Полный текст (518 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
إقامة العدل
إن الله جعل هذه الأمة أمة عدل، وإن الدين الإسلامي بني على العدل والإنصاف بل إن الإنسان مطالب بالعدل في كل شيء حتى في القسمة بين أبنائه وأهله، بل العدل مطلوب حتى مع أعداء الإسلام، حال الحرب، وحال السلم والمصالحة، والاستئمان وغير ذلك، وبالمقابل شعوب العالم الملحدة والكافرة التي تدعي وترفع شعار العدل والمساواة والإنصاف لم تحقق شيئاً من ذلك سواء مع شعوبها أو مع شعوب العالم الإسلامي.
стр. 37
العدل وأهميته في الإسلام
الحمد لله الكبير المتعال، غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب، ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين وعلى أصحابه والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
أما بعد:
فأوصيكم أيها الناس ونفسي بتقوى الله سبحانه، ومحاسبة أنفسكم قبل أن تحاسبوا، فاليوم عملٌ يتلوه موتٌ ليس بعده عمل: ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٨١] .
أيها الناس! في عام الفتح سنة ثمان من هجرة المصطفى ﷺ ، دخل رسول الله ﷺ مكة، تعلوه السكينة، عزيز منتصراً، وهو يردد قول الباري جل شأنه: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً﴾ [الإسراء:٨١] دخل صلوات الله وسلامه عليه المسجد الحرام، ثم أخذ مفتاح الكعبة من عثمان بن طلحة، ثم جلس في المسجد، فقام إليه ابن عمه علي بن أبي طالب ﵁، ومفتاح الكعبة في يده فقال: ﴿يا رسول الله! اجمع لنا الحجابة مع السقاية، فقال ﷺ : أين عثمان بن طلحة؟ فدعي له، فقال له ﷺ : هاك مفتاحك يا عثمان! فإن اليوم يوم وفاء النذر﴾ فخرج رسول الله ﷺ وهو يتلو قول الباري جل شأنه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء:٥٨] ﴾ .
لا إله إلا الله والله أكبر، انتصار ورفعة واقتدار على كفرٍ وبغي ومعاندين، كل ذلك لم يكن ليجعل النبي ﷺ ينسى أنه إنما بعث بالعدل والقسط، حتى في حال المكر والغلبة، إنه العدل الذي ميز الله به أهل الإسلام، حيث جعلهم عدولاً خياراً بين سائر الأمم: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً﴾ [البقرة:١٤٣] أي: عدولاً خياراً.
ولقد أمر الله بالعدل ومدح أهله، ونهى عن الظلم وذم أهله ومواقعيه، فيما يزيد على ثلاث مائة وخمسين آية من كتاب الله.
العدل أيها المسلمون هو ميزان الأرض، والظلم والجور ليس لهما إلا معول هدمٍ وخرابٍ لكل دابة تدب عليها، وأعلم المظاهر العملية للظلم هي العدوان والقهر، وأشنع الصور العدوانية أغلبها ما كان فيه سفك الدماء، والإفساد في الأرض، والعلو فيها، وجعل أهلها شيعاً؛ ضعيفهم نهباً لقويهم على صورة صراع أهل الغاب.
стр. 38
حقيقة العدل في الحضارة المعاصرة
والعدل في الحضارة المعاصرة ذات البريق اللامع كغيره من القيم الأخلاقية تحدده النسبية مع القابلية لأن يوزن بمزانين أو يكال بمكيالين، عند من لم يؤمنوا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمدٍ ﷺ نبياً ورسولاً، أما في الإسلام فالعدل قيمة مطلقة لا مجال للنسبية فيها، له ميزان واحد يعد هو الأدنى في معاملة المسلم مع غيره، حبيباً كان أو بغيضاً، صديقاً أو عدواً، مسالماً أو محارباً، كل ذلك إعمالاً لقوله سبحانه: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة:٨] وإعمالاً لقوله جل شأنه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [النساء:١٣٥] فلا معيار إذاً إلا للعدل، فهو كما يقول ابن كثير ﵀: العدل مطلوبٌ من كل أحد لكل أحد في كل حال، ويشهد لذلك قوله تعالى: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا﴾ [المائدة:٢] فنهى الله المسلمين أن يعاملوا حتى قتل هؤلاء بغير العدل، ومن هنا بدا ظاهراً جلياً أثر هذه التربية الإسلامية على علوم الأمة المسلمة عبر التاريخ في سلمهم وحربهم، ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: المؤمن إن قدر عدل وأحسن، وإن ظلم وقهر وغلب صبر واحتسب.
كما قال كعب بن زهير أمام النبي ﷺ منشداً:
ليسوا مفاريح إن نالت رماحهم قوماً وليسوا مجازيعاً إذا نيلوا
وسئل بعض العرب عن شيء من خلق النبي ﷺ فقال: رأيته يغلب فلا يبطر، ويُغلب فلا يضجر، وما سمي من سمي من كفار قريش بالطلقاء إلا حينما قال لهم في أوج غلبته، وذكريات طردهم له، وإيذائهم لعفته، تجول في خاطره ومع ذلك لم يتفوه إلا قائلاً: ﴿اذهبوا فأنتم الطلقاء﴾ .
стр. 39
القضية الفلسطينية والعدل
أيها المسلمون! إنه من أجل إيضاح قضية العدل، وتجلية الممارسة الحقيقية لها في هذا الزمن، فلا بد أن نورد مقارنة بين سلوكين هما محط حديث الساعة، إنها المقارنة بين السلوك الحربي لجيوش المسلمين وغزاتهم، وبين سلوك جيوش غير المسلمين، ومنهم بعض جيوش الحضارة المعاصرة، وذلك من خلال منطقة واحدة، تعرضت في خلال ألفي سنة تقريباً لمرات ست من الغزو الخارجي، تلكم المنطقة هي أرض مسرى رسول الله ﷺ ، إنها فلسطين وبيت المقدس، فلقد تعرضت لهجوم الفرس الذين أثمروا إحراق المدينة، ونهبها، وقتل السلطان فيها، وإهانة المقدسات، وبعد أقل من عشر سنين، هاجم البيزنطيون هذه المنطقة، وانتصروا على الفرس المحتلين، فانتقموا منهم ومن اليهود الذين كانوا ساعدهم الأيمن شر انتقام، ولم يكن سلوك البيزنطيين آنذاك أقلَّ وحشية من سابقيهم.
ثم بعد ما يقارب العشر سنين انتصر المسلمون ودخلوا المدينة فاتحين، فلم يسفكوا فيها دماً، ولم ينهبوا مالاً، ولم يقتلوا شيخاً ولا طفلاً ولا امرأة، ثم صدرت إبان ذلك الوثيقة العمرية المشهورة في زمن الفاروق ﵁، بحيث إن من يقرأها ويرى ما فيها من الإنصاف والعدل والسماحة فقد لا يظن أنها بين جيش منتصر وآخر مهزوم شر هزيمة.
وبعد عدة قرون من الزمن، اجتاحت حملة صليبية أرض المقدس، فانتصرت على أهلها، وكان معظم أهلها من المسلمين، ولكن ماذا كان السلوك الحربي لأولئك الغزاة؟ إنها كلمات قالها قائد تلك الحملة الصليبية، واصفاً بأن خيولهم كانت تخوض في دماء المسلمين، ويصفها مؤرخٌ أوربي آخر بقوله: لقد انحدرت جموع الصليبين في طرقات بيت المقدس تحصد الأرواح حصداً رجالاً ونساءً، شيوخاً وأطفالاً، حتى بلغوا عشرة آلاف قتيل.
وبعد أقل من قرنٍ من الزمن ينتصر جيش صلاح الدين على الصليبيين في موقعة حطين الحاسمة، وتفتح أمامه أبواب بيت المقدس ويدخلها المسلمون منتصرين غانمين، يظهرون من دروب السماحة والعدل والرحمة في حال الحرب ما أجبر مؤرخي الغرب على الاعتراف بذلك والإشادة به.
ثم تأتي الطامة الأخرى والوحشية العمياء، في العقد الثاني من القرن الماضي، ليدخل جيش الانتداب الأوروبي أرض فلسطين مع الغزاة اليهود، فيصنع فيها مجازر وحشية وألوان عدوانٍ، كان من أبشعها جرماً وأعظمها فتكاً مذبحة دير ياسين المشهورة، والتي وصفها أحد جزاريها القادة بقوله: كان لهذه العملية نتائج كبيرة، فقد أصيب الفلسطينيون بعد انتشار أخبار دير ياسين بالهلع، فأخذوا يفرون مذعورين، فلم يبق على أرض فلسطين إلا ما يقارب مائة وستين ألفاً، بعد أن كانوا يزيدون عن ثمانمائة ألف، ثم يقول هذا الجزار: لولا مذبحة دير ياسين ما كان يمكن لإسرائيل أن تظهر إلى الوجود.
ولم يكن هذا السلوك عباد الله منافياً لتصور الحضارة المعاصرة للعدل، ولأجل هذا منحته جائزة نوبل للسلام.
إذاً: هذه المقارنة عباد الله بين سلوك الجيوش المسلمة والجيوش الكافرة تدل على ما شهد به أحد كبار مؤرخي الحضارة المعاصرة: بأن التاريخ لم يشهد فاتحاً أرحم من المسلمين، ألا إن المسلمين دائماً هم الضحية ضد أي عدوانٍ غاشم، ولم يعرف يوماً ما أنهم كانوا هم المعتدون على أحد، بل حتى في هذا القرن المعاصر فهذه هي فلسطين والجزائر وليبيا وتونس ومصر والسودان وغيرها لم يكن أهلها قط هم المعتدين، بل كان المستعمر من أرباب الحضارة المعاصرة هو الغازي المعتدي.
ومن باب الأسف الشديد أن يصبح أرباب الحضارة المعاصرة في اعتماد إعلانهم على غفلة المجتمعات المسلمة وضعف ذاكرتها في استيعاب الأحداث الماضية، والسجلات المشينة، في النظرة الواقعية لمفهوم العدل عند الحضارة المعاصرة، ومن خلال سلسلة من الغزو والاعتداءات والبطش، ولو كانت أحداثاً لم تجف دماؤها بعد، وإلا فلماذا توصف المقاومات المسلحة في بعض الدول الإسلامية بادي الرأي من قبل رواد الحضارة المعاصرة على أنها حركات مقاومة ضد المعتدي، أو جيوبٌ انفصالية في وجه الظالم.
ثم بين غمضة عينٍ وانتباهتها تنقلب نظرة الحضارة المعاصرة، فتسميها هي الإرهابية المبرِّزَة، يجب أن تستأصل شأفتها وتوأد في مجدها.
стр. 40
موقف الحضارة المعاصرة تجاه الشعوب المسلمة
الحضارة المعاصرة عباد الله! رسمت لنفسها صورة صناعية تقنية، فاقدة للتقوى، أو لمفهوم التراحم والعدل الإنساني على أقل تقديرهم، فتحولت إلى حضارة استكبارية بطشية، تركت الجدال بالحكمة، وجادلت الناس على متن المقاتلات ورءوس المدرعات، حتى جعلوا من ذواتهم أشباحاً مرهوبة، وجعلوا حقوق من سواهم من الناس ندامات ممضوغة يلفظونها بعد العلك بل لمخالب القوى الباطشة، وهي لا تريد من هذه المستعمرات الشافعة إلا أن تجعلها حقول استغلال، ومن ثم اتخاذ أهلها خدماً يعملون ويكدحون ليشقوا هم ويسعد الغازي المعتدي.
ولأجل هذا نجحت ثورة البركان العسكري في الحضارة المعاصرة في أن تجعل معظم العالم الإسلامي اليوم يألف ألواناً من الاعتداءات السياسية والاقتصادية، حتى لقد أصبح الأمان لديهم شبه سرابٍ بقيعة لا يبلغه أحد، ومما لا شك فيه أنه كلما قلت صحوة المسلمين كلما ازداد الوله إلى هذا السراب، والتشبث به، ولقد صدق الله: ﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً﴾ [الكهف:٢٠] .
ولأجل هذا احمرت جوانب تاريخ هذه الحضارة بدماء الضحايا المسفوكة، فقاتلت الشعوب المتطلعة إلى حريتها وحرمتها من أسباب العلم والقوة والنهوض، ولا يغرنكم عباد الله ما تبثه الحضارة المعاصرة بين الحين والآخر من شعارات الإخاء، والعدل، والحرية في التدين، نعم لقد فصلوا هذا الشعار للعالم إلا للمسلمين، وإن كان ولا بد فلا أكثر من أن يكون مقطوع الصلة بكرامة الإنسان التي أرادها الله له من خلافة الأرض وعبادة الله فيها، وإقامة العدل بين أرجائها، وزيادة على ذلك، فعلى الإسلام أن يكون محايداً بإزائهم مسايساً لهم.
أما أن يؤيد الدين حقوق الإنسان، ويأمروا الناس أن يدخلوا في السلم كافة فلا؛ لأن الإسلام عندهم هو وحده الذي يجب إبعاده عن الحياة العامة، أما ما عداه من الديانات والنحل فليكن بصرها دولٌ، ولترسم على خطاها سياسات.
ولأجل هذا لاطفوا عبدة الأوثان بروح أطيب ونفسٍ أهدأ، فأي حضارة هذه بربكم؟!
وبهذه الصورة لم يبعدوا النزعة أولئك المتخصصون في العلاقات الدولية حينما قالوا: إن مثل هذه التصرفات يؤسس على مبدأ النصيحة الوطنية والقوة، فهو كمبدأ العلاقة مع الآخر لدى قطاع الطريق أو لدى أي تجمع مفترسٍ في الغابة، وما الضمانات التي تمثلها مواثيق العدل العالمية المزعومة للمحافظة على أمن الشعوب إلا فيما لم يكن للمسلمين أو العرب فيه طرفاً في صراعٍ ما، أما إذا كان الحيف واقعاً على شعبٍ مسلم، أو قطرٍ عربي فقد أصبغوا للقضية لوناً آخر، فهل يفزع بالمنكوب حينئذٍ إذا أساء بالحضارة ظنه؟!
إن مثل هذه الممارسات، هي التي جعلت عدداً ليس بالقليل من عقلاء الحضارة المعاصرة لا يزالون يطلقون صيحات النذارة لأقوامهم، ويحذرونهم سوء المصير، فهل يعي المسلمون ذلك؟!
ألا إن من سنن الله تعالى، أن وضع هذه الحضارة تحصد ما تزرع، وتعرف طعم الجذاذ عند الحصاد.
فما طار طيرٌ وارتفع إلا كما طار وقع
﴿وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [الرعد:٣١] .
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، قد قلت ما قلت، إن صواباً فمن الله، وإن خطأً فمن نفسي والشيطان، وأستغفر الله إنه كان غفاراً.
стр. 41
أسباب انحراف الحضارة المعاصرة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أما بعد:
فإن المشاهد لواقع الحضارة المعاصرة اليوم، ليرى أن لانحرافها في تصورها للعدل نتيجة بديهية لا مناص منها، ألا وهي تشبع روحها بالأنانية والعدوانية وإرادة العلو في الأرض، وإهلاك الحرث والنسل ﴿وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة:٢٠٥] ولا أدل على هذه النزعة الشاذة مما يعد ثمرة هذا الواقع، وذلك من خلال إنتاج هذه الحضارة من أسلحة الدمار الشامل، ما بلغ كمية وكيفية مبلغاً يجاوز سلع الاحتياجات البشرية للطعام والشراب بأضعاف مضاعفة، ولقد عُلِمَ أن دولة من دول هذه الحضارة قد بلغ إنتاجها من أسلحة الدمار الشامل ما يكفي لإفناء العالم ثلاثة وثلاثين مرة، وقبل عقودٍ من الزمن شيعت دولة كبرى موكباً من التوابيت الخرسانية لتلقى في قاع المحيط، حيث تضم وسطها شحناتٍ مروعةً من الغازات السامة بعد أن رأت هذه الدولة أن لديها فائضاً من هذا السلاح يكفي لإفناء العالم ست مرات.
وإن تعجبوا عباد الله! فعجبٌ تلك النزعة الشريرة في هذه الحضارة، إذ كان يكفيها شراً أن تنتج ما هو كفيلٌ بإفناء العالم مرة واحدة، وهنا مكمن الجبروت والعدوانية في الحضارة المعاصرة، فما ذنب العالم إذاً أن يدمر أكثر من ثلاثين مرة، ألا يكفي للحربين العالميتين مثالاً لهذا التصور المنحرف خلال ربع قرن أثمرتا من خلاله ما يعد بالملايين من القتلى.
عباد الله! إن كلامنا هنا ليس المقصود به الهجاء والتشفي في كشف عورة الحضارة المعاصرة، إذ الأمر أبعد من ذلك وأهم، وهو أن صيحات تعالت، ورجع صدىً يسمع في الأقطار الإسلامية أثمر التأثر بهذه الحضارة المعاصرة وزخرفها، فرأينا وسمعنا من بين ظهرانينا تبرير الظلم والعدوان من قبل تلكم الحضارة، وكذا تبرير ازدواجية معايير العدل عندها، في حين أنه كان المرجو في مقابل ذلك أن ينكشف للمسلمين هذا الزيف في تقييم العدل، وأن تتضح لديهم المعاني الرئيسة لمفهوم العدل عند تلك الحضارة، وأنه ليس هو العدل الذي بمعنى الإنصاف، ولكنه العدل الذي هو الميل والانحراف.
وهذا ما يضع على كل عاتق نصيبها من المسئولية أمام الله، من شعوبٍ وحكومات، وذلك بتدارك الأمر من خلال الرجوع إلى الله، ثم بالطرح الإسلامي الصحيح للتربية الواعية عبر المجالات التربوية، ومناهج التعليم، وتوعية الأجيال بحسنات الإعلان لا بسيئاته، ليقف المسلمون موقف العاقل أمام طوفان الحضارة المعاصرة الجارف، وأن يعلموا أن الحق لا يزري به أن تمر عليه سنين عجاف، ولا يضيع جوهره؛ لأنها عجاف، ولا يضيع جوهرة؛ لأن عللاً عارضة اجتاحت أهله، وليعلموا أن الباطل لا يسمى حقاً؛ لأن دورةً من أدوار الزمن منحتهم قوة، وأقامت له دولة في الأرض، إذ لم تتحول جرائم فرعون إلى فضائل؛ لأنه ملك سلطة الأمر والنهي، واستطاع قتل الأبناء واستحيا النساء، فلا ميزان للجميع إلا بمدى قربهم من الله أو بعدهم عنه.
كما يجب علينا جميعاً أن نتجرع الواقع المرير ولو لم نستسغه حتى نواجه الغارة الشعواء، ونستبين أغراضها الكامنة، في جعلنا قصة تروى، وخبر كان، قبل أن يجتمع علينا السالوك الخامس؛ وهو الهدم الروحي، والهدم التاريخي، والهدم العسكري، والذي غايته أن يتلاقى على أنقاضنا، فيا ترى هل يضيع الحق في حومة هذه الدائرة العمياء؟!
كلا.
فلقد مر آباؤنا الأولين بمثل هذه المحن، ثم خرجوا منها موفورين، بعد أن أصلحوا أنفسهم وأصلحوا ما بينهم وبين الله بالنصح الجاد، والتصحيح الواعي: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٢١] ﴿وليأتين زمن تملأ فيه الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً﴾ وذلك بلسان الصادق المصدوق ﷺ : ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [آل عمران:١٩٦-١٩٧] .
اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميدٌ مجيد.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداءك أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين، برحمتك يا أرحم الرحمين!
اللهم انصر من نصر الدين، واخذل من خذل عبادك المؤمنين، اللهم فرج هم المهمومين من المسلمين، ونفس كرب المكروبين، واقض الدين عن المدينين، واشف مرضانا ومرضى المسلمين برحمتك يا أرحم الرحمين!
اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين.
اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا في من خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين!
اللهم وفق ولي أمرنا لما تحبه وترضاه من الأقوال والأعمال يا حي يا قيوم، اللهم أصلح بطانته يا ذا الجلال والإكرام.
стр. 42
أنصفوا المرأة
إن الله أنزل في المرأة آيات عظام في كتابه الكريم، فشرفها بعد أن كانت ذليلة، وأعزها بعد أن كانت مهانة، وأعطاها إرثها وحقها بعد أن كانت محرومة ومهدورة، لكن في عصرنا الحاضر أبى كثير من المنافقين إلا أن يتألى على الله ويقترح لها حقوقاً غير ما شرع الله سبحانه، ويرى أن كل ما ذكر في الشرع جور وظلم، وأن العدل هو الزبالة الموهومة في أذهان وعقول البشر المنافقين.
стр. 43
قضية المرأة بين الهدم وإعادة البناء
الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين له بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أشكر الله جل وعلا على أن هيأ هذا اللقاء الطيب، وأن جمعنا بأحبة لنا في الدين في بيت من بيوت الله، نتدارس كتاب الله، ونسأل الباري جل وعلا أن يحف هذا المجلس بالسكينة، وأن يغشاه بالرحمة، وأن ينزل عليه ملائكته، وأن يذكرنا في من عنده.
ثم أشكر لأخي فضيلة الشيخ الدكتور سعد علي ما ذكر؛ ولكن أقول: سامحه الله جل وعلا، وإن كان إحسان الظن بالمسلم أمر طيب، ومأمور به كل مسلم تجاه أخيه؛ ولكن أن يكون أمامه فإنه يعين بذلك الشيطان عليه، ويقطع عنقه، ونحن -ولله الحمد- أحوج ما نكون إلى ما في القلوب أكثر مما في الألسن؛ ولا شك أن اللسان دليل على القلب، إلا أن حضور المقصود قد يقطع هذا الأمر؛ ولكن أسأل الله أن يجعلني خيراً مما تظنون, وأن يغفر لي ما لا تعلمون، ولسان حالي وحال كل مسلم يقول:
إلهي لا تعذبني فإني مقر بالذي قد كان مني
يظن الناس بي خيراً وإني لشر الناس إن لم تعفُ عني
ثم قبل البدء بالمحاضرة تعلمون من خلال ما سبق في محاضرة أبها أنني ممن فوجئ بهاتين المحاضرتين، وأما هذه المحاضرة فما علمتُ بها إلا قبل الجمعة بنصف ساعة، وأُقحِمتُ فيها إقحاماً، ومثل هذا الأمر يجعل الإعداد لمثل هذه المحاضرة ضيقاً، وربما فيه من القصور ما فيه، وما أقول إلا أن لسان حالي معكم كنهي النبي ﷺ عن أن يتلقى الركبان، أو أن يتلقى الجلب، فقدمت هنا طالباً فإذا بي مطلوباً، وقدمتُ معتزلاً فإذا بي وسط الناس؛ ولكن منكم العذر، فإن أصبتُ فمن الله، وإن أخطأتُ فمن نفسي ومن مكتب الدعوة والشيطان، ولا بأس في ذلك - وإن كانت ليست هناك مقارنة- لأنه واردٌ: من نفسي والشيطان؛ فلو أدخلنا مكتب الدعوة فلا بأس؛ لأنه هو السبب في مثل هذه العُجالة.
أولاً: أما عنوان المحاضرة -أيها الإخوة- فهو من العناوين الحَمَّالة الأوجه، أو هو كالوعاء يفسره كل صاحب هوىً على ما يريد، والحقيقة أن العنوان يقال: فيه وجهان، وكل وجه له قائلوه، مع اختلاف المراد من كل معنى.
فأما ما نريده نحن من هذا العنوان، فهو بهذا التفصيل: (أنصفوا المرأة) من باب قولنا من الرباعي: أنْصَفَ يُنْصِفُ إِنْصافاًَ، والمعنى، أي: عدل في الغير، وصدق في إعطائه حقه.
وأما على ما يُشاهَد من أطروحات مهلهلة، وشعارات متهاوية، وإن كان ظاهرها برَّاقاً، فإن من خلال ذلك يُراد النيل من واقع المرأة ونهش حريتها التي أراد الله جل وعلا أن تكون عليها.
فعنوان المحاضرة على منهجهم يكون: (أُنصفوا المرأة) أي: من باب نَصَفَ يَنْصُفُ نَصْفاً من الثلاثية، أي: اقطعوا المرأة نصفين، وإذا قطعَ الشيء نصفين قيل له: نَصَفَ.
والحقيقة أن هذا واقع كثير من كتابات العلمانيين، ومدعي تحرير المرأة، إذ لا يُعرف -أيها الإخوة- من أطروحاتهم إلا مثل هذا المعنى، عافانا الله وإياكم من ذلك.
ثانياً: في هذه الفترة وفترة مضت عشنا لحظات عصيبة جداً كل مسلم غيور يضع فيها يده على صدره، وكأنه يقول: حصن المرأة المسلمة هاهو يتهدم أمام ناظِريه.
وما ذاك إلا لكثرة ما يُرى من الطرح المشئوم، والإلحاد السافر، والعناد الأرعن من خلال قنوات متعددة تحمل من خلال أنامل كُتَّاب أغراض، ومعاول هدم لهذا الحصن الحصين، ولعل كثرتها وتوالي طرحها هو السبب الرئيس لإصابة بعض الغيورين لما يُسمى باليأس، أو ما يُسمى بهوس الهزيمة.
ولكن الذي ينبغي أن يعلمه المؤمن والمؤمنة: أن الله جل وعلا غالب على أمره، وأنه لا أحد أغير من الله أن يزني عبده أو أن تزني أمته، وأن انتشار مثل هذه المعاول الهدامة ليست في حقيقتها إلا سبب من الله وحكمة في أن يستيقظ أهل الإيمان من سباتهم، ويتفقدوا الخلل في سلوكهم، ويستكشفوا طرق المقاومة لمثل هذه الأفكار الهدامة، ومن ثَمَّ نسيان هذه المصائب جملة وتفصيلاً، واستئناف حياة أخرى يغلب عليها الفأل والرجاء، وهي أحفل بالعمل والإقدام، وفي ضوء ذلك ندرك قول القائل:
فإن تكن الأيام فينا تبدلتْ ببؤسى ونُعمى والحوادث تفعلُ
فما ليَّنت منا قناة صليبة ولا ذللتنا إلا للتي ليست تجمُلُ
ولكن رحلناها نفوساً كريمة تحمَّل ما لا يُستطاع فتحملُ
وقَينا بحسن الصبر منا نفوسَنا صحَّت لنا الأعراضُ والناس بدل
إن تهيب المرء المسلم بأن يقع في ضلالٍ ما يُبعده ذلك التهيب عن بعض المواقف، وينجيه من غوائله؛ بيد أن المرء الذي يخشى على حياته أن يتناول جرعة كبيرة من السم لوضوح خطرها، فإنه بذلك يستهين بتناول أجزاء دقيقة منها تكون مطوية في أطعمة مكشوفة، أو أطباق قذرة، أو أيدي ملوثة، أو ما شابه ذلك، ومن ثم يصيب بدنه من العلل ما قد يودي به، مثلما تودي به رصاصة قاتلة أو طعنة غادرة.
وقد صح عن النبي ﷺ الخبر بقوله: ﴿إن الشيطان قد أيس أن يُعبد في جزيرة العرب؛ ولكن بالتحريش بينهم﴾ وحري بنا ونحن نتكلم عن بعض آراء ذوي الأهواء أن ننبه إلى الملابسات التي تجعل كثيراً منهم يوافق -مثلاً- أو يرفض، بل يؤمن ويكفر متى ما يرى الهيعة قد سارت في الاتجاه الغالب، والعامة من هؤلاء -وللأسف الشديد- مع صاحب الدنيا إذا غلب ولو كان ذميماً، وأما الذين يعتنقون الحق المجرد ولو أثخنته الهزائم، ويغالون بنفاسته ولو مُرِّغ في التراب، فهؤلاء هم غرباء العالم.
والناس مَن يلق خيراً قائلون له ما يشتهي ولأم المخطئ الهبلُ
стр. 44
معنى الإنصاف وسبب الحديث عنه
لماذا عنوان هذه المحاضرة: (أنصفوا المرأة) ؟! وهل المرأة مغبونة حتى تُنصف؟!
فأقول: أولاً: إن الإنصاف في الحقيقة هو إعطاء كل ذي حق حقه، بصرف النظر عن ماهية المنصف أو المنصف له.
ولا يُفهم منه ألبتة أن الإنصاف يكون بمعنى: المقاسمة هنا! أي: أن نقسم الشيء نصفين، كلا، هذا ليس إنصافاً، وإنما يُقال: صُلح قرر فيه الطرفان أن يتنازل كل واحد منهما عن النصف الآخر، والإنصاف في الطرح خلاف ذلك، بل هو بعبارة أخرى ما يسمى: بالعدل؛ بكل ما يحمل منها من معانٍ، حتى في حال العداوة, أو في حال القربى، كما قال الباري جل وعلا: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة:٨] .
أو كما قال جل وعلا في حق القربى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [النساء:١٣٥] .
ثانياً: ينبغي علينا جميعاً أن نعي واقع الحديث عن المرأة، وأنها صارت محلاً لعبث العابثين، ودعاوى المدعين.
وأمر المرأة بعيد كل البُعد عن حقيقة كل زاعم منهم.
وكل يدَّعي وصلاًَ لليلى وليلى لا تُقر لهم بِذاكا
مع أن معظم الطرح لقضية المرأة إنما هو في الحقيقة على طرفي ضد، إبَّان غيبة من علماء المسلمين وفقهائهم ودُعاتهم وأصحاب الرأي منهم، الذي يحمل مصداقية في طياته.
فمن هنا كان الطرح غير منصف، بل أبلغ ما يُقال فيه:
سارت مُشَرِّقَةً وسرتُ مُغَرِّبا شتان بين مُشَرِّقٍ ومُغَرِّبِ
فالجل منهم تهيجهم بتلك الأطروحات بواعث مكشوفة، ويطلبون به غايات شتى، وإن شئتم فاسمعوا قول الشاعر:
لما رأيت نساءنا يفحصن بالمعزاء شدا
وبدت لميس كأنها بدر السماء إذا تبدا
وبدت محاسنها التي تخفي وكان الأمر جِداً
نازلت كبشهم ولم أرَ من نزال الكبش بُدا
لمن هذا الإقدام؟ إنه لوجه لميس الحسناء.
فمن هنا -أيها الإخوة والأخوات- كانت الدعوة إلى الإنفاق في فترة الغياب الفكري المسلم الصحيح الذي ينتشل قضية المرأة من الظلم والجور، حتى من أهلها ومن بني جلدتها والذين يتكلمون بلغتها.
وكان مالك بن أنس ﵀ يشكو في زمانه قلة الإنصاف، ولم تزل قلة الإنصاف قائمة بين الرجال وإن كانوا ذوي رحم.
وما هذا التغيب الكامل عبر وسائل متعددة للطرح الإسلامي الفريد نحو قضية المرأة إلا سبب للغفلة أو التغافل أو التجاهل بعبارة أصح عن تلك الصيحات الصادقة، التي كان يطلقها علماء الإسلام ودعاتُهم في التحذير من أن تكون قضية المرأة عِلْكاً ملتصقاً في أحذية أهل الفساد والإفساد من غربيين حاقدين أو مستغربين.
وتلك الصيحات التي ظهر للأمة صدق منطقها في هذا الوقت، ووقع ما كان يُسمع من تحذير حول أقنعة التغرير وقُفَّازاته على حد قول القائل:
بذلتُ لهم نُصحي بمنعرج اللوا فلم يستبينوا النصح إلا ضحى الغدِ
وإن هذه الظروف العصيبة التي يشهدها العالم الإسلامي بأسره، من انفتاح فكري وثقافي مركباً تركيباً مزجياً لا بد من مواجهتها في أسرع وقت ممكن قبل فوات الأوان؛ وإلا فأنىَّ للناس إذا فاتهم ذلك ذكراها؟!
وحينئذٍ يصدق علينا قول القائل:
ذب الحمار بأم عمروٍ فلا رجَعَتْ ولا رجع الحمارُ
стр. 45
سبب الحديث عن المرأة
قد يتساءل البعض: لماذا الحديث عن المرأة؟
أيوجد ثَمَّ مشكلة تستدعي الحديث عن مخلوق ليس جديداً على البشر؟!
أم أن الحديث عنها يُحدث نوع تسلية وإماتة للوقت بالتفكه بذاتها؟!
أم أن الأمر ليس هذا ولا ذاك؟!
ف
الجواب
هو أن الأمر ليس هذا ولا ذاك، بل إن الأمر أبعدُ من هذا وأجل، إننا حينما نتحدث عن المرأة فإننا نتحدث عنها على أنها شقيقة الرجل ولها شأن في المجتمع، حيث إنها نصف البشرية، ثم هي تلج النصف الآخر، فكأنها بذلك كالأمة الكاملة.
يضاف إلى ذلك أننا في المجتمع الحديث نجد أن الحديث عن المرأة صحافةً وإعلاماً، بل وعلى مستوى المنتديات والجمعيات الظاهر منها والباطن، نجد أن الحديث عنها يحتمل حيزاًَ كبيراً من تفكير الباحثين، فكان لزاماً على كل داعية أو موجه أو عالم قبل ذلك أن يكون مشغولاً بمثل هذه القضية الكبرى، يفرح لاستقامتها، ويأسى لعوجها وعدم استقرارها، ويتفرس أيضاً -وهذا أمر واجب- في الأطروحات المتعلقة بها؛ ليميز بذلك الخبيث من الطيب.
فلا هو يسمع للمتشائمين، ولا يشافع المتهورين، بل يكون وقافاً عند تعاليم الدين الحنيف، كما يُعرف من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، لا كما يصوره أطروحات النساء الحمقاوات، أو أهواء الرجال المسعورين.
كما أن من الأسباب في هذا الطرح، بل إنه السبب الأهم: ألا وهو ما ثبت عن النبي ﷺ في الصحيحين وغيرهما أنه قال: ﴿ما تركتُ بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء﴾ ، وفي رواية عند مسلم: ﴿فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء﴾ .
إضافة إلى ما أكده النبي ﷺ في حجة الوداع قبل وفاته بثلاثة أشهر -فيما رواه البيهقي وغيره- من الوصية بالنساء خيراً وأنهن عَوان عند الرجال، أي: أسيرات.
أضيفوا إلى ذلك -أيها الإخوة والأخوات- أن الحديث عن المرأة هو محاولة لإيقاظ ذوي الغَرَر، من أجل أن ينتبهوا للمؤامرة ضد المرأة، وأنها في الحقيقة جُزء من مشروع استعماري خطير كبير شامل، وما هذا المشروع إلا ليغير وجه الحياة، ويقتلع المجتمع الإسلامي من جذوره، ناهيكم عن غفلة المرأة المسلمة، ووَسْنَتِها الملغومة، والتي غيَّبَتْها عن أن تعي واقعها المرير، والذي يصوره أحد الكتاب فيقول:
يُحكى أن رجلاً وقف على طرف غصن من شجرة، يقطعه من ناحية الجذع، دون أن يتنبه إلى حتمية السقوط الذي سيصير إليه إذا انقطع الجذع، فإذا مر من ينبهه إلى هذا المصير الذي انتهى إليه فيما بعد، نهض يعدو خلفه ليقول له: لقد عرفت أمر سقوطي قبل حصوله، فلن أدعك حتى تنبئني بنهايتي متى تحين.
أيها الإخوة: إن هذه الصورة الغريبة من هذا الرجل الساذج وهو يقف على غصن الشجرة، لَيُمَثِّل في الحقيقة واقع المرأة المسلمة اليوم في اندفاعها المحموم وراء المجهول، وهذا المجهول لم تجرب يوماً ما أن تسأل نفسها عن غايته ومحتواه، وهذا المجهول هو الذي أضاع شخصيتها وصرفها عن حقيقته، وجعلها كالكرة تتخبطها مضارب اللاعبين، فتتهادى في كل اتجاه ومكان، وهذا المجهول لا يُتاح التخلص من ضغطه وقهره إلا للمرأة التي تستطيع أن تعزل نفسها ضمن حصانة من الشرع الحكيم.
стр. 46
المرأة في الجاهلية الحديثة
لقد وصلت المرأة المسلمة إلى مطلع هذا العصر مصونة الفطرة من الانحلال والانحراف، على الرغم من كل ظروفها السيئة، ولكنها ما إن طلت على مفاسد الغرب حتى اجتالتها شياطينه، فإذا هي تتخبط في مستنقعه، وتقع في حمئه المشين، لا تريد بذلك مستقراً، ولا تهتدي طريقاً للوصول إلى الرفعة والعزة.
لقد راع المرأة من الغرب فريقه الطامي وظرافة منتجاته، فرضيت بالسير وراء الهابطات من نسائه، تتبع آثارهن في كل زيٍ ومسلك، حتى أصبحت لا ترضى عن ثوبها إلا بمقدار انطباقه على نماذجهن الواردة في أزياء الهابطات من نساء هوليود وأشباههن.
حتى إنك -أيها المرء المسلم- إذا ما رأيت ثوبها طويلاً أو ثوب بعضهن يستر بعض العورة، فاعلم أنه صورة من ذلك النموذج الجديد -إلا من رحم الله- ولقد صدق من قال:
على وجه مَيٍّ مسحة من ملاحة وتحت الثياب الخزي لو كان باديا
أم ترَ أن الماء يخثر طعمُه وإن كان لون الماء أبيض صافيا؟
ورسول الله ﷺ كما في الحديث الصحيح يقول: ﴿أيقظوا صويحبات الحجر، فرب كاسية في الدنيا عارية يوم القيامة﴾ .
أيها الإخوة: لقد بات أمر المرأة في مهب الأعاصير، فليس من الحكمة أن يُترك زمامه للدعوات الساقطة، يقذف به حيث يشاء أولو الأهواء.
أيها الأحبة: إن الحديث عن المرأة بوجه عام قد يفرض على المتحدث في هذا الإطار أن لا يصرف النظر عن وضع المرأة في القديم؛ ليتاح له الإلمام الواجب بمنزلتها لدى الأمم.
стр. 47
المرأة في الجاهلية القديمة
لا جرم -أيها الإخوة- فإن الناظر في واقع المرأة قبل الإسلام لن يجد ما يسره، إذ يرى نفسه أمام تخبط عالمي هنا وهناك تجاه المرأة وقضيتها، ويعجب كل العجب من اختلاف الفئات والقبائل في نظرتها للمرأة، حيث تترواح شهوداً فتتولى المرأة زمام الملك، كـ الزباء وبلقيس التي قال الله عنها على لسان هدهد سليمان: ﴿إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل:٢٣] .
بل ولربما ادعت المرأة النبوة، كـ سجاح ﵂ قبل الإسلام، فيضحك عليها بعض قومها، ثم يهجوها فيقول:
أضحت نبيتنا أنثى نلاعبها وأضحى أنبياء الناس ذكرانا
وقد مارست المرأة الفرعونية قبل الإسلام الحكم والكهنوت، ومن أشهر من عُرِفَت في ذلك: كارت، وكيلوا باترا، ونفرتيتي.
هذا إذا كان وضع المرأة في الصعود، أو أن تتراوح هبوطاً فيكون الوأد مصيرها خشية الفاقة والعار، وإن سلمت من ذلك فإنها ستعيش زرية مهانة في الأسرة والمجتمع، طفلة وشابة يستعبدها الرجال في ذلة وامتهان، إن سئلت فلا تُجاب، وإن احتيج إليها فإنما هو للسقي والاحتطاب ولقط النوى، وإن تسامت المرأة في الجاهلية شيئاً ما فإنما هو لإبراز غلة الشهوة في ازدراء ونظرات شذرى.
ويوم خروج هذه المرأة إلى الدنيا يومٌ تسود فيه وجوه الجاهلية، وبُشرى البشير بها سخطٌ وإغضابٌ، وأن بشراها هي أن تدفن حية في التراب: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [النحل:٥٨-٥٩] .
﴿وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ [التكوير:٨-٩] .
أيها الإخوة والأخوات: تلك عقول فارقها في الحقيقة رشدها؛ لطول عهدها بنور السماء، وهدي الأنبياء، وهؤلاء رجال صنعتهم الوثنية، وربتهم الكهانة، فأصبحت فصاحة ألسنتهم وكرم أيديهم ومنطقهم في الشعر الذي صُوِّر إلى أن قيل:
ألهى بني تغلب عن كل مكرمة قصيدة قالها عمرو بن كلثوم ِ
وصارت شجاعة أبدانهم كل ذلك أصح بروقاً تومض ولا تضيء، وترعد فلا تمطر.
ولعل الطابع البارز في حكم العالم القديم على المرأة هو أنها موضع اللذة فحسب، لا وزن لها إلا بمقدار ما تطلبه نزوة الرجل ورغبتُه، وليست معركة ذي قار عن التاريخ ببعيد، وهي من أضخم المعارك في الجاهلية، وأكثرها بلاءً، وإنما نشبت بسبب امرأة جميلة أرادها كسرى، وأباها النعمان بن المنذر عليه، ولقد صدق من قال:
سقراط أعطى الكأس وهي منية شفتي محب يشتهي التقبيلا
الجاهلية في الحقيقة نالت من المرأة أقصى منال فحرمتها حق الحياة، حتى بيعت وسبيت ووئدت.
كانت المرأة في ظل أكيد
سلعة كانت في أسواق العبيد
وأدوها
كبلوها بحديد
كانت الدنيا ظلاماً مطبقاً
وثياب الظلم لفحاً محرقاً
فأتى الهادي عليهم مشفقاً
يقول ابن عباس رضي الله تعالى عنه: [[إذا سرك أن تعلم جهل العرب، فاقرأ قول الله جل وعلا: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ﴾ [الأنعام:١٤٠]] ]
إذاً: من خلال هذه الملامح -أيها الإخوة والأخوات- ندرك جميعاً ولا ريب كيف جمحت الجاهلية بالمجتمع العربي، فشذَّ عن سواء السبيل، وانطلق يخبط في مهامه الحياة ودروبها خبط العُشَراء.
стр. 48
المرأة في الإسلام
في طوايا هذا الظلام وإبَّانه ينبعث فجر الإسلام، فتسمع في الدنيا لأول مرة: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة:٧١] ، ويُسمع قوله: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:٢٢٨] ويُسمع قول النبي ﷺ : ﴿ألا إن كل شيء من أمور الجاهلية تحت قدمي موضوع﴾ ويُسمع قوله ﷺ : ﴿استوصوا بالنساء خيراً﴾ ويُسمع قوله صلوات الله وسلامه عليه: ﴿لا يجلد أحدكم امرأته جلد العبد ثم هو يضاجعها﴾ .
وبذلك -أيها الإخوة- يضع الإسلام الأسس الكبرى لكيان المرأة الجديد، الذي ما لبث أن آتى ثماره في ظل المدرسة النبوية، وهي مدرسة النبي ﷺ ، فإذا المرأة إمام يُستفتى بأعظم المسائل، كـ عائشة ﵂.
أو فقيهة كـ أم الدرداء رضي الله تعالى عنها، حيث تقول: [[لقد طلبت العبادة في كل شيء، فما أحببت لنفسي شيئاً أشفى من مجالسة العلماء ومذاكرتهم]] .
أو أن تكون عالمة، كابنة سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى لما أن دخل بها زوجها وكان من تلاميذ سعيد، فلما أن أصبح أخذ رداءه يريد أن يخرج، فقالت له زوجتُه: "إلى أين؟ فقال: إلى مجلس سعيد أتعلم العلم، فقالت له: اجلس أعلمك علم سعيد ".
أو كابنة الإمام مالك رحمه الله تعالى إمام دار الهجرة، حيث كانوا يقرءون عليه في الموطأ، فإن لَحَن القارئ في حرف أو زاد أو نقص تدق ابنته الباب، فيقول أبوها للقارئ: ارجع، فالغلط معك، فيرجع فيجد الغلط معه.
أو مثل كريمة بنت محمد بن حاتم المروزي كانت من راويات صحيح البخاري المعتبرة عند المحدثين.
بل -أيها الإخوة والأخوات- لقد أحسن الإسلام في المرأة بنتاً بعد أن كانت تسبى وتوأد، فيقول الرسول ﷺ فيما رواه البخاري في صحيحه: ﴿إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات، ومنعاً وهات، ووأد البنات﴾ .
وقد قال واثلة بن الأسقع: [[إن من يُمن المرأة تبشيرها بالأنثى قبل الذكر؛ وذلك أن الله قال: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ﴾ [الشورى:٤٩]] ] .
بل قال النبي ﷺ فيما رواه مسلم من حديث أنس رضي الله تعالى عنه أنه قال: ﴿من عال جاريتين حتى تبلغا، جاء يوم القيامة أنا وهو -وضم أصابعه- معاً﴾ ، بأبي هو وأمي صلوات الله وسلامه عليه.
قالوا له: ماذا رزقتا فأصاخ ثُمَّةَ قال: بنتا
وأجل من ولد النساء أبو البنات فلم جزعتا
نالوا بفضل البنت ما كبتوا به الأعداء كبتا
وكما أحسن الإسلام إلى المرأة بنتاً، فقد أحسن إليها كذلك زوجة، وجعل الزواج لبني البشر نسباً وصهراً وسكناً ومودة ورحمة ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً﴾ [الرعد:٣٨] .
وقد قال عنها ﷺ كما في الصحيحين: ﴿تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك﴾ .
خير ما يتخذ الإنسان من دنياه كيما يستقيم دينه
قلب شكور ولسان ذاكر وزوجة صالحة تعينه
وختاماً: في هذه العُجالة: فإن الإسلام قد كرم المرأة المسلمة، أماً وقد كرمها بعد شبابها وزواجها وتعلمها، وقرن طاعتها بالأمر بعبادته والنهي عن الشرك به: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ [النساء:٣٦] .
وخص الأم ببعض هذه الوصايا بالتذكير بزيادة حقها على حق الأب ﴿وَوَصَّيْنَا الْأِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ
стр. 49
الاختلاط وصوره المحرمة
وبعدُ أيها الأحبة: فقد وضع الإسلام للمرأة سياجاً قوياً مانعاً من الضياع، إذا هي أخذت به نجت، وإن هي أضاعته ضلت وهلكت، وذلك -أيها الإخوة- هو سياج الحشمة والعفاف، الذي يكون من مقتضاه: الحجاب الشرعي، والقرار في البيوت، والبُعد عن مزاحمة الرجال، فتصبح المرأة بذلك كجوهرة في صدفة لا يعرفها إلا الخواص من الناس، والإسلام جرى في الاختلاط بين الرجل والمرأة خطراً محققاً، فهو يباعد بينهما إلا في الزواج بقول الباري جل وعلا: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب:٣٣] .
ولقوله: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [الأحزاب:٥٣]
فقد روى البخاري رحمه الله تعالى أن الرسول ﷺ كان إذا سلم -أي: من صلاته- مكث قليلاً، قال ابن شهاب رحمه الله تعالى فتُرى -والله أعلم- لكي ينفذ من ينصرف من النساء قبل أن يدركهن من انصرف من القوم، أي: الرجال.
ويقول ابن القيم رحمه الله تعالى: ولا ريب أن تمكين النساء من اختلاطهن بالرجال أصل كل بلية وشر، وهو من أعظم أسباب نزول العقوبات العامة، كما أنه من أسباب فساد أمور العامة والخاصة، واختلاط الرجال بالنساء سبب لكثرة الفواحش والزنا، وهو من أسباب الموت والطواعين المتصلة.
انتهى كلامه ﵀.
أضيفوا إلى ذلك -أيها الإخوة والأخوات- شيوع الطلاق، والعنوس، بسبب فُشُو التبرج والزينة والاختلاط؛ لأن المرء العاقل المسلم إنما يبحث عن المرأة العفيفة المحتشمة، فإذا ما اضمحل الحياء، وانتزع من صدور النساء، وانعدمت الغيرة لدى الرجال؛ فسدت الأخلاق، وتعثر بذلك غض البصر، ووقع المرء في شرك بلاء العشق والمحنة به والذي يتلف الدنيا والدين.
إن الرجال الناظرين إلى النسا مثل الكلاب تطوف باللحمانِ
إن لم تصن تلك اللحومَ أسودُها أُكلت بلا عوض ولا أثمانِ
﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾ [النور:٣٠] .
إن من آثار الاختلاط بين الجنسين، وإطلاق البصر هنا وهناك، والذي يودي بدوره إلى هذا الشر العظيم، وإلى كل بلية ومعصية، فالبصر إذاً هو الشرارة الأولى، وهو كذلك سهم مسموم إلى فؤاد كل ناظر.
كل الحوادث مبدأها من النظرِ ومعظم النار من مستصغر الشررِ
كم نظرة فتكت بقلب صاحبها فتك السهام بلا قوس ولا وترِ
وللاختلاط -أيها الإخوة- صور متنوعة، تتراوح هذه الصور لكل مجتمع بحسب ما فيه من الشر والتقصير، فمن ذلك -على سبيل المثال-: الاختلاط بين الجنسين، ولو كانوا إخوة بعد التمييز، كأن يجتمعوا في المضاجع، وقد نهى النبي ﷺ عن ذلك فيما رواه أبو داود في سننه أن النبي ﷺ قال: ﴿مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفرقوا بينهم في المضاجع﴾ .
وهنا نكتة لطيفة: وهي أن النبي ﷺ نهى عن اختلاط الأخ مع الأخت في المضجع، مع أن المحرم قد لا يفكر في جوانب الشهوة بمحارمه، كما يكون التفكير مع الأجنبية عنه، وهذا أمر مُشاهد معلوم، ومع ذلك جاء النهي عنه ﷺ ليُستدل به على ما هو أعظم من ذلك، وهو الاختلاط بالأجنبية عنه.
ومن صور الاختلاط أيضاً: اتخاذ الخدم الرجال، واختلاطهم بالنساء، وحصول الخلوة بهن، وكذا اتخاذ الخادمات بدون محرم، وهذا بلية عظمى، وشرارة كبرى دخلت بلاد المسلمين، فانتشر أُوارُها، نسأل الله لنا ولكم السلامة والعافية.
ومن ذلك أيضاً: السماح للخطيبين بالمصاحبة والمخالطة التي تجر بذاتها إلى الخلوة قبل العقد الشرعي، والذي يجر بلا شك إلى ما لا تُحمد عقباه حينئذٍ.
ومن ذلك أيضاً: ما يجري في عادات بعض الناس وبُعدهم عن الله جل وعلا من خلال استقبال المرء أقارب زوجها الأجانب عنها، أو أصدقائهم ومجالستهم، سواء كان ذلك في حضرتهم، أو في حال غيبتهم.
وكذا أيضاً: الاختلاط في دور التعليم، كالمدارس، والجامعات، والمعاهد، والدروس الخصوصية، وهي أشد أنواع الاختلاط خطراً لعدة أسباب منها:
أولاً: طول الوقت الذي يلتقي فيه الجنسان، بحيث يمتد إلى أكثر من خمس ساعات في اليوم.
ثانياً: البُعد عن الرقيب الفعلي من الأسرة، كأحد الأبوين، أو المحارم، أو نحو ذلك.
ثالثاً: وجود العلل الداعية إلى أضرار الاختلاط، وذلك من خلال إقامة الحُجج لطلب الدروس والواجبات من زميل الدراسة -مثلاًَ- أو الاستفسار عن مقررات المنهج ونحو ذلك.
وقولوا مثل ذلك في اختلاط الوظائف، والمنتديات والجمعيات ونحوها مهما اختلفت مشاربها ومآربها.
وما أحسن ما أجاب به أحمد وفيق باشا حينما سأله أحد الغربيين قائلاً: لماذا تبقى النساء في الشرق محتجبات في بيوتهن مدى حياتهن، من غير أن يخالطن الرجال.
فأجابه على عجالة لأنهن لا يرغبن أن يلدن من غير أزواجهن.
إن أعداء الإسلام -أيها الإخوة- يدركون قيمة الحجاب، وأثر قرار المرأة في بيتها في حماية المرأة المسلمة، وصيانة عفتها وطهارتها؛ لذلك نراهم يشنون على حجاب المرأة حرباً شعواء لا هوادة فيها، فيصفونه بالظلم تارة، وبالجور تارة، وبالتخلف أخرى، وتارة هو دخيل على حياة المسلمين، ولأنه أيضاً يحول دون تقدم المجتمع، وهم بذلك يبينون للمرأة المسلمة الخروج من بيتها بسبب وبدون سبب، وفي الحقيقة: ما بأعداء الإسلام رحمة للمرأة المسلمة، ولا عطف عليها، وما بهم غيرة على الإسلام، ولا حب للمسلمين، إنما هو لا غير الحقد الدفين، والكيد المضمر، والكراهية المدفونة في نفوسهم ﴿هَا أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ﴾ [آل عمران:١١٩] .
لقد ترقت المفاهيم السياسية والبيئية والاجتماعية في هذا العالم الفسيح، حتى أصبح كل ذي لب وبصيرة يملك بقوة الفطنة والحد ما يكشف له اليد الصهيونية، والحقد الدفين على الأمم والشعوب بتدميرها عقدياً واجتماعياً وأخلاقياً، تساوقاً مع مقررات حكماء بني صهيون خذلهم الله.
إن اليهود قد شنوا الحرب على حجاب المرأة المسلمة منذ القديم، منذ أن تآمروا على نزع حجاب امرأة كانت في سوق بني قينقاع وهي جالسة، فجاء رجل يهودي وربط طرف ثوبها من أسفله إلى أعلاه، وهي لا تشعر، فلما قامت واقفة انكشفت سوأتها، وبدت عورتها، فضحك اليهود، واستنفرت المرأة من حولها، وقامت بسبب ذلك صراعات لا يزيدها الزمن إلا اشتعالاً واضطراماًَ؛ لأن اليهود يدركون جيداً أن إفساد المرأة إفساد للمجتمع المسلم.
ولكن من المؤسف -أيها الإخوة وال
стр. 50
شاهد على حال المرأة في الغرب
وإليكم -أيها الإخوة- عبارات قشيبة نلقي من خلالها الضوء على نسائنا، ونساء الغرب الحاقد، فأقول: إن الذين حدثونا من إخواننا المسلمين الذين عايشوا أهل الغرب سنين عديدة، يقولون: لقد اختبرت المرأة هناك وذُلَّت، حتى بذلت ما نراه نحن أعز شيء عليها وهو العرض في سبيل ما نراه أهون شيء علينا وهو الخبز.
بدلَّت بالجمة رأساً أزعراً
وبالثنايا الواضحات الدردرا
كما اشترى المسلم إذ تنصرا
ولقد كتب الخبيث الراحل توفيق الحكيم كلاماً عن الفتاة التي فرضت نفسها عليه، وساكنته الدار، وعاشرته معاشرة الأهل، لا تريد من ذلك إلا أن تجد سقفاً يُسكنها، ومائدة تشبعها.
ثم ذكر عن نفسه أنه كيف ملها، ثم طردها بعد ذلك.
لقد استترت المرأة المسلمة، فعزت بذلك، وتمنعت فطُلبت، وعرضت المرأة الغربية نفسها فهانت؛ لأن كل معروض مهان.
كان الشاعر العربي الأول يقول إذا بدى له من المرأة كف أو معصم دار رأسُه وثارت نفسه، وانطلق بالشعر لسانُه، كما قال أحدهم:
بدا لي منها معصم حين شمرت وكف خضيب زُينت ببنانِ
فوالله لا أذكر وإن كنتُ ذاكراً بسبع رميتُ جمراً أم بثمانِ
أو كما قال الآخر:
قل للمليحة في الخمار الأسود ماذا فعلتِِ بناسك متعبدِ
قد كان شمر للصلاة إزاره حتى وقفتِ له بباب مسجدِ
ردي عليه صلاته وزكاته لا تفتنيه برب دين محمدِ
والآخر يقول:
لها بشر مثل الحرير ومنطقٌ رخيم الحواشي لا هراءٌ ولا نثْرُ
وعينان قال الله كونا فكانتا فعولان بالألباب كما تفعل الخمْرُ
وليس بغائب عن جلنا أن أغزل بيت قالته العرب، هو قول جرير:
إن العيون التي في طرفها حَوَر قتلننا ثم لم يحيين قتلانا
يصرعن ذا اللب حتى لا حَراك له وهن أضعف خلق الله إنسانا
أو قول الرصافي:
عيون المها بين الرصافة والجسر جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري
إذاً: كل هذه المشاعر إنما تفيض حينما تكشف المرأة عن محاسنها، وهي المعروفة بالحجاب.
وأما المرأة الغربية فإن الرجل يراها على الساحل، ويرى منها أعلاها وأدناها، فينظر إلى ساقها فإذا هو ورجل الكرسي على حد سواء.
ومن هنا كسد عندهم حب الزواج؛ لأنه رباط دائم، يرتبط الرجل مختاراً؛ ليصل إلى إرواء غريزته بما أباح الله جل وعلا.
هذا هو الدافع الأول للزواج، فلماذا يربط الغربي نفسه به إذا كان يستطيع أن يرويها وهو طليق حر، ومن أمثلة الغرب في ذلك: إذا استطعت شراء اللبن فلم تشترِِ البقرة كلها؟
وقيل: إن نساء الغرب أسعد عيشاً أو أعز وأكرم من نسائنا كلا.
ليس في الدنيا أعز ولا أكرم من نساء المسلمين ورجال المسلمين، وإن الغرب أبعد الناس عن الغيرة، فهل يتمالك مسلم نفسه أن يكون في حفلة ما، فيأتي إليه رجل فيقول له: من فضلك! هل تسمح لي؟ فما هو ظنكم؟! يسمح له بماذا؟! إنه يريد أن يقول له: من فضلك! هل تسمح لي أن أرافق زوجتك؟ أو أن أرافق أختك؟ أو أن أرافق بنتك؟ ليضم صدرها إلى صدره، ويدها إلى يده، ووجهها إلى وجهه، وساقها إلى ساقه.
ليس في الدنيا مسلم ولا مسلمة يرضى بهذا.
هذه هي حال نساء الغرب، ومن سار في ركابهن.
فهل نساء الغرب اليوم في خير مما يدعونا إلى أن نسير في ركبابهن، وأن ندور وراءهن كما يدور الحمار على رحاه؟ كلا.
وقد صدق من قال:
لقد ركع القوم لجيفة يبين لذي اللب إنتانُها
أيها الإخوة والأخوات! هذا شيء من حال الغرب بعد تجربة مديدة في المناداة بتحرير المرأة وخروجها من بيتها، وهاهم الآن بعقلائهم ومفكريهم يعانون من هذه الظاهرة، والتي وصلت إلى ما وصلت إليه بعد مراحل ما يُسمى: المرأة والعمل السياسي، والذي أوجزه لكم على عُجالة؛ لأن الوقت قد ضاق.
стр. 51
المرأة والعمل السياسي
أقول: بداية هذه الأمور إنما كانت فيما يتعلق بالمرأة والعمل السياسي، وبدأت الدعوات نحو مشاركة المرأة في العمل السياسي ابتداء من عصر النهضة والتمدن في القرن السابع عشر، وفي عصر اليقظة في القرن الثامن عشر، وكذلك في القرن التاسع عشر جاء منشطاً للحركة النسائية عملياً وعلمياً، حتى لقب بعصر المرأة، وقسموا حقوق المرأة إلى أقسام: تشريعية، واقتصادية، وسياسية.
وقد امتدت هذه الجذور حتى إلى المرأة الشرقية، وقد حصل الجميع على مبتغاهم، حتى أصبح للمرأة حق سياسي في الانتخاب الذي هو التصويت، فأول ما بدأ ذلك بعد منتصف القرن التاسع عشر في أمريكا، وبالتحديد في بعض ولاياتها، مثل: كلورادوا، وواشنطن، وكاليفورنيا، وألاسكا، وأريزونا.
وفي عام:١٩٢٠م أقر الاتحاد الأميركي حق الانتخاب للمرأة في كل الولايات المتحدة، ثم تبع أمريكا في ذلك: النرويج، والدنمارك، وهولندا، وبريطانيا، والنمسا، والسويد، وبلجيكا، حتى عام: ١٩٢١م.
وبعد ذلك، بعض الدول الاشتراكية مثل: تشيكوسلوفاكيا، وبولونيا، وألمانيا الديمقراطية، وفنلندا، والمجر، وبولندا، ورومانيا، ويوغسلافيا.
وبعد هذه الأمور بدأ دور المرأة ظاهراً في المجال السياسي، فبدأت بعد ذلك في الوزارة، ثم سلك القضاء في أمريكا، ثم بلغن عددهن في الكونجرس الأمريكي سنة: ١٩٢٦م مائة وثمانية امرأة، ثم بدأت سفيرة بعد ذلك.
ثم في الهند عينت شقيقة البان بنت نهرو سفيرة في الولايات المتحدة، وفي الثمانيات عُينت -أيضاً- أنديرا غاندي رئيسة للوزاء في الهند، ومثلها في الباكستان:، ومثلها -أيضاً- ما تُسمى غولد مائير في إسرائيل، وفي تركيا تانسو تشيلر، وفي بريطانيا أيضاً مارغريت تاتشر، وفي غيرها، والآن في أندونيسيا الأمر على قدم وساق لنصب امرأة.
وفي بعض البلاد العربية: سلكت المرأة من خلال نصوص دساتيرها مناصب شتى في الوزارة، ومجالس النواب، والسفارات، ما عدا الرئاسة.
وفي عام: ١٩٧٣م صدر قرار رقم (عشرة لثلاثة آلاف) عن الهيئة العامة للأمم المتحدة، نص على أن عام: ١٩٧٥م عامٌ دولي للمرأة، وفيه دعوة صريحة للمساواة بين الرجل والمرأة والمشاركة الأعمق في الإنتاج، وفي التعاون من أجل السلام.
وكان المؤتمر قد عُقد في برلين عاصمة ألمانيا الديمقراطية، وكان أهم ما فيه: أن الاعتراف بمساواة المرأة في الدساتير والقوانين، ووضعها موضع التنفيذ،
стр. 52
شبهة حق المرأة في العمل
وعندنا سؤال هنا: حق المرأة في العمل؟!
وهي شبهةٌ يدعو إليها مدعو تحرير المرأة.
فأقول: العمل المنوط بالمرأة قبل الزواج إنما يتقرر بالحاجة المبيحة لها في العمل من خلال الضوابط الشرعية من ثلاث نواحي أساسية:
الأولى: حاجتها الاقتصادية إلى المال؛ لتعيل نفسها عند فقد المعين من أب أو زوج أو نحوهما.
الثانية: إذا كانت حاجة المجتمع إليها ملحة، ولم تكن هي بحاجة إلى المال.
الثالثة: أن تكون بعد الزواج، فإنه يترتب على المرأة بعد الزواج التزامات زوجية وأسرية، فإن استطاعت أن تفي بهذه الالتزامات الشرعية، كحقوق الزوج والأولاد والحضانة والتدبير وكذلك الرعاية، بحيث توفق بينها، فلا مانع إذا أذن الزوج بذلك، وعند التعارض، فإن حق الأسرة مقدم على حقها الخاص.
يقول البغوي ﵀ في كتابه شرح السنة في قول النبي ﷺ : ﴿كلكم راعٍ، وكلكم مسئول عن رعيته﴾ ، قال: ورعاية المرأة في بيت زوجها بحسن التدبير في أمر بيته، والتعهد بخدمته، وأضيافه.
انتهى كلامه ﵀.
стр. 53
تولي المرأة للإمامة العظمى
حكم تولي المرأة للإمامة العُظمى؟
في الحقيقة: لم يختلف الفقهاء لا في القديم ولا في الحديث بمنع ذلك؛ لقول النبي ﷺ كما في الصحيح: ﴿ما أفلح قومٌ ولوا عليهم امرأة﴾ ، وخالف في ذلك فرقة من الخوارج يقال لها: الشبيبية نسبة إلى شبيب بن يزيد الشيباني، وزعموا أن غزالة زوجة شبيب كانت إمامة بعد قتله، وقد خرجت سنة: ٧٦هـ أيام ولاية الحجاج على العراق، خرجت على عبد الملك بن مروان، وقد فر منها أيضاً الحجاج في إحدى الوقائع حينما أرادت دخول الكوفة، وفيه قال عمران بن حطان:
أسد علي وفي الحروب نعامة فتخاء تنفر من صفير الصافرِ
هلا برزت إلى غزالة في الوغى بل كان قلبك في جناحي طائرِ
وقل مثل ذلك فيما يسمى وزارة التفويض وبقية الوزارات.
стр. 54
تعليق على خطاب ولي العهد
يبقى معنا ما يتعلق في أطروحات أخرى جد خطيرة، من ذلك: ما أُشيع في صحف شتى عما يُسمى التعليق على خطاب ولي العهد وفقه الله.
ونحن نعلم جميعاً أن حكام هذه البلاد من بداية التأسيس في خطاباتهم وأمورهم لم نجد يوماً ما أنهم دعوا إلى خروج المرأة من بيتها، ونزع جلبابها وحيائها، ولا إلى فجورها وتحريرها، وخطاب ولي العهد كان واضحاً، ليس وليد اليوم، فقد سبقه بذلك أبوه ﵀، فهو ممن تبع أباه بعد ذلك، فهي خطابات تتوالى، ولكن لعل هناك سراً في أولئك المغرضين، ولماذا حصل مثل هذا الخطاب؟
فأقول: ولي العهد كان له جولات كثيرة ألقى فيها خطابات متعددة، فأين هؤلاء الكتاب عن الثناء على تلك الخطابات؟
لماذا الثناء على جملة قصيرة من خطاب واحد وهو خطاب واحد يقوله الجميع، ونقوله كما قال، وقد قاله قبله كثير، أنه لا يصح لأحد أن يهون من شأن المرأة، أو أن ينتقص مكانتها، وهذا أمر كلنا جميعاً نتفق عليه، فلماذا أولئك يحولون هذه الخطاب ويحرفونه على ما يشتهون ويُهَوِّشون به ليصطادوا في الماء العكر؟
فأين الثناء على الخطابات السالفة؟
بل أين الثناء على جملة هذا الخطاب الذي من محتواه هذه الكلمة اليسيرة؟ فلماذا اختيار هذه الكلمة؟
جاءت خطابات ولي العهد وغيره عن إقامة الشرع، وتثبيت حدود الله، والتواصي والتآخي ونحو ذلك، فلم نرَ منهم ثناءً ولا مدحاً، لماذا على هذه النقطة؟
هذا أمر مما يثير الاستفهام، ويؤكد لنا أن جملة من أولئك إنما قصدهم أن يوقعوا فيما لا تحمد عقباه، وعلى حد قول القائل:
أصُمُّ عن الأمر الذي لا أريده وأسمع خلق الله حين أشاءُ
أو على قول القائل:
إن يسمعوا ريبة طاروا بها فرحاً عني وما سمعوا من صالح دفنوا
جهلاً علينا وجبناً من عدوهم لبئست الخلتان الجهل والجبن
والحقيقة أيها الإخوة: أن العداوة بين الأمجاد والأوغاد ليست وليدة الحاضر.
كما أن التعليق على الخطاب من قبل أهل الأهواء ليس حباً في مَن ألقى الخطاب، ولنستدل على مثل ذلك: أين أولئك الذين علقوا على خطابه بما لا يريد؟
أين هم بعد أن جاء المصدر الرسمي الآخر وبيَّن أن ذلك ليس مقصوداً؟
فهل تراجع أحدٌ منهم في اليوم التالي، وأثنى على هذا المصدر الرسمي كم أثنى على الخطاب الأول؟
لا نرى منهم أحداً رجع، لماذا؟
لو كان حباً في من ألقى الخطاب، ومصدر الخطاب، لعدت إلى رشدك، وقلتَ: صدق، وأنا آسف على خطئي.
هذه أيضاً مما يؤاخذ على من ساروا خلف ذلك الخطاب، بل لا نخطئ لو قلنا: إن هذا خروج بالكلمة على ولي الأمر، فولي الأمر لم يدعُ المرأة إلى خروجها من بيتها، وحتى أضرب لكم مثالاً واحداً أنا رأيته بعيني: جاء إلى جارتنا هناك خطاب دعوة إلى حضور احتفال تحضره حرم خادم الحرمين حفظه الله, وكان من جملة الخطاب تحت رعياتها على أن لا يكون من ضمن الحضور من يريد تصويراً أو يكون متبرجاً، أو يأتي بما لا يرضاه الشرع، فإذا كان هذا حرم قيادة البلاد، فكيف يأتي من هو دون ليبين أن المرأة ينبغي أن تخرج سافرة.
فإذاً: مثل هذه الخطوط ينبغي أن نتنبه إليها، وأن نعيه وأن نعلم أن من بيننا ومن يلفظ بألسنتنا، ويتكلم بلغتنا من لا يريد لنا الصلاح ولا الإصلاح، لا لنا ولا لقادتنا حفظهم الله ووفقهم للإسلام والمسلمين.
وقولوا مثل ذلك في قيادة المرأة المسلمة للسيارة، وهذا أمر أفتى فيه العلماء، ويُعرف فيه نظر قادة هذا البلاد، وليس تصريح سمو وزير الداخلية -جزاه الله خيراً- عنا ببعيد بأن الأمر ليس ولن يكون ذلك؛ لأن لكل مجتمع ما يدعو إليه دينهم، وهذا أمر فصل في هذه القضية، ونُشر في الصحف في لقائه بإخوته في جامعة أم القرى.
стр. 55
قصيدة تحذير المرأة من أعدائها
ولعل بهذه المناسبة في إبَّان المعمعة والحديث عما ألقى حول خطاب سمو ولي العهد في تلك الآونة.
قلت ما تجيش به قريحة الشعر في تلك اللحظة من معانٍ، لعل أن يجد أحدنا فيها ما يعينه على فهم ذلك:
قيل في الإعلام قولٌ عن ولي العهد فينا
فانبرى الأقزام تواً في ركاب الله فينا
من مداد الحب يُذكى ذكرهم حيناً فحينا
ثم قالوها بقول يكشف الرأي الدفينا
كم خطابات تولت لم نر منهم طنينا
ذاك ذئب بات يعوي يبتغي عجلاً سمينا
زيفوا الأقلام يهذي كي يضل المهتدينا
ظن أن البنت صيد يدخل الجوف اللعينا
أنشَدُوها يا فتاةً في عداد الدارسينا
كيف يجديك احتشامٌ يكشف الوجه الحسينا
كيف يؤذيكِ اختلاط في صفوف المعجبينا
أنت عند القوم كأسٌ أو خمور الأندرينا
مزقي الجلباب قسراً واقتداراً تصحبينا
كيف تؤوين انتقاصاً؟ كيف باصاً تركبينا؟
إيه! قومي في إباءٍ اعلني قَفْل المشينا
واركبي التيار نثراً رغم أنف المانعينا
صرح المسئول يوماً لن تراعوا لن نلينا
نحن للإسلام حصن في وجوه المغرضينا
أسهم العلمان ترمى دون أرض المسلمينا
منجنيق القوم عارٍ والحصى أضحى طحينا
ما على قومٍ بُغاة أن طغوا مستنفرينا
سوف يلقاهم عقابٌ من إله العالمينا
شرعة الرحمن حق لا ادعاءاتُ المِئِيْنا
ليس هم القوم بنتاً في صلاح أو بنينا
همهم كشف الخبايا من جمال تُرزقينا
أو ولوغ في إناءٍ يجعل الألبان طينا
يا لَأُختي ليس يجديـ ـهم عفاف المؤمنينا
ثَمَّ أمر ليس يخفى من نوايا العابثينا
أن تكون المرأة الغَرْ رَا إمام المسلمينا
أو رئيس مجالس الوز راء يا للغافلينا!
أو ولي العهد إن كنا لدون الراغبينا
стр. 56
ما يراد بالمرأة
يا أيها الأخت المسلمة! يا فتاة الإسلام! إن باب الإصلاح أمامك أنت أيتها المرأة، ومفتاحه بيدك، فإذا آمنت بوجوده وعملت على دخوله، صلحت الحال.
صحيحٌ أن الرجل هو الذي يخطو الخطوة الأولى أحياناً في طريق الإثم وقد لا تخطوها المرأة من قبل؛ ولكن لولا رضاك أنت ما أقدم، ولولا لينك لما اشتد عليك، أنت فتحت له الباب، وهو الذي دخل، ولو علمت أن ذلك الرجل وذلك الفرد الحاقد ذئب وأنت النعجة لفررت منه فرار النعجة من الذئب، وإذا كان الذئب لا يريد من النعجة إلا لحمها، فإن الذي يريده منك الغرب والرجل المستغرب هو أعز شيء عليك من اللحم على النعجة، يريد عفافك الذي به تشرفين، وبه تعيشين، يريد أن يوقعك في لذة ساعة، تظلين بعدها أبداً تتجرعين غصصها، ثم ينبو لطيفاً يفتش عن مغفلة أخرى يسرق منها عرضها.
إن الفتاة المسلمة مهما بلغت من المنزلة والغنى والشهرة فإنها لا تجد أملها بعد الله إلا في الزواج، فالزواج أهم أماني المرأة في الدنيا، والفاسقة المستهترة لا يتزوجها أحد، حتى الذي أغواها وأراق عفتها وكرامتها بين قدميه.
فتنبهي يا فتاة الإسلام! ولا تسمعي كلام أولئك الذين يزينون لك حياة الاختلاط باسم الحرية والمدنية والتقدمية، فإن عدداً من هؤلاء لا يهمهم منك إلا اللذة العارضة والشهوة المسعورة، هذا هو الحق فلا تسمعي غيره، فإذا شئت أصلحت نفسك وأصلحت بصلاحك الأمة كلها.
وأخيراً: أيها الإخوة! فإن الحديث عن المرأة لا ينتهي، والذي يهمنا أن نؤكده هنا: هو أن كل ما نقول من حق المرأة إنما هو من باب غيرتنا عليها كمسلمين، وحرصنا على صيانتها وحمايتها، ولا شك أن الواجب يضع على كل عاشق نصيبه من المسئولية، كل حسب موقعه ومكانته، فالحاكم راعٍ وهو مسئول عن رعيته، والعالم راعٍ وهو مسئول عن رعيته، والأب راعٍ وهو مسئول عن رعيته، والأم راعية وهي مسئولة عن رعيتها، بل وكلكم راعٍِ وكلكم مسئول عن رعيته.
إلا أن الملاحَظ -أيها الإخوة والأخوات- أن الخطر قد بان من الخطورة بحيث لا يصلح لدرئه إلا الكبار من الناس، من آباء ومسئولين، وكما قيل: رب حكمة من مسئول تكون كالسد المنيع في طريق السيول.
وإن واجب الأمانة، ثم مصلحة الأمة الإسلامية يهيبان بكل مسئول من أب أو غيره أن يضغطوا -كما قيل- على كابح القاطرة قبل أن تسير بهم إلى الهاوية، ولا يكون هذا الكابح إلا في التشريع الإسلامي، الذي يفرض على المرأة الاحتشام، وأن تحتجب، وأن تكف عن السباق المحموم الذي تمارسه هي في حلبة التقليد الأعمى.
وعلينا جميعاً أن نعلم أن الستر والصيانة هما أعظم عون على العفاف والحصانة، وإن احترام القيود التي شرعها الله في علاقة الجنسين هو صمام الأمن من الفتنة والعار والفضيحة والخزي والدمار والشنار.
كما أن علينا أن نعلم جيداً أن ما يُثار من زوبعات حول المرأة، وأنها بوضعها الآني التي تعيش عليه إنما تعد متخلفة، وأن الحضارة مرتهنة بتحرير المرأة وخروجها من بيتها، كل ذلك من باب الغشش، وذر الرماد على العيون؛ لأننا نعلم جيداً أن أوائلنا كانوا سادة العالم عسكرياً واقتصادياً بل وثقافياً، فأين بدأت حضارة الطب أو الرياضيات أو العسكرية إلا من المسلمين، وإننا إن لم نتنبه لخطورة هذه الهوة فإننا لن نتداركها فيما بعد إلا بصعوبة بالغة تعجز عنه الشدائد، وكما قيل:
إذا لم يُغَبِّر حائط عند وقوعه فليس له بعد الوقوع غبارُ
ومن ثم علينا جميعاً من واجب المسئولية ما يؤهلنا إلى أن نحمي مجتمعاتنا وبناتنا من وسائل الهدم، سواءً كانت سمعية أو بصرية، مما يُنشر الاسم من خلالها، وإن بناتنا من أفضل ثمارنا، وخير زروعنا، إنهن الرياحين الناضرة في حياتنا، إنهن فلذات أكبادنا، وإن هذه الزروع توشك أن تموت، وأن يحرم منها كثير من المسلمين إلا من رحم الله، ويُخشى أن تعصف بها الريح بعد أن طابت ورجونا خيرها وبرها، وما أحسن ما قال ابن الرومي في ذلك:
وأولادنا مثل الجوارح أيها فقدناه كان الفاجع البيِّن الفخذِ
هل السمع بعد العين يغني مكانها أو العين بعد السمع تهذي كما يهذي
وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 57
الأسئلة
стр. 58
حكم الترضي على سجاح
السؤال
لماذا قلت عندما ذكرت سجاح: ﵂؟
الجواب
إن لم تخني الذاكرة، فإنها أسلمت بعد ذلك، وإن كان ربما قيل في إسلامها خلاف، أو نحو من ذلك؛ لكن أنا قلت بناءً على ما في الذهن أنها أسلمت بعد هذه القضية، والقول مرتبط بالصواب، فمن تبين له خلاف ما ذكرتُ فليبين.
стр. 59
حكم كشف المرأة وجهها
السؤال
الحملة المسعورة مركزة على أن تكشف المرأة وجهها، آمل التنبيه على ذلك.
الجواب
أنت ربما لم تقرأ ولم تعرف مآرب هؤلاء، ليت الأمر ينتهي إلى إخراج الوجه، فإنهم يريدوا أن تقتل المرأة نفسها، وليست القضية قضية إخراج الوجه، مع أننا نقول: إن اتفاق جميع الأئمة الأربعة على أن المرأة لا تخرج وجهها على الصحيح من أقوالهم، ولم يخالف في ذلك إلا جملة من المتأخرين، إما عن جهل من بعضهم أو لغفلة ونوايا لا نعلمها؛ ولكن الله جل وعلا يعلمها.
стр. 60
حكم إبداء القدمين للمرأة
السؤال ما رأيكم في لباس بعض بنات المدارس عندما رفعت الثوب والعباءة عن الكعب؟
الجواب
رفع العباءة أو نحو ذلك عن الكعب بالنسبة للنساء لا يجوز، بل لا بد أن يرخين ذلك، وأقل ما يكون شبراً، وأن لا تخرج القدمان من خلال تلك الثياب.
стр. 61
ما الذي نحتاجه قبل الدعاء ؟
السؤال
هذا يطلب الدعاء أن يغيثنا الله بالأمطار.
الجواب
لا شك أن الدعاء مطلوب؛ ولكن قبل الدعاء يحتاج إلى أن يصحح العلاقة بينه وبين ربه، فالدعاء يرفع بين الحين والآخر، ولكن يحتاج إلى التصحيح؛ لأجل أن يكون الدعاء صحيحاً، فالله جل وعلا كما قال النبي ﷺ فيما رواه أحمد وغيره: ﴿إن الله لا يقبل الدعاء من قلب غافل لاهٍ﴾ .
فكثير منا يخرجون إلى الاستسقاء؛ لكن هل يستشعر لماذا مُنع القطر؟ وما السبب في منعه؟ ولماذا خرج؟ ألأجل الاستسقاء؟!
فلو استحضرنا مثل هذه الأمور وصححنا أوضاعنا فأبشروا بالغيث للقلوب وللبلاد.
فنسأل الله جل وعلا بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يغيث بلادنا بالأمطار، وأن يغيث قلوبنا بالإيمان، وأن يسقينا غيثاً مغيثاً هنيئاً سحاً غدقاً نافعاً غير ضار، إنه سميع مجيب، وأن يحيي بها البلاد، ويسقي بها العباد، ويجعله بلاغاً للحاضر والبادِ.
стр. 62
خطر انتشار الدش
السؤال
انتشر في منازل الناس واستراحاتهم ما يُسمى بالدش أو بالقنوات الفضائية والتي عرفنا عنها أنها تنقل الصور الخليعة والنساء العاريات وما شابه ذلك، نرجو تحذير الناس من هذا الداء الذي انتشر انتشار النار في الهشيم.
الجواب
لا شك أن هذا أمر جد خطير، وداء انتشر بين المسلمين، هو في الحقيقة أشد من الأدواء التي تسمى الفسيولوجية، وأشد من داء السرطان، والإيدز، هذا أمر يقضي على الدين، ويقضى على حياة المسلمين.
وهو كغيره يحتج فيه البعض أنه يوجد فيه الخبيث والطيب، فنقول: نعم.
فيه خبث وفيه طيب، لكن الله جل وعلا أيضاً ذكر عن الخمر أن فيه منافع للناس، وإثم كبير؛ لكن الإثم أكبر من النفع، فكثير من الناس يحتج بإدخال هذا الجهاز على أنه يسمع فيه الأخبار، فأقول:
أولاًَ: إن في الأخبار المسموعة في الإذاعات ما يغني عن الأخبار المرئية.
ثانياً: هل من معرفتك للأخبار مصلحة تحيا بها لله جل وعلا، وتموت عليها، وتقابل بها ربك في مقابل المضرة التي يسمع فيها أبناؤك وبناتك من الفُحش والتفحش وما حرم الله؟
ماذا تقول لربك جل وعلا؟
هل سيسألك الله: هل علمت بما حصل في البوسنة والهرسك؟
لم تؤمر بذلك شرعاً؛ لكن معرفتك بأحوال المسلمين أمر مطلوب؛ لكنه لا يأمرك بذلك، ونحن عشنا في بيوتنا بلا شيء من ذلك، ومع ذلك نعرف أخبار العالم وأحوال الناس، فهذه من الشبه التي يلقيها ضعاف المسلمين.
وفي الحقيقة -أيها الإخوة- أن من أدخل مثل هذا، لا سيما في بعض القنوات التي تبث الجسم عارياً تماماً بحيث يكون الرجل مع المرأة كما يكون الرجل مع زوجته، إلا من رحم، فهذا من أدخله في بيته، فهو على خطر عظيم، وكأنه جاء برجل من الخارج وبامرأة وأدخلهما في البيت، ليمارسان هذه الممارسة أمام أبنائه، ولو قلتَ له ائت بالخادمة وبسائق جارك ليفعلان ما يُفعل في الدُّش في بيتك، لاستغرب منك.
ففي الحقيقة بعض الناس يغفل عن ذلك، فينبغي التنبه إليه -أيها الإخوة- وليس ذلك منعاً -والله- دون أن يترقى الإنسان وأن يفهم، نحن نقبل الفهم الذي هو الفهم الصحيح، أما أن يقبل المرء الفساد لدينه ونفسه فلا، الرجل يرى من المرأة معصماً أو عينين فيفتتن، فكيف إذا رآها متجردة، أو رأى ما يدعو إلى الفحش والتفحش، وما يثير مكامن الشهوة التي تمتد كاللهيب إلى جارحة الرجل، والتي يترجمها عن زناً أو نحو ذلك مما حرم الله.
стр. 63
لبس الملابس فوق الكعب أو تحته للرجل أو المرأة
السؤال
يرى كثيرٌ من الناس أن النساء يجعلن إزارهن فوق الكعب، فهل هذا جائز؟ وهل هناك فرق بين لباسها هذا اللباس بين النساء وبين الرجال؟ أفيدونا في ذلك، وهل إسبال الرجال جائز بحجة أنه لم يلبسه من أجل الخيلاء؟
الجواب
لا يجوز إسبال الرجل ثوبه دون الكعبين، وهذا محرم، والحديث جاء تارة مطلقاً: ﴿ما أسفل من الكعبين ففي النار﴾ ، وجاء في حديث آخر في قصة أبي بكر المشهور: ﴿من جر ثوبه خيلاء ففي النار﴾ .
وأهل العلم اختلفوا في ذلك، فمنهم من قال: هذا مقيد بهذا؛ ولكن الصواب ما ذكره الحافظ ابن حجر وغيره من المحققين: أن من جر ثوبه دون الكعبين فهو في النار، ومن جر ثوبه خيلاء فإن العقوبة تضاعف له، فيكون الخيلاء هنا أشد، أي: سوء على سوء، وليس المراد أن الخيلاء هو المحرم، وما دون الخيلاء ليس كذلك، ناهيكم عما يتبع ذلك من أضرار وأوساخ أو نحو ذلك، والرجل ليس في إخراج قدميه فتنة كما يكون في المرأة، فالصواب أنه لا يجوز سواء كان بخيلاء أم بغير خيلاء.
وأما بالنسبة لإزار المرأة فهذا ذكرناه.
وأما بالنسبة للباسها بين النساء فمعروف أن عورة المرأة بين النساء، كعورة الرجل بين الرجال، على قول جمهور أهل العلم.
стр. 64
حكم التمثيل للمرأة
السؤال
هناك بعض العلماء قد أفتى بجواز تمثيل المرأة، ويزعم في ذلك أنها لا بد أن تشارك الرجل في هذا المجال، فما الرد على هذا العالم الذي عمل الكثير من المسلمين بهذه الفتوى جزاكم الله خيراً؟
الجواب
الحقيقة: ليست القضية قضية تمثيل، القضية: هل يجوز للمرأة أن تكشف وجهها للرجل أم لا؟
فإذا قلنا: نعم.
انتقلتُ إلى مرحلة أخرى.
ونحن نعرف ونعلم أن القول الصحيح أن المرأة لا يجوز أن تكشف عن وجهها، فكيف إذا مثلت مع الرجل، ثم تكون أيضاً هي في التمثيل أمام مجموعة رجال وهي امرأة، وفي ذلك ما فيه من الفتن، فالنقاش ليس في التثميل، النقاش لماذا تكشف وجهها؟
وهل يمكن أن تمثل امرأة بدون كشف؟
لا يمكن، فالأمر يحتاج إلى نقاش من أصله، والله أعلم.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 65
أمّ الخبائث
إن الله قد ميز الإنسان عن سائر المخلوقات بالعقل، فبه يميز بين الخير والشر وبين الحسن والقبيح، وإن من المخالفة للفطرة إزالة العقل بالمسكرات والمخدرات، التي هي أم الخبائث، وهي عادة جاهلية قبيحة جاء الإسلام بتحريمها، وهي عادة تخدم أعداء الإسلام عن هذا تكلم الشيخ، ثم تكلم عن أضرار المسكرات والمخدرات، وفي الأخير ذكر عقوبات شارب الخمر في الدنيا والآخرة.
стр. 66
أهمية العقل
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] .
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١] .
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠-٧١] .
أما بعد:
فاتقوا الله أيها الناس، اتقوا ربكم وراقبوه في السر والعلن، فبتقوى الله تصلح الأمور وتتلاشى الشرور، ويصلح للناس أمر الدنيا والآخرة.
عباد الله: لقد كرم الله بني الإنسان على كثير من مخلوقاته، فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾ [الإسراء:٧٠] .
كرم الله بني آدم بخلال كثيرة امتاز بها عن غيره من المخلوقات، من جماد وحيوان ونبات وجان، كرمه بالعقل، وزينه بالفهم، ووجهه بالتدبر والتفكر، فكان العقل من أكبر نعم الله على الإنسان به يميز بين الخير والشر، والضار والنافع به يسعد في حياته، وبه يدبر أموره وشئونه، وبه يتمتع ويهنأ به تترقى الأمم وتتقدم الحياة، وينتظم المجتمع الإنساني العام، وبالعقل يكون منطق التكليف.
العقل جوهرة ثمينة، يحوطها العقلاء بالرعاية والحماية؛ اعترافاً بفضلها وخوفاً من ضياعها وفقدانها بالعقل يشرف العقلاء فيستعلمون عقولهم فيما خلقت له، كما قال الله : ﴿قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة:١١٨] وكما قال الله : ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة:١٠٠] وكما قال : ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهَى﴾ [طه:٥٤] وكما قال سبحانه: ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ [الفجر:٥] .
стр. 67
أثر المسكرات وخطرها على العقل
وإذا ما فقد الإنسان عقله لم يفرَّق بينه وبين سائر الحيوانات العجماوات، بل لربما فاقه الحيوان الأعجم بعلة الاندفاع، ومن فقد عقله لا نفع فيه ولا ينتفع به، بل هو عالة على أهله ومجتمعه.
هذا العقل الثمين الذي هو مناط التكليف يوجد في بني الإسلام من لا يعتني بأمره، ولا يحيطه بسياج الحفظ والحماية، بل هناك من يضعه تحت قدميه ويتبع شهوته، وتعمى بصيرته، كل هذا يبدو ظاهراً جلياً في مثل كأسة خمر، أو جرعة مخدر، أو استنشاق مسكر، وشرب مفتِّر، تفقد الإنسان عقله، فينسلخ من عالم الإنسانية، ويتقمص شخصية الإجرام والفتك والفاحشة، فتشل الحياة ويهدم صرح الأمة، وينسى السكران ربه ويظلم نفسه، ويهيم على وجهه ويقتل إرادته، ويمزق حياءه أيتم أطفاله، وأرمل زوجته، وأزرى بأهله لما فقد عقله، فعربد ولهاً، وسكر ولغاً.
وبذلك كله يطرح ضرورة من الضروريات الخمس التي أجمعت الشرائع السماوية على وجوب حفظها ألا وهي ضرورة العقل إنها واجبة الحفظ والرعاية؛ لأن في حفظها قوام مصلحة البشرية، ففاقد العقل بالسكر يسيء إلى نفسه ومجتمعه، ويوقع مجتمعه وبني ملته في وهدة الذل والدمار، فيخل بالأمن ويروع المجتمع، ويعيد أساطير الثمالى الأولين، ومجالس الشراب عند العرب الجاهليين.
стр. 68
السكر في الجاهلية
عباد الله: فقدان العقل بالسكر عادة قبيحة، كانت تلازم أهل الجاهلية عند معاقرتهم الخمرة، يقضون الليالي الساهرة مع الأصحاب والخلان على احتسائها، وهم مع ذلك يعدونها وسيلة من وسائل الفخر والكرم، لقد أغرم الجاهليون بالخمرة حاضرة وبادية، وافتخر الشعراء بمعاقرتها وبذل المال في احتسائها، أقبل الجاهليون على الخمرة من أجل قتل الفراغ ونسيان الفقر، فأكثر شعراؤهم القول في الخمر على حين فترة من الرسل، فصُدرت الخمرة في مطلع معلقة هي من أشهر معلقات العرب السبع، والتي قيل: إنها علقت على أستار الكعبة، أنشد فيها عمرو بن كلثوم:
ألا هبي بصحنك فاصبحينا ولا تبقي خمور الأندرينا
تناول العرب والشعراء تلك المعلقة، وكأنها قرآن يتلى، فأخذت بمجامع الناس وأيام العرب، حتى قال قائلهم:
ألهى بني تغلب عن كل مكرمة قصيدة قالها عمرو بن كلثوم
إذاً: كانت الخمرة في الجاهلية من دواعي فخر العربي وكرمه، وكان تقديمهما للضيوف وجمع الفتيان لشربها مفخرة أي مفخرة، ثم يأتي رسول الله ﷺ معلناًَ لأمته قوله صلوات الله وسلامه عليه: ﴿ألا إن كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع﴾ .
стр. 69
مخالفة السكر للفطرة
أيها الناس! إن أمةً لا تحافظ على عقول بنيها لهي أمة ضائعة، ماذا فعل السكر بأهل الجاهلية؟ هل أعاد لهم مجداً تليداً أو وطناً سليباً؟ هل أخرجوا الناس من ظلمات الجهل والتيه إلى نور الهدى والاستقامة؟ أيفلح قوم استفحل السكر والخمر في ديارهم جهاراً نهاراً؟ لا وكلا وألف لا.
ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ في حادثة الإسراء أنه قال: ﴿وأتيت بإناءين في أحدهما لبن وفي الآخر خمر، فقيل لي: خذ أيهما شئت.
فأخذت اللبن فشربت، فقيل لي: هديت الفطرة -أو أصبت الفطرة- أما إنك لو أخذت الخمر غوت أمتك﴾ وفي بعض روايات ابن جرير ﵀، أن جبريل ﵇ قال: ﴿أما إنها ستحرم على أمتك، ولو شربت منها لم يتبعك من أمتك إلا القليل﴾
الله أكبر! إن قول جبريل ﵇ يؤكد أن الأمة المسلمة الحقه لا يمكن أن تتبع شارب خمر حتى ولو كان رسول الله ﷺ ، وحاشاه عن ذلك بأبي هو وأمي صلوات الله وسلامه عليه.
إذاً لا يجتمع في الأمة لبن وخمر، بمعنى: أنه لا تجتمع فطرة وخمر، بل إما فطرة صالحة بلا خمر، وإما خمر وتيه بلا فطرة، قال رسول الله ﷺ : ﴿لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن﴾ رواه البخاري ومسلم.
стр. 70
تحريم الإسلام الخمر
عباد الله! إن الخمور التي كانت من مفاخر الجاهلية ومن تقاليدهم المألوفة جاء الإسلام بإلغائها، وخلص الجماعة المسلمة من رواسب الخمرة، بعد أن رسخ دعائم التوحيد والعقيدة في نفوسهم، وأخرجهم من عبادة العباد، وعبادة الشهوة والجسد إلى عبادة الله وحده، وأخرج كثيراً من الصحابة ﵃ من منادمة الخمر فصقلهم الإسلام صقلاً، هجروا بسببه كل عادة تغضب الله ورسوله.
فهاهو حسان بن ثابت رضي الله تعالى عنه يقول عن الخمر في الجاهلية:
ونشربها فتتركنا ملوكاً وأسداً ما ينهنها اللقاء
فلما خالط الإسلام قلبه، صار شعره أشد على نحور المشركين من وقع النبل، كما قال ذلك رسول الله ﷺ .
وهذا أبو محجن الثقفي ﵁، الذي اشتهر بالخمرة في جاهليته، وهو الذي ينسب إليه قوله:
إذا مت فادفني إلى جنب كرمة تروي عظامي بعد موتي عروقها
ولا تدفنني بالفلاة فإنني أخاف إذا ما مت ألا أذوقها
فلما تمكن حب الله ورسوله من قلبه، أبلى بلاء حسناً في القادسية، وقال له سعد بن أبي وقاص ﵁: لا حبستك في الخمر بعدها أبداً.
فقال أبو محجن: وأنا والله لا أشربها بعد اليوم أبداً.
فنعم الإسلام هادياً ومؤدباً.
стр. 71
استغلال أعداء الإسلام لسلاح الإدمان
أيها الناس: إن رذيلة المخدرات والمسكرات آفة خبيثة، لم تفشُ في عصر من العصور كما فشت في عصرنا الحاضر، ولم تصب المجتمعات بحمى السكر التي شنها أعداء الإسلام على بلاد المسلمين بهدف تخديرهم وإهدار طاقاتهم وشل جهودهم وتغييب عقولهم علناً كما أصيبت في هذا العصر.
لقد قام أعداء الإسلام بزج كميات رهيبة من جميع أصناف المخدرات إلى بلاد المسلمين حسداً من عند أنفسهم، يريدون للأمة المسلمة أن تتورط بهذه السموم، فلا تخرج منها إلا بعد لأواءٍ وشدائد وتعب مضنٍ وتوبة صادقة.
وقد وقع جمع من الناس في براثنها، ورضعوا من أثداء المخدرات والمسكرات، فنقضوا بناء المجتمعات ونثروا أعضاءها، وبددوها شذر مذر نفخت روح الحضارة العصرية في بعضهم نفخة كاذبة، وخيلت إليهم أنهم خلق وجيل مغاير لما مر من الأجيال في التاريخ كله، زعم المتفننون منهم أنهم خلق لا تنطبق عليم سنة ولا يخضعون لسابقة، رأوا أنهم في عصر الذرة وعصر المعلومات، فقالوا للناس أجمع: أما علمتم أن الدنيا دخان وكأس، وسكر وغانية.
أمة الإسلام: كم من الآلاف في أمتنا يعكفون على المسكرات والمخدرات، يهلكون أنفسهم عن طريق هذه الكيوف السامة القتالة، فأخذوا يزهقون أرواحهم، ويحفرون قبورهم، حتى صاروا أشباحاً بلا أرواح، وأجساماً بلا عقول.
стр. 72
أضرار المخدرات والمسكرات
أيها المسلمون: إن للمسكرات والمخدرات مضاراً كثيرة، أثبتها الطب العصري، وأكدتها تجارب المجتمعات، وذكروا فيها أكثر من مائة وعشرين مضرة دينية ودنيوية، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "إن الحشيشة حرام يحد متناولها كما يحد شارب الخمر، وهي أخبث من الخمر من جهة أنها تفسد العقل والمزاج، حتى يصير في الرجل تخنث ودياثه وغير ذلك من الفساد، وإنها تصد عن ذكر الله" انتهى كلامه ﵀.
ومن أعظم مضار المسكرات والمخدرات: أنها تفسد العقل والمزاج، وما قيمة المرء إذا فسد عقله ومزاجه؟! يتعاطى المسكرات والمخدرات، فيرتكب من الآثام والخطايا ما تضج منه الأرجاء، وما يندم عليه حين يصحو، ولات ساعة مندم! ولقد روى القرطبي ﵀ في تفسيره: أن أحد السكارى جعل يبول ويأخذ بوله بيديه ويغسل به وجهه وهو يقول: اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين.
قال الضحاك بن مزاحم ﵀-لرجل: ما تصنع بالخمر؟ قال: يهضم طعامي، قال: أما إنه يهضم من دينك وعقلك أكثر.
وقال الحسن البصري ﵀: لو كان العقل يشترى لتغالى الناس في ثمنه، فالعجب ممن يشتري بماله ما يفسده.
أيها الناس: في بلاد المسلمين كثرت حوادث المخدرات من مروجين ومدمنين، وكثرت الجرائم بتعاطيها، وأصبحت مكافحة المخدرات قضية تشغل الحكومات المختلفة، وكل هذا يتم في غياب وازع الإيمان والدين والتقوى، فاتقوا الله أيها المسلمون، واتقوا المسكرات والمخدرات، واتقوا الخمر فإنها أم الخبائث.
أخرج النسائي وابن حبان في صحيحه أن عثمان ﵁ قام خطيباً فقال: [[أيها الناس: اتقوا الخمر فإنها أم الخبائث، وأن رجلاً ممن كان قبلكم من العباد كان يختلف إلى المسجد فلقيته امرأة سوء، فأمرت جاريتها فأدخلته المنزل، فأغلقت الباب وعندها باطية من خمر، وعندها صبي، فقالت له: لا تفارقني حتى تشرب كأساً من هذا الخمر أو تواقعني أو تقتل الصبي وإلا صحت -أي: صرخت وقلت: دخل علي في بيتي، فمن ذا الذي يصدقك؟ فضعف الرجل عند ذلك وقال: أما الفاحشة فلا آتيها، وأما النفس فلا أقتلها، فشرب كأس الخمر.
فقال: زيديني فزادته، فو الله ما برح حتى واقع المرأة وقتل الصبي]] .
قال عثمان ﵁: [[فاجتنبوها فإنها أم الخبائث، وإنه والله لا يجتمع الإيمان والخمر في قلب رجل إلا يوشك أحدهما أن يذهب بالآخر]] قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة:٩٠-٩١] .
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين والمسلمات من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 73
عقوبات شارب الخمر
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فاتقوا الله أيها المسلمون، واعلموا أن الإسلام تدرج في الخمر حتى ختمها الله بالتحريم، ثم قال : ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة:٩٠] فقال الصحابة رضوان الله عليهم: انتهيا انتهينا.
ويشمل تحريم الخمر جميع أنواع المسكرات؛ لقوله ﷺ : ﴿كل مسكر خمر وكل مسكر حرام﴾ رواه مسلم.
وشارب الخمر مستحق للعقوبة الدنيوية, وهي أن يجلد ثمانين جلدة، ويحد شاربها وإن لم يسكر، سواءً أشرب الكثير أم القليل بإجماع الصحابة رضوان الله عليهم، وإذا تكرر من الشارب الشرب وهو يعاقب ولا يرتدع، فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: يقتل في الرابعة عند الحاجة إليه إذا لم ينته الناس بدون القتل.
وهذا عين الفقه؛ لأن الصائل على الأموال إذا لم يندفع إلا بالقتل قتل، فما بالكم بالصائل على أخلاق المجتمع وصلاحه وفلاحه.
وشارب الخمر فاسق، لا يسلم عليه، ولا يعاد إذا مرض، ولا تجاب دعوته، قال البخاري رحمه الله تعالى في الأدب المفرد: باب لا يسلَّم على شارب الخمر وساق إسناده إلى عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: [[لا تسلموا على شراب الخمر]] .
وقال أيضاً رضي الله تعالى عنه: [[لا تعودوا شراب الخمر إذا مرضوا]] .
وأما العقوبة الأخروية فقد روى أبو داود وابن ماجة والترمذي عن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿لعن الله الخمر، وشاربها، وساقيها، ومبتاعها، وبائعها، وعاصرها، ومعتصرها، وحاملها، والمحمولة إليها﴾ وقال ﷺ : ﴿من شرب الخمر في الدنيا ثم لم يتب منها حرمها في الآخرة﴾ رواه مسلم.
وقال ﷺ : ﴿مدمن الخمر إن مات لقي الله كعابد وثن﴾ رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح.
وقال ﷺ : ﴿كل مسكر حرام، إن على الله عهداً لمن يشرب المسكر أن يسقيه من طينة الخبال! قالوا: يا رسول الله! وما طينة الخبال؟ قال: عرق أهل النار، أو عصارة أهل النار﴾ رواه مسلم.
فاتقوا الله أيها المسلمون، وصلوا على نبي الرحمة والهدى، فقد أمركم الله في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] اللهم صل وسلم وزد وبارك على عبدك ورسولك محمد صاحب الوجه الأنور، والجبين الأزهر، وارض اللهم عن الخلفاء الأربعة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر الصحابة، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وجودك وكرمك وإحسانك يا أرحم الراحمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين اللهم انصر من نصر الدين، واخذل من خذل عبادك المؤمنين اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك وعبادك المؤمنين اللهم فرج هم المهمومين من المسلمين، ونفس كرب المكروبين من المسلمين يا رب العالمين.
وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 74
اللباس والستر
اللباس له فوائد عظيمة، فبه تستر العورات، وبه يكبح جماح الشهرة، وبه تستر المرأة أنوثتها، وتحفظ كيانها.
واليهود أعداء الله هم أول من دعوا إلى العري والتفسخ، وهم أصحاب دور الأزياء اليوم في العالم.
وهناك أنواع من الألبسة قد حرمها رسول الله ﷺ وهي: لباس الخيلاء والشهرة لباس التشبه لباس لا يستر عورة بل يجسدها ويدعو إلى الفتنة إلخ.
стр. 75
وقفة مع الألبسة وفوائدها
الحمد لله الواصل الحمد بالنعم، والنعم بالشكر، نحمده على آلائه، كما نحمده على بلائه، ونستعينه على نفوسنا البُطاء عمَّا أمِرت به، السِّراع إلى ما نهيت عنه، ونستغفره مما أحاط به علمه وأحصاه كتابه، علمٌ غير قاصر، وكتابٌ غير مغادر، خلق الإنسان وبصَّره بما في الحياة من خير أو شر: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾ [الإنسان:٣] .
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، خلق كل شيء فقدَّره تقديراً، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله إلى جميع الثقلين الإنس والجن بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
فأوصيكم -أيها الناس- ونفسي بتقوى الله سبحانه، فإنها دار حصن عزيز، تمنع أهلها، وتحرز من لجأ إليها، وبها تُقطع حُمَة الخطايا، فهي النجاة غداً، والمنجاة أبداً بفضل الله.
أيها الناس! إن البشر بعامة محكومون بحدودٍ وأعلام، يتقاسمها في الأساس فطرة الله التي فطر الناس عليها، وشريعة من الأمر أُمِر الناس باتباعها على هدىً وبصيرة، وهم إبَّان ذلك قد يضعفُون أمام تلك الحدود والمعالم إلى درجة الخُذلان المنبثق من التهاون واللامبالاة، أو قد يشتدون مع منافع زهرة الحياة الدنيا إلى حد الطغيان: ﴿إِنَّ الْأِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق:٦-٧] والمؤمن الكيِّس مطلوب منه التماسك والرباطة على حالَيه كلتَيهما، إذ أن ترامي الغرائز يمنة ويسرة يتقاذفها ريح الهوى في كل اتجاه، دون أن تخضع مذعنة لحدود الفطرة والشرع، هي لا بد منتهية بأصحابها إلى بلاءٍ عريض، فإن الباري -جلَّ وعلا- لم يخلق الغرائز لبني آدم لتكون محلاً للسطو أو الختل أو التلفظ بأعراض الآخرِين، ولا خلقها ليتعبد بعضَ الناس بقتلها والعبث بها دونما سياج وحماية يحكمان محالَّها.
المرء الإنسي في هذه الحياة تتبدى له عورتان اثنتان، يتجاذب الاهتمام بسترهما والحرص على مواراتهما: ﴿فِطْرتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم:٣٠] والتي يتم تنشيطها والإحسان بتمامها نداءات حية من شريعتنا الغراء.
ومن هذا المنطلق حرص الإنسان السوي على أن يواري عورتَيه وسَوءتَيه أشد المواراة، عورته الجسدية وعورته النفسية أو المعنوية.
وأصل البشرية أبَوان كريمان، ابتدأ الامتحان بالعورات بهما، وأين هذا الامتحان؟ إنه في جنة الخلد: ﴿وَمُلْكٍ لا يَبْلَى﴾ [طه:١٢٠] ، ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْءاتِهِمَا﴾ [الأعراف:٢٠] .
لقد حرص الشيطان على أن يقضي ابتداءً على عنق الزجاجة ومكمن الحياء، وهو الستر: ﴿فَأَكَلا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْءاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ [طه:١٢١] يخصفان عليهما خجلاً من تعريهما، إذ لا يتعرى ويتكشف إلا من فقد فطرته!
ويا لله لقد نسي آدمُ فنسِيَت ذريتُه.
следующие страницы →