← Джавами‘

Джавами‘ · id 7741

دروس للشيخ سعود الشريم

سعود الشريم

Полный текст (518 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

استغلال أعداء الإسلام لسلاح الإدمان أيها الناس: إن رذيلة المخدرات والمسكرات آفة خبيثة، لم تفشُ في عصر من العصور كما فشت في عصرنا الحاضر، ولم تصب المجتمعات بحمى السكر التي شنها أعداء الإسلام على بلاد المسلمين بهدف تخديرهم وإهدار طاقاتهم وشل جهودهم وتغييب عقولهم علناً كما أصيبت في هذا العصر. لقد قام أعداء الإسلام بزج كميات رهيبة من جميع أصناف المخدرات إلى بلاد المسلمين حسداً من عند أنفسهم، يريدون للأمة المسلمة أن تتورط بهذه السموم، فلا تخرج منها إلا بعد لأواءٍ وشدائد وتعب مضنٍ وتوبة صادقة. وقد وقع جمع من الناس في براثنها، ورضعوا من أثداء المخدرات والمسكرات، فنقضوا بناء المجتمعات ونثروا أعضاءها، وبددوها شذر مذر نفخت روح الحضارة العصرية في بعضهم نفخة كاذبة، وخيلت إليهم أنهم خلق وجيل مغاير لما مر من الأجيال في التاريخ كله، زعم المتفننون منهم أنهم خلق لا تنطبق عليم سنة ولا يخضعون لسابقة، رأوا أنهم في عصر الذرة وعصر المعلومات، فقالوا للناس أجمع: أما علمتم أن الدنيا دخان وكأس، وسكر وغانية. أمة الإسلام: كم من الآلاف في أمتنا يعكفون على المسكرات والمخدرات، يهلكون أنفسهم عن طريق هذه الكيوف السامة القتالة، فأخذوا يزهقون أرواحهم، ويحفرون قبورهم، حتى صاروا أشباحاً بلا أرواح، وأجساماً بلا عقول.

стр. 72

أضرار المخدرات والمسكرات أيها المسلمون: إن للمسكرات والمخدرات مضاراً كثيرة، أثبتها الطب العصري، وأكدتها تجارب المجتمعات، وذكروا فيها أكثر من مائة وعشرين مضرة دينية ودنيوية، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "إن الحشيشة حرام يحد متناولها كما يحد شارب الخمر، وهي أخبث من الخمر من جهة أنها تفسد العقل والمزاج، حتى يصير في الرجل تخنث ودياثه وغير ذلك من الفساد، وإنها تصد عن ذكر الله" انتهى كلامه ﵀. ومن أعظم مضار المسكرات والمخدرات: أنها تفسد العقل والمزاج، وما قيمة المرء إذا فسد عقله ومزاجه؟! يتعاطى المسكرات والمخدرات، فيرتكب من الآثام والخطايا ما تضج منه الأرجاء، وما يندم عليه حين يصحو، ولات ساعة مندم! ولقد روى القرطبي ﵀ في تفسيره: أن أحد السكارى جعل يبول ويأخذ بوله بيديه ويغسل به وجهه وهو يقول: اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين. قال الضحاك بن مزاحم ﵀-لرجل: ما تصنع بالخمر؟ قال: يهضم طعامي، قال: أما إنه يهضم من دينك وعقلك أكثر. وقال الحسن البصري ﵀: لو كان العقل يشترى لتغالى الناس في ثمنه، فالعجب ممن يشتري بماله ما يفسده. أيها الناس: في بلاد المسلمين كثرت حوادث المخدرات من مروجين ومدمنين، وكثرت الجرائم بتعاطيها، وأصبحت مكافحة المخدرات قضية تشغل الحكومات المختلفة، وكل هذا يتم في غياب وازع الإيمان والدين والتقوى، فاتقوا الله أيها المسلمون، واتقوا المسكرات والمخدرات، واتقوا الخمر فإنها أم الخبائث. أخرج النسائي وابن حبان في صحيحه أن عثمان ﵁ قام خطيباً فقال: [[أيها الناس: اتقوا الخمر فإنها أم الخبائث، وأن رجلاً ممن كان قبلكم من العباد كان يختلف إلى المسجد فلقيته امرأة سوء، فأمرت جاريتها فأدخلته المنزل، فأغلقت الباب وعندها باطية من خمر، وعندها صبي، فقالت له: لا تفارقني حتى تشرب كأساً من هذا الخمر أو تواقعني أو تقتل الصبي وإلا صحت -أي: صرخت وقلت: دخل علي في بيتي، فمن ذا الذي يصدقك؟ فضعف الرجل عند ذلك وقال: أما الفاحشة فلا آتيها، وأما النفس فلا أقتلها، فشرب كأس الخمر. فقال: زيديني فزادته، فو الله ما برح حتى واقع المرأة وقتل الصبي]] . قال عثمان ﵁: [[فاجتنبوها فإنها أم الخبائث، وإنه والله لا يجتمع الإيمان والخمر في قلب رجل إلا يوشك أحدهما أن يذهب بالآخر]] قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة:٩٠-٩١] . أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين والمسلمات من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 73

عقوبات شارب الخمر الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فاتقوا الله أيها المسلمون، واعلموا أن الإسلام تدرج في الخمر حتى ختمها الله بالتحريم، ثم قال : ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة:٩٠] فقال الصحابة رضوان الله عليهم: انتهيا انتهينا. ويشمل تحريم الخمر جميع أنواع المسكرات؛ لقوله ﷺ : ﴿كل مسكر خمر وكل مسكر حرام﴾ رواه مسلم. وشارب الخمر مستحق للعقوبة الدنيوية, وهي أن يجلد ثمانين جلدة، ويحد شاربها وإن لم يسكر، سواءً أشرب الكثير أم القليل بإجماع الصحابة رضوان الله عليهم، وإذا تكرر من الشارب الشرب وهو يعاقب ولا يرتدع، فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: يقتل في الرابعة عند الحاجة إليه إذا لم ينته الناس بدون القتل. وهذا عين الفقه؛ لأن الصائل على الأموال إذا لم يندفع إلا بالقتل قتل، فما بالكم بالصائل على أخلاق المجتمع وصلاحه وفلاحه. وشارب الخمر فاسق، لا يسلم عليه، ولا يعاد إذا مرض، ولا تجاب دعوته، قال البخاري رحمه الله تعالى في الأدب المفرد: باب لا يسلَّم على شارب الخمر وساق إسناده إلى عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: [[لا تسلموا على شراب الخمر]] . وقال أيضاً رضي الله تعالى عنه: [[لا تعودوا شراب الخمر إذا مرضوا]] . وأما العقوبة الأخروية فقد روى أبو داود وابن ماجة والترمذي عن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿لعن الله الخمر، وشاربها، وساقيها، ومبتاعها، وبائعها، وعاصرها، ومعتصرها، وحاملها، والمحمولة إليها﴾ وقال ﷺ : ﴿من شرب الخمر في الدنيا ثم لم يتب منها حرمها في الآخرة﴾ رواه مسلم. وقال ﷺ : ﴿مدمن الخمر إن مات لقي الله كعابد وثن﴾ رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح. وقال ﷺ : ﴿كل مسكر حرام، إن على الله عهداً لمن يشرب المسكر أن يسقيه من طينة الخبال! قالوا: يا رسول الله! وما طينة الخبال؟ قال: عرق أهل النار، أو عصارة أهل النار﴾ رواه مسلم. فاتقوا الله أيها المسلمون، وصلوا على نبي الرحمة والهدى، فقد أمركم الله في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] اللهم صل وسلم وزد وبارك على عبدك ورسولك محمد صاحب الوجه الأنور، والجبين الأزهر، وارض اللهم عن الخلفاء الأربعة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر الصحابة، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وجودك وكرمك وإحسانك يا أرحم الراحمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين اللهم انصر من نصر الدين، واخذل من خذل عبادك المؤمنين اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك وعبادك المؤمنين اللهم فرج هم المهمومين من المسلمين، ونفس كرب المكروبين من المسلمين يا رب العالمين. وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 74

اللباس والستر اللباس له فوائد عظيمة، فبه تستر العورات، وبه يكبح جماح الشهرة، وبه تستر المرأة أنوثتها، وتحفظ كيانها. واليهود أعداء الله هم أول من دعوا إلى العري والتفسخ، وهم أصحاب دور الأزياء اليوم في العالم. وهناك أنواع من الألبسة قد حرمها رسول الله ﷺ وهي: لباس الخيلاء والشهرة لباس التشبه لباس لا يستر عورة بل يجسدها ويدعو إلى الفتنة إلخ.

стр. 75

وقفة مع الألبسة وفوائدها الحمد لله الواصل الحمد بالنعم، والنعم بالشكر، نحمده على آلائه، كما نحمده على بلائه، ونستعينه على نفوسنا البُطاء عمَّا أمِرت به، السِّراع إلى ما نهيت عنه، ونستغفره مما أحاط به علمه وأحصاه كتابه، علمٌ غير قاصر، وكتابٌ غير مغادر، خلق الإنسان وبصَّره بما في الحياة من خير أو شر: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾ [الإنسان:٣] . وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، خلق كل شيء فقدَّره تقديراً، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله إلى جميع الثقلين الإنس والجن بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليماً كثيراً. أما بعد: فأوصيكم -أيها الناس- ونفسي بتقوى الله سبحانه، فإنها دار حصن عزيز، تمنع أهلها، وتحرز من لجأ إليها، وبها تُقطع حُمَة الخطايا، فهي النجاة غداً، والمنجاة أبداً بفضل الله. أيها الناس! إن البشر بعامة محكومون بحدودٍ وأعلام، يتقاسمها في الأساس فطرة الله التي فطر الناس عليها، وشريعة من الأمر أُمِر الناس باتباعها على هدىً وبصيرة، وهم إبَّان ذلك قد يضعفُون أمام تلك الحدود والمعالم إلى درجة الخُذلان المنبثق من التهاون واللامبالاة، أو قد يشتدون مع منافع زهرة الحياة الدنيا إلى حد الطغيان: ﴿إِنَّ الْأِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق:٦-٧] والمؤمن الكيِّس مطلوب منه التماسك والرباطة على حالَيه كلتَيهما، إذ أن ترامي الغرائز يمنة ويسرة يتقاذفها ريح الهوى في كل اتجاه، دون أن تخضع مذعنة لحدود الفطرة والشرع، هي لا بد منتهية بأصحابها إلى بلاءٍ عريض، فإن الباري -جلَّ وعلا- لم يخلق الغرائز لبني آدم لتكون محلاً للسطو أو الختل أو التلفظ بأعراض الآخرِين، ولا خلقها ليتعبد بعضَ الناس بقتلها والعبث بها دونما سياج وحماية يحكمان محالَّها. المرء الإنسي في هذه الحياة تتبدى له عورتان اثنتان، يتجاذب الاهتمام بسترهما والحرص على مواراتهما: ﴿فِطْرتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم:٣٠] والتي يتم تنشيطها والإحسان بتمامها نداءات حية من شريعتنا الغراء. ومن هذا المنطلق حرص الإنسان السوي على أن يواري عورتَيه وسَوءتَيه أشد المواراة، عورته الجسدية وعورته النفسية أو المعنوية. وأصل البشرية أبَوان كريمان، ابتدأ الامتحان بالعورات بهما، وأين هذا الامتحان؟ إنه في جنة الخلد: ﴿وَمُلْكٍ لا يَبْلَى﴾ [طه:١٢٠] ، ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْءاتِهِمَا﴾ [الأعراف:٢٠] . لقد حرص الشيطان على أن يقضي ابتداءً على عنق الزجاجة ومكمن الحياء، وهو الستر: ﴿فَأَكَلا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْءاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ [طه:١٢١] يخصفان عليهما خجلاً من تعريهما، إذ لا يتعرى ويتكشف إلا من فقد فطرته! ويا لله لقد نسي آدمُ فنسِيَت ذريتُه.

стр. 76

فوائد اللباس والستر أيها المسلمون! إن الستر فطرة تجعل المجبول عليها لا يأذن للعوادي أن تكشفه كائنة ما كانت، ولو اضطر يوماً ما على أن يُبدي سوأته الجسديةِ لِضُرٍ أَلَمَّ به، فسيكون ذلك على استحياءٍ وخجلٍ شديدَين أمام طبيبٍ أو نحوه، الضرورة كامنة وراء استسلامه بذلك، وقولوا مثل ذلك في العورة القلبية وما يكون من أحوال مشينة تصدر من نفس المرء ويخشى أن يطلع عليها غيره، على حد قول النبي ﷺ : ﴿والإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس﴾ . وجماع الأمر في العورَتين -عباد الله- هو قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءاتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأعراف:٢٦] . لقد امتن الله -جلَّ وعلا- على عباده بما جعل لهم من اللباس والريش الذي يوارون به سوءاتهم. فباللباس تستر العورات عن أعين بني آدم. باللباس يُكْبَحُ جماح الشهوة الطاغي، ويُكَفْكَفُ اللحظ ومُماداة البصر عن أن ينطلق إلى ما لا يُرضي الله. باللباس -أيها الناس- تستر المرأة أنوثتها، وتحفظ كيانها عن أن تكون عِلْكَاً ملتصقاًَ بأحذية لصوص المرأة وأيدي العابثين، حتى تصبح جوهرة في صدفة لا ينظر إليها إلا الخواص وهم الأزواج. باللباس والستر يقدم المرء رِجْلاً أو يؤخرها إذا ما امتدت نفسه إلى خِطبة امرأة بحلال. باللباس -أيها المسلمون- يُعرف الذكور والإناث عن مدى احتشامهم واستقامتهم وحبهم للستر مظهراً ومخبراً، وبه تُعرف الأسر المصونة من غيرها. باللباس والستر قد يُحمى ركنٌ أساس مما أجمع عليه الأنبياء والرسل قاطبة، وهو حماية العرض والنسب من مواهبها. ثم إنه بالريش والرياش يتجمل الإنسان ظاهراً، إذ لباسه من الضروريات الجسدية، والريش والرياش من التحسينيات والزيادات التي يتمتع بها المرء وفق ما شرعه الله له دونما إسراف على حد قوله ﷺ : ﴿كلوا واشربوا والبسوا وتصدقوا من غير مَخِيْلَةٍِ ولا سَرَفٍ، فإن الله يحب أن يرى نعمته على عبده﴾ رواه أحمد، والنسائي، وابن ماجة. وذكر البخاري ﵀ عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: [[كلْ ما شئت، والبس ما شئت، ما أخطأتك خصلتان: سَرَفٌ ومَخِيْلَةٌ]] . ولا غروَ -أيها المسلمون- في مقابل نعمة اللباس والامتنان بها أن يشرع الحمد مِن قِبَل المرء على ما يكسو به معيبه، ويواري به سوأته، فلقد صح عند أحمد وغيره: أن النبي ﷺ كان يقول عند الكسوة: ﴿الحمد لله الذي رزقني من الرياش ما أتجمل به في الناس، وأواري به عورتي﴾ . والأمر -عباد الله- ليس حكراً على ستر العورة الحسية الجسدية فحسب، بل إنَّ لباس التقوى وستر التقوى خير ما يتجمل به المرء؛ إذ ما عسى ستر البدن أن ينفع إذا كان القلب عارياً؟! ﴿استقيظ رسول الله ﷺ ذات يوم، فقال: الله أكبر! كم فُتح من الخزائن اليوم؟! أيقظوا صُوَيْحِبات الحُجَر، فرُبَّ كاسية في الدنيا عارية يوم القيامة﴾ رواه البخاري.

стр. 77

العري والتفسخ مخالف للفطر السليمة أيها المسلمون! الفِطَر السليمة والأنفس السوية تجفل بطبعها من ظهور السوأتين، وتحرص أشد الحرص على مواراتهما، والذين يحاولون في تبعيتهم النكوص عن هذه الحقيقة على علم أو جهل بما يطلقون من دعوات هنا وهناك عبر ألسنتهم وأقلامهم ومقدراتهم لتأصيل هذه المعرَّة، هم الذين يريدون سلب خصائص فطرة الإنسان، وهم الذين ينفِّذون بالحرف الواحد المآرب الصهيونية الرهيبة عبر مقرراتهم المرقومة؛ لإشاعة الانحلال بين بني الإسلام. وإن تعجبوا -عباد الله- فعجبٌ أن اليهود هم أول من شنَّ الحرب على نزع الستر وإظهار السوأة منذ أن تآمر رجلان منهم في سوق بني قينقاع على نزع حجاب امرأة وكشف سوأتها، حينما كانت جالسة في السوق، فربطوا خمارها بطرف ثوبها، فلما قامت واقفة بدت سوأتها للناس، فاستغاثت بمن حولها، ثم توالت بعد ذلك أحداث شبيهة كما ذكر ابن الأثير في كامله عن شابين من قريش رأوا امرأة جميلة من بني عامر في سوق عكاظ، وسألوها أن تسفر عن وجهها فأبت، فامتهنها أحدُهم، فاستغاثت بقومها حتى كان ذلك سبباً في اليوم الثاني من أيام حروب الفجار المشهورة. العري -أيها المسلمون- سِمة حيوانية بهيمية، ولا يميل إليه إلا من هو أدنى من الإنسان، ومتى رؤي العُري والتعرِّي جمالاً وذوقاً وتقدماً ومسايرةً لركب الغافلين فقولوا على الفطرة: السلام، ولتبدأ الآذان صاغية في سماع ما يُبكي ويُحزن من مآسي الفتن، والتنويع في الانسلاخ، والتجرد عن قيم الإسلام، ناهيكم عن سوء العواقب الموخزة، وحينئذٍ واقعون ولا محالة فيما حذرنا منه الباري بقوله: ﴿يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءاتِهِمَا﴾ [الأعراف:٢٧] .

стр. 78

اتباع شباب الإسلام لكن ناعق عباد الله! إنَّ لنا في كل يوم أجناساً من الذكور والإناث تنمو غضة رقيقة، لا يتعهدها أحدٌ بسقي ولا رعاية، حتى تصيبها الجائحة فتجف وتذبل، كما أن عواقب التغريب والاستسلاخ والاستنساخ وأرزائها تحطم أعراقاً متينة من الستر والحشمة طالما أظلت وسقت حتى اجتُثت، فلا بواكي لها. وفي الوقت نفسه! تزهر أفئدة من بني الجنسَين، ثم تُؤتي أُكُلها ثمراً ناضجاً حلواً، فلا يُوجد في بعض الجمهور مستبشراً بها، غير سالم من وكزات دعاوى التخلف، ومعرَّة ما يُسمى: مشي الرجوع على حد زعمهم! لقد صعدت أجيال تنكَّرت لماضيها وأعراقها التي أصلتها وحكَمَتها شريعة الإسلام. أقحم أناس أنفسهم في الميدان، وجعلوا التحسين والتقبيح خاضعاً لممارسات الحضارة الغربية وطيشها، تبدل الوزَّان وبقي الميزان مختلاً وقطبه مائلاًَ، وصناجه ضائعة، حتى إن أحدنا ليجد بين الأم وبنتها، أو بين الأب وابنه في صورة اللباس وما يُشاكله من البَون الشاسع ما يُعادل قرناً كاملاً من الزمان. ألا ما أكثر الأحياء فينا وهم قتلى؟! ذكور وإناث يلبسون لباساً لم يُفصَّل لهم، ولم يُقَس عليهم، وإنما خِيْطَ لغيرهم، فأخذوه بلا إصلاح، ومشوا به فرحين كما يمشي الطفل بحُلة أبيه، يتعثر بها، فيسقط سقطات يكون بها محلاً للضحك والتندُّر. إن الخلل الذي تعيشه جملة من الشعوب الإسلامية في قضية اللباس والستر، إنما كان منشأه من ممارسات خاطئة في كيفية التعامل مع الحضارة المدنية في كافة شئونها الحياتية، وفي المفاهيم المغلوطة لمعاني التقدم الحية، مما علق مواهبهم وقدراتهم عن تسخيرها باقتدار، حتى التحقوا بالركب المتقدم عن طريق التشبه به، والاقتباس منه، وعذرهم في ذلك أنهم يريدون النهوض بأنفسهم وأمتهم من وهدة النمو إلى مصافي الأمم المتحضرة، ولم يعد للشرع ولا للفطرة في بعض الأفئدة إلا النسبة الأساس. وإذا رأيت ثوب المفتون بهم يستر بعض العورة فاعلم أنه صورة لما عندهم من الأنموذج الجديد. إن الإصابة بحمى اللباس ليست على درجة واحدة بين المسلمين، إذ منهم من شمل السفور والحسور والتشبه، نساءه ورجاله، أو الكثرة منهم، ومنهم من ظهر فيهم واستعلن، وإن لم يعم ويشمل، ومنهم من بدأ يقرع أبوابهم ويضع إحدى قدميه، إن لم تكن وُضِعَتا كلتاهما.

стр. 79

الموضة وخطرها على الأمة حدثوا -أيها المسلمون- ولا حرج! عن انهماك (المجوع) بما يسمى على لغة العصر: الموضة؛ حيث يتلاعب مصممو اللباس بنفسيات الجنسَين في جذب أنظارهم تجاه كل لباس مستحدَث، مهما كان انسلاخه من معاني الرجولة، أو سمات الأنوثة العفيفة المصونة، استنزاف للأموال، واستخفاف بالرعاع، ونشر للفاحشة كيفما نشر، بعرض المفاتن، وسبل الإغراء، حتى أصبحت الموضة متِكْأةً للإثراء ووأد العفاف لدى كثير من الشعوب. والزمن كفيل في أن يثير جمهور اللاهثين في قبول الإحداث المتجدد المتراوح بين انتشار ما يُلبس دون الركبة أو فوقها، أو ما يُفتح من الجانبَين ليبدو ما يتمنى المرء المسلم معه الموت ولا أن يرى يوماً ما شيئاً من ذلك في محارمه أو أقاربه، ولا أن يكون ضحية لمشاهدة ما يستفز العيون من محاجرها، مشرئبة لتتقد كوامن الشهوة كالنار المتأججة في الصدر، والتي يُتَرْجم عوارها عبر جوارح المغفلين. إنه التفنن في إذابة الأعراف وإغراء الشعوب بما يُبعدهم عن ربهم وخالقهم، التفنن في تعويد المرأة على أن تبدو سافرة، وعلى أن تقنع نفسها بأن حياتها ومستقبلها مُرتهن بما تبديه من إغراء، وتفنن في عرض التقاسيم البدنية عبر مدارك الأزياء المتجددة، التي ربما كان المشي بها أصعب من مشي على حبل مما بها من ضيق، أو كمشي المجندل بالحديد، ولن تستطيع صعود درجة إلا بكشف ساقيها، والمتحجبة منهن ربما تفننت في تقشيب الحجاب وإحالته إلى وضع أشد فتنة من ثوبها وصورة وجهها، ولطالما فتنت بعض العباءات السود ألبابَ الرجال؛ فكم من عباءة هي في الحقيقة أشد ما تكون إلى عباءة أخرى تسترها؟! وأما الشباب فحدثوا ولا حرج عن تململهم بلباسهم الرجولي، وغدَوا في إشفاق مشين بلباس أهل الفن والمجون، حتى لقد أصبح المرء الغيور يرى من أحوالهم ما يحترق به بصره مرة تلو الأخرى أهكذا زي شباب المسلمين؟! إن أحدنا ليضع كفه على ذقنه ويقرع سنه حيرةً، يُسائل نفسه: لِمَ، ومم، ولأي شيء يستنكف الناس لنداءات الفطرة، وحدود شرعة الله ومنهاجه؟! إن مردَّ ذلك كله إلى إفساد البنت والشاب؛ إذ معظم ممتهني دور التصاميم والأزياء هم من اليهود في عواصم الغرب، فهم بيوت الألبسة ومصمموها، وهم أساتذة التجميل ودكاكينه. بل لَمْ يكتفِ أولئك بعقلاء الجنسَين حتى امتدت مآربهم إلى مَن هُم قبل سن التكليف من صبيان وبنات، فأُشربوا من خلال ملابس الأطفال المنتشرة في المعمورة، والتي لا تمت للحشمة بصِلَة، أشكال وألوان من الضيق تارة، ومن العاري أخرى، ومن القصير الفاضح كرَّات وتارات! هي ملأى بالصور أو بالعبارات الرقيعة، قد لا يفهم جُلَّ اللابسين المراد منها، ولا تسألوا بعد ذلك عن حال الطفل أو الطفلة بعد الكبر، إنَّ كُلّاً منهما لَمْ يُعَوَّد يوماً ما على الستر الشرعي. إن الأب والأم إن كُتِبَ لهما الوعي والحرص بعد ذلك على سترهما سيجدان المرارة والعي في الإقناع به، وللأبوَين نقول: اليدان أوكتا والفم نفخ! وعند سؤال المكابرين منهم يقولون: ماذا نفعل؟! هكذا يلبس الناس، وهكذا يريد الناس، ولَعَمْرُ الله -أيها المسلمون- كم يجلس الغيور الصادق يبحث جاهداً لأطفاله، متسوقاً في كل مجمع، يعز عليه أن يجد المكسي من الثياب، ويعيه طِلابه، فالله المستعان!

стр. 80

أسباب بيان موضوع اللباس للناس إن هذه المفاهيم والأخطار المدلهمة ينبغي ألا يُفهم إنكار المصلحين لها على أنهم يريدون بها التحجيم أو الإبقاء على القديم من كل وجه؛ بحيث يظن البعض أن المراد هو الإلزام بكل ما كانت تلبسه أمهاتنا ومَن وَلَدْنَهُم، أو آباؤنا ومَن وَلَدُوهم، كلا. إن الشرع لم يلزم بذلك، وإنما منع من كشف العورات، ومن لبس ما يخدش الحياء أو يبرز المفاتن، وترك لنا في الجملة اختيار الزي الذي يلائمنا ويسترنا مهما تجددت صورتُه؛ ولكن علينا ألا نرى الستر عيباً والعفاف عاراً، وحسبنا تذكيراً برءوس غيرنا، ونظراً بعيون عدونا المترمدة. وقد سأل رجل ابن عمر: [[ماذا ألبس من الثياب؟ فقال: ما لا يزدريك فيه السفهاء، ولا يعيبك به الحكماء]] . ثم اعلموا -أيها المسلمون- أننا لو جمعنا ألف شاب، وأجلبنا لهم عشرات الوعاظ ليلقنوهم الصيانة عاماً كاملاً، ثم يُجلب لهم كاسية عارية تترامى مفاتنها في كل اتجاه لَهَدَمَت في ثوانٍ معدودة ما بناه أولئك في عام. فاتقوا الله معاشر المسلمين! والحذار الحذار من الوقوع في فتنة اللباس، والخروج به عن مقصوده ومبتغاه، ولا يغوينكم الشيطان بزخرف من القول والعمل: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:٣٢] . بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة، ونفعني وإياكم بما فيهما من الآيات والذكر والحكمة، أقول ما سمعتم، إن صواباً فمن الله، وإن خطأً فمن نفسي والشيطان؛ وأستغفر الله.

стр. 81

أسباب تحريم بعض الألبسة الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، الداعي إلى رضوانه. أما بعد: فاتقوا الله -أيها المسلمون- واعلموا أن للباس والزينة شأناً عظيماً في ملة الإسلام، وما جاء في ذلك من الكتاب والسنة ليحل محلاً كبيراً في الأسفار والتصاميم، فقد عقد أهل العلم في كتبهم أبواباً وفصولاً مستقلة تخص اللباس وحده، ومن خلال الاستقراء والتتبع وُجد أن الأسباب الداعية إلى تحريم بعض الألبسة لا تخرج عن واحد مما سيأتي:

стр. 82

الألبسة الداعية إلى الفتنة فمن ذلك: التحريم بسبب ما يُفضي إليه من فتنة: كظهور عورة المرأة، أو تجسيد جسمها وتقسيمه، أو إخراج العينين، أو الوجه، أو الكفين أو نحو ذلك مما هي مأمورة بستره، عملاً بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ﴾ [الأحزاب:٥٩] ، قال ابن كثير ﵀: "الجلباب هو: الرداء فوق الخمار". وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: [[أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن حاجة أن يغطين وجوههن فوق رءوسهن بالجلابيب، ويبدين عيناً واحدة]] . وبهذا يُعلم -أيها المسلمون- أن ما تقوم به جملة من النساء اليوم من تغطية الوجه مع إخراج العينين وما جاورهما من الحواجب وطرف الأنف وشيء من الخدين أن هذا كله خطأ واضح، ومسلك مشين. فيا لَلَّه ماذا أبقت المرأة من جمالها حينئذٍ؟! إنها بمثل هذا ربما سترت القبيح، وأبرزت الحسن، والشارع الحكيم أذن لها بإبراز إحدى العينين لترى بها الطريق، لا أن يراها أهل الطريق.

стр. 83

ألبسة الشهرة والخيلاء وسبب آخر من أسباب التحريم، وهو: ما يكون لأجل الشهرة والتباهي والخيلاء: لقوله ﷺ : ﴿من لبس ثوب شهرة ألبسه الله ثوب مذلة يوم القيامة﴾ رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي. وكذا إسبال الثياب وجرها أسفل الكعبين سواءً أكان ذلك خيلاءً أو لم يكن، ولا ينبغي أن يُفَرَّق بين من يُسبل لأجل الخيلاء ومن يسبل بلا خيلاء، والجواب الصحيح في ذلك: هو أن ما أسفل الكعبين إذا لم يكن خيلاء فهو في النار، وأما إذا كان خيلاء فإن العذاب يكون أشد؛ لقوله ﷺ : ﴿من جرَّ ثوبه خيلاءًَ لم ينظر الله إليه يوم القيامة﴾ رواه الشيخان، وفي رواية: ﴿ما أسفل الكعبين ففي النار﴾ هذا في حق الرجل، وأما في حق المرأة فإنها تسبل ثوبها حتى يغطي قدميها؛ لأن القدمين عورة بالنسبة لها.

стр. 84

ألبسة فيها تشبه بالفجار والكفار وسبب ثالث من أسباب التحريم، وهو: التشبه: كتشبه النساء بالرجال، والرجال بالنساء في اللباس، أو التشبه بالأعاجم وأهل الكفر في زيهم، يقول عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما: ﴿رأى رسول الله ﷺ عليَّ ثوبين مُعطَّرين، فقال: إن هذه ثياب الكفار، فلا تلبسها﴾ رواه مسلم. وفي الصحيحين: أن عمر رضي الله تعالى عنه كتب لوُلاته: [[وإياكم والتنعم، وزي أهل الشرك، ولبوس الحرير]] . ومما قاله الفقهاء: يحرم من اللباس ما خالف زي العرب، وأشبه زي الأعاجم وعاداتهم. وما أحسن ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ مبيناً لهذه القاعدة العظيمة فيقول: إن المشاركة في الهدي الظاهر تُوْلِف تناسباً وتشاكلاً بين المتشابهَين، يقود إلى موافقة في الأخلاق والأعمال، فلابس ثياب أهل العلم -مثلاً- يجد في نفسه نوع انضمامٍ إليهم وهكذا بالنسبة لثياب الجند المقاتلة، وكلما كانت المشابهة أكثر كان التفاعل في الأخلاق والصفات أتم، حتى يؤول الأمر إلى ألا يتميز أحدهما عن الآخر إلا بالعين فقط. وقولوا مثل ذلك -عباد الله- في مشابهة الفسقة من مغنين وفنانين من أهل الكفر وغيرهم ممن ليسو على طريق الحق. فاتقوا الله معاشر المسلمين، واعلموا أن الواجب والمسئولية على كل عاتقٍ نصيبه منها، من ولاة وعلماء ودعاة وأولياء أمور الأسر، كما أن على التجار مسئولية عُظمى تجاه ذلك؛ إذ عليهم أن يوجدوا البديل المباح، وأن يكفوا عن بيع ما يخدش الحياء، أو يكشف العورات، وليحذروا مغبة فعلهم، وليعلموا أن عليهم إثم ما يبيعونه، وإثم من يلبسه إلى قيام الساعة، من غير أن ينقص من أوزار من يلبسه شيء، وليحذروا الوقوع عن أن يكونوا بفعلهم هذا ممن يحب أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا، وأنهم مسئولون عن أموالهم من أين اكتسبوها وفيمَ أنفقوها؟ اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداءك أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين. اللهم انصر من نصر الدين، واخذل من خذل عبادك المؤمنين. اللهم آمِنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين. اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أغثنا، اللهم أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم سقيا رحمة لا سقيا هدم، ولا بلاء، ولا غرق. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 85

القلق أسبابه وعلاجه القلق مرض عضال، وداء أصاب الشيوخ والشباب والأطفال، أسبابه كثيرة، وعلاجه سهل يسير على من يسره الله عليه، فأسبابه تكمن في البعد عن الله والتعلق بغيره وغير ذلك مما هو راجع إليه، وأما علاجه، فالتعلق بالله واللجوء إليه ودوام ذكره جل وعلا، والحفاظ على الصلوات.

стр. 86

مقدمة عن القلق وخطره الحمد لله ولي الصالحين، غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير، خلق فسوى، وقدَّر فهدى، يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو الرحيم الغفور. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وخليله وخيرته من خلقه، بلَّغ الرسالة، وأدَّى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، فعليه من الله أزكى صلاة وأتم تسليم، وعلى آله وأصحابه ومن سار على ملته واقتفى أثره إلى يوم الدين. أما بعد: فبادئ ذي بدء أوصيكم -أيها الناس- ونفسي بتقوى الله سبحانه في السر والعلن، والمنشط والمكره، فما خاب من اتقاه، ولا أفلح من قلاه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الأنفال:٢٩] . أيها الناس! البال الرخي، والنفس الرضية، والصدر المنشرح، مطالب جليلة تصبوا إليها أفئدة بني آدم، وتروم نوالها كل نفسٍ لم تكتنفها دواعي الخذلان، أو مكابرة العاجز وبطر المستنكف، والمرء في هذه الحياة ما دام ذا روحٍ يقلبها فهو يعيش على أمرٍ قد قدر، وحينما يشب عن الطوق بعد نضارة الصبا ينهج في البحث عن الهنا لحياته نهجاً مستتباً، يرج نفسه رجاً شديداً، يظن أنه بين الرياحين السرمدية، يتهادى في دروبها كيف ما يحلو له، لا يذعره شيء حتى يبلغ نهايته المكتوبة، دون أن يُفكِّر هُنيهة أنَّ من عاش لم يخل من المصيبة، وقلَّما ينفك عن عجيبة، فيشاء الله غير ما يشاء هو، ويقدر غير ما قدر هو، وتخيب ظنون المرء في جُلِّ ما كان يؤمل، وتنقلب آحادها رأساً على عقب، متخطفاً عن السير إما في أوائله أو أواسطه، بله بلوغ نهايته المشرئب إليها، ثم يكون ما يكون، ولقد صدق من قال: ما عند يومي ثقة لي بغدِ لا بد من دار خلود الأبدِ صح عند مسلم وغيره أن النبي ﷺ قال: ﴿ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمدٍ ﷺ رسولاً﴾ لقد صدق رسول الله -بأبي هو وأمي- صلوات الله وسلامه عليه، نعم! لقد صدق، فأين هم الذواقون لطعم الإيمان؟ وأين في الذواقين من يظهر أثر الذوق لهذا الطعم في نفسه وروحه وسلوكه بل وحياته كلها؟ ألا وإن حملة الأدوية التي ينفعون بها ولا ينتفعون منها كثرة كاثرة على هذه البسيطة، وهم: كالعيس في البيداء يقتلها الظما والماء فوق ظهورها محمول ﴿ورب مبلغٍ أوعى من سامع، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه﴾ .

стр. 87

علاقة القلق بضعف الإيمان والحق -عباد الله- أن الإيمان والسعادة لا يضيرهما شيءٌ البتة إذا كان بعض حملتها ومنسوبيها أول الناس خروجاً عليها، ونأياً عنها، وإلا فأين الذين لم يعد منهم في حياته فاقد السعادة، ملتاثاً بلوعة القلق والاكتئاب، أين صاحب المنصب والشرف، الذي لم يعد قلقاً في أوج تكأته وسلطانه، يتوجس فقده كل لحظة عُرياً من خلاله عن معاني الإحساس بطعمه، أو استتمام رائحته المركبة؟! وأين الأبوان اللذان لم يعد أحدهما يخشى على أولاده القوارع بالمدلهمات في كسوة هذا، وإعفاف تلك، وتوظيف هذه، وتزويج ذاك؟ بل أين وأين وأين؟ إنه عصرٌ موحشٌ على كثرة مؤنسيه، مقلقٌ على كثرة مهرجيه ومروجيه. إنه مليء بكل مسببات القلق لفاقدي الهدف، ومعصوبي البصائر، الذين يتخبطون كالعشراء، وجل من لم يصب بمثل هذا السيل الطام فلا أقل من أن يناله رشاشه المتناثر هنا أو هناك. بالطبع -أيها المسلم- أنا وأنت، وهو وهي، وغيرنا جميعاً، نحن أعضاء في هذا المجتمع الفسيح، كل فردٍ منا عرضة للقلق أو الغضب، مثلما هو عرضة للسعادة أو الهناء، الكل يريد السعادة، ولكن لا أحد يريد أن يرى نفسه قلقاً أو كئيبا، وإن كان ثَمَّ وقوعٌ في حمأة القلق لفردٍ ما، فقد لا يُحسن التصرف أمام هذه البلية العظمى؛ إما عن جهل منه بطرق الخلاص والنجاة من هذا المأزق الحرج، وإما عن سلوك طُرقٍ وهمية مصحوبةٍ بغفلة، ووثبة يحسنان له القبيح، فيظن جاهلاً أنه مكمن الدواء، وكان كالمتسعسل إذا ثمل، وإما أن يكون المتصرف مع هذا الداء يعلم خطورته وسحق هوته، ولكنه يصر على البقاء فيه، أو يتعمد بتقطيع ألمه بكيوفات مهدئة أياً كانت ذوائبها مما لا يقرها الشارع الحكيم، ويا لله! ويا لله! إذا كنت لا تدري فتلك مصيبةٌ وإن كنت تدري فالمصيبة أعظمُ أيها المسلمون! إنَّ من الإنصاف التام ألا يهون من شأن هذه القضية، وألا نجعل الإحساس بالقلق جهلاً منا أو مكابرة حكراً على ذوي الضعف وملتحفي المسغبة والإملاق، ولا غرو فيما أقول عباد الله، فكم رأينا كبراء قلقين، وأغنياء مضطربين؟! إذ من الناس من يقلق من فراغ بطنه إبَّان إملاقه، والبعض الآخر ربما قلق بسبب التخمة التي تحويها بطنه إبَّان إغداقه، ألا وإن قلقاً ما في نفس فقير مدقع ليس بأقل في الخطورة من قلقٍ ما في نفسٍ ثري طائش.

стр. 88

أضرار القلق على المجتمع المسلم وأقول مثل ذلك في الصبي والشيخ والشاب، والذكر والأنثى، والصحيح والسقيم قلقٌ في المال، وفزعٌ من المستقبل المجهول، وشعورٌ بالوهن عن حمل المتاعب، وميل الإنسان إلى التوجس حتى من أبعد الأمور احتمالاً، والتي سببت من خلاله الحضارة المادية الحديثة سوء الظن بالله، وزعزعة الثقة به وبحكمته وعدله إلا من رحم الله، مما هو في الحقيقة سرٌ ولا شك، في قيام الكهانة والدجل، والوقوف على أعتاب العرَّافين والمشعوذين بحثاً عن حلٍّ لمشكلاتٍ استيئسوا هم من حلها، فكانوا كالمستجير من الرمضاء بالنار، ولسان حالهم يقول: وداوني بالتي كانت هي الداء. وهو كذلك! سر لقيام ما يُسمَّى شركات التأمين، وتغلغل فروعها، واستثمان ورمها في أرجاء الدنيا العامة، وكأنهم موكلون في حماية الناس من قدر الله جلَّ وعلا، فاستحوذت تلك الشركات على قناطير مقنطرة من الذهب والفضة، مستغلة بذلك خشية الخوافين على أعمارهم حيناً، وعلى أموالهم وممتلكاتهم حيناً آخر، والذي يُساورهم القلق من أجلها، والمستنكر هنا -عباد الله- استباحة التأمين لدى الجماهير من الناس على كافة أصقاعهم، في حين أن جمهور أهل العلم على تحريمها والمنع منها، لأدلةٍ ومسوغاتٍ ليس هذا محل بسطها. ناهيكم -أيها المسلمون- عن الشين والعيب في المتاجرة بالذعر الناشئ عن خور اليقين، والفرث الذي استحوذ على ضعاف النفوس، عندما يدفعهم الشك وقلة الإيمان بقضاء الله وقدره إلى ارتقاب الموت أو الخسار كامناً لهم في كل أفق، فتفزعهم الهمسة، وتؤلمهم اللمسة، ولا يعرف السم إلا من كابده، وما راءٍ للسم كمن شرب.

стр. 89

الأطفال أكثر الفئات قلقاً أيها المسلمون! لقد أكدَّت الدراسات الميدانية الحديثة على مستوى العلوم التطبيقية والطب النفسي، أن القلق والاكتئاب ينتشران بصورة فعالة بين الأطفال، لا سيما في دول الغرب أو دولٍ تسير في ركابه، وذلك على حدٍ سواء بين أطفال الفقراء وأطفال الأغنياء، بنسبة مفزعة تصل إلى ربع المائة، وأن أولئك المصابين لديهم الاستعداد المبكر لتعاطي المخدرات والكحول أكثر بمرات من غيرهم، كما أكدت الدراسات على أن مراهقي الإناث أكثر إصابة بالقلق من مراهقي الذكور، وأكدت بعض جولات الاستطلاع أن الخوف من الفشل والتسريح والبطالة من أهم أسباب القلق الذي يُسيطر على العاملين بصورة عامة، ويظهر أثر ذلك على صورة اضطراب في الدورة الدموية، وضعف المقدرة على التركيز، وخفقان القلب، وقرحة المعدة، وأرقٍ واكتئابٍ دائمين. ولقد أكَّد خبراء متخصصون في مثل هذه الدراسات، أنهم استطلعوا ما يقارب المائتين من رجال الأعمال، أعمارهم متجانسة، فاتضح أن أكثر من ثلثهم يُعانون واحداً من ثلاثة أمراض كلها ناشئة عن القلق، وهي: اضطراب القلب، وقرحة المعدة، وضغط الدم. وقد قالوا عن هذا القلق: إنه شعورٌ عاطفي، يعتري الإنسان، يمنعه من التمتع بحالة الاستقرار النفسي والبدني، بحيث يفقد أمرين عظيمين من أمور الاستقرار، وهما: الصبر، والسكينة، ويسميه بعض علماء القلوب اكتئاباً.

стр. 90

أسباب القلق عباد الله! للقلق المتفتق بين ظهرانينا أسباب كثيرة يطول حصرها، والناس فيها بين مقل ومكثر، ولكن حاصلها وجماعها لا يخرج في الغالب عما سنطرحه في هذه العجالة.

стр. 91

البعد عن الله فأولها بل وحمأة النكد، ونواة القلق: ألا وهو البعد عن الله جلَّ وعلا، بحيث يقصر المرء في طاعة ربه سبحانه، إذ قلة التوفيق، وفساد الرأي، وخفاء الحق، وخمول الذكر، والوحشة بين العبد وربه، ومنع إجابة الدعاء، ومحق البركة في الرزق والعمر، وقسوة القلب؛ تتولد هذه كلها من معصية الله، ومن البعد عن طاعته وذكره، فإن تولَّى الله العبد، ويسَّر له سُبل الطاعة والهداية، انقهرت عنه هذه كلها، وإن تخلَّى عنه ووكله إلى نفسه اجتمعت عليه فكانت الهلكة والعياذ بالله، ورسول الله ﷺ يقول: ﴿من تعلَّق شيئاً أوكل إليه﴾ رواه أحمد والترمذي. يقول الله جل وعلا: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه:١٢٤] . ويقول سبحانه: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام:١٢٥] . وقال سبحانه عن الجن: ﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخَافُ بَخْساً وَلا رَهَقاً﴾ [الجن:١٣] . ويقول: ﴿وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَاباً صَعَداً﴾ [الجن:١٧] أي: مشقة لا راحة معها. يقول أحد السلف: "مساكين أهل الدنيا! خرجوا منها وما ذاقوا أطيب ما فيها، فسُئِلَ عن ذلك؟ فقال: معرفة الله ومحبته، والشوق إلى لقائه وعبادته".

стр. 92

التصور المقلوب للمال وسببٌ آخر من أسباب القلق يكمن في تصورٍ مقلوب للمال وحقيقته. إذ فَهِمَ منه أقوامٌ أنه مصدر السعادة وزوال القلق، فحدثوا ولا حرج عن هيام البعض به من أثرياء مترفين أضعفوا به خلقهم ودينهم: ﴿التجار فجار، إلا من بر وصدق﴾ هكذا صح الخبر عن الصادق المصدوق ﷺ ، فاستخفَّ بعضهم بقواعد الإيمان، فأكل بماله كما تأكل الأنعام، وشرب كما تشرب الهيم، معاملاتهم وتجاراتهم وعلائقهم بالناس إنما تقوم على أصولٍ من المعدة لا من الخلق، وعلى استشمام رائحة الاقتيات لا رائحة الإيمان وحسن السجايا، عارية نفوسهم من صفاء الروح والتراحم بين بني البشر، فكأنهم يشترون القلق بمالهم، ويبيعون الطمأنينة كما يُباع الحقير في أسواق النخاسين، وما علموا أن السعادة الحقة ليست في جمع المال فحسب، إذ كم من غني وجد، لكنه ما وجد إلا عكس ما كان قد وجد، ولعمر الله! إن التقي هو السعيد. ويزداد الأمر إسعاداً حينما يكون المال بيد العبد المسلم على نحو ما قال النبي ﷺ : ﴿نعم المال الصالح للرجل الصالح﴾ أين هذا مما يتردد كرَّات ومرات عبر الصحافة وأشباهها عن دراسات تُؤكد أن من الحقائق المسلمة أنه عندما تهبط قيمة الأسهم فيما يُسمى "البورصة" ترتفع نسبة السكر بين المضاربين؟ فأي علاجٍ -إذاً- أنجى من قول النبي ﷺ : ﴿إن هذا المال خضر حلوٌ، من أخذه بسخاوة نفسٍ بُورِك له فيه، ومن أخذه باستشراف نفسٍ لم يُبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع﴾ رواه أبو داود.

стр. 93

الهم وسببٌ ثالث من أسباب القلق يقال له: الهم. نعم عباد الله الهم بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معاني: الحزن، والشدة، والإذابة، الهم الذي يُحطِّم العمالقة، ويذبل الوجوه الطافحة بالحياة النظرة، الهم الذي يخترم الجسيم نحافة، ويشيب ناصية الصبي ويهرم. إن سوء الإحسان في مواجهة الفتن والبلايا والرزايا، بحيث يتغلب الضجر على الصبر، ويفقد العقل توازنه واعتداله، لهو منبت الهم ونقعه، وإن الكثيرين في الواقع يتبرمون بالزوابع التي تحيط بهم، مع أن المتاعب والآلام تربة خصبة تنبت على جوانبها بذور الرجولة، وما تفتقت مواهب العظماء إلا وسط ركامٍ من المشقات والجهود المضنية، ولم يكتفوا بإصرارٍ مؤقت يخدع المرء به نفسه، فيقول: أنا راضٍ، ونفسه طافحةً بالضيق والتقزز، فينشأ له من طبعه الجزوع ما يبغض إليه الصبر، ويجعله في حلقه مُرَّ المذاق، فيتنجنج ويضيق، ويحاول جاهداً أن يخرج من حالته على نكظ. إذ أن عُشَّاق الصخب، ومدمني الشكوى، هم أفشل الناس في إشراب حياتهم معنى الطمأنينة، حيث يطوفون حولها معولين منتحين، ولم يدعوا ألسنتهم وقلوبهم تلعق ما في واقعهم المر من غضاضة. اشتكى عروة بن الزبير الآكلة في رجله فقطعوها من ركبته وهو صامتٌ لم يئن، وفي ليلته تلك سقط ولدٌ له من سطحٍ فمات، فقال عروة: [[اللهم لك الحمد كانوا سبعة من الولد فأخذت واحداً وأبقيت ستة، وكان لي أطراف أربعة فأخذت واحداً وأبقيت ثلاثة، فإن كنت أخذت فلقد أعطيت، ولئن كنت قد ابتليت لقد عافيت]] . لو رجع المرء لنفسه قليلاً لاتهم مشاعره الثائرة حيال ما ينزل به، فمن يدري رُبَّ ضارة نافعة، أو ربما صحت الأجسام بالعلل، أو لرب محنةٍ في طيها منحة، وكم بسمة كانت وليدة غصة، وكل إنسانٍ يصيبه من الكروب ما يهون معه ما سلف من الخطوب، وكم من زمنٍ بكيت منه فلما صرت في غيره بكيت عليه، ولم يبكِ الباكون في مفقودٍ مثل محمدٍ ﷺ ، ومن ذكر مُصيبة لا يسلو بها فليذكر مصاب الأمة بالنبي صلوات الله وسلامه عليه، فما فقد الماضون مثل محمدٍ ﷺ ، ولا مثله حتى القيامة يفقد: وهل عدلت يوماً رزية هالكٍ رزية يومٍ مات فيها محمد ألا إن مكاره الدنيا ضربان: ضربٌ فيه حيلة؛ فالاضطراب داؤه، وضربٌ لا حيلة فيه فالاصطبار شفاؤه، والحكمة البليغة تقول: الحيلة فيما لا حيلة فيه الصبر. وعواقب الأمور تتشابه في الغيوب، فرب محبوبٍ في مكروه، ومكروه في محبوب، وكم مغبوطٍ بنعمة هي داؤه، ومرحومٍ من داءٍ فيه شفاؤه، ورب خيرٍ من شر، ونفعٍ من ضر: ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً﴾ [النساء:١٩] . مرَّ إبراهيم بن أدهم على رجلٍ قلقٍ مهموم، فقال له: إني سائلك عن ثلاثة فأجبني، قال: أيجري في هذا الكون شيءٌ لا يُريده الله؟ أو ينقص من رزقك شيءٌ قدره الله؟ أو ينقص من أجلك لحظة كتبها الله؟ فقال الرجل: لا. قال إبراهيم: فعلام القلق والهم إذاً؟! الهم -أيها المسلمون- جندٌ من جنود الله، يُسلطه على من يشاء من عباده بعدله وحكمته سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً﴾ [الفتح:٤] . سُئِلَ علي بن أبي طالب ﵁: [[من أشد جند الله؟ قال علي: الجبال، والجبال يقطعها الحديد فالحديد أقوى، والنار تذيب الحديد فالنار أقوى، والماء يُطفئ النار فالماء أقوى، والسحاب يحمل الماء فالسحاب أقوى، والريح تعبث بالسحاب فالسحاب أقوى، والإنسان يتكفأ الريح بيده وثوبه فالإنسان أقوى، والنوم يغلب الإنسان فالنوم أقوى، والهم يغلب النوم فأقوى جند الله هو الهم يُسلطه على من يشاء من عباده]] . دخل رسول الله ﷺ المسجد ذات يومٍ فإذا هو برجلٍ من الأنصار يُقال له أبو أمامة، فقال: ﴿مالي أراك جالساً في المسجد في غير وقت الصلاة؟ قال: هموم لزمتني، وديونٌ يا رسول الله! قال: أفلا أعلمك كلاماً إذا قلته أذهب الله همَّك وقضى عنك دينك؟ قال: بلى يا رسول الله، قال: قل إذا أصبحت وإذا أمسيت: اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال، قال أبو أمامة: ففعلت ذلك، فأذهب الله همي، وقضى عني ديني﴾ رواه أبو داود في سننه. بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة، ونفعني وإياكم بما فيهما من الآيات والحكمة. أقول ما سمعتم، إن صواباً فمن الله، وإن خطأً فمن نفسي والشيطان، وأستغفر الله إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 94

علاج القلق الحمد لله وحده كما أمر، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله سيد البشر، والشافع المشفع في المحشر، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه الأتقياء الغرر. أما بعد: فما أكثر العواطف التي تهب علينا، وتملأ آفاقنا بالغيوم المرعدة! وكم يواجه المرء منا بما يُكدِّره ويُنغِّص عليه ما يشتهي، بحلول القلق والاضطراب النفسي في شخصه، حتى تجتمع عليه السباع الأربعة التي تهد البدن وتوهنه، وهي: الهم والحزن والأرق والسهر، وقد صح الخبر عن المعصوم ﷺ : ﴿ما من داءٍ إلا وله شفاء، علمه من علمه وجهله من جهله﴾ بيد أن الكثيرين ممن يُعالجون القلق هم في الحقيقة مظهرون للعلل النفسية، والجُلَّ منهم نجحوا في الهدم ولم ينجحوا في البناء، وقطعوا الطريق على أُناسٍ باحثين عن الشفاء ففشلوا في إرشاد نفسٍ قلقة، وللطب النفسي العري عن شريعة الله الحظ الأوفر في إعماق هذه الهوة، حيث لجأ جمهورٌ منهم في علاج القلق إلى ما يسمى: بالمعازف والموسيقى، والتي نقل إجماع أهل العلم على تحريمها، أو بما يسمى التنويم المغناطيسي؛ والذي يفتح مجالاً واسعاً لممتهنيه في أن يقلبوا الحقائق، أو يمتطوا من خلاله أهواءهم في تنفيذ مآرب بدنية، حتى امتدت إلى ما يسمى بالروحية الحديثة لمجالس تحرير الأرواح؛ وهي ضربٌ من الكهانة والشعوذة، والقلب على الرعاع، وفي كلتا الحالين هم يشرحون الصدور بتغييب الوعي، فكأنما يلهث المرء وراء سرابٍ بقيعة كلما ازداد منه قرباً ازداد السراب منه بُعداً وتخييلاً. حرصوا على تطبيب الزكام، والنتيجة الحاصلة استفحال الجذام، وإذا كان الأمر كذلك ففي ما شرعه الله من الأدوية وفيما أباحه منها غنية تامة في علاج الأدواء.

стр. 95

القرآن الكريم والأدوية الناجعة كثيرة جداً، من أشهرها: القرآن الكريم -كلام الله جلَّ وعلا- فيه شفاء للناس من أمراض القلوب والأبدان. وقد دلت النصوص الشرعية على تخصيص بعض الآيات للرقية الشرعية، كسورة الفاتحة والإخلاص والمعوذتين، ولو رقى المرء نفسه بآياتٍ غيرها من القرآن فلا بأس. ولقد كان شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ إذا اشتدت عليه الأمور قرأ الآيات التي فيها ذكر السكينة، يقول ابن القيم ﵀ عن شيخ الإسلام: سمعته يقول في واقعة عظيمة جرت له في مرضه، تأججت العقول عن حملها من محاربة أرواح شيطانية، ظهرت إذ ذاك في حال ضعف القوة، قال: فلما اشتد عليَّ الأمر -والقول لـ شيخ الإسلام - قلت لأقاربي ومن حولي: اقرءوا آيات السكينة، قال: ثم أقلع عني ذلك الحال وجلست وما بي قلبه. قال ابن القيم ﵀: وأنا جربت أيضاً قراءة هذه الآيات عند اضطراب القلب بما يرد عليه، فرأيت لها تأثيراً عظيماً في سكونه وطمأنينته.

стр. 96

الذكر والصلاة ومن الأدوية الناجعة لداء القلق عباد الله: الذكر والصلاة. ذكر الله على كل حال، تحصل به الطمأنينة ويزول القلق: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨] . يقول ابن القيم ﵀: سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدَّس الله روحه يقول: الذكر للقلب مثل الماء للسمك، فكيف يكون السمك إذا فارق الماء؟! فيا لله أيها المسلمون! أي وصية أعظم وأجدى في مثل هذه الحال من وصية الله لعبده وخليله ﷺ : ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ﴾ [الحجر:٩٧] ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ * وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٨-٩٩] ؟! ولأجل ذا صح عنه ﷺ : ﴿أنه كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة﴾ رواه أحمد وأبو داود، وقال كما عند النسائي وأحمد: ﴿وجُعِلت قرة عيني في الصلاة﴾ . وثبت عنه ﷺ أنه قال: ﴿من لزم الاستغفار جعل الله له من كل همٍ فرجاً، ورزقه من حيث لا يحتسب﴾ رواه أبو داود والنسائي. يقول الحسن البصري ﵀: [[تفقدوا الحلاوة في ثلاثة أشياء: في الصلاة، وفي الذكر، وفي قراءة القرآن، فإن وجدتم وإلا فاعلموا أن الباب مُغلق]] . اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميدٌ مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميدٌ مجيد. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداءك أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين. اللهم انصر من نصر الدين، واخذل من خذل عبادك المؤمنين. اللهم فرج همَّ المهمومين من المسلمين، ونفِّس كرب المكروبين، واقض الدين عن المدينين، واشف مرضانا ومرضى المسلمين برحمتك يا أرحم الرحمين. اللهم ما سألناك من خيرٍ فأعطنا، وما لم نسألك فابتدئنا، وما قصرت عنه آمالنا من الخيرات فبلغنا. اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين. اللهم وفق ولي أمرنا لما تحبه وترضاه من الأقوال والأعمال يا حي يا قيوم، اللهم أصلح له بطانته يا ذا الجلال والإكرام. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلامٌ على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 97

الحزن والاكتئاب الداء والدواء الحزن والاكتئاب ظاهرة عمت وطمت في العالم أجمع، والعلامات التي تظهر على المصاب بالحزن والاكتئاب هي اختفاء البشاشة والابتسامة من على وجهه، والإصابة بالأرق وقلة النوم، وعدم الانشراح، وانفعالات إلخ. وأسباب هذا المرض كثيرة أهمها: البعد عن الله جل وعلا، وأسباب ستجدها في هذه المادة مع العلاج الناجع الذي أخذ من دين الإسلام.

стр. 98

وقفات مع ظاهرة الحزن والاكتئاب الحمد لله الذي خلق فسوى، وقدر فهدى، الذي أخرج المرعى، فجعله غثاءً أحوى، سبحانه هو أمات وأحيا، وأضحك وأبكى، أنزل علينا الكتاب والفرقان، ليهلك من هلك عن بينه، ويحيا من حيَّ عن بينه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، الداعي إلى الله على بصيرة هو ومن اتبعه، بلَّغ الرسالة، وأدَّى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه ومن سار على طريقهم واقتفى أثرهم إلى يوم الدين. أما بعد: فأوصيكم -أيها الناس- ونفسي بتقوى الله سبحانه، فإن فيها العز بعد الذل، والأمن بعد الخوف، والنجاة يوم الورود: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيّاً * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً﴾ [مريم:٧١-٧٢] . عباد الله: إن من يتحسس واقع الناس بعامة، وواقع المسلمين على وجه الخصوص، في زمن كثرت فيه المعارف وقل فيه العارف، زمن بلغت آليته أوج تقدمها، ونالت الحاضرة المادية فيه شأواً بالغاً، زمن هو غاية في السرعة المهولة، سرعة اقتصادية، وأخرى طبية، وثالثة عسكرية ومعرفية. إن من يتحسس هذا الواقع على وجه الإنصاف والوضوح، فسيمثل أمامه أن هذه المسارعة بقضها وقضيضها، لم تكن كفيلة بإيجاد الإنسان الواعي المدرك لحقيقة وجوده على هذه البسيطة. نعم عباد الله هذه هي الحقيقة مهما امتدت حبال هذا التقدم العصري، وإلا فمن يخبرنا عن سر انتشار الجهل وتضلعه في عصر تقدم المعلومات؟ وما هو سر شيوع الفقر والمسكنة في عصر الكنوز والغنى؟ وما سر سيطرة البطالة في عصر الإنتاج والصناعة؟ وقولوا مثل ذلك متسائلين: ما هو سر وصف بعض الباحثين في الشئون الاجتماعية على المستوى العالمي هذا العصر بعصر الحزن والاكتئاب، بعد أن أطلق على فترة قريبة منه سابقة عصر القلق؟ إننا في الحقيقة لسنا بحاجة إلى مزيد أدلة تؤكد ما يكابده هذا العصر من تغلغل هذه الظاهرة واستشرائها. الحزن والاكتئاب -عباد الله- هما آفة العصر المدمرة، وهما أوسع الآفات النفسية انتشاراً في العالم، وأكثرها لدى الناس شكاية إلا ما شاء الله، وهي لا تزال في ازدياد ملحوظ كلما ازدادت الإصابة بها، ثم إن المترقب لآخر الإحصائيات الصحية العالمية، ليجد أن ما يقارب (١٠%) من سكان العالم يعانون من آفة الحزن والاكتئاب بما في ذلكم بلاد المسلمين، وهذا يعني بداهة: وجود مئات الملايين من البشر في معاناة مع هذا الواقع المرير، وقد أسفرت هذه الإحصاءات أيضاً عن أن الأجيال التي ولدت في هذه العقود الأخيرة يبدأ عندها هذا الحزن والاكتئاب في سن أصغر وبمعدلات أكبر، نظراً للعوامل الاجتماعية التي تخللت تلك الجسوم بسبب تهلهلها، وضياع الأثر البيئي الناضج فيها، كما وجد أن هذا الداء ينتشر بشكل عام بين الإناث أكثر من انتشاره بين الذكور، بنسبة تصل إلى الضعف تقريباً وذلك بسبب فقدان الوظيفة الحقيقية للمرأة، وتحميلها ما لا تطيقه، من الأعباء الحياتية، والتي أودت بها إلى ترك بيتها، والزج بطفلها بين أحضان الخادمات، وعقول المربيات الأجنبيات، بل لقد بلغت حالات الانتحار بسبب الحزن والاكتئاب الشديد ما يزيد على ثمانمائة ألف شخص في العالم كل عام، ناهيكم عن كون (٨٠%) من المصابين به، لا يذهبون إلى الأطباء ولا يكشفون عن حقيقة حالهم، وهنا مكمن العجب. إن هذه الظاهرة -عباد الله- ليست وليدة هذا العصر، ولا هي من الأدواء التي لا يعرف لها ما يقاومها، أو يزيل عمق وجدها في المجتمعات، كلا. بل هي ظاهرة مرهونة بمدى انغماس الكثرة الكاثرة في متاع الحياة الدنيا، وسيطرة النظرة المادية الصرفة، ثم إن تفاوت المجتمعات في درجات هذه الظاهرة، ليكمن في مدى إيمانها بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم والآخر، والقدر خيره وشره، ثم في استقامة السلوك الاجتماعي، بأمنه وإعلامه وتعليمه، واستقرار العدل والمساواة والمحبة، والبعد عن الأثرة، وحب الذات، وهلم جرا. لقد سيطرت هذه الظاهرة، سيطرة مزدوجة على اهتمامات وأبحاث الكاتبين عنها، من بحاثة شرعيين، وأطباء نفسيين، وآخرين من صحفيين نقلة، ولربما تناولتها الأقلام باللت والعجن بين الحين والآخر، غير أن هذه المطارحات على تنوعها واختلاف منطلقاتها، لم توفق في أن تجتمع تحت مظلة واحدة، تجمع في علاج هذه الظاهرة، بين الأصالة والمعاصرة، بين الطب الشرعي الروحاني وبين الطب النفسي الإكلينيكي الموثق، والذي يقوم عليه متخصصون من ذوي الأمانة والغيرة، ممن يخضعون دراساتهم في الطب النفسي للشريعة الغراء بعيداً عن النظريات المادية البحتة المتجردة عن معاني الروح والسمو.

стр. 99

معنى الحزن والاكتئاب عباد الله: الحزن في لغة العرب: هو الاغتمام، يقولون: حزن الرجل إذا اغتم واشتد همه، وهذا الحزن، يعد أحد صور العاطفة، والمشاعر الإنسانية الفطرية التي تسيطر على الإنسان، فإذا ما اشتدت عليه اشتداداً تتغير به نفسه وتنكسر، فإنه حينئذٍ يسمى اكتئاباً، وهو أيضاً إحساس عاطفي، يعد قمة الحزن وغايته، حيث يجعل الفرد نهباً لشعوره الداخلي، الذي يورث الفشل وخيبة الأمل، واختفاء الهشاشة والبشاشة، والحبور والانشراح، مع انفعالات مزدوجة بالآهات والزفرات، حتى تعزف النفس بسبب ذلك عن بذل أي نشاط حيوي، بل ولربما عزفت عن الحياة بالكلية، ليكون الانتحار هو الحل الوحيد للمصاب بهذه الأزمة -والعياذ بالله- في حين أنه لو سلم من قتل نفسه، والقضاء عليها، فلا أقل من أن تصيبه، لوثة بعض الأمراض المصاحبة لها، كأمثال القرحة، وألم المفاصل، والأرق والصداع وغير ذلك، وقد قال ابن القيم ﵀: أربعة تهدم البدن: الهم، والحزن، والجوع، والسهر.

стр. 100

العلاج الروحي للحزن والاكتئاب إن أهمية التطبب النفسي من خلال عرض الفرص العلاجية عبر جوانب إيمانية من كتاب الله وسنة نبيه ﷺ لعلة الحزن والاكتئاب؛ لتكمن في كونها البديل الأفضل والأكمل والأسلم لمئات من أنواع الأدوية والعقاقير المهدئة والكيوفات المؤقتة، التي قد يتعود عليها الجسم، فتتحول مرضاً أفتك من الحزن والاكتئاب ذاته. ثم إن العلاج الشرعي الروحاني على وجه العموم قد يفوق العلاج السريري لهذه الظاهرة الفتاكة بمرات كثيرة. وإذا كان هناك برامج في الطب النفسي تشير أن في السباحة المائية، ومزاولة الأعمال المنزلية بصفة متكررة، علاج لهذه الأزمة، فإننا معاشر المسلمين، لا يمكن أن نتصور كون الفرد سابحاً عاملاً في منزله ليلاً ونهاراً، ولكن يمكن لنا أن نتصور هذا الفرد، متعبداً مسبحاً مستغفراً، ليله ونهاره، قيامه وقعوده، وعلى جنبه، ولا جرم، فقد وصف الله أولي الألباب بقوله: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران:١٩١] ومن هنا يأتي تفاضل الأدوية الشرعية الروحانية على المادية السريرية، رغم أهميتها، وعدم إغفال دورها الفعال في بعض الأحاين.

стр. 101

أسباب الحزن والاكتئاب

стр. 102

العقاقير الطبية وبعد يا رعاكم الله! فلسائل أن يسأل ويقول: قد عرفنا صورة هذه الأزمة، ولكن ما أسبابها الظاهرة؟ وما علاجها المرجو؟ فنقول: إن هناك مسببات طبية بحتة، لا يمكن تجاهلها إزاء المصابين بالحزن والاكتئاب، ومن أشهر هذه الأسباب: كثرة تعاطي الأدوية والعقاقير التي تؤدي بدورها إلى تغيرات كيميائية في الدماغ، الناتج عنها الإصابة بالاكتئاب نفسه، ومن ذلك أيضاً: تعاطي المخدرات والمسكرات، المؤدية إلى الإدمان المروع، والإحساس بأن الحياة لا شيء بدون معاقرتها.

стр. 103

البعد عن الله ومن ذلك العوامل الوراثية، وبعض الأمراض العضوية، ولكن الذي يعنينا هنا من على هذا المنبر، هي تلكم الأسباب التي تناولتها الشريعة الغراء، من خلال ذمها، والتحذير منها في غير ما آية أو حديث لكافة شئون الدين والدنيا، فقد جاء في القرآن الكريم ما يدل على أن خواء القلب من ذكر الله ويبس اللسان منه؛ أمارة من آمارات الضيق والنكد والحزن وكسف البال، فقد قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه:١٢٤] . وقد جاء في السنة، ما يدل على أن مواقعة المعاصي والاستهانة بها سبب رئيس من أسباب حلول هذا البلاء، فقد قال النبي ﷺ : ﴿إذا كثرت ذنوب العبد ولم يكن له ما يكفرها من العمل؛ ابتلاه الله بالحزن ليكفرها عنه﴾ رواه أحمد.

стр. 104

خواء الأفئدة من الإيمان بالله ومن أسباب ذلك أيضاً: قلق كثير من الناس، وخواء أفئدتهم من الإيمان بالله، وبقضائه وقدره، وفزعهم من المستقبل المجهول، والشعور بالوهن عن حمل المصائب وتحمل المشاق، فتجدون أمثال هؤلاء قوماً يفرقون لو يجدون ملجأ أو مغارات أو مدخلاً لولَّوا إليه وهم يجمحون.

стр. 105

الشيطان يسبب الاكتئاب والحزن ومن أسباب ذلك عباد الله: إجلاب الشيطان بخيله ورجله على ابن آدم، فيوسوس إليه ويخنس، ويقذف في قلبه الحزن والكآبة، من خلال تشويشه بكم هائل من الأحلام والرؤى الشيطانية في المنام، حتى تصبح في حياة الفرد هاجساً مقلقاً عند كل غمضة عين، ولذلك يصاب المكتئب بالأرق المزمن وقلة النوم، وقد صح عند مسلم أن النبي ﷺ : ذكر نوعاً من الرؤى وأنها تكون تحزيناً من الشيطان يحزن بها ابن آدم.

стр. 106

الديون وسبب آخر من أسباب هذه الأزمة يبرز من خلال كثرة الديون، والحمالات المالية، مع العجز والكسل عن إيفائها، أو الجبن والبخل الذي يصيب المرء حينما يبتلى بالفرق السعري، ومما يدل على أن هذا الأمر يعد أساساً في حدوث مثل هذه الظاهرة، ما رواه أبو داود في سننه أن النبي ﷺ : ﴿دخل المسجد ذات يوم، فإذا هو برجل من الأنصار يقال له: أبو أمامة فقال: يا أبا أمامة! مالي أراك جالساً في المسجد في غير وقت الصلاة؟ قال: هموم لزمتني وديون يا رسول الله! قال: أفلا أعلمك كلاماً إذا قلته، أذهب الله همك وقضى عنك دينك، قال: بلى يا رسول الله، قال: قل إذا أصبحت وإذا أمسيت: اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال، قال أبو أمامة: ففعلت ذلك، فأذهب الله همي، وقضى عني ديني﴾ . هذه بعض الأسباب لا كلها، وقد رأينا صلتها الوثيقة بما جاء التحذير عنه في ملتنا السمحة، ومنهاجنا الأغر، في حين أن جماع هذه الأسباب: هو البعد عن هداية الله، والاستقامة على طريقه، والتعلق بالأسباب الدنيوية، بعيداً عن مسببها سبحانه، ومن تعلق شيئاً فقد وكل إليه، ومن وكل إلى غير الله فقد وكل إلى ضيعة وخراب: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام:١٢٥] . قد قلت ما قلت، إن صواباً فمن الله، وإن خطأ فمن نفسي والشيطان، وأستغفر الله إنه كان غفاراً.

стр. 107

علاج الحزن والاكتئاب الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فيا أيها الناس: من باب أن نوجد شيئاً من التكامل، ولو كان مقتضباً حول الحديث عن ظاهرة الحزن والاكتئاب، فإنه من اللازم لنا أن نشير بلمحة سريعة إلى أنجع الأدوية الشرعية الروحانية، والتي لها أثر فعال من خلال نصوص الشارع والواقع المجرب، حتى من أخصائي الطب النفسي أنفسهم، ناهيكم عما بسطه أطباء القلوب وصيارفته، من علماء إسلاميين، هم قطب الرحى، والقدح المعلى في هذا المضمار.

стр. 108

العمل بأوامر الله فأول هذه الأدوية مكانة: هو قيام الأمة في مجموعها بما فرض الله عليها؛ من الجهاد في سبيل الله والدعوة إليه، والحذر من متاع الدنيا وزينتها، فبمثل ذلك يكون الانشراح والطمأنينة، ويزول الضيق والضنك، يقول الرسول ﷺ : ﴿إذا ضن الناس بالدينار والدرهم، وتبايعوا بالعينة، واتبعوا أذناب البقر، وتركوا الجهاد في سبيل الله، أنزل الله بهم ذلاً فلم يرفعه عنهم حتى يراجعوا دينهم﴾ رواه أحمد. وأخرج الطبراني مرفوعاً إلى النبي ﷺ أنه قال: ﴿عليكم بالجهاد فإنه باب من أبواب الجنة، يدفع الله به عن النفوس الهم والغم﴾ ، ولقد صدق الله إذ يقول: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة:١٤] .

стр. 109

الرضا بالقضاء والقدر ودواء آخر للحزن والاكتئاب عباد الله: يكمن في الموقف الصحيح مع القضاء والقدر، وبلوغ منزلة إيمان العبد؛ بأن ﴿ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه﴾ وأن الأمور بيد الله مقاديرها، فليس يأتيه منهيها ولا يقصر عنه مأمورها، وأن الأرزاق مقسومة والآجال محتومة، وأن نفساً لن تموت حتى تستكمل رزقها وأجلها، فالمرء يتوكل على ربه دون توتر ولا ريبة ولا قلق، فمثل هذا يستقبل الدنيا بشجاعة ويقين، ولسان حاله يقول، كما قال علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: أي يومي من الموت أفر يوم لا قدر أم يوم قدر يوم لا قدر لا أرهبه ومن المقدور لا ينجو الحذر ومن الأدوية عباد الله: تحقيق الرضا عن الله سبحانه، إذ هو المحك أمام العبد، فمن قلّ رضاه عن الله صار مرتعاً للأوهام والأحزان والأدواء، وقد سئل الحسن البصري ﵀: من أين أوتي هذا الخَلْق؟ فقال: من قلة الرضا عن الله. ونقل أبو حاتم البستي عن بعض السلف قوله: لا أعلم درجة أشرف ولا أرفع من الرضا، وهو رأس المحبة، ولذلك دعا به زكريا لولده فقال: ﴿وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً﴾ [مريم:٦] . والرضا عن الله لا يكون إلا باستحضار العبد لحكمة الله في الأقدار، وأنه لا يعطي ولا يمنع إلا لحكمة بالغة، مما يهون على المرء ما يلاقيه من المصائب والأقدار المؤلمة، بل حتى في حال الفرح كما قال سليمان ﵇: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ [النمل:٤٠] ، ويدل لذلك قول النبي ﷺ حين وفاة ابنه إبراهيم: ﴿تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول ما يسخط الرب، ولولا أنه وعد صادق وموعود جامع وأن الآخر منا يتبع الأول، لوجدنا عليك يا إبراهيم وجداً، وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون﴾ رواه البيهقي وابن ماجة، وأصله في الصحيحين، فهو ﷺ يعني بذلك: لولا أنه يعلم حكمة الله في قبضه إليه، لحزن عليه حزناً شديداً.

стр. 110

الإكثار من ذكر الله والصلاة ومن الأدوية أيضاً: كثرة التسبيح، والسجود، والعبادة، عملاً بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ * وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٧-٩٩] . وقد ﴿كان ﷺ إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة﴾ وكان يقول صلوات الله وسلامه عليه: ﴿من لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجاً، ورزقه من حيث لا يحتسب﴾ . ومن الأدوية كذلك: ما يسمى بالتلبينة؛ وهي طعام يصنع من حساء من دقيق أو نخالة، ويجعل فيه عسل أو لبن، أو كلاهما، لما رواه البخاري ومسلم من حديث عائشة ﵂، أن النبي ﷺ قال: ﴿إن التلبينة تجم فؤاد المريض، وتذهب ببعض الحزن﴾ وقوله ﷺ : ﴿تجم فؤاد المريض﴾ أي: تريحه.
следующие страницы →