Полный текст (320 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
سبب تأويل المتكلمين للصفات الفعلية والرد عليهم
وبعض المتكلمين تأول مثل هذه الصفات وقال: إنه لا يجوز أن نثبتها لله ؛ لأن الصفات الفعلية التي هي المجيء والإتيان والاستواء والنزول والغضب والرضا وغيرها يلزم منها حلول الحوادث في ذات الله تعالى؛ ومقصودهم بحلول الحوادث أن كل جسم حلت فيه الحوادث والتغيرات -سواء كانت هذه الحوادث سقماً أو مرضاً أو نقصاً أو نحو ذلك أو كانت أفعالاً مثل حركة وتلون وغير ذلك -أنه يكون حادثاً؛ فكل جسم حلت فيه هذه الأشياء فهو دليل على حدوثه! واستدلوا على حدوث العالم بهذه القاعدة، فقالوا: دليلنا على أن العالم حادث، وأنه غير أزلي، وأن كلام الفلاسفة بأن العالم قديم باطل، هو أن هذا العالم فيه متغيرات: شمس وقمر وكوكب وأرض وغير ذلك، هذه المتغيرات تدل على أنه حادث.
وبعد أن قرروا هذه القاعدة، واحتجوا بهذا الدليل، وردوا به على الفلاسفة، وظنوا أنهم قصموا ظهور الفلاسفة القائلين بقدم العالم بهذا الدليل، انتكس عليهم هذا الدليل؛ لأنه دليل ضعيف فيما عندهم من عقيدة، فقيل لهم: إذا قلتم إن هذا الدليل صحيح، إذاً الله أيضاً متصف بهذه الصفات التي أنتم تسمونها حوادث؛ فالله لم يكن مستوياً على العرش فخلق العرش ثم استوى على العرش! والله ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا، والله يجيء يوم القيامة، إذاً: هذه كلها يلزم منها متغيرات، ويلزم منها الحركة، وهذه صفات الإنسان، فينتفي وجه الاعتراض.
وفعلاً هم لما قيل لهم بهذا الاعتراض، قالوا: إذاً ننفي عن الله الصفات الفعلية، وهذا في الحقيقة أمر عجيب جداً! والمشكلة أن هذه القضية نشأت منذ زمن طويل قبل الأشاعرة وقبل الماتريدية، أي أنها نشأت منذ عهد ابن كلاب الذي كان سابقاً قليلاً للإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى، فإن ابن كلاب لما جاء وجد الناس في عصره على طريقتين: الأولى: طريقة أهل السنة والجماعة الذين يثبتون جميع الصفات دون أن يفرقوا فيها بين صفات الذات وصفات الفعل الخبرية وغير الخبرية، بل يثبتون الجميع؛ لأن منهجهم واحد، ولا فرق بين الصفات.
الثانية: الجهمية المعتزلة الذين ينفون عن الله جميع الصفات، ولا يفرقون بين العلم والإرادة والقدرة والسمع والبصر والعلم والوجه واليدين وغير ذلك؛ فينفون عن الله جميع الصفات.
ونظراً لأنه دخل في باب من أبواب علم الكلام، وهو دليل حدوث العالم واقتنع بذلك الدليل الباطل، نظراً لذلك فإن ابن كلاب أتى بمذهب جديد، جمع فيه بين مذهب السلف ومذهب المعتزلة، فأثبت لله الصفات، لكن نفى عن الله ما يتعلق بمشيئته وإرادته، وسيأتينا -إن شاء الله تعالى- توضيح له في إثبات صفة الكلام لله ﵎؛ لكن المهم هنا أن أهل السنة والجماعة رحمهم الله تعالى يثبتون لله المجيء والإتيان كما يليق بجلاله وعظمته، ويقولون: إنها صفات أفعال، فمجيئه إنما هو بمشيئته وإرادته؛ لأن الصفات لله على ثلاثة أقسام: القسم الأول: صفات ذاتية يتصف الله بها أزلاً وأبداً، مثل صفة الحياة والعلم ونحوهما.
القسم الثاني: صفات فعلية ليست أزلية، وإنما هي متعلقة بإرادته ومشيئته، مثل استوائه على العرش، ومثل مجيئه يوم القيامة، ومثل نزوله إلى سماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر.
القسم الثالث منها: ما هو ذاتي وفعلي، مثل صفة الكلام لله ، فالله متصف بصفة الكلام أزلاً، وهو أيضاً يتكلم إذا شاء متى شاء، فهو متصف بهذه الصفة منذ الأزل، وهو كلم موسى في ذلك الوقت، أي: بعد أن خلق موسى وكونه في ذلك المكان الذي ذكره الله بجانب الطور، وقبل ذلك لم يكلمه ، هذه الصفات التي ذكرناها: صفة المجيء والإتيان وغيرها هي من صفات الفعل التي نثبتها لله كما يليق بجلاله وعظمته، ونقول: هي متعلقة بمشيئته وإرادته.
стр. 72
الكلام على صفة الرضا ونحوها
стр. 73
إثبات صفة الرضا لله
قال المصنف ﵀: [وقوله تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة:١١٩]] .
صفة الرضا أيضاً يثبتها أهل السنة والجماعة لله ﵎، وقد دلت عليها آيات كثيرة جداً، كما قال : (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ) في أكثر من آية، وأيضاً ورد في صحيح مسلم عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الله ليرضى عن العبد يأكل الأكلة فيحمده عليها، ويشرب الشربة فيحمده عليها) ، وقوله: (إن الله يرضى لكم ثلاثاً) .
وصفة الرضا يثبتها أهل السنة والجماعة لله كما يليق بجلاله وعظمته، وهي من صفات الأفعال، أي: أن الله يرضى عن عبده إذا شاء، وأخبر أنه يرضى عن عبده إذا فعل الطاعة.
стр. 74
الرد على المنكرين والمأولين لصفة الرضا
هذه الصفة ومثلها صفة المحبة وغيرها يثبتها أهل السنة والجماعة رحمهم الله تعالى دون أن يتأولوها، ومن تأولها بأن المقصود بالرضا إرادة الإنعام، أو بالمحبة إرادة الإنعام ونحو ذلك فهذا تأويل باطل؛ لأنه لم يدل عليه دليل، وأولئك تأولوا مثل هذه الصفة خوفاً من التشبيه؛ لأنك إذا قلت لأحدهم: لماذا لا تثبت لله صفة الرضا أو صفة المحبة؟ قال: لا أثبتها خوفاً من التشبيه! لأن الرضا أو المحبة هي صفة في المخلوق تدل على نوع من ميل القلب ونحو ذلك، وهذا الميل والانكسار إنما يليق بالمخلوق، والله منزه عنها! فنقول له: ونحن ننزه الله عن صفات المخلوقين، لكن ماذا تقول عن هذه الآية، قال: أقول: الرضا إرادة الثواب، والمحبة إرادة الإنعام، ونحو ذلك.
فنقول له: أنت فررت من شيء فوقعت في مثله تماماً؛ لأنك قلت: إرادة الإنعام، فأثبت لله صفة الإرادة، والإرادة هي أيضاً ميل القلب، فإذا قيل: فلان من البشر يريد هذا الشيء فالمعنى أن قلبه يميل إليه، وإذا قيل: يريد أن يصنع شيئاً، أي: أن نفسه تميل إليه، وهذه من صفات المخلوقين؛ فيلزمك فيما فررت إليه نظير ما لزمك فيما فررت منه، فأنت فررت من إثبات الرضا والمحبة فيلزمك في الإرادة ما لزمك في المحبة؛ فإن قلت: أنا أثبت الصفات السبع -مثلاً- ومنها صفة الإرادة، وقولي: إرادة الإنعام أثبتها لله كما يليق بجلاله وعظمته، ولا يلزم منها مشابهة المخلوقين، نقول: ونحن نقول لك أيضاً في صفة الرضا وصفة المحبة: نحن نثبتها لله كما يليق بجلاله وعظمته، ولا يلزم منها مشابهة المخلوقين.
وهكذا كل من تأول صفة من صفات الله تعالى فإنه يلزمه فيما فر إليه نظير ما لزمه فيما فر منه، ولا يمكن أن ينفك عنها أي متأول أبداً؛ حتى المعتزلة الذين نفوا عن الله جميع الصفات خوفاً من تعدد الذوات؛ حيث قالوا: ننفي عن الله جميع الصفات حتى نوحد الله؛ حتى لا نقع فيما قاله النصارى: الأب والابن وروح القدس إلى آخره.
فنقول للمعتزلة: أنتم تنفون هذا عن الله من باب التوحيد؟ فسيقولون: نعم، فنقول لهم: أنتم تقولون: الله موجود أو غير موجود؟ فإن قالوا: الله غير موجود، فقد انتهى الكلام معهم؛ لأنهم ينكرون وجود الله ، وإن قالوا: الله موجود، فسنقول لهم: والمخلوق موجود؛ فإذا كنتم تفرون من تشبيه الله بخلقه وتقولون إننا ننفي عن الله الصفات حتى لا نجعل مع الله غيره فأنتم ملزمون كذلك في صفة الوجود لله ؛ فإنه ﵎ موجود، فإن قالوا: نحن نقول: الله موجود، لكن وجود الله ليس كوجود المخلوقين؛ فالمخلوق وجد من عدم، والمخلوق غير واجب، بل ممكن، والله وجوده يليق به، فهو وجود واجب له لا يقبل العدم، فنقول لهم: إذا قلتم: لله وجود لا يشبه وجود المخلوقين كذلك أيضاً بقية الأسماء والصفات، فلله أيضاً إرادة لا تشبه إرادة المخلوقين، وله علم لا يشبه علم المخلوقين، وله سمع لا يشبه سمع المخلوقين، وهكذا؛ وكل من اتخذ باباً من باب التأويل فلابد أن يتناقض قوله.
стр. 75
إثبات صفة المحبة لله
ثم قال المصنف هنا: [وقوله تعالى: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة:٥٤]] .
وهذه الصفة أيضاً وردت في أكثر من آية من كتاب الله ، ووردت أيضاً في أحاديث كثيرة عن النبي ﷺ ، ومنها حديث النبي ﷺ مع علي بن أبي طالب ﵁ لما قال في خيبر: (لأعطين الراية رجلاً يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله) ، وبقية القصة معروفة حين دعا رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب ﵁.
فقوله: (ويحبه الله ورسوله) دليل على إثبات صفة المحبة، وتأويل هذا لا يجوز.
стр. 76
إثبات صفة الغضب
ثم قال الشيخ رحمه الله تعالى: [وقوله تعالى: ﴿غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [الفتح:٦]] .
وهذا يدل على إثبات صفة الغضب لله ﵎ وأهل السنة والجماعة يثبتونها لله كما يليق بجلاله وعظمته؛ والأدلة عليها من كتاب الله كثيرة معروفة، وهكذا من سنة الرسول ﷺ ، ومن ذلك ما ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الله كتب كتاباً فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي تغلب غضبي) ، وفي بعض الروايات: (سبقت غضبي) وهذا في الصحيحين وغيرهما؛ فهذه النصوص دالة على إثبات هذه الصفة لله كما يليق بجلاله وعظمته.
وأهل السنة لا يفرقون بين الغضب وبين غيره، لكن بعض أهل الكلام قال: كيف تثبت لله صفة الغضب، فنحن لا نعرف إلا غضب المخلوق؛ فإن المخلوق إذا غضب يغلي يثور دمه، ويحمر وجهه، ويحتقن، ويبدأ يتفوه بكلمات تدل على غضبه، هذا هو غضب المخلوق! فكيف نثبت لله هذه الصفة ونحن لا نعقل ولا نفهم إلا صفة المخلوق؟! والجواب عليه كالجواب عما سبق، فنقول له: نحن نثبت لله صفة الغضب كما يليق بجلاله وعظمته، ولا نقول أبداً: إن غضبه يشبه غضب أحد من المخلوقين، بل المخلوقون يتفاوتون في غضبهم؛ فغضب الواحد من الناس ليس كغضب مالك خازن النار، فنحن نثبت لله الصفة كما يليق بجلاله وعظمته، ولا يلزم منها أن يكون غضبه مشابهاً لغضب المخلوقين، لكن أنت أيها المتأول النافي! ماذا تقول عن الغضب لله؟! وبماذا تفسر الآية؟! قال: غضب الله إرادة الانتقام، فنقول له كما قلنا في صفة المحبة: أنت تثبت لله الإرادة هنا، وتقول: إرادة الانتقام، أي: إرادة الله الانتقام من العباد، فماذا تقول في الإرادة؟ فنحن لا نعلم من الإرادة إلا إرادة المخلوق فحينما يريد أن ينتقم يميل إلى الانتقام، ويتجه بنفسه إلى الانتقام، فهذا الميل القلبي هل تثبته لله كما هو موجود في المخلوقين؟ فسيجيب ويقول: لا، ولكنني أثبت لله إرادة تليق بجلاله وعظمته، ولا يلزم إذا كان المخلوق له هذه الصفة أن تكون مشابهة لصفة الله ، ونقول له بكل ثقة: ونحن نقول في صفة الغضب ما تقوله أنت في الإرادة؛ فنحن نثبت لله صفة الغضب كما يليق بجلاله وعظمته، ولا يلزم منه أن يكون مثل غضب المخلوقين؛ فيلزمك فيما فررت إليه نظير ما لزمك فيما فررت منه.
стр. 77
إثبات صفة السخط لله
ثم قال المصنف: [وقوله تعالى: ﴿اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ﴾ [محمد:٢٨]] .
الشيخ استشهد بجزء من الآية: ﴿اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ﴾ [محمد:٢٨] ، وهذه الصفة أيضاً نثبتها لله كما يليق بجلاله وعظمته، ونقول فيها: إن الله سخط ويسخط على أهل المعاصي، وهذه المعاصي هي مما يسخط الله ، كما ورد عن النبي ﷺ في الحديث الصحيح أنه قال في الدعاء المشهور: (اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك) ، فهذا يدل على أن الله متصف بهذه الصفة كما يليق بجلاله وعظمته، ولا نتأولها.
стр. 78
إثبات صفة الكره لله
قال المصنف ﵀: [وقوله تعالى: ﴿كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ﴾ [التوبة:٤٦]] .
وهذه أيضاً صفة من صفات الله تعالى؛ فإن الله يكره المعاصي، وكره الله انبعاث هؤلاء المنافقين وخروجهم مع رسول الله ﷺ في الجهاد في سبيل الله؛ نظراً لما يترتب على خروجهم من الفساد والفتن، وقد ورد عن النبي ﷺ في هذه الصفة مثل قوله ﵊: (إن الله كره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال) وهذا في صحيح البخاري.
وقوله: (كره لكم) يدل على إثبات هذه الصفة لله ، كما يليق بجلاله وعظمته.
стр. 79
إثبات صفة النزول لله
ثم إن المصنف رحمه الله تعالى انتقل بعد ذلك إلى السنة فقال: [ومن السنة قول النبي ﷺ : (ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى سماء الدنيا) ] .
قوله: (ومن السنة) ، هذا يدل على أن منهج المصنف رحمه الله تعالى هو المنهج الموافق للسلف رحمهم الله تعالى؛ فإنهم يحتجون بالسنة وبأخبار الآحاد في باب العقيدة، وقد سبقت الإشارة إلى هذا، فأهل السنة والجماعة يثبتون لله ما أثبته لنفسه، أو أثبته له رسوله ﷺ ، فما أثبته رسوله ﷺ من الصفات يثبتونها، ومن ذلك صفة النزول التي دلت عليها الأحاديث الكثيرة عن النبي ﷺ ، والتي فيها: (أن الله ﵎ ينزل حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟ حتى يطلع الصبح) .
وصفة النزول لله إنما وردت في السنة، ومع هذا فإن السلف رحمهم الله تعالى حدثوا بهذه الأحاديث، ورووها، وأثبتوا ما دلت عليه كما يليق بجلاله وعظمته، ولا تلزم منها لوازم باطلة، ولا يلزم منها أن يكون نزوله ﵎ مثل نزول المخلوقين؛ ولهذا ألف العلماء رحمهم الله تعالى كتباً مستقلة في إثبات النزول لله ﵎، وهذه الكتب دالة على عناية السلف بهذه الصفة؛ نظراً لأنها ثبتت في سنة الرسول ﷺ ؛ ونظراً لأن كثيراً من المتكلمين بل عامة المتكلمين تأولوا هذه الصفة بتأويلات باطلة، مثل قولهم: إن الذي ينزل هو أمره أو رحمته، ومثل قولهم: إن الذي ينزل ملك من الملائكة، فبين السلف رحمهم الله تعالى أن هذه الأحاديث إنما دلت على إثبات الصفات لله دون أن تشبه صفات المخلوقين، ومن ثمَّ فلا يجوز تأويلها.
стр. 80
الرد على شبهة أن السماوات ستكون فوق الله تعالى إذا نزل
وأحب أن أقف وقفة مع هذه الصفة لله ؛ فإن بعض الناس قد يخطر بباله خواطر تتعلق بهذه الصفة، ومنها: كون جميع البلاد فيها ثلث الليل الآخر، ومنها: أن الله عظيم أكبر من المخلوقات، فكيف ينزل إلى سماء الدنيا؟ والجواب على ذلك: أن هذه الخواطر إنما نشأت من توهم التشبيه، أي: من توهم أن صفات الله مثل صفات المخلوقين، وهذه العلة هي التي بها نفى المنحرفون صفات الله؛ فإذا تأول أحد صفة الكلام أو صفة الوجه أو اليدين لله أو نحو ذلك، وفتشت عنه: لماذا تأولت؟ فإنك تجد أنه أولاً شبه ثم عطل؛ فإنه أولاً قرأ الآية، فلما قرأها لم يفهم منها إلا ما هو من صفات المخلوقين، فلما شبه صفة الله بصفات خلقه واستقر هذا في ذهنه فكر وقال: هذا لا يليق بالله، إذاً نتأول هذه الصفة وننفيها عن الله ! وهو لو عظم الله حق تعظيمه ونزهه من التشبيه لأثبت الصفة منذ البداية دون أن يكيفها أو يشبهها بصفات المخلوقين، ولكان منذ البداية مثبتاً لها.
فنقول فيما يتعلق بصفة النزول: إن الوهم والخواطر التي تخطر في البال إنما نشأت من قياس الله بخلقه أو تشبيه الله بخلقه، فيظن الظان أن نزول الله كما هو في حق كوكب من الكواكب، فإنه إذا كان بعيداً ثم نزل ستصبح السماء فوقه، ويكون في جو الأرض ونحو ذلك، فنقول: هذا خطأ ناشئ من أن الإنسان ما عظم ربه حق تعظيمه؛ لأن الله لا يقاس بخلقه، كما يقول الله ﵎: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر:٦٧] .
إذاً: إذا كانت السماوات مطويات بيمينه وإذا كانت الأرض قبضته يوم القيامة، وإذا كانت السماوات السبع والأرضين السبع في يد الرحمن كخردلة في يد أحدكم، فكيف يأتي الإنسان ويفهم أن الله إذا نزل فمعنى ذلك أن السماوات ستصبح فوقه أو يصبح العرش فوقه؟! إن نزول الله ﵎ هو نزول يليق بجلاله وعظمته، ولا يشبه نزول المخلوقين، ولا يلزم منه أن يكون العرش فوقه أو السماوات فوقه ما عدا سماء الدنيا؛ تعالى الله عن ذلك، بل الله ينزل كما يليق بجلاله وعظمته، ولا نعلم كيفية نزوله، ولهذا لو قيل: كيف ينزل؟ فنقول: كيف هو؟ فسيقول: أنا لا أعرف ذاته؛ فنقول: كذلك أيضاً نحن لا نكيف صفاته .
إذاً: فأي ظن من الباطل يظنه الظان فيما يتعلق بنزوله هو غير لازم، هذه قضية.
стр. 81
الرد على شبهة انتقال ثلث الليل الآخر من بلد إلى بلد باستمرار
القضية الثانية: اختلاف الليل والنهار، نحن نقطع يقيناً -ونحن في هذا البلد مثلاً- أنه حين يأتي ثلث الليل فإن الله ينزل، ونزوله يدل على قربنا، كما أن نزوله عشية عرفة يدل على قربه ﵎ من أهل عرفة، وهذا القرب هو كما يليق بجلاله وعظمته، لكن نثبته لله حقيقة ولا نتأوله، فنحن نقطع بنزوله في ثلث هذا الليل، وكذلك أيضاً في البلد الآخر الذي سيكون بعد ساعة وساعتين لديهم ثلث أيضاً ينزل كما يليق بجلاله وعظمته؛ والله لا يقاس بخلقه؛ لأنك أصلاً لو تأملت في القضية الزمنية بالنسبة لليل والنهار لوجدتها محددة ومتعلقة بالشمس والأرض، وما يتعلق بمجراتها، لكن ما فوق ذلك الله أعلم به، ومن ثمَّ كون الإنسان يفهم هذا الفهم القاصر، والسماوات والكون كله بالنسبة لله لا يساوي شيئاً ثم يأتي ليقيس، نقول: هذا فهم خاطئ بالنسبة لك؛ لأنه قاصر غير معظم لله ﵎.
وأضرب لذلك مثالاً في هذه القضية؛ ليتبين أن الله لا يقاس بخلقه: نحن جميعاً نعلم أن الإنسان منا متصف بصفة السمع، والله متصف بصفة السمع كما يليق بجلاله وعظمته، لكن تعالوا إلى صفتنا نحن؛ ماذا نستطيع أن نسمع حينما تتعدد الأصوات؟! وكم نستطيع أن نسمع؟! والواحد منا لو تكلم واحد أمامه لسمعه، وإذا تكلم اثنان في وقت واحد بكلامين مختلفين فإنه يسمعهما ولكن لا يستطيع أن يميزهما، وقد يستطيع لكن بصعوبة، لكن افترض أن أمامه عشرة أشخاص كل منهم يتكلم بكلام في قضية مختلفة عن الآخر وفي وقت واحد، فإن هذا الإنسان لا يستطيع أن يميز هذا الكلام، وإذا كان سمعه جيداً قد يميز واحداً منهم؛ لرفعة صوته أو لقربه منه فقط، لكن البقية لا يمكن أن يميز كلامهم، وافترض أن أمامه ألف شخص كلهم يتكلمون بكلام واحد، ويخاطبونه بموضوعات مختلفة؛ فإن هذا عاشر المستحيلات أن يستطيع الإنسان بحسب ما أقدره الله عليه أن يميز كلامهم، لكن هل هذا يعجز الله ؟
الجواب
لا؛ وليس ألف شخص فقط، وإنما يجتمع في يوم عرفة في عرفات أكثر من مليون شخص، وفي غير عرفات أيضاً يجلس من غير الحجاج مئات الملايين من الناس، وكلهم صائمون، وبالنسبة للحجاج كلهم واقفون بعرفات، وكلهم قد رفعوا أكف الضراعة يدعون ربهم ﵎ بمختلف بأنواع الدعاء، وعلى اختلاف اللغات، ومع ذلك هل يغيب عنه شيء؟ وهل يغيب عن سمعه شيء؟! الجواب: لا يغيب عن سمعه شيء.
إذاً: لو جاء إنسان يريد أن يدخل عقله في القضية ويقول: كيف يسمع ربنا ﵎؟! وكيف يمكن أن يسمع هذه الأشياء كلها بمختلف اللغات من ملايين الأشخاص؟! فنقول: نعم يستطيع، ولا يعجزه شيء.
وهنا موطن العجز بالنسبة للمخلوق؛ فالله متصف بصفة السمع، وصفة السمع تليق به، ولا تشبه صفات المخلوقين.
وكذلك أيضاً لو جاء قائل يقول: كيف ينزل والوقت في الكرة الأرضية مستمر؟ فنقول: نعم، وليس نزول الله كنزول المخلوقين، ولا يلزم منه هذا اللازم، ولهذا ورد في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ : (أن الله يحاسب العباد يوم القيامة) ، أي: يحاسب جميع العباد! ولا يعلم عددهم إلا الله، ومع هذا يحاسبهم في ساعة، ويحاضر كل واحد منهم وحده محاضرة خاصة، ويقرره ﵎ بذنوبه، فكيف يتم هذا؟! بالنسبة لنا نحن البشر لا نستطيع أن نتصور هذا، لكن نؤمن به، ونصدق به؛ لأنه من صفات العليم الخبير .
إذاً: كل ما يخطر في البال من هذه الأمور لا يمكن أن يكون في الله ، فأهل السنة والجماعة يثبتون أن الله ينزل، ونزوله حقيقي يليق بجلاله وعظمته، ويعلمون ويوقنون وهم في ثلث الليل الآخر أن الله قريب منهم، ومن ثمَّ تتحرك قلوبهم، وتدمع أعينهم، ويحس الواحد منهم في هذا الوقت بقرب عظيم من ربه ؛ لأنه يوقن بأن الله ﵎ قد قرب منه، وأنه نزل ﵎ إلى سماء الدنيا نزولاً يليق بجلاله وعظمته لا يشبه نزول المخلوقين.
ونقف عند هذا ونكمل إن شاء الله تعالى في الدرس القادم.
стр. 82
الأسئلة
стр. 83
الجمع بين حديث: (يقبض الله السماوات بيمينه والأرضين بشماله) وحديث: (وكلتا يديه يمين)
السؤال
كيف نجمع بين قول النبي ﷺ : (يقبض الله السماوات بيمينه، والأرضين بشماله) ، وبين قول النبي ﷺ في الحديث الآخر: (وكلتا يديه يمين) ؟
الجواب
اختلف العلماء في الجواب على هذا السؤال؛ فبعض العلماء ضعف رواية: (بشماله) ، الواردة في صحيح مسلم، وقال: إن هذه اللفظة شاذة، وقال: إن قول النبي ﷺ : (وكلتا يديه يمين) يدل على أن الله ليس له شمال، ومن ثمَّ خرجوا من هذا بأن هذه اللفظة ضعيفة.
الجواب الثاني وهو الذي أرجحه: أنه لا تعارض بين الحديثين، وما دام وردت اللفظة في صحيح مسلم ولا علة في إسنادها؛ فإننا نثبت لله هذه الصفة، ونقول: لله يدان، ونقول كما ورد في الحديث: يقبض الله السماوات بيمينه والأرضين بشماله، ونثبتها ونقول: إن قول النبي ﷺ : (وكلتا يديه يمين) ، هو لبيان أن كون المخلوق له يمين وشمال، واليمين أفضل وأعلى من الشمال، وهذا لا يلزم بالنسبة لله ، بل لله يدان يمين وشمال، وكلتا يديه يمين، فلا يلزم النقص كما في المخلوق.
стр. 84
صفات الله لا تشبه صفات المخلوقين
السؤال
ما رأيكم فيمن قال: إن لله يداً لا نستطيع وصفها، كيد الباب التي نراها ولا نستطيع وصفها؟
الجواب
أهل السنة والجماعة يثبتون لله صفة اليد، ومعنى اليد معروف في اللغة العربية، لكن يثبتونها لله كما يليق بجلاله وعظمته، ولا تشبه صفات المخلوقين؛ فالمهم هو أن نثبتها لله، ونحن نفهم معنى اليد في اللغة العربية، فنثبت المعنى، ولكن نقول: إن هذه الصفة لا نعلم كيفيتها، ولا تشبه يد المخلوق، ولا يد الباب، ولا غيره، بل هي صفة تليق بجلاله وعظمته.
стр. 85
كيفية إثبات أسماء الله
السؤال
هل الأسماء التالية من أسماء الله: المقصود، الدائم، الراضي، فكثيراً ما نسمع باسم عبد المقصود، وعبد الدائم، وعبد الراضي، ونحن نعلم أن العبودية لله ؟
الجواب
بالنسبة لبعض الأسماء المنتشرة التي تعبد فيها الأسماء لله ، الأولى بمن يسمي أن يحرص على التسمية بالاسم الوارد الثابت في كتاب الله وفي سنة رسوله ﷺ .
وأسماء الله من خلال الاستقصاء في كتاب الله وفي سنة رسوله ﷺ كثيرة، وإن كانت أسماء الله غير منحصرة بهذه، لكن بعض الأسماء أحياناً تكون مشتقة من صفة؛ لأنه لم يرد عن الله أن من أسمائه الراضي، لكن اشتقوه من قوله تعالى: ﴿﵃﴾ [المائدة:١١٩] ، فهذه الآية اشتق منها اسم الراضي، ثم سمي هذا الشخص بعبد الراضي، وهذا خطأ؛ لأنه لا يشتق لله اسم من الصفة، أما الاسم فإنه يدل على الصفة؛ فيشتق لله من الاسم صفة؛ لأن الاسم علم على الله فهو ذو دلالة أكثر من دلالة الصفات، ومن هنا فاسم (عبد الراضي) غير وارد؛ لأن الراضي ليس من أسماء الله، ومثله المقصود ومثله أيضاً الدائم، كل هذه أسماء لم تثبت على حد علمي في كتاب الله ولا في سنة رسوله ﷺ ؛ وأما أخذها من خلال الاشتقاق بأن يشتق لله من الصفة اسم فنقول: هذا العمل غير صحيح.
ونكتفي بهذا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
стр. 86
معنى قوله ﷺ : (إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله)
السؤال
قول الرسول ﷺ لـ سعد: (إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله) الحديث؛ فإذا المقصود من قوله: (تبتغي بها وجه الله) هو إخلاص العمل لله، فكيف يمكن إثبات صفه الوجه من هذا الحديث؟
الجواب
معنى قوله: (تبتغي بها وجه الله) أي: تريد منها وجه الله ، هذا معنى الحديث الذي لا شك فيه؛ لكن أيضاً هو دال على إثبات صفة الوجه لله ؛ لأنه قال: (تبتغي وجه الله) ، وفي الآية الأخرى: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى﴾ [الليل:١٩-٢٠] ، والمعنى واضح، والحمد لله.
стр. 87
منهج الماتريدية في العقيدة
السؤال
ما هو منهج الماتريدية في العقيدة؟
الجواب
ظهر الآن رسالتان في السوق كلاهما جامعتان، وأصلتا عقيدة الماتريدية ومنهجهم؛ وبالنسبة للماتريدية هم قريبون جداً من منهج الأشعرية، وليس بينهم وبين الأشعرية إلا بعض الفروقات المتعلقة ببعض مسائل الإيمان ومسائل القدر، وأيضاً في بعض الصفات لله ، أما الكلام على تفصيل ذلك فيطول.
стр. 88
معنى قوله تعالى: (والسماء بنيناها بأييد)
السؤال
في قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْيدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات:٤٧] ، سمعنا أن المراد بالأيدي ليس صفة اليد فما توجيهكم؟
الجواب
ورد عن بعضهم أنه قال: (بأييد) أي بقوة، وهذا التفسير صحيح، لكن الآية دالة على صفة اليدين لله .
стр. 89
أحسن الشروح لكتاب التوحيد من صحيح البخاري
السؤال
بالنسبة لشرح كتاب التوحيد في صحيح البخاري، هل يقرأ طالب العلم شرحه من فتح الباري لـ ابن حجر؟
الجواب
نعم بالنسبة لطالب العلم، أما بالنسبة للمبتدئ فننصحه أن يقرأ شرح كتاب التوحيد -الذي هو آخر كتاب من صحيح البخاري - الذي كتبه الشيخ عبد الله الغنيمان، وهو شرح مطول يقع في مجلدين، وهو مفيد جداً، وقد استدرك على ابن حجر رحمه الله تعالى بعض الأشياء التي أخطأ فيها.
стр. 90
الكلام في مسألة: هل يخلو العرش عند نزول الله إلى السماء الدنيا
السؤال
هل يكون العرش عند نزول الرب جل وعلا إلى السماء الدنيا خالياً؟
الجواب
هذه مسألة تكلم فيها العلماء: هل يلزم من نزوله ﵎ خلو العرش عن ذاته؟ وفيها قولان للسلف رحمهم الله تعالى: ولعل الصحيح -إن شاء الله تعالى- أنه لا يلزم؛ لأن الله لا يقاس بخلقه.
стр. 91
تأليف الإمام البخاري في الأسماء والصفات
السؤال
هل هناك كتاب مستقل للبخاري في الأسماء والصفات؟
الجواب
له كتاب في العقيدة وهو مفصول، لكن يغني عنه كتابه (خلق أفعال العباد) وهو كتاب مستقل، وأيضاً آخر كتاب صحيح البخاري؛ لأن صحيح البخاري اشتمل على عدد كبير من الكتب آخرها كتاب التوحيد، وهو كتاب عظيم جداً في ذلك.
والله أعلم.
وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 92
شرح كتاب لمعة الاعتقاد [٥]
من عقيدة أهل السنة والجماعة أنهم يثبتون لله جل وعلا صفة العجب، والضحك، والعلو، والاستواء، وذلك كما وردت بها الأدلة بيضاء صافية تسر المتقين.
стр. 93
إثبات صفة العجب لله
بدأ المصنف رحمه الله تعالى بذكر صفات الله الثابتة في سنة رسوله ﷺ ، فقال: [ومن السنة قول النبي ﷺ : (ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى سماء الدنيا) ] .
وقد سبق الحديث عنه في الدرس الماضي.
ثم قال: [وقوله: (يعجب ربك من الشاب ليست له صبوة) ] .
ومعنى الحديث: أن الله يعجب من هذا الشاب أنه مع نشاطه وقوة رغباته وشهواته المتعددة لا تكون له صبوة، أي: لا يكون له ذنب، ولا يرتكب كبيرة، ولا يرتكب معصية؛ فيعجب ربنا من هذا، وهذه الصفة لله هي كما يليق بجلاله وعظمته؛ لكن هذا الحديث في حد ذاته تكلم فيه العلماء، فهو حديث رواه الإمام أحمد في المسند والطبراني وغيره، لكنه ضعيف وإن قواه بعض العلماء كـ السخاوي في كتابه (المقاصد الحسنة) ، لكن يغني عنه دليلان أحدهما في كتاب الله، والثاني في صحيح البخاري؛ فأما الذي في كتاب الله تعالى فقول الله ﵎: (بَلْ عَجِبْتُ وَيَسْخَرُونَ) ؛ على قراءة ضم التاء، وهذه القراءة سبعية؛ قرأ بها حمزة وخلف والكسائي، ومن ثمَّ فإنها قراءة صحيحة أنه يجوز القراءة بها.
وكذلك ورد في صحيح البخاري عن النبي ﷺ أنه قال في قصة الصحابي هو وزوجه وضيفهم حين استضافوه وليس معهم من الطعام ما يكفي، فأطفئوا السراج، وأوهموه أنهم يأكلون، وجعل الضيف يأكل حتى شبع، فلما أصبح الصباح قال النبي ﷺ لهذا الصحابي: (لقد عجب ربك- وفي رواية: ضحك ربك - من صنيعكما البارحة بضيفكما) ، فقوله: (عجب) نأخذ منه ومن الآية إثبات هذه الصفة لله التي هي صفة العجب.
والعجب والتعجب أحياناً ينشأ من الجهل، مثل أن يطلع الإنسان على صنعة أو قوة معينة لفارس أو شخص فيعجب من ذلك، وأحياناً يكون العجب لأمر آخر، وهو كون هذا الشيء جاء على صفة غير معروفة وغير متوقعة وإن كان الإنسان لا يجهلها، ولكن بالنسبة لله نثبت له هذه الصفة كما يليق بجلاله وعظمته، ولا تقاس بصفة المخلوقين، وليس عجبه كعجب المخلوقين؛ فعجب المخلوقين قد ينشأ أحياناً من جهل وأحياناً من قلة فهم لهذه القضية، لكن عجب ربنا هو صفة تليق بجلاله وعظمته، ولا يترتب عليها جهل، ولا يترتب عليها عدم إدراك ومعرفة لهذا المتعجب منه، بل هي صفة تليق بجلاله وعظمته كما في الحديث الذي تقدم، وفيه أن صحابيين أطعما ضيفهما وتركا نفسيهما، والله عليم بهما مطلع عليهما، ومع ذلك يقول الرسول ﷺ : (عجب ربك من صنيعكما البارحة) ، وفي رواية: (ضحك ربك من صنيعكما البارحة) ، فعجبه ليس ناشئاً عن جهل، وإنما هو عجب يليق بجلاله وعظمته، وهذه الصفة نثبتها لله كغيرها من الصفات، ولا يلزم منها مشابهة المخلوقين.
стр. 94
إثبات صفة الضحك لله
قال ابن قدامة ﵀: [وقوله: (يضحك الله إلى رجلين قتل أحدهما الآخر ثم يدخلان الجنة) ] .
فسر هذا الحديث بأن أحدهما مسلم والآخر كافر، فيقتل الكافر المسلم، ثم إن الكافر يتوب إلى الله تعالى، ويدخل في الإيمان والإسلام، ويحسن عمله فيدخلان الجنة؛ يقول الرسول ﷺ : (يضحك الله إلى رجلين قتل أحدهما الآخر ثم يدخلان الجنة) .
وصفة الضحك نثبتها لله كما يليق بجلاله وعظمته، وليس ضحكه كضحك المخلوقين، فلا نشبه ولا نتأول ولا نكيف، وإنما نثبت له هذه الصفة؛ لأن الذي أخبرنا بها وأثبتها لله هو أعلم الناس بربنا ، وهو رسول الله ﵌، فهذه الصفة يقال فيها مثلما يقال في صفة السمع أو في صفة القدرة أو في صفة العلم أو غير ذلك: نثبتها لله كما يليق بجلاله وعظمته.
стр. 95
وجوب الإيمان بما صح من الأسماء والصفات من غير تمثيل ولا تكييف ولا تعطيل
ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: [فهذا وما أشبهه مما صح سنده وعدلت رواته] .
وهذا أيضاً مهم جداً؛ فإن قوله: (مما صح سنده وعدلت رواته) يعني أننا لا نثبت هذه الصفات من هذه الأحاديث إلا إذا كانت هذه الأحاديث ثابتة بطرق صحيحة رواتها عدول ثقات، ليس فيها انقطاع، وليس فيها شذوذ ولا علل؛ وإنما هي رواية صحيحة ثابتة.
ثم قال: [نؤمن به، ولا نجحده، ولا نتأوله بتأويل يخالف ظاهره] .
أي: لا نرده كما رده بعض الذين يردون أخبار الآحاد ويقولون: لا نقبلها في باب العقيدة، وكذلك أيضاً لا نجحده لأنه ثبت بطرق صحيحة.
وكذلك أيضاً قال: (لا نتأوله بتأويل يخالف ظاهره) ، فهو رد على من يرد السنة، كما أنه رد على من يقبل السنة لكنه يتأول؛ لأن بعض أهل الكلام وبعض المؤولة يقبل السند، ويقول: لا نرد هذا الحديث بل نثبته؛ لأنه وارد عن رسول الله ﷺ ، لكنه يتأول هذا الحديث إذا ورد في صفة من صفات الله ؛ فهو لا يرده رداً مجملاً أو رداً كاملاً، وإنما يرده رداً معيناً، بمعنى: أنه يتأوله ذلك التأويل الذي يؤدي إلى نقض ما دل عليه من معنى وما قصده رسول الله ﷺ حينما أخبرنا بهذا الحديث وأمثاله.
ثم قال بعد أن رد على أهل التأويل: [ولا نشبهه بصفات المخلوقين] .
وهذا هو منهج السلف الصالح رحمهم الله تعالى؛ فإنهم يثبتون الصفة ولا يشبهون الله بصفات المخلوقين، فلا يقولون: إن صفة الله تعالى كصفة كذا أو كذا من المخلوقات.
ثم قال: [ولا بسمات المحدثين] .
أي: علامات المحدثين؛ والمحدثون هم المخلوقون، سواء كانوا بشراً أو ملائكة أو نجوماً أو حجارة أو غير ذلك، فأهل السنة والجماعة لا يشبهون الله سبحانه تعالى بشيء من ذلك.
ثم قال: [ونعلم أن الله لا شبيه له ولا نظير] .
فلا شبيه له ، ولا نظير له، ولا مثيل ولا مثل، ولهذا استشهد بقوله : [ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]] .
فنفى عن الله المثل، وأثبت لله الصفات مستشهداً باسميه ﵎: السميع البصير، وهما دالان على صفة السمع وصفة البصر لله ، وهذا هو منهج أهل السنة والجماعة رحمهم الله تعالى، وقد سبق بيان ذلك.
ثم إن المصنف رحمه الله تعالى قال: [وكل ما تخيل في الذهن أو خطر بالبال فإن الله تعالى بخلافه] .
وهذا لنفي التكييف، أي: أن البشر لا يستطيعون أن يكيفوا ذاته ولا صفاته، ولهذا فكل ما توهمه الإنسان في صفة من صفات الله فإن الله ﵎ بخلاف ذلك؛ لأن الله تعالى لا يعلم ذاته إلا هو، ولا يعلم صفاته إلا هو ؛ فأهل السنة والجماعة لا يكيفونها، ومهما بلغت خيالات الإنسان ليثبت لله قريباً من صفة من صفاته فإن الإنسان لا يستطيع ذلك؛ لأن الله أعظم وأجل مما خطر بالبال، بل هو ﵎ على خلاف ما خطر ببالك؛ وهذا منهج أهل السنة والجماعة.
стр. 96
الكلام على صفة الاستواء
стр. 97
إثبات صفة الاستواء لله
ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: [ومن ذلك قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]] .
الضمير في قوله: (ومن ذلك) عائد إلى ما سبق قبل قليل، وخاصة إلى قوله: (وكل ما تخيل في الذهن أو خطر بالبال فإن الله تعالى بخلافه) ؛ لأن صفة الاستواء لله التي دل عليها قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] وآيات أخرى قد يخطر ببال الإنسان أن استواء الله على العرش كاستواء المخلوق؛ أو أن الله محتاج إلى العرش كاحتياج الخلق أو كاحتياج الملك أو نحو ذلك.
فقال هنا: (ومن ذلك) أي: ومن ذلك الذي نثبته لله ولا يكون شبيهاً بصفات المخلوقين، صفة الاستواء التي دل عليها قوله ﵎: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] .
وصفة الاستواء لله وردت في سبعة مواضع من القرآن الكريم: (ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) في سورة (الأعراف) وفي سورة (طه) وفي سورة (الحديد) وفي غيرها من المواضع التي ذكر الله فيها استواءه على العرش، وأهل السنة والجماعة يثبتون لله ﵎ صفة الاستواء كما يليق بجلاله وعظمته، وهي دالة على علوه ﵎، ولهذا فسر السلف رحمهم الله تعالى الاستواء بقولهم: إن معنى استوى: علا وارتفع واستقر وصعد، وهذه الصفة التي هي صفة الاستواء دالة على هذه المعاني؛ فإن الله ﵎ عالٍ على خلقه، فهي دالة على صفة العلو لله كما سيأتي بعد قليل.
كذلك أيضاً صفة الاستواء دالة على أن الله متصف بالصفات الفعلية، أي أنه مستوٍ على العرش كما يليق بجلاله وعظمته، وأن استواءه ﵎ من صفات فعله، ولهذا فإن استواءه كان بعد خلق السماوات وبعد خلق العرش، ولهذا عبر عنها بقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الحديد:٤] ، وكلمة (ثم) تدل على التأخير؛ فإن الله ليس مستوياً على العرش في الأزل؛ وإنما استوى على العرش بعد خلق العرش، وبعد خلق السماوات والأرض، ولهذا قال: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الفرقان:٥٩] ، وهذا الإثبات لهذه الصفة هو إثبات من غير تكييف، ومن غير تمثيل، ومن غير تحريف ومن غير تعطيل، وإنما هو إثبات لصفة الاستواء كما يليق بجلال الله وعظمته.
стр. 98
الرد على المنكرين والمأولين لصفة الاستواء
والمخالفون لأهل السنة والجماعة حرفوا وأولوا فقالوا: صفة الاستواء يلزم منها مشابهة الله للمخلوقين، فيلزم منها أن يكون الله شبيهاً بالمخلوق إذا جلس على كرسي أو نحو ذلك! وأما قول الله ﵎: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] ، فقالوا: (استوى) بمعنى استولى! ولكن هل ورد في اللغة العربية استوى بمعنى: استولى؟
الجواب
ورد في اللغة العربية استوى بمعنى: صعد، واستوى بمعنى: اشتد، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾ [القصص:١٤] ، أي: اكتمل شبابه، لكن ليس في اللغة العربية استوى بمعنى: استولى.
فلما ضاقت بالمتكلمين المضايق سمعوا -ويقول بعض العلماء: إنهم اخترعوا- بيتاً من الشعر، وهو: قد استوى بشر على العراق من غير سيف أو دم مهراق وقالوا: إن بشراً هذا ملك العراق، فمعنى قوله: (قد استوى بشر على العراق) أنه ملك العراق، فيأتي الاستواء بمعنى الملك.
وهذا التأويل الذي تأولوه تأويل عجيب! فإذا كان لفظ الاستواء استواء الله على العرش ورد في القرآن العظيم في سبعة مواضع، فلماذا لم يأت موضع واحد يبين فيه المراد، فيأتي استوى بمعنى استولى؟ ثم نقول ثانية: إن تأويلكم استوى بمعنى استولى هو تأويل بعيد ومخالف لما تقتضيه اللغة العربية؛ لأنه لم يرد في اللغة العربية هذا بهذا اللفظ.
أما بيت الشعر الذي استشهدتم به فمن قاله؟! وأين يوجد؟! وإلى أي عربي ينسب؟! لو فتشت عن هذا لقالوا: قيل، ويقال، ونقل هذا البيت أول واحد، وتناقله من بعده! ونقول: حتى ولو قاله أحد العرب أو أحد الشعراء فإنه لا حجة بقول شاعر في مقابل أدلة كثيرة من كتاب الله ومن سنة رسوله ﷺ .
ثم نقول ثالثة: إن قولكم: استوى بمعنى استولى، لا يصح من سياق الآية؛ لأنه لا يقال: استولى إلا إذا كان هناك مغالب لهذا الإنسان، فقوله: (استوى بشر على العراق) ، يعني: استولى على العراق، ومعنى هذا أنه كان قبله حاكم آخر، فغلبه واستوى على العراق واستولى عليه.
وقولكم: إن قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الحديد:٤] ، يعني: استولى على العرش، فهل العرش كان قبل ذلك مملوكاً لغير الله ثم إن الله ملكه؟! وهل يمكن أن يقول هذا أحد؟! طبعاً لا يمكن أن يقول هذا أحد، فقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الحديد:٤] لو قيل: إن المعنى: ثم استولى، لأدى ذلك إلى أن يكون هناك مغالب لله فغلبه الله ﵎ وتقدس واستولى على هذا العرش؛ وسواء قيل: العرش مخلوق معين، أو قيل: العرش هو الملك، كما يدعي هؤلاء.
وهذه الأمور وغيرها قد فصلها العلماء، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية كما في (مجموع الفتاوى) ؛ حيث نقض هذا التأويل من أكثر من عشرة أوجه، وبهذه الأوجه وغيرها يتبين أن تأويل هؤلاء استوى بمعنى استولى، إنما هو تأويل باطل وزيادة زادوها، ولهذا شبهها بعض العلماء بزيادة بني إسرائيل من اليهود حين قال الله لهم: ﴿ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ [البقرة:٥٨] ، أي: راكعين، وأن يقولوا: حطة، أي: حط عنا خطايانا، فعكس هؤلاء اليهود الأمر الإلهي، فدخلوا على أستاههم من خلفهم وهم يقولون: حنطة في شعير! فاليهود زادوا النون في حطة، والمتكلمون زادوا اللام في استوى، فقالوا: استولى، وهذا يدل على أن المنبعين متقاربان، نسأل الله السلامة والعافية! وكل هذا الذي قالوه تحريف للكتاب وتأويل له، وبعد عما كان عليه السلف الصالح رحمهم الله تعالى.
стр. 99
معنى العرش
والعرش المذكور في الآية هو في اللغة العربية سرير الملك، وفي الاصطلاح هو: عرش الله ﵎، وهو مخلوق عظيم جداً خلقه الله ﵎، وهو أعلى المخلوقات، وهو سقفها، وتحمله الملائكة، كما قال الله ﵎: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ﴾ [غافر:٧] ، وكما قال تعالى عن يوم القيامة: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٧] .
فهو أعظم من السماوات وما فيها من مجرات، وهو أعلى المخلوقات وهو سقفها، والله أخبرنا أنه استوى على هذا العرش استواء يليق بجلاله وعظمته لا يلزم منه أي لازم باطل، فلا يلزم أن الله محتاج إلى هذا العرش ولا أنه إذا أبعد هذا العرش يسقط من عليه، تعالى الله عما يتوهمه المتوهمون علواً كبيراً بل هو استواء يليق بجلاله وعظمته.
стр. 100
الكلام على صفة العلو
стр. 101
إثبات صفة العلو لله وذكر الأدلة على ذلك
ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقوله تعالى: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦]] .
من هذه الآية وما بعدها من الأدلة بدأ الشيخ يتحدث عن قضية كبرى، ألا وهي قضية إثبات العلو لله .
وهذه القضية هي من القضايا الكبار في العقيدة الإسلامية، ومن القضايا الكبار التي خاض فيها المتكلمون قديماً وحديثاً، وإن الإنسان ليصيبه الحزن حينما يرى كثيراً من المنتسبين للعلم ممن لم يدرس ويتفهم عقيدة السلف الصالح لا يقر بهذه الحقيقة الكبرى، فلقد خاض المتكلمون منذ القرن الأول وإلى عصرنا الحاضر في إثبات أن الله في جهة العلو في السماء، وأنه فوق المخلوقات، ولقد دل على ذلك في كتاب الله تعالى وفي سنة رسوله ﷺ أكثر من ألف دليل، وهذا يدل على أهمية مدارسة منهج السلف الصالح وتربية الأمة وتنشئتهم عليه، ولكن عمي عن هذه الحقيقة ألوف مؤلفة ممن ينتسب إلى الإسلام؛ فقد نشأ منذ القرون الأولى وإلى عصرنا الحاضر فئام ممن نهج منهج المتكلمين أو تأثر بهم، وإذا سألت أحدهم: هل تؤمن أن الله في السماء؟ أو سألته بسؤال رسول الله ﷺ الذي في صحيح مسلم حين سأل الجارية وقال لها: (أين الله؟ قالت: في السماء) ، أو إذا سألته: هل تقر بأن الله في العلو فوق خلقه بائن منهم؟ فإنه يقول لك: لا يجوز أن تقول هذا؛ إنك إن قلت هذا فأنت تشبه الله بخلقه، وأنت تجسم الله، وأنت تقول: إن الله متحيز، وكأنه في مكان معين! وإذا قلت له: فماذا تقول؟ يقول: اختلفوا على قولين: فبعضهم يقول: الله في كل مكان، وهذا قول لبعض المتكلمين، وبعضهم له قول آخر فلسفي عجيب يقول فيه: لا داخل العالم ولا خارجه! وأهل السنة والجماعة، وعلى رأسهم سيد الأولين والآخرين محمد ﷺ ، وصحابته من بعده والسائرون على منهاجهم، يقولون: إن الله ﵎ بائن من خلقه في السماء فوق العالم على العرش استوى استواءً يليق بجلاله وعظمته.
إن هذه القضية الكبرى تكاد تكون من المعلوم بالدين بالضرورة؛ لأن من قرأ كتاب الله من أوله إلى آخره ومن اطلع على سنة رسول الله ﷺ يجد أنه لا تكاد تخلو صفحة من القرآن العظيم إلا وفيها الدلالة على أن الله في السماء، وأنه في العلو.
وهذه القضية قضية كبرى، وقضية مهمة جداً؛ يميز فيها بين من ينهج منهج السلف الصالح وبين من ينهج نهج من خالفهم من المتكلمين؛ والأدلة صريحة في ذلك، ونحن هنا سنعرض لما ذكره المصنف من أدلة، أما استقصاء الأدلة فارجعوا إليها في الكتب التي ألفت في هذا الموضوع، وبالذات الكتب التي خصصت لهذه القضية، ومنها كتاب (العلو) لشيخنا الذي نشرح كتابه ابن قدامة؛ فإن له كتاباً مطبوعاً اسمه (العلو) ومنها ما ألفه شيخ الإسلام الإمام الذهبي رحمه الله تعالى؛ فإن له كتاباً اسمه (العلو) ، وقد اختصره الشيخ الإمام المحدث ناصر الدين الألباني في كتاب عظيم سماه (مختصر العلو) وخرج أحاديثه، فجزاه الله خيراً، وأثابه، وهناك غيرها من الكتب، ولا يكاد يخلو كتاب من كتب السنة ومن كتب العقيدة إلا وفيه تقرير للأدلة الدالة على أن الله في العلو.
стр. 102
دليل الفطرة على العلو
ولم يقتصر الدليل على ذلك؛ بل دل على ذلك الفطرة؛ فإن الله فطر عباده جميعاً -حتى ذلك الذي يقول: إن الله في كل مكان- على أن الله في العلو.
ولهذا كان من مواقف السلف رحمه الله تعالى العملية شيء من هذا، فأحد أئمة السلف دخل على أحد الأشاعرة وهو يلقي درسه على المنبر، ويقرر فيه عقيدته الأشعرية؛ وكان مما قرره: إنكار أن الله في العلو، فكان هذا الشيخ يتكلم ويلقي درسه أمام الناس، ويقول: إن الله كان ولا عرش ولا سماوات، وهو الآن على ما كان عليه! ويقرر نفي العلو عن الله ؛ فقال له هذا الشيخ -وهو الهمذاني - أمام الناس: يا إمام! دعنا من أقوالك، ودعنا من هذه الأدلة، وأخبرنا عن هذه الحاجة التي يجدها كل واحد منا: ما أراد ربه قط إلا ورفع بصره إلى السماء؟ قال: فنزل الإمام الجويني من المنبر وهو يقول: حيرني الهمذاني حيرني الهمذاني حيرني الهمذاني، وجلس بين أصحابه يبكي بكاءً شديداً، ومعلوم أنه في آخر أمره رجع، وأبطل تأويل الاستواء بالاستيلاء، وبين أنه يجب إثبات هذه الصفات على تفصيل في مذهبه رحمه الله تعالى.
لكن المهم جداً هو: كيف أن الفطرة التي فطر الله العباد عليها دالة يقيناً على أن الله ﵎ في العلو.
ولهذا يذكر شيخ الإسلام ابن تيمية موقفاً آخر يقول: جاءني أحد مشايخ هؤلاء ممن ينفي علو الله في حاجة -وغالب من حاوره شيخ الإسلام في وقته من الأشعرية- وتعمدت أن أنشغل عنه قليلاً، يقول: فكلمني في هذه الحاجة فتشاغلت عنه، يقول: فلما انتظر قليلاً وسئم إذا بي ألمحه وهو يرفع بصره إلى السماء ويذكر ربه ويقول: يا ألله! يقول: فنظرت إليه وقلت له: ماذا صنعت؟ يقول: فاعتذر مني! وكان سبباً في توبته ورجوعه عما كان عليه؛ لأنه كان يقرر أن الله ليس في مكان؛ لا داخل العالم ولا خارجه إلى آخره، لكن في لحظة غفلة منه وجد نفسه فطرياً يرفع بصره إلى السماء متوسلاً مستغيثاً بالله ، فدليل الفطرة دل على هذا.
وكذلك أيضاً دليل العقل دل على العلو، وسأبين لكم دليل العقل، لكن بعد أن نقف وقفات مع الأدلة التي أوردها الشيخ هنا، فأول دليل ذكره هو قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] ، وهو من أدلة علو الله تعالى واستوائه على عرشه.
الدليل الثاني قال: (وقوله تعالى: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦] ) ، وقوله: (في السماء) لا يقول عاقل: إن (في) هنا ظرفية، وأن الله داخل في السماء؛ لأن القول بأن الله داخل في السماء يلزم منه أن السماء فوقه، وأنها أكبر منه، وأنها محيطة به، وهذا لا يقول به إنسان.
إذاً: قوله تعالى: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦] ، السماء هنا قد يقصد بها العلو، وليس مجرد السماء التي نشاهدها وهي السماء الدنيا أو ما فوقها، فقوله: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦] أي: أأمنتم من في العلو؟ والقول بأن السماء هي مطلق العلو مستخدم كثيراً، فتقول: طار الطائر في السماء، وحلقت الطائرة في السماء، وأنت إذا قلت ذلك هل تقصد أنها دخلت داخل السماء أم تقصد أنها في العلو؟ تقصد أنها ارتفعت في العلو، وهذا واضح.
ويجوز أن نقول: (في) بمعنى (على) ، فقوله: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦] أي: من على السماء، وهل تكون (في) في اللغة العربية واردة بمعنى (على) ؟ نقول: نعم، يقول الله تعالى عن فرعون لما أراد أن يصلب السحرة المؤمنين: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه:٧١] ؛ وهو لن يضعهم داخل جذوع النخل، وإنما سيركز هذه النخل ويصلبهم عليها؛ وهذا واضح والحمد لله.
ثم يقول المصنف: [وقول النبي ﷺ : (ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمك) ] .
هذا الحديث رواه أبو داود والإمام أحمد وغيرهما، لكنه متكلم فيه؛ فبعض العلماء قالوا: إن فيه راوياً يقال له: زياد الأنصاري، قالوا: وهذا الراوي متكلم فيه؛ ومن ثم فنحن حينما نتحدث عن مثل هذا الحديث نقول: هذا الحديث ضعيف، وليس هو الدليل لوحده؛ حتى لا يأتي قائل ويقول: إنكم تحتجون بالأحاديث الضعيفة.
стр. 103
شبهة أن أهل السنة يستدلون بالأحاديث الضعيفة في العقائد
وهنا وقفة لابد من بيانها، ألا وهي: أن مثل هذا الموقف الذي مر معنا الآن -وهو أن ابن قدامة استشهد بحديث تكلم عنه العلماء، وقالوا ضعيف -قد يدخل منه بعض المخالفين لأهل السنة ويقول: إن كثيراً من أصحاب كتب السنة التي تروى بالأسانيد يذكرون فيها أحاديث صحيحة، ويذكرون أحياناً أحاديث ضعيفة، فكيف تذكر هذه الأحاديث في باب العقائد؟ وكيف يتساهل في هذا؟ والجواب عن ذلك من وجوه: الوجه الأول: أن هؤلاء العلماء لم يثبتوا هذه الصفة أو تلك من حديث ضعيف، وإنما يثبتونها من الأحاديث الصحيحة أولاً، فما أوردوه من حديث ضعيف إن تقوى فبها ونعمت، وإن لم يتقو فإن الصفة المقصودة ثابتة؛ لأن الدليل الصحيح دل عليها، وهنا ليس إثبات العلو لله مأخوذاً من هذا الحديث الذي معنا، بل هو ثابت بأحاديث أخرى كثيرة وعديدة جداً؛ بل وهو ثابت بالأدلة من القرآن قبل ذلك.
الوجه الثاني: أن العلماء وإن أوردوا تلك الأحاديث وهي ضعيفة فإنهم يوردونها بالأسانيد، وإيرادها بالأسانيد يجعل العهدة على القارئ والمطلع، فلو جاء وقال بعد إيراده: هذا حديث صحيح وأثبته، فنقول له: كيف تصححه وهو ضعيف؟ لكن إذا أورده بالإسناد فحينئذٍ من أسند فقد أعذر، فإذا كنت لا تستطيع الحكم على السند فاسأل عنه العلماء: هل هذا الحديث إسناده صحيح أو غير صحيح؟ وابحث عن ذلك؛ لكن ما دام المؤلف أورده وسكت عنه فقد جعل العهدة على القارئ وعلى المطلع، ولهذا تجد أن بعض العلماء -كـ البخاري ومسلم - قال: أنا لا أورد في هذا الكتاب إلا ما هو صحيح.
وفعلاً ما أوردا إلا ما هو صحيح، لكن غيرهما كـ أبي داود أو الترمذي أو ابن ماجة أو الإمام أحمد لم يقل أحد منهم: أنا لا أورد إلا ما هو صحيح.
وإنما يورد أحدهم الأحاديث، وأحياناً يتكلم عليها، ويعلق عليها، وأحياناً يسكت عنها، والعهدة على من يقرأ ذلك.
وكذلك أيضاً كتب السنة، كالسنة لـ ابن أبي عاصم أو السنة للالكائي أو غيرهما، فهذه الكتب وإن وردت فيها روايات ضعيفة إلا أنهم أوردوها بالأسانيد، فالعهدة على القارئ.
الوجه الثالث: أن إيرادها وإن كانت من طرق ضعيفة فيه فائدة كبرى، هذه الفائدة هي: أن هذه الرواية قد تتقوى بغيرها، وقد تقوي غيرها، فأحياناً تكون هذه الرواية ضعيفة، لكن في كتاب آخر من كتب السنة أو من كتب الحديث تجد نفس هذا الحديث ورد من طريق آخر، فإذا جمعنا ذلك الطريق إلى هذا الطريق تبين منه أنه حديث ثابت؛ وقد يكون هذا الحديث روي من طريق فيه رجل ضعيف، ويتبين في الرواية الأخرى أنه جاء من طريق آخر عن غير هذا الراوي الضعيف، فيتقوى، وكثير من الأحاديث إذا جُمعت طرقها وتصفحها العالم النحرير في مصطلح الحديث يتبين له أنها ترتفع وتتقوى، وتصل إلى درجة الحسن أو تصل إلى درجة الصحيح.
وقوله: (ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمك) ، هذا الحديث كما أشرنا قبل قليل وإن كان ضعيفاً إلا أنه يوافق الأحاديث الدالة على أن الله في السماء.
وقوله: (الذي في السماء) أي: في العلو.
وقوله: (تقدس اسمك) أي: تنزه اسمك يا إلهنا!
стр. 104
شرح حديث الجارية
ثم قال ابن قدامة: [وقال للجارية: (أين الله؟ قالت: في السماء، قال: أعتقها فإنها مؤمنة) رواه مالك بن أنس ومسلم وغيرهما من الأئمة] .
هذا الحديث رواه الإمام مسلم في صحيحه، ورواه الإمام مالك، ورواه غيرهما؛ وقد استقصى طرقه أحد الإخوة الفضلاء، فألف رسالة أو جزءاً حديثياً بعنوان: (أين الله) ، تكلم فيه على من رواه، والكتاب جيد ومطبوع وموجود، وقد استقصى روايات كثيرة.
وهذا الحديث الصريح دل على أمرين مهمين جداً يخالفان منهج المتكلمين: أحدهما: أنه يجوز السؤال عن الله بأين، وأن هذا السؤال لا يلزم منه لازم باطل، كالتجسيم أو المكان أو غير ذلك؛ لأن الرسول ﷺ وهو سيد الخلق سأل بأين، وقال للجارية: (أين الله؟) .
الثاني: أن الجارية أشارت بيدها أو برأسها، وقالت: (في السماء) ، فأقرها رسول الله ﷺ ، وقال: (أعتقها فإنها مؤمنة) .
إذاً: هذا يدل دلالة صريحة قطعية على أن الله في العلو، وأنه في السماء، وأنه يسأل عنه بأين، وأنه لا يلزم من ذلك لازم باطل.
والعجيب أن المتكلمين تأولوا تأويلات غريبة جداً! فبعضهم ضعف رواية: (أين) ، وقال: الرواية الصحيحة: (من الله) ، فنقول: أين وردت كلمة (من) ؟! فإن الأئمة الجهابذة يروون بالأسانيد الصحيحة: (أين) ، وهذا كأنه يرد هذه الرواية، فهو يرد الحديث خوفاً من أن يدل على شيء لا يعتقده ولا يقول به.
وبعضهم أجاب بجواب أعجب من هذا! ألا وهو أنه قال: حينما قال الرسول: (أعتقها فإنها مؤمنة) ما قصد إقرارها بأن الله في السماء، وإنما أراد أن يبين هل هي تعبد الأصنام أم تعبد الله؟ فسألها: (أين الله؟ فقالت: في السماء) ، فدل على أنها لا تعبد هبل ولا العزى؛ لأنها لو كانت تعبد واحداً منهم لقالت: هبل أو العزى في مكة أو في الطائف أو غيره، فلما قالت: (في السماء) دل ذلك على أنها تعبد الله، ولا تعبد الأصنام! وهذا تأويل ضعيف جداً، اضطر إليه هؤلاء بسبب الاعتقاد الباطل الذي اعتقدوه؛ فإنهم قالوا: إن القول بأن الله في السماء يلزم منه أن الله في مكان، وأن المخلوقات تحوطه، ونحو ذلك من اللوازم الباطلة التي توهموها.
стр. 105
إثبات مشركي العرب لعلو الله
ثم قال المصنف: [وقال النبي ﷺ لـ حصين -وهو والد عمران بن حصين -: (كم إلهاً تعبد؟ قال: سبعة: ستة في الأرض وواحداً في السماء؛ قال: من لرغبتك ورهبتك؟ قال: الذي في السماء) ] .
أي: أنه كان يعبد ستة أصنام في الأرض، وواحداً في السماء، أي: الله ، فالرسول ﷺ قال له: (من لرغبتك ورهبتك؟) ، أي: من هو الذي تعلم أنه يقدر على تحقيق الخير الذي تريده وكشف الضر الذي تخشاه وتريد زواله؟ قال: (الذي في السماء) أي: الله .
فالنبي ﷺ قال: [ (فاترك الستة، واعبد الذي في السماء؛ وأنا أعلمك دعوتين، فأسلم، وعلمه النبي ﷺ أن يقول: اللهم ألهمني رشدي، وقني شر نفسي) ] .
هذا الحديث حديث صحيح رواه الترمذي وغيره، ووجه الدلالة منه قوله: (وواحداً في السماء) ، وهذا يدل على أنه يقصد أن الله في العلو، ولهذا قال: (من لرغبتك ورهبتك؟ قال: الذي في السماء) .
وهذا دال على أن حصيناً كان يؤمن بأن الله في السماء حتى قبل إسلامه، ولقد كانوا في الجاهلية يؤمنون بأن الله في السماء، وهذا معروف ومشهور عند الجاهليين، فهذا الحديث دل على إثبات العلو لله .
وفيما أسلفنا في تفسير الآية السابقة: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦] ذكرنا أنه لا يقول قائل أبداً: إن معناها أن السماء تحيط به، أو أنه داخلها، وإنما معناها أنه في العلو، أو على السماء، وكلا المعنيين صحيح.
стр. 106
إثبات العلو لله في الكتب القديمة
ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: [وفيما نقل من علامات النبي ﷺ وأصحابه في الكتب المتقدمة: أنهم يسجدون بالأرض، ويزعمون أن إلههم في السماء] .
هذا الكلام مروي عن عدي بن عميرة بن فروة الكندي، وقد رواه عنه بإسناده ابن قدامة في كتابه (العلو) ، والذهبي، وقال الذهبي عن هذا الكلام: إنه غريب، أي: أنه لم يرو بإسناد صحيح يعول عليه، وإنما هو نقل من كتب الأقدمين، فقوله في وصف النبي ﷺ وأصحابه: (إنهم يسجدون بالأرض ويزعمون أن إلههم في السماء) نقول: مثل هذا اللفظ إذا كان وارداً في الكتب السابقة فمن المؤكد أن فيه تحريفاً؛ لأن قوله: (يسجدون بالأرض) هذا صحيح، والرسول ﷺ قال عن الخصائص التي اختصت بها أمته: (وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً) ، وهذا من خصائص هذه الأمة.
لكن التحريف -والله أعلم- هو في قوله: (ويزعمون أن إلههم في السماء) ؛ لأنه لو كانت العبارة ويقولون أو ويقررون أو ويعتقدون أو نحو ذلك لقلنا: إن هذه العبارة ربما تكون صحيحة المعنى.
أما إسنادها فقد تبين أنه ليس مما يعتمد، وأن الذهبي قال فيه: إنه غريب.
لكن يكون المعنى صحيحاً؛ وأما قوله: (ويزعمون) فالزعم فيه نوع من الانتحال، والله في السماء حقيقة وليس ادعاءً.
стр. 107
دليل آخر على العلو
ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: [وروى أبو داود في سننه أن النبي ﷺ قال: (إن ما بين السماء إلى السماء مسيرة كذا وكذا -وذكر الخبر إلى قوله- وفوق ذلك العرش، والله سبحانه فوق ذلك) ] .
هذا الحديث أيضاً رواه الترمذي وحسنه، وبعض العلماء تكلم في إسناده، ورواه أيضاً أبو داود وابن ماجة وغيرهم.
وهذا الحديث أيضاً دال على إثبات صفة العلو لله ، ففيه: (أن ما بين السماء إلى السماء مسيرة كذا) ، أي: خمسمائة عام؛ ولكن الشاهد قوله: (وفوق ذلك العرش، والله سبحانه فوق ذلك) ، وهذا نص صريح على أن العرش فوق السماوات، وأن الله فوق العرش، وهذا دليل على إثبات صفة العلو لله .
فهذه بعض الأدلة على إثبات صفة العلو لله ، وبقيت الإشارة إلى أن الأدلة في هذا كثيرة؛ فأحاديث النزول دالة على العلو، فقوله ﷺ : (ينزل ربنا) يدل على أن الله في السماء، وهكذا أحاديث العروج والصعود إليه، كما في قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر:١٠] ، وقوله: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج:٤] ، أي: إلى الله .
والنبي ﷺ -كما في الصحيحين وغيرهما- عرج به إلى الله حتى بلغ سدرة المنتهى، وكلمه ربه ﵎ من غير واسطة.
وهذه الأدلة تزيد على ألف دليل، وكلها دالة على أن الله في العلو، ونحن نثبت ذلك ونقول: إن الله في علو فوق السماوات على العرش استوى، وأنه فوق خلقه بائن منهم، ومع ذلك لا يخفى عليه شيء من أمور خلقه.
ونكتفي بهذا، ونسأل الله التوفيق والهداية، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
стр. 108
الأسئلة
стр. 109
الحكمة في تكرار الرقم (سبعة) في كثير من الأشياء
السؤال
ما هو السبب في تكرار رقم (سبعة) : فأيام الأسبوع سبعة، والأرضون سبع، والسماوات سبع، وكذلك أيضاً الجنة لها سبعة أبواب، والنار لها سبعة أبواب إلخ؟
الجواب
مثل هذا تعلق به الإسماعيلية الباطنية الذين يقولون: إن الأمور كلها تدور على سبعة، فجعلوا الإمامة تنتهي بالسابع بعد جعفر الصادق، وقالوا: إن الإمام بعده إسماعيل بن جعفر، ومن ثم يفترقون عن الجعفرية الإثني عشرية الذين يقولون: إن الإمام بعد جعفر هو موسى بن جعفر، وهؤلاء الباطنيون يقولون: إن الدورات كلها هي دورات سبع، وإن هذا الإمام السابع هو الذي تنتهي به الإمامة، لكن دليل في ذلك؛ لأن من تأمل الأعداد في القرآن الكريم وجد أعداداً غير سبعة؛ ففي القرآن الكريم عشرة، كما في قوله تعالى: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة:١٩٦] ، وقوله: ﴿وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾ [الأعراف:١٤٢] وفيه ثلاثة، وسبعة، وتسعة عشر، وأربعون، وثلاثون، فلا دلالة في هذا، وإنما هي حكمة لله قد لا نعلمها.
стр. 110
تكليم الله لأنبيائه ﵈
السؤال
هل تكليم الله للنبي ﷺ كان كتكليم موسى؟
الجواب
نعم، تكليم الله هو تكليم بدون واسطة، كتكليم الله لموسى، لكنهما افترقا في شيء واحد، وهو أن الله كلم موسى وهو في الأرض، وكلم النبي ﷺ وهو في السماء، ولهذا فإن بعضهم يعلل كون موسى ﵊ هو الذي لقب كليم الله بذلك، وهو أن تكليم الله لموسى كان وهو على الأرض، بينما تكليم الله لآدم ومحمد ﷺ إنما كان وهما في السماء، والله أعلم بحال الإنسان حينما يكون في السماء واختلافه عن حاله حينما يكون في الأرض.
следующие страницы →