← Джавами‘

Джавами‘ · id 7741

دروس للشيخ سعود الشريم

سعود الشريم

Полный текст (518 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

أهمية الاستغناء عن الآخرين إننا -أيها المسلمون- قبل أن نخوض في غمرات هذه المعرة، وقبل أن نُدلل عليها ونكشف عوارها؛ يجدر بنا أن نذكر على اقتضاب إلى أهمية استغناء الفرد بنفسه، وتوكله على الله، وعدم سؤال الآخرين من خدم وغيرهم، وتلك لعمر الله مزية قلَّ أن توجد في أوساطها، فإلى الله المشتكى! يقول أحد الصحابة فيما رواه مسلم في صحيحه: [[بايعنا رسول الله ﷺ : على ألا نسأل الله شيئاً حتى إن أحدنا ليسقط سوطه على الأرض لا يقل لأحد: ناولني]] . ومنها فإن الاستغناء عن الخدم والإكثار منهم غنيمة بارزة، ولو لم يكن فيها إلا السلامة من عواقبهم والوقوع من سلبياتهم التي يقل الفتاق لكفى. ورحم الله الإمام أحمد حين قال: " السلامة لا يعدلها شيء ". وعلى مثل قول الإمام أحمد نُرِشَد كل مسلم على ألا يلجأ إليهم إلا في حالات الحاجات الملحة مع عدم استغفال السلامة وأنها مطلب، ونقول -أيضاً- لكل مسلم شاخصة أحداقه، مشرئب إلى اتخاذ الخدم ولكن بينه وبين حصول ذلك مسكنةٌ وفقر تجعله أقرب في أن يَخدم مِنْ أن يُخدم، نقول له ولأمثاله: اسمع قول النبي ﷺ بعد هُنيهة؛ لتكون رضي البال شاكراً ولي نعمته. اشتكى علي وفاطمة ﵄ إلى النبي ﷺ ما تواجهه من الطحن والعمل المجهد فسألته خادماً، فقال رسول الله ﷺ : ﴿ألا أدلكما على ما هو خير لكما من خادم؟ إذا أويتما إلى فراشكما فسبحا الله ثلاثاً وثلاثين، واحمداه ثلاثاً وثلاثين، وكبراه أربعاً وثلاثين؛ فتلك مائة على اللسان وألف في الميزان﴾ فقال علي ﵁: [[ما تركتها بعد ما سمعتها من النبي ﷺ ، فقال له رجل: ولا ليلة صفين؟ قال: ولا ليلة صفين]] رواه أحمد. وليلة صفين هي ليلة حرب ضروس دارت بينه وبين خصومه رضي الله تعالى عنهم أجمعين. هذه -يرعاكم الله- صورة حية من صور الاستغناء عن الغير.

стр. 457

متاع الدنيا قليل بيد أن في الناس فئام لها ولعٌ بمشاكلة الآخرين، والسير في ركب الجمهور منهم، وُحبَّ التباهي مع قلة ذات اليد؛ فيطمعون في الإكثار من الخدم والتنويع فيهم، فلهؤلاء نقول: رويدكم مهلاً! فمتاع الدنيا قليل، ولتقنعوا بمثالين عظيمين يمكن من خلالهما حصل القناعة، والرضى بالمقسوم، والزهد في الدنيا، والاكتفاء من الخدم بما يسد الحاجة. روى مسلم في صحيحه أن رجلاً قال لـ عبد الله بن عمرو بن العاص: [[ألسنا من فقراء المهاجرين؟ فقال له عبد الله: ألك امرأة تأوي إليها؟ قال: نعم، قال: ألك مسكن تسكنه؟ قال: نعم، قال: فأنت من الأغنياء، قال: فإن لي خادماً، قال: فأنت إذاً من الملوك]] فيا لله العجب! من قول ابن العاص ﵁. إذاً ما أسهل ملك الدنيا وأحقره، فما بال أقوام لا يقنعون بمثل هذا؟ ألا تسمعون -حفظكم الله- المثل الثاني الذي رواه أبو سعيد الخدري ﵁، أن النبي ﷺ ، قال: ﴿أدنى أهل الجنة الذي له ثمانون ألف خادم واثنتان وسبعون زوجة﴾ رواه الترمذي في جامعه. إذا سمعتم ذلك فمنهم إذاً خدم الجنة؟ إنهم ولدان مُخلَّدون، وغلمان لهم كأنهم لؤلؤ مكنون. اللهم لا تحرم خير ما عندك بشر ما عندنا.

стр. 458

أمور ينبغي مراعاتها لمن كان له خادم أيها المسلمون! من كان منكم متخذاً خادماً فليعلم أن عليه مراعاة أمور هامة:

стр. 459

اختيار الخادم الصدوق الأمين أولاها: اختيار الأمين الصادق كما قال تعالى عن ابنتي شعيب حينما قالت إحداهما لأبيهما: ﴿يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنْ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ [القصص:٢٦] ولا يغيب عن بالنا أثر الأمانة والصدق في ذوات الخدم من خلال موقف يوسف ﵇ من امرأة العزيز حينما قالت له: ﴿وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾ [يوسف:٢٣] ، فكان الجواب ﴿مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [يوسف:٢٣] كانوا يدعون السيد رباً؛ فهو يرى أن سيده أكرمه وأحسن مثواه، فلا يلوث ذلك بالتخون والفاحشة. أين الكثيرين عن هذا الأمر الجلل؟ أين اختيار الخادم المسلم ذكراً كان أو أنثى؟ لله كم هم صرعى الخدم غير المسلمين؟ وماذا عسى أن يجنى منهم؟ دين غير ديننا، يحلون ما نحرم، ويحرمون ما نحل، فضلاً عما يقوم به جملة منهم إلى ما يسمى: التبشير والدعوة إلى مللهم إبَّان غفلة من الجمهور. ألا وأن إحضار المحرم مع الخادم، الذي يكون سبباً -بإذن الله- في قلة الفواحش، والبعد عن الزلل، والأمن على النفس والعرض. ألا إن الكثيرين منا لا يُبالون بالسائقين والخدم؛ امرأة مع سائق! ورجل مع امرأة الخادم! خادم تتكشف لمخدومها! وسائق تتكشف له مخدومته! وكأنه من أولي الإربة من الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء!! تساهل في الأمر واستخفاف به.

стр. 460

عدم الركون إلى الخدم في تربية الأطفال ثانياً: تكمن أهميته في عدم الركون إلى الخدم في تربية الأطفال، وكثرة محاكاتهم، ويزداد الأمر تأكيداً إن كانوا غير مسلمين؛ لأن من الأمور المسَّلمة أن كثرة المحاكاة تحدث مشاكلة في الطباع، ومن هنا يقع التأثر والتأثير في بني آدم؛ بل إن الآدمي إذا عاشر نوع من الحيوان اكتسب بعض أخلاقه؛ فنجد الجمَّالين والبغَّالين فيهم أخلاق مذمومة من أخلاق الجمال والبغال، ونجد الحيوان الإنسي فيه بعض أخلاق الناس بسبب المآلفة وقلة النفرة، وقديماً قيل: " الطيور على أشكالها تقع ". يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " وقد رأينا اليهود والنصارى الذين عاشروا المسلمين هم أقل كفراً من غيرهم، كما رأينا المسلمين الذين أكثروا من معاشرة اليهود والنصارى هم أقل إيماناً من غيرهم ممن جرد الإسلام ". كل ذلك -أيها المسلمون- سببٌ في التأثير على الطفل؛ فضلاً عن كون صحة الطفل الدينية والنفسية والدينية ناتجة عن تفرغ الأم لطفلها وعدم إسلامه للأجنبي عنها. ألا وإن تركها الساعات الطوال مع الخدم؛ لا يضمن تمتعه بالرعاية الدافئة التي يحتاجها كل حين، وثّمَّ دراسات نفسية كثيرة نشرت برامجها عبر جهات أكاديمية وأخرى تطبيقية كما يقال كلها تتفق على أن جُلَّ الأطفال والصغار من ذوي المشاكل النفسية هم الذين عانوا حرماناً عاطفياً كبيراً في طفولتهم المبكرة؛ بسبب غياب أمهاتهم عنهم وتسليمهم إلى الخدم. ألا ترون -يا رعاكم الله- كيف يكون حال الطفل إذا غابت عنه أمه؟ ماذا يحدث عندما يشاهدها بعد فترة غيابها؟ إنه يشد إليها بقوة، وحين تدفع إليه لترضعه يلتقمها بلهفة ويحاول أخذ حاجته بلهفة، ولربما خانته حاسة البلع فشرغ وغص مع ما يصاحب ذلك من نظرات ازراء إلى أمه تدل على الشره واللوم دون استطاعته عن تعبير ذلك باللسان، فماذا عسى الخادمة أن تفعل؟ إن قلبها ليس كقلب الأم، وحنانها ليس كحنان الأم، ولا غرو -عباد الله- إذ ليس النائحة المستأجرة كالمرأة الثكلى.

стр. 461

التزام الخادم بالأحكام الشرعية أما ثالث الأمور أيها الناس! فهو أن يتقي المرء ربه، وأن يعلم أن أمر الخدم محسوم في شريعة الله، وأن هناك حدود ينبغي ألا يتجاوزها المرء المسلم، ومن ذلك: الحجاب الشرعي للخادمة، فلا يجوز أن تتكشف لدخول المنزل، ولا أن تختلط برجاله أو أن تخلو بأحدٍ منهم، وإن التباهي بالخادمات النساء، وكشفهن للعيان في الأسواق والأفراح والمستشفيات من باب التباهي، وحب الظهور؛ لهو أمر جد خطير وفيه من الإثم والوزر الشيء الكثير، فضلاً عن كون ذلك مدعاة لفتنة الناس وجذب أبصارهم، ومن ثَمَّ الولوغ في حمأة هذا الموقف العظيم، ووقوعهم في النظر إلى ما حرَّم الله. وكذا الرجل الخادم: لا يجوز أن يخلو بالمرأة لا في منزلها، ولا في سيارتها، ولا أن تكشف وجهها له، أضيفوا إلى ذلك أمر الخدم بالتزام شرع الله إن كانوا مسلمين، أو دعوتهم إلى الإسلام إن كانوا غير ذلك، مع التأكيد بحزم على وجود الاستغناء عن الكفار لا سيما في جزيرة العرب؛ لأمر النبي ﷺ بإخراجهم منها، وكذا الظهور بمظهر القدوة الصالحة أمام الخدم، وذلك بالكرم والعطف والصدق والصفح إن الله يُحب المحسنين. ثم الحذر الحذر! من التساهل مع من لا يخاف الله منهم أو التقليل من خطورة أمرهم، ويزيد الأمر تعقيداً حينما يكون بعضهم من مرضى الأفئدة، وممن يكون مضنة الانتقام، وحب الإفساد، من مثيري اللغط وهدم البيوت، واستخدام الشعوذة والسحر، وقلب ظهر المجن على البيت وأربابه، ونشر أسرار البيوت وأحوالها إلى خدم البيوت الأخرى، وكم هم صرعى هذا التقصير؟ وكم هم ضحايا هذا الإهمال؟ إذ بعض الخدم إذا شبع فسق، وإذا جاع سرق، ولا جرم! فقد قال مجاهد ﵀: [[إذا كثرت الخدم كثرت الشياطين]] . ووقائع المجتمعات وأحاديث المجالس تغص بها الحلوق، وتطفح بها الأذان، ألا وإن هذا ليُذكرنا بقول النبي ﷺ فيما رواه مسلم في صحيحه أن رسول الله ﷺ قال: ﴿إن كان الشأم في شيء ففي الفرس والمرأة والخادم والمبسم﴾ قال الخطابي وجماعة من أهل العلم: هذا الحديث هو في معنى الاستثناء من الطيرة: أي أن الطيرة منهي عنها في قوله ﷺ : ﴿لا عدوى ولا طيرة، وأحب الفأل الصالح﴾ رواه مسلم، إلا أن يكون للمرء دار يسكنها وهو كارهٌ لها، أو زوجة يكره صحبتها، أو فرس أو خادم فليفارق الجميع ببيعٍ أو نحوه. قال أهل العلم: وشؤم الخادم سوء خلقه، وقلة تعهده لما فُوِضَ إليه. وأقول حفظكم الله: هذا الحديث وأقوال أهل العلم؛ إنما هو فيما مضى من زمن الصدق والدين، فما ظنك في هذا الزمن! سبحان الله ما أبعد الليلة عن البارحة، وما أشبه اليوم بما هو على العكس من الأمر. بارك الله لي ولكم بالقرآن والسنة، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر والحكمة، أقول ما سمعتم، وأستغفر الله وأتوب إليه، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 462

العدل في القضايا من سمات المؤمنين الحمد لله حمداً لا ينفد، أفضل ما ينبغي أن يُحمد، وأصلي وأسلم على أفضل المصطفين محمد، وعلى آله وصحبه ومن تعَّبد. أما بعد: فاتقوا الله -أمة الإسلام- واعلموا أن أحسن الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. أيها المسلمون! العدل في القضايا من سمات المسلمين، وإعطاء كل ذي حق حقه هو مما أوجبه الله على عباده، وإن كان ثَمَّ مآخذ غير مرضية تصدر تارات كثيرة من الخدم؛ فإننا في المقام نفسه نشير إلى سماتٍ متعددة من الحقوق والواجبات التي يستحقونها، ومن ذلك: احترام قدرهم، وأنهم بشر مثلنا؛ فنتلطف معهم ونرحم غربتهم، وأنه لولا حاجتهم إلى المال واكتسابه؛ لما هان عليهم فراق العيال، والسفر آلاف الأميال، فلتطعموهم إذا طعمتم، يقول رسول الله ﷺ : ﴿إذا أتى أحدكم خادمه بطعام فإن لم يجلسه معه فليناوله أكلة أو أكلتين أو لقمة أو لقمتين﴾ رواه البخاري، ولا تحجرن إطعام الخادم ولو لم يكن ذلك في صلب العقد بينكما، ورسول الله ﷺ يقول: ﴿وما أطعمت خادمك فهو لك صدقة﴾ رواه أحمد. وإياك إياك أيها المرء! أن تتوانى أو تتأخر في إعطائه أجرته في حينها، فلنفسه بالذات ولعٌ بها كما تفرح بمحصلتك، يقول ﷺ : ﴿أعطي الأجير أجره قبل أن يجف عرقه﴾ رواه ابن ماجة. فعليك -أيها المرء- أن تتنبه لذلك، وإلا فاعلم أنك خصيم للنبي ﷺ حيث يقول: ﴿ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة -وذكر منهم-: رجلاً استأجر أجيراً فاستوفى منه ولم يعطه أجره﴾ رواه البخاري. فاتقوا الله يا أهل البيوتات! واتقوا الله يا أصحاب الشركات والمؤسسات والتعهدات! وأعطوا العمال والخدم أجورهم في أوقاتها المحددة، وإلا فأعدوا لمخاصمة نبيكم ﷺ جواباً، وللجواب جلبابا حين ليس ثم جواب ولا جلباب. وإياكم وضرب العمال والخدم، فقد ضرب أبو مسعود غلاماً له فقال له النبي ﷺ : ﴿اعلم أبا مسعود أن الله أقدر عليك منه، فقال أبو مسعود: يا رسول الله فهو حر لوجه الله، فقال ﷺ : أما إن لو لم تفعل لمستك النار أو للفحتك النار﴾ رواه مسلم والترمذي، ولم يكن الأمر مقتصراً على مس اليد فحسب، بل وحتى اللفظ باللسان من شتم وسب، فقد نهى النبي ﷺ عن ذلك فقال: ﴿لا تدعوا على خدمكم﴾ رواه أبو داود. وسمعتَ أم الدرداء عبد الملك بن مروان قد لعن خادمه، فقالت أم الدرداء: سمعتك الليلة لعنت خادمك حين دعوته، فقد سمعتُ أبا الدرداء يقول، قال رسول الله ﷺ : ﴿لا يكون اللعانون شفعاء ولا شهداء يوم القيامة﴾ رواه مسلم. عباد الله! بما أن الشيء بالشيء يُذكر، وحيثُ إن الحديث عن الخدم والاستخدام؛ فاعلموا أن هناك ثلة من إخواننا المسلمين يعيشون حالاً لا يعرف من خلالها أيراد بهم أن يعيشوا خُدَّاماً أم يعيشوا بشراً؟ امتدت إليهم أيادي آثمة، أيادي أناملها صربية، ودماءها قد نزت من سلسلة حروب صليبية، ليس لهم هدف إلا قتل من يقول: ربي الله. سر إخواننا المسلمين في كوسوفا المسلمة، شردوهم وأثخنوهم وشدوا الوثاق، مشردون هم أحياء في عِدَادَ الأموات، إذ ما الحياة بلا أمن ولا استقرار؟ ليس من مات منهم ذبيحاً؛ ولكن من يعيش منهم بالتشريد هو الذبيح! ألا من محير جواباً! أو من محييٍ ألباباً! ألا من آمنٍ لمتألم ومن مستودع لمستصرخ! مسلمون مهجرون منبوذون في العراء وهم مذئومون سقوفهم واكفة، وجدرانهم نازة، وغرفهم متساقطة، جبالهم حممٌ من القنابل والشظايا، ووديانهم جثث وهال حتى غدت أباطح. ألا تتقوا الله معاشر المسلمين! والبدار البدار بالجهاد في سبيل الله بأموالكم، بإيواء المضطهدين الذائدين عن حياض إسلامهم في أوطانهم، ألا وإن الإنفاق في سبيل الله والبذل فيه لإعلاء كلمة الله في طليعة أعمال البر التي وعد الله عليها الجزاء العظيم ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٦١] . اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد؛ كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد؛ كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد. وارض اللهم عن خلفائه الأربعة: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر صحابة نبيك محمد ﷺ . اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمِّر أعدائك أعداء الدين، اللهم دمر أعدائك أعداء الدين، اللهم أهلك الصرب الحاقدين، اللهم عليك بهم، اللهم اشدد وطأتك عليهم، اللهم أهلكم بالسنين، واجعلها عليهم سنين كسنين يوسف يا ذا الجلال والإكرام. اللهم انصرنا على من عادانا، اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين، اللهم وفق ولي أمرنا لما تحبه وترضاه من الأقوال والأعمال يا حي يا قيوم، ا

стр. 463

البيت العتيق ووفود الرحمن جعل الله تعالى في بعض الأيام والشهور ميزة وفضيلة، وما ذاك إلا لتتحفز النفوس وتستيقظ من غفلتها، فتسارع باستغلالها؛ رجاء التعرض لنفحات الله ومرضاته. وإن من ذلك شهر الحج المبارك، فقد جعل الله فيه من الطاعات ما ليس في غيره. وإن من أعظم ما يحققه هذا الموسم الكريم هو ترسيخ توحيد الله تعالى، ومتابعة رسوله ﷺ .

стр. 464

الحث على استغلال مواسم الخيرات الحمد لله حمد الشاكرين، أحمده سبحانه وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره. سبحانه! جعل في تعاقب الليل والنهار عبرةً لمن ادكر أو تذكَّر، يُداول الأيام بين الناس ليبلوهم أيهم أحسن عملاً وهو العزيز الغفور. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه وخليله، وخيرته من خلقه، بلَّغ الرسالة، وأدَّى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، دعا إلى الله على بصيرةٍ هو ومن اتبعه، فأكمل الله به الدين، وأتم به النعمة، فصلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أصحابه الأخيار، الأتقياء الأبرار؛ الذين استجابوا له، وأحيوا سنته، ومهدَّوا لمن بعدهم منهاجه وشرعته، وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فأوصيكم -أيها الناس- ونفسي بتقوى الله جلَّ وعلا، اتقوه في السر والعلن، في الخلوة والجلوة، اعبدوا ربكم واسجدوا له واركعوا مع الراكعين، وافعلوا الخير، وجاهدوا في الله حق جهاده لعلكم تفلحون. أيها الناس حجاج بيت الله الحرام! بعد ساعات معدودات من ساعات العمر يُهلُّ هلال ذي الحجة الوليد في ذلك التو يلوح ذلك الوليد في السماء، ليعلم المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها أن خالقهم -جلَّ شأنه- قد آذنهم بشهرٍ له في مجتمعهم تأثير، وفي نفوسهم تأديب، وفي مشاعرهم إيقاظٌ وتنبيه. يلوح الهلال في السماء ليوقنوا أن فضل الله عليهم متواصل، وأن مواسم النفحات والغفران لا تزال متواليةً لمن وفقه الله لاغتنامها، إذ لا يمضي من عمر المؤمن ساعة من الساعات إلا ولله فيها عليه وظيفة من وظائف الطاعات والقربات؛ إن هو أحسن القصد، فيغدو ويروح في خمائلها، وإلا كان مُضيعاً يدهش من حاله، أو خاسراً يتعوذ بالله من مآله. حيث عمي عن الهدف، وحاز عن الغاية، وخالف سيرة الناجحين من أولياء الله الصالحين، يقول الحسن البصري ﵀: [[ما ظننت عمر بن عبد العزيز خطا خطوة إلا وله فيها نية]] وقبل ذلك يقول سلمان الفارسي ﵁: [[إني لأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي]] .

стр. 465

دور الحج في ترسيخ التوحيد أيها المسلمون! الحديث عن الحج ومآثره مطلب تشرئب له نفوس الحجيج المؤمنة، وتمتد له أعناق المتقين من عباد الله؛ ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، أو يحدوهم الشوق إلى أن يجتمعوا للإيمان ساعةً، فيقولون: سمعنا وأطعنا؛ ليكون خيراً لهم وأقوم عند الله. ومن هنا يظهر البون شاسعاً بين العاصي والمطيع، فالمطيع عرف خالقه فعبده حق عبادته، والعاصي مكفوف البصيرة تائهٌ عن ولي نعمته؛ تستهويه الشياطين في الأرض حيران. عباد الله! الحج قصد بيت الله الحرام لأداء النسك على صفة مخصوصة بينها الشارع الحكيم، ألا وإن هذا البيت الحرام الذي رفع قواعده إبراهيم خليل الرحمن، وابنه إسماعيل ﵉، لم يُبن في الحقيقة إلا بالتوحيد، ومن أجل التوحيد، ولأهل التوحيد، تتعاقب الأجيال على حجه، ويتنافس المسلمون في بلوغ رحابه، ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ * رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ [إبراهيم:٣٤-٣٥] ، ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج:٢٦] . الحج في الإسلام عباد الله! أمارةٌ وحكمة تدعو إلى التوحيد؛ فاجتماع الناس على اختلاف ألوانهم وأجناسهم؛ ليوحي إليهم أنه ينبغي للمسلم ألاَّ يُعبد إلا الله في خوفه ورجائه، وذبحه ونذره، ورغبته ورهبته، فالله -جلَّ وعلا- إنما بعث محمداً ﷺ بالتوحيد الخالص لا غير، وتحريم كل صور الشرك وضروبه، ومنع كل مشرك من دخول المسجد الحرام: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة:٢٨] . وفي الحديث: ﴿بعث النبي ﷺ سنة تسعٍ من الهجرة من ينادي في الحج إلا يطوف بالبيت عريان، وألا يحج بعد العام مشرك﴾ رواه البخاري ومسلم.

стр. 466

مظاهر الانحراف في التوحيد ألا فليتق الله أولئك المفرطون المضيعون الواقعون في براثن الشرك بالله في ألوهيته أو ربوبيته، أو الملحدون في أسمائه وصفاته: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمَّنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [فصلت:٤٠] . ألا فاتق الله يا من ترجو قبةً، أو تتوسل بوثن! أو أنت يا من تطوف بقبرٍ أو تتمسَّح بعتبة أو باب! أو أنت يا من تعلق تميمة أو ودعةً أو ناباً رجاء نفع أو دفع ضر، فإن الله جل وعلا هو النافع وهو يدفع ما بالإنسان من ضرٍ ومصاب ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ * ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ * لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٥٣-٥٥] . إن الطائع الموحد ليشعر من أعماق قلبه أن ما دون الله هباء، بل ويستحيل عنده عقلاً أن يغلب الله على أمره، أو أن يقطع شيء دونه إذ التعلق بأمر الله عجز، والتطلع إلى سواه ضلال وحمق ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود:١٢٣] . لقد قصر فئام من الناس مع التوحيد فصادموا المنقول، وخالفوا المعقول، فانحازوا إلى أصحاب القبور، وتضرعوا أمام أعتابهم، بل لقد كثر مروجوها والساعون إليها، بل لقد صور بعضها عبر إنشاد القصائد، أو المدائح الطافحة بالاستغاثات والنداءات؛ التي لا تصح إلا لفاطر الأرض والسماوات، لقد قصر جمع من الناس مع التوحيد، فافتن بعضهم بالتمائم والحروز، يُعلقها عليه وعلى عياله، بدعوى دفع الشر عنهم أو جلب الخير لهم، أو صرف العين وشبهها. روى الإمام أحمد في مسنده: ﴿أن النبي ﷺ رأى رجلاً في يده حلقة من صفر، فقال: ما هذا؟! قال: من الواهنة، فقال: انزعها فإنها لا تزيدك إلا وهناً، فإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبداً﴾ ، وفي المسند -أيضاً- أن النبي ﷺ قال: ﴿من تعلَّق تميمة فلا أتمَّ الله له﴾ ، وفي رواية: ﴿من تعلق تميمة فقد أشرك﴾ . نعم. أيها المسلمون! لقد قصَّر فئام من الناس مع التوحيد، فنازعوا الخالق جلَّ وعلا، فيما هو من خصائصه سبحانه، فادَّعوا علم ما لم يعملوا، وخاضوا في أمور الغيب التي لا يعلمها إلا هو، وذلك من خلال الشعوذة والكهانة، أو ما يسمى: مجالس تحضير الأرواح، أو قراءة الكف والفنجان، أو الخوض فيما يتعلق بمستقبل الأبراج وقراءتها، أو نحو ذلك من سيل الأوهام الجارف، والخزعبلات المقيتة ﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ [الطور:٣٨] ﴿أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ * أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ * أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الطور:٤١-٤٣] .

стр. 467

التوحيد الخالص وأهميته إن التوحيد الخالص هو أفضل طلبة، وأعظم رغبة، وأعلى رتبة، يصير الحقير شريفاً، والوضيع غطريفاً، يطول القصير، ويُعلي النازل، ما شُيد ملك إلا على دعائمه، ولا زال إلا على طواسمه، ما عزت دولةٌ إلا بانتشاره وحمايته والدعوة إليه، ولا زالت إلا باندثاره وخذلان أهله، بل يا ويح من تعلَّق بغير الله أو رجا غيره، يشرب الموحدون صفواً، ويشرب هو كدراً آسناً، دعوا هم رباً واحداً، ودعا هو ألف رب ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٣٩-٤٠] .

стр. 468

شيوع الأمن والأمان في البلد الحرام أيها الناس حجاج بيت الله الحرام! في الحج إلى الكعبة المشرفة تتجلى نعمة الأمن وحكمة الأمان، من خلال النهج الذي شرعه الله في عرصات مكة والحرم، وذلك متمثل في حقن الدماء، وإلقاء السلاح، والأمن على الأرواح والممتلكات، واللقطة والأعراض، بل وحتى من القول البذيء، واللفظ الفاحش ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة:١٩٧] ، ناهيكم -يرعاكم الله- عن أمن الطير والوحش وسائر الصيود. إن العبد المسلم لفي حاجةٍ ماسة إلى أن يقدر هذه النعمة، وإن المجتمعات طراً -على اختلاف أقاليمها- ليست في غنىً عن الأمن الذي هو ماس بهم، عظيم الوقع في نفوسهم، متعلق بحرصهم على ذواتهم وأرواحهم، وفي ظل الأمن والأمان تحلو العبادة، ويصير النوم سباتاً، والطعام هنيئاً، والشراب مريئاً. الأمن والأمان -عباد الله- عماد كل جهد تنموي، وهدف مرتقب لكل المجتمعات وإن اختلفت مشاربها، فالمجتمع إذا آمن أمن، وإذا أمن نما، والثمرة الحاصلة: أمنٌ وإيمانٌ ونماء، فلا أمن بلا إيمان، ولا نمو بغير ضمانات ضد الهدم ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٨٢] . وأظلم الظلم -عباد الله- هو الشرك بالله، فلا يجتمع -إذاً- ظلمٌ وأمن؛ ظلم النفس، وظلم الهوى، وظلم الحجارة، وظلم الدساتير، والأحبار والرهبان، ومتى بقيت من ذلك بقية فالله أغنى الشركاء عن الشرك، وهو لا يرضى بمزاحمة صنم الظلم، قال سهل بن عبد الله: " حرام على قلب أن يدخله النور، وفيه شيء مما يكرهه الله ". إن الأمن والأمان المنبثقين من تطبيق شرع الله على وجه الأرض، ليتيح لقلب المسلم النير في كل قطر ومصر أن يعبد الله في هدوءٍ واستقامة، بل قد يتغير به مجرى تاريخ المجتمع بأسره، بل هي حياة فرداً من الأفراد، يقول المصطفى ﷺ فيما رواه الترمذي في جامعه: ﴿من أصبح آمناً في سربه، معافاً في بدنه، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها﴾ .

стр. 469

الخير كل الخير في اتباع السلف أيها المسلمون! في الحج إلى بيت الله الحرام تتجلى صُور عظمى، وسمة أجلى، هي جزء أساس لا يتجزأ في صحة العمل وقبوله بعد إخلاصه للباري جل وعلا، تلكم هي المتابعة لما كان عليه النبي ﷺ ، ووجه ذلك: هو أن مناسك الحج شُرِعت على هيئة واجبات وأركان، وسنن في الأقوال والأعمال، ندب إليها المصطفى ﷺ بفعله، متبعاً ذلك بقوله: ﴿خذوا عني مناسككم﴾ . والطريق الذي رسمه النبي ﷺ في الحج وغيره من أمور الدين لا هدي أحسن من هديه فيه، ولا طريق أقوم من طريقه فيه، وهيهات هيهات! أن يأتي الخلف في أعقاب الزمن بخير مما كان عليه النبي ﷺ ، والسلف الصالح في عصور النور. وإن من غربة الدين أن تلتصق به المحدثات، ألا وإن البدع المحدثة فيها مع سوء الظن بصاحب الرسالة تشويهٌ لجمال الدين، وطمس لمعالم السنن، وحيلولةٌ بين الناس وبين دينه الصحيح. والحكم الفصل في ذلك هو الوقوف عند السنن، ورد الأمور إلى حكم الله، وحكم رسوله ﷺ ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام:١٥٣] . يقول سفيان الثوري ﵀: [[من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمداً خان الرسالة؛ لأن الله يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً﴾ [المائدة:٣]] ] . البدعة عباد الله! هي ما أحدث في الدين مما لا أصل له في الشريعة يدل عليه، وهي تأخذ في الغالب تقليداً لشيخ معظم، أو والد يحترم، أو مجتمع تقدس عاداته، أو أفكارٍ تستحسن، أو مبادئ تستورد، كما أن البدع في الوقت نفسه سريعة الانتشار تنجم كقرون المعز، تستلفت أنظار الدهماء، فيعمدونها الذين لا يبصرون، ويصمون عنها الذين هم عن السمع معزولون، وجماع النهي عن ذلك كله، ما حدث به الصادق المصدوق صلوات ربي وسلامه عليه بقوله: ﴿من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد﴾ رواه الشيخان، وفي رواية لـ مسلم: ﴿من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد﴾ . فاتقوا الله معاشر المسلمين! واحذروا البدع صغيرها وكبيرها، واعلموا إن من ابتدع بدعة في الإسلام فعليه وزرها، ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، قال تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [النحل:٢٥] . بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 470

فضائل أيام العشر من ذي الحجة الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وهدايته وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، عبد الله حق عبادته ودعا إلى رضوانه، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه وإخوانه. أما بعد: فاتقوا الله معاشر المسلمين! ثم كونوا على علمٍ أنكم قاب قوسين أو أدنى من حلول شهرٍ مبارك، الناس فيه صنفان: إما قاصدٌ بيت الله الحرام حاجاً أو معتمراً، يتعرض لنفحات خالقه ومولاه في عرصات المناسك المباركة، وإما قاعدٌ حلك أرضه لم يُقدَّر له بلوغ رحاب البيت العتيق، إما لعرضٍ أو لمرض، لم يكونا مانعين -بإذن الله- من أن يتلَّقى عشر ذي الحجة المباركة فيعمل فيها أعمالاً هي أفضل من الجهاد في سبيل الله، فقد روى البخاري في صحيحه أن النبي ﷺ قال: ﴿ما من أيامٍ العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام -أي: أيام عشر ذي الحجة- فقالوا: يا رسول الله! ولا الجهاد في سبيل الله! قال: ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله ولم يرجع من ذلك بشيء﴾ . وقد ذهب جمهور أهل العلم إلى أن عشر ذي الحجة هي المقصودة بقول الباري جلَّ شأنه: ﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر:١-٢] قال ابن كثير ﵀: وبالجملة فهذه العشر قد قيل: إنها أفضل أيام السنة كما نطق بذلك الحديث، وفضَّلها الكثير على عشر رمضان الأخيرة؛ لأن هذا يشرع فيه ما لا يشرع في غيرها؛ من صيامٍ وصدقةٍ وغيرها، ويمتاز هذا باختصاصه بأداء فرض الحج فيه. والحاصل -عباد الله- أن النصوص دلت بمنطوقها ومفهومها على أن كل عملٍ صالح يقع في هذه الأيام، فهو أحب إلى الله تعالى من العمل نفسه إذا وقع في غيرها، كما أن الأعمال في هذه العشر تتنوع إلى الصوم والصدقة والتوبة النصوح، والإكثار من التسبيح والتحميد والتهليل، كما أن فيها الأضحية والحج، يقول المصطفى ﷺ : ﴿ما من أيام أعظم عند الله ولا أحب إليه العمل فيهن من هذه الأيام العشر، فاكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد﴾ رواه أحمد. وقد ثبت عند أبي داود والنسائي: ﴿أن النبي ﷺ كان يصوم تسع ذي الحجة، ويوم عاشوراء، وثلاثة أيام من كل شهر﴾ كما أن السنة قد دلَّت -يرعاكم الله- على أن من أراد أن يُضحِّي، وقد دخلت عليه العشر فلا يأخذنَّ من شعره أو أظفاره أو بشرته شيئاً حتى يُضحِّي، لورود الخبر بذلك عن الصادق المصدوق عند مسلم في صحيحه. وثمة أمر جليل ينبغي التنبيه إليه: ألا وهو ما يفعله البعض ممن ابتلوا بحلق لحاهم، تراهم يجتنبون الحلق إذا دخلت عشر ذي الحجة، فلا يأخذون منها شيئاً، ولو سُئل أحدهم لم فعل ذلك؟ لقال: أنا أريد أن أضحي، والنبي ﷺ نهى عن أخذ شيءٍ من الشعر حتى تضحى الأضحية. فيا لله العجب! إن النبي ﷺ الذي نهى عن أخذ شيءٍ من الشعر في هذه المدة الوجيزة، هو الذي نهى في الوقت ذاته عن أخذ شيءٍ من اللحية طيلة العمر؛ لما ثبت في الصحيحين أنه ﷺ قال: ﴿خالفوا المشركين، وفروا اللحى واحفوا الشوارب﴾ . لكنَّ بعض ضعاف النفوس يسهل عليهم تنفيذ أمره ﷺ فيما يتعلق بالأضحية؛ لأنها أيام قلائل، أما أمره بإعفائها مطلقاً فهو ثقيل على كسلان وذي ملالة، أما على الحريص فهو يسير ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣] . اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين. اللهم انصر من نصر الدين، واخذل من خذل عبادك المؤمنين، اللهم فرِّج هم المهمومين من المسلمين، ونفِّس كرب المكروبين، واقض الدين عن المدينين، واشف مرضانا ومرضى المسلمين، وسلِّم الحجاج والمسافرين في برك وبحرك وجوك يا رب العالمين. اللهم ولِّ على المسلمين خيارهم، واكفهم شرارهم، واجعل ولايتهم فيمن خافك واتقاك، واتبع رضاك يا رب العالمين! اللهم وفِّق ولي أمرنا لما تحبه وترضاه من الأقوال والأعمال يا حي يا قيوم، اللهم أصلح له بطانته يا ذا الجلال والإكرام. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 471

هادم البيوت إن العلاقات الزوجية عميقة الجذور، بعيدة الآمال، تقوم على حقوق متبادلة من كلا الطرفين، وإن اختلال تلك العلاقة يشعل نار الفرقة، ويعكر صفو العشرة، مما يلجئ الزوجين أحياناً إلى اتخاذ القرار المر ألا وهو الطلاق، وهي كلمة تصدر حينما يتعذر العيش تحت ظل وارف، وأسباب ذلك كثيرة منها ضعف قوامة الرجل، وفقدان البيت لروح التدين، والمفاهيم الفاسدة الدخيلة عبر وسائل الإعلام ونحوها.

стр. 472

آثار انحلال الرابطة الزوجية إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠-٧١] . أما بعد: فيا أيها الناس! اتقوا الله، اتقوه حق التقوى، واستمسكوا من الإسلام بالعروة الوثقى، واحذروا المعاصي؛ فإن أجسامكم على النار لا تقوى، واعلموا أن ملك الموت قد تخطاكم إلى غيركم، وسيتخطى غيركم إليكم، فخذوا حذركم، الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني. عباد الله: يحكي واقع كثير من الناس اليوم صوراً شتى من اللاَّمبالاة بقيم الألفاظ، ودلالات الكلام وثمراته، ترى الكلمة تخرج من فم المرء لا يلقي لها بالاً؛ ربما أهوت به في مسالك الضياع والرذيلة، استحقر بعضهم حجم الكلمات، واستنكف عن معانيها، وما علم أولئك أن النار بالعيدان تذكى، وأن الحرب مبدؤها كلام. أيها الناس: أيستغرب أحدكم لو قيل له: إن كلمة من الكلمات تكون مِعْولاً صلباً يهدم به صرح أُسَر وبيوتات؟! أيستغرب أحدكم لو قيل له: إن كلمة من الكلمات تنقل صاحبها من سعادة وهناء إلى محنة وشقاء؟! أيستغرب أحدكم لو قيل له: إن كلمة من الكلمات تحرك أفراداً وجماعات، وتنشئ تزلفاً وشفاعات؛ لرأب ما صدعت، وجمع ما فرقت؟! أتدرون أي كلمة هذه؟ إنها كلمة أبكت عيوناً، وأجهشت قلوباً، وروعت أفئدة، إنها كلمة صغيرة الحجم؛ لكنها جليلة الخطب، إنها كلمة ترعد الفرائص بوقعها، وتقلب الفرح ترحاً والبسمة غصةً، إنها كلمة الطلاق، إنها كلمة الطلاق وما أدراك ما الطلاق؟ كلمة الوداع والفراق، والنزاع والشقاق، فلله كم هدَّمت من بيوت للمسلمين! وكم قطَّعت من أواصر للأرحام والمحبين! يا لها من ساعة رهيبة، ولحظة أسيفة يوم تسمع المرأة طلاقها، فتكفكف دموعها، وتودع زوجها! يا لها من لحظة تجف فيها المآقي حين تقف المرأة على باب دارها لتلقي النظرات الأخيرة؛ نظرات الوداع على عش الزوجية المليء بالأيام والذكريات! يا لها من لحظة عصيبة حين تقتلع السعادة أطنابها من رحاب ذلك البيت المسلم المبارك!

стр. 473

طريق السعادة الزوجية عباد الله: العشرة الزوجية ضرب خاص من المحبة في النفس ليس له في أنواعه ضريب، فهو الذي يسكن به الزوجان، وهو الذي يلتقي به بشران؛ فيكون كل منهما متمماً لوجود الآخر، ينتجان بلقائهما بشراً مثلهما ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾ [النحل:٧٢] . إن اختلال العشرة بين الزوجين يذكي نار الفرقة، وكثرة الخصام تضرم أوارها، ولو أحب الأزواج أنفسهم حباً صادقاً، وسكن بعضهم إلى بعض لَوَادَّ كل منهما الآخر، ووادَّ لأجله أهله وعشيرته؛ لأن المودة بين الزوجين سبب من أسباب سعادة البشر، وسبب من أسباب سعادة العشيرة، وسعادة للأمة المؤلفة من العشائر المؤلفة من الأزواج، فهذا التآلف والتأليف هو الذي يتكون منه مزاج الأمة؛ كما يكون عليه من اعتدال وكمال يكون كمالاً في بنية الأمة واعتدالاً، وقرة عين لمجموعها، وما يطرأ عليه من فساد واعتلال يكون مرضاً للأمة يوردها موارد الهلكة، فمن لا خير فيه لأهله لا خير فيه لأمته، قال رسول الله ﷺ : ﴿خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي﴾ .

стр. 474

المرأة الصالحة خير متاع الدنيا عباد الله: لقد قال المصطفى ﷺ في الحديث المشهور: ﴿فاظفر بذات الدين تربت يداك﴾ هذه هي الزوجة التي يحث الشارع على تحصيلها والرضا بها، ويدعو على من أراد غيرها، وزهد فيها، ورغب عنها، ومن المعلوم بداهة أنه لا يرغب بالظفر بذات الدين إلا من كان قلبه معلقاً بالدين، وكانت نفسه من النفوس الزكية، ومن هذه حاله فلا غرو أن يرزق المودة بينه وبين زوجه؛ لأنها من ثمرات المشاكلة في السجايا والصفات الفاضلة، وعلى العكس من ذلك المشاكلة في الصفات الرديئة، والسجايا الدنيئة؛ فهي لا تثمر محبة، ولا تورث تودداً، قال رسول الله ﷺ : ﴿خير متاع الدنيا المرأة الصالحة﴾ رواه مسلم. إنه متى كان الدين بين كل زوج وزوجته فمهما اختلفا وتدابرا، وتعقدت نفساهما، فإن كل عقدة من العقد لا تزيد إلا ومعها طريقة حلها، ولن يشاد الدين أحدٌ إلا غلبه، وهو اليسر والمساهلة، والرحمة والمغفرة، وهو العهد والوفاء، وهو اتساع الذات وارتفاعها فوق ما تكون به منحطة أو وضيعة، ومن كانت هذه حاله فلن يستنكف أن يكون ممتثلاً لما أُمر به من قول المصطفى ﷺ : ﴿لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد، لأمرت الزوجة أن تسجد لزوجها﴾ وقوله ﷺ : ﴿استوصوا بالنساء خيراً﴾ وثمرة الدين في المرأة يظهر في مثل قول عائشة ﵂: [[يا معشر النساء! لو تعلمن بحق أزواجكن عليكن؛ لجعلت المرأة منكن تمسح الغبار عن قدمي زوجها بحر وجهها]] . فما أجهل الرجل يسيء معاملة امرأته! وما أحمق المرأة تسيء معاملة بعلها!

стр. 475

الحياة الزوجية أفراح وأتراح أيها الناس: الطلاق كلمة لا ينازع أحد في جدواها، وحاجة الزوجين إليها حينما يتعذر العيش تحت ظل وارف، وإذا بلغ النفور بينهما مبلغاً يصعب معه التودد؛ فالواجب أن يتفرقا بالمعروف والإحسان؛ كما اجتمعا بهذا القصد ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلّاً مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعاً حَكِيماً﴾ [النساء:١٣٠] . إن الله لم يخلق الزوجين بطباع واحدة، والزوجان اللذان يظنان أنهما مخلوق واحد يعيشان في أوهام، إذ كيف يريد منها زوجها أن تفكر برأسه؟ وكيف تريد هي منه أن يحس بقلبها؟ ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة:٢٢٨] إن النسيم لا يهب عليلاً داخل البيت على الدوام، فقد يتعكر الجو، وقد تثور الزوابع، وإن ارتقاب الراحة الكاملة نوع وَهْمٍ، ومن العقل توطين النفوس على قبول بعض المضايقات، وترك التعليق المرير عليها ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً﴾ [النساء:١٩] وقال رسول الله ﷺ : ﴿لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقاً رضي منها آخر﴾ . ومن يتتبع جاهداً كل عثرة يجدْها ولا يسلم له الدهر صاحب بيد أن بيوتات كثيرة فقدت روح التدين، فهي تتنفس في جو من الشراسة النكر، واكتنفتها أزمات عقلية وخلقية واجتماعية؛ فقد تطلق المرأة اليوم في رطل لحم؛ علق الرجل به طلاقها إن قامت بشرائه، فيخبط هؤلاء خبط عشواء ويتصرفون تصرف الحمقى؛ فيقعون في الإثم والحيف.

стр. 476

أسباب انتشار الطلاق عباد الله: لقد كثر الطلاق اليوم لما فقدت قوامة الرجل في بعض المجتمعات، إبان غفلة وتقهقر عن مصدر التلقي من كتاب وسنة، وركن فئام من الناس إلى مصادر مريضة، قلبت مفاهيم العشرة وأفسدت الحياة الزوجية، من حيث يشعرون أو لا يشعرون، وتولَّى كبر تلك المفاهيم الإعلام بشتى صوره، من خلال مشاهدات متكررة، يقعِّد فيها مفاهيم خاطئة، ومبادئ مقلوبة بالعشرة الزوجية، حتى وضع بعض الزوجات تاريخهنَّ، ولرُبَّ منظر تشهده ألف امرأة بمرة واحدة، فإذا استقرَّ في وعيهنَّ، وطافت به الخواطر والأفكار سلبهن القرار والوقار؛ فمثَّلنه ألف مرة؛ بألف طريقة في ألف حادثة، فلا تعجبوا حينئذ إذا استأسد الحمل واستنوق الجمل! والعجب كل العجب أنه في ثنايا المناقشة، يقرر الإعلاميون أن دور الإعلام مع المرأة إنما هو كالتلقيح بمصل بعض الأدواء المعدية، والتسمم بميكروبها، بزعم أنها تكسب صاحبها مناعة تقيه من أن يعدى بوبائها، وحقيقة الأمر أنهم بالذي وضعوا زادت العقد، وإن ما يذكره الإعلاميون هو التعرض لعدوى الوباء في عنفوان شدته، ولقد صدق القائل: وكانت دوائي وهي دائي بعينه كما يتداوى شارب الخمر بالخمر والواقع -أيها المسلمون- أن داخل البيت المسلم يتأثر بخارجه، وتيارات الميوعة والجهالة إذا عصفت في الخارج تسللت إلى الداخل، فلم ينجُ من بلائها إلا من عصم الله.

стр. 477

أهمية قوامة الرجل الحياة الزوجية حياة اجتماعية، ولابد لكل اجتماع من رئيس؛ يُرجع إليه عند الاختلاف في الرأي والرغبة، والرجل أحق بالرئاسة؛ لأنه أعلم بالمصلحة، وأقدر على التنفيذ بما أودع الله فيه من ذلك، وإن ما تتلقنه المرأة من الأجواء المحيطة بها على منازعة الرجل قوامته لمن الانحراف الصرف، والضلال المبين، وإن قوامة الرجل في بيته لا تعني منحه حق الاستبداد والقهر، فعقد الزوجية ليس عقد استرقاق، ولا عقد ارتفاق لجسد المرأة، إنه أزكى من ذلك وأجل، وكل من الزوجين بشر تام له عقل يتفكر به، وقلب يحب به ويكره، فوجب الحق للمرأة حتى مع قوامة الرجل ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:٢٢٨] كما أن قوامة الرجل لا تعني استغناءه عن زوجه؛ فالله يقول: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة:١٨٧] . عباد الله: كثر الطلاق اليوم، لما صار المطَلِّق أحد رجلين: إما رجل أعمل سلطته، وأهمل عاطفته؛ فكان في بيته سيداً، ولكنه لم يذق طعم المحبة والسعادة، ولا عرف الصفاء والهناء. وإما رجل تبع عاطفته فأطاعها، وأهمل سلطته فأضاعها، فعاش في داره عبداً رقيقاً.

стр. 478

كثرة الحاسدين والواشين لقد كثر الطلاق اليوم لما كثر الحسدة والواشون، والكذبة والنمامون، فنكثوا الطباع وعكسوا الأوضاع، وصيروا أسباب المودة والالتئام عللاً للتباغض والانقسام، ولربما كان لأهل الزوجين مواقف ظاهرة بدت سبباً مباشراً في كثير من الخلافات، فقد يتدخل الأب، وقد تتدخل الأم، أو الأخ أو الأخت فيحار الزوج من يقدم: والديه اللذين عرفاه وليداً وربياه صغيراً، أم زوجه التي هجرت أهلها وفارقت عشها من أجله؟ إن هذا لمرتقاة صعبة؛ أهونها أصعب الصعاب، وأحلاها أمر من المر، إن مثل هذه التدخلات في الحياة الزوجية لهي مكمن خطر لدى كثير من الأسر، فما بال أولئك يهجمون على البيوت فيأتونها من ظهروها، ويمزقون ستارها، ويهتكون حجابها، وينتزعون الخرائط من أكنافها، والفرائد من أصدافها، ويوقعون العداوة والبغضاء بين الأزواج، ماذا يكون أثر أولئك في البيوت التي تتكون منها الأمة، ومن الأمة المكونة من البيوتات؟ إنه لا يغيب عن فهم عاقل أن شره مستطير، وأن ما يفعلونه فتنة في الأرض وفساد كبير.

стр. 479

عمق الجذور في العلاقة الزوجية عباد الله: إن العلاقات الزوجية عميقة الجذور، بعيدة الآمال، فرحم الله رجلاً محمود السيرة، طيب السريرة، سهلاً رفيقاً، ليناً رءوفاً، رحيماً بأهله؛ لا يكلف زوجته من الأمر شططاً، وبارك الله في امرأة لا تطلب من زوجها غلطاً ولا تحدث عنده لغطاً، قال رسول الله ﷺ : ﴿إن شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة: الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه ثم ينشرها﴾ رواه أبو داود. وقال ﷺ : ﴿إذا صلت المرأة خمسها، وحصنت فرجها، وأطاعت بعلها، دخلت من أي أبواب الجنة شاءت﴾ رواه ابن حبان. وبهذا كله يفهم الرجل أن أفضل ما يستصحبه في حياته، ويستعين به على واجباته: الزوجة اللطيفة العشرة، القويمة الخلق، وهي التي تسره إذا نظر، وتطيعه إذا أمر، ولا تخالفه في نفسها ولا مالها بما يكره، إن هذه الزوجة هي دعامة البيت السعيد، وركنه العتيد ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ [النساء:٣٤] . بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم، ولسائر المسلمين والمسلمات من كل ذنب وخطيئة، فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 480

مواقف للسلف في العشرة الزوجية الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه وخليله، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه؛ ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فيا أيها الناس! إن أحدنا لتمر عليه فترات لا يرضى فيها عن نفسه، ولكنه يتحملها ويتعلل بما يحضره من المعاذير، وإذا كان الأمر كذلك فليكن هذا هو الشأن بين الزوجين؛ يلتمس كل منهما لقرينه المعاذير؛ فإن المؤمن يطلب المعاذير والمنافق يطلب الزلات، ولابد من غض الطرف عن الهفوات والزلات؛ حتى تستقيم العشرة من ذا الذي ما ساء قط ومن له الحسنى فقط

стр. 481

خديجة تواسي الرسول ﷺ وتسليه ولا شيء يخفف أثقال الحياة، وأوزار المتاعب عن كاهل الزوجين كمثل أحدهما للآخر، ولا شيء يبعد الإنسان عن مصائبه في نفسه وغيره مثل المرأة للرجل، والرجل للمرأة، فيشعر المصاب منهما بأن له نفساً أخرى تمده بالقوة، وتشاطره مصيبته، فهذه أم المؤمنين خديجة ﵂ زوج النبي ﷺ ، كانت له في المحنة قلباً مع قلبه العظيم، وكانت لنفسه ﷺ كقول "نعم" فكأنها لم تنطق قط "لا" إلا في الشهادتين، وما زالت ﵂ تعطيه من معاني التأييد والتهوين، كأنما تلد له المسرات من عواطفها كما تلد الذرية من أحشائها، بمالها تواسيه، وبكلامها تسليه: [[كلا والله، لا يخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الحق]] .

стр. 482

موقف أم سليم بنت ملحان وحدث أنس بن مالك ﵁ عن أمه أم سليم بنت ملحان الأنصاري ﵂ قال: ﴿مرض أخ لي من أبي طلحة يدعى أبا عمير، فبينما أبو طلحة في المسجد مات الصبي، فهيأت أم سليم أمره وقالت: لا تخبروا أبا طلحة بموت ابنه، فرجع من المسجد وقد تطيبت له وتصنعت فقال: ما فعل ابني؟ قالت: هو أسكن مما كان، وقدمت له عشاءه؛ فتعشى هو وأصحابه، ثم أتما ليلتهما على أتم وأوفق ما يكون، فلما كان آخر الليل. قالت: يا أبا طلحة! ألم تر إلى آل فلان استعاروا عارية فتمتعوا بها، فلما طلبت إليهم شق عليهم! قال أبو طلحة: ما أنصفوا. قالت: فإن ابنك فلان كان عارية من الله فقبضه إليه؛ فاسترجع وحمد الله وقال: والله لا أدعك تغلبينني على الصبر، حتى إذا أصبح؛ غدا على رسول الله ﷺ فلما رآه قال: بارك الله لكما في ليلتكما﴾ الله أكبر! بمثل هذا فلتكن العشرة أيها الأزواج! بمثل هذا فلتكن الحياة الهانئة السعيدة بالنفس والولد، والمال والأوطان.

стр. 483

الحقوق الزوجية واعلموا رحمكم الله: أن لكلا الزوجين حقاً على الآخر: فحق الزوجة على الزوج أن ينفق عليها ولا يكلفها من الأمر ما لا تطيق، وأن يسكنها في بيت يصلح لمثلها، وأن يعلمها، ويؤدبها، ويغار عليها، ويصونها، وألا يتخونها، ولا يلتمس عثراتها، وأن يعاشرها بالمعروف، قال رسول الله ﷺ : ﴿استوصوا بالنساء خيراً﴾ وسئل صلوات الله وسلامه عليه: ﴿ما حق امرأة أحدنا عليه؟ قال: تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه ولا تقبح، ولا تهجر إلا في البيت﴾ رواه أبو داود. ومن حق الزوج على زوجته أن تطيعه في المعروف، وأن تتابعه في مسكنه، وألا تصوم تطوعاً إلا بإذنه، وألا تأذن لأحد في بيته إلا بإذنه، وألا تخرج بغير إذنه، وأن تشكر له نعمته عليها ولا تكفرها، وأن تدبر منزله، وتهيئ أسباب المعيشة به، وأن تحفظه في دينه وعرضه، قال رسول الله ﷺ : ﴿أيما امرأة ماتت وزوجها عنها راض، دخلت الجنة﴾ رواه الترمذي والحاكم. هذا وصلوا -رحمكم الله- على أفضل البرية وأزكى البشرية محمد بن عبد الله بن عبد المطلب صاحب الحوض والشفاعة، فقد أمركم الله بذلك في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] وقال رسول الله ﷺ : ﴿من صلَّى عليَّ صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشراً﴾ اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد، صاحب الوجه الأنور، والجبين الأزهر، وارض اللهم عن خلفائه الأربعة: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن سائر الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وجودك وكرمك وإحسانك يا أرحم الراحمين! اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين. اللهم انصر من نصر الدين، واخذل من خذل عبادك المؤمنين، اللهم فرج هم المهمومين من المسلمين، ونفس كرب المكروبين، واقض الدين عن المدينين، واشف مرضانا ومرضى المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم من أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بسوء فأشغله بنفسه، واجعل كيده في نحره يا سميع الدعاء! اللهم لا تدع لنا في مقامنا هذا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا مبتلىً إلا عافيته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا عسيراً إلا يسرته، ولا حاجة من حوائج الدنيا والآخرة هي لك رضاً ولنا فيها صلاح إلا أعنتنا على قضائها، ويسرتها برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم ما سألناك من خير فأعطنا، وما لم نسألك فابتدئنا، وما قصرت عنه آمالنا من الخيرات فبلغنا. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، اللهم ولِّ على المسلمين خيارهم، واكفهم شرارهم، اللهم اجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين، اللهم وفق ولي أمرنا لما تحب وترضى من الأقوال والأعمال يا حي يا قيوم! اللهم أصلح له بطانته يا ذا الجلال والإكرام. عباد الله: اذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على وافر نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.

стр. 484

كيف نفرح ؟ الفرح والحزن حالتان نفسيتان أودعهما الله في نفس الإنسان ضمن أضداد أخرى كثيرة، والموضوع الأساس في هذه المادة هو الفرح. وقد مضى الشيخ في حديثه من تعريف الفرح عموماً إلى فرح الله سبحانه، ثم إلى تقسيم الفرح إلى محمود ومذموم، والكلام على كل منهما.

стр. 485

الفرح من آيات الله في نفس الإنسان الحمد لله على تقديره، وحسن ما صرف من أموره، نحمده سبحانه بحسن صنعه، شكراً على إعطائه ومنعه، يصير الرزق للعبد وإن لم يشكره، ويستر الجهل على من يظهره، خَوَّف من يغفل من عقابه، وأطمع العامل في ثوابه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له خير من يدعى لدى الشدائد ومن له الذكر مع المحامد، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صاحب الوجه الأنور والجبين الأزهر، قضى بالحق وبه عدل، ربّى فصقل ووعد ففعل، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وارض اللهم عن خلفائه الأربعة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعن سائر صحابة نبيك محمد وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فأوصيكم أيها الناس ونفسي بتقوى الله سبحانه فاتقوه وراقبوه وأخلصوا له في السر والعلن، وتزودوا بطاعته فإن خير الزاد التقوى. أيها الناس: يقول الله جل وعلا في محكم التنزيل: ﴿وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات:٢٠-٢١] ويقول جل شأنه: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت:٥٣] ألا فاعلموا عباد الله أن الآيات العظام التي أودعها الله جل وعلا أنفس بني آدم لهي كثيرة حقاً، يعز على اللبيب حصرها ويعيى المتحدث سردها، ولو كلف المرء نفسه مرة في أن يستخلص بعضاً مما يثير الإعجاب في هذا التكوين، لوجد أن من الملفت حقاً ما يكمل في نفسه التي بين جنبيه من الأضداد المزدوجة، والعكوسات المتقابلة، والتي تكيف نفسها بقدر من الله وحكمة، بالتعامل مع الأحداث والمواقف، ولوجد المرء نفسه بين خلايا من الشعور اللا إرادية التي فطر الله الناس على أصله وقاعدته ويبدو ذلك بوضوح في مثل الضحك والبكاء، والقوة والضعف، والرغبة والرهبة، والذلة والعزة، والخوف والرجاء، والحب والفرح، والغضب والرضا، كل ذلك عباد الله يجتمع في النفس الواحدة في غير ذهول ولا جنون، وإنما هي خلال جبلية أودعها الله النفس البشرية ﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات:٢١] .

стр. 486

حقيقة الفرح عباد الله: إننا بحاجة ملحة إلى أن نلقي الضوء قليلاً في عدل وإنصاف، ومن منطلق النصح والتوجيه على واحد من تلك الأضداد الآنف ذكرها، ألا وهو الفرح، الفرح الذي يكون مقابلة الحزن والكآبة، الفرح الذي هو لذة في القلب بسبب الحصول على أمر محبوب، وانشراح في الصدر عند بلوغ مقصد مطلوب، أنساً بما يسر عند بلوغ مقصد مطلوب، أنساً بما يسر والذي يترجم عنه بالجوارح بالابتسامة حيناً، أو بأسارير الوجه حيناً آخر، ولربما بلغت العاطفة نفس الفرح فكان من فرط ما قد سره أبكاه. إن الله بقسطه وعدله جعل الفرح والروح في الرضا واليقين، وجعل الهم والحزن بالسخط والشك، فالساخط والشاك لا يذوق للفرح طعماً، ولا يرى له طيفاً؛ لأن الساخط العيش كثير الطيش، بل إن حياته كلها سواد ممتد وليل حالك لا يعقبه نهار إلا بفضل من الله ومَنَّ، فهو دائم الكآبة ضيق بالناس، ضيق بنفسه، كأن الدنيا في عينه سم الخياط حتى يكون حرضاً أو يكون من الهالكين.

стр. 487

فرح الله قال ابن القيم ﵀: كما ورد الرضا والفرح والسرور من ربي ﵎. الفرح -أيها المسلمون- صفة الكمال في البشر، وهو قبل ذلك صفة لله جل وعلا تليق بجلاله سبحانه، وهي في منتهى الكمال ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] وفي الصحيحين من حديث أنس بن مالك ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿لَلَّهُ أشد فرحاً بتوبة عبده من أحدكم كان على راحلة في أرض فلاة، فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه، فيئس منها فأتى شجرة فاضطجع في ظلها، فبينما هو كذلك إذا هو بها قائمة عنده فأخذ بخطامها ثم قال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح﴾ . إن لفرح الله سبحانه بتوبة عبده شأناً لا ينبغي لأحد أن يغفله، أو يعرض عنه، بل إن من عرف ذلك فهو الموفق الذي لا يغضب، إذ لا يتنبه لمثل هذا، إلا من له معرفة بالله وبأسمائه وبصفاته، وما يليق بالباري جل ذكره، ومثل هذا الحديث قد تقصر عنه أصحاب بعض بني هذا الزمان؛ لضعف عقولهم وعلومهم عن احتماله، إبان نقص في العلم وجنوح غير يسير عن تربية المرء على التعلق بالله سبحانه، غير أننا نقول كما قال ابن القيم ﵀: إن الله سيتم هذه البضاعة إلى تجارها ومن هو عارف بقدرها، وإن وقعت في الطريق بيد من ليس عارفاً بها فرب حامل فقه ليس بفقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه.

стр. 488

الفرح فرحان أيها المسلمون: إن المقاصد المثيرة للفرح برمتها منها ما هو شريف ومنها غير شريف، والإسلام بشرعته ومنهاجه يحرض أتباعه في كل حين على أن يفرحوا بما يحمد ويذكر، من الأمور والأعمال الظاهرة والباطنة؛ ولأجلها نهاهم جل وعلا عن أن يفرحوا بزخرف الدنيا ومتاع الحياة الزائل، أو يفرحوا بالسطوة في الأرض بغير الحق، أو يفرحوا فرح الاعتزاز أو الادخار الكاذب ﴿وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ﴾ [الرعد:٢٦] ﴿ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ [غافر:٧٥] .

стр. 489

مظاهر الفرح المحمود الفرح -عباد الله- شأنه شأن الوعاء، الحكم عليه مبني على ما يكون فيه من المادة الداعية إليه، فالفرح إنما يكون محموداً حينما تجده في مقابل نعمة التوفيق بطاعة من الطاعات أو قربة من القربات، أو كفرحة المجاهد الذي قهر شهواته وقاوم رغباته، أو كانتصار ما يحبه الله على ما لا يحبه، وكذا دفع الباطل بالحق فإذا هو زاهق ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الروم:٤-٥] . وإن للمسلمين كل الحق في أن يبتهجوا ويفرحوا؛ إذا نالوا نعمة خالصة أو أمنية خالية من شوائب الحظوظ العاجلة في دينهم ودنياهم مما يضر ولا ينفع، ولكنهم يفرحون إذا فرحوا فرح الأقوياء والأتقياء، وهم في الوقت نفسه لا يبغون ولا يزيغون ولا ينحرفون عن الصواب ولا يتعسفون، ناهيكم عن كونهم يعمرون فرحتهم بذكر ربهم الذي أتم عليهم نعمته ورزقهم من الطيبات، وهيأ لهم في كونه كثيراً من أسباب البهجة والسرور، بل ولربما تعدى الأمر إلى أبعد من ذلك حتى إلى مقابلة الابتلاء والامتحان بالفرح لما يفضي إليه، من محو للسيئات ورفع للدرجات. فعن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: ﴿دخلت على النبي ﷺ وهو يوعك، فوضعت يدي عليه؛ فوجدت حره بين يدي فوق اللحاف، فقلت: يا رسول الله! ما أشدها عليك، قال: إنا كذلك يضعَّف لنا البلاء ويضعَّف لنا الأجر، قلت: يا رسول الله! أي الناس أشد بلاء، قال: الأنبياء، قلت: يا رسول الله! ثم من؟ قال: ثم الصالحون، إن كان أحدهم ليبتلى بالفقر حتى ما يجد أحدهم إلا العباءة يحويها، وإن كان أحدهم ليفرح بالبلاء كما يفرح أحدكم بالرخاء﴾ رواه ابن ماجة بسند صحيح. الفرح المحمود -عباد الله- يترجم في الواقع بما تحمله في طيات نفسك لأخيك المسلم، فتفرح لفرحه وتسر لوصول النعمة إليه، أضف إلى ذلك الفرح حينما يسلم عبد أو يتوب عاصٍ، كما فرح الصحابة ﵃ بإسلام الفاروق ﵁ أو غيره من الصحابة، لا الازدراء الموجه تجاه من يتمسك بدينه ويعتز بكونه من ركاب الصالحين والطائفة الناجية المنصورة. قال أبو هريرة ﵁: ﴿كنت أدعو أمي إلى الإسلام وهي مشركة، فدعوتها يوماً، فأسمعتني في رسول الله ﷺ ما أكره، فأتيت رسول الله ﷺ وأنا أبكي قلت: يا رسول الله! إني كنت أدعو أمي إلى الإسلام فتأبى علي، فدعوتها اليوم فأسمعتني فيك ما أكره؛ فادع الله أن يهدي أم أبي هريرة، فقال رسول الله ﷺ : اللهم اهدِ أم أبي هريرة، فخرجت مستبشراً بدعوة النبي ﷺ فلما جئت وصرت إلى الباب فإذا هو مجافى، فسمعت أمي خجف قدمي فقالت: مكانك يا أبا هريرة وسمعت خضخضة الماء، قال: فاغتسلت ولبست درعها وعجلت عن خمارها، ففتحت الباب ثم قالت: يا أبا هريرة أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، قال: فرجعت إلى رسول الله ﷺ فأتيته وأنا أبكي من الفرح، قلت: يا رسول الله! أبشر قد استجاب الله دعوتك وهدى أم أبي هريرة فحمد الله وأثنى عليه﴾ الحديث رواه مسلم في صحيحه. الفرح المحمود يرعاكم الله في مثل فرح الصائم بفطره الذي عناه المصطفى ﷺ بقوله: ﴿للصائم فرحتان يفرحهما: إذ أفطر فرح، وإذا لقي ربه فرح بصومه﴾ رواه البخاري في صحيحه. الفرح المحمود فرح المؤمن بشريعة ربه، وأمره ونهيه، وعدم التقديم بين يدي الله ورسوله، بل يفرح أشد الفرح إن كان ممن عناه الله بقوله: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ﴾ [النور:٥١] أو ممن قال الله فيهم: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمِنْ الأَحْزَابِ مَنْ يُنكِرُ بَعْضَهُ﴾ [الرعد:٣٦] ففي هاتين الآيتين دعوة محضة للارتقاء بفرح القلب بالإسلام ومجيء المصطفى ﷺ ، خلافاً لمن يشاققون بها أو يناقشون ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ * قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس:٥٧-٥٨] . روى ابن أبي حاتم بسنده لما قدم خراج العراق إلى عمر ﵁، خرج عمر ومولىً له، فجعل عمر يعد الإبل فإذا هي أكثر من ذلك، فجعل عمر يقول: [[الحمد لله تعالى، ويقول مولاه: هذا من فضل الله ورحمته، فقال عمر: كذبت ليس هذا الذي يقول الله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس:٥٨] وهذا مم

стр. 490

مظاهر الفرح المذموم الحمد لله حمداً كثيراً طيباً كما أمر، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله سيد البشر، والشافع المشفع في المحشر، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه السادة الغرر. أما بعد: فاتقوا الله معاشر المسلمين: ثم اعلموا رحمكم الله أن الجانب الآخر من جانب الفرح هو الفرح المذموم وهو الذي يولد الأشر والبطر وهو ما كان ناتجاً عن الغفلة والخواء، وقد ذكر بعض المفسرين في قوله تعالى: ﴿الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾ [الناس:٤] أن الشيطان الوسواس ينفث في قلب ابن آدم عند الحزن وعند الفرح، فإذا ذكر الله خنس، والشخص المكثر من الفرح في الإسراف مما هو متاع الدنيا وزخرفها هو المعني بمثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ [القصص:٧٦] وليس من شأن المسلم أن يكون مفراحاً إلى درجة الإسراف؛ إذ ما من شيء من أمور الدنيا إلا والإسراف يشينه كما أن الاعتدال يزينه، إلا عمل الخير ولذلك قيل: لا خير في الإسراف ولا إسراف في الخير. ومن هذا المنطلق فإن الإسراف في الفرح سواء كان في الأعراس أو شبهها، مدعاة للخروج عن المقصود بل ولربما أدى إلى وقوع فيما لا يرضي الله من معاصي أو ضجيج وأهازيج، تقلق الذاكر، وتنغص الشاكر، لقد سمعتم عباد الله! الحديث الدال على أن شدة الفرح مدعاة للوقوع في الخطأ كما في قصة صاحب الراحلة حين قال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، ناهيكم عباد الله! عن ذم الفرح بالمعصية والمجاهرة بها والافتخار في نشرها أو الشروع بالألقاب والمدائح لفاعلها، ووصفهم بالتحرر أو التنور بما يصيغونها فيه على هيئة مقالات أو روائيات على حين فترة من التذكير بقول النبي ﷺ : ﴿كل أمتي معافى إلا المجاهرين﴾ رواه البخاري. ومن الطوام العظام في الفرح المذموم فرح المرء بالعمل وإظهاره للناس والتسميع والمراءاة به، ورسول الله ﷺ يقول: ﴿من سمع سمع الله به ومن راءى راءى الله به﴾ رواه البخاري، ويشتد الأمر خطورة حينما يفرح المرء بما لم يفعل من باب الرياء والتكبر، ففيهم يقول جل وعلا: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنْ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران:١٨٨] . ومثل ذلك في الخطورة فرح المرء بتقصيره في طاعة الله أو تخلفه عن ركب الصلاح والاستقامة، ونكوصه عن دعوة الداعي وأمر الآمر ونهي الناهي ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لا تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ * فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً وَلْيَبْكُوا كَثِيراً جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [التوبة:٨١-٨٢] . اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين ودمر أعداءك أعداء الدين، واجعل اللهم هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين، اللهم انصر من نصر الدين، واخذل من خذل عبادك المؤمنين، اللهم فرج هم المهمومين من المسلمين ونفس كرب المكروبين، واقض الدين عن المدينين، واشف مرضانا ومرضى المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين، اللهم وفق ولي أمرنا لما تحبه وترضاه، من الأقوال والأعمال يا حي يا قيوم، اللهم أصلح له بطانته يا ذا الجلال والإكرام، اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم سقيا رحمة لا سقيا هدم ولا بلاء ولا غرق ولا استدراج، اللهم لتحيي به البلاد وتسقي به العباد ولتجعلها بلاغاً للحاضر والباد، اللهم أمطر ما لم يمطر من بلاد المسلمين، اللهم ألف قلوبنا بالإيمان وبلادنا بالأمطار يا ذا الجلال والإكرام. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 491

داء الشباب حينما أشرق الإسلام على أهل الجاهلية؛ أتى على فاسد أخلاقهم فأبطله، وعلى المختل فعدله، وعلى الناقص فأكمله، وعلى الصالح فكلله. فمنحهم بعد الظلم إنصافاً، وبعد العهر عفافاً، أتى بالخير للإنسان فأنقذه، وشرع الزواج وحبذه، فهو لداء الشهوة عند الشباب بلسم وعلاج، وكل عقبة توضع في طريق الزواج؛ فليست من الإسلام في شيء. وإشكاليات الزواج في العصر الحديث هي محور هذه الخطبة، بالإضافة إلى بعض القضايا الأخرى.

стр. 492

الزواج بين الجاهلية والإسلام إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠-٧١] . فيا أيها الناس! لقد أشرق الإسلام بآدابه وتعاليمه الخالدة، فأقر كل خير وجد في الأخلاق الأصيلة، وغسلها مما علق بها خلال القرون من الأوبار الدخيلة، ثم أكملها بما أوحى به رب السماوات والأرض إلى نبيه صلوات الله وسلامه عليه تحقيقاً لقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً * وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً﴾ [الأحزاب:٤٥-٤٦] فبعثه الله لحفظ مصالح الخلق ومقاصدهم، وسد كل ذريعة تخدش دينهم، أو تهز كيانهم، ولذا فقد أجمع الأنبياء والرسل قاطبة على الديانة بالتوحيد في مللهم، وعلى حفظ المال والنفس والنسب، وحفظ العقل والعرض، فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول الستة، فهو مصلحة، وكل ما يفوت هذه الأصول، فهو مفسدة، ودفعها مصلحة، ولأجل هذا شرع الله الجهاد لحفظ الدين، والقصاص لحفظ النفس، وحد المسكر لحفظ العقل، وحد الزنا لحفظ العرض، وحد السرقة لحفظ المال، وعقد النكاح لحفظ النسب.

стр. 493

حديث عائشة في زواج الجاهلية أيها المسلمون! لقد ثبت عن عائشة ﵂ أنها قالت: [[كان النكاح في الجاهلية على أربعة أنحاء: نكاح الناس اليوم يخطب الرجل إلى الرجل وليته، أو ابنته، فيصدقها، ثم ينكحها، ونكاح الاستبضاع، كان الرجل يقول لامرأته إذا طهرت من حيضها: أرسلي إلى فلان، فاستبضعي منه -أي: اطلبي منه الجماع، ويعتزلها زوجها حتى يتبين حملها، فإذا تبين حملها، أصابها إذا أحب، وإنما يفعل ذلك رغبةً في نجابة الولد، ونكاح آخر يجتمع الرهط على المرأة، فيدخلون كلهم يصيبها، فإذا حملت ووضعت، ومر عليها ليال، أرسلت إليهم، فلم يستطع رجلٌ منهم أن يمتنع حتى يجتمعوا عندها، فتقول لهم: قد عرفتم ما كان من أمركم، فقد ولدت، فهو ابنك يا فلان، تسمي من أحبت باسمه، فيلحق به ولدها لا يستطيع أن يمتنع منه الرجل، ونكاح رابع يجتمع أناس كثير، فيدخلون على المرأة لا تمتنع ممن جاءها، وهن البغايا ينصبن على أبوابهن رايات تكون علماً، فمن أرادهن دخل عليهن، فإذا حملت إحداهن، ووضعت، جُمعوا لها، ودعوا لها القافة، وهم الذين يشبهون الناس، ثم ألحقوا ولدها بالذي يرون، فالتاط به -أي: التصق به وثبت النسب بينهما- ودعي ابنه، لا يمتنع منه الرجل، فلما بعث محمد ﷺ بالحق، هدم نكاح الجاهلية كله إلا نكاح الناس اليوم]] .

стр. 494

مشكلة الزواج في العصر الحديث أيها المسلمون! النكاح عبادةٌ يستكمل بها المسلم نصف دينه، ويلقى بها ربه على أحسن حال من الطهر والعفاف، وفي كثرة النسل من المصالح الخاصة والعامة ما يساعد الأمة على تكثير سواد أفرادها، فقد قال ﷺ : ﴿تزوجوا الولود الودود، فإني مكاثرٌ بكم الأمم يوم القيامة﴾ وقديماً قيل: إنما العزة للكاثرين، ولا تزال هذه حقيقة قائمةً لم يطرأ عليها ما ينقضها. أيها الناس! إن في البلاد المسلمة اليوم مشكلةً من أعظم المشاكل، وأعمقها أثراً في حياة الأمة المسلمة؛ إنها مشكلة الزواج، والتي تتلخص في كلمات هي أن في المسلمين آلافاً مؤلفة من البنات في سن الزواج، لا يجدن الخاطب، وآلافاً مؤلفة من الشباب لا يجدون البنات، أو لا يريدون الزواج، وهذه المشكلة الظاهرة إن لم يتنبه إليها المسلمون، ويفتحوا لها طرق العلاج بالحلال؛ فإنه لن يجد الشباب للوصول إلى حاجاتهم الغريزية إلا سلوك طريق الحرام، في نحو ما ذكرت عائشة ﵂، أو يزيد؛ لأنه من النتائج الحتمية الظهور والتي لا ينكرها عاقلٌ مسلمٌ أن الفساد الخلقي سببٌ في قلة الزواج، وقلة الزواج سببٌ في الفساد الخلقي، وهذا ما يسمى بالدور كما قال القائل: لولا مشيب ما جفا لولا جفاه لم أشب إن الوقدة من ضرم الشهوة في أعصاب الشاب المسلم هي داء الشباب في كل حين، ولطالما أرقت الكثيرين صغاراً وكباراً، ولطالما نفت عن عيون الكثيرين لذيذ العيش، ولطالما صرفت التلميذ عن دروسه، والعامل عن عمله، والتاجر عن تجارته، وكل هذا طبعيٌ معقولٌ، ولكن الذي لا يكون أبداً طبعياً، ولا معقولاً أن يحس الفتى، أو الفتاة بهذا كله في سن الشباب، ثم يضطرهما المجتمع بأسلوبه على مختلف المحاور إلى البقاء على العزوبة، والصرف عن الزواج من حيث يشعر، أو لا يشعر، وهذه هي المشكلة، وهي مكمن الداء، ولربما كانت بعض المجتمعات تقول للشاب بلسان حالها: اختر إحدى ثلاث كلها شر، ولكن إياك إياك أن تفكر في الرابعة والتي هي وحدها الخير وهي الزواج، وهذه الثلاث: الاختيار الأول: إما الانطواء على النفس، وعلى أوهام الشهوة، والتفكير فيها، وتغذيتها بالروايات الرخيصة، وأحلام اليقظة ورؤى المنام؛ حتى تنتهي به الحال إلى الهوس، أو انهيار أعصابه، ولسان حاله يقول للمجتمع: ألقاه في اليم مكتوفاً وقال له إياك إياك أن تبتل بالماء الاختيار الثاني: وإما اللجوء إلى طرقٍ سريةٍ خفيةٍ؛ لإبراز غلة الشهوة، والتي حرمها جمهور أهل العلم عملاً بقوله تعالى: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون:٧] . الاختيار الثالث: وإما الاغتراف من حمأة اللذة المحرمة وسلوك سبل الضلال؛ لتبذل فيها الصحة والشباب في لذة عارضة ومتعة عابرة، ثم هو لا يشبع، بل كلما واصل واحدة؛ زاده الوصال هماً كشارب الماء المالح لا يزداد شرباً إلا ازداد عطشاً. وهذا كله نتيجة ما نحسه اليوم من جمود في حركة الزواج؛ حتى أصبحت العزوبة الممقوتة أصلاً لدى عديد من الشباب ليس بالقليل، والتي أتبعها بعد ذلك اضطراب الأقيسة الاجتماعية في طريقة اختيار القرينة عندما يرغب الشباب بالحياة الزوجية، والزواج ينبغي ألا يكون قضاء وطر، وإدراك شهوةٍ فقط، ولكن ينبغي أن يكون امتداداً لأمة تحمل رسالة نبيها ﷺ ، وبناءً لأجيال تقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور:٢١] .

стр. 495

عقبات في طريق الزواج أيها المسلمون! لقد توصل الكثير من الباحثين في مشكلة الزواج إلى أسباب كثيرة كانت سداً منيعاً في طريق من يريد الزواج، وهم وإن اختلفوا في عدِّ تلك الأسباب ما بين مقل منها ومكثر؛ إلا أن أهمها لا يخرج عن أسباب ثلاثة: أولها: تلكم العادات الشنيعة التي تخرب بيت الأب وبيت الخاطب معاً، وليس فيها نفعٌ لأحد، وإنما هو التفاخر والتكاثر، والتسابق إلى التبذير والترف، ولو سئل كثير من العزاب اليوم ما منعكم من الزواج؟ لكان جواب الكثيرين منهم في صوت واحد: غلاء المهور، غلاء المهور، الذي أدى بالناس إلى الازدواجية بالحياة، وفئام من الناس كأنهم يعيشون في عصر مضى، وفئام من الناس كأنهم يعيشون في عصر لم يأت بعد، فكيف إذاً يلتقي الزوجان وبينهما عصرٌ مديدٌ، هو يعيش كفافاً، وأهل الزوجة يعيشون إسرافاً، هو يريد الزواج، وأهلها يريدون الفخر والمباهاة؟ ﴿جاء رجل إلى النبي ﷺ ، فقال: إني تزوجت امرأة من الأنصار، فقال له النبي ﷺ : على كم تزوجتها؟ قال: على أربع أواق يعني: مائة وستين درهماً فقال له النبي ﷺ : على أربع أواق؟! كأنما تنحتون من عرض هذا الجبل ما عندنا ما نعطيك﴾ الحديث رواه مسلم، وعندما يصل المجتمع المسلم إلى حد الرشد، فإنه لا يستطيع بطبيعة الحال أن ينظر بعين الرضا إلى التنافس الصبياني في غلاء المهور، وعشق الأثاث، ومن أبى إلا ركوب رأسه في هذا المنحدر، فإن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن. وسبب ثانٍ من أسباب تلك المشكلة: يتمثل في قلة الدين، وتغيب العفاف الذي أدى ببعض المجتمعات في كثير من البقاع -إلا من رحم الله- إلى إقرار الاختلاط بين الجنسين، والذي أصبح وسيلة ناجحة لإطلاق عنان الغرائز، ليعيش الشباب نكوصاً على أعراض الناس، يكتفون باختلاس النظرة، واستراق اللحظة، وسلوك مسالك الغش والتضليل التي غفل عن خطرها كثيرٌ ممن حرم هداية الله. والسبب الثالث: من أسباب تلك المشكلة هو ما يردده بعض أرباب الأفكار اللقيطة الذين ينفثون سمومهم عبر قنوات متعددة، يقررون من خلالها أن التبكير في الزواج عملٌ غير صالح، وضرب من التغرير بالمراهقين، وأنه لا ينبغي أن يغامر بعملية الزواج قبل التزود الكافي من التجارب، وفي ذلك قال قائلهم: لا قبل لي بهذا المعني الذي يسمونه الزواج، فما هو إلا بيت ثقله على شيئين: على الأرض، وعلى نفسي، وأطفال يلزمونني عمل الأيدي الكثيرة من حيث لا أمد إلا يدين اثنتين، وأتحمل منهم رهقاً شديداً، ومن ثم سيصبحون عالةً على المجتمع، ومن الذي تعرض عليه الحياة سلامها وأشواقها في مثل رسالة غرام، ثم يدع ذلك كله، ويتزوجها، فكأنه بذلك يسألها غضبها وخصامها في نحو قضية من قضايا المحاكم كل ورقة فيها تلد ورقة. وطبعياً أن يكون لمثل هذا الصدى مريدون ومريدات، يضعون مثل هذه الترهات في مقام القداسة والتعظيم، حتى يقف بهم الأمر لأن يكون الواحد منهم خواراً جباناً، لا يستطيع أن يحمل أثقالاً مع أثقاله، ويستوطن العجز والخمول، فلا يكون إلا قاعد الهمة رخو العزيمة، وكل شاب تلك حاله، فهو حادثة ترتبط بالحوادث وتستلزمها، ولا يأتي السوء إلا بمثله، أو بأسوأ منه، فيشهد العزب بنفسه أنه يبتلى بالعافية، مستعبد بالحرية، مجنون بالعقل، مغلوب بالقوة، شقي بالسعادة، وما علم أولئك أن رسول الله ﷺ قد ألجمهم بقوله: ﴿يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة، فليتزوج؛ فإنه أحصن للفرج، وأغض للبصر، ومن لم يستطع، فعليه بالصوم، فإنه له وجاء﴾ قال تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور:٣٢] . قال أبو بكر ﵁ وأرضاه: [[أطيعوا الله فيما أمركم به من النكاح؛ ينجز لكم ما وعدكم به من الغنى]] . بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
следующие страницы →