← Джавами‘

Джавами‘ · id 7741

دروس للشيخ سعود الشريم

سعود الشريم

Полный текст (518 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

الصبر على المصائب بين الله في كتابه أنه لم يخلق الحياة والموت في هذا الكون إلا ليبتلي خلقه ليعلم الصابر من القانط والراضي من الساخط، وأشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى المرء على حسب دينه، والله إذا أحب عبداً ابتلاه لأنه يعجل له عقابه في الدنيا وعذاب الدنيا يزول ولا يدوم بخلاف عذاب الآخرة.

стр. 2

الدنيا دار ابتلاء الحمد لله مزيل الهم، وكاشف الغم، أحمده سبحانه وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، فهو مولي النعم وصارف النقم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله، ذو الشرف الأسمى والخلق الأعظم صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وأتباعه وبارك وسلم. أما بعد: أيها المسلمون: شر ما منيت به النفوس يأس يميت القلوب، وقنوط تظلم به الدنيا، وتتحطم معه الآمال، إن في هذه الدنيا مصائب ورزايا ومحناً وبلايا. آلام تضيق بها النفوس، ومزعجات تورث الخوف والجزع، كم ترى من شاكٍ، وكم تسمع من لوام، يشكو غلاً وسقماً أو حاجة وفقراً، متبرم من زوجه وولده، لوام لأهله وعشيرته، ترى من كسدت تجارته، وبارت صناعته، وآخر قد ضاع جهده ولم يدرك مرامه. إن من العجائب -أيها المؤمنون- أن ترى أشباه رجال قد أتخمت بطونهم شبعاً ورياً، وترى أولي عزم ينامون على الطوى. إن فيها من يتعاظم ويتعالى حتى يتطاول على مقام الربوبية والألوهية، وفيها من يستشهد دونه، وفيها من يستشهد دفاعاً عن الحق وأهل الحق، تلك هي الدنيا تضحك وتبكي، وتجمع وتشتت، شدة ورخاء، وسراء وضراء، دار غرور لمن اغتر بها، وهي عبرة لمن اعتبر بها، إنها دار صدق لمن صدقها، وميدان عمل لمن عمل فيها: ﴿لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [الحديد:٢٣] . تتنوع فيها الابتلاءات وألوان الفتن، يبتلى أهلها بالمتضادات والمتباينات: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء:٣٥] ولكن إذا استحكمت الأزمات وترادفت الطوائف؛ فلا مخرج إلا بالإيمان بالله والتوكل عليه وحسن الصبر، ذلك هو النور العاصم من التخبط، وهو الدرع الواقي من اليأس والقنوط. إن من آمن بالله، وعرف حقيقة دنياه؛ وطن نفسه على احتمال المكاره، وواجه الأعباء مهما ثقلت، وحسن ظنه بربه، وأمل فيه جميل العواقب، وكريم العوائد، كل ذلك بقلب لا تشوبه ريبة، ونفس لا تزعزعها كربة، مستيقناً أن بوادر الصفو لا بد آتية: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [آل عمران:١٨٦] . إن أثقال الحياة وشواغلها لا يطيق حملها الضعاف المهازيل، ولا يذهب بأعبائها إلا العمالقة الصبارون أولو العزم من الناس، أصحاب الهمم العالية: ﴿أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى المرء على حسب دينه﴾ حديث أخرجه الترمذي وغيره، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، وأخرج أحمد وأبو يعلى في مسنديهما، والطبراني في الكبير والأوسط من معاجمه عن رسول الله ﷺ قال: ﴿إن العبد إذا سبقت له من الله منزلة فلم يبلغها بعمل ابتلاه الله في جسده أو ماله أو ولده ثم صبر على ذلك حتى يبلغ المنزلة التي سبقت له من الله ﴾ . أيها المؤمنون: كم من محنة في طيها منح ورحمات، هاهو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ﵈ يضرب المثل في الرضا عن مولاه، والصبر على ما يلقاه صبراً جميلاً بعده صبر أجمل مع الأخذ بالأسباب والقوة بالأمل، يقول لأبنائه في حاله الأول: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف:١٨] ثم يقول في الحال الثاني، وهو أعظم أملاً، وبربه أكثر تعلقاً: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [يوسف:٨٣] . كل ذلك من هذا الشيخ الكبير صاحب القلب الوديع، ثم يقول: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٨٦] يقين أرسى من الجبال، وعلم بالله لا يرقى إليه شك، وإن من علمه ويقينه وقوة رجائه أن أمر أبناءه: ﴿يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف:٨٧] .

стр. 3

الفرق بين الصابر والجازع إن المؤمن الواثق لا يفقد صفاء العقيدة ونور الإيمان إن هو فقد من صافيات الدنيا ما فقد، أما الإنسان الجزوع فإن له من سوء الطبع ما ينفره من الصبر، ويضيق عليه مسالك الفرج إذا نزلت به نازلة، أو حلت به كارثة أو ضاقت عليه الأرض بما رحبت، وتعجل في الخروج متعلقاً بما لا يضره ولا ينفعه. إن ضعف اليقين عند هؤلاء وأمثالهم يصدهم عن الحق، ويضلهم عن الجادة؛ فيخضعون ويذلون لغير رب الأرباب ومسبب الأسباب، يتملقون العبيد، ويتقلبون في أنواع هذه الملذات، ويكيلون من المديح والثناء ما يعلمون من أنفسهم أنهم فيه كذبةً أفاكون، بل قد يرقى بهم تملقهم المقيت أن يطعنوا في الآخرين، ويقعوا في الأبرياء من المسلمين. إن أي مخلوق مهما بلغ من عز أو منزلة فلن يستطيع قطع رزق، أو رد مقدور، أو انتقاصاً من أجل: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ [الروم:٤٠] . في حديث عن أبي سعيد مرفوعاً: ﴿إن من ضعف اليقين أن ترضي الناس بسخط الله، وأن تحمدهم على رزق الله، وأن تذمهم على ما لم يؤتك الله﴾ . إن رزق الله لا يجره حرص حريص، ولا ترده كراهية كاره، وإن الله بحكمته جعل الروح والفرح في الرضا واليقين، وجعل الهم والحزن في الشك والسخط، إن من فقد الثقة بربه اضطربت نفسه، وساء ظنه، وكثرة همومه، وضاقت عليه المسالك، وعجز عن تحمل الشدائد، فلا ينظر إلا إلى مستقبل أسود، ولا يترقب إلا الأمل المظلم. أيها الإخوة في الله: هذه هي حال الدنيا، وذلك هو مسلك الفريقين فعلامَ الطمع والهلع؟ ولماذا الضجر والجزع؟ أيها المسلم: لا تتعلق فيما لا يمكن الوصول إليه، ولا تحتقر من أظهر الله فضلك عليه، واستيقن أن الله هو العالم بشئون خلقه، يعز من يشاء ويذل من يشاء، يخفض ويرفع، ويعطي ويمنع، هو أغنى وأقنى، وهو أضحك وأبكى، وهو أمات وأحيا. إن المؤمن لا تبطره نعمة، ولا تفزعه شدة. إن أمر المؤمن كله خير إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له، ولا يكون ذلك إلا للمؤمن. في هذا صح الخبر عن المصطفى ﷺ ، فاتقوا الله يرحمكم الله، واصبروا واثبتوا وأملوا، واكلفوا من العمل ما تطيقون، ولا تطغينكم الصحة والثراء، والعز والرخاء، ولا تضعفنكم الأحداث والشدائد، ففرج الله آت ورحمة الله قريب من المحسنين. اللهم إنا نعوذ بك من جهد البلاء، ودرك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء، ونسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وكلمة الحق في الغضب والرضا، والقصد في الفقر والغنى، وأحسن اللهم عاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [فاطر:٢-٣] . نفعني الله بهدي كتابه، وبسنة نبيه محمد ﷺ ، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 4

الحكمة من الابتلاءات الحمد لله جعل لكل شيء قدراً، وأحاط بكل شيء خبراً، أحمده سبحانه وأشكره، فنعمه علينا تترى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله خص بالمعجزات الكبرى، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فاتقوا الله -أيها المؤمنون- واعلموا أن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فعليه السخط، وإذا أراد الله بعبده خيراً عجل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد بعبده الشر أمسك عنه بذنبه حتى يوافى به يوم القيامة، لهذا جاء في الأخبار عن المصطفى المختار صلى الله وسلم عليه وعلى آله. الابتلاءات في هذه الدنيا مكفرات للذنوب، حاطة للخطايا، تقتضي معرفتها الإنابة إلى الله، والإعراض عن خلقه، وهي هدىً ورحمة وصلوات من المولى الكريم: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة:١٥٧] . فاتقوا الله ربكم، وأحسنوا الظن به، وأملوا فيما عنده، واعملوا صالحاً. ثم صلوا وسلموا على البشير النذير والسراج المنير نبيكم محمد بن عبد الله فقد أمركم بذلك ربكم فقال عز من قائل: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين، وارضَ اللهم عن الخلفاء الأربعة الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك يا أرحم الراحمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، واحمِ حوزة الدين، ودمر اليهود ومن شايعهم وسائر الكفرة والملحدين، اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك يا رب العالمين. اللهم أيد بالحق إمام المسلمين، وارزقه البطانة الصالحة، ووفقه لما تحب وترضى، واجمع به كلمة المسلمين. اللهم انصر إخواننا المجاهدين الذين يجاهدون في سبيلك لإعلاء كلمتك وإعزاز دينك، اللهم أيدهم بتأييدك وانصرهم بنصرك، اللهم سدد سهامهم وآراءهم وأنزل عليهم النصر، وثبت أقدامهم، اللهم اجعل الدائرة على أعدائهم، واجعل تدبير الأعداء في تدميرهم يا قوي يا عزيز. اللهم وأبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر إنك على كل شيء قدير. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُون؛ فاذكروا الله الجليل يذكركم، واشكروا نعمه يزدكم، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.

стр. 5

ألا بذكر الله تطمئن القلوب الذكر حياة القلب، وسبيل لانشراح الصدر، بل به تجلى الكروب، وتزول الهموم، وتطرد الشياطين، ولكن لا ينبغي الذكر باللسان مع غفلة القلب، وهذه الخطبة تبين منزلة الذكر من العبادات وفائدته للذاكرين.

стр. 6

أهمية الذكر الحمد لله ذاكر من ذكره، يتولى الصالحين، ويثيب الذاكرين، ويزيد من شكره، أحمده سبحانه وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، فما خاب من ذكره، وما انقطع من شكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله؛ سيد الذاكرين، وقدوة الشاكرين، ﷺ وبارك على آله وصحبه الأتقياء البررة، أما بعد: فأوصيكم -أيها الناس- ونفسي بتقوى الله ، اتقوه في السر والعلن، اتقوه واعبدوه، واسجدوا له وافعلوا الخير لعلكم تفلحون. أيها الناس: إن قلوب البشر طراً كغيرها من الكائنات الحية، التي لا غنى لها عن أي مادة من المواد التي بها قوام الحياة والنماء، ويتفق العقلاء جميعاً أن القلوب قد تصدأ كما يصدأ الحديد، وأنها تظمأ كما يظمأ الزرع، وتجف كما يجف الضرع، ولذا فهي تحتاج إلى تذليل وري، يزيلان عنها الأصداء والظمأ، والمرء في هذه الحياة محاط بالأعداء من كل جانب، نفسه الأمارة بالسوء تورده موارد الهلكة، وكذا هواه وشيطانه، فهو بحاجة ماسة إلى ما يحرزه ويؤمنه، ويسكن مخاوفه، ويطمئن قلبه، وإن من أكثر ما يزيل تلك الأدواء، ويحرز من الأعداء ذكر الله والإكثار منه لخالقها ومعبودها، فهو جلاء القلوب وصقالها، ودواءها إذا غشيها اعتلالها، قال ابن القيم ﵀: سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: الذكر للقلب مثل الماء للسمك، فكيف يكون حال السمك إذا فارق الماء؟! عباد الله! العلاقة بين العبد وبين ربه، ليست محصورة في ساعة مناجاته في الصباح أو في المساء فحسب، ثم ينطلق المرء بعدها في أرجاء الدنيا غافلاً لاهياً، يفعل ما يريد دون قائد ولا محكم، كلا فهذا تدين مغشوش، العلاقة الحقة أن يذكر المرء ربه حيثما كان، وأن يكون هذا الذكر مقيداً مسالكه بالأوامر والنواهي، ومشعراً الإنسان بضعفه البشري، ومعيناً له على اللجوء إلى خالقه في كل ما يعتريه.

стр. 7

فضل الذكر من القرآن والآثار لقد حث الدين الحنيف على أن يتصل الإنسان بربه، ليحيي ضميره وتزكو نفسه ويتطهر قلبه، ويستمد منه العون والتوفيق، ولأجل هذا جاء في محكم التنزيل، والسنة النبوية المطهرة ما يدعو إلى الإكثار من ذ كر الله على كل حال، فقال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذ ِكْراً كَثِيراً * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ [الأحزاب:٤١-٤٢] وقال سبحانه: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٣٥] وقال جل شأنه: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال:٤٥] وقال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة:١٥٢] . وقال سبحانه: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت:٤٥] وقال صلوات الله وسلامه عليه: ﴿كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم﴾ متفق عليه. وقال صلوات الله وسلامه عليه: ﴿ألا أنبئكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخيراً لكم من إعطاء الذهب والورق، وخيراً لكم من أن تلقوا عدوكم، فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: ما هو يا رسول الله؟ قال: ذكر الله ﴾ رواه أحمد. وقال صلوات الله وسلامه عليه: ﴿من قال سبحان الله وبحمده، غرست له نخلة في الجنة﴾ رواه الحاكم وحسنه الترمذي وصححه. عباد الله: ذكر الله تعالى منزلة من منازل هذه الدار يتزود منها الأتقياء، ويتجرون فيها، وإليها دائماً يترددون، الذكر قوت القلوب، الذي متى فارقها صارت الأجساد لها قبوراً، وعمارة الديار التي إذا تعطلت عنه صارت دوراً بوراً، وهو السلاح الذي يقاتل به قطاع الطريق، والماء الذي يقطع به لهب الحريق. بالذكر -أيها المسلمون- تستدفع الآفات، وتستكشف الكربات، وتهون به المصائب والملمات، زين الله به ألسنة الذاكرين، كما زين بالنور أبصار الناظرين، فاللسان الغافل كالعين العمياء، والأذن الصماء، واليد الشلاء، والذاكر الله لا تدنيه مشاعر الرغبة والرهبة من غير الله، ولا تقلقه أعداد القلة والكثرة، وتستوي عنده الخلوة والجلوة، ولا تستخفه مآرب الحياة ودروبها، ذكر الله باب مفتوح بين العبد وبين ربه، ما لم يغلقه العبد بغفلته. قال الحسن البصري رحمه الله تعالى: [[تفقدوا الحلاوة في ثلاثة أشياء: في الصلاة، وفي الذكر، وفي قراءة القرآن، فإن وجدتم وإلا فاعلموا أن الباب مغلق]] . إن الذنوب كبائرها وصغائرها لا يمكن أن يرتكبها بنو آدم إلا في حال الغفلة والنسيان لذكر الله ؛ لأن ذكر الله تعالى سبب للحياة الكاملة التي يتعذر معها أن يرمي صاحبها بنفسه في أتون الجحيم، أو غضب وسخط الرب العظيم، وعلى الضد من ذلك التارك للذكر، الناسي له؛ فهو ميت لا يبالي الشيطان أن يلقيه في أي مزبلة شاء، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف:٣٦] وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه:١٢٤] . قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: [الشيطان جاثم على قلب ابن آدم، فإذا سها وغفل وسوس، فإذا ذكر الله خنس] وكان رجل رديف النبي ﷺ على دابة، فعثرت الدابة بهما فقال الرجل: تعس الشيطان! فقال له النبي ﷺ : ﴿لا تقل تعس الشيطان؛ فإنه عند ذلك يتعاظم حتى يكون مثل البيت، ولكن قل: باسم الله؛ فإنه يصغر عند ذلك حتى يكون مثل الذباب﴾ رواه أحمد وأبو داود وهو صحيح. وحكى ابن القيم ﵀ عن بعض السلف أنهم قالوا: إذا تمكن الذكر من القلب، فإن دنا منه الشيطان صرعه الإنسي كما يصرع الإنسان إذا دنا منه الشيطان، فيجتمع عليه الشياطين فيقولون: ما لهذا؟ فيقال: قد مسه الإنسي. الإكثار من ذكر الله براءة من النفاق، وفكاك من أسر الهوى، وجسر يصل به العبد إلى مرضاة ربه وما أعده الله له من النعيم المقيم، بل هو سلاح مقدم على أسلحة الحروب الحسية التي لا تكلم؛ فقد ثبت عن النبي ﷺ في فتح القسطنطينية: ﴿فإذا جاءوها، نزلوا فلم يقاتلوا بالسلاح، ولم يرموا بسهم، قالوا: لا إله إلا الله، والله أكبر فيسقط أحد جانبيها، ثم يقولون الثانية: لا إله إلا الله والله اكبر، فيسقط جانبها الآخر، ثم يقولون الثالثة: لا إله إلا الله والله أكبر فيفرج لهم فيدخلونها فيغنمون﴾ الحديث رواه مسلم في صحيحه.

стр. 8

دور الذكر في شفاء الأسقام وكشف الكروب أيها الناس: ذكر الله تعالى أشرف ما يخطر بالبال، وأطهر ما يمر بالفم وتنطق به الشفتان، وأسمى ما يتعلق به العقل المسلم الواعي، والناس بعامة قد يقلقون في حياتهم أو يشعرون بالعجز أمام ضوائق أحاطت بهم من كل جانب، وهم أضعف من أن يرفعوها إذا نزلت، أو يدفعوها إذا أوشكت، ومع ذلك فإن ذكر الله يحيى في نفوسهم استشعار عظمة الله وأنه على كل شيء قدير، وأن شيئاً لن يفلت من قهره وقوته، وأنه يكشف ما بالمُعنَّى إذا ألم به العناء، حينها يشعر الذاكر بالسعادة وبالطمأنينة يعمران قلبه وجوارحه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨] . أيها المسلم الكريم: لا تخش غماً، ولا تشك هماً، ولا يصبك قلق مادام قرينك هو ذكر الله، يقول جل وعلا في الحديث القدسي: ﴿أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني؛ فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم﴾ رواه البخاري ومسلم. واشتكى عليّ وفاطمة ﵄ إلى رسول الله ﷺ ما تواجهه من الطحن والعمل المجهد، فسألته خادما، فقال ﷺ : ﴿ألا أدلكما على ما هو خير لكما من خادم، إذا أويتما إلى فراشكما، فسبحا الله ثلاثاً وثلاثين، واحمداه ثلاثاً وثلاثين، وكبراه أربعاً وثلاثين، فتلك مائة على اللسان وألف في الميزان فقال علي ﵁: ما تركتها بعدما سمعتها من النبي ﷺ ، فقال له رجل: ولا ليلة صفين؟ قال: ولا ليلة صفين﴾ . وليلة صفين ليلة حرب ضروس، دارت بينه وبين خصومه، رضي الله تعالى عنهم أجمعين. عباد الله! لو كلف كل واحد منا نفسه أن يحرك جفنيه؛ ليرى يمنة ويسرة مشاهد متكررة من صرعى الغفلة وقلة الذكر، أفلا ينظر إلى ظلمة البيوتات الخاوية من ذكر الله تعالى، أولا ينظر إلى المرضى والمنكسرين أوكلهم الله إلى أنفسهم لما نسوه، فلم يجبروا عظماً كسره الله، وازدادوا مرضاً إلى مرضهم، أولا ينظرون إلى المسحورين والمسحورات وقد تسللت إليهم أيدي السحرة والمشعوذين، والدجاجلة الأفاكين، فانتشلوا منهم الهناء والصفاء، واقتلعوا أطناب الحياة الهادئة، فخر عليهم سقف السعادة من فوقهم. أولا يتفكر الواحد منكم في أولئك المبتلين بمس الجان ومردة الشياطين، يتوجعون ويتقلبون تقلب الأسير على الرمضاء، تتخبطهم الشياطين من المس فلا يقر لهم قرار، ولا يهدأ لهم بال؟ أرأيتم عباد الله! لو كلف كل واحد منكم نفسه بهذا، أفلا يسائل نفسه: أين هؤلاء البؤساء، من ذكر الله ؟ أين هم جميعاً من تلك الحصون المكينة، والحروز الأمينة التي تعتقهم من عبودية الغفلة، والأمراض الفتاكة؟ أما علم هؤلاء جميعاً، أن لدخول المنزل ذكراً وللخروج منه، أما علموا أن للنوم ذكراً وللاستيقاظ منه؟ أو ما علموا أن لصباح كل يوم ذكراً وللمساء؟ بل حتى في مواقعة الزوج أهله، بل وفي دخول الخلاء، -أعزكم الله- والخروج منه، بل وفي كل شيء، ذكر لنا منه الرسول ﷺ أمراً، علمه من علمه وجهله من جهله. والواقع -أيها الناس- أنه إنما خذل من خذل من أمثال هؤلاء الغافلين، لأنهم على عجزهم وضعفهم ظنوا أنفسهم شيئاً مستقلاً، لا سباق لهم في ميدان ذكر الله، بينما نجد آخرين عمالقة في قوتهم، وهم مع ذلك يرون أنفسهم صفراً من دون ذكر الله تعالى، فكانت النتيجة أن طرح الله البركة واليُمن على من ذكروه؛ فنجوا وأفلحوا، ورفع رضوانه وتأييده عمن اعتز بنفسه؛ فتركه مكشوف السوءة، عريان العورة. وفي حضارتنا المعاصرة كثر المثقفون، وشاعت المعارف الفكرية، ومع ذلك كله فإن اضطراب الأعصاب وانتشار الكآبة داء عام، فما الأمر وما السبب في ذلك؟ إنه خواء القلوب من ذكر الله، إنها لا تذكر الله كي تتعلق به وتركن إليه، بل كيف تذكر من تتجاهله، إن الحضارة الحديثة والحياة المادية الجافة؛ مقطوعة الصلة عن الله، إلا من رحم الله، والإنسان مهما قوي فهو ضعيف، ومهما علم فعلمه قاصر، وحاجته إلى ربه أشد من حاجته إلى الماء والهواء، وذكر الله في النوازل عزاء للمسلم ورجاء: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨] . ولو تنبه المسلمون لهذا، والتزموا الأوراد والأذكار لما تجرأ بعد ذلك ساحر، ولا احتار مسحور، ولا قلت بركة، ولا تكدر صفو، ولا تنغص هناء. عباد الله! هناك من الناس من يذكرون الله ولكنهم لا يفقهون الذكر، فتصبح بعيدة عن استشعار جلال الله وقدره حق قدره، وذكر الله كلام: ﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٢٣] غير أن الناس ما ألفوا منه جهلوا معناه، لا يرددونه إلا كما يرددون كلاماً تقليدياً، وإلا فهل فكر أحد في كلمة: الله أكبر التي هي رأس التكبير وعماده، وهي أول ما كلف به المصطفى ﷺ ، حين أمر بالإنذار: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [المدثر:١-٣] إنها كلمة عظيمة، تحيي موات الأرض الهامدة، فصوتها هدير كهدير البحر المتلاطم، أو هي أشد وقعاً، إنها كلمة ينبغي أن تدوي في أذن كل سارق وناهب لترتجف يده، ويهتز كيانه، وكذا تدوي في أذن كل من يهم بإثم أو معصية، ليقشعر ويرتدع، وينبغي أن تدوي في أذن كل ظالم معتدٍ متكبر، ليتذكر إن كان من أهل الذكرى أن هناك إلهاً أقوى منه، وأكبر من حيلته واستخفافه ومكره، أخذه أقوى من أخذ البشر ومكرهم وخديعتهم الله أكبر، الله أكبر كبيراً، فاتقوا الله أيها المسلمون! واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون، واتق الله أيها المسلم الغافل! فإن كنت بعد هذا قد أحسست أنك ممن فقد قلبه بسبب غفلته، فلا تيئس بوجوده بذكر الله. فقد يجمع الله الشتيتين من بعد ما يظنان كل الظن ألا تلاقيا ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المنافقون:٩] . بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين والمسلمات من كل ذنب وخطيئة، فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 9

سر الذكر في دفع الضر الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، تعظيماً لشانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، الداعي إلى رضوانه، صلوات ربي وسلامه عليه، وعلى آله وصحبه وإخوانه. أما بعد: فاتقوا الله معشر المسلمين، واعلموا -وفقكم الله- أن لسائل أن يسأل: ما بال ذكر الله سبحانه مع خفته على اللسان، وقلة التعب فيه، صار أنفع وأفضل من جملة من العبادات مع المشقات المتكررة فيها؟ ف الجواب هو أن الله سبحانه جعل لسائر العبادات مقداراً، وجعل لها أوقاتاً محدودة، ولم يجعل لذكر الله مقداراً ولا وقتاً، وأمر بالإكثار منه بغير مقدار، ولأن رءوس الذكر هي الباقيات الصالحات، لما ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: ﴿خذوا جُنتكم، قلنا يا رسول الله! من عدو قد حضر؟ قال: لا، جُنتَّكم من النار قولوا: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله، والله أكبر؛ فإنهن يأتين يوم القيامة منجيات ومقدمات وهن الباقيات الصالحات﴾ رواه الحاكم وصححه. ثم ليعلم كل مسلم صادق أن المؤثر النافع، هو الذكر باللسان على الدوام مع حضور القلب، لأن اللسان ترجمان القلب؛ والقلب حافظة مستحفظة للخواطر والأسرار، ومن شأن الصدر أن ينشرح بما فيه من ذكر، ويلذ على اللسان، ولا يكتفي بمخاطبة نفسه به في خلواته حتى يفضي به بلسانه، متأولاً قول الله : ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [الأعراف:٢٠٥] فأما الذكر باللسان والقلب لاهٍ فهو قليل الجدوى، قال رسول الله ﷺ : ﴿اعلموا أن الله لا يقبل الدعاء من قلب لاه﴾ رواه الحاكم والترمذي وحسنه. وكذا حضور القلب في لحظة بالذكر، والذهول عنه لحظات كثيرة، هو كذلك قليل الجدوى، لأن القلب لا يخلو من الالتفات إلى شهوات الدنيا، ومن المعلوم بداهة أن المتلبس لا يصل سريعاً. ولذا فإن حضور القلب على الدوام أو في أكثر الأوقات هو المقدم على غيره من العبادات، بل به تشرف سائر العبادات، وهو غاية ثمرات العبادات العملية، ولذا فإن رسول الله ﷺ حذر من أن تنفض المجالس دون أن يذكر الله فيها، بقوله: ﴿ما من قوم يقومون من مجلس لا يذكرون الله تعالى فيه إلا قاموا عن مثل جيفة حمار وكان لهم حسرة﴾ رواه أبو داود والحاكم. فهذا رسول الله ﷺ يمقت مجالس الغافلين، وينهى عن كل تجمع خلا من ذكر الله، وأن المجالس التي ينسى فيها ذكر الله وتنفض عن لغط طويل حول مطالب العيش وشهوات الخلق؛ في تهويش وتشويش وهمز ولمز، هي مجالس نتنة، لا شيء فيها يستحق الخلود، إنما الذي يخلد ما اتصل بالله . ولذا فقد قال صلوات الله وسلامه عليه: ﴿من جلس في مجلس فكثر فيه لغطه، فقال قبل أن يقوم من مجلسه ذلك: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، استغفرك وأتوب إليك، إلا كفر الله له ما كان في مجلسه ذلك﴾ رواه الترمذي وابن حبان. هذا وصلوا -رحمكم الله- على خير البرية وأفضل البشرية، محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، صاحب الحوض والشفاعة، فقد أمركم الله في كتابه، فقال من قائل عليم: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] . اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبيك محمد، صاحب الوجه الأنور والجبين الأزهر، وارض اللهم عن خلفائه الأربعة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر الصحابة أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وجودك وكرمك يا أرحم الراحمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداءك أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين، اللهم انصر من نصر الدين، واخذل من خذل عبادك المؤمنين. اللهم انصر دينك وكتابك، وسنة نبيك وعبادك المؤمنين، اللهم فرج هم المهمومين من المسلمين، ونفس كرب المكروبين، واقض الدين عن المدينين، واشف مرضانا ومرضى المسلمين، اللهم اجعل اجتماعنا هذا اجتماعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، ولا تجعل فينا شقياً ولا محروماً، يا ذا الجلال والإكرام، اللهم أنت الله لا إله إلا أنت؛ أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم لا تدع لنا في مقامنا هذا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا مبتلى إلا عافيته، ولا كرباً إلا نفَّسته، ولا حاجة من حوائج الدنيا والآخرة فيها لك رضاً ولنا فيها صلاح إلا أعنتنا على قضائها ويسرتها برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم ولِّ على المسلمين خيارهم، واكفهم شرارهم، اللهم اجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك، واتبع رضاك يا رب العالمين، اللهم وفق ولي أمرنا لما تحبه وترضاه، من الأقوال والأعمال يا حي يا قيوم، اللهم أصلح له بطانته يا ذا الجلال والإكرام. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. عباد الله: اذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.

стр. 10

ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها لقد جاءت الشريعة الإسلامية لجلب المصالح ودرء المفاسد، وأعظم المصالح حفظ الضرورات، وإن من الإخلال بذلك التلبس بأي أمر يؤدي إلى الإخلال بواحدة من الضرورات، وعلى المسلم أن يتجنب ذلك، وأن يحذر من الانصياع وراء مغريات الغرب وحضارة الفساد والانهيار.

стр. 11

خطر الإفساد في الأرض الحمد لله سبحانه، وضع الخير فيما أحل وأباح، وجعل السوء فيما حرم ومنع: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة:٥٠] له دعوة الحق، وشرعة الصدق: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام:١٥٣] . وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يضاعف الحسنات، ويمحق السيئات: ﴿قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة:١٠٠] وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صاحب الوجه الأنور، والجبين الأزهر، إمام الأنبياء، وسيد الحنفاء، وقائد الغر المحجلين، صلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه الذين آمنوا ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾ [الحج:٢٤] . أما بعد: فيا أيها الناس: أوصيكم ونفسي بتقوى الله ، فإن تقوى الله حصن عزيز تمنع أهلها، وتحرِّز من لجأ إليها، وبها تُقْطَع حُمَةُ الخطايا، فهي النجاة غداً، والمنجاة أبداً: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه:١٣٢] . عباد الله: الشريعة الإسلامية شريعةٌ غراء سِمَتُها الجُلَّى أن يُعبد الله وحده في الأرض انطلاقاً من قواعد قررها الشارع الحكيم؛ متمثلة في جلب المصالح ودرء المفاسد وحينما يظهر التعارض بين مفسدة ومصلحة فإن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح. وذلك كله يدور محوره حول ضروراتٍ خمس أجمعت الأنبياء والرسل قاطبة على حفظها ورعايتها وهي: - الدين. - والنفس. - والمال. - والعرض. - والعقل.

стр. 12

جزاء المفسدين قال النبي ﷺ : ﴿مَن سن في الإسلام سنة سيئة فعُمِل بها بعده كُتِب عليه مثل وزر مَن عَمِل بها ولا ينقص من أوزارهم شيء﴾ رواه مسلم. وفي لفظ لـ مسلم أيضاً: ﴿مَن دعا إلى ضلالة﴾ الحديث. فهذان اللفظان -عباد الله- صريحان كل الصراحة في تحريم سن الأمور السيئة وإشاعتها بين الناس، سواء كان ذلك تعليمَ علمٍ أو أدبٍ أو عبادةً أو غيرَ ذلك، وسواء كان العمل بها في حياته أو بعد مماته: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [النحل:٢٥] ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [العنكبوت:١٣] . ولقد جاء في السنة النبوية ما يدل على نسبة الأحداث إلى محدثها، وأنه يتحمل إثمه إلى يوم القيامة جراء ما أوقع فيه غيره من إخلال بنهج الله وشرعته، فمن ذلك قول النبي ﷺ : ﴿ما من نفس تقتل ظلماً إلا كان على ابن آدم كِفل منها؛ لأنه أول من سن القتل﴾ رواه البخاري ومسلم. ويقول صلوات الله وسلامه عليه كما في الصحيحين في قصة صلاة الكسوف: ﴿رأيت عمرو بن لُحَي يجر قُصْبَه في النار؛ لأنه أول من سيب السوائب، وغيَّر دين إبراهيم﴾ . وقد ذكر أهل العلم رءوساً كثيرة كانت سبباً في الإحداث بين المسلمين وإضعاف دينهم، بما جلبوه في أوساطهم مما يفرق ولا يجمع، ويضر ولا ينفع: - كـ ابن سبأ: الذي قتل الخليفة عثمان ﵁. - وعبد الرحمن بن ملجم: قاتل علي ﵁. - والجعد بن درهم، والجهم بن صفوان: اللذَين أدخلا الضلال إلى بلاد المسلمين في أصلٍ عظيم من الدين وهو الاعتقاد. - وكـ المأمون: الذي أنشأ دار الحكمة، والتي ترجم من خلالها كتب فلاسفة اليونان، وناضل عن القول بخلق القرآن، وامتحن الناس في أرواحهم وعقائدهم، حتى قال عنه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: إن الله لا يغفل عمل المأمون حينما أدخل علم الكلام، ونصر القول بخلق القرآن، وامتحن الناس فيه. - ومِن بعدِهم كثير وكثير ممن أحدثوا في الدين محدثات سارت بها الركبان وكان لها في الإفساد في الدين في سائر جوانبه كما فعل بولس بدين النصرانية، وفي بعض المُثُل كفاية وغُنْيَة لمن هم في الفَهم فُحُل. عباد الله: إننا حينما نذكر مثل ذلك لنؤكد بقوة وعزم أن الله سبحانه يداول الأيام بين الناس، وأن الفساد والإفساد ماضٍ إلى يوم القيامة، مما يستدعي التحذير والتقريع من أن يقع مسلم ما في عداد المفسدين في الأرض الذين يبغونها عوجاً، من حيث يشعر أو لا يشعر، وأياً كان هذا المسلم صغيراً أو كبيراً، وضيعاً أو غِطْرِيفاً، فالجنة حفت بالمكاره والنار حفت بالشهوات. وإنَّ فتح مسلمٍ ما باب الإفساد أو تخليه عن الإصلاح لما أفسد، لَيُؤكد التبعية عليه، وأن الدين قد يؤتى من قبله فيحمل وزره ووزر من تبعه إلى يوم القيامة، ولقد تمثل ذلك جلياً في دعوات النبي ﷺ إلى الناس كافة، وكان التأكيد أقوى في مخاطبته لزعماء القبائل وملوك الناس؛ لأن مَن كان ذا مسئولية ورعاية عظيمَين كانت التبعية له أو عليه أعظم، ومن هذا المنطلق كتب النبي ﷺ كتاباً قال فيه: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد بن عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم. سلامٌ على مَن اتبع الهدى. أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإسلام: أسلم تَسْلَم يؤتِك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين﴾ رواه البخاري. والمعنى عباد الله: أن عليه إثم الضعفاء والأتباع في مملكته إذا لم يُسلموا تقليداً له؛ لأن الأصاغر أتباع الأكابر. فكل مفسدة يُخشى أن تؤتى من قِبَل ضرورة من هذه الضرورات؛ فإنه يجب درؤها، ودفعُها أولى من رفعِها، وكان على المتسبب فيها سواء كان هو المنشئ الأول أو كان محيياً لها بعد إماتة؛ كان عليه من الإثم والوزر الذي يتجدد عليه بانتشارها، ويتوالى تراكمُه في صحيفة أعماله إبَّان حياته وبعد وفاته إلى أن يَبْعثَ الله مَن في القبور؛ ما لو علمه كثير من المحرضين إلى الشر والمغذِّين للانحراف، لآثروا الموت في مهدهم على أن يقعوا في هُوَّة الذنوب والتبعات.

стр. 13

ذم دعوى تحديث الدين واتباع الكافرين بل لقد تعدى الأمر إلى أبعد من ذلك حتى إلى العلماء الذين هم ورثة الأنبياء، وأهل العلم والذكر، الذين أمروا باستكمال مادة الاجتهاد الموصلة إلى تقرير المسائل تقريراً شرعياً يوافق الكتاب والسنة؛ مع الحذر الواعي من أن يكونوا ممن افتتن بالحضارات العالمية، وراجت عندهم شبهة تحديث الإسلام ومسايرة الركب التي بها يكون العالِم غير مأمون العواقب فيتحول من حيث يدري أو لا يدري إلى تسويغ ما لا يُستساغ شرعاً مما هو معجب به أو معجب به غيره، فيُفتي حين يُستَفتى وعينه على مَن يُفتيهم يريد أن يرضيهم وأن يظفر بتقدير وتقريظ من الإفرنج وأذنابهم، فيجور على الحق إرضاءً للخلق، ويَظْهَر عمَّا عند الله تعجلاً لِمَا عند الناس، ويغيب عن وعيه حديث جابر رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال: ﴿مَن أفتي بغير علم كان إثمه على من أفتاه﴾ رواه أبو داود. ولقد صدق الله: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:١٨١] . ولا غرو -عباد الله- فالعالِم إنما هو موقِّع عن الله حكمه ولأجل ذا سمى ابن القيم ﵀ أحد كتبه: أعلام الموقعين عن رب العالمين.

стр. 14

بيان تأثر بعض المسلمين بفتنة التغريب عباد الله: إن كثيراً من المسلمين يدورون فيما يعملون حول أنفسهم؛ فيما يحقق مصالحهم ومنافعهم الخاصة دون اكتراث بما يرضي الله وما يسخطه، وإن المعاصي المنبثقة من الشهوة على قبحها وسوء مغبَّتها إلا أنها أدنى خطورة وعقوبة من معصية الشبهة التي تقود إلى التغيير في الدين أو التشكيك فيه، أو السعي الدءوب في بث ما من شأنه إفساد المسلمين، أو بذر الفرقة بينهم، أو التطلع إلى إرساء قواعد التراجع عن الدين والتي يسعى إليها غَمالِيجُ إِمَّعُون من مرضى القلوب المقلدة، لا يُعرف لهم قدم ثابتة مستقرة ينصرون بها الدين ويدفعون بها ما خالفه، سيرة بعضهم في العمل تابعة لتربيتهم في محاضن الكفر وكنف الإلحاد، أو في بيوتهم وحال عشرائهم من لُداتهم ورفاقهم وجيرانهم، ممن غسلت أدمغتهم في دهاليز الكفر، ممن عناهم المصطفى ﷺ بقوله: ﴿تجدون الناس معادن؛ خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا، وتجدون خيار الناس في هذا الشأن أشدهم له كراهة، وتجدون شر الناس ذا الوجهين الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه﴾ رواه الشيخان. فترونهم -عباد الله- يجمعون بين الضلال والإسلام، بين حب ما عليه الغرب الكافر وبين الانتساب إلى الإسلام، بل ومنهم مَن يصلي ويصوم؛ لأنه تربى على ذلك؛ ولكن دفعه إليه كونه منهوم المال أو مفتون الجاه أو رائماً شهوات مشبوهة مُدْغِمٌ بعضها في بعض مغلوب في لزوم انتمائه للدين لكنه إذا تجرع عذابه لم يكد يسيغها إلا متهوعاً. ولا جرم -عباد الله- فالمرء مع من يخالل ويعاشر! والشيء من معدنه لا يُستَغرَب: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً﴾ [الأعراف:٥٨] . وتلك العصا مِن تلكمُ العُصَيَّة ولا تلد الحية إلا حية فمن هؤلاء وأمثالهم ينبغي الحذر والتوقي، وألا نغتر بكونهم من بني جلدة المسلمين ويتكلمون بلغتهم، فلقد جاء في صحيح مسلم من حديث حذيفة بن اليمان ﵁ أنه قال: ﴿كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله! إنا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير شر؟ قال: نعم، فقلت: هل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: نعم، وفيه دخن، قلت: وما دخنه؟ قال: قوم يستنون بغير سنتي، ويهدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر، فقلت: هل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: نعم. دعاة على أبواب جهنم، مَن أجابهم قذفوه فيها، فقلت: يا رسول الله! صِفْهم لنا، قال: قوم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا﴾ الحديث، وفي لفظ لـ مسلم أيضاً: ﴿وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس﴾ ولقد صدق الله: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لا يُنْصَرُونَ * وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ [القصص:٤١-٤٢] .

стр. 15

دعاة على أبواب جهنم من بني جلدتنا ولِمُسْتَفْهِمٍ أن يقول: كيف يكون بعض المسلمين دعاة على أبواب جهنم؟! فالجواب هو: أنهم كذلك ببثهم الفساد والانحراف، وإشاعة الفاحشة وما يثير الغرائز الكامنة في مثل صور فاتنة، أو مقالات تخدش الحياء وتبرز القَحَة من خلال الصحافة مثلاً، أو في مجال التعليم بزرع المبادئ الهدامة بين الطلاب من خلال كوادر غير أمينة، أو من خلال منظري التطوير العلمي في سائر البقاع فيما يقدمونه من الحد والتقليص لما يقوي صبغة الله في نفوس الطلاب: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾ [البقرة:١٣٨] أو التقليل من شأن العلوم الدينية في مقابل الحرص الدءوب على تكثيف ما عداها من علوم مادية أو رياضية لا يحتاج إلى معظمها الذكي ولا يستفيد منها البليد، أو في مجال أجهزة الرأي المنتشرة مُقَمَّرةً كانت أو مُشَفَّرة؛ من التفنن في نشر الانحراف ما بين حب وهوى وفنون ومجون، أو هدم لأساسات شرعية قررها الإسلام، كمحاربة تعدد الزوجات وتشويه صورته، أو التحضيض على أن يلاقي الخطيب مخطوبته في خلوة محرمة، أو التعويد على إلفة الاختلاط بين الجنسين، ومن ثم هذا سارقٌ يعلمون الناس كيف يتخلص من عقوبة السرقة، وهذه زوجة خائنة يصورون فكاكها من غيرة زوجها بالتضليل عليه، وتلك زانية تشجع على الزنا بإشاعة طرق الإجهاض. كل هذه الصور -عباد الله- إنما هي مشاهد متكررة تُبَث على مدار اليوم والليلة ولا يخلو منها قطر أو لا يكاد. فكم من مشهد يبث على الملايين من المسلمين في كافة الأقطار، يشاهدونه بمرة واحدة؛ فإذا استقر في وعيهم وطافت به الخواطر والأفكار سلبهم القرار والوقار، فمثلوه ملايين المرات بملايين الطرق في ملايين الحوادث. فلا تعجبوا حينئذٍ عباد الله إذا لم تجدوا: إلا واضعاً كفَّ حائرٍ على ذقنٍِ أو قارعاً سنَّ نادمِ ومن ثم تستمرئها النفوس الضعيفة رويداً رويداً إلى أن تلغ من حَمَئِها وهي لا تشعر، فإذا ألفتها النفس لم تكد تتحول عنها إلا في صعوبة بالغة بعد لُؤىً وشدائد؛ ولكنها في الوقت نفسه تفقد خصائصها التي تميزها، ثم تموع وتذوبُ وبعد ذلك: من يهن يسهل الهوان عليه ما لجرح بميت إيلام * * * وإذا لم يغبِّر حائطٌ في وقوعه فليس له بعد الوقوع غبارُ حتى تقع في أتون الفتن، فتحترق بلا لهب. والأمة المسلمة يجب أن تكون متبوعة لا تابعة، وقائدة لا منقادة، فالترك للتبعية هو النجاة منها، ومستقبل المسلمين يجب أن يُصْنَع في بلادهم وعلى أرضهم وداخل سياج الدين والشريعة، وعليهم جميعاً أن يكفوا عن أخلاق التسول بكل صنوفه؛ سياسة أو اقتصاداً أو أخلاقاً ومقدرات، ويجب ألا نغتر بما نراه من زخرف الحياة الدنيا وزينتها في أمة قد تقطعت روابطها وانفصمت عراها: ﴿وَلا تَمُدَّنَ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه:١٣١] . بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم. قد قلت ما قلت، إن صواباً فمن الله، وإن خطأ فمن نفسي والشيطان. وأستغفر الله، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 16

دعوة الأمة إلى التمسك بالدين لأجل النجاة الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه الأتقياء البررة، وعلى من تَبِع طريقهم وسار على نهجهم إلى يوم الدين. أما بعد: فاتقوا الله -عباد الله- ثم اعلموا أنه من المتحتم علينا أن يشار إلى نوع القضية التي يراد علاجها وهي: أن المسلمين بجميع قواهم؛ دينيةً كانت أو اجتماعيةً أو ما شاكلها في مأزق حرج، وهناك قوى آخذة بدفعه من على جرف هار إلى الهوة السحيقة، وهناك قوى أصيلة أولية آخذة بتمكينه في الأرض من جهة، وبِرَدِّ العادية عنه من جهة أخرى، وهذه العادية كان يُنْظَر إليها من قبل أزمان قريبة أنها آتية من أجنبي عن المسلمين ولكن الذي ظهر أنها نشأت في بيوتات المسلمين وعقر دارهم. والحكمة -عباد الله- ضالة المؤمن، وهي تحتم علينا جميعاً أن نزداد عبرة وتبصرة بالحال، فكما أن المريض الذي يتثاقل عن الأخذ بأسباب علاجه يسبب لدائه تمكيناً؛ فكذلك السكوت والصمت والتهاون من قبل من له حق التبيين والتوضيح من ولاة أمر وعلماء ودعاة، بل إن سكوت من له حق وحراك من لا حق له، بل إن التحمس للباطل والتراخي في الحق لهو مُوْجِبٌ لاستشراء الداء، وسيحل بكثير من الأقوام الندم ولات ساعة مندم. ثم ليعلم الضعفاء والمغفلون من أمتنا؛ الذين يحاولون في تبعيتهم وإعجابهم بما عند الأجنبي أن يؤلفوا الأمة على خلق جديد ينتزعونه ممن أعجبوا بحضارتهم، ألا فليعلموا أن الخلق الطارئ لا يرسخ بمقدار ما يفسد من الأخلاق الراسخة، وإذا كان البعض يشعر في قرارة نفسه أنه لابد للأمة في نهضتها من أن تتغير؛ فإن رجوعنا إلى كتاب ربنا وسنة نبينا ﷺ أعظم ما يصلح لنا من التغير وما نصلح به منه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾ [الرعد:١١] . وإذا تقاصر المرء عن إبانة الحق فلا أقل من الاجتناب لكلمة الباطل، كما أن المرء المسلم إذا لم يستطع أن يكون مصلحاً فلا أقل من أن يصون نفسه عن أن يكون معول هدم، أو إذن دهليز لكل لاقط. فليتق المرء ربه، ولينظر قبل الإحداث؛ في أي مزلة يضع قدمه وهو لا يدري ما الذي يوضع له في ميزان حسناته؛ مما ليس في حسابه ولا شعر أنه عمله، فنقول له ولأمثاله: رويدكم مهلاً وعلى رسلكم، إنها الهاوية، وما أدراكم ما هيه! ﴿نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ [القارعة:١١] ﴿وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف:٥٦] . هذا وصلوا رحمكم الله على خير البرية وأزكى البشرية محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، صاحب الحوض والشفاعة، فقد أمركم الله بذلك في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] . اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين. اللهم انصر من نصر الدين، واخذل من خذل عبادك المؤمنين. اللهم فرج هم المهمومين من المسلمين، ونفس كرب المكروبين، واقضِ الدَّين عن المدينين، واشفِ مرضانا ومرضى المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم ما سألناك من خير فأعطنا، وما لم نسألك فابتدئنا، وما قصرت عنه آمالنا من الخيرات فبلغنا. اللهم ولِّ على المسلمين خيارهم، واكفِهم شرارهم. اللهم اجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين. اللهم وفق ولي أمرنا لما تحبه وترضاه من الأقوال والأعمال يا حي يا قيوم. اللهم أصلح له بطانته يا ذا الجلال والإكرام. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. عباد الله: اذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.

стр. 17

إذا غاب الإحسان أكد الشيخ حفظه الله في هذه المادة على أهمية تحقيق الإحسان ومراقبة الله الذي لا تخفى عليه خافية والمطلع على ما في الضمائر، وأن هذه المراقبة إذا تحققت في حياة المسلم أثمرت له في الآخرة النظر إلى مولاه، وفي الدنيا صلاح القضاء، وصيانة الحياة الزوجية، والخشية لرب البرية.

стр. 18

أهمية مراقبة الله الحمد لله فاطر السماوات والأرض، غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب، ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، خلق فسوى، وقدر فهدى، وأخرج المرعى، فجعله غثاءً أحوى. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله إلى جميع الثقلين -الجن والإنس- بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، أقام الله به الحجة، وأوضح به الطريق، فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه وخلفائه الأربعة، أبي بكرٍ وعمر وعثمان وعلي، وعلى سائر أصحابه الأخيار، النجباء الأطهار. أما بعد: فيا أيها الناس: إن الوقوف الدقيق عند حديث رسول الله ﷺ المنبعث من مشكاة النبوة لَيَحمل النفس المؤمنة على أن تعرف أسراره، وتستضيء بأنواره، فلا ينفك يشرح للنفس ويهديها بهديه، فتؤمن بالنبي المصطفى والرسول المجتبى صلوات الله وسلامه عليه، وتتبع النور الذي أنزل معه. وكلما ذُكر كلام المصطفى صلوات الله وسلامه عليه فكأنما قيل من فمه للتو، كلام صريح، لا فلسفة فيه، يجعل ما بين المرء وصِنْوه من النية كما بين الإنسان وربه من الخوف والمراقبة. كلامٌ يقرر أن حقيقة المسلم العالية لن تكون فيما ينال من لذته، ولا فيما ينجح من أغراضه، ولا فيما يقنعه من منطقه، ولا فيما يلوح من خياله، بل هو السمو الروحي الذي يغلب على الأَثَرَة؛ فيسميه الناس براً، والرحمة التي تغلب على الشهوة؛ فيسميها الناس عفة، والقناعة التي تغلب على الطمع؛ فيسميها الناس أمانة. عباد الله: إن تنشئة النفس المؤمنة على البر والتقوى، والعفة والأمانة، والخوف والمراقبة، هي وحدها الطريقة العملية الممكنة لحل معضلة الشر والانحراف لدى المجتمع المسلم. أرأيتم الطفل كيف يشب على الخلق الكريم والنهج القويم لو تعهَّده القَيِّم بالتوجيه والتقويم، وعلى العكس من ذلك؛ لو أهمل أمره، وتركه في مهب الريح، إنه ينشأ شريراً خطراً على نفسه ومجتمعه؟ ذلكم -يا عباد الله- أبرز مثل للنفس حين ينشأ الفرد على مراقبة الله والخوف منه. عباد الله! لقد ثبت في صحيح مسلم ﴿أن جبريل ﵇ سأل النبي ﷺ عن الإحسان فقال له المصطفى ﷺ : أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك﴾ الله أكبر! إنه لتعبير عجيب، تعبير يحمل في اختصاره حقيقة هائلة وخلة مذهلة، إنها كلمات تحمل في طياتها قاعدة كبرى يقيم عليها الإسلام بناءه، هي: ﴿أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك﴾ قاعدة يقيم عليها نظمه كلها وتشريعاته وتوجيهاته طُرَّاً، نظام القضاء، نظام الاقتصاد، نظام السياسة، نظام الأسرة، موقف الفرد من المجتمع، وموقف المجتمع من الفرد، نظام المجتمع بأسره، بل نظام الحياة كلها، ﴿تعبد الله كأنك تراه﴾ . فالمرء المسلم في مواجهة خالقه ومولاه المستعلي على جميع المخلوقات، في مواجهة مولاه بنفسه وبكل جوارحه وكل خلجاته بظاهرها وباطنها، بأسرارها وما هو أخفى من الأسرار: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر:١٩] سبحان الله! حتى خائنة الأعين، الخائنة التي يظن الإنسان أنه وحده الذي يحسها ويعرفها، دون أن يراها أحد من الناس أو يفهمها، وحتى السر بل وما هو أخفى من السر، الخطرات التائهة في مثالب النفس لا تصل إلا ظاهر الفكر ولا يتحرك بها اللسان للتعبير، إنه لا ستر إذاً ولا استخفاء ﴿فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه:٧] وكل هذه مكشوفة لله. ﴿فإن لم تكن تراه فإنه يراك﴾ وإنه لخير لك -أيها المسلم- أن تعبد الله كأنك تراه، خير لك أن تتوجه إلى حيث يرقُبُك، إلى حيث يرقبك خالقك، فتأمن المفاجأة، إنها الرهبة في الحالَين، رهبة مصحوبة بالأمل، حال كونك متوجهاً إلى الله، مخلصاً له قلبك، عاملاً على رضاه، ورهبة مصحوبة بالذعر، حال كونك متوجهاً بعيداً عنه، وهو من ورائك محيط، فخير لك إذن أن تعبد الله كأنك تراه.

стр. 19

من راقب الله في الدنيا جوزي بالحسنى في الآخرة أيها المسلمون: قول النبي ﷺ في تفسير الإحسان يشير إلى أن العبد يعبد الله على هذه الصفة، وهي استحضار قربه وأنه بين يديه كأنه يراه؛ لأنه يوجب الخشية والخوف والهيبة والتعظيم وذلك أفضل الإيمان كما ثبت عنه ﷺ أنه قال: ﴿أفضل الإيمان أن تعلم أن الله معك حيث كنت﴾ رواه الطبراني، وبه تفوز بوعد الله ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦] وثبت عن النبي ﷺ عند مسلم تفسير الزيادة بالنظر إلى وجه الله في الجنة، وهذا مناسب لجعله جزاءًَ لأهل الإحسان؛ لأن الإحسان هو أن يعبد المؤمن ربه في الدنيا على وجه الحضور والمراقبة كأنه يراه بقلبه وينظر إليه في حال عبادته فكان جزاء ذلك النظرَ إلى الله عياناً في الآخرة، وعكس هذا ما أخبر به تعالى عن جزاء الكفار في الآخرة ﴿إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥] وجعل ذلك جزاءً لحالهم في الدنيا وهو تراكم الران على قلوبهم حتى حُجبت عن معرفته ومراقبته في الدنيا؛ فكان جزاؤهم على ذلك أن حجبوا عن رؤيته في الآخرة. إن الإحسان على ما فسره به رسول الله ﷺ ينبغي أن يتجلى في الأمة بعامة، وفي كل شأن من شئونها، فالقاضي المسلم لا يُظن في الظلم والجور حين يرقب الله كأنه يراه، ولا يجوز له أن يضع نزواته وهواه في مكان العدل الذي يطلبه منه رقيبه ومولاه، بل كيف تتجه نفسه إلى البطش والغمط ومن يرقبه يقول له: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة:٨] ويقول له: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء:٥٨] ؟!

стр. 20

أثر مراقبة الله في حياة القاضي إن القاضي المسلم إذا لم يعبد الله كأنه يراه فهو للدنيا أحب وللزلل أقرب، ولربما اقتطع أموال اليتامى والأرامل وأموال الوقف والفقراء والمساكين فأكل الحرام وأطعم الحرام وكثُر الداعي عليه، فالويل ثم الويل لمن أورثه قضاؤه هذه الأخلاق. وصدق رسول الله ﷺ إذ يقول: ﴿فنعمت المرضعة وبئست الفاطمة﴾ رواه البخاري. وكان يزيد بن عبد الله من قضاة العدل والصلاح، وكان يقول: [[من أحب المال والشرف وخاف الدوائر لم يعدل فيها]] . إذاً خير لك -أيها القاضي المسلم- أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك.

стр. 21

أثر مراقبة الله في الحياة الزوجية أيها الناس: إن الإحسان بهذا المفهوم يمكِّن للزوج وزوجته أن يتعاشرا بالمعروف، وأن يصون كل واحد منهما عرضه في غيبة الآخر، ومطارق الخوف من الله ومراقبته تذكرهم بقوله تعالى عن يوسف ﵇: ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾ [يوسف:٢٣] لقد اجتمع ليوسف ﵇ من الدواعي لإتيان الفاحشة الشيء الكثير، فلقد كان شاباً وفي الشباب ما فيه، وقد غلَّقت الأبواب وهي ربة الدار وتعلم بوقت الإمكان وعدم الإمكان فكان ماذا؟ ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [يوسف:٢٣] استعاذةٌ وتنزُّهٌ واستقباحٌ لماذا؟ وما هو السبب؟ لأنه يعبد الله كأنه يراه. وفي الحديث الصحيح: أن رسول الله ﷺ قال: ﴿سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: وذكر منهم: ورجل دَعَتْه امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله﴾ . وإذا خلوتَ بريبة في ظلمة والنفس داعية إلى الطغيان فاستحي من نظر الإله وقل لها إن الذي خلق الظلام يراني إي وربي! إن الذي خلق الظلام يراني. الإحسان أمر جليل ذو مسلك طويل يُظْهِر صِدْقَه الموقف، والفرج يصدِّق ذلك أو يكذِّبه، يغيب الزوج عن زوجته اليوم واليومين والشهر والشهرين فيحمل الإحسان المرأة على صيانة عرض زوجها في غيبته بعد أن فارقها مطمئناً إلى عرضه وبيته وماله. خرج الفاروق ﵁ من الليل فسمع امرأة تقول -وقد غاب عنها زوجها للجهاد في سبيل الله-: لقد طال هذا الليل واسودَّ جانبُهْ وأرَّقني ألاَ خليلٌ ألاعبُهْ فوالله لولا الله لا شيء غيرُه لَحُرِّك من هذا السرير جوانبُهْ مخافة ربي والحياءُ يصدني وإكرامُ بَعلي أن تُنال مراكبُهْ

стр. 22

أثر مراقبة الله في حياة العالم عباد الله: أما العالم فيا لعِظَم العلم وعلو منزلة العالِم! ولكن يا لفظاعة الكبوة وعِظَم الزلة في عيون الناس! إن أشرف ما تنافس فيه المتنافسون وأفضل ما بذلت فيه الجهود: طلب العلم النافع، فهو الروح يمد الجسد بالحيوية، وهو النور الوضاء يبدد ظلمات الجهل ويهدي إلى السبيل ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام:١٢٢] وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨] . فالعلماء هم أولى الناس بالإحسان، وأقرب الناس إلى الإحسان، وأكثر الناس دعوة إلى الإحسان، والعالِم الرباني هو من تحقق فيه ذلك وجمَّل علمَه بالعمل به كما تتجمل المرأة بالحلة الحسناء للدنيا؛ لأن العلم والعمل إنما يُطلب به ما عند الله من الدرجات العلى والنعيم المقيم والقرب منه والزلفى لديه. قال سفيان الثوري رحمه الله تعالى: إنما فضِّل العلم؛ لأنه يُتَّقَى به الله، وإلا كان كسائر الأشياء. فمن طلب بالعلم والعمل سيادة على الخلق وتعاظماً عليهم وإظهاراً لزيادة علمه ليعلو به على غيره فهو متوعَّد بالنار كما قال المصطفى ﷺ : ﴿من طلب العلم ليماري به السفهاء أو يجاري به العلماء أو يصرف وجوه الناس إليه أدخله الله النار﴾ رواه الإمام أحمد والترمذي. وقال علي بن أبي طالب ﵁: [[يا حملة العلم! اعملوا به فإنما العالم من عمل بما علم فوافق عمله علمه، وسيكون أقوام يحملون العلم لا يجاوز تراقيَهم، حتى إن الرجل ليغضب على جليسه إذا جلس إلى غيره]] . والعالم المسلم إذا عبد الله كأنه يراه كرهت نفسُه الفُتيا، والحرص عليها، والمسارعة إليها، والإكثار منها، قال الإمام أحمد ﵀: مَن عَرَض نفسَه للفُتيا فقد عَرَّضها لأمر عظيم، قيل له: فأيما أفضل: الكلام أم السكوت؟ قال: الإمساك أحب إلي، ثم قال: وليعلم المفتي أنه يوقِّع عن الله أمره ونهيه وأنه موقوف ومسئول عن ذلك. وكان سفيان الثوري ﵀ يقول: ما فُتِيْتَ عن المسألة والفُتيا فاغتنم ذلك ولا تنافس، وإياك أن تكون ممن يحب أن يُعمَل بقوله أو يُنْشَر قولُه أو يُسْمَع قولُه، وإياك وحب الشهرة فإن الرجل يكون حب الشهرة أحب إليه من الذهب والفضة وهو باب غامض لا يبصره إلا البصير من العلماء السماسرة. وكان أحد السلف يعجبه ما يراه من علم أحد الناس وحسن خطابه وسرعة جوابه، فقال له يوماً، وقد سأله عن مسألة فأجاب: [[أخشى أن يكون حظك من الدنيا لسانك]] فكان ذلك الرجل لا يزال يبكي من هذه الكلمة. إذاً خير لك يا صاحب العلم أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف:٥٥-٥٦] . بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 23

جميع العلوم ترجع إلى الإحسان الحمد لله وكفى، وصلاة وسلاماً على رسوله الذي أصطفى وعلى آله وصحبه ومن بهديه اقتفى. ثم أما بعد: فيا عباد الله: إن مَن تأمل كلام المصطفى ﷺ عن الإحسان، علم أن جميع العلوم والمعارف ترجع إلى هذا الحديث وتدخل تحته، وينتج عن هذا الإحسانِ الإحسانُ في العمل بأن يؤدي الإنسان واجبه على أكمل وجه، بل الإحسان على كل شيء كما قال رسول الله ﷺ : ﴿إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، ولْيَحُدَّ أحدكم شفرته ولْيُرِح ذبيحته﴾ رواه مسلم. الله أكبر! إنه يأمر بالإحسان حتى في ذَبح الذبيحة؛ ﴿ولْيُرِح ذبيحته﴾ إنه الحرص على إراحة الذبيحة وهي تساق إلى الموت إلى العدم إلى حيث لا تشعر، وهنا تتجلى رحمة المسلم للحيوانات العجماوات التي سخرها الله له وجعلها في خدمته ومصلحته. فالإسلام دين الرحمة، ودين الرأفة، ودين الرفق بالحيوان والإنسان. ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: ﴿بينما رجل يمشي في الطريق اشتد عليه العطش فوجد بئراً، فنزل فيها فشرب ثم خرج، فإذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش، فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغ بي، فنزل البئر فملأ خفه ثم أمسكه بفيه فسقى الكلب فشكر اللهُ له فغفر له، قالوا: يا رسول الله! وإن لنا في البهائم أجراً؟ فقال: في كل كبد رطبة أجر﴾ . وفي مقابل جزاء مَن رحم الحيوان نجد الرسول ﷺ يقرر عقاب من آذى حيواناً وقسا عليه بقوله: ﴿عُذِّبت امرأة في هرة حبستها حتى ماتت جوعاً فدخلت فيها النار﴾ . فإذا كان هذا جزاء من يعذب الحيوان الأعجم، فكيف تكون حال مَن يُسيء معاملة والديه، أو يؤذي إخوانه، أو يصب شديد غضبه وعظيم شره على قرابته وجيرانه وبني ملته ومجتمعه. فاتقوا الله أيها المسلمون! اتقوا الله أيها المسلمون! وراقبوا ربكم وتخلقوا بالإحسان تفلحوا وتفوزوا بوعد الله لكم إنه لا يخلف الميعاد. هذا وصلوا رحمكم الله على النبي المصطفى والرسول المجتبى محمد بن عبد الله بن عبد المطلب صاحب الحوض والشفاعة. اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد صاحب الوجه الأنور والجبين الأزهر. وارضَ اللهم عن الأئمة الخلفاء أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعنا معهم بمنك وكرمك. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداءك أعداء الدين، واحم حوزة الدين يا رب العالمين. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. عباد الله: إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون. فاذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.

стр. 24

فقه الأماني إن لكل إنسان أشياء يتمنى أن تحصل له، فمنهم من يتمنى خيالاً، ومنهم من يتمنى أشياء قد تحصل له، ومنهم من يئس من هذه الحياة فلا يتمنى أي شيء في هذه الدنيا إلا الموت، وإذا أردت أن تعرف أي إنسان فاسأله ماذا يتمنى، وإن من الخطر أن تجر الأمة المسلمة بالأماني إلى التنكر للدين وطلب الفسوق، وفي هذه المادة تجد بغيتك في التحذير من ذلك.

стр. 25

ما جبل عليه الإنسان من التمني الحمد لله على تقديره، وحسن ما صرَّف من أموره، نحمده سبحانه على حسن صنعه، ونشكره على إعطائه ومنعه، يسخر للعبد وإن لم يشكُره، ويستُر الجهل على من يظهره، خوَّف من يجهل من عقابه، وأطمع العامل في ثوابه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وخيرته من خلقه، ما ترك خيراً إلا دلَّ الأمة عليه، ولا شراً إلا حذَّرها منه، حتى تركنا على البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه، والذين ساروا على طريقه وسلكوا نهجه إلى يوم الدين. أما بعد: فعلى المسلمين -جميعاً- أن يتَّقوا الله سبحانه، ويعبدوه -جل شأنه- كأنهم يرونه، فإن لم يكونوا يرونه فإنه يراهم، ومن جعل بينه وبين عذاب الله وقاية فقد اتقاه: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور:٤٠] . أيها الناس! للمرء مع نفسه في هذه الحياة أسرار وأطوار، وهو -ولا شك- منذ أن يبدأ مرحلة التمييز المبكر يبدأ تفاعلُه مع الحياة ومناحيها في أولى مراحلها، لا يثنيه عن ذلك براءة الطفولة، ولا غيب المستقبل، ولا صِفر السجل من ماضٍ مجرب، كل ذلك لا يثنيه ألبتة عن أن يستعجل المستقبل، ويملأ فراغه المبكر مشرئباً بكمٍ هائلٍ من الأماني والآمال، تلكم الأماني التي لا تخضع للهرم أو الشيب، كعجلة دائرة، لا يحول دونها إلا الموت، ورسول الله ﷺ يقول: ﴿يهرم ابن آدم ويشب معه اثنتان: الحرص على المال، والحرص على العمر﴾ رواه مسلم. إن من أعجب ما في المرء! حرصه على كشف ما مُنِع منه، وتوقه الجارف إلى ما لم ينل، والكثرة الكاثرة منا مبتلاة بتضخم الأماني واستسمانها، ولربما لم يسعف الزمان على تحقيقها، أو قد تضعُف الآلة فيبقى المتمني في عذاب، وقد قيل: "لو أُمِرَ الناس بالجوع لصبروا، ولو نُهوا عن تفتيت البعر -أجلَّكم الله- لرغبوا فيه، وقالوا: ما نُهينا عنه إلا لشيء"، والمقولة المشهورة: "أحب شيء إلى الناس ما منع عنهم". ولهذا لو قََعَد الإنسان في بيته شهراً برمته لم يصعب عليه، ولو قيل له: لا تخرج من بيتك يوماً لطال عليه ذلك اليوم. وإن تعجبوا -عباد الله- فعجبٌ حرصُ المرء على التمني، والإلحاح على ربه على تحقيقه، بل كلما زاد تعويقه ازداد إلحاحه على ربه، ثم ينسى المرء أن ربه منعه ذلك، إما لمصلحة فرُبَّ مُعَجَّلٍ هو أذى، وإما لذنوبه فإن صاحب الذنب بعيدٌ من الإجابة. وفي الجملة: فتدبير الحق سبحانه للمرء خيرٌ من تدبير المرء لنفسه، وقد يمنعه ما يتمنى ابتلاءًَ ليبلو صبره، فالله الله في الصبر الجميل، يرى صاحبُه عن قربٍ ما يسُر، ويعلم أن كل ما يجري أصلح له عطاءً كان أو منعاً.

стр. 26

الممدوح من التمني والمذموم التمني -أيها المسلمون- مأخوذٌ من الأمنية، وجمعها أماني، وهو أعم من الترجي؛ لأن الترجي مخصوصٌ بالممكنات، والتمني أعم من ذلك، وقد عرَّفه أهلُه على أنه إرادة تتعلق بالمستقبل، فإن كانت في خيرٍ من غير أن تتعلق بحسدٍ فهي مطلوبة وإلا فهي مذمومة. والناظر في واقع المسلمين اليوم في شبابهم وشيوخهم من جهة الأمنيات والتطلعات المطروحة، لن يجد كثيراً يسرُّه، إذ يرى نفسه بين خليطٍ ممتزجٍ امتزاج المعبوب المقسور من التناقضات والمتعارضات، مما يجعله لا يبعد النجعة إذا أوقع حدسه في تصنيف عقول كثيرٍ منهم، وقد قيل: لتعرف حجم عقل المرء سَلْه عن أمنيته، وأحسن هؤلاء مَن قَصَر أمنيتَه على أمورٍ جبلية، كبنتٍ عضَلَها أبوها ظلماً فتتمنى الزواج، أو ربِّ أسرة مُناه أن يرى ما يسره ممن يعول، أو كزارعٍ يكدح، وتاجرٍ يسافر، ومريضٍ يتداوى بالعلقم، فالأول لحصاده، والثاني لربحه، والثالث لشفائه وهلمَّ جرَّاً. ولو لم يكن من التمني عندهم إلا دفع النشاط، وتخفيف الويلات لكفى، وكأنهم يُروُون بها على ظمأ، فإن تحققت فهي أحسن المنى، وإلا فهم يعيشون بها زمناً رغداً، وما كل ما يتمنى المرء يدركه! والعيب هنا -أيها المسلمون- ليس في مبدأ التمني وطلبته فحسب! كلا. فالتمني جِبِلَّة جبل الله الخلق عليها؛ ولكن العيب هنا -كل العيب- في فوضى الأمنيات، والانحطاط الثقافي والمعرفي والروحي من نفوس الكثيرين، حتى إن أحدهم لََيَصل إلى درجة الأماني الدنيئة التي لا يقرها شرعٌ ولا عقل، وإنما طالتها لوثة الترويج الإعلامي المغلوط، وأمصال العولمة المعرفية، دونما سياجٍ للحشمة والعفاف، وما يحسن وما يقبح. نَعَم! التمني مصدره ومحله القلب، وما يطلقه من طموحاتٍ ورغبات، وهذا لا يعفي المرء من تقييد همه، وأن محبة الإثم إثمٌ وإن لم يقع، وفي مثل هؤلاء يقول ابن الجوزي ﵀: نعوذ بالله من سِيَر هؤلاء الذين نعاشرهم، لا ترى منهم ذا همة عالية فيقتدي بها المقتدي، ولا صاحب ورعٍ فيستفيد منه الزاهد. وعليكم بملاحظة سِيَر السلف وقد جاء عند الطبراني مرفوعاً إلى النبي ﷺ : ﴿إن الله يُحب معالي الأمور ويكره سفسافها﴾ . ومع ذلك -أيها المسلمون- فمن الناس جُحَّادٌ بالله الخالق، يعيشون بأنفسهم فحسب! تجدونهم أيأس الناس وأكفرهم و ﴿لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف:٨٧] نظروا إلى الدنيا وإلى الناس وإلى حكمة الله بمنظارٍ أسود قاتمٍ، يرون الأرض غابة، والناس وحوشاً، والعيش عبئاً لا يُطاق، ليس للأماني الصادقة محلٌ في أفئدتهم حتى ولا جنة الخلد، فهم لا يبكون مَيْتاً، ولا يفرحون بمولود، ويرون أن الميت للدود والمولود لدود، وحاصلهم أن لا أمنية لديهم في أن يكون لهم أمنية، فعبروا عن قنوطهم وكفرهم بالله بما يبثونه من اللغط والخلط من خلال محادثاتٍ ومقالاتٍ في الصحافة تارة، ومن خلال روائياتٍ تاراتٍ وتارات، يُعدِمون بها انتماءهم للدين بالعدامة، ثم يشمِّتون أرواحهم لتفوح جيفهم فتخطفهم الطير أو تهوي بهم الريح إلى سراديب في شرق الوادي السحيق. والله المستعان! ولا غَرْوَ -أيها المسلمون- في انتشار الأماني الكاذبة، والطموحات الساذجة، والتطلعات الدنيئة في هذه العصور المتأخرة التي ضعف فيها الوازع الديني الزاجر، ولله كم من أمنياتٍ كانت وستكون مولِّدة لأمنيةٍ أخرى هي على الضد من ذلك عند اختلال الموازين، يقف لها شَعر المرء المسلم! روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: ﴿لا تذهب الدنيا حتى يمر الرجل على القبر فيتمرغ عليه، ويقول: يا ليتني مكان صاحب هذا القبر، وليس به الدين إلا البلاء﴾ ، يقول ابن عبد البر: "سيكون هذا لشدة تنزل بالناس من فساد الحال في الدين، أو ضعفه، أو خوف ذهابه". وقد أخرج الحاكم عن أبي سلمة قال: [[عدتُ أبا هريرة فقلت: اللهم اشفِ أبا هريرة فقال: اللهم لا ترجعها، إن استطعت يا أبا سلمة فمُتْ، والذي نفسي بيده ليأتين على العلماء زمانٌ الموت أحب إلى أحدهم من الذهب الأحمر، وليأتين أحدهم قبر أخيه، فيقول: ليتني مكانه]] وهذا -أيها المسلمون- لا يُعارض قول النبي ﷺ : ﴿لا يتمنين أحدكم الموت، إما محسناً فلعله يزداد، وإما مسيئاً فلعله يستعتب﴾ رواه البخاري وغيره؛ لأن هذا محمولٌ على زمانٍ لم تعم فيه الفتن والبلايا التي يكون الموت فيها أسلم من الحياة.

стр. 27

بعض الأماني الحسنة عباد الله: للمقولة المشهورة دورٌ في تمييز الخبيث من الطيب، والزَّين من الشين، وبالضد تتميز الأشياء، وهذه ملامح موجزة سريعة عن بعض أماني السلف الحسان: يقول الرسول ﷺ : ﴿لو كان عندي أحد ذهباً لأحببت ألا يأتي عليَّ ثلاثٌ وعندي منه دينارٌ إلا شيء أرصده في دينٍ عليَّ أجد من يقبله﴾ رواه البخاري. وذكر ابن قتيبة وابن عبد البر وابن خلكان أنه اجتمع عبد الله بن عمر وعروة بن الزبير ومصعب بن الزبير وعبد الملك بن مروان بفناء الكعبة، فقال لهم مصعب: [[تمنوا، فقالوا: ابدأ أنت؟ فقال: ولاية العراق وتزوُّج سكينة بنت الحسين، وعائشة بنت طلحة بن عبيد الله؛ فنال ذلك، وتمنى عروة بن الزبير الفقه، وأن يُحْمَل عنه الحديث؛ فنال ذلك، وتمنى عبد الملك بن مروان الخلافة؛ فنالها، وتمنى عبد الله بن عمر الجنة]] . وذكر الطبراني والبيهقي عن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- أنه قال: [[إن فيَّ ثلاث خصال: إني لآتي على الآية من كتاب الله فلَوَدِدْتُ أن جميع الناس يعلمون ما أعلم، وإني لأسمع بالحاكم من حُكَّام المسلمين يعدل في حكمه فأفرح ولعلِّي لا أقاضي إليه أبداً، وإني لأسمع الغيث قد أصاب البلد من بلاد المسلمين فأفرح وما لي به سائمة]] . يقول ابن الجوزي ﵀ مُحدِّثاً عن نفسه: "لقد بلغتُ السن وما بلغت ما تمنيت -وكان ﵀ قد تمنى كثرة العلوم والمعارف- فأخذتُ أسأل الله تطويل العمر، وتقوية البدن، وبلوغ الآمال، وكان هذا السؤال في ربيع الآخر من سنة (٧٥هـ) ، فإن مُدَّ لي أجل وبلغت ما أمَّلته، فسأُخبر ببلوغ آمالي، وإن لم يتفق فربي أعلم بالمصالح، فإنه لا يَمنع بخلاً، ولا حول ولا قوة إلا به". وكان عمره ﵀ آنذاك خمسة وستين عاماً، ثم مُدَّ في عمره اثنين وعشرين سنة أُخرى فكانت الوفاة سنة (٩٧هـ) للهجرة حصل له من البركة في العلم والعمل الشيء الكثير. ولا جرم -عباد الله- فرسول الله ﷺ يقول: ﴿إذا تمنى أحدكم فليستكثر، فإنما يسأل ربه﴾ رواه عبد بن حميد، وهو على شرط البخاري ومسلم. هذه لمحاتٌ موجزة من تمني المعالي مع صدق وجد؛ لأن الحرمان بالكسل موكل، ومن ينصَب يصِب عن قريب غاية ما يتمنى، وقد قال رسول الله ﷺ : ﴿احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز﴾ رواه مسلم. وقد جاء في الصحيح من حديث ربيعة بن كعب أنه قال للنبي ﷺ : ﴿يا رسول الله! أسألك مرافقتك في الجنة؟ فقال له: أعني على نفسك بكثرة السجود﴾ رواه مسلم. فالذي ينبغي لمتمني الخير ألَّا يقصر في شوطه، فإنْ سبق وحصل المقصود فهذا هو المراد، وإن كبا جواده مع اجتهاده لَمْ يُلَمْ. سمع الفاروق -رضي الله تعالى عنه- قوماً من أهل اليمن يتمنون المال وهم قاعدون بالمسجد، فعلاهم بدرته، وقال: [[لا يقعدن أحدكم عن طلب الرزق، ويقول: اللهم ارزقني! وقد علم أن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة، وإن الله يقول: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة:١٠]] ] . ويا لَلَّه كم من متمنٍ بصدقٍ وجد نال ما تمنى بإذن الله، فإن لم ينله كله نال بعضه! ولقد أحسن من قال: لأستسهلن الصعب أو أُدركَ المنى فما انقادت الآمال إلا لصابر

стр. 28

الإكثار من التمني والآمال الكاذبة عباد الله: ثَمَّ أمرٌ مهمٌ ليس يخفى مما يتعلق بموضوعنا هذا وهو العب من التمني والآمال الكاذبة التي هي أقرب ما تكون إلى أحلام اليقظة وأطياف الخيال -لا سيما القاصرة منها- والتي لا ينتفع بها غادٍ ولا رائح وإنما هي أماني ملء البطون، وإشباع الفروج، وما أشبه ذلك مما يجلب عليه الشيطان بخيله ورجله ويعدهم به ويمنيهم ﴿وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُوراً﴾ [النساء:١٢٠] ومن كان مرعى همومه وعزمه في مثل هذا روض الأماني لم يزل مهزولاً ثملاً. وقد قال ابن القيم ﵀ في مدارج السالكين في مثل هذا: إن التمني من مفسدات القلب، وهو بحرٌ لا ساحل له، وهو الذي يركبه مفاليس العالم، كما قيل: إن المنى رأس أموال المفاليس، وبضاعة ركابه مواعيد الشيطان، وكلٌ بحسب حاله من متمنٍ للقدرة والسلطان، وللضرب في الأرض والتطواف في البلدان، أو للأموال والأثمان، أو للنسوان والمُردان، فيمثِّل المتمني صورة مطلوبه في نفسه وقد فاز بوصولها، والتَذَّ بالظفر بها، فبينا هو على هذه الحال إذ استيقظ فإذا يده والحصير، بخلاف أماني المؤمن الصادق فهي نورٌ وحكمة، وأمانيُ أولئك خداعٌ وغرور. وذكر ابن قتيبة في عيون الأخبار ﵀: "أن ناسكاً كان له عسلٌ وسمنٌ في جرة، ففكر يوماً فقال: أبيع الجرة بعشرة دراهم، وأشتري خمس أعنز فأولدهن في كل سنة مرتين إلى أن قال: فأتخذ المساكين والعبيد والإماء والأهل، ويولد لي ابنٌ فأسميه كذا، وآخذه بالأدب، فإن هو عصاني ضربتُ بعصاي رأسه -وكانت في يده عصاً- فرفعها حاكياً للضرب، فأصابت الجرة فانكسرت وانصب السمن والعسل". وكان أبو مسلم الخرساني في حال شبيبته لا يكاد ينام، فقيل له في ذلك، فقال: ذهنٌ صافٍ، وهمٌ بعيد، ونفسٌ تَتُوقُ إلى معالي الأمور، مع عيشٍ كعيش الهمج والرعاع، قيل: فما الذي يبرد غليلك؟ قال: الظفر بالملك، فحصل له شيءٌ من مراده، وانتصب في طلب الولايات، فكم قتل وفتك حتى نال بعضها، فلم تزد على ثمان سنين، ثم اغتيل: ﴿أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى * فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى﴾ [النجم:٢٤-٢٥] أي: ليس كل من قد تمنى خيراً حصل له. والمهم أن يتفطن المرء إلى قول النبي ﷺ : ﴿إذا تمنى أحدكم فلينظر ما يتمنى فإنه لا يدري ما يُكتب من أُمنيته﴾ رواه أحمد ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء:١٢٣] . فالدين -عباد الله- ليس بالتحلي ولا بالتمني، ولكن ما وقر في القلب وصدقته الأعمال، وليس كل من تمنى شيئاً حصل له، ولا كل من قال إنه على الحق وتمناه سُمِع قولُه بمجرد ذلك حتى يكون له من الله برهان: ﴿وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ﴾ [الحديد:١٤] . يقول الحسن البصري ﵀: "المنافق يقول: سواد الناس كثير وسيغفر الله لي، ولا بأس علي بسيء العمل، ويتمنى على الله"، وفي الحديث الصحيح عند الترمذي وغيره: ﴿الكيِّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتَمنَّى على الله الأماني﴾ . بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة، ونفعني وإياكم من الآيات والذكر والحكمة. أقول ما سمعتم، إن صواباً فمن الله، وإن خطأً فمن نفسي والشيطان، وأستغفر الله.

стр. 29

تحذير المسلمين من تمني الفجور والتنكر للدين الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فاتقوا الله -معاشر المسلمين- واعلموا أن من محاسن الدين الإسلامي أنه لم يَدَع لنا شيئاً إلا وبيَّن لنا فيه بياناً، حتى الخلاء وما يتعلق به؛ ولذا فإنَّ التمني من جملة ذلك، فقد يكون في الخير لعموم المسلمين كما جاء عن ابن عباس ﵄ في الخصال الثلاث، وكمدح النبي ﷺ لمتمني الخير، وربما جعل أجره في بعض الأشياء كأجر فاعله، كالقائل: لو أن لي مالاً لعملتُ بعمل فلان الذي يتقي ربه في ماله، ويصل فيه رحمه، ويخرج منه حقه، فقال ﷺ : ﴿هم في الأجر سواء﴾ وأمثال هؤلاء أصحابُ قلوبٍ طاهرة برَّة، وأنفسٍ زكية حرَّة، تحب للناس ما تحب لأنفسها، وثَمَّ أنفسٌ أخرى على النقيض من ذلك! لا تتمنى الخير لأحد؛ كأنْ ليس في الدنيا إلا هي فحسب، للحسد في قلوبها جمرة تتقي كالأبتون، تود وتتمنى زوال نعمة الأخ المسلم وأن تراه محروماً مفلساً، وتقع فيما حذَّر منه النبي ﷺ بقوله: ﴿إياكم والحسد! فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب﴾ رواه أبو داود. ومثل هذا -عباد الله- من التمني المحرم الذي يأثم به صاحبه ويوقعه في المهالك، وهو الذي عناه الإمام الشافعي ﵀ بقوله: "لولا أنَّا نأثم بالتمني لتمنينا أن يكون كذا وكذا". ولأجل ذا -عباد الله- فقد حذر النبي ﷺ من الوقوع في ذلك أشد الحذر، وجعل ما يتمناه القلب بقلبه من الإثم من جنس زنا القلب وفحشه، فقد جاء في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: ﴿إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة، فزِنا العين النظر، وزنا اللسان النطق، والنفس تتمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه﴾ -وعند أحمد في مسنده - ﴿وزنا القلب التمني﴾ . ألا وإنَّ مما يحرم تمنيه والتطلع إليه ما يقع من بعض ضعاف النفوس من ذوي العقول المريضة، والأفكار الدخيلة، والذين يُريدون أن يؤلبوا الأمة على التنكر لأحكام الشريعة، والخروج عن إطارها، والقدح في عدالتها، وذلك من خلال إبداء التمنيات رجالاً ونساءً عن قضايا المرأة، والزج بها خارج سياج الشرع، ومحبة شيوع تحللها، وعَدِّ المرأة مهضومة الحق، مسروقة الكمال، فلهؤلاء يقول الباري جل شأنه: ﴿وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء:٣٢] ، قالت أم سلمة: ﴿يا رسول الله! تغدو الرجال ولا تغدو النساء، ولنا نصف الميراث؟﴾ فأنزل الله هذه الآية. رواه الترمذي وأحمد. اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميدٌ مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميدٌ مجيد. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمِّر أعداءك أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمناً مُطمئناً وسائر بلاد المسلمين. اللهم انصر من نصر الدين، واخذل من خذل عبادك المؤمنين، اللهم فرِّج هم المهمومين من المسلمين، ونفس كرب المكروبين، واقض الدين عن المدينين، واشف مرضانا ومرضى المسلمين، برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك، واتبع رضاك يا رب العالمين. اللهم وفق ولي أمرنا لما تحبه وترضاه من الأقوال والأعمال يا حي يا قيوم، اللهم أصلح له بطانته يا ذا الجلال والإكرام. اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم سقيا رحمة لا سقيا هدمٍ ولا بلاءٍ ولا غرق، اللهم لتُسقي به العباد، وتُحيي به البلاد، ولتجعله بلاغاً للحاضر والباد. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

стр. 30

ولا تهنوا ولا تستكينوا لقد أصيب أبناء الأمة الإسلامية بالوهن، واستكان الكثير منهم لعدوه الذي أثر في عقله وثقافته، والذي هزمه في نفسه، وصور له أن دينه إرهاب، فأصبح يحارب دينه بنفسه، وهذه الحالة لها أسباب أدت إليها، ومنها عواصم للنجاة منها.

стр. 31

الوهن عند المسلمين وأسبابه إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] . ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١] . ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠-٧١] . أما بعد: فيا أيها الناس: لقد ظل العالم الإسلامي بأسره مئات الأعوام وهو متجانس متماسك يشد بعضه أزر بعض، ويأرز إلى عقيدته الجامعة كلما هدد كيانه خطر أو ادلهم خطبٌ، بل لقد بلغت ولاية الإسلام على هذه البسيطة ما بين نقطة المغرب الأقصى إلى حدود الصين، كلها أقطار متصلة وديار متجاورة يترحل فيها المسلم حيث شاء، ليس له أرض يسميها بلاده، وإنما بلده هنا أو قل هنالك، حيث يبعثها المنادي الله أكبر، يفضل القفر والشظف على لزوب أرض يصدأ القلب في رباها أقطار إسلامية أخذ بصولجان الملك منهم ملوك عظام وخلفاء أجلاء، فأداروا بشوكتهم الإسلامية وجه الأرض إلا قليلاً، لا يهزم لهم جيش إلا لماماً، ولا يرد قول على قائلهم، ولا تدخل عليهم داخلة من نفس ضعيفة متهالكة، قلاعهم وصياصيهم متلاقية، حضارتهم ومغارسهم في سهوبهم وأخيافهم. بيد أن الفساد بقضه وقضيضه لمَّا دب في نفوس كثير من المسلمين بمرور الزمن، وتمكن من طباعهم حرصٌ وطمع هما باطلان قطعاً، ثم فانقلبوا بعد ذلك مع الهوى، وقنعوا بألقاب ومسميات هي أشبه بالسنور يحكي انتفاخاً صولة الأسد، وما يتبع ذلك من مظاهر الفخفخة وأطوار وأطوار النفخة ونعومة العيش، واختاروا موالاة الأجنبي عنهم المخالف لهم في الدين والعقيدة، ولجئوا للاستنصار به، وطلب العون منه، واستجدائه بالمدمع لا بالمدفع، استبقاءً لأشباح مآرب بالية ونعوم زائلة. ومنذ فقدان الأندلس وقع تغير رهيب في حياة المسلمين، وأخذت أرضهم تنقص من أطرافها ﴿وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ [الرعد:٤١] ففقدت أقطار وأمم، وغدت سهولهم بلا قع، وأوديتهم أباطح، حتى صاروا أثراً بعد عين، وخبراً بعد ذات، كما انتهكت محارم ومقدسات، ودارت رحى الحرب عليهم، حتى تداعت عليهم أمم الكفر وشعوبه، ودب فيهم قول المصطفى ﷺ : ﴿يوشك أن تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها، قالوا: أمن قلة نحن يومئذٍ يا رسول الله؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن، قالوا: وما الوهن؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت﴾ رواه أحمد وأبو داود. فانظروا -عباد الله- إلى الوهن الذي هو سر الضعف الأصيل، حيث يعيش الناس عبيداً لدنياهم، عشاقاً لأوضاعهم الرتيبة، تحركهم شهواتهم وشبهاتهم، وتموج بهم كالخاتم في الإصبع، وتسيرهم الرغائب المادية كما يسير الثور في الساقية؛ يتحرك في مدار محدود فاقد الهدف معصوب العينين، وهذا هو الوهن -عباد الله- حينما يكره المسلمون الموت، ويترقبونه كامناً في كل أفق، فيفزعون من الهمس، ويألمون من اللمس، يؤثرون حياة يموتون فيها كل يوم موتات على موت يحيون بعده حياة سرمدية. وإن تعجبوا -أيها المسلمون- فعجب مواقف كثير من المسلمين اليوم وقد أحاطت بهم الغواسق من كل جانب، فخبطوا خبط عشواء، أفلست النظم، وتحطمت كثيرٌ من المجتمعات، وتدهورت القوميات والعولمة، وانثنت الحريات اللادينية المزعومة، فالعجب كل العجب أن يكون النور بين أيديهم، والرائد نصب أعينهم؛ ثم هم يلحقون منهومين بركب الأمم الكافرة في نهجهم وسلوكهم، ويستسمنون ذا ورم فلا يستطيعون رشاداً، ولا يهتدون سبيلاً!! حال هؤلاء: كالعيس في البيداء يقتلها الظما والماء فوق ظهرها محمول والواقع العلقم أيها المسلمون: هو أن أهل الكفر والإلحاد أشغلوا المسلمين عن نورهم، وأبعدوهم عن مصدر العزة، وأغروهم بأطياف وموضات زعموها في السياسية تارة، وفي الإعلام أخرى، وفي الإعلام والقهر والجبروت ثالثة، ورابعة في مكافآت الصمت وغض الطرف إلا من رحم الله.

стр. 32

العلاج من هذا الوهن أيها المسلمون: سؤال يفرض نفسه بقوة على واقع المسلمين اليوم وهو: لماذا ولأي شيء وما هو السبب حين لا نبحث عن أسباب هزائمنا وخسائرنا الفادحة في المال والأهلين والسلوك وصدق الانتماء؟ هل أبكاها عوج خلقي، أو خلل سياسي واقتصادي، أو غش ثقافي، أو انحراف عقائدي، أو إلى مزيج متفاوت النسب من هذه العلل جميعاً؟ ما هي المعاصي الخلقية والسياسية والثقافية التي ارتكبها أهل الإسلام فأصابهم بسببها ما أصابهم؟ إنه لحتم على كل عاقل منصف أن يبين ويوضح، كما أن على أصحاب الألسن وحملة الأقلام ألا يقترفوا خيانات قاتلة في حق دينهم وأمتهم بتجاهل تلك القضايا، بلهى الخوض فيها على غير مراد الله ورسوله ﷺ ، ألا فليعملوا أنهم بتجاهلهم لها، يؤخرون يوم النصر ولا يقدمونه، وأن اللجة التي تحمل بعض أولئك على ذاك التجاهل تقودهم ومجتمعهم إلى الغرق، ولا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم، ولا يرحم إلا المخلصين الصادقين المفلحين: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود:١١٧] ﴿وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ [القصص:٥٩] . فهل بعد ذلك يرتفع شعار الإسلام، وترفرف رايته في تحليل القضايا الإسلامية، أم تبقى تحت الرايات العمية، والنهوج اللقيطة لنبلغ بها القاع والعياذ بالله؟

стр. 33

استشعار آلام المسلمين أيها المسلمون: المؤمن الصادق، والغر الغيور لا يمل كثرة الحديث عن مآسي المسلمين، وانتهاك حقوقهم وسلب أراضيهم؛ لأن الكأس تفيض عند امتلائها، ولا بد من شكوى إلى ذي مروءة يواسيك أو يسليك أو على أقل تقدير يتوجع لك؛ لأن مآسي المسلمين اليوم أصبحت نقطة ارتكاز في ميدان الجهاد الإسلامي، وساحتها محطة امتحان وكشف لقوة المسلمين وغيرتهم على دينهم وأوطانهم وحرماتهم. ونحن من هذا الحديث لسنا ننقب عن نائحة مستأجرة تسمعنا نحيبها، ولا عن ضئر عارية مؤداة نودع قضايانا ترائبها؛ لأن البكاء لا يحيي الميت، والأسف لا يرد الفائت، والحزن لا يدفع المصيبة، ولكن العمل مفتاح النجاح، والصدق والإخلاص مع متابعة الرسول ﷺ طريق الفلاح ودرجاته: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة:١٠٥] . وعلو المسلمين وهبوطهم إنما هو في الحقيقة بمقدار قربهم من ربهم وإحيائهم لشعيرة الجهاد في سبيل الله التي هي ذروة سنام الإسلام، يقول المصطفى ﷺ : ﴿من لم يغزُ ولم يجهز غازيا، أو لم يَخلُف غازياً في أهله بخير أصابه الله بقارعة قبل يوم القيامة﴾ ، رواه أبو داود وابن ماجة. والقارعة والداهية: إنه إذا ما رام المسلمون وحدة وإخاء؛ فعليهم أن يودعوا في ضآضئهم حب الأخوة الإسلامية والولاء والبراء عليها، والتناصح والتناصر من أجلها، إن هم فعلوا ذلك؛ وإلا فلا بد يوماً أن يكظموا ويهضموا، وأن النبي ﷺ يقول: ﴿انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً﴾ ، رواه البخاري من حديث أنس ﵁. إن قضايا المسلمين الدامية يختلط فيها الشجو بالتعزية، والرضا بالتهنئة، رضاً وتهنئة حينما يستحضر المسلم مرأى أولئك الأبطال الأشاوس الذين يقفون في وجوه الغازين الحاقدين ليسترجعوا سلبهم وأرضهم أمام موحشات مدهشات، مصاولة المخاطر أدناها والموت أعلاها، وشجو وتعزية حينما يقع ما يقع على مرأى من المسلمين ومسمع، فلا يحيرون جواباً، ولا يحيون ألباباً إلا من رحم الله. والمشاهد من أمثال هؤلاء أنهم قساة القلوب، غلاظ الأكباد، وكأنما قدت قلوبهم من حجر، حكموا على أنفسهم بالذلة، وعلى مجتمعاتهم بالحطة حتى لم يطلبوا رفعة، أو قنطوا فلم يكن لهم أمل، بل اغتالتهم غائلة الاستكانة فوطنوا أنفسهم على أن يشقوا ليسعد غيرهم، فلا يهتمون إلا بحاجة مأكلهم ومشربهم، وكأنهم النمال الحمالة لا تستفيد مما تحمل شيئاً، والمثقفون من أمثال هؤلاء يندبون ويلطمون ويتلقون المواساة والعزاء فحسب، والعدو الكاسر الحاقد يخفض جناح الذل من رحمته وعدله المزعومين، على دعم وتحصين منظمة عالمية لمحبي الكلاب وأصدقاء الحيوانات الأليفة زعموا.

стр. 34

تحقيق روح الأخوة الإسلامية ألا إن من دعائم الإسلام الراسخة تحقيق روح الإخاء والتضامن الإسلامي بين المسلمين بعامة، فيأخذ القوي بيد الضعيف، ويشد المقتدر من أزر العاجز، كما أن من الواجب عليهم أن يبحثوا في كل مظِنة ضعف عن سبب قوة، ولو أخلص المسلمون في طِلاب ذلك لاستحصلوه، ولصار الضعف قوة؛ لأن الضعف قد ينطوي على قوة مستورة، يؤيدها الله بحفظه ورعايته، فإذا بقوى الضعف تهد الجبال وتحير الألباب: ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً﴾ [الفتح:٧] . سمع معاوية رضي الله تعالى عنه وأرضاه أن رجلاً من أعدائه شرب عسلاً فيه سم فمات، فقال ﵁: [[إن لله جنوداً منها العسل]] إن الحديث عن القوة النابعة من الضعف ليست دعوة إلى الرضا بالضعف أو السكوت عليه، بل هو دعوة إلى استشعار القوة حتى في حالة الضعف، وما أدراكم ربما صحت الأجسام بالعلل! فينتزع المسلمون من هذا الضعف قوة تحيل قوة عدوهم ضعفاً، وينصرهم الله نصراً مبيناً، قال تعالى: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ [الأنفال:٤٤] . فاتقوا الله معاشر المسلمين، وكونوا جميعاً على خندق واحد مع إخوانكم المسلمين في كل مكان، أقيموا العزم في وجه التهاون، والشدة في وجه التراخي، والقدرة في وجه العجز، وأما أهل الكفر والإلحاد فقد كفاناهم الله بقوله: ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [آل عمران:١٩٦-١٩٧] . بارك الله لي ولكم في الكتاب والسنة، ونفعني وإياكم بما فيهما من الآيات والحكمة، أقول قولي هذا إن صواباً فمن الله، وإن خطأ فمن نفسي والشيطان، وأستغفر الله إنه كان غفاراً.

стр. 35

الإرهاب مصطلح يرمى به المتدينون ويحارب به الدين الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه وخليله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ورضي عنهم أجمعين. أما بعد: فلعل المسلمين في هذا الزمن هم أكثر الناس آلاماً، ولعل أرضهم وديارهم وأموالهم هي التي يستنسر فيها البغاة، وتستنوق الجمال، وتستنمر الثعالب، فهو عصرٌ لم تسلم فيه براجمهم من الأوخاز، فنهشتهم شعوب الكفر وطحنهم تنازع البقاء، والمحافل الدولية الكافرة ماذا عساها أن تفعل إذا كانت على غير الإسلام، وإن زعموا العدل فيها؟ فمنطق الحال أن العدل عند بعضهم لا يوجد إلا حيث يوجد الجور، ولا يوجد السلم إلا حيث توجد الحرب، إنها في الحقيقة تصف المالك الطريد إرهابياً لا حق له، وتجعل اللص الغالب على المقدسات رب بيت محترماً، يملك الأرض لا بالإحياء الشرعي، ولكن بالإماتة الجماعية والقهر النفسي، بل لربما راق لبعض المسلمين أن يلعقوا جراحهم ويبتسموا للناهب، وأن يعتبروا حقهم باطلاً، وباطل غيرهم حقاً. بل إن لسان حالهم يقول لهم: حقنا عليكم أن تقولوا: إذا مرضنا أتيناكم نعودكم وتخطئون فنأتيكم ونعتذر كمثل الحسك المثلث كله شوك حيثما قلبته، ثم يسدلون عليهم بعد ذلك أستار الغمط وبطر الحق، ومن ثَمَّ تخلق آثار عبرية على أشلاء معالم عربية مسلمة، ويجعل الحاضر الكاذب امتداداً لهيكل ماض مختلق، إنما هو إعصار من الوهم، وتيارٌ من هواجس الخيال، يحملقون بسببه إلى مواقع رغبتهم الخربة، سائرين لا يطرف لهم طرف، ولا يغمض لهم جفن، حتى يعلنوا السيادة، وتنقسم علائق الآمال لدى المشرئبين لعود حقوقهم السليبة، بعد أن مسهم الضر من إفراط ذي المطامع، حتى ردوهم عن بلوغ الأرب، وهموا بما لم ينالوا، ثم وقرت أسماعهم عن حيس همسات الغيلة. ألا إن من اللافت الملاحظ أن هناك خليطاً ممتزجا من الساسة والمتفيهقين وسماسرة الاستعمار الثقافي؛ هم في الحقيقة جهلة خراطون، يهرفون بما لا يعرفون: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ﴾ [الانشقاق:٢٣] تسربلوا بسرابيل الإفرنج، هم من أحرص الناس على التشدق بهذا البدع الجديد، الذي يعلنون من خلاله الحرب على الدين الإسلامي نفسه تحت شعار محاربة الإرهاب، تلكم الكلمة التي شغلت مناطق اللهازم، فلاكتها الألسن، ورمت بها الأفواه في المحافل والمجامع كل مرمى، حتى صارت تكئة للمتكلمين، يلجأ إليها العيي في تهتهته، والمتربص في زغزغته، ممن يتلونون كالحرباء، ويتشكلون كالأغوال، ممن لم يكمن رضاهم بالإسلام، وإن كانوا لم يقنعوا بالكفر، حتى عدوها عنواناً على النقص، فإذا ما رأوا ملتزماً بالدين عبسوا في وجهه وبسروا. والحق المقرر -عباد الله- الذي لا ينكره إلا غر مكابر، أن تحجب المرأة المسلمة ليس إرهاباً، وليس التحاء الرجل إرهاباً، وليس اعتبار العربية هي اللغة الأولى للأمة إرهاباً، وليس رفض تحكيم غير شرع الله إرهاباً، إنه هذا كله دين والتشبث به فريضة، والدفاع عنه لون من ألوان الحقوق لكل مسلم، ومن ثَمَّ فإن عقلاء المسلمين يأبون مسالك الرويبضة الذين يتصايحون ضد هذا الاتجاه. ثم هم يرون أن عمل هؤلاء نوع من الفراغ الديني، وهو أخطر وأهوى، والفراغ الديني الذي هو انسلاخ من شعائر الإسلام كفر بالله وبرسوله ﷺ ؛ لأن الفارغين من الإيمان بالله ورسوله تربوا على موائد الاستعمار ورضعوا من ثديه، فهم يرتقبون أي تصرف غير موجه الوجه الشرعي حسب الاجتهاد ليجتاحوا حقيقة الإسلام كلها. والمسلمون بعامة عليهم ألا يكترثوا بأمر ليس له من دين الله سناد، وليس من الحق في ورد ولا صدر، ولا هو من بابته، وأنهم سيلاقون في جرأتهم على الانتساب إلى الدين عنتاً وشدة، فلا ينبغي أن يعنيهم قسوة النقد ولا جراحة الألسن، قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولاً * إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ [الفرقان:٤١-٤٢] . إن هذا البلاء ليس بدعة في العصر الحديث الذي بلغ الغاية في تشويه الحقائق، بل إن منطق الحاقدين واحدٌ، وإن تطاولت القرون وامتدت سحائبها، فلقد قال الله جل وعلا: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ [غافر:٢٦] ، ولكن صدق الله حيث قال: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ [النساء:٨٩] . اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداءك أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين، اللهم انصر من نصر الدين، واخذل من خذل عبادك المؤمنين، اللهم فرج هم المهمومين من المسلمين، ونفس كرب المكروبين، واقضِ الدين عن المدينين، وفك أسر المأسورين، واشفِ مرضانا ومرضى المسلمين، برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا في من خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين، اللهم وفق ولي أمرنا لما تحبه وترضاه من الأقوال والأعمال يا حي يا قيوم، اللهم أصلح له بطانته يا ذا الجلال والإكرام، اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء؛ أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم سقيا رحمة لا سقيا هدم ولا بلاء ولا غرق، اللهم لتحيي به البلاد وتسقي به العباد، ولتجعله بلاغاً للحاضر والباد، سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 36

إقامة العدل إن الله جعل هذه الأمة أمة عدل، وإن الدين الإسلامي بني على العدل والإنصاف بل إن الإنسان مطالب بالعدل في كل شيء حتى في القسمة بين أبنائه وأهله، بل العدل مطلوب حتى مع أعداء الإسلام، حال الحرب، وحال السلم والمصالحة، والاستئمان وغير ذلك، وبالمقابل شعوب العالم الملحدة والكافرة التي تدعي وترفع شعار العدل والمساواة والإنصاف لم تحقق شيئاً من ذلك سواء مع شعوبها أو مع شعوب العالم الإسلامي.

стр. 37

العدل وأهميته في الإسلام الحمد لله الكبير المتعال، غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب، ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين وعلى أصحابه والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين. أما بعد: فأوصيكم أيها الناس ونفسي بتقوى الله سبحانه، ومحاسبة أنفسكم قبل أن تحاسبوا، فاليوم عملٌ يتلوه موتٌ ليس بعده عمل: ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٨١] . أيها الناس! في عام الفتح سنة ثمان من هجرة المصطفى ﷺ ، دخل رسول الله ﷺ مكة، تعلوه السكينة، عزيز منتصراً، وهو يردد قول الباري جل شأنه: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً﴾ [الإسراء:٨١] دخل صلوات الله وسلامه عليه المسجد الحرام، ثم أخذ مفتاح الكعبة من عثمان بن طلحة، ثم جلس في المسجد، فقام إليه ابن عمه علي بن أبي طالب ﵁، ومفتاح الكعبة في يده فقال: ﴿يا رسول الله! اجمع لنا الحجابة مع السقاية، فقال ﷺ : أين عثمان بن طلحة؟ فدعي له، فقال له ﷺ : هاك مفتاحك يا عثمان! فإن اليوم يوم وفاء النذر﴾ فخرج رسول الله ﷺ وهو يتلو قول الباري جل شأنه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء:٥٨] ﴾ . لا إله إلا الله والله أكبر، انتصار ورفعة واقتدار على كفرٍ وبغي ومعاندين، كل ذلك لم يكن ليجعل النبي ﷺ ينسى أنه إنما بعث بالعدل والقسط، حتى في حال المكر والغلبة، إنه العدل الذي ميز الله به أهل الإسلام، حيث جعلهم عدولاً خياراً بين سائر الأمم: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً﴾ [البقرة:١٤٣] أي: عدولاً خياراً. ولقد أمر الله بالعدل ومدح أهله، ونهى عن الظلم وذم أهله ومواقعيه، فيما يزيد على ثلاث مائة وخمسين آية من كتاب الله. العدل أيها المسلمون هو ميزان الأرض، والظلم والجور ليس لهما إلا معول هدمٍ وخرابٍ لكل دابة تدب عليها، وأعلم المظاهر العملية للظلم هي العدوان والقهر، وأشنع الصور العدوانية أغلبها ما كان فيه سفك الدماء، والإفساد في الأرض، والعلو فيها، وجعل أهلها شيعاً؛ ضعيفهم نهباً لقويهم على صورة صراع أهل الغاب.

стр. 38

حقيقة العدل في الحضارة المعاصرة والعدل في الحضارة المعاصرة ذات البريق اللامع كغيره من القيم الأخلاقية تحدده النسبية مع القابلية لأن يوزن بمزانين أو يكال بمكيالين، عند من لم يؤمنوا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمدٍ ﷺ نبياً ورسولاً، أما في الإسلام فالعدل قيمة مطلقة لا مجال للنسبية فيها، له ميزان واحد يعد هو الأدنى في معاملة المسلم مع غيره، حبيباً كان أو بغيضاً، صديقاً أو عدواً، مسالماً أو محارباً، كل ذلك إعمالاً لقوله سبحانه: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة:٨] وإعمالاً لقوله جل شأنه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [النساء:١٣٥] فلا معيار إذاً إلا للعدل، فهو كما يقول ابن كثير ﵀: العدل مطلوبٌ من كل أحد لكل أحد في كل حال، ويشهد لذلك قوله تعالى: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا﴾ [المائدة:٢] فنهى الله المسلمين أن يعاملوا حتى قتل هؤلاء بغير العدل، ومن هنا بدا ظاهراً جلياً أثر هذه التربية الإسلامية على علوم الأمة المسلمة عبر التاريخ في سلمهم وحربهم، ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: المؤمن إن قدر عدل وأحسن، وإن ظلم وقهر وغلب صبر واحتسب. كما قال كعب بن زهير أمام النبي ﷺ منشداً: ليسوا مفاريح إن نالت رماحهم قوماً وليسوا مجازيعاً إذا نيلوا وسئل بعض العرب عن شيء من خلق النبي ﷺ فقال: رأيته يغلب فلا يبطر، ويُغلب فلا يضجر، وما سمي من سمي من كفار قريش بالطلقاء إلا حينما قال لهم في أوج غلبته، وذكريات طردهم له، وإيذائهم لعفته، تجول في خاطره ومع ذلك لم يتفوه إلا قائلاً: ﴿اذهبوا فأنتم الطلقاء﴾ .

стр. 39

القضية الفلسطينية والعدل أيها المسلمون! إنه من أجل إيضاح قضية العدل، وتجلية الممارسة الحقيقية لها في هذا الزمن، فلا بد أن نورد مقارنة بين سلوكين هما محط حديث الساعة، إنها المقارنة بين السلوك الحربي لجيوش المسلمين وغزاتهم، وبين سلوك جيوش غير المسلمين، ومنهم بعض جيوش الحضارة المعاصرة، وذلك من خلال منطقة واحدة، تعرضت في خلال ألفي سنة تقريباً لمرات ست من الغزو الخارجي، تلكم المنطقة هي أرض مسرى رسول الله ﷺ ، إنها فلسطين وبيت المقدس، فلقد تعرضت لهجوم الفرس الذين أثمروا إحراق المدينة، ونهبها، وقتل السلطان فيها، وإهانة المقدسات، وبعد أقل من عشر سنين، هاجم البيزنطيون هذه المنطقة، وانتصروا على الفرس المحتلين، فانتقموا منهم ومن اليهود الذين كانوا ساعدهم الأيمن شر انتقام، ولم يكن سلوك البيزنطيين آنذاك أقلَّ وحشية من سابقيهم. ثم بعد ما يقارب العشر سنين انتصر المسلمون ودخلوا المدينة فاتحين، فلم يسفكوا فيها دماً، ولم ينهبوا مالاً، ولم يقتلوا شيخاً ولا طفلاً ولا امرأة، ثم صدرت إبان ذلك الوثيقة العمرية المشهورة في زمن الفاروق ﵁، بحيث إن من يقرأها ويرى ما فيها من الإنصاف والعدل والسماحة فقد لا يظن أنها بين جيش منتصر وآخر مهزوم شر هزيمة. وبعد عدة قرون من الزمن، اجتاحت حملة صليبية أرض المقدس، فانتصرت على أهلها، وكان معظم أهلها من المسلمين، ولكن ماذا كان السلوك الحربي لأولئك الغزاة؟ إنها كلمات قالها قائد تلك الحملة الصليبية، واصفاً بأن خيولهم كانت تخوض في دماء المسلمين، ويصفها مؤرخٌ أوربي آخر بقوله: لقد انحدرت جموع الصليبين في طرقات بيت المقدس تحصد الأرواح حصداً رجالاً ونساءً، شيوخاً وأطفالاً، حتى بلغوا عشرة آلاف قتيل. وبعد أقل من قرنٍ من الزمن ينتصر جيش صلاح الدين على الصليبيين في موقعة حطين الحاسمة، وتفتح أمامه أبواب بيت المقدس ويدخلها المسلمون منتصرين غانمين، يظهرون من دروب السماحة والعدل والرحمة في حال الحرب ما أجبر مؤرخي الغرب على الاعتراف بذلك والإشادة به. ثم تأتي الطامة الأخرى والوحشية العمياء، في العقد الثاني من القرن الماضي، ليدخل جيش الانتداب الأوروبي أرض فلسطين مع الغزاة اليهود، فيصنع فيها مجازر وحشية وألوان عدوانٍ، كان من أبشعها جرماً وأعظمها فتكاً مذبحة دير ياسين المشهورة، والتي وصفها أحد جزاريها القادة بقوله: كان لهذه العملية نتائج كبيرة، فقد أصيب الفلسطينيون بعد انتشار أخبار دير ياسين بالهلع، فأخذوا يفرون مذعورين، فلم يبق على أرض فلسطين إلا ما يقارب مائة وستين ألفاً، بعد أن كانوا يزيدون عن ثمانمائة ألف، ثم يقول هذا الجزار: لولا مذبحة دير ياسين ما كان يمكن لإسرائيل أن تظهر إلى الوجود. ولم يكن هذا السلوك عباد الله منافياً لتصور الحضارة المعاصرة للعدل، ولأجل هذا منحته جائزة نوبل للسلام. إذاً: هذه المقارنة عباد الله بين سلوك الجيوش المسلمة والجيوش الكافرة تدل على ما شهد به أحد كبار مؤرخي الحضارة المعاصرة: بأن التاريخ لم يشهد فاتحاً أرحم من المسلمين، ألا إن المسلمين دائماً هم الضحية ضد أي عدوانٍ غاشم، ولم يعرف يوماً ما أنهم كانوا هم المعتدون على أحد، بل حتى في هذا القرن المعاصر فهذه هي فلسطين والجزائر وليبيا وتونس ومصر والسودان وغيرها لم يكن أهلها قط هم المعتدين، بل كان المستعمر من أرباب الحضارة المعاصرة هو الغازي المعتدي. ومن باب الأسف الشديد أن يصبح أرباب الحضارة المعاصرة في اعتماد إعلانهم على غفلة المجتمعات المسلمة وضعف ذاكرتها في استيعاب الأحداث الماضية، والسجلات المشينة، في النظرة الواقعية لمفهوم العدل عند الحضارة المعاصرة، ومن خلال سلسلة من الغزو والاعتداءات والبطش، ولو كانت أحداثاً لم تجف دماؤها بعد، وإلا فلماذا توصف المقاومات المسلحة في بعض الدول الإسلامية بادي الرأي من قبل رواد الحضارة المعاصرة على أنها حركات مقاومة ضد المعتدي، أو جيوبٌ انفصالية في وجه الظالم. ثم بين غمضة عينٍ وانتباهتها تنقلب نظرة الحضارة المعاصرة، فتسميها هي الإرهابية المبرِّزَة، يجب أن تستأصل شأفتها وتوأد في مجدها.

стр. 40

موقف الحضارة المعاصرة تجاه الشعوب المسلمة الحضارة المعاصرة عباد الله! رسمت لنفسها صورة صناعية تقنية، فاقدة للتقوى، أو لمفهوم التراحم والعدل الإنساني على أقل تقديرهم، فتحولت إلى حضارة استكبارية بطشية، تركت الجدال بالحكمة، وجادلت الناس على متن المقاتلات ورءوس المدرعات، حتى جعلوا من ذواتهم أشباحاً مرهوبة، وجعلوا حقوق من سواهم من الناس ندامات ممضوغة يلفظونها بعد العلك بل لمخالب القوى الباطشة، وهي لا تريد من هذه المستعمرات الشافعة إلا أن تجعلها حقول استغلال، ومن ثم اتخاذ أهلها خدماً يعملون ويكدحون ليشقوا هم ويسعد الغازي المعتدي. ولأجل هذا نجحت ثورة البركان العسكري في الحضارة المعاصرة في أن تجعل معظم العالم الإسلامي اليوم يألف ألواناً من الاعتداءات السياسية والاقتصادية، حتى لقد أصبح الأمان لديهم شبه سرابٍ بقيعة لا يبلغه أحد، ومما لا شك فيه أنه كلما قلت صحوة المسلمين كلما ازداد الوله إلى هذا السراب، والتشبث به، ولقد صدق الله: ﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً﴾ [الكهف:٢٠] . ولأجل هذا احمرت جوانب تاريخ هذه الحضارة بدماء الضحايا المسفوكة، فقاتلت الشعوب المتطلعة إلى حريتها وحرمتها من أسباب العلم والقوة والنهوض، ولا يغرنكم عباد الله ما تبثه الحضارة المعاصرة بين الحين والآخر من شعارات الإخاء، والعدل، والحرية في التدين، نعم لقد فصلوا هذا الشعار للعالم إلا للمسلمين، وإن كان ولا بد فلا أكثر من أن يكون مقطوع الصلة بكرامة الإنسان التي أرادها الله له من خلافة الأرض وعبادة الله فيها، وإقامة العدل بين أرجائها، وزيادة على ذلك، فعلى الإسلام أن يكون محايداً بإزائهم مسايساً لهم. أما أن يؤيد الدين حقوق الإنسان، ويأمروا الناس أن يدخلوا في السلم كافة فلا؛ لأن الإسلام عندهم هو وحده الذي يجب إبعاده عن الحياة العامة، أما ما عداه من الديانات والنحل فليكن بصرها دولٌ، ولترسم على خطاها سياسات. ولأجل هذا لاطفوا عبدة الأوثان بروح أطيب ونفسٍ أهدأ، فأي حضارة هذه بربكم؟! وبهذه الصورة لم يبعدوا النزعة أولئك المتخصصون في العلاقات الدولية حينما قالوا: إن مثل هذه التصرفات يؤسس على مبدأ النصيحة الوطنية والقوة، فهو كمبدأ العلاقة مع الآخر لدى قطاع الطريق أو لدى أي تجمع مفترسٍ في الغابة، وما الضمانات التي تمثلها مواثيق العدل العالمية المزعومة للمحافظة على أمن الشعوب إلا فيما لم يكن للمسلمين أو العرب فيه طرفاً في صراعٍ ما، أما إذا كان الحيف واقعاً على شعبٍ مسلم، أو قطرٍ عربي فقد أصبغوا للقضية لوناً آخر، فهل يفزع بالمنكوب حينئذٍ إذا أساء بالحضارة ظنه؟! إن مثل هذه الممارسات، هي التي جعلت عدداً ليس بالقليل من عقلاء الحضارة المعاصرة لا يزالون يطلقون صيحات النذارة لأقوامهم، ويحذرونهم سوء المصير، فهل يعي المسلمون ذلك؟! ألا إن من سنن الله تعالى، أن وضع هذه الحضارة تحصد ما تزرع، وتعرف طعم الجذاذ عند الحصاد. فما طار طيرٌ وارتفع إلا كما طار وقع ﴿وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [الرعد:٣١] . بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، قد قلت ما قلت، إن صواباً فمن الله، وإن خطأً فمن نفسي والشيطان، وأستغفر الله إنه كان غفاراً.
следующие страницы →