعرة؛ لأن هذه القضية هي التي بني عليها القول بخلق القرآن، فعند المعتزلة أن كلام الله تعالى هو شيء منفصل عنه، فهو مخلوق، فهم يقولون: إن الله لا تقوم به صفة الكلام، ولهذا قالوا: إن هذا الكلام وهذا القرآن من جنس مخلوقاته؛ فكما أنه خلق السماوات والسماوات منفصلة عنه، كذلك أيضاً تكلم بالقرآن والقرآن مخلوق منفصل عنه، ومن ثمَّ قالوا: القرآن مخلوق؛ لأنهم لا يثبتون لله صفة الكلام التي تقوم به ﵎؛ هذا مذهب المعتزلة.
والأشاعرة في مقابل ذلك قالوا: نثبت لله صفة الكلام، لكن الكلام هو الكلام النفسي القائم بذاته، ولا ينفصل عنه.
إذاً: هما قولان متضادان، فالمعترلة يقولون: لا تقوم به صفة الكلام، وكلامه من جنس مخلوقاته، فهو مخلوق منفصل عنه، والأشاعرة يقولون: الله تقوم به صفة الكلام، وكلامه لا ينفصل عنه، أي أن الله يتصف بصفة الكلام أزلاً، وأن كلامه قائم بذاته، وأن الكلام هو ما قام بالنفس فقط، ومن ثمَّ قالوا: إنه بغير حرف وبغير صوت، وعلى هذا فالكلام عندهم هو الكلام الذي في داخل النفس، كما يقال: خواطر النفس، لكن ليس هناك كلام بحرف وصوت مسموع، فجعلوا هذا الوصف لله .
стр. 129
الرد على الأشاعرة في كلام الله
لو قيل للأشعرية: إذا قلتم إن الكلام يقوم بالله لا ينفصل عنه، فهذا المصحف ماذا تقولون عنه؟ قالوا: هذا المصحف ليس كلام الله! وإنما هو عبارة عن كلام الله أو حكاية عن كلام الله، أي أنه نوع من الإلهام عبر عنه جبريل بهذا المصحف، بل بعضهم قال: عبر عنه محمد! ونحن نطعن في المستشرقين وغيرهم من المبشرين الذين يقولون: إن القرآن من محمد، بينما بعض هؤلاء المتكلمين من الأشاعرة يقول: القرآن كلام محمد عبر به عن كلام الله.
قيل لهم: هل هناك فرق بينكم وبين المعتزلة، فالمعتزلة يقولون هو مخلوق، وأنتم أيضاً تقولون إنه من كلام محمد؟ قالوا: نعم، القرآن العربي في جانب منه مخلوق، وهو كونه بهذه اللغة العربية، أو بالنسبة للتوراة باللغة العبرانية، أو الإنجيل باللغة السريانية، فهذه كلها مخلوقة لأنها ليست هي كلام الله، وإنما كلام الله هو القائم بذاته الذي لا ينفصل عنه، فقيل لهم: إذاً: ليس بينكم وبين المعتزلة فرق.
وأهل السنة والجماعة -وهم الوسط- وفقهم الله لسيرهم على المنهاج الحق بأن قالوا القول الحق في هذه المسألة؛ فقالوا: القرآن هو كلام الله تعالى تكلم به، والله يتكلم إذا شاء متى شاء، ومن كلامه القرآن، فيثبتون الكلام القائم بذاته، ويثبتون لله ما ورد الدليل على أنه كلام الله مثل القرآن؛ ولهذا فإن أهل السنة والجماعة يقولون: إن الله متصف بصفة الكلام أزلاً، وإنه ﵎ كلم موسى في ذلك الوقت الذي وجد فيه موسى لما كان بجانب الطور.
والأشاعرة قيل لهم: ماذا تقولون في كلام الله لموسى؟ قالوا: كلمه بكلامه الأزلي القائم بذاته، قيل لهم: فلماذا موسى؟ قالوا: سمع كلام الله الأزلي القائم بذاته! وهذا الذي قالوه لا يعقل أبداً، وهم إنما قالوا هذا لأنهم لا يثبتون أن الله يتكلم إذا شاء متى شاء، وعندهم أن كلام الله لا ينفصل عنه أبداً، وإنما هو الكلام الأزلي.
ومن قول أهل السنة أن الله يتكلم، وكلامه تسمعه الملائكة ويبلغونه، ويكتب أحياناً في الصحف، ويكتب في اللوح المحفوظ، وهذا القرآن هو كلام الله، وهو مكتوب في المصاحف؛ ولهذا فإن الكلام إنما هو لمن تكلم به مبتدئاً، فالقارئ للقرآن يتلو القرآن بصوت، لكن المقروء كلام الله تعالى، ولو جاء واحد -مثلاً- وقرأ علينا معلقة امرئ القيس، فهل نقول: هذا هو الذي قال معلقة امرئ القيس أو نقول: المعلقة للشاعر امرئ القيس، وهذا نقلها إلينا أو قرأها علينا أو نحو ذلك؟ فالكلام هو لمن قاله مبتدئاً، والله تكلم بالقرآن، وهذا القرآن نقله جبريل وتلقاه محمد ﷺ ، وتلقاه الصحابة وكتبوه، فهو كلام الله .
إذاً: القضية هنا هي إثبات صفة الكلام لله، وأن الله متصف بصفة الكلام أزلاً، وأنه يتكلم إذا شاء متى شاء، فكلم آدم في وقت خلق آدم، وكلم موسى في وقت وجوده، وكلم محمداً في وقت وجود محمد ليلة المعراج، ويكلم أهل الجنة يوم القيامة حينما يدخلون الجنة، فالآن لو فرضنا أن ثلاثة أشخاص: الأول منهم أخرس لا يتكلم، والثاني: يهذي ليلاً ونهاراً لا يكل، والثالث: عنده قدرة على الكلام لكن يتكلم إذا شاء متى شاء، فأي الثلاثة أكمل؟ فالأول الأخرس وقد نتفق على أنه متصف بصفة نقص؛ لأنه لا يتكلم، لكن إذا جاءنا واحد وقال: هذا المهذار الذي يتكلم ليلا نهاراً أحسن من ذلك الذي يتكلم مرة ويسكت، فنقول: لا، فإنه لا شك أن الأكمل هو الذي يتكلم إذا شاء، هذا بالنسبة للمخلوق، ولله المثل الأعلى.
وقد دلت النصوص المتكاثرة على أن الله متصف بصفة الكلام، وأنه يتكلم إذا شاء متى شاء، وأن من كماله ﵎ أنه كلم موسى في هذا الوقت الذي كان فيه موسى بجانب الطور، كلاماً سمعه موسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام، أما القول بأنه لا يتكلم فهذه صفة نقص، والقول بأنه لا يتكلم بمشيئته وإرادته هذه أيضاً صفة نقص، والله منزه عن النقائص، ومن صفات الله تعالى أنه متكلم بكلام قديم النوع حادث الآحاد، يسمعه منه من شاء من خلقه، فإذا أراد الله كلم عباده فيسمعهم كلامه.
стр. 130
بيان أن كلام الله يسمع
ثم مثل المصنف ﵀ بقوله: [سمعه موسى ﵇ منه من غير واسطة] .
وهذا دل عليه نص القرآن العظيم، في قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤] وجاءت الآية بصفة التأكيد، وبعض أهل البدع أراد أن يجد قارئاً يقرأ بنصب لفظ الجلالة، أي: (وكلم اللهَ موسى) ؛ حتى يثبت أن موسى هو فاعل الكلام، يريد بهذا أن ينفي عن الله صفة الكلام، فقال له إمام من أئمة القراء من أهل السنة: هب أننا قرأنا بنصب لفظ الجلالة، فلماذا سنصنع بقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف:١٤٣] ؟ فبهت المبتدع، لأنه ليس هناك خيار إلا أن يحذف الآية، أو يقول: فيها تقديم وتأخير، أما أن يأتي بضمة بدل فتحة أو نحو ذلك ويحل بها المشكلة، فهذه الآية لا تحتمل ذلك.
ثم قال: [وسمعه جبريل ﵇، ومن أذن لهم من ملائكته ورسله] .
وهذا أيضاً ثبت في الأحاديث الصحيحة، ومنها ما رواه مسلم في صحيحه عن النبي ﷺ وفيه: (ولكن ربنا إذا قضى أمراً سبح حملة العرش، ثم يسبح أهل السماء الذين يلونهم، حتى يبلغ التسبيح أهل السماء الدنيا، فيقول الذين يلون حملة العرش لحملة العرش: ماذا قال ربكم؟ فيخبرونهم) ، فهذا يدل على أن جبريل والملائكة يسمعون كلام الله .
إذاً: هو ﵎ يتكلم بكلام مسموع، وأيضاً رسل الله سمعوا كلامه، كما في قصة موسى، وكما في قصة محمد ﷺ ، فإن الله كلمه كفاحاً ليلة المعراج، كما في الصحيحين وغيرهما.
стр. 131
إثبات تكليم الله للمؤمنين في الآخرة
ثم قال: [وأنه سبحانه يكلم المؤمنين في الآخرة ويكلمونه] .
وهذا أيضاً ورد فيه أحاديث كثيرة في الصحيحين وغيرهما عن النبي ﷺ ، منها: (يقول الله لأهل الجنة: يا أهل الجنة! فيقولون: لبيك وسعديك) إلى آخر الحديث، فهذا نص على أن الله يخاطب أهل الجنة، ويكلمهم ويكلمونه، وهذه أحاديث صحيحة صريحة دالة دلالة قاطعة على ما ذكرناه.
ثم قال: [ويأذن لهم فيزورونه] .
ورد في حديث عن النبي ﷺ أنه قال: (إن أهل الجنة إذا دخلوا فيها نزلوا بفضل أعمالهم، ثم يؤذن لهم في مقدار يوم الجمعة من أيام الدنيا فيزورون ربهم) ، رواه الترمذي وابن ماجة، لكنه حديث ضعيف، إنما الثابت: أن إن الله يكلم أهل الجنة ويكلمونه، وهذا ورد في الأحاديث الصحيحة عن النبي ﷺ .
стр. 132
أدلة إثبات صفة الكلام لله جل وعلا من القرآن
ثم ذكر المصنف الأدلة على ذلك فقال: [قال تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤]] .
وقوله: (تكليماً) مصدر مؤكد أن هذا التكليم حقيقي.
ثم قال: [وقال سبحانه: ﴿يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي﴾ [الأعراف:١٤٤]] .
هذا يدل على أن الله كلمه بكلام مفهوم سمعه: أني اصطفيتك واخترتك على الناس برسالاتي وبكلامي.
وهذا يدل على أمرين: الأمر الأول: أن الله كلمه بذلك وقال له: ﴿يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ﴾ [الأعراف:١٤٤] .
الأمر الثاني: أن الله اصطفاه برسالته، واصطفاه بكلامه، ولهذا سمي موسى كليم الله .
وقد ذكرنا أن العلم عند الله في سبب تسمية موسى كليم الله، مع أن الله كلم محمداً، وكلم آدم، لكن الله كلم موسى على الأرض، وهو على طبيعته البشرية، بخلاف تكليم الله لآدم فإنه كان وهو في السماء، وتكليم الله لمحمد كان عند أن عرج بروحه وجسده إلى السماء، أما تكليمه لموسى فكان وهو على الأرض، ولعل هذه خصوصية لموسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والتسليم.
ثم قال: [وقال سبحانه: ﴿مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٥٣]] .
يعني: الرسل، فهذه الآية هي عن رسل الله : ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٥٣] ، وهذا واضح.
ثم قال: [وقال سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الشورى:٥١]] .
قوله: (إِلَّا وَحْيًا) المقصود به في هذه الآية كلام الله مباشرة؛ لأنه قال: ﴿أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا﴾ [الشورى:٥١] ، ثم قال بعد ذلك ﴿أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ [الشورى:٥١] ، فهذه التقسيمات الثلاثة تدل على أن قوله: ((إِلَّا وَحْيًا)) هو تكليم الله لعبده مباشرة.
ثم قال: [وقال سبحانه: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى * إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾ [طه:١١-١٢]] .
قوله: ((فَلَمَّا أَتَاهَا)) ، أي النار (نُودِيَ) ، والنداء لا يمكن أن يكون إلا بصوت، والذي ناداه وكلمه هو الله ، وهذه الآية نص صريح في إثبات كلام الله لموسى، وأن كلامه له بصوت سمعه موسى.
ثم قال: [وقال سبحانه: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ [طه:١٤] وغير جائز أن يقول هذا أحد غير الله] .
أي: من تكليم الله لموسى أنه قال: ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ [طه:١٢] ، وأيضاً من تكليم الله له أنه قال: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ [طه:١٤] .
وبعض الذين تأولوا صفة الكلام لله يقول: إن الذي كلم موسى ملك، أو إن الشجرة هي التي سمع منها الكلام، وهذا التأويل باطل، ودليل بطلانه أنه لا يمكن أن تقول الشجرة: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ [طه:١٤] ، أو يقول الملك: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ [طه:١٤] ، ولو كان كلام الملك أو الشجر لقال: إنه هو الله فاعبده، أو إن ربك الله فاعبده، لكن أن يقول: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ [طه:١٤] فهذا نص صريح على أن هذا كلام الله جل وعلا، وقد ذكر هذا الدليل ابن قدامة نفسه في قوله: (وغير جائز أن يقول هذا أحد غير الله) .
ونكتفي بهذا، ونسأل الله أن يوفقنا، وأن يهب لنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
стр. 133
الأسئلة
стр. 134
سبب وقوع الأشاعرة في الخطأ في صفة الكلام لله
السؤال
ما هي العلة التي بسببها أنكر الأشاعرة والمعتزلة صفة الكلام لله ؟ وهل كان إنكارهم بدليل معين، أم يرون دليلاً عقلياً، كقولهم: إن صفة الكلام نقص فلا يجب أن نصف الله تعالى بها؟
الجواب
الأشاعرة لا ينفون صفة الكلام، بل يثبتون لله صفة الكلام، وإنما وقعوا في الخطأ من جهة فهمهم للكلام حين خصصوه بالكلام النفسي، أما المعتزلة فهم الذين نفوا صفة الكلام عن الله ، ونفيهم لهذه الصفات -ومنها صفة الكلام- إنما كان بسبب شبه عقلية، وإلا فالنقل يرد عليهم من أوله إلى آخره، ومن شبههم العقلية: الخوف من تشبيه الله بخلقه، والخوف من تعدد القدماء؛ لأنه إذا قيل إن الله متصف بصفة الكلام وغيرها من الصفات ظنوا أنه يستلزم التشبيه.
стр. 135
فساد القول بأن الله لا داخل العالم ولا خارجه
السؤال
قد يقول قائل: إذا لم يكن الله خارج العالم ولا داخله، فإن ذلك يقتضي أن الله بينهما، فكيف نرد عليه؟
الجواب
هذا الكلام غير صحيح؛ فقولهم لا داخل العالم ولا خارجه مستحيل؛ بل إما أن يكون خارج العالم، وإما أن يكون داخل العالم، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً! وأهل السنة والجماعة يقولون: إن الله متصف بصفة العلو، فهو ﵎ وتقدس بائن من خلقه.
стр. 136
لا يسمى الله بالدهر
السؤال
هل من أسماء الله تعالى الدهر؛ لأنه ورد في الحديث: (لا تسبوا الدهر؛ فإني أنا الدهر) ؟
الجواب
الدهر ليس من أسماء الله تعالى على القول الصحيح؛ لأن الدهر هو الزمان، والدليل على ذلك ما ورد في نفس الحديث؛ فإنه قال: (فإني أنا الدهر؛ بيدي الليل والنهار، أقلبهما كما أشاء) ، ولو أن القول بأن الله هو الدهر صحيح لكانت نسبة الأمور التي تقع إلى الدهر صحيحة.
لكن لماذا قال: (يؤذيني ابن آدم؛ يسب الدهر، وأنا الدهر) ؟ الدهر ليس اسماً من أسماء الله ، وإنما يسب الإنسان الزمان فينتقل السب إلى خالق الزمان وموجد الزمان، وهو الله ؛ لأنه ﵎ هو الذي بيده كل شيء.
стр. 137
الخلاف حول مسألة رؤية النبي ﷺ لربه ليلة المعراج
السؤال
هل نقول إن الله تعالى لما كلم محمداً ﷺ ، فإن محمداً رأى الله ؟
الجواب
لا؛ لأن مسألة الرؤية غير مسألة الكلام، فأهل السنة يثبتون الكلام، ويثبتون أن محمداً ﷺ كلمه ربه بلا واسطة، لكن مسألة الرؤية هذه فيها خلاف، والقول الصحيح أن الرسول ﷺ لم ير ربه بأم عينيه، وإنما رآه بفؤاده؛ ولهذا لما سئل: هل رأيت ربك -كما في الحديث الصحيح- قال: (نور أنى أراه) ، وفي رواية قال: (رأيت نوراً) ، فهذا دليل على أنه لم ير الله، وإنما رأى حجابه النور، وهذا هو القول الصحيح.
стр. 138
أقسام الوحي
السؤال
بما أن القرآن كلام الله ، وأنه وحي من الله لنبيه ﷺ ، فكيف كان يأتي بواسطة جبريل ﵇؛ إذ إن مقتضى الوحي أن يكون من الله سبحانه لرسوله مباشرة؟
الجواب
بل مقتضى الوحي هو كما أخبر الله بقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ [الشورى:٥١] ، فالوحي ينقسم إلى هذه الأقسام: إما أن يكلمه الله مباشرة، أو يكون من وراء حجاب، أو يرسل الرسول، وكل ذلك يسمى وحياً؛ ولهذا فإن الله يوحي أحياناً لعباده مباشرة كما كلم موسى ومحمداً ﷺ ، وأحياناً يكون عن طريق الملك جبريل ﵊، ولا يقتضي هذا أن يقال: إنه ليس بوحي، بل هو وحي.
стр. 139
الجواب عمن يستشكل صفة النزول بانتقال الليل على مدار الزمان
السؤال
يقال إن ثلث الليل يكون مستمراً على الكرة الأرضية، فكيف نجيب عن نزول الله ؟ وهل يكون الله نازلاً في جميع الأوقات؟
الجواب
سبق أن أجبنا عن هذا، وقلنا إن الله لا يقاس بخلقه، فنحن نقطع بأن الله ينزل على أهل كل بلد وأهل كل مكان حين يبقى ثلث الليل الآخر، حتى ولو كان هناك آخرون بعد ساعة لهم ثلث الليل؛ لأن الله لا يقاس بخلقه، وليس نزوله كنزول المخلوقين، وكما ضربنا مثلاً: لو قال قائل: كيف يسمع الله دعاء الناس له يوم عرفة، وقد اجتمع أكثر من مليون شخص على مختلف اللغات؟ فالإنسان لا يستطيع أن يسمع أكثر من واحد، لكن كيف يستمع الله إلى مليون؟ بالنسبة لنا نحن البشر لا نستطيع أن ندرك ذلك، لكن نؤمن بأن الله يسمعهم جميعاً، كما أنه يوم القيامة يجتمع آلاف الملايين، وليس مليوناً، ومع ذلك يحدثهم الله جميعاً في ساعة، كل واحد منهم يكلمه ربه ويحاسبه وحده، كما قال ﷺ : (ما منكم من أحد إلا وسيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان) ، فكيف يتم هذا؟! قد يقول العقل: لا يتم هذا، لكن الله ﵎ هو العظيم، ولا يقدر قدره ولا قدر صفاته إلا هو ، وكل الخطأ ناشئ من قياس الله بخلقه، والله ﵎ لا يقاس بخلقه، هذا هو الصحيح.
стр. 140
المتكلمون لا يمسكون عن تحديد المكان لله تعالى
السؤال
أليس قول القائلين: لا داخل العالم ولا خارجه يقتضي أنهم يمسكون عن الخوض في ذلك؟
الجواب
هم ما قالوا: نمسك، وإنما قالوا: نقطع بأن الله لا داخل العالم ولا خارجه، فنقول لهم: هذا كلام غير صحيح وفضول لم يرد به الشرع.
стр. 141
منهج السلف في رد الشبهات
السؤال
كيف يكون ذكر الشبه والرد عليها؟ وهل لها ضابط؟ وماذا تعرف عن كتاب (شبهات حول الإسلام) لـ محمد قطب؟
الجواب
منهج السلف رحمهم الله تعالى عدم ذكر الشبهات؛ لأن الشبهة أحياناً تستقر في الذهن، ولا يستقر في الذهن الجواب عليها.
وأما كتاب (شبهات حول الإسلام) لـ محمد قطب فـ محمد قطب في كتابه (شبهات حول الإسلام) يرى أنه كان هناك شبه في أيام الاستعمار، فكتب هذا للدفاع عن الإسلام، أما الآن فإن الإسلام ليس بحاجة إلى الدفاع عنه، وهذا في الحقيقة يجب أن يكون منهج المسلمين في كل وقت، فلا يستهينون بدينهم، وإيمانهم، وعقيدتهم، بل الواجب عليهم أن يعتزوا بها.
ومن ثمَّ فإن هذا المنهج غير صحيح، لكن إذا صارت القضية منتشرة فترك الشبهة حتى تستقر في النفوس، ثم تختلج ويبحث عن الجواب عنها لا يكون مناسباً، فمثلاً: في مسألة العلو قد ذكرنا شبهتين من شبه أولئك، وما قلناها إلا لأن كثيرين سأل عنها، ولأنني ما طرحت هذه القضية في محاضرة أو درس إلا وجاءني أربعة أو خمسة يسألون عن هذه القضية؛ لأنهم سبق أن نوقشوا فيها، فنحن ذكرناها لذلك، ولم نكن نقصد أن نذكر الشبهة وندافع عنها، وإلا فلو أننا استقصينا شبههم، لعدت بالمئات ولا أقول: بالعشرات، ولأفنينا أعمارنا في ذكرها والجواب عنها، لكن ذكرنا أبرز القضايا التي تعلق في الذهن، خاصة في العصور المتأخرة لما علمت كروية الأرض، وصارت معلومة لدى الجميع، فصارت مثل هذه الشبهة تأتي عند بعض الناس، ويتكلم عنها، فنحن نجيب عنها كما أجاب عنها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في كتبه التي تحدث فيها عن هذه القضية؛ لأنها كانت موجودة في زمنه، وأثارها المخالفون من أهل الكلام ومن غيرهم، وإلا فإن منهج السلف الصالح رحمهم الله تعالى واضح كل الوضوح.
والله أعلم.
وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 142
شرح كتاب لمعة الاعتقاد [٧]
القرآن كلام الله غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود، تحدى الله ببلاغته العرب الفصحاء فعجزوا، بل تحداهم أن يأتوا ببعضه فأبلسوا، بل وتنزل معهم إلى الإتيان بسورة من مثله فأخرسوا، بل ضم إليهم جميع الجن والإنس فعاد الجميع خاسرين، ورجعوا خائبين، فسبحان من تفرد بالكمال والجلال والجمال.
стр. 143
إثبات صفة الكلام لله بصوت وحرف
стр. 144
إذا تكلم الله بالوحي سمع صوته أهل السماء
ٍبعد أن ذكر المصنف رحمه الله تعالى أن الله يتكلم ويكلم عباده، وأن كلامه لهم حقيقة، وأنه يكلم عباده فيسمعونه، ذكر أيضاً بعض أدلة هذا فقال: [وقال عبد الله بن مسعود ﵁: إذا تكلم الله بالوحي سمع صوته أهل السماء، روي ذلك عن النبي ﷺ ] .
المصنف رحمه الله تعالى أورد هذا الأثر موقوفاً فقال: (وقال: عبد الله بن مسعود ﵁: إذا تكلم) ، وهذا الأثر روي موقوفاً على ابن مسعود بإسناد صحيح، لكنه أيضاً روي برواية أخرى مرفوعاً إلى النبي ﷺ ، وروايته مرفوعة إلى النبي ﷺ أيضاً واردة بإسناد صحيح، وممن رفعها أبو داود رحمه الله تعالى في سننه وغيره، وكل من المرفوع والموقوف صحيح، لكن لما كان الموقوف أصح علقه البخاري في صحيحه، وقد ذكر الشيخ الألباني هذا الحديث في سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم (١٢٩٣) وقال ﵀: والموقوف -أي: على ابن مسعود - وإن كان أصح إلا أن له حكم الرفع؛ لأنه مما لا يقال بالرأي.
يعني: لا يمكن أن يقوله ابن مسعود من عند نفسه، فيكون حكمه حكم المرفوع.
قوله في هذا الحديث: (إذا تكلم الله بالوحي سمع صوته أهل السماء) ، هذا يدل على إثبات كلام الله، وإثبات أن كلام الله مسموع، وهذا يرد على من قال بالكلام النفسي، أو إن كلام الله ليس بحرف ولا صوت، بل الذي عليه أهل السنة والجماعة أن الله يتكلم، وكلامه مسموع، وأن أهل السماء يسمعون صوته وكلامه، وكذلك أيضاً لما كلم موسى وكلم محمداً وكلم آدم سمعوا ذلك.
ثم قال: (روي ذلك عن النبي ﷺ .
كأن المصنف هنا أشار إلى المرفوع وإلى الموقوف.
стр. 145
نداء الله لأهل المحشر بصوت يسمعونه
ثم قال: [وروى عبد الله بن أنيس عن النبي ﷺ أنه قال: (يحشر الله الخلائق يوم القيامة عراة حفاة غرلاً بهماً) ] .
عبد الله بن أنيس الجهني المدني المتوفى سنة أربع وخمسين هجرية رحمه الله تعالى، أحد الصحابة المعروفين المشهورين.
قوله: (يحشر الله الخلائق يوم القيامة عراة) ، أي: ليس عليهم كساء ولا لباس ولا غطاء، (حفاة) أي: غير منتعلين، (غرلاً) أي: غير مختونين، (بهماً) أي: طليقي الأيدي لا يحملون معهم أي شيء؛ وهذا لبيان أن الناس يبعثون من قبورهم ويحشرون إلى ربهم وهم على هذه الحالة، كما في حديث عائشة ﵂ وأرضاها حين قالت للرسول ﵌: يا رسول الله! الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض؟! فبين لها النبي ﷺ أن الأمر أكبر وأعظم وأشد من أن يهتموا بهذا الأمر؛ لأن الأمر خطير جداً.
[ (فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب: أنا الملك، أنا الديان) ، رواه الأئمة، واستشهد به البخاري] .
الشاهد من هذا: قوله: (فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب) ، والنداء كما نعلم جميعاً لا يمكن أن يكون إلا بصوت، وهذا فيه إثبات أن الله يتكلم، وأنه ﵎ إذا نادى الخلائق يوم القيامة يناديهم بصوت يسمعونه جميعاً، وهذا الحديث ذكره البخاري أيضاً تعليقاً ورواه الإمام أحمد وأبو يعلى عن جابر بن عبد الله ﵄، وهو المشهور، وهو الوارد في قصة رحلة جابر بن عبد الله ﵁ وأرضاه حين التقى بـ عبد الله بن أنيس في مصر حين رحل إليه شهراً كاملاً؛ ولهذا ذكره البخاري في كتاب العلم في الباب الذي عقده في مسألة الرحلة في طلب الحديث، لكنه رحمه الله تعالى ذكره معلقاً.
وهذا الحديث رواه البيهقي، ورواه البخاري في الأدب المفرد، وهو حديث صحيح، ومن ثمَّ فإن الإمام ابن حجر رحمه الله تعالى لما تعرض لمسألة إثبات صفة الكلام لله وأنه بصوت، نقل كلام بعض الأشاعرة وتأويلهم للأحاديث الواردة في ذلك، وتضعيفهم لهذه الرواية، وقولهم: إن كلامه تعالى ليس بصوت، فبعد أن نقل كلامهم علق عليه بقوله: والحديث إذا ورد بالطرق الصحيحة فإنه يؤخذ به.
وكأنه يقول: ما دام إثبات الصوت لله تعالى ثبت في الأحاديث الصحيحة فلا داعي للمماحكة؛ لأنه ورد بأسانيد صحيحة، وكأن ابن حجر رحمه الله تعالى إنما يرد على أولئك الذين ضعفوا هذه الرواية بناءً على مذهبهم في إثبات الكلام النفسي لله، وأن كلامه ليس بحرف ولا صوت، فبناء عليه بحثوا عن الحديث فوجدوا أن البخاري رواه معلقاً، فضعفوا هذه الرواية لهذا السبب، فـ ابن حجر المحدث غلب عليه رحمه الله تعالى هنا جانب الحديث، فرد على أولئك وقال لهم: لا تتعرضوا لتضعيفه من أجل ذلك المعنى الكلامي الذي تريدونه، بل إذا ثبت أمر في الأحاديث الصحيحة فيجب أن تقولوا به، ثم بعد ذلك ابحثوا له عن التأويل، لكن لا تضعفوه وتردوا الحديث؛ لأجل أنه خالف ما عندكم.
ومنطق ابن حجر هذا عظيم جداً، مع أنه رحمه الله تعالى من المائلين إلى مذهب الأشاعرة في كثير من المسائل، إلا أنه هنا وقف وقفة الإمام المحدث، وهذا هو الصحيح، ولهذا فإن هذه الرواية صحيحة، ولا كلام فيها، وحتى لو فرض أن البخاري رحمه الله تعالى علق مثل هذه الرواية فإنه لا يطعن فيها؛ لأنها رويت عند غيره بأسانيد صحيحة، بل إن إثبات أن كلام الله بصوت وارد بأدلة كثيرة جداً، ولا يمكن أن يقول قائل: إن موسى ﵊ سمع كلام الله بلا صوت، ومن قال ذلك فإنه قال ما لا يعقل.
следующие страницы →