Полный текст (320 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
فعل الله كله عدل ولا يجوز الاعتراض عليه
السؤال
إذا كان الله يعلم أنه سيخلق الخلق، وسيخلق آدم، ثم سيسكنه الجنة، ثم سيخرجه منها بسبب إبليس، ثم سيهبطهم إلى الأرض، ومنهم صائر إلى الجنة، ومنهم صائر إلى النار، فلماذا خلقهم إذاً؟ وهل يقال: إن هذا من عمل الشيطان فاجتنبه، أم يقال: إن هذا لحكمة يريدها الله ؟
الجواب
هذا سؤال يرد على كل شيء؛ لأنه إذا علم الله ما العباد فاعلون فلماذا خلقهم؟ ولماذا كلفهم؟ بل لماذا يحاسبهم يوم القيامة؟ هذا كله اعتراض على الله ، والله ﵎ لا يقيم الحجة على عباده بمقتضى علمه فقط، وإنما يقيم الحجة على العباد بإرسال الرسل وإنزال الكتب، ولهذا إذا قيل: إذا علم الله أعمال العباد وأحصاها، فلماذا يقفون بين يدي الله للحساب؟ فيقال: لله حكمة في أن يقرر كل عبد بذنوبه؛ حتى يكون من يدخل الجنة يعلم أنه أخطأ وأذنب، وأنه دخل الجنة برحمة الله، ومن استحق العذاب يدخل النار، ويعلم أنه استحقها بسبب ذنوبه التي أذنبها؛ ولهذا يقرره الله بذنوبه واحداً واحداً، ويكلم كل واحد كلاماً خاصاً به، وهذا كله من إظهار العدل، وإلا فالسؤال الأكبر: ما هي حاجة الله أصلاً إلى الخلق؟ إن الله غير محتاج إلى الخلق، ولو شاء لجعلنا كلنا أغنياء، أصحاء، لا نعصي أبداً، لو شاء لجعلنا بخلاف ذلك.
وقد ورد في الحديث الصحيح: (يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك فيما عندي شيئاً، ولو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، كانوا على أفجر قلب رجل واحد ما نقص ذلك مما عندي شيئاً، ولو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل واحد مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر) ، فإذا أدخلت الإبرة في البحر فإنها لا تنقصه شيئاً، وكذلك لو كل الخلق سألوا الله فأعطى كل إنسان مسألته لا ينقص ذلك من ملك الله سبحانه شيئاً.
إذاً: خلق الله العباد، وتفاوت أعمالهم وألوانهم وأرزاقهم وآجالهم لله فيها حكمة، ونحن نلمس شيئاً من هذه الحكم، ولو لم يكن في ذلك إلا قيام سوق العبودية لله وحده لا شريك له، بأن يعبده العابدون، ويتوكل عليه المتوكلون، ويطلب رحمته المسترحمون، ويتوجه إليهم المحتاجون المضطرون، ويخافه الخائف، ويرجوه الراجي، كل هذه الأمور من أمور العبودية الكبار العظام لا تتحقق إلا بما كان من أمر الله وقدره، وهو وجود الناس وابتلاؤهم وامتحانهم، ووجود الخير ووجود الشر، ووجود الكفر، ووجود الطاعات والإيمان إلى آخره، والله أقام الحجة على عباده، وهذا هو أهم شيء، فلا تسأل ربك بلمَ؛ لأن هذا السؤال إنما هو سؤال عن سر القدر، أي: سر تقدير الله، فلو جاء واحد وقال: لماذا الناس كلهم فيهم غني وفيهم فقير؟ فهذا سؤال عن سر القدر، فنقول: هكذا أراد بإرادته، ولو شاء الله لجعل الناس كلهم أغنياء.
فالمهم أن الحجة قد قامت عليك أيها العبد! فقد أعطاك الله عقلاً، وأعطاك الله إرادة، وأعطاك الله قدرة، وأرسل لك الرسل، وأنزل عليك الكتب، وبين لك الطريق، وأمرك ونهاك، وقال: إن عملت خيراً فاحمد الله، وإن عملت شراً فلا تلومن إلا نفسك.
والله أعلم.
وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 247
شرح كتاب لمعة الاعتقاد [١١]
الموت هو القيامة الصغرى، وهو الفاجعة الكبرى، لكن ليت الأمر ينتهي عند ذلك! فبعده أهوال وأمور أخبر الله تعالى عنها في كتابه، ورسوله ﷺ في سنته، فيجب على كل مسلم الإيمان بها، ومن تلك الأمور: فتنة القبر، والحشر، والصراط، والميزان، والشفاعة، والجنة، والنار، وغيرها.
стр. 248
الإيمان باليوم الآخر وما فيه من مواقف
стр. 249
الإيمان بفتنة القبر وسؤال الملكين
يقول المصنف رحمه الله تعالى: [وفتنة القبر حق، وسؤال منكر ونكير حق] .
فتنة القبر هي سؤال القبر، وقد ورد عن النبي ﷺ أنه قال: (إن هذه الأمة تفتن في قبورها) ، أي تسأل، وورد أيضاً سؤال منكر ونكير، فكل إنسان يُسأل في قبره، والصحيح أنه عام لهذه الأمة ولغيرها، فيسأل الإنسان ملكان أحدهما منكر، والآخر نكير، يسألانه ثلاثة أسئلة: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فالمؤمن يجيب إجابات صحيحة، والكافر أو المنافق يقول: ها ها لا أدري! كما ثبت ذلك في الأحاديث الصحيحة، ومنها حديث البراء بن عازب الطويل، الذي ذكر فيه رسول الله ﷺ رحلة الموت بطولها.
وتسمية منكر ونكير ورد في حديث صحيح رواه الترمذي وغيره، ومن ثمَّ فلا مانع من أن نقول: يأتيه ملكان: أحدهما منكر، والآخر نكير.
وقد ورد أن الشهيد في سبيل الله إذا مات لا يفتن في قبره، وورد أيضاً أن المرابط في سبيل الله إذا مات وهو مرابط لا يفتن في قبره، وهؤلاء يستثنون من فتنة القبر، نسأل الله الكريم من فضله.
والمرابط هو المرابط في ساحات القتال، ولقد كانت الأمة الإسلامية إلى عهد قريب لها ثغور على حدود الممالك الإسلامية، وكان يقيم فيها المسلمون ثغوراً يرابطون فيها للجهاد في سبيل الله، فيذهب الواحد منهم يرابط هناك ستة شهوراً، أو سنتين، أو ثلاث سنوات، ثم يرجع إلى أهله، وهكذا، وهذا كله من باب إحياء الجهاد في سبيل الله تعالى الذي محي وأوقف هذه الأيام إلا ما عصم ربي.
стр. 250
الإيمان بالبعث بعد الموت
ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: [والبعث بعد الموت حق] .
البعث لغة: الإرسال، وفي الاصطلاح: إحياء الناس وبعثهم من قبورهم يوم القيامة للحساب والجزاء.
وهذا البعث حق، وقد وردت أدلته الصريحة في كتاب الله وفي سنة رسوله ﷺ .
وأحب أن أنبه هنا إلى أن الأدلة القرآنية على إثبات البعث بعد الموت كثيرة جداً، وهي أكثر مما ورد من الأحاديث النبوية، يعني: أن من تأمل أدلة البعث يجد أن الذي ورد في السنة منها قليل، لكن ما ورد في القرآن العظيم فهو كثير.
ولقد تنوعت أدلة القرآن العقلية على إثبات البعث بعد الموت، منها: الاستدلال بإحياء الأرض الميتة، كقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [فصلت:٣٩] ، وهكذا في آيات كثيرة جداً في القرآن يستدل بإحياء الأرض الميتة على قدرة الله تعالى على البعث وإحياء الناس من قبورهم.
ومنها دليل البدء على الإعادة: فإن الله خلق الإنسان من عدم، فهو قادر على أن يعيده مرة أخرى، كما قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس:٧٩] ، وهذا دليل عقلي واضح جداً، أي: أن الذي أحياها أول مرة قادر على أن يعيدها مرة أخرى، ولهذا قال تعالى في آية أخرى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم:٢٧] ، وقوله: (أهون) هذا بالنسبة للبشر، أما بالنسبة لله تعالى فإن كلا الأمرين هين عليه تعالى؛ فلا فرق بين الأمرين.
ومنها الاستدلال بخلق الشيء الكبير على الشيء الصغير: كقوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر:٥٧] ، وقوله: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ [يس:٨١] .
وهكذا جاءت الأدلة كثيرة، بل جاءت الأدلة بشواهد عينية، فالإنسان ينام ويغيب عن الدنيا، ثم يصحو، وهذا بعث، كما قال تعالى: ﴿فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى﴾ [الزمر:٤٢] .
وكذلك أيضاً: ذكر قصص أناس ماتوا فأحياهم الله، مثل أصحاب الكهف، ومثل إحياء صاحب الحمار الذي مر على قرية وقال: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ﴾ [البقرة:٢٥٩] إلى آخر الآية، ومثل صاحب البقرة من بني إسرائيل.
المهم أن الأدلة القرآنية كثيرة جداً، وهي أدلة عقلية صريحة في إثبات قدرة الله للبعث؛ ولهذا قال أهل السنة الجماعة: والبعث بعد الموت حق.
стр. 251
البعث والحشر والعذاب يكون على الأجساد والأرواح جميعاً
بقي هنا قضية، وهي أن البعث والحشر والنعيم وما يتعلق بذلك عند أهل السنة والجماعة يكون للأرواح وللأجساد، خلافاً للفلاسفة؛ فإن الفلاسفة يرون أن البعث يكون فقط للأرواح وليس للأجساد، وهذه عقيدة الفلاسفة، ومنهم فلاسفة الإسلام المعظمين عند كثير من الناس، فإنهم ينكرون بعث الأجساد، ويقولون: إن ذلك إنما هو على الروح، والروح لا تفنى ولا تموت أبداً عندهم، بل تنعم بعدما يموت صاحبها إذا كان خيّراً، أما أن يكون هناك بعث للأجساد، وحشر ونشر وميزان، ونعيم مادي في الجنة، وفواكه وأنهار وقصور، ونساء، وحبور، وكذلك في النار سلاسل وأغلال وسعير، فهذه كلها لا يقرون بها، وينكرونها، نسأل الله السلامة والعافية! والمسلمون جميعاً أتباع الرسل يرون أن البعث للأرواح وللأجساد حق.
وقد سبق أن قلنا في الدرس الماضي: إن عذاب القبر ونعيمه للروح وللجسد على أي شكل مات عليه الإنسان، وأما الكيفية فهذه حياة برزخية لا نعقلها نحن، لكن نؤمن أن الإنسان يكون بعد موته في روضة من رياض الجنة، أو في حفرة من حفر النار.
стр. 252
النفخ في الصور
قال المصنف: [وذلك حين ينفخ إسرافيل ﵇ في الصور: (فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون) ] .
إسرافيل هو أحد الملائكة المعروفين، والصور لغة هو القرن، والمقصود به هنا قرن لا يعلم قدره إلا الله ينفخ فيه إسرافيل إذا أذن الله له بذلك.
وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا هُمْ مِنَ الأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ﴾ [يس:٥١] ، الأجداث هي القبور أي: إذا هم من القبور إلى ربهم يسرعون للحساب وللجزاء.
وبالنسبة للنفخ في الصور اختلف فيه العلماء، والوارد مؤكداً أن هناك نفختين: نفخة الصعق، ونفخة البعث، وبعضهم يجعلها ثلاثاً: نفخة الصعق، ونفخة الفزع، ونفخة البعث، لكن الشيء المؤكد الذي دلت عليه الأدلة أن هناك نفخة يصعق منها الناس جميعاً، ويموت فيها من كان حياً على وجه الأرض، وهذا معنى قولنا: إن الساعة لا تقوم إلا على شرار الخلق، ومعنى قيام الساعة هنا بدايتها، وهي النفخة الأولى التي يصعق فيها الجميع فيموتون، حتى الملائكة، وحتى حملة العرش، وحتى ملك الموت، ولا يبقى أحد حياً إلا الواحد القهار، وحينئذٍ يأخذ الله السماوات بيمينه والأرضين بشماله ويهزهن ويقول: أنا الملك، أنا الجبار، أين ملوك الأرض؟! لمن الملك اليوم؟ لمن الملك اليوم؟ لمن الملك اليوم؟ فلا يجيبه أحد، فيجيب نفسه سبحانه: لله الواحد القهار.
ثم تأتي النفخة الثانية التي هي نفخة البعث، كما قال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر:٦٨] ، فالنفخة الثانية تكون للبعث بعد الموت، وحينئذٍ يقوم الناس لرب العالمين للحساب والجزاء، ولهذا قال: ﴿فَإِذَا هُمْ مِنَ الأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ﴾ [يس:٥١] ، وذلك بعد النفخة الثانية، فإنهم يخرجون من قبورهم إلى المحشر.
стр. 253
الإيمان بالحشر
قال المصنف: [ويحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلاً بهماً] .
قوله: (يحشر الناس) أي يجمع الناس لمكان الحشر، (حفاة) : غير منتعلين، (عراة) عراة الأجسام، (غرلاً) غير مختونين، (بهماً) ليس معهم متاع، وهؤلاء يحشرون يوم القيامة في صعيد واحد، وتكون أرض المحشر مستوية، وقد شبهها رسول الله ﷺ بأنها تكون كقرص النقي، والنقي هو الدقيق المنخول، وقرصه يكون أبيض مائلاً إلى الحمرة، لكنه يكون مستوياً، هكذا شبه الرسول ﷺ أرض المحشر، فيجتمع الخلائق أولهم وآخرهم، وكلهم على تلك الحال حفاة عراة غرلاً؛ حتى قالت عائشة للرسول ﷺ : (يا رسول الله! الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض؟! قال: الأمر أكبر وأشد من أن يهمهم ذلك) ، ونضرب لهذا مثالاً في الدنيا: لو أن الناس في مكان، فوقعت زلزلة، وبدأت البيوت تتهدم وخرج الناس، فهل سينظر بعضهم إلى بعض؟! وهل سيفكر الإنسان أن هذه امرأة خرجت نافشة شعرها أو كاشفة نحرها؟!
الجواب
لن يفكر في هذا، وإنما تفكيره في النجاة، فكيف إذا كان في وقت الوقوف بين يدي الله ، والأعين شاخصة إلى السماء، لا شك أن الإنسان لن يفكر في هذه الأمور أي تفكير؛ لأن القضية أكبر من ذلك بكثير.
стр. 254
الشفاعة الكبرى لفصل القضاء
قال المصنف: [فيقفون في موقف القيامة حتى يشفع فيهم نبينا محمد ﷺ ] .
هذا بيان للشفاعة العظمى والكبرى المسماة بالمقام المحمود، وهي أن الناس يقفون في العرصات على هذه الحالة عراة حفاة، وتدنو الشمس منهم، ويشتد كربهم، فيطالب الجميع بفصل القضاء، فجميع الناس المؤمن منهم والكافر يطالب بفصل القضاء؛ لشدة الكرب الذي هم فيه، فيتساءلون فيقولون: ابحثوا عن وسيلة، ابحثوا عن شافع إلى ربكم حتى يقضي الله بينكم، فيذهبون إلى آدم، ثم إلى نوح، ثم إلى موسى، ثم إلى عيسى، وكل واحد من هؤلاء يعتذر عن الشفاعة، وكل منهم يوجه الناس إلى النبي الذي بعده، حتى يقول عيسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام: اذهبوا إلى محمد ﷺ ، فيأتون إلى الرسول ﷺ ويقولون: يا محمد! نطلب منك أن تشفع لنا إلى ربك، فيقول النبي ﷺ : أنا لها، ثم يسجد تحت العرش ويلهمه الله بمحامد ما ألهمه إياها من قبل، فيقول الله له بعد ذلك: يا محمد! ارفع رأسك، وسل تعط واشفع تشفع، وحينئذٍ يحمده الخلائق على هذا، وينزل الرب ﵎ لفصل القضاء.
والمقصود هنا الشفاعة العظمى التي هي المقام المحمود، أما أنواع الشفاعات الأخرى فسيأتي ذكرها إن شاء الله تعالى.
стр. 255
الإيمان بالحساب
قال المصنف: [ويحاسبهم الله ﵎] .
لأن الحشر إنما هو للحساب والحساب أن يحاسب الله الإنسان على أعمال وأقواله كلها، ولهذا ورد في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه كان يدعو ويقول: (اللهم اجعل حسابي يسيراً) ، لأن الله تعالى أخبر أن من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حساباً يسيراً، وقال ﷺ في الحديث الآخر: (من نوقش الحساب عذب، قالت عائشة: ألم يقل الله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق:٨] ؟! قال ﷺ : إنما ذلك العرض، من نوقش الحساب عذب) .
فكل من نوقش الحساب لابد أن ينتهي به الأمر إلى أن يعذب؛ حتى ذلك الرجل الذي عبد الله سبعين سنة، وتفرغ للعبادة ليلاً ونهاراً، وقدم بين يدي الله تعالى للحساب فقال الله له: أدخلك الجنة برحمتي أم بعملك؟ ونظراً لأن هذا عبد الله سبعين سنة قال: بعملي، فقال الله للملائكة: حاسبوه، فحاسبوه عن عبادة السبعين سنة، فوجدوها لا تساوي نعمة البصر، فقال الله لهم: اذهبوا به إلى النار، أي أنه خرجت عبادته بالنسبة للقياس خاسرة؛ لأنها لم تساو إلا نعمة البصر، فيقول: يا رب! بل برحمتك، فيقول الله: أما برحمتي فاذهبوا به إلى الجنة.
إذاً: كل من حوسب لابد أن يكون خاسراً، لكن الله يعفو ويتجاوز؛ ولهذا قال: (يحاسبهم الله) ، وهذا في يوم الحساب، وسمي يوم الحساب لأنه يحسب للإنسان حسناته وسيئاته، ويطرح هذا من هذا إلى آخره.
стр. 256
نصب الموازين ونشر الدواوين
قال المصنف: [وتنصب الموازين] .
أي: توضع الموازين لتوزن بها الأعمال، وقد ورد أنه ميزان، وورد أنها موازين متعددة، ولا خلاف في هذا؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء:٤٧] ، والثابت عن النبي ﷺ أن الميزان ميزان حقيقي له كفتان، وأنه توزن به الأعمال.
وأما كيف توزن وهي أعراض؟ فنقول: إن الله على كل شيء قدير، فيؤتى بإيمان الإنسان بصدق الإنسان بإخلاص الإنسان بحبه لله بحبه للرسول الله ﷺ بأعمال القلوب وأعمال الجوارح، وتوزن كلها، ويشاهدها الإنسان وهي توزن، ولهذا ورد أن (لا إله إلا الله) توضع في كفة الميزان.
وكذلك أيضاً ورد أن العباد أنفسهم يوزنون، قال ﷺ : (يؤتى بالرجل السمين من أهل الدنيا -أي: من فجار أهل الدنيا- يوم القيامة، فلا يزن عند الله جناح بعوضة) ، ولما تعجب الصحابة من دقة ساقي عبد الله بن مسعود وضحكوا، قال رسول الله ﷺ : (تعجبون من دقة ساقيه، لهما عند الله أثقل من جبل أحد) أو (في ميزان الله أثقل من جبل أحد) ، ولهذا فالصحيح أنه ميزان حقيقي، وأنه توزن به الأعمال، وأيضاً يوزن به العاملون، هذا هو الذي دلت عليه الأحاديث الصحيحة.
ثم قال المصنف: [وتنشر الدواوين] .
والدواوين جمع ديوان، والديوان هو الصحيفة التي كتبت فيها الملائكة، وأحصت فيها أعمال العباد، ولكل شخص ديوان قد أحصيت فيه أعمال هذا الإنسان، وهذه الدواوين تنشر أمام أصحابها.
стр. 257
تطاير الصحف واستلام الكتب
قال: [وتتطاير صحائف الأعمال إلى الأيمان والشمائل: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا * وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا * وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ * فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا * وَيَصْلَى سَعِيرًا﴾ [الانشقاق:٧-١٢]] .
بعد الحساب وبعد الموازين وبعد نشر الدواوين تتطاير الصحف التي هي نتائج ذلك الحساب وتلك الموازين، فمن أوتي كتابه بيمينه فهو الناجي السعيد، نسأل الله الكريم من فضله، ومن أوتي كتابه بشماله من وراء ظهره فهو الخاسر، نسأل الله السلامة والعافية.
وفي ذلك اليوم العظيم يتبين من هو الخاسر ومن هو الرابح، أما موازين الدنيا وخسارات الدنيا بجاهها وبمناصبها وبأموالها وبشهاداتها وبغير ذلك، فهذه كلها أمور لا تساوي شيئاً أمام ذلك الموقف العظيم، وليس بيننا وبين قربنا من ذلك الموقف إلا الموت، وكل منا لا يدري متى أجله.
وقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق:٧-٨] ، أي: من أعطاه الله الكتاب باليمين فهذا هو الذي حوسب حساباً يسيراً.
وقوله: ﴿وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ [الانشقاق:٩] ، أي: إلى أهله وبيته في الجنة مسروراً أعظم السرور بنجاته من النار، وبفوزه بالجنة.
وقوله: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ﴾ [الانشقاق:١٠] ، وقد ورد أنه يعطى بالشمال، فقيل: يجمع بينهما بأنه يعطى بشماله من وراء ظهره، قال: ﴿فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا﴾ [الانشقاق:١١] ، أي: يدعو على نفسه بالويل وبالثبور والهلاك، ولهذا قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا﴾ [النبأ:٤٠] ، فهو يدعو بالهلاك والثبور على نفسه، متمنياً أنه لم يكن شيئاً، وأنه لم يخلق، ولات ساعة مندم؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَيَصْلَى سَعِيرًا﴾ [الانشقاق:١٢] ، فلا ينفعه صراخه، ولا دعاؤه بالويل والثبور، وإنما تذهب به إلى النار ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون.
قال المصنف: [والميزان له كفتان، ولسان، توزن به الأعمال: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٢-١٠٣]] .
سبق بيان ذلك، واللسان يكون في وسط الميزان وهو معروف، ثم احتج بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٢-١٠٣] ، هذه هي نتيجة الحساب، فمن ثقلت موازينه فهو الرابح، وهو المفلح، وهو الناجي، ومن خفت موازينه فهو الخاسر؛ لأنه يوم القيامة ليس هناك إلا طريقان، وليس هناك طريق ثالث، ولا شيء وسط.
стр. 258
حوض النبي ﷺ
ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: [ولنبينا محمد ﷺ حوض في القيامة، ماؤه أشد بياضاً من اللبن، وأحلى من العسل، وأباريقه عدد نجوم السماء، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبداً] .
حوضه ﷺ وردت فيه أحاديث كثيرة مفصلة في الصحيحين وفي غيرهما، وما ورد من وصفه هنا هو ثابت في الأحاديث الصحيحة، وأحب أن أشير هنا إلى أن حوض النبي ﷺ موجود الآن؛ لأنه ورد في صحيح البخاري أن النبي ﷺ قال: (وإني والله لأنظر إلى حوضي الآن) .
وورد في حديث حسن عند الترمذي وغيره: أن لكل نبي حوضاً، لكن حوض النبي ﷺ أكبرها وأكثرها وارداً، نسأل الله الكريم من فضله، ولهذا ورد أن الأنبياء يتباهون أيهم أكثر وارداً، يقول الرسول ﷺ : (ولعلي أكون أكثرهم وارداً يوم القيامة) .
وحوض النبي ﷺ هذا إنما هو في العرصات، يصب فيه من نهر الكوثر الذي في الجنة ميزابان، ولأنه من الجنة فإن من شرب منه شربة لا يظمأ بعدها أبداً، لكن توجد حاجة للشرب من الناس الذين ألجمهم العرق بذنوبهم وبعضهم بلغ منه العرق إلى كعبيه، وليس أمراً سهلاً أن يعرق الإنسان حتى يبلغ عرقه إلى كعبيه أو إلى ركبتيه أو إلى حقويه أو إلى منكبيه، ففي العرصات تدنو الشمس ويكثر الخوف، ويشتد العطش، فيا بشرى من رأى حوض رسول الله ﷺ وأقبل عليه، ثم شرب من يد رسول الله ﷺ شربة لا يظمأ بعدها أبداً، فهذه لا شك أنها بشرى وأي بشرى! نسأل الله الكريم من فضله، ونعوذ به من أن نكون ممن يذاد عن حوض رسول الله ﷺ ويمنع من الشرب.
стр. 259
الإيمان بالصراط
ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: [والصراط حق] .
والصراط هو جسر ممدود على متن جهنم، أحد من السيف وأدق من الشعر، عليه كلاليب من نار، فيها ما هو كشوك السعدان، تختطف الناس، وهذا الصراط المنصوب على متن جهنم يمر منه الجميع، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم:٧١] ، فالجميع يردونها.
قال المصنف: [يجوزه الأبرار، ويزل عنه الفجار] .
وهذه خلاصة لما يجري حينما ينصب الصراط على متن جهنم، وإلا فالوارد في الأحاديث الصحيحة أنه إذا نصب على متن جهنم يعبر منه الناس على قدر أعمالهم: فمنهم من يعبر الصراط كالبرق، ومنهم كالريح، ومنهم كأجاود الخيل، ومنهم كالرجل المسرع، ومنهم من يمشي مشياً، ومنهم من يخطو خطوة ويعثر أخرى، وكل هؤلاء على درجات.
أما بالنسبة للكافر أو المنافق فإنه إذا أراد أن يعبر خطفته الكلاليب التي على الصراط، فتزل به قدمه، فيكردس في نار جهنم، نسأل الله السلامة والعافية، ونسأله النجاة من النار، ولهذا قال العلماء: نؤمن بالصراط ونصدق به؛ لورود الأدلة الصحيحة فيه.
стр. 260
شفاعة النبي ﷺ لأهل الكبائر
ثم قال المصنف بعد أن عرض مسائل اليوم الآخر كلها: [ويشفع نبينا ﷺ فيمن دخل النار من أمته من أهل الكبائر] .
والشفاعة حق، والمقصود بالشفاعة الواسطة، أي أن النبي ﵌ يشفع إلى ربه ﵎ في أهل الكبائر من أمته أن يخرجوا من النار؛ ولهذا ورد عن النبي ﷺ أنه قال: (شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي) وهو حديث صحيح.
وأيضاً شفاعته ﷺ لمن مات وهو يقول: لا إله إلا الله.
وهذه الشفاعة يثبتها أهل السنة والجماعة، وينكرها المعتزلة والخوارج وغيرهم، فإن المعتزلة والخوارج ينكرون هذا النوع من الشفاعة، ويقولون: إن من مات من أهل الكبائر واستحق الوعيد بالنار ودخل النار فإنه لا يخرج منها أبداً، ولهذا قالوا بتخليد أهل الكبائر في نار جهنم.
ولا شك أن قولهم باطل مردود بهذه الأحاديث الصحيحة الصريحة عن رسول الله ﷺ ، والتي فيها بيان أن الرسول ﵊ يشفع، وكذلك أيضاً الملائكة وبقية الأنبياء والصالحون والشهداء كلهم يشفعون.
لكن هذه الشفاعة لا تكون إلا بشرطين: الشرط الأول: أن يأذن الله بالشفاعة.
الشرط الثاني: الرضا عن الشافع والمشفوع له.
فلابد من الإذن من الله، ولابد من الرضا عن الشافع والمشفوع له.
ومن ثمَّ يشفع رسول الله والملائكة، بل ورد أن الشهيد يشفع لسبعين من أهل بيته فيشفعه الله فيهم، وورد أن الفرط الذي يموت صغيراً يشفع لوالديه عند الله تعالى يوم القيامة، فيشفعه فيهما، فيدخلهما به الجنة، نسأل الله الكريم من فضله.
وهؤلاء الذين يشفع لهم على درجات: فمنهم من يكون قد أمر به إلى النار، فيشفع له قبل دخوله النار، ويدخل الجنة.
ومنهم من يدخل النار ويعذب فيها حتى يحترق ويصير فحماً أسود وحمماً، ثم يشفع لهم النبي والأنبياء، ويخرجون بهذه الشفاعة، ويوضعون في نهر الحياة؛ حتى ينقون ويحيون مرة أخرى، ويدخلون الجنة برحمة الله ، ولهذا قال: [فيخرجون بشفاعته بعدما احترقوا وصاروا فحماً وحمماً، فيدخلون الجنة بشفاعته] .
стр. 261
شفاعة الأنبياء والملائكة والمؤمنين
ثم قال المصنف: [ولسائر الأنبياء والمؤمنين والملائكة شفاعات، قال تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء:٢٨]] .
أي: أن هؤلاء الأنبياء وغيرهم لا يشفعون إلا لمن ﵁، وهم من خشيته وخوفه مشفقون، وهذا قد دلت عليه الأحاديث عن الرسول ﷺ .
ثم قال المصنف: [ولا تنفع الكفار شفاعة الشافعين] .
هكذا كما قال تعالى عن الكفار: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر:٤٨] ، فإن الكفار لا ينالون الشفاعة، ولهذا فإن من شرط الشفاعة التي تقتضي إخراج المعذب من النار أن يكون مسلماً، أما الكافر فلا شفاعة له.
أما شفاعة النبي ﷺ لـ أبي طالب فتلك شفاعة خاصة بتخفيف العذاب عنه، ومع ذلك فإن أبا طالب يعذب في النار، ولا يظن أن أحداً من أهل النار أشد عذاباً منه، فقد ثبت في الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال: (أهون الناس عذاباً في النار من يوضع تحت أخمص قدميه جمرتان من نار) وفي وراية: (أنه في ضحضاح من النار، يغلي منهما دماغه، ما يظن أن أحداً من أهل النار أشد عذاباً منه) ، أما الخروج من النار فلا، فكل من ماتوا على الكفر -نسأل الله السلامة والعافية- فإنهم لا يخرجون منها أبداً؛ ولهذا قال المصنف: (ولا تنفع الكافر شفاعة الشافعين) .
стр. 262
الإيمان بوجود الجنة والنار
ومما يؤمن به أهل السنة والجماعة ما ذكره المصنف هنا بقوله: [والجنة والنار مخلوقتان لا تفنيان] .
وذلك لقوله تعالى في الجنة: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران:١٣٣] ، وقوله في النار: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٢٤] ، وأيضاً لما ثبت من الأحاديث الصحيحة، منها قول النبي ﷺ : (دخلت الجنة فرأيت فيها، واطلعت على النار فرأيت فيها) فهذا كله يدل على أن الجنة والنار مخلوقتان الآن.
ومما يؤمن به أهل السنة والجماعة أن الجنة والنار باقيتان لا تفنيان ولا تبيدان أبداً، خلافاً للجهمية وغيرهم الذين يقولون بفناء الجنة والنار، وخلافاً لمن قال: بأن النار تفنى.
فالجنة والنار باقيتان، وأهلهما فيهما خالدون أبد الآباد، كما وردت بذلك الأدلة الصريحة من كتاب الله تعالى والأدلة الصحيحة من سنة رسوله ﷺ .
قال المصنف: [فالجنة مأوى أوليائه، والنار عقاب لأعدائه، وأهل الجنة مخلدون: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [الزخرف:٧٤-٧٥]] .
فهذا العذاب مستمر لا يفتر أبداً، ولهذا ورد في الآيات أن أهل النار يدعون ربهم: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف:٧٧] ، وفي آية أخرى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٩] ، ومع هذا لا يستجاب لهم، فهم في عذاب دائم، كما قال تعالى: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء:٥٦] ، وهم في هذا العذاب مبلسون، نسأل الله السلامة والعافية.
ولهذا ورد أنهم ينادون ويدعون ربهم ولا يستجاب لهم، وإنما يجيبهم الله بقوله: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٨] ، وهذا غاية التسكيت لهم.
فأهل النار يخلدون، وأهل الجنة في الجنة مخلدون أبد الآباد، ومن أعظم نعيم الجنة الخلود، ولهذا تجد أنه كثيراً ما يوصف نعيم الجنة بأنه نعيم دائم، وبأن أهله خالدون فيه أبداً؛ لأنه والحالة هذه تنقطع الأحزان، وينقطع الخوف، فإن النعيم في الدنيا يكدره الخوف من زواله، حتى الغني إذا استوى له غناه، والملك إذا استوى له ملكه، أول ما يكدر عليه أنه يفكر في زوال هذا عنه، لكن أهل الجنة ليسوا كذلك، بل هم في نعيم: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر:٥٥] ، أي: عند الله ﵎، قد أحل الله عليهم رضوانه فلا يسخط عليهم أبداً، فهم في نعيم مقيم، نسأل الله الكريم من فضله.
قال المصنف ﵀: [ويؤتى بالموت في صورة كبش أملح، فيذبح بين الجنة والنار، ثم يقال: يا أهل الجنة خلود ولا موت، ويا أهل النار خلود ولا موت] .
ثبت في البخاري وغيره عن النبي ﷺ أنه قال: (يؤتى بالموت في صورة كبش أملح، ويقال لأهل النار: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم نعرفه، ويقال لأهل الجنة: هل تعرفونه؟ فيقولون: نعم نعرفه فيذبح بين الجنة والنار، ثم يقال: يا أهل الجنة! خلود ولا موت، ويا أهل النار! خلود ولا موت) ، وهذه كلها حقائق إيمانية عقدية دلت عليها الأدلة الثابتة الصريحة من كتاب الله ومن سنة رسول الله ﷺ .
стр. 263
أهمية تدبر حقائق يوم القيامة
حقائق اليوم الآخر يجب أن يتدبرها المؤمنون، ونحن أيها الإخوة! في غفلة، فقد كان السلف الصالح يربون أولادهم ونساءهم وأطفالهم على معرفة أشراط الساعة؛ لأن معرفة أشراط الساعة تقرب الإنسان إلى الله، وهذا الحاجز الكبير -الذي هو طول الأمل في هذه الدنيا- تختصره تلك المعاني الإيمانية، بل تختصر هذه الدنيا بمشاكلها وتنقل الإنسان إلى الآخرة.
وكذلك أيضاً بالنسبة لليوم الآخر وفزع الناس، والحساب، والجزاء، والصراط، والموازين، وتطاير الصحف، والشفاعة إلى آخر هذه الأمور الإيمانية التي هي حقائق لا شك فيها، يجب أن تكون لنا فيها قراءات، وهي مما يقوي الإيمان، وينقل قلب الإنسان نقلة من هذه الدنيا الفانية إلى ربه ، وينقل هذه النفس المتهالكة على الدنيا ومادياتها إلى عبادة الله، والسعي لابتغاء مرضاة الله .
فهذه حقائق إيمانية لا شك فيها أبداً، فالواجب علينا أن نتدبرها، وأن نتدارسها، وأن نتعرف عليها؛ علَّ الله أن يجعلها خيراً لنا في دنيانا، وأن يجعلنا يوم القيامة ممن يكون آمناً، وممن يكون فائزاً، وممن يكون قد أعيذ من عذاب جهنم.
اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى، اللهم إنا نسألك أن تجعلنا من أهل الجنة، وأن تعيذنا من النار.
وصلى الله وسلم على نبينا وآله وصحبه أجمعين.
стр. 264
الأسئلة
стр. 265
معنى الاستثناء في قوله تعالى: (إلا ما شاء ربك)
السؤال
ما معنى (إلا ما شاء ربك) في قول الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ [هود:١٠٦-١٠٧] ، وقوله في الذين سعدوا: ﴿فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ [هود:١٠٨] ؟
الجواب
هذا ربط للأمر بمشيئة الله تعالى، وقد اقتضت مشيئة الله الخلود، فالكفار مخلدون في نار جهنم أبد الآباد، والمؤمنون مخلدون في الجنة أبد الآباد، فالاستثناء إنما هو لبيان ربط جميع الأمور بمشيئة الله .
стр. 266
حكم إخراج العمل من مسمى الإيمان
السؤال
هل إخراج العمل من مسمى الإيمان -كما قال به مرجئة الفقهاء- يقدح في العقيدة؟
الجواب
نعم، إخراج العمل مخالف لمنهج السلف رحمهم الله تعالى، لكن هذا القدح ليس كبيراً، لكن هو مخالفة لمنهج السلف الصالح رحمهم الله تعالى، والأولى هو اتباع منهجهم في إدخال العمل في مسمى الإيمان، وفيما يترتب على ذلك من زيادة الإيمان ونقصانه، والاستثناء في الإيمان إذا كان بغير شك، ونحو ذلك.
стр. 267
أعظم نعيم أهل الجنة
السؤال
أليس أعظم ما يتنعم به المؤمنون هو رؤيتهم لله يوم القيامة؟
الجواب
نعم، أعظم نعيم بالنسبة للمؤمنين هو رؤية الله ، ومن أعظم النعيم أيضاً أن الله يحل عليهم رضوانه، فيخلدون في الجنان، ولا يسخط عليهم ربنا أبداً، نسأل الله الكريم من فضله.
стр. 268
حكم القول بتخليد آكل الربا في النار
السؤال
ذكرتم أن أهل الكبائر لا يخلدون في النار، وكما نعلم أن الربا من الكبائر، وليس هو من أكبر الكبائر الثلاث، والله تعالى يقول: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:٢٧٥] ، فبمقتضى هذه الآية هل يخلد آكل الربا؟
الجواب
إن هذه الآية ومثلها آية القتل العمد: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء:٩٣] ، قال العلماء: إن هذا الخلود ليس خلوداً دائماً، وإنما المقصود به المكث الطويل، وبعض العلماء قال: إن الخلود هنا في المستحل، فمن استحل أكل الربا فهو كافر مخلد، ومن استحل قتل المؤمن بغير حق فهو أيضاً خالد في النار مخلد فيها.
أما من كان مؤمناً بالله ومات وهو آكل للربا دون استحلال، فبإجماع العلماء رحمهم الله تعالى أنه لا يخلد في النار بسبب ذلك، بل هو تحت مشيئة الله؛ إن شاء عذبه، وإن شاء عفا عنه وغفر له.
стр. 269
الكلام في صحة قول ابن القيم بفناء النار
السؤال
هل الجنة والنار تفنيان؟ وما حكم من قال: إن ابن القيم قال بذلك؟
الجواب
أولاً: ابن القيم ما قال بأن الجنة ستفنى، فالسائل يبدو أنه خلط بين القضيتين، إنما أثر عنه القضية الأخرى، وهي أن النار تفنى، وهذا الذي حكي عن ابن القيم إنما حكي عنه لأنه ذكره في بعض كتبه، مثل (حادي الأرواح) وغيره، وابن القيم لم يقل بهذا القول، وإنما حكى الخلاف، ومن قرأ ما كتبه ابن القيم رحمه الله تعالى يظن أنه يرجح أن النار تفنى، وأن أهلها يخرجون منها، لكن في الحقيقة أن ابن القيم رحمه الله تعالى يكاد يميل إلى التوقف؛ لأنه بعد أن ذكر الخلاف الطويل في أحد كتبه، وذكر الأقوال في ذلك والأدلة قال: فإن قيل فما تقول؟ قلت: أقول كما قال عبد الله بن عمرو بن العاص: (ثم يفعل الله ما يشاء) ، فهو لم يجزم بأن النار تفنى، ومذهب أهل السنة والجماعة وهو مذهب جماهير العلماء رحمهم الله تعالى أن النار لا تفنى، وأنها باقية كالجنة، وأن أصحابها من الكفار والمشركين والمنافقين وغيرهم ممن هو على غير دين الحق مخلدون فيها أبد الآباد.
стр. 270
بيان المراد بقوله تعالى: (جعلا له شركاء فيما آتاهما)
السؤال
ما معنى قوله تعالى في آدم وحواء: ﴿فلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا﴾ [الأعراف:١٨٩-١٩٠] ؟
الجواب
ذكر بعض المفسرين أنها في آدم وحواء، لكن القول الصحيح بأن هذا ليس في آدم وحواء، وإنما هذا خبر عن بعض بني آدم، وهذا هو القول الراجح إن شاء الله تعالى.
стр. 271
الرؤيا بقدر ووقوعها بقدر
السؤال
هل تأويل الأحلام من قبل المؤولين ثم التحري لهذه الأمور التي أولت في الرؤيا كما في حادثة العزيز مع يوسف عندما قال: ﴿إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ﴾ [يوسف:٤٣] إلى آخره، هل هو من باب الاحتجاج على القدر، أم غير ذلك؟
الجواب
لا؛ فالرؤيا هي بقدر، ووقوعها إن وقعت بقدر، وتفسيرها بقدر، ثم صدق التفسير أو عدم صدقه أيضاً بقضاء وقدر، والأمر والحمد لله واضح جداً ليس فيه معارضة للقدر، فالإنسان إذا رأى رؤيا فرؤياه بقدر، ثم إذا طلب من أحد أن يفسر له هذه الرؤيا ثم فسرها له فإنه إن وقعت فوقوعها أيضاً بقضاء وقدر، وإن لم تقع فعدم وقوعها هو لأن الله لم يقدر وقوعها.
стр. 272
لا تعارض بين الدعاء والقدر
السؤال
كيف يدعو الإنسان أن الله يكفيه شر ما قضى وقد كتب من قبل في اللوح المحفوظ؛ فهل هناك تعارض؟
الجواب
سبق أن بينا أنه لا تعارض بين الدعاء وبين القدر، بل الدعاء من الأسباب، فالإنسان المأمور بالدعاء، فيدعو ربه أن يكفيه شر ما قضى، ويدعو ربه ويسأله الرزق، يدعو ربه أن يعطيه الحياة الطيبة، ويدعو ربه أن يوفقه للعمل الصالح، هذه كلها أدعية مأمور بها، فيفعلها الإنسان وهي من جملة الأسباب.
وحينئذٍ لا تتعارض مع القدر، خاصة وأن النبي ﷺ أوصانا بالدعاء، وأن الدعاء عبادة، فقال: (الدعاء هو العبادة) ، وقال الله تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠] ، والرسول أيضاً في الحديث الآخر بين أن الإنسان إذا دعا لابد أن يعطى إحدى ثلاث خصال إذا كانت دعوته صحيحة، وليس فيها قطيعة رحم، وكانت تامة الشروط: فإما أن يستجاب له دعاؤه، وإما أن يدفع عنه من الشر مثله، أو يدخر له ذلك إلى يوم القيامة، فيجده عند الله .
إذاً: الإنسان مأمور بذلك، وكون الإنسان دعا فاستجيب له تبين لنا أن حصول هذا الأمر بسبب الدعاء، وكون الإنسان الآخر دعا ولم يستجب له تبين لنا أن هذا الإنسان لم يتحقق له هذا الأمر الذي دعا الله أن يحققه له، ولكن هو مأجور على دعائه، ومصيب فيه، وله أجره عند الله .
стр. 273
بيان أن الجنة التي كان فيها آدم ﵇ هي التي أعدت للمتقين
السؤال
في الحديث: (في الجنة ما لا عين رأيت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر) ، هل الجنة التي كان فيها آدم هي المراد هنا في الحديث؟ وهل كيفية نزول آدم معروفة؟
الجواب
القول الراجح أن الجنة التي كان فيها آدم هي الجنة التي أعدت للمتقين، أما كيفية نزول آدم فلم يرد في ذلك لدينا دليل عن الرسول ﷺ .
стр. 274
حكم عد حروف القرآن ومعنى إعرابه
السؤال
هل من قال إن عد حروف القرآن ليس شيئاً مهماً، مصيب أو مخطئ؟ وهل إعراب القرآن هو إعراب كل كلمة، أو تفسيره أم ماذا؟
الجواب
إعراب القرآن هو أن يكون الإنسان ماهراً به، يقرؤه بصفة طيبة، بحيث يرفع المرفوع وينصب المنصوب ويجر المجرور ويجزم المجزوم، هذا الذي يقال إنه يعرب القرآن، وقد لا يشترط أن يكون عارفاً بأوجه إعراب القرآن، فهذا هو الذي يقال عنه إنه معرب للقرآن وماهر به، وهو المقصود بالأثر الوارد في فضل من أعرب القرآن، فليس شرطاً أن يكون الإنسان ملماً بقضاياه النحوية ومسائله.
أما بالنسبة لعد حروف القرآن فعد حروف القرآن جائز، لكن التكلف في ذلك وجمعها وغير ذلك مما يؤدي إلى إضاعة وقت بدون فائدة يستفيد منها المسلمون، هذا هو الذي يُنهى عنه.
стр. 275
إثبات صفة الكتابة لله
السؤال
هل نستطيع أن نقول إن الكتابة من صفات الله تعالى؟
الجواب
نعم، من صفات الله أنه كتب، فإن الله كتب كتاباً عنده فوق العرش، فيقال عنه : إن من صفاته أنه كتب.
стр. 276
مقدار يوم القيامة على المؤمن
السؤال
هل صحيح أن فترة البرزخ للمؤمن كصلاة ظهر أو صلاة عصر؟ وهل مدة القيامة للمؤمن أيضاً كصلاة ظهر أو صلاة عصر؟ وإن كان هذا صحيحاً فهل لو مات المؤمن فإنه يدخل الجنة بعد هذه المدة البسيطة؟
الجواب
الوارد عن النبي ﷺ أن يوم القيامة على طوله يكون بالنسبة للمؤمن كصلاة مكتوبة، أي أن الله يهونه عليه، وييسر هذا اليوم الطويل عليه، لكن لا يعني ذلك أنه يتغير الزمن، بل الزمن هو الزمن، والطول هو الطول، وهو بالنسبة للكفار وللمنافقين والعصاة بحسب عصيانهم طويل وشاق، لكن بالنسبة للمؤمن الصادق ييسره الله ويسهله عليه حتى يصير كصلاة مكتوبة، نسأل الله الكريم من فضله.
стр. 277
المتساقطون من الصراط يدخلون النار
السؤال
هل الذي يسقط من على الصراط في جهنم يعد ممن دخل النار؟
الجواب
نعم، ممن يدخل النار أولئك الذي يتساقطون من على الصراط، نسأل الله السلامة والعافية.
والله أعلم، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 278
شرح كتاب لمعة الاعتقاد [١٢]
أهل السنة والجماعة يعرفون للنبي ﷺ منزلته العالية، ومكانته العظيمة، فلا يغلون فيه، ولا يجفون عنه؛ بل يقولون عنه ما أرشدهم نبيهم أن يقولوا عنه: عبد الله ورسوله، فهو عبد فلا يعبد، ورسول يطاع ولا يعصى.
ويعرفون أيضاً فضل صحابته الأطهار، الأماجد الأخيار، وينزلونهم منازلهم من غير وكس ولا شطط، ويؤمنون أن أولى الناس بالإمامة والخلافة بعد رسول الله ﷺ هو أبو بكر ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، ويحبون أزواج النبي ﷺ أمهات المؤمنين ويترضون عنهم وعن الصحابة أجمعين، كما أنهم يدينون بالسمع والطاعة لأئمة المسلمين، ويرون الجهاد معهم، والصلاة خلفهم، ولو كانوا فجرة ما لم يظهروا كفراً بواحاً، كما أنهم لا يرضون التسمي بغير الإسلام والسنة وكفى بهما تسمية وشرفاً.
стр. 279
حقوق النبي ﷺ وخصائصه
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فصل: ومحمد رسول الله ﷺ خاتم النبيين، وسيد المرسلين] .
وهذا في بيان بعض حقوقه ﷺ ، وما يجب له، ولهذا فإن الأمر يتعلق بقضيتين اثنتين بالنسبة للرسول ﷺ : إحداهما: ما هو الواجب على كل مسلم بالنسبة لهذا الرسول ﷺ .
والأخرى: ما هي خصائص الرسول ﷺ التي تميز بها عن غيره من الأنبياء.
стр. 280
حقوق النبي ﷺ
أما الأولى: فهي القضية الإيمانية المرتبطة بشهادة أن محمداً رسول الله، ولهذا فإن هذه الشهادة مقتضاها عدة أمور، سأشير إليها فقرة فقرة باختصار شديد: أولها: تصديقه في كل ما أخبر به.
ثانيها: طاعته في كل ما أمر به.
ثالثها: اجتناب ما نهى عنه الرسول ﷺ .
رابعها: ألا يعبد الله إلا بما شرعه ﷺ .
خامسها: الإيمان بأنه بلغ البلاغ المبين، فما انتقل إلى الرفيق الأعلى إلا وقد بلغ جميع ما أنزل إليه من ربه.
سادسها: الإيمان بأنه ﷺ خاتم النبيين، ولا نبي بعده، فمن اعتقد أن هناك نبياً بعده، وأن نبوته صحيحة، فإنه قد انتقضت عليه شهادة أن محمداً رسول الله.
وقد سبق بيان أن نزول عيسى ﵊ في آخر الزمان لا يتعارض مع ما هو مقرر من أن محمداً خاتم النبيين.
سابعها: محبته ﷺ ، وهي محبة واجبة، وتقديم هذه المحبة على محبة النفس والولد والوالد والناس أجمعين، كما ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده وماله ونفسه والناس أجمعين) .
هذه أهم القضايا التي هي قضايا واجبة، وهي من مقتضيات شهادة أن محمداً رسول الله.
стр. 281
االنبي ﷺ خاتم النبيين وسيد المرسلين
ومن خصائصه ﷺ أنه ﵊ خاتم النبيين، فلا نبي بعده.
ومن خصائصه أنه سيد المرسلين، وسيد الأولين والآخرين، ولهذا فإن أفضل الأنبياء والرسل هم الرسل، وأفضل الرسل هم أولو العزم، والقول الصحيح أنهم الخمسة المذكورون في قول الله : ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [الأحزاب:٧] .
وأفضل هؤلاء الخمسة محمد ﷺ ، فهو أفضل الأنبياء والرسل، ولما كان الأنبياء والرسل هم أفضل الأمم، والرسول هو أفضل الرسل، فهو سيد ولد آدم، وهو أفضل خلق الله ﷺ .
ثم يقول المصنف: [ولا يصح إيمان عبد حتى يؤمن برسالته، ويشهد بنبوته] .
أي: أن يؤمن أنه رسول، وأن يشهد أنه نبي من أنبياء الله .
стр. 282
اختصاصه ﷺ بالشفاعة العظمى
ثم يقول: [ولا يقضى بين الناس في القيامة إلا بشفاعته] .
أي: لابد من الإيمان بهذه الخصيصة له ﷺ ، وهي أنه صاحب الشفاعة العظمى، وقد سبق بيانها.
وأحب أن أشير هنا إلى أن قول الله : ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء:٧٩] ، قال كثير من المفسرين: المقام المحمود هو شفاعة محمد ﷺ ، حينما يطلب الخلائق جميعاً من ربهم فصل القضاء بينهم في العرصات، فيبحثون عن شفيع لهم عند الله ، فيأتون آدم، ثم نوحاً، ثم إبراهيم، ثم موسى، ثم عيسى، إلى أن ينتهوا إلى رسول الله ﷺ .
وورد أيضاً أن المقام المحمود هو استفتاح الجنة، وأن النبي ﷺ هو الذي يستفتح باب الجنة فيفتح له، وأن خازن الجنة حينما يقرع عليه رسول الله ﷺ بابها يقول: من؟ فيقول: محمد، فيقول: لقد أمرت بألا أفتح إلا لك؛ ولهذا يفتح للنبي ﷺ ، ويدخل وتدخل أمته، ولهذا ورد عن النبي ﷺ أنه قال (نحن الآخرون السابقون) ، أي: نحن جئنا في آخر الزمان لكننا السابقون يوم القيامة، أي: أننا نسبق الأمم جميعاً، فأمة محمد ﷺ هي أكثر الأمم داخلاً الجنة يوم القيامة، وكذلك أيضاً هي أول الأمم دخولاً إلى الجنة، نسأل الله الكريم من فضله.
ولهذا قال المصنف ﵀: [ولا يدخل الجنة أمة إلا بعد دخول أمته] .
стр. 283
إثبات لواء الحمد للنبي ﷺ
ثم قال المصنف: [صاحب لواء الحمد] .
ولواء الحمد ورد بيان شيء من معناه في حديث الرسول ﷺ الذي رواه أبو سعيد الخدري ﵁ أنه قال: (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وبيدي لواء الحمد ولا فخر، وما من نبي يومئذٍ آدم فمن سواه إلا تحت لوائي، وأنا أول من تنشق عنه الأرض ولا فخر) ، هذا الحديث بتمامه رواه الترمذي، وهو حديث صحيح، لكن أوله: (أنا سيد ولد آدم) وآخره: (وأنا أول من تنشق عنه الأرض) ، هو في صحيح مسلم، لكن ما يتعلق بالموضوع وهو قوله: (وبيدي لواء الحمد ولا فخر، وما نبي يومئذٍ آدم فمن سواه إلا تحت لوائي) هذا هو الذي رواه الترمذي، وهو حديث صحيح.
وهذا اللواء للرسول ﷺ معناه أنه يكون قائد المرسلين، وقائد الأمم، ومن علامات هذه القيادة الشفاعة العظمى، ومن علاماتها دخوله ﵊ وأمته الجنة أول الداخلين.
стр. 284
إثبات المقام المحمود والحوض المورود للنبي ﷺ
قال المصنف: [والمقام المحمود] الذي هو الشفاعة العظمى وسبق بيانه، [والحوض المورود] وهو أكبرها، وورد أن لكل نبي حوضاً، وقد سبق بيان ذلك.
قال المصنف: [وهو إمام النبيين وخطيبهم] .
فهو إمامهم وسيدهم ﵊، وهو أيضاً خطيبهم، ولهذا ورد هذا في حديث حسن رواه أبي بن كعب ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا كان يوم القيامة كنت إمام النبيين، وخطيبهم، وصاحب شفاعتهم، من غير فخر) ، فهو ﷺ الإمام، وهو الخطيب، وهو صاحب الشفاعة، ولهذا فإنه ﷺ يقوم يوم القيامة مقاماً يحمده عليه جميع الخلائق.
стр. 285
فضل أمة النبي ﷺ
قال المصنف: [وصاحب شفاعتهم، أمته خير الأمم] .
أمة النبي ﷺ هي خير الأمم، وعدد من يدخل الجنة منها أكثر ممن يدخل من الأمم، ومن ثمَّ تميزت هذه الأمة بعدد من الفضل والخير العميم، فكانت خير الأمم جميعاً، ولو لم يكن إلا أن عدد الداخلين إلى الجنة من أهلها أكبر، لكان كافياً في بيان أفضليتها.
следующие страницы →