Полный текст (518 стр.). Показаны 491–518 · переход к 496.
стр. 491
داء الشباب
حينما أشرق الإسلام على أهل الجاهلية؛ أتى على فاسد أخلاقهم فأبطله، وعلى المختل فعدله، وعلى الناقص فأكمله، وعلى الصالح فكلله.
فمنحهم بعد الظلم إنصافاً، وبعد العهر عفافاً، أتى بالخير للإنسان فأنقذه، وشرع الزواج وحبذه، فهو لداء الشهوة عند الشباب بلسم وعلاج، وكل عقبة توضع في طريق الزواج؛ فليست من الإسلام في شيء.
وإشكاليات الزواج في العصر الحديث هي محور هذه الخطبة، بالإضافة إلى بعض القضايا الأخرى.
стр. 492
الزواج بين الجاهلية والإسلام
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠-٧١] .
فيا أيها الناس! لقد أشرق الإسلام بآدابه وتعاليمه الخالدة، فأقر كل خير وجد في الأخلاق الأصيلة، وغسلها مما علق بها خلال القرون من الأوبار الدخيلة، ثم أكملها بما أوحى به رب السماوات والأرض إلى نبيه صلوات الله وسلامه عليه تحقيقاً لقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً * وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً﴾ [الأحزاب:٤٥-٤٦] فبعثه الله لحفظ مصالح الخلق ومقاصدهم، وسد كل ذريعة تخدش دينهم، أو تهز كيانهم، ولذا فقد أجمع الأنبياء والرسل قاطبة على الديانة بالتوحيد في مللهم، وعلى حفظ المال والنفس والنسب، وحفظ العقل والعرض، فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول الستة، فهو مصلحة، وكل ما يفوت هذه الأصول، فهو مفسدة، ودفعها مصلحة، ولأجل هذا شرع الله الجهاد لحفظ الدين، والقصاص لحفظ النفس، وحد المسكر لحفظ العقل، وحد الزنا لحفظ العرض، وحد السرقة لحفظ المال، وعقد النكاح لحفظ النسب.
стр. 493
حديث عائشة في زواج الجاهلية
أيها المسلمون! لقد ثبت عن عائشة ﵂ أنها قالت: [[كان النكاح في الجاهلية على أربعة أنحاء: نكاح الناس اليوم يخطب الرجل إلى الرجل وليته، أو ابنته، فيصدقها، ثم ينكحها، ونكاح الاستبضاع، كان الرجل يقول لامرأته إذا طهرت من حيضها: أرسلي إلى فلان، فاستبضعي منه -أي: اطلبي منه الجماع، ويعتزلها زوجها حتى يتبين حملها، فإذا تبين حملها، أصابها إذا أحب، وإنما يفعل ذلك رغبةً في نجابة الولد، ونكاح آخر يجتمع الرهط على المرأة، فيدخلون كلهم يصيبها، فإذا حملت ووضعت، ومر عليها ليال، أرسلت إليهم، فلم يستطع رجلٌ منهم أن يمتنع حتى يجتمعوا عندها، فتقول لهم: قد عرفتم ما كان من أمركم، فقد ولدت، فهو ابنك يا فلان، تسمي من أحبت باسمه، فيلحق به ولدها لا يستطيع أن يمتنع منه الرجل، ونكاح رابع يجتمع أناس كثير، فيدخلون على المرأة لا تمتنع ممن جاءها، وهن البغايا ينصبن على أبوابهن رايات تكون علماً، فمن أرادهن دخل عليهن، فإذا حملت إحداهن، ووضعت، جُمعوا لها، ودعوا لها القافة، وهم الذين يشبهون الناس، ثم ألحقوا ولدها بالذي يرون، فالتاط به -أي: التصق به وثبت النسب بينهما- ودعي ابنه، لا يمتنع منه الرجل، فلما بعث محمد ﷺ بالحق، هدم نكاح الجاهلية كله إلا نكاح الناس اليوم]] .
стр. 494
مشكلة الزواج في العصر الحديث
أيها المسلمون! النكاح عبادةٌ يستكمل بها المسلم نصف دينه، ويلقى بها ربه على أحسن حال من الطهر والعفاف، وفي كثرة النسل من المصالح الخاصة والعامة ما يساعد الأمة على تكثير سواد أفرادها، فقد قال ﷺ : ﴿تزوجوا الولود الودود، فإني مكاثرٌ بكم الأمم يوم القيامة﴾ وقديماً قيل: إنما العزة للكاثرين، ولا تزال هذه حقيقة قائمةً لم يطرأ عليها ما ينقضها.
أيها الناس! إن في البلاد المسلمة اليوم مشكلةً من أعظم المشاكل، وأعمقها أثراً في حياة الأمة المسلمة؛ إنها مشكلة الزواج، والتي تتلخص في كلمات هي أن في المسلمين آلافاً مؤلفة من البنات في سن الزواج، لا يجدن الخاطب، وآلافاً مؤلفة من الشباب لا يجدون البنات، أو لا يريدون الزواج، وهذه المشكلة الظاهرة إن لم يتنبه إليها المسلمون، ويفتحوا لها طرق العلاج بالحلال؛ فإنه لن يجد الشباب للوصول إلى حاجاتهم الغريزية إلا سلوك طريق الحرام، في نحو ما ذكرت عائشة ﵂، أو يزيد؛ لأنه من النتائج الحتمية الظهور والتي لا ينكرها عاقلٌ مسلمٌ أن الفساد الخلقي سببٌ في قلة الزواج، وقلة الزواج سببٌ في الفساد الخلقي، وهذا ما يسمى بالدور كما قال القائل:
لولا مشيب ما جفا لولا جفاه لم أشب
إن الوقدة من ضرم الشهوة في أعصاب الشاب المسلم هي داء الشباب في كل حين، ولطالما أرقت الكثيرين صغاراً وكباراً، ولطالما نفت عن عيون الكثيرين لذيذ العيش، ولطالما صرفت التلميذ عن دروسه، والعامل عن عمله، والتاجر عن تجارته، وكل هذا طبعيٌ معقولٌ، ولكن الذي لا يكون أبداً طبعياً، ولا معقولاً أن يحس الفتى، أو الفتاة بهذا كله في سن الشباب، ثم يضطرهما المجتمع بأسلوبه على مختلف المحاور إلى البقاء على العزوبة، والصرف عن الزواج من حيث يشعر، أو لا يشعر، وهذه هي المشكلة، وهي مكمن الداء، ولربما كانت بعض المجتمعات تقول للشاب بلسان حالها: اختر إحدى ثلاث كلها شر، ولكن إياك إياك أن تفكر في الرابعة والتي هي وحدها الخير وهي الزواج، وهذه الثلاث:
الاختيار الأول: إما الانطواء على النفس، وعلى أوهام الشهوة، والتفكير فيها، وتغذيتها بالروايات الرخيصة، وأحلام اليقظة ورؤى المنام؛ حتى تنتهي به الحال إلى الهوس، أو انهيار أعصابه، ولسان حاله يقول للمجتمع:
ألقاه في اليم مكتوفاً وقال له إياك إياك أن تبتل بالماء
الاختيار الثاني: وإما اللجوء إلى طرقٍ سريةٍ خفيةٍ؛ لإبراز غلة الشهوة، والتي حرمها جمهور أهل العلم عملاً بقوله تعالى: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون:٧] .
الاختيار الثالث: وإما الاغتراف من حمأة اللذة المحرمة وسلوك سبل الضلال؛ لتبذل فيها الصحة والشباب في لذة عارضة ومتعة عابرة، ثم هو لا يشبع، بل كلما واصل واحدة؛ زاده الوصال هماً كشارب الماء المالح لا يزداد شرباً إلا ازداد عطشاً.
وهذا كله نتيجة ما نحسه اليوم من جمود في حركة الزواج؛ حتى أصبحت العزوبة الممقوتة أصلاً لدى عديد من الشباب ليس بالقليل، والتي أتبعها بعد ذلك اضطراب الأقيسة الاجتماعية في طريقة اختيار القرينة عندما يرغب الشباب بالحياة الزوجية، والزواج ينبغي ألا يكون قضاء وطر، وإدراك شهوةٍ فقط، ولكن ينبغي أن يكون امتداداً لأمة تحمل رسالة نبيها ﷺ ، وبناءً لأجيال تقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور:٢١] .
стр. 495
عقبات في طريق الزواج
أيها المسلمون! لقد توصل الكثير من الباحثين في مشكلة الزواج إلى أسباب كثيرة كانت سداً منيعاً في طريق من يريد الزواج، وهم وإن اختلفوا في عدِّ تلك الأسباب ما بين مقل منها ومكثر؛ إلا أن أهمها لا يخرج عن أسباب ثلاثة:
أولها: تلكم العادات الشنيعة التي تخرب بيت الأب وبيت الخاطب معاً، وليس فيها نفعٌ لأحد، وإنما هو التفاخر والتكاثر، والتسابق إلى التبذير والترف، ولو سئل كثير من العزاب اليوم ما منعكم من الزواج؟
لكان جواب الكثيرين منهم في صوت واحد: غلاء المهور، غلاء المهور، الذي أدى بالناس إلى الازدواجية بالحياة، وفئام من الناس كأنهم يعيشون في عصر مضى، وفئام من الناس كأنهم يعيشون في عصر لم يأت بعد، فكيف إذاً يلتقي الزوجان وبينهما عصرٌ مديدٌ، هو يعيش كفافاً، وأهل الزوجة يعيشون إسرافاً، هو يريد الزواج، وأهلها يريدون الفخر والمباهاة؟
﴿جاء رجل إلى النبي ﷺ ، فقال: إني تزوجت امرأة من الأنصار، فقال له النبي ﷺ : على كم تزوجتها؟ قال: على أربع أواق يعني: مائة وستين درهماً فقال له النبي ﷺ : على أربع أواق؟! كأنما تنحتون من عرض هذا الجبل ما عندنا ما نعطيك﴾ الحديث رواه مسلم، وعندما يصل المجتمع المسلم إلى حد الرشد، فإنه لا يستطيع بطبيعة الحال أن ينظر بعين الرضا إلى التنافس الصبياني في غلاء المهور، وعشق الأثاث، ومن أبى إلا ركوب رأسه في هذا المنحدر، فإن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن.
وسبب ثانٍ من أسباب تلك المشكلة: يتمثل في قلة الدين، وتغيب العفاف الذي أدى ببعض المجتمعات في كثير من البقاع -إلا من رحم الله- إلى إقرار الاختلاط بين الجنسين، والذي أصبح وسيلة ناجحة لإطلاق عنان الغرائز، ليعيش الشباب نكوصاً على أعراض الناس، يكتفون باختلاس النظرة، واستراق اللحظة، وسلوك مسالك الغش والتضليل التي غفل عن خطرها كثيرٌ ممن حرم هداية الله.
والسبب الثالث: من أسباب تلك المشكلة هو ما يردده بعض أرباب الأفكار اللقيطة الذين ينفثون سمومهم عبر قنوات متعددة، يقررون من خلالها أن التبكير في الزواج عملٌ غير صالح، وضرب من التغرير بالمراهقين، وأنه لا ينبغي أن يغامر بعملية الزواج قبل التزود الكافي من التجارب، وفي ذلك قال قائلهم: لا قبل لي بهذا المعني الذي يسمونه الزواج، فما هو إلا بيت ثقله على شيئين: على الأرض، وعلى نفسي، وأطفال يلزمونني عمل الأيدي الكثيرة من حيث لا أمد إلا يدين اثنتين، وأتحمل منهم رهقاً شديداً، ومن ثم سيصبحون عالةً على المجتمع، ومن الذي تعرض عليه الحياة سلامها وأشواقها في مثل رسالة غرام، ثم يدع ذلك كله، ويتزوجها، فكأنه بذلك يسألها غضبها وخصامها في نحو قضية من قضايا المحاكم كل ورقة فيها تلد ورقة.
وطبعياً أن يكون لمثل هذا الصدى مريدون ومريدات، يضعون مثل هذه الترهات في مقام القداسة والتعظيم، حتى يقف بهم الأمر لأن يكون الواحد منهم خواراً جباناً، لا يستطيع أن يحمل أثقالاً مع أثقاله، ويستوطن العجز والخمول، فلا يكون إلا قاعد الهمة رخو العزيمة، وكل شاب تلك حاله، فهو حادثة ترتبط بالحوادث وتستلزمها، ولا يأتي السوء إلا بمثله، أو بأسوأ منه، فيشهد العزب بنفسه أنه يبتلى بالعافية، مستعبد بالحرية، مجنون بالعقل، مغلوب بالقوة، شقي بالسعادة، وما علم أولئك أن رسول الله ﷺ قد ألجمهم بقوله: ﴿يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة، فليتزوج؛ فإنه أحصن للفرج، وأغض للبصر، ومن لم يستطع، فعليه بالصوم، فإنه له وجاء﴾ قال تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور:٣٢] .
قال أبو بكر ﵁ وأرضاه: [[أطيعوا الله فيما أمركم به من النكاح؛ ينجز لكم ما وعدكم به من الغنى]] .
بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 496
أثر الزواج في الحياة ومكانة الأبناء في النفس
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد:
فيا أيها الناس! بالنكاح يلتئم الشعث، وتسكن النفس، ويطمئن القلب، ويستريح الضمير من تعب التفكير، ويحصل الولد، ويعمر البيت، وتتم به نعمة الله على الزوجين، ولن تكمل الرجولة حتى يتزوج الشاب، أما الذي لا زوجة له ولا ولد، فرحمته بالناس مفقودة، وشفقته عليهم غير موجودة، لا يهمه إلا بطنه وظهره، ولا يجمع من المال إلا ما يكفيه لحياته، هو عالةٌ على أهله في صغره غير مأمولٍ في كبره، إذا طال عمره؛ فغير ملتفت إليه، وإذا مات؛ فغير مبكي عليه، ومن رغب عن النكاح فقد ترهب، وعنده يقف بعض نسل ابن آدم، من جهته تنقطع الأبوة والبنوة، فلا يذكر إلا بعلم علمه، أو مال ترك منه صدقة جارية.
[[دخل الأحنف بن قيس رحمه الله تعالى على معاوية ﵁ وأرضاه، ويزيد بين يديه، وهو ينظر إليه معجباً به، فقال: يا أبا بحر ما تقول في الولد؟ فعلم ما أراد، فقال: يا أمير المؤمنين هم عماد ظهورنا، وثمر قلوبنا، وقرة أعيننا، بهم نصول على أعدائنا، وهم الخلف لمن بعدنا، فكن لهم أرضاً ذليلةً، وسماءً ظليلةً، إن سألوك فأعطهم، وإن استعتبوك فأعتبهم، لا تمنعهم رفدك، فيملوا قربك، ويكرهوا حياتك، ويستبطئوا وفاتك، فقال: لله درك يا أبا بحر هم كما وصفت والله]] .
هذا وصلوا رحمكم الله على خير البرية، وأزكى البشرية جمعاء محمد بن عبد الله بن عبد المطلب سيد المرسلين، وإمام الغر المحجلين، اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد صاحب الوجه الأنور، والجبين الأزهر، وارض اللهم عن الخلفاء الأربعة أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وجودك وكرمك يا أرحم الراحمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، ودمر أعداءك أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين.
اللهم انصر من نصر الدين، واخذل من خذل عبادك المؤمنين، اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين، اللهم وفق إمامنا لما تحب وترضى، وخذ بناصيته إلى البر والتقوى، اللهم أصلح له بطانته يا ذا الجلال والإكرام.
رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أغثنا، اللهم لا تدع لنا في مقامنا هذا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا حاجةً من حوائج الدنيا والآخرة هي لك رضا، ولنا فيها صلاح إلا أعنتنا على قضائها ويسرتها برحمتك يا أرحم الراحمين!
عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ.
стр. 497
حقوق الإنسان الزائفة
لقد تكالب أعداء الإسلام على الأمة الإسلامية، بهدف النيل من دينها ومعتقداتها، فانطلقت الشعارات الزائفة، والدعايات الخداعة، والنداءات الفاجرة إلى ما يسمى بحقوق الإنسان وتحرر المرأة.
وإن المتأمل للدين الإسلامي يجد أن الشريعة الإسلامية ضامنة للمصالح العامة وكامل الحريات مبنية على الرحمة والعدل.
стр. 498
ضمانة الشريعة الإسلامية للمصالح العامة
الحمد لله سبحانه، أنعم على العباد بدينه القويم ودعوته، ومنَّ عليهم بشرعته وصبغته، وأكرمهم بتوضيح الطريق إلى مرضاته: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً﴾ [المائدة:٣] .
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ * وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:٨٤-٨٥] لا إله إلا هو سبحانه: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ [يونس:٣١] يسبح له الليل إذا عسعس، والصبح إذا تنفس، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله، قائد المجاهدين، وإمام المتقين، قضى دهره لله عابداً، وأفنى عمره فيه مجاهداً، فصلوات ربي وسلامه عليه، وعلى آله وأصحابه الأتقياء البررة، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
مهما يكن من شيء بعد فوصيتي لكم ونفسي بتقوى الله سبحانه، فهي عماد المؤمن في الدنيا، وأنيسه في قبره، وسلوانه في وحشته، ودليله في الأخرى، يوم يلقى الله سبحانه في جنات النعيم.
стр. 499
الحق في اتباع شرع الله
عباد الله: إننا لنعلم بالضرورة، أنه لا يجوز للناس أن يتخذوا غير الله رباًَ أو حكماً، وأن من فعل ذلك أو همَّ به فهو جاحد للحق، خائن للنعمة، وكذا من اتبع غير ما شرعه الله، أو حكم بغير ما أنزله الله، إنما هو مهمل للتشريع الإلهي، ومعتنق للقوانين البشرية، في عبث شائن، وجاهلية منكرة: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً﴾ [الأنعام:١١٤] .
لم تترك أحكام الله إلا ببواعث الهوى، غير أنه منظم مُزَوَّق، وكأنه منطق العقل الرشيد، وهدي المصلحة الزائفة التي لا تتصل بحنايا القلوب: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [البقرة:١٤٧] ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ * لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص:٨٧-٨٨] .
إن الشريعة الإسلامية ضمانة للصالح العام، وهي مبنية على الرحمة والعدل، والخير الذي يأمر الله عباده به -وما يأمر إلا بخير، تعود غايته لإسعاد الناس في عاجلهم وآجلهم- والشر الذي نهاهم عنه، وما ينهى إلا عن شر، ليس إلا وقاية لهم من أذىً قريب أو بعيد، أو من سوء مغبة جلية أو خفية.
стр. 500
تكريم الإسلام للإنسان
ولذا سما الإسلام بالإنسان روحاً وجسداًَ، عقلاً وقلباً، ولم يضع في عنقه غلاً، ولا في رجله قيداً، ولم يحرم عليه طيباًً، كما أنه لم يدعه كالكرة تتخطفها مضارب اللاعبين، فتتهادى في كل اتجاه، بل خاطبه ربه خطاباً صريحاً: ﴿يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الانفطار:٦-٨] ﴿يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ﴾ [الانشقاق:٦] .
يقول ابن القيم ﵀: اعلم أن الله اختص نوع الإنسان من بين خلقه بأن كرّمه وفضّله وشرّفه، وأنزل إليه وعليه كتبه، وأرسله وأرسل إليه، فللإنسان شأن ليس لسائر المخلوقات؟
ومِن ثَمَّ عباد الله! فإن الناس في هذه القضية طرفان:
فالماديون التحرريون: قالوا: إن الإنسان يعيش لنفسه، ومتاع الدنيا، فإذا كان الأحمق منهم يعيش ليأكل؛ فإن العاقل منهم يأكل ليعيش.
وأما المؤمنون الموحدون: فقالوا: إنما يعيش الإنسان لربه الأعلى، ولحياته الباقية الأخرى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون:١١٥] .
стр. 501
دعوة أهل الكفر إلى مبادئ حقوق الإنسان الزائفة
بَيْد أن أهل الكفر -عباد الله- قد بذلوا غاية وسعهم في الدعوة إلى قضية كبرى، وراءها ما وراءها من الخطورة على الفكر، والوعورة في المسلك، ألا وهي ما أسموها "مبادئ حقوق الإنسان" وجعلوا الحريات حسب مفهومهم العلماني الرافض للفطرة السليمة -التي فطر الله الناس عليها- سبباً يبيحون به تدمير الأخلاق، ويشيعون به فوضى الغرائز في ديارهم، والبلاد التي تشبهها أو تقتدي بها، حتى تتلبس بلباس العلمانية المخيط من جراء التحرر من الدين، وتنحيته عن واقع الحياة، وهم يزعمون أنها مبادئ الحضارة، والتقدم والرقي، من خالفها وكابر فيها رموه بأنه مخالف لمبادئ حقوق الإنسان، وليست من الحق في وَرْدٍ ولا صَدَر، ولا هي من دابَتِه، حيث إن حلوها مر، وسهلها صعب، ودماثتها دميمة.
ولقد صدقوا ظنهم؛ فاتبعهم أَغْرارٌ ولهازم من مفكرين وكُتّاب في العلوم السياسية والاقتصادية والقانونية وعلم الاجتماع، وأخذوا في الدعوة إلى حقوق الإنسان على ما يريده الغرب الحاقد، ومن عامة الناس أشياع لهذه الدعوات والواردات، يتنكرون لأصول دينهم، إبَّان سِنَةٍ من ذوي الإصلاح والتوجيه، ويظنون أن في مبادئ حقوق الإنسان النضج والخروج من المأزق.
وأن ما يأتي من ديار الإسلام قديم بالٍ؛ حتى وقعت مواقع بين الطرفين، وكان سلاحها من أولئك قذائف الزندقة والكفر، ومن أولاء دروع الاستكانة، والتخاذل عن القيام بالواجب.
стр. 502
شعارات حقوق الإنسان الزائفة
هذه المبادئ التي أرادوها، تمثلت في شعار الحرية والمساواة والإخاء، ويا لله! إلى أي مدىً بلغت هذه المبادئ من تضليل الشعوب؟! بَيْد أن الجميع غير قادرين على أن يصلوا إلى نقطة ارتكازٍ ينبثق منها هذا المبدأ المزعوم، فماذا تعني عندهم كلمة الحرية والمساواة والإخاء؟
أهي في الفكر أم الاقتصاد؟
أم الصحافة؟
أم الاجتماع؟
وإذا سلمنا جدلاً أنها تعني هذه المعايير كلها، فمن الذي يحدد نسب هذه الحريات وحدودها؟ أهو السلطان؟ أم الشعوب؟ أم الشعار نفسه؟
والواقع المشاهَد -عباد الله- أن منشئي معاني هذه المبادئ لم يصلوا إلى تحديد الوِجهة، ولا زالوا يعانون بمشكلات هذه الطروحات.
والحق عند من كان خصب الحدس، واسع العلم أن هذا كله كان ألفاظاً ورسوماً لمقررات اليهود وحكمائهم، والتي قالوا فيها: كنا أول من اخترع كلمات الحرية والمساواة والإخاء، التي أخذ العميان يرددونها في كل مكان، دون تروٍّ، بل إنها جلبت لنا أعواناً من جميع أنحاء الدنيا.
والحق -عباد الله- أنه مخطئ من ظن يوماً أن للثعلب ديناً.
стр. 503
اتهام الإسلام بالقسوة والجفاء
أيها المسلمون: إن الكثيرين يسمعون ويشاهدون في صحف العالم تارة، وفي المنتديات المقنعة تارة، لَغَطاً جهولاًَ، مصحوباً بقلم متعثر، وفكر في كل وادٍ منه شعبة، حول قسوة القيود التي جاء بها الشارع الحكيم، ورميها بأحد العبارات المُسِفَّة، ودهماء الناس مشغولون بالجدل والحوار، حول ما يثيرونه، ويتوهمون أنها مشكلات حقيقية لا بد لها من حلول، فيقدحون في التشريع، ويهوِّسون في الحدود، ويفتحون ملف المرأة على أنها مهضومة الحق، أسيرة الكبت، لا حظ لها في الحد من الفوضى، ولا قدم لها في المنتديات أو الدوائر المكشوفة، وأنها متى رغبت في أخذ حقها المزعوم، أو التعبير عن رأيها الفاضح، فليس لها إلا أن تتسلل لواذاً على تخوُّف، لا يزيله إلا تقادم الأيام ومر الليالي.
ونظن أن خطورة مثل هذه القضية قد تبدت خطوطها، ولا يُظن بالطبع أن ما بقي من ألوانها ورسومها بمعجزنا أن نتخيله، فمواقعوها صنف من الناس، يتمددون بالحرية، وينكمشون بالإسلام، وكفاكم مِن شرٍ سماعُه، وتلكم عمالة نعيذكم بالله من غائلتها، يشوشون حق المرأة، ويطلبون إنصافها، فطبوا بذلك زكاماً، في حين إنهم ما أحدثوا إلا جذاماً، وحلوا بزعم منهم عُقداً، وبالذي وضعوه زادت العقد، ولا غرو أن يحصل هذا -عباد الله- إذا نطقت الرويبضة، ولا جرم أنه:
لا يصل العطّاش إلى ارتواءٍ إذا استَقَتِ البحار من الركايا
ومن يثنِ الأصاغر عن مراد إذا جلس الأكابر في الزوايا
стр. 504
فساد الطوية عند دعاة الحرية
إني أسائلكم -عباد الله- ما هذه الحرية التي يطبلون لها ويزمرون، ويجعلون الاعتداء عليها أو التطرق لنقدها كفراً بها وبـ الديمقراطية، ما هذا كله؟ أهي حرية المرأة في أن تخلع جلباب حيائها، وتكشف من جسدها ما تريد؟ أم هي حرية الفسوق والعصيان اللذين كرَّهَهُما الله إلى السلف الصالح فقال: ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ * فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الحجرات:٧-٨] .
إنهم بين أمرين لا ثالث لهما:
إما إنهم يَهْرِفُون بما لا يفقهون.
وإما إنهم يتسترون بالألقاب والمسميات الخلابة، من حرية وإخاء وفكاك من إصرٍ وأغلال والله يقول: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ﴾ [الانشقاق:٢٣] والمثل السائد: (وتحت الرَّغوَة اللَّبنُ الصريح) .
وإلا فأي أمة تصنع هذا الصنيع، وهي تريد أن تكون ممن يرد حوض نبيها ﷺ ؟! أتريد أن تكون بِدْعاً من الأمم، تأخذ من كل أمة شر ما عندها، وتدعو إلى أن تبدأ حياتها الاستقلالية بهذه الأخلاط من الشرور المركبة تركيباً مزجياً، يمنعها من الصرف والعدل، إنه والله طريق الموت الحاضر، لا طريق الحياة، قال رسول الله ﷺ : ﴿كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى، قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى﴾ رواه البخاري.
стр. 505
هل من مبلغ عنا الرعاع من بني قومنا ؟
ولكن مَن مُبْلِغ عنا الرِّعاعَ من بني قومنا أن دعاة حقوق الإنسان وأبواقهم، قد رأوا الناس يدخلون في دين الله أفواجاًَ، وخافوا بذلك أن تفوتهم حظوظ من الدنيا، بانقطاع لذائذهم وانتشال علائقهم، فتقدموا حاقدين، ضامرين للغدر، ناسين أن الله سميع بصير، وأنه خيرٌ حافظاً، وهو أرحم الراحمين.
كما أنه كتب على نفسه أنه سيبلغ هذا الدين كما قال ﵊: ﴿ليبلغن هذا الدين ما بلغ الليل والنهار، حتى لا يدع بيت مدر ولا وبر إلا أدخله هذا الدين، بعز عزيز أو بذل ذليل، عزاً يعز الله به الإسلام، وذلاً يذل الله به الكفر﴾ .
ولمثل هذا فليبك الباكي حسبكم بالبيود من هلاكي
قال رسول الله ﷺ : ﴿والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحدٌ من هذه الأمة، يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أُرْسِلْتُ به إلا كان من أصحاب النار﴾ رواه مسلم.
стр. 506
حقوق الإنسان في الإسلام
برزت لنا حقوق الإنسان على ما أراده الشرع الحكيم، ممثل في خطاب النبي ﷺ في حجة الوداع: ﴿إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا﴾ .
وقد ترجم البخاري ﵀ في صحيحه باباً، فقال: " ظهر المؤمن حمىً إلا من حد أو حق " وتفسير هذه القاعدة يتمثل في أن حقوقه محمية، إلا إذا ارتكب ما يُوجب العقوبة عليها، كما أنها تعني كذلك وجوب تطبيق الحدود، والغيرة على حرمات الله، لقول عائشة ﵂: ﴿والله ما انتقم رسول الله ﷺ لنفسه في شيء يؤتى إليه قط، حتى تُنْتَهك حرمات الله، فينتقم لله﴾ رواه البخاري.
ومن معاني القاعدة أيضاً: المساواة أمام العقوبات بين الشريف والوضيع؛ لأن الغاية هي المحافظة على حقوق الجميع، عملاً بقوله ﷺ : ﴿إنما أهلك من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، والذي نفسي بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها﴾ رواه البخاري.
كما أن من معاني تلك القاعدة العظمى: المحافظة على حقوق أهل الذمة، وهم الكفار، الذين يدخلون في ذمة المسلمين، فإن دخلوا تحت أحكامهم حفظوا لهم حقوقهم ما داموا في ذمة الله ورسوله ﷺ ، وأقاموا عليهم الحدود فيما يعتقدون تحريمه، كالزنا ونحوه.
فعن البراء بن عازب ﵁ قال: ﴿مُرَّ على يهودي مُحَمَّماً مجلوداً، فدعاهم النبي ﷺ فقال: أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ قالوا: نعم، فدعا رجلاً من علمائهم، فقال: أنشدك بالله، الذي أنزل التوراة على موسى، أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ قال: لا، ولولا أنك ناشدتني بهذا لم أخبرك، نَجِدهُ الرجم، لكنه كثر في أشرافنا، فقلنا: إذا أخذنا الشريف تركناه، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد، قلنا: تعالوا فلنجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع، فجعلناه التحميم والجلد مكان الرجم، وقال رسول الله ﷺ : اللهم إني أول من أحيا أمرك إذْ أماتوه فأمر به فرُجم، فأنزل الله: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ [المائدة:٤١] ﴾ الحديث رواه مسلم.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.
قد قلتُ ما قلتُ، إن صواباً فمن الله، وإن خطأً فمن نفسي والشيطان، وأستغفر الله، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 507
وجوب الدفاع عن الشريعة الإسلامية
الحمد لله حمداً كثيراًَ طيباً كما أمر، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله سيد البشر، والشافع المشفع في المحشر، صلى الله عليه وعلى آله السادة الغُرَر.
أما بعد:
عباد الله: فإننا من هذا المقام لنذكر المصلحين من أمتنا بوجوب الدفاع عن الشريعة الإسلامية من منطلق عقدي صحيح، وبيان مقاصد الشريعة في حدودها، وما تنطوي عليه من حفظ للدين والنفس والعقل والعرض والمال، كلٌّ حسب طاقته ووُسعِه، مع كشف الجوانب المظلمة التي تضمنتها مبادئ حقوق الإنسان، والرد على من أسموا أنفسهم بالمفكرين أو المتنورين، الذين انخدعوا بتلك الشعارات، وخدعوا الأمة الإسلامية بها، وما طرحنا لهذه القضية إلا كنفثة مصدور ولا بد للمصدور أن ينفث، والمشاهَد -عباد الله- أن الكأس تفيض عند امتلائها.
стр. 508
الولاء والبراء في الإسلام
كما أنه ينبغي التنبيه إلى أمر مهم قد يخفى على البعض منا، وهو أن من مستلزمات الأخذ بمبادئ حقوق الإنسان هو الجلوس على موائد أهل الكفر المستديرة، في ندواتهم ومقرراتهم، والتي مفادها هدم ركن ركين، وأصل أصيل من أصول الإسلام، ألا وهو ركن الولاء والبراء، أعني: الولاء للمؤمنين، والبراء من الكافرين، الذي هو من لوازم كلمة التوحيد: (لا إله إلا الله، محمد رسول الله) ذلك اللازم المؤكد في مثل قوله تعالى: ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:٢٨] .
وفي مثل قول المصطفى ﷺ لـ جرير بن عبد الله البجلي لما بايعه على الإسلام، قال له: ﴿أن تنصح لكل مسلم، وتبرأ من الكافر﴾ رواه أحمد.
قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، العالم المجدد لما اندرس من معالم الإسلام في القرن الثاني عشر " فأما صفة الكفر بالطاغوت، كأن تعتقد بطلان عبادة غير الله وتتركها وتبغضها وتكفر أهلها وتعاديهم ".
وذكر ﵀ أن من نواقض الإسلام: " أن من لم يكفّر المشركين، أو يشك في كفرهم، أو يصحح مذهبهم كَفَرَ ".
وقال ﵀: " ومظاهرة المشركين، ومعاونتهم على المسلمين كُفْرٌ، والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة:٥١] ".
اللهم صلِّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين, واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين.
اللهم انصر من نصر الدين، واخذل من خذل عبادك المؤمنين، اللهم انصر المجاهدين الذين يجاهدون في سبيلك في كل مكان.
اللهم فرج همَّ المهمومين من المسلمين، ونفس كرب المكروبين، واقض الدين عن المدينين، واشف مرضانا ومرضى المسلمين، برحمتك يا أرحم الراحمين!
اللهم ولِّ على المسلمين خيارهم، واكفهم شرارهم، اللهم اجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك، واتبع رضاك، يا رب العالمين.
اللهم وفق ولي أمرنا لما تحبه وترضاه، من الأقوال والأعمال يا حي يا قيوم، اللهم أصلح له بطانته، يا ذا الجلال والإكرام.
رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
стр. 509
حاسبوا أنفسكم
تحتاج النفس إلى ترويض وتهذيب حتى ترقى إلى مرتبة الاطمئنان، وإن من أجدى الوسائل في الترويض المحاسبة، فتحاسب النفس عما تذر وتفعل مع استشعار رقابة الله تعالى، ومن حاسب نفسه في الدنيا خف حسابه في الآخرة.
стр. 510
ضرورة المحاسبة لبناء الأمة
الحمد لله الواصل الحمد بالنعم، والنعم بالشكر، نحمده على آلائه كما نحمده على بلائه، ونستعينه على نفوسنا البطاء عما أمرت به، السراع إلى ما نهيت عنه، ونستغفره مما أحاط به علمه، وأحصاه كتابه، علمٌ غير قاصر، وكتاب غير مغادر، خلق الإنسان، وبصره بما في الحياة من خير وشر ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾ [الإنسان:٣] وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، خلق كل شيء فقدره تقديرا، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله شاهداً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
فأوصيكم -أيها الناس- ونفسي بتقوى الله ، فإن تقوى الله سبحانه دار حصن عزيز، تمنع أهلها وتحرز من لجأ إليها، وبها تقطع حمة الخطايا، فهي النجاة غداً والمنجاة أبداً.
أيها الناس: إن للأمم مع نفوسها غفوة تعقبها غفوات، وللأفراد المنفردين كما للأمم والشعوب سواءً بسواء، وإذا كانت غفوة الفرد تُعَدُّ بالساعات؛ فإن غفوة الأمم تعد بالسنين؛ لأن السنة في حياة الأمة تقوم مقام اليوم أو بعضه في حياة فرد من الأفراد، وحينما تتعرض الأمم للنكبات تزلزلها وتبلبلها؛ يكون حتماً على أفرادها ومجتمعاتها، أن يعودوا إلى أنفسهم ليتبينوا مواضع أقدامهم، ويبصروا مواقع خطواتهم، فيصححوا ما في واقعهم من أخطاء، أو ليرقعوا الفتوق الناتجة عن الغفلة وقلة الاكتراث؛ حتى تعود نفوسهم لبنات صالحة؛ لإقامة صرح الأمة المشيد، ولذلك يقول الحق جلَّ وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١] ويقول جلَّ شأنه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [المائدة:١٠٥] ويقول المصطفى صلوات الله وسلامه عليه: ﴿عليك بنفسك﴾ رواه أبو داود والترمذي.
стр. 511
استشعار رقابة الله
عباد الله: إن الفساد في الدنيا إنما يكون ظاهراً جلياً، حينما لا يظن المجتمع أو بعض أفراده حساباً؛ لا يظنون حساباً من رب قاهر، أو من ولي حاكم، أو من مجتمع محكوم، أو من نفس لوَّامة، وحينما لا يظن المجتمع أو بعض أفراده حساباً على تصرفاتهم؛ فإنهم ينطلقون في حركاتهم كما يحبون، ويموتون كما يشتهون، وكما تهوى أنفسهم، فيتقلبون على الحياة ودروبها، بلا زمام ولا خطام، فيتشبهون بأهل النار من حيث يشعرون أو لا يشعرون ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا لا يَرْجُونَ حِسَاباً * وَكَذَّبُوا بِآياتِنَا كِذَّاباً﴾ [النبأ:٢٧-٢٨] فهؤلاء لم يكونوا مؤمنين بالمُحَاسِبْ، ولا موقنين بالمُحَاسَبْ، لو أن الأمم والمجتمعات يخبطون في الدنيا خبط عشواء، ويتصرفون على ما يحلو لهم دون معقب أو حسيب، لجاز على تفريط وحمق أن يبعثروا حياتهم كما يبعثر السفيه ماله، فكيف ولِله حَفَظَةٌ يدونون مثقال الذرة ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ [الكهف:٤٩] .
والذي ينبغي على الناس بعامة أن يكونوا على وعي وبصيرة بمقدار ما يفعلون من خطأ أو صواب، والحق -عباد الله- أن هذا الانطلاق في مهامه الحياة أفراداً وجماعات دون اكتراث بما كان أو يكون، أو الاكتفاء بنظرة خاطفة لبعض الأعمال البارزة أو الأعراض المخوفة، الحق أن ذلك نذير شؤم والعياذ بالله.
وقد عده الله في كتابه الكريم من الأوصاف التي يعرف بها المنافقون الذين لا كياسة لديهم، ولا يقين لهم: ﴿أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [التوبة:١٢٦] .
стр. 512
ترويض النفس على الاستقامة
إن العقول السوية والفطرة السليمة، لن تخرج عن إطارها؛ إذا اعتبرت النفس الصالحة هي البرنامج الوحيد لكل إصلاح، وأن ترويضها للاستقامة وتذليلها للطاعة هو الضمان الحي لكل حضارة ورفعة، وإن النفس إذا اختلَّت وزلَّت أثارت الفوضى في أحكم النظم، والبلبلة في كنف الهدوء، واستطاعت النفاذ من ذلك إلى أغراضها الدنيئة، ومطامعها المريبة، والنفس الكريمة ترقع الفتوق في الأحوال المختلفة، ويشرق نُبلها من داخلها، فتحسن التصرف والمسير وسط الأنواء والأعاصير.
إن القاضي المسلم النزيه يكمل بعدله وتقواه نقص المتداعين الغششة، والقاضي الجائر يستطيع الميل بالنصوص المستقيمة، ولي أعناقها؛ لتحقيق رغباته، وإشباع شهواته، وقائد القاضيين كليهما هي النفس ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس:٧-١٠] .
أيها الناس: إن أصعب الأشياء مجاهدة: النفس ومحاسبتها؛ لأنها تحتاج إلى صناعة عجيبة، وقدرة رهيبة، فإن أقواماً أطلقوها فيما تحب؛ فأوقعتهم فيما كرهوا، وإن آخرين بالغوا في خلافها حتى ظلموها ومنعوها حقها، وأثر ظلمهم لها في تصرفاتهم وتعبداتهم، ومن الناس من أفرد نفسه في خلوة وعزلة؛ أثمرت الوحشة بين الناس، وآلت به إلى ترك فرائض أو فضل؛ من عيادة مريض؛ أو بر والدة.
وإنما الحازم المحكم من تعلم منه نفسه الجد وحفظ الأصول، فالمحقق المنصف: هو من يعطيها حقها، ويستوفي منها ما عليها، وإن في الحركة بركة، ومحاسبة النفس حياة، والغفوة عنها لون من ألوان القتل صبراً.
стр. 513
عاقبة محاسبة النفس
عباد الله: لقد قال الله جلَّ وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر:١٨] إن العبد المسلم لن يبلغ درجة التقوى؛ حتى يحاسب نفسه على ما قدمت يداه، وعلى ما يعقد عليه العزم من شئونه في جميع الأمور، فينيب إلى الله مما اجترح من السيئات؛ ملتمساً عفو الله ورضاه، طامعاً في واسع رحمته وعظيم فضله.
ومحاسبة النفس المؤمنة سمة للمؤمن الصالح ﴿الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني﴾ والذنوب واردة على كل مسلم ولكن لا بد لها من توبة، ولا توبة دون محاسبة، يقول الرسول ﷺ : ﴿كل ابن آدم خطَّاء، وخير الخطائين التوابون﴾ رواه الترمذي.
يتوب العبد بعد أن يحاسب نفسه، ويحاسب نفسه لينجو من حساب الآخرة؛ فإن الشهود كثير، ولا يملك العبد في الاحتيال من فتيل ولا نقير ولا قطمير ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [فصلت:٢١] ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ [الزلزلة:٤] يقول الصحابة ﵃: ﴿يا رسول الله! وما أخبارها؟ قال: أن تشهد على كل عبد أو أمة بما عمل على ظهرها، تقول: عملت كذا وكذا في يوم كذا وكذا﴾ رواه أحمد وغيره.
стр. 514
وصية عمر لمحاسبة النفس
فنظّر الله الخليفة الراشد ورضي عنه ذا الكلمة الراشدة؛ الراسمة طريقة النجاح: [[حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوها قبل أن توزنوا، وتأهبوا للعرض الأكبر على الله]] ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٨] .
إن ارتفاع النفس ونضوجها لا يتكون فجأة، ولا يولد قوياً ناضجاً دونما سبب، بل يتكون على مُكْثٍ، وينضج على مراحل، وإن ترويض النفس على الكمال والخير، وفطامها عن الضلال والشر يحتاج إلى طول رقابة، وكرَّات حساب.
وإن عمارة دار جديدة على أنقاض دار خربة لا يتم طفرة بارتجال واستعجال، فكيف ببناء النفس وإنشائها المنشأ السوي! وإذا كانت النفس الرديئة دائمة الإلحاح على صاحبها تحاول العوج بسلوكه بين الحين والحين؛ فلن يخفف شرها علاج مؤقت، وإنما تحتاج إلى عامل لا يقل قوة عنها، يعيد التوازن على عجل إذا اختل ألا وهو عامل المحاسبة.
إنه لا أشد حمقا، ولا أغرق غفلة؛ ممن يعلم أنه يحصى عليه مثاقيل الذر، وسيواجه بما عمله من خير أو شر، ويظل في سباته العميق لاهياً غير مستعتب لنفسه، ولا محاسب لها، يمسي على تقصير، ويصبح على تقصير، سوء يتلوه سوء، كذب وزور، غيبة ونميمة، حسد وتشفٍّ، دجل وفجور، فجور في السلوك، وفجور في التطاول بالسوء على من سوى نفسه وأهله، يقول أحد السلف ﵀: من حاسب نفسه قبل أن يُحاسب؛ خفَّ في القيامة حسابه، وحضر عند السؤال جوابه، وحسن منقلبه ومئابه، ومن لم يحاسب نفسه دامت خسارته، وطالت في عرصات القيامة وقفاته، وقادته إلى الخزي والمقت سيئاته.
стр. 515
علاج غلبة النفس والهوى
أيها المسلم: يا رعاك الله! إن قهرتك النفس بغلبتها، فصل عليها بسوق العزيمة، فإنها إن عرفت جدك، استأسرت لك، فالدنيا والشيطان خارجان عنك، والنفس عدو مباطن لك، ومن أدب الجهاد ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ﴾ [التوبة:١٢٣] إن مالت إلى الشهوات فألجمها بلجام التقوى، فإن رفعت نفسها بعين العجب؛ فذكرها حقارة أصلها ومهانته ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ [المرسلات:٢٠] فإنك والله ما لم تجد مرارة الدواء في حلقك؛ لم تقدر على ذرة من العافية في بدنك، النفس المريضة كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث.
والمعلوم المشاهد أنه متى قوي عزم المجاهدة للنفس؛ لانت له بلا حرب، ولما قويت مجاهدة النبي ﷺ تعدت إلى كل من تعدى، فأسلم قرينه صلوات الله وسلامه عليه، والفاروق ﵁، يشيد به المصطفى ﷺ : ﴿إيه يا بن الخطاب! والله ما رآك الشيطان في فج إلا سلك فجاً غير فجك﴾ .
стр. 516
مجاهدة النفس فرض عين
فيا أيها المسلم! بدل اهتمامك لك باهتمامك بك، واسرق منك لك فالعمر قليل، تظلَّم إلى ربك منك، واستنصر خالقك عليك، يأمرك بالجد وأنت على الضد! أبداً تفر من الزحف، وما ارتقيت درجة مجاهدة النفس ومحاسبتها، أتروم حينها الحصاد وأنت لم تبذر بعد؟! فإن النفس لن ترضى إذا لم تروض؛ لأنها سبع عقور، وإنما يراد الصيد لا العضود ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات:٤٠-٤١] إن النفس إذا كانت تهوى وتشتهي، والمرء ينهاها ويزجرها كان نهيه إياها عبادة لله تعالى يثاب عليها، يقول ﷺ : ﴿المجاهد من جاهد نفسه﴾ رواه الترمذي، وقال: حسن صحيح.
والمرء إلى جهاد نفسه أحوج منه إلى جهاد الكفار، فإن هذا فرض كفاية، وجهاد النفس فرض عين، ومن جاهد النفس لا يكون محموداً فيه إلا إذا غَلَب، بخلاف جهاد الكفار، فإنه كما قال جل وعلا: ﴿وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً﴾ [النساء:٧٤] وأما المجاهد نفسه فإذا غُلِب كان مذموماً ملوما، ولهذا يقول المصطفى ﷺ : ﴿ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب﴾ رواه البخاري ومسلم.
стр. 517
الوقوف مع النفس قليلاً
فما أحرانا -معاشر المسلمين- بالمحاسبة مع أنفسنا، وما أحرى وأحق أن يقف المسلم مع نفسه بذلك مذكراً لها، ومحاسباً إيَّاها عما أسلفته بحق وصدق معاتباً لها: وَيْحَكِ أيتها النفس! ما دورك؟! وما أشد غفلتك وسِنَتَكِ؟! ما موقفك من فرائض الإسلام، وشرائع الدين وقضاياه، وما يتطلبه من جد وتضحيات؟ قال مالك بن دينار: رحم الله عبداً قال لنفسه: ألست صاحبة كذا؟ ألست صاحبة كذا؟ ثم ذمها، ثم خطمها، ثم ألزمها كتاب الله تعالى فكان لها قائداً.
عباد الله: اتقوا الله واعلموا أن محاسبة النفس ميدان جهاد لا يحتاج إلى جيوش ولا مجنزرات، ولكنه يحتاج إلى جيش الهمة والعزيمة؛ ولا بد لنا -معشر المسلمين- من معركة مع أنفسنا؛ لنصلح بعد ذلك للمعركة مع أعدائنا، ولنتذكر قول ربنا: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران:٣٠] .
بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة، ونفعني وإياكم بما فيهما من الآيات والحكمة، أقول ما تسمعون وأستغفر الله فاستغفروه إنه كان غفاراً.
стр. 518
النفوس ثلاثة أنواع
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه؛ كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله وصحبه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فاتقوا الله أيها المسلمون! ثم اعلموا أن النفوس ثلاث:
الأولى: نفس أمارة بالسوء.
والثانية: نفس لوَّامة.
والثالثة: نفس مطمئنة.
ولا شك أن شر هذه النفوس: هي الأمارة بالسوء، الداعية إلى الضلال، المحرضة صاحبها على الانحراف والاعتساف، والإنسان الغافل الضال حينما تدركه رحمة خالقه؛ ينازع نفسه بعد طول شقاء وعناء، ويقاومها لينقلها من منبت السوء إلى منبت الخير والرفعة، ويوقظ فيها صوت الضمير؛ فإذا هي نفس لوَّامة تتفكر وتتدبر وتعتبر فتنزجر، ثم تبلغ القمة والعلو؛ فإذا هي نفس مطمئنة لا تزلزلها الأهوال ولا الشدائد الثقال.
فليت كل واحد منا يسائل ذاته: أين نفسي بين تلك النفوس الثلاث، وفي أي طريق تسير؟
أفي المقدم أم المؤخر؟
أفي العلو أم في السهل؟
هل ساءلت نفسك -أيها المرء- فحاسبتها قبل أن تحاسب؟
هل تفكرت تفكر محقق؟
هل نظرت إلى خطايا لو عوقبت ببعضها لهلكت سريعاً، ولو كُشف للناس بعضها لاستحييت من قبحها وشناعتها؟
أُفٍ ثم أُفٍ لنفس مريضةٍ إن نوظرت شمخت، وأن نوفحت تعجرفت، وإن لاحت الدنيا طارت إليها طيران الرخم، وسقطت عليها سقوط الغراب على الجيف.
أين أنت -أيها المسلم- من ذلك المثل الرائع الذي ضربه لمحاسبة النفس أبو الدرداء ﵁ حين جلس يبكي وقد رأى دولة الأكاسرة تهوي تحت أقدام المسلمين، وأجاب من قال له: [[يا أبا الدرداء تبكي في يوم أعز الله فيه الإسلام وأهله؟! فيقول أبو الدرداء: ويحك يا هذا! ما أهون الخلق على الله؛ إنما هي أمة قاهرة ظاهرة تركوا أمر الله فصاروا إلى ما ترى]] .
وقد حمل ابن سيرين ﵀ ديناً فسئل فقال: إني لأعرف الذنب الذي حمل به عليَّ الدين ما هو؟ قلت لرجل منذ أربعين سنة: يا مفلس!
الله أكبر أيها المسلمون! قلت ذنوبهم فعرفوا من أين يؤتون؟ وكثرت ذنوبنا فليس ندري من أين نؤتى!
اللهم اعصمنا من شر الفتن، وعافنا من جميع البلايا والمحن، وأصلح منا ما ظهر وما بطن، ونق قلوبنا من الغل والحقد والحسد، ولا تجعل علينا تبعة لأحد من خلقك يا أرحم الراحمين!
اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداءك أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين، اللهم انصر من نصر الدين، واخذل من خذل عبادك المؤمنين.
اللهم فرِّج هم المهمومين من المسلمين، ونفس كرب المكروبين، واقضِ الدين عن المدينين، واشف مرضانا ومرضى المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين!
اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك وعبادك المؤمنين.
اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشدٍ يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر يا سميع الدعاء.
اللهم آمنَّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين.
اللهم وفِّق ولي أمرنا لما تحبه وترضاه من الأقوال والأعمال يا حي يا قيوم! اللهم أصلح له بطانته يا ذا الجلال والإكرام، اللهم ما سألناك من خير فأعطنا، وما لم نسألك فابتدئنا، وما قَصُرتْ عنه آمالنا من الخيرات فبلِّغنا، سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ، والحمد لله رب العالمين.