← Джавами‘

Джавами‘ · id 7744

دروس للشيخ عبد الله الجلالي

عبد الله الجلالي

Полный текст (1 366 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

الحكمة من إباحة تزوج الرجل بأربع والمرأة بواحد السؤال كيف نرد على من قال: إن الرجل أبيح له أربع زوجات ليقضي طاقته الجنسية، والمرأة لم يسمح لها إلا بزوج واحد، فكيف تقضي المرأة التي عندها طاقة جنسية حاجتها؟ الجواب ليس الهدف هو إشباع الغريزة وإن كان ذلك مقصوداً؛ لأن أكبر الأهداف من ذلك هو الإنجاب، والقاعدة معروفة أن الرجل تكون له أربع زوجات يستطيع أن ينجب أربعة أولاد في السنة أو في السنتين بإذن الله، لكن امرأة لو قدر أنها تأخذ أكثر من زوج فهل يمكن أن تنجب أكثر من واحد؟! ولمن يكون هذا الولد؟! فالمسألة بعيدة عن المعقول، والله حكيم حيث أباح للرجل أكثر من زوجة ولم يبح للمرأة أكثر من زوج، فهذه حكمة الله ولا يجوز الاعتراض عليها؛ لأن الله تعالى لا يسأل عما يفعل وهم يسألون.

стр. 107

حكم لبس المرأة للبنطال أو الملابس الضيقة والمفتوحة أمام النساء السؤال لبس البنطال للمرأة أمام النساء، وكذلك لبس الملابس الضيقة المفتوحة إلى الركبة، وظهور الذراعين وكذلك جزء من الصدر والظهر هل هذا يجوز إذا كان أمام النساء؟ الجواب إن المرأة المسلمة يجوز لها أن تبرز شيئاً مما جرت العادة بإبرازه، فإذا كانت جرت العادة بإبراز هذه الأشياء ولا تثير النساء ولا تحرك فيهن الغرائز فذلك ربما يجوز ويغتفر أمام النساء المسلمات، والبعد عن ذلك أفضل. أما لبس البنطال الضيق أو المشقوق وما أشبه ذلك أمام المحارم -خاصة الأخ أو الأخ من الرضاعة- فهذا غير مستساغ وغير صحيح؛ لأنه لم تجر العادة بلبسه أمام الإخوة. وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 108

استجيبوا لله وللرسول لقد أمرنا الله بالاستجابة لله والرسول في جميع الأوامر والنواهي، فإن في ذلك حياة القلوب، وراحة النفوس، وسعادة الفرد والمجتمع، فإن أعرضنا عن ذلك فإن الله قد تهددنا بفتنة القلوب، وتغير الأحوال، والحيلولة بيننا وبين الهدى والسعادة، فعلى المسلم أن يستجيب في السراء والضراء، وأن يستلهم من الله التوفيق والسداد.

стр. 109

حقيقة الاستجابة في آية: (استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم إلخ) بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد: يقول الله تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ * وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ * وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ * وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ * وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ * وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ [الأنفال:٢٣ - ٣١]. هذه هي الحلقة الثالثة من سورة الأنفال، سورة القتال التي تبين للمسلمين كيف يتعاملون مع الله في ساعة القتال، وما هو الطريق الأمثل والأنجح لكسب المعركة، وبدون هذا الطريق لا يفلح القوم أبداً، وأي مسلك يسلكونه لا يخضع لهذا النظام العظيم في هذا الكتاب الذي أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير فإنه نظام فاسد فاشل، نهايته البوار والدمار. يقول الله في هذه الآيات: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ * وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال:٢٤ - ٢٥] إلى آخر الآيات، كان الحديث عن شر الدواب، فالآية التي قبل هذه الآيات تقول: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ * وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال:٢٢ - ٢٣]، وقلنا: إن الدابة هي كل ما يدب على وجه الأرض، ابتداءً من الإنسان الذي هو أكرم مخلوقات الله، إلى أخس وأخبث حشرة موجودة في هذا الكون، فشر هذه المخلوقات كلها الإنسان الكافر نعوذ بالله، فإذا كان الإنسان المؤمن هو أفضل خلق الله فإن الكافر هو شر خلق الله، وما الفرق بين شر خلق الله وأفضل خلق الله! ليس هناك فرق بينهما إلا الإيمان بالله ومعرفته، والكفر به .

стр. 110

الإسلام يحقق الحياة السعيدة ثم يبين الله بعد ذلك أن هناك وسيلة للحياة يجب على الناس أن يبحثوا عنها في هذا الدين، فهذا الدين ليس كما يظنه بعض الملاحدة والعلمانيين؛ الذين يعتبرون أن الدين قد استنفذ أغراضه، وأنه أصبح لا يصلح للحياة. فلا تصلح الحياة إلا في ظل هذا الدين، وبالأخذ بهذا الدين، والتخلف عن هذا الدين هو الرجعية والتخلف في الحقيقة، كما قال الله في مكان آخر: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾ [المدثر:٣٧]، وإذا كانوا يعتقدون أن التقدم في منهجهم فنحن لا نشك بأن التقدم بالأخذ بالمنهج الذي جاء من عند الله ، ولذلك أخبر الله تعالى بأن هذا الدين هو حياة الشعوب والدول، حياة الأفراد حياة الجماعة حياة المرأة حياة الرجل حياة الجميع بالأخذ بهذا الدين.

стр. 111

الجهاد حياة الأمة المحمدية ومن أعظم أسس هذا الدين الجهاد في سبيل الله، ففيه الحياة، عجيب أن يكون الجهاد الذي تقتل فيه النفوس وتراق فيه الدماء هو الحياة! نعم هو الحياة، كما قال الله تعالى عن القصاص: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ [البقرة:١٧٩]، وهنا يقول عن الجهاد في سبيل الله: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال:٢٤]، فبالرغم من أنه قتل لكنه حياة، وبالرغم من أنه إراقة للدماء فإنه حقن للدماء، وبالرغم من أنه إزهاق للنفوس؛ لكنه إحياء للنفوس. ولذلك يا أخي! إذا أردت أن تبحث عن هذا الخبر من الواقع فانظر إلى الأمم الحية التي بدأت بالجهاد، وإن لم يكن لها مبدأ نظيف طاهر طيب وهدف؛ لكن بمقدار ما قدمت من النفوس تقدمت هذه الأمة، خصوصاً العالم الذي خاض الحربين العالميتين، فخسر عشرات الملايين من البشر كما في الحرب العالمية الثانية، فهو يبحث عن الأمن لكنه لم يحصل على الأمن الذي يقدمه الإسلام لهؤلاء الناس. فإذا كانت هذه الأمم التي ليس لها هدف الحياة الآخرة، فالأمم التي تسعى للحياة الآخرة هي أول من يجب أن يعلن الجهاد في سبيل الله، ولذلك قلت لكم يا إخوان: إن آخر مرحلة استقر عليها الإسلام: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال:٣٩]، وجميع الأحداث التي تعصف بالعالم الإسلامي اليوم إنما سببها إهمال الجهاد في سبيل الله، ولذلك قبل أن يفرض الجهاد كان سلفنا الصالح ﵃ يتمنون الجهاد، وكان الله تعالى يقول: ﴿كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [النساء:٧٧]، إلى أن أذن لهم فقال: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج:٣٩]. إذاً: الحياة هنا المراد بها السعادة، المراد بها البقاء، المراد بها العزة والكرامة، ولا تكون إلا بالجهاد في سبيل الله، فحينما وصف الله لنا معركة بدر الكبرى بين أن الجهاد وإن كان صعباً على النفوس، لكنه في الحقيقة هو حياة الأمم، قال تعالى: (اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ)، دعاكم للجهاد، فالأمم لا تحيا إلا بالجهاد، ولذلك تعتبر موقعة بدر الكبرى هي القاعدة المتينة لإقامة الدولة الإسلامية في المدينة، بل في العالم، بل في الدنيا كلها إلى يوم القيامة، لماذا؟ لأن الله تعالى شرع الجهاد من أجل أن تحيا الأمم، واليوم يتسلط الكافرون والطغاة والمتجبرون على المسلمين، لأن المسلمين أهملوا الجهاد في سبيل الله الذي هو ذروة الإسلام كما أخبر الرسول ﷺ ، وهنا يقول الله : (اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ)، فالجهاد قتل وفيه حياة؛ لأن هذا القتل يثبت مكانة هذه الأمة في هذه الأرض؛ لأن الجهاد هو الذي يقرر مصير أمة من الأمم، إذاً هو يحيي في الحقيقة وليس يميت.

стр. 112

اتباع أوامر الله ورسوله سعادة البشرية (اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ)، وفي هذه الآية يستدل على أن أي أمر من أوامر الله وأوامر رسوله ﷺ هو سعادة البشرية، وإذا تخلفت الأمة وتركت أمراً من أوامر الله فإن هذه الأمة قد سقطت من عين الله.

стр. 113

وجوب تقديم طاعة الله ورسوله على طاعة المخلوقين وتدل الآية: على وجوب تقديم طاعة الله وطاعة رسوله على طاعة أي مخلوق من المخلوقين، وعلى الهوى والشهوة والرغبات الخاصة والعامة؛ لأن الله تعالى قال: (اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ). وقد فسر هذه الآية رسول الله ﷺ : (حينما دعا رجلاً من المسلمين، وكان الرجل يصلي فانشغل بصلاته، فلما انتهى جاء واعتذر بين يدي رسول الله ﷺ فقال لرسول الله: كنت أصلي، قال: أما سمعت قول الله تعالى: (اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ)) فهذا دليل على أنه لا يجوز أن تقدم طاعة مخلوق كائناً من كان على طاعة الله وطاعة رسوله.

стр. 114

قلب الإنسان بيد الله يقلبه كيف يشاء ويبين الله تعالى بعد ذلك أن القلوب بيد الله، وأن الإنسان لا يدري مصيره وخاتمته، ولا يدري هل يستطيع أن يحقق آماله وأهدافه في هذه الحياة أم لا يستطيع؟! هل يطول به العمر أو لا يطول؟! الله تعالى يبين أن هذا الإنسان عليه أن يبادر، لأن الله تعالى يقول: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال:٢٤]. ما معنى (يحول بين المرء وقلبه)؟ أي: قد تكون هناك آمال طوال عراض لهذا الإنسان، لكن الله يقطع هذه الآمال على هذا الإنسان، فلا يحقق شيئاً منها، لأن الأجل قد قرب. أمر آخر تشير إليه هذه الآية في قوله تعالى: (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ)، وهو أن القلوب بيد الله ، وهذا الإنسان عليه أن يبحث ويسعى إلى حسن الخاتمة، فقد يعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، نعوذ بالله من سوء الخاتمة، وقد يعمل بعمل أهل النار حسب ما يظهر للناس، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة؛ فيدخلها، والله تعالى يقول: (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ)، فالإنسان يخضع لإرادة الله ولما قدر له.

стр. 115

قوله تعالى: (واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة) وما تحمله من معاني ثم يقول الله مبيناً أن ترك الجهاد في سبيل الله، وأن الانحراف عن منهج الله في مجموعة من الناس لا يعني أنه يعرض هذه المجموعة وحدها للفتنة والبلاء، ولكنه يعرض العالم كله للدمار، قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال:٢٥]. الفتنة تفسر دائماً وأبداً بالكفر والانحراف عن الدين، وإن كانت تأتي في بعض الأحيان للفوضى والاضطرابات، لكن إذا أطلقت الفتنة فالأصل فيها الكفر أو الردة عن الإسلام، كما قال الله تعالى هنا: (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً)، وتشير هذه الآية إلى معنيين عظيمين يغفل عنهما الناس:

стр. 116

العقوبة تعم ولا تخص المعنى الأول: أن العقوبة على المعصية إذا حلت بالأمة فإنها تصيب الناس أجمعين: (واتقوا فتنة) يفعلها بعض الناس، (لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة) أي: تصيب جميع الناس، هذه لها أدلة وشواهد كثيرة من القرآن والسنة، من هذه الشواهد قصة بني إسرائيل في قصة السبت في آخر سورة الأعراف قال تعالى: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ﴾ [الأعراف:١٦٣]، فالقصة أن بني إسرائيل منهم من فعل أمراً عظيماً، فحرم الله عليه الصيد في يوم السبت، واستعمل الحيلة كما يستعمل كثير من الناس الحيل في أيامنا الحاضرة على أخذ الأموال، فصاروا يضعون الشباك في يوم الجمعة، ويخرجونها في يوم الأحد، يقولون: نحن لا نصطاد في يوم السبت، ويتحيلون على أمر الله، فانقسم بنو إسرائيل إلى ثلاثة أقسام: قسم فعل هذه المعصية الكبيرة، وقسم نهى عن هذه المعصية، وقسم لام من نهى وقال: لم تعظون قوماً الله مهلكهم أو معذبهم عذاباً شديداً؟! النتيجة يقول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾ [الأعراف:١٦٥]، إذاً: إنما ينجو من العذاب الذين ينهون عن السوء. والرسول ﷺ صور الحياة بسفينة، فبعض الناس في أعلاها وبعضهم في أسفلها، وهم المطيعون والعصاة، ففكر العصاة في خرق السفينة، يقول الرسول ﷺ : (فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا وهلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً). إذاً معنى ذلك: العقوبة إذا نزلت من عند الله فإنها تأخذ بالصالح والطالح، ولا يتخلص منها إلا الذين ينهون عن السوء، كما قال الله : ﴿فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُوْلُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ [هود:١١٦]. ويقول الله مبيناً أن العقوبة تنزل بسبب مجموعة صغيرة فتعم الجميع: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً﴾ [الإسراء:١٦]، أي: أمة في قرية، ﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾ [الإسراء:١٦]، وفي قراءة سبعية: ﴿أمَّرنا مُتْرَفِيهَا﴾ [الإسراء:١٦]، أي: جعلنا السلطة بيد المترفين الفسقة، ﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا﴾ [الإسراء:١٦]، ما هي النتيجة؟ ﴿فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ [الإسراء:١٦]، القرية كلها دمرها الله تعالى تدميراً، مع أن الذين فسقوا هم المترفون، وقد يكونون هم أمراء هذه القرية. إذاً: معنى ذلك أن العقوبة تعم الجميع، وهذا هو المقصود بقوله تعالى: (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً). إذاً: العقوبة لا تخص العصاة وحدهم، وإنما تعم العصاة ومن يسكت على معصية الله، أما الذين ينهون عن السوء فإن الله تعالى يخلصهم بأي حال من الأحوال، ولو أن يقبض أرواحهم قبل أن تأتي هذه العقوبة. هذه مسألة يجب أن نفهمها في وقتٍ ضعف فيه جانب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فنجد أن كثيراً من الناس قد أغمض عينيه عن المنكرات، وخاف من البشر، وجامل في دين الله، ودس رأسه بالرمل كما تدس النعامة رأسها في الرمل، ورأى المناكر قد أعلنت أنفسها في وضح النهار، وسكت جبناً، أو طمعاً، أو لأي سبب من الأسباب، فهذه أمور خطيرة يجب أن نفهمها. إذا كان الناس يريدون أن يسلموا من عذاب الله، فلا بد من إنكار المنكر بأي حال من الأحوال، وأقصد المنكر الذي يعلن، وهو الذي يرى بالعين، ويسمع بالأذن، ويدرك بالحواس، أما إذا كان المنكر قد خفي فالله يعفينا من أمره حتى ينتشر، وإن كنا مطالبين بأن نتتبع خلايا المنكر بالطريقة المشروعة.

стр. 117

العقوبة أنواع وأعظمها الانحراف عن الدين يعرف الناس أشد الغفلة، وهي: يظن الناس أن العقوبة تكون عقوبة حسية: زلازل براكين تتفتح في الأرض صواعق تنزل من السماء رياحاً وعواصف جدباً، فتناً وحروباً داخلية بين الناس، اضطرابات، وهذه كلها أنواع من العقوبة، لكن هناك نوع من العقوبة لا يعرفه كثير من الناس وهو ما أشار الله إليه بقوله: (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً)، قد يكون الناس في نعيم ورغد من العيش، ورخاء وطمأنينة، وتفجر لهم الخيرات من وراء آلاف الأقدام في جوف الأرض، ويعيشون في قصور مترفة، لكن الفتنة موجودة، وهي الانحراف عن الدين. فالانحراف عن الدين عقوبة، يقول الله تعالى: (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً)، إذاً: احذروا أن تصيبكم هذه العقوبة التي تختلف عن العقوبات التي أصابت الأمم السابقة، فالذي أهلك أمماً بالغرق، وأهلك أمماً بالصاعقة، وأهلك أمماً بالريح وأهلك وأهلك، قد يهلككم بالفتنة، وهي الانحراف عن الدين، وهذا هو الشيء الذي لا يدركه كثير من الناس؛ لأن العقوبة لو نزلت على أساس أمر مادي يهلك الأجسام كما نزل على الأمم السابقة لكانت الأمم تدرك مقدار هذه العقوبة، لكن تجد أمة يعطيها الله من الخيرات والنعيم، وهي تبتعد عن الله بمقدار ما يأتيها من النعيم، فهذه قد أصيبت بعقوبة ليس لها نظير من العقوبات في الأمم السابقة، وهي التي أشار الله إليها بقوله: (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً). وهي التي أشار الله إليها بقوله: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف:٥]، وهي التي أشار الله تعالى إليها بقوله: ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء:٧٩]، أي: العقوبة، فالمعصية تجر معصية وراءها، وتكون الثانية عقوبة على الأولى، وكل معصية تجر وراءها معصية أكبر منها إلى أن يمرق هذا الإنسان من دين الله تعالى، فلا يبقى عنده أي شيء من دين الله. فهذا هو معنى قوله تعالى: (واتقوا فتنة)، وهو الذي أشار الله تعالى إليه بقوله في آخر سورة النور: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣]، لماذا أتى بـ (أو)؟ لأن العذاب الأليم غير الفتنة، فإن العذاب الأليم يصيب الجسد، والفتنة تصيب القلب والروح والمعنى، والأولى المذكورة في الآية أخطر من الثانية، لأن عقوبة الجسد تنتهي في هذا الإنسان بأجله الذي كتبه الله تعالى عليه، ولربما يتجاوز الله عنه، لكن حينما يصاب بالكفر والانحراف عن الدين، فهذه فتنة لا تساويها فتنة أخرى. ولذلك أقول: إنني ألاحظ في عالمنا اليوم، وفي دنيا الناس اليوم: أن كثيراً منهم أصيب بهذا النوع من هذا العذاب، وبهذه الفتنة العمياء، فأصبحنا نشاهد كثيراً من الذين انحرفوا عن دين الله يصابون في عقيدتهم وفي دينهم حتى خرجوا عن الإسلام دون أن يجدوا رادعاً، بل منهم من أعلن عن كفره وردته، ومنهم من غطى كفره وردته بغطاء شفاف يشف عما تحته، وبعضهم يتكتم كما يتكتم المنافقون قال تعالى: ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ [المائدة:٥٢]. إذاً: معنى قوله تعالى: (واتقوا)، أي: احذروا، (فتنة)، أي: عقوبة ليست كالعقوبات السابقة التي أصابت قوم نوح وعاد وثمود وأصحاب الأيكة، لكنها فتنة من نوع آخر تصيب القلب والروح، ويصعب على هذا الإنسان أن يحدد مقدار هذه الفتنة، وموقعها من القلب.

стр. 118

فتنة الانحراف ليست خاصة بالعصاة هذه الفتنة ليست خاصة بالعصاة، فقد يعاقب الله المطيع بالفتنة، وهذا نشاهده في عالمنا اليوم، فلربما نجد ذلك الرجل الصالح الذي كان باستطاعته أن ينكر المنكر، وأن يقول للناس: اتقوا الله، ثم إذا به هو يصاب بنفسه، ولم تصب الفتنة الذي ظلم خاصة، بل أصابت مع الظالم غيره أيضاً، وهذه الفتنة هي أقسى أنواع العقوبات. ثم قال الله تعالى بعد ذلك: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال:٢٥]، فمعنى ذلك: أن عقوبة الأجساد تعتبر عقوبة، لكن أشد من عقوبة الأجساد أن يفتن هذا الإنسان في دينه، فيلتبس عليه الأمر، فلا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً، ويختلط المنكر بمخه ولحمه وعظمه ودمه، فلا يستطيع أن يميز، وحينئذ هو يقترف ما يقترف من معصية الله، وهو ما أشار الله إليه في قوله في مراحل اقتراف المعصية: ﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ [الأنعام:١١٣]، وهذه المرحلة الأولى، (وَلِيَرْضَوْهُ﴾ [الأنعام:١١٣]، حينما تطمئن إليه القلوب، ﴿وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾ [الأنعام:١١٣]. وإذا رضي الناس المنكر فإنهم يقترفون بعد ذلك ما هم مقترفون، لكن ما دام الناس يشعرون بأن هذا منكر، وأن اقترافه إثم؛ فهم في خير، ولكنهم يفقدون هذا الخير حينما تطول مدة هذا المنكر، فلا يستطيعون إنكاره في يوم من الأيام، لأنه أصبح أمراً مألوفاً، ويصلون إلى المرحلة الخطيرة من آخر مراحل الحياة الدنيا: وهي أن يصبح المعروف منكراً والمنكر معروفاً، كما أشار إلى ذلك الرسول ﷺ ، ولذلك لا تعجبوا حينما قال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال:٢٥]، يعني: هذه أعظم أنواع العقوبات التي تصيب الناس في دينهم.

стр. 119

تذكير الله لهذه الأمة بالنعمة ووجوب شكرها ثم يذكر الله المسلمين الأولين ويذكرنا نحن ويذكر كل أمة مرت بها فترتان: فترة خوف وذعر، ثم أبدل الله خوفها أمناً وطمأنينة. وإذا كانت هذه الآية تتكلم عن أمة فإن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فالله تعالى يقول لأمة المسلمين في عهد رسول الله ﷺ ويذكرهم بحالهم يوم كانوا في مكة، وكانوا مستضعفين في الأرض، فكانت لهم دولة بعد معركة بدر: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ﴾ [الأنفال:٢٦]، والمراد بالأرض أرض مكة، ومعنى: (تخافون أن يتخطفكم الناس) يعني: أن يصيبوكم ويأخذوكم بسرعة، فالخطف معناه: الأخذ بسرعة، ما الذي حصل؟ ﴿فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ [الأنفال:٢٦]. هذه الآية تتحدث عن أمة، لكنها والله تتحدث عنا نحن أيضاً، فقد كنا مستضعفين في الأرض، كنا أمة فقيرة، كنا أمة لا وزن لها في تاريخ العالم، كنا أمة خائفة، كنا أمة لا نملك شيئاً من متاع الحياة الدنيا، فأمننا الله ، وأبدل خوفنا أمناً، وفجر لنا خيرات الأرض من وراء آلاف الأقدام، فأصبح فقيرنا ملكاً من ملوك الدنيا في ثروته، وأقول هذا لأني رأيت بعيني هاتين رئيس دولة هي أكبر دولة إسلامية، رأيت بيته أقل من بيت أي واحد من عامة الناس في بلادنا هذه، فقلت: سبحان الله: (وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ). لكن يا أخي! لا ننسى أن الله تعالى ذكر ثلاث فترات أخاف أنها كلها مرت بنا في حياتنا القصيرة، ثلاث فترات: فترة فقر ومسغبة عشناها منذ سنوات ليست بالبعيدة، وخوف وذعر، فأبدل الله خوفنا أمناً، وفقرنا غنى. فأصبحنا -كما تشاهدون في أيامنا الحاضرة- كأننا نعيش في قصور ملوك، وفي حياة ملوك! ثم بعد ذلك أرى أن هناك شيئاً بدأ يحدث في أيامنا الحاضرة، ما هو السر في ذلك؟ السر في ذلك أن الله تعالى يمتحن الناس بالفقر والمصائب، والخوف والذعر في المرحلة الأولى. ثم إذا لم تؤدب الأولى الناس يبدل الله تعالى السيئة حسنة، فيبدل الخوف أمناً، والفقر رزقاً. فإذا لم تنفع الثانية فإن الله تعالى يسلب هذه النعمة دفعة واحدة من هؤلاء الناس، ويكون العذاب، نعوذ بالله من عذاب الله وأليم عقابه! اسمعوا إلى هذا المعنى في قول الله تعالى في سورة الأعراف: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ﴾ [الأعراف:٩٤]، البأساء هي الحروب، والضراء: الأمراض والفقر ﴿ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ﴾ [الأعراف:٩٥]، ما معنى بدلنا مكان السيئة الحسنة؟ أبدلنا الضراء صحة وعافية، وثراءً ونعمة ورخاءً، والبأساء بدلها الله تعالى أمناً وطمأنينة؛ لأن البأساء معناها الحروب والفتن، فهذه مرت بنا يا إخوة! بدل الله السيئة حسنة. قال: ﴿حَتَّى عَفَوا﴾ [الأعراف:٩٥]، زاد العدد، وزادت الأموال، وزادت الخيرات، إذا قيل لأحد الناس: اتق الله يا أخي! فهذه النعمة بيدك لها ضد! ماذا يقول كثير من الناس؟ يقول: ضدها عاشها أبي وجدي، اسمعوا ماذا يقول الله تعالى: ﴿وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ﴾ [الأعراف:٩٥]، ما هي النتيجة؟ ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [الأعراف:٩٥]، يا إخواني! يجب أن نخاف من عذاب الله ، وأن نعرف أن لكل شيء ضداً، وأن هذه النعمة التي بأيدينا لا بد أن نرعاها ونشكر الله ، ونقول للناس: اتقوا الله، ونقول لأصحاب السلطة: اتقوا الله، ونقول لهم: ﴿لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الأَرْضِ فَمَنْ يَنصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا﴾ [غافر:٢٩]. وهنا يقول الله تعالى عن هذا الأمر: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الأنفال:٢٦]، يعني: مجيء هذه النعم من أجل أن تشكروا الله ، لا من أجل أن يبطر هذا الإنسان ويكفر هذه النعمة، ويستعملها في معصية الله وفيما حرم الله، هذا ليس منهج المسلم، فمنهج المسلم أنه كلما زادت النعمة بيده قال: الحمد لله رب العالمين.

стр. 120

مصلحة عامة المسلمين مقدمة على المصلحة الخاصة ثم يقول الله تعالى بعد ذلك: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال:٢٧]. الخيانة قد تكون قليلة حسب رأي العين، لكنها في ميزان الله وفي حكم الله عظيمة، لأن أي خيانة في الإسلام غير مقبولة، فإشارة بالعين وحركة بسيطة قد تضر بالأمة الإسلامية، وتعتبر خيانة. إذاً: فما رأيك يا أخي! في الذين يخططون للإطاحة بالأمة الإسلامية؟! ما رأيك بالذين يربكون الدولة حتى في هذه الفترة العصيبة، يريدون أن ترتبك الدولة وهي تحارب عدواً من الخارج، كما عمل المنافقون واليهود يوم الأحزاب بالرسول ﷺ من الداخل؟ خيانة بسيطة حسب رأي العين اعتبرها الله تعالى خيانة.

стр. 121

سبب نزول آية: (لا تخونوا الله والرسول) والآية لها سبب: لما أرسل الرسول ﷺ أبا لبابة ﵁ إلى بني قريظة يخبرهم بأنه سوف يقدم إلى ديارهم ويقاتلهم، كان عند الرسول ﷺ سر لا يريد أن ينكشف هذا السر، وهو أنه يريد أن يقطع رءوس القوم لأنهم خانوا الرسول ﷺ في وقت يجب أن يعان فيه، فأشار أبو لبابة بيده إلى رقبته فقط وهو يكلم بني قريظة، كأنه يقول لبني قريظة: إنه سوف يقطع رقابكم، لكن الله تعالى يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، فأنزل هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال:٢٧]. ولما سأل الرسول ﷺ أبا لبابة قال: يا رسول الله! أنا رجل ضعيف في هؤلاء القوم، وأخاف على أولادي، فالله تعالى يذكر أن الأولاد لا وزن لهم في ميزان الإسلام، فالإنسان يضحي بنفسه وولده وبأي شيء في سبيل دينه، ولذلك الله تعالى قال: ﴿لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ * وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال:٢٧ - ٢٨]، وقد كان أبو لبابة من خيار الصحابة، لكنه فعل ذلك خطأ من أجل أن يثبت له قيمة عند بني قريظة، فالله تعالى اعتبرها خيانة، وإذا كان الأولاد يدفعون الإنسان إلى خيانة في دينه وأمته؛ فإن هذه هي المصيبة وهذا هو البلاء، ولذلك قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ).

стр. 122

لا تجوز خيانة الدين لأجل المال والولد فالإنسان إذا اؤتمن على شيء فعليه أن يؤدي هذه الأمانة حتى يسلمها لصاحبها، فإذا ائتمنته الدولة على أمر من أمور المسلمين فعليه أن يؤدي هذه الأمانة ما لم تكن هذه الأمانة تضر بمسلم من المسلمين، وتخالف أمراً من أوامر الله ، فإن الأصل هو أداء هذه الأمانة، وخيانة هذه الأمانة عظيمة عند الله ، ولو كانت حسب رأي العين أمراً صغيراً، وإذا كان الإنسان يخاف على نفسه أو ماله أو ولده فيخون هذه الخيانة فإنها خيانة لا تغتفر إلا أن يتوب هذا الإنسان إلى ربه ، ولذلك الله تعالى يقول: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ)، كما أشار أبو لبابة إلى أن له أولاداً في بني قريظة يريد أن يحافظ عليهم حينما أشار إلى رقبته، الله تعالى: هذه هي الفتنة وهذا هو البلاء، أن يكون للإنسان ولد، فيضيع دينه من أجل هذا الولد، كما يضيع كثير من الناس اليوم دين ولده بسوء التربية، وعدم إلزام هذا الولد وهذه الذرية بأوامر الله . (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ): ابتلاء واختبار من الله . (وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ): خير من المال والولد، أنت قد تدافع عن ولدك فتضر بالمسلمين، والله تعالى عنده لك خير من هذا الولد، أنت قد تضر بالمسلمين من أجل أن تحتفظ بمالك، أو أن تدافع عن مالك، أو أن تكسب مالاً في سبيل الإضرار بالأمة الإسلامية، فالله تعالى عنده خير من هذا المال الذي تدافع عنه، والذي من أجله تضحي بدينك، وهذا هو معنى قوله تعالى: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ).

стр. 123

الكلام على آية: (إن تتقوا الله يجعل لكم فرقاناً)

стр. 124

التقوى شرط في تمييز الحق من الباطل قد يلتبس الأمر على بعض الناس فلا يستطيع أن يميز بين الحق والباطل، فيظن أن الأمر حق وهو باطل، أو أنه باطل وهو حق. على من يلتبس الأمر على المنحرف عن دين الله تعالى، أما التقي المؤمن فإنه يستطيع أن يفرق بين الحق والباطل بسبب التقوى، وبسبب امتثال أمر الله ، ولذلك يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ﴾ [الأنفال:٢٩]، أي: تلتزموا أمر الله، وتجتنبوا نهي الله، ﴿يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال:٢٩]، أي: يجعل لكم علماً تفرقون به بين الحق والباطل، إذاً: إنما يلتبس على غير المتقين، أما المتقون فإن الله تعالى قد أعطاهم نوراً يستطيعون أن يفرقوا به بين الحق والباطل. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال:٢٩]، أي: أمراً تميزون به بين الحق والباطل، ولذلك لا يضل الطريق إلا من خالف أمر الله ، ولا يلتبس الحق بالباطل إلا على غير المتقين، أما المتقون فإن الله تعالى يجعل لهم فرقاناً، والفرقان على هذا المعنى: هو ما يفرقون به بين الحق والباطل.

стр. 125

التقوى شرط لنزول النصر من الله معنى آخر لهذه الآية: قال بعض المفسرين: المراد بالفرقان النصر، فالنصر لا يكون إلا للمؤمنين، فمعنى (فرقاناً) أي: كيوم الفرقان الذي أشار الله إليه بقوله: ﴿يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ [الأنفال:٤١]، أي أن الله يجعل لكم يوماً كيوم بدر، لكن بشرط أن تتقوا الله ، فيمكن أن تنزل الملائكة لو أن المسلمين صدقوا مع الله كما نزلت يوم بدر، وقد يأتي الرعب الذي يقذفه الله تعالى في قلوب العدو، وقد يأتي النصر دون أن تنزل الملائكة، المهم أن تلتزم هذه الأمة بالمنهج الصحيح، والله يجعل لها فرقاناً، كما أعطى محمداً ﷺ يوم بدر فرقاناً، ففرق بين الحق والباطل، وأطاح بالباطل ورفع راية الحق، فهو الذي يعطي فرقاناً في أي وقت من الأوقات لهذه الأمة الإسلامية. ولذلك نحن نقول: ليس بين الأمة الإسلامية وبين النصر إلا أن تتفقد عيوبها، وأن ترجع إلى ربها، وأن تعاهده على التوبة والإنابة، والله تعالى يقبل التوبة من عباده ويعفو عن السيئات.

стр. 126

انعدام التقوى سبب لانعدام الفرقان قوله: (إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا) مفهومه: وإن لم تتقوا الله لا يجعل لكم فرقاناً، هذه هي القاعدة اللغوية في فعل الشرط وجواب الشرط؛ ولذلك فإن الأمة الإسلامية مطالبة -ولاسيما في ساعة الصفر- أن تتعرف إلى الله وأن تتوب إليه، والأولى أن تتعرف إلى الله قبل هذه الفترة، يقول ﷺ : (تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة)، ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوا بِمَفَازَتِهِمْ﴾ [الزمر:٦١]، يعني: في وقت الشدة. لكن أقل ما يجب أن تفعله الأمة الإسلامية: أن تعود إلى الله في ساعة الشدة، وذلك أضعف الإيمان، فإذا وقفت مع عدوها فعار عليها وعيب ومصيبة وبلاء أن تبقى على ما كان عندها من السيئات؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا﴾ [الأنعام:٤٣]، ولو في ساعة البأس، ﴿وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام:٤٣].

стр. 127

وجوب العودة إلى الله في الشدائد أيها الإخوة! لا بد من العودة إلى الله تعالى، أنا أدعو المسلمين كافة وأبدأ بنفسي إلى أن نتفقد أحوال أنفسنا، ونحن الآن نقف أمام حرب مع عدو حاقد، حاسد للإسلام، متربص منذ مدة طويلة ينتظر مثل هذه الفرصة، ووالله الذي لا إله غيره لن يخلصنا منه قوة من قوى الأرض إلا أن نعود إلى الله تائبين، والله تعالى يقول: ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال:٢٩]، ويقول في مكان آخر: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا﴾ [آل عمران:١٣]، ما معنى (آية)؟ أي: استفيدوا من ذلك الدرس، أما أن يمر بكم ذلكم الدرس دون أن تستفيدوا فإن هذه هي المصيبة، لكن النظر إلى الكثرة دون الكيفية؛ ودون أن ننظر إلى تعلق الناس بالله واستجابتهم لأمر الله هو بداية الدمار والمصيبة للأمة الإسلامية. ودائماً أكرر وأقول لكم: خمسة آلاف من الملائكة مسومين في معركة بدر، جبريل واحد منهم، وهو الذي حمل في أحد أجنحته ديار قوم لوط وقلبها، ومع ذلك يذكر الله تعالى أنهم لا ينتصرون إلا بإرادته: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران:١٢٦]، فإذا كانت الملائكة مع خير البرية محمد ﷺ بقيادة خير الملائكة جبريل مع خيار الصحابة؛ لا ينتصرون إلا بإرادة الله، إذاً: لن تنتصر أمة إلا بإرادة الله في أي عصر من العصور، مهما كانت قد أوتيت من وسائل التقنية الحديثة ومن العدد والعدد وغير ذلك، فإن الله تعالى يقول: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران:١٢٦]. وإذا جاء النصر من عند الله: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٤٩]، وهنا يقول الله تعالى: ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [الأنفال:٢٩]، أيضاً هناك زيادة: ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الأنفال:٢٩]، ثلاثة أشياء: فرقان؛ وهو النصر الذي يريده كل الناس قال تعالى: ﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ [الصف:١٣]. ومغفرة الذنوب. وتكفير السيئات. يقول الله تعالى: (وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ): يتكرم عليكم بهذا الأمر.

стр. 128

الكلام على آية: (وإذ يمكر بك الذين كفروا)

стр. 129

اجتماع دار الندوة للمكر برسول الله ﷺ قصة دار الندوة هي سبب الهجرة، وهي أيضاً سبب المؤامرة ضد الإسلام، وهي أيضاً سبب قيام معركة بدر: حينما فكر النبي ﷺ والتقى بالأنصار الذين جاءوا مسلمين، وبايعوا الرسول ﷺ عند العقبة واتفق معهم على أن يذهب معهم إلى المدينة، ويقيم دولة الإسلام هناك في المدينة، وأعطوا العهود والمواثيق، وصلت بعض الأخبار إلى قريش في مكة، وقالوا: لو ذهب محمد إلى المدينة سيقطع علينا طريق القوافل؛ لأن القوافل تمر من الشام إلى مكة عن طريق المدينة، فقالوا: إذاً نجتمع في هذه الليلة في دار الندوة من أجل أن ندرس الوضع الذي نستطيع أن نقضي فيه على دعوة محمد ﷺ . فاجتمعوا ودخل الشيطان عليهم بصورة رجل متنكر، واستأذنهم وقال: أتأذنون لي بالدخول؟ قالوا: نعم، فبدءوا يتداولون الرأي، فقال بعضهم: أرى أن نكبل محمداً بالأغلال ونودعه السجن، فقال: إذاً يأتي بنو هاشم وبنو المطلب ويطلقون سراحه. ثم قالوا: ننفيه من الأرض ولا نتركه يقر له مكان، فقال: إذاً تلتف إليه القبائل. ثم قال أبو جهل: أنا عندي الرأي: نأتي بمجموعة من شباب قريش، ونعطي كل واحد منهم سيفاً، ويقتلونه قتلة رجل واحد، ويتفرق دمه في القبائل، وندفع لبني هاشم وبني المطلب الدية، فقال الشيطان: هذا هو الرأي.

стр. 130

مكر الله بالكافرين وحفظ رسوله منهم اتفق الكفار على ذلك وقرروا أن يقضوا على الرسول ﷺ ، وأرسلوا من يراقب داره ﵊ إلى الصباح، لكن الله تعالى أخبره فخرج من الدار، وبقي علي بن أبي طالب نائماً في فراشه إلى الصباح. أشار الله إلى هذه المؤامرة يذكر محمداً ﷺ ، ويذكر المسلمين، الذين ما زالوا يتفيئون ظلال هذا الدين، وتلك الهجرة إلى يوم القيامة يقول تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾ [الأنفال:٣٠]، بعضهم يرى القتل، وبعضهم يرى الإثبات الذي هو القيد، وبعضهم يرى الإخراج، لكن هذا المكر لا يضر إنساناً حفظه الله ، ولذلك يا إخوان! يجب على المسلم أن يتعلق بالله وحده، وإذا تعلق بالله وحده فإن الله تعالى يكفيه شرور الناس أجمعين، لأن نواصي الخلق بيده، وقلوبهم في قبضته، ولأنه لا يصيب هذا الإنسان إلا ما كتب الله له، رفعت الأقلام وجفت الصحف. الخوف من البشر غير وارد، يجب أن يكون الخوف من رب البشر، الذي يملك الموت والحياة والرزق وغير ذلك، وهنا يقول الله تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ﴾ [الأنفال:٣٠]، والمكر معناه: الخداع، ﴿وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال:٣٠]، إذاً: مكر هؤلاء لا يمكن أن يضرك ما دام الله تعالى قد مكر لك، وما دام الله ﵎ قد حفظك من مكر هؤلاء، ولذلك هم مكروا وأرادوا قتله، ومكر الله تعالى بهم فأخرجه من بينهم، وذر على رءوسهم التراب ﵊، وهو يتلو قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ [يس:٩]. ويخرج أمام أعينهم ويحفظه الله ، ويذهب مع أبي بكر إلى غار ثور، ويبقى ثلاثة أيام هناك، والقوم يصلون إلى باب الغار ثم يرجعون، دون أن ينظروا إلى محمد ﷺ ، هكذا يحفظ الله رسله وأولياءه! وهذا الحفظ باق وخالد إلى يوم القيامة، بشرط أن نأخذ بأسباب هذا الحفظ، وأن يكون اعتمادنا وتوكلنا على الله ، لا نتعلق بالبشر والمخلوقين مهما كانت قوتهم ضاربة في الأرض، فإن هذه القوى لا تغني من الله شيئاً إذا أراد الله تعالى لها ألا تكون. أيها الإخوة! قال تعالى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال:٣٠]، فإذا خاف الإنسان من غير الله فعليه أن يراجع إيمانه، وعليه أن يجدد هذا الإيمان، وأن يعلق الخوف والرجاء بالله . وقد أنزل الله تعالى هذه الآية حاكياً ما فعله القوم وما دبروه ضد محمد ﷺ ، وكان ذلكم السبب والشرارة الأولى لقيام الدولة الإسلامية، بحيث ينطلق هذا الموكب العظيم إلى المدينة ليقيم هناك دولة الإسلام، وليعلن الجهاد في سبيل الله، ثم يكون هناك الفرقان بين الحق والباطل. والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله.

стр. 131

الأسئلة

стр. 132

خطأ العلمانية في اعتقاد أن الدين لا يصلح لهذا العصر السؤال ما حكم الشرع فيمن يقول: إن الدين لا يصلح لهذا العصر وأنه لا علاقة للدين بالسياسة؟ الجواب هذه نظرة علمانية إلحادية كافرة تقول إن الدين لا يصلح إلا في المسجد، فهم والعجيب أنهم ما تركوا الدين حتى في المسجد، يطاردون الدين حتى داخل المسجد، لم يسمحوا له أن يزاول مهمته؛ لأنهم عرفوا أن المسجد يؤدي دوراً كبيراً، والحقيقة أن هذه أولاً نظرية كافرة، لأن الله تعالى يقول: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل:٨٩]، ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:٣٨]. ومتى بدأت السياسة؟ بدأت يوم جاء الدين، العالم كان يعيش في فوضى واضطراب، وكان الناس في هذا العالم بدواً لا يعرفون السياسة، ولا يعرفون نظام الحياة، حتى قامت دولة الإسلام فعرفتهم السياسة، إذاً: السياسة جزء من الدين، وفصل السياسة عن الدين أمر خطير، وهذا حصل في أوروبا حينما كانت الكنيسة تعذب المبتكرين والمفكرين، لكن لماذا انتقلت إلى بلاد الإسلام؟ انتقلت عن طريق العدوى، إما على أيدي أناس جهال، أو على أيدي أناس حاقدين على الإسلام يريدون أن يطيحوا بالدين ﴿وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ﴾ [الصف:٨]، يريدون أن يطيحوا بالدين كما أطاح المثقفون النصارى بالديانة النصرانية التي كتب الله تعالى لها النهاية، أما دين الإسلام فإنه دين خالد، ولذلك نقول: إن هؤلاء مارقون عن الدين؛ لأنهم يعتقدون أن الدين لا يصلح للحياة، ويقولون: الدين يصلح في عصر الخيمة والبعير، لكن لا يصلح في عصر الصاروخ والمركبة الفضائية، والوسائل العصرية الحديثة، ونحن نقول: الدين خالد إلى يوم القيامة، والسياسة وجميع أنظمة الحياة كلها خاضعة لهذا الدين, وأي دين يتجرد من هذه الأنظمة ومن هذه القواعد فإنه دين لا قيمة له ولا وجود له. ومنهج العلمانيين والملاحدة أنهم يرون الدين يجب أن يتجرد من هذه الحياة، ونحن نقول لهم: دين الإسلام لا تقوم الحياة إلا به، والدليل على ذلك أن دولة الإسلام التي رفرف علمها على أكثر المعمورة ما قامت إلا على الإسلام، ويوم تقلص الإسلام من نفوس كثير من الناس بدأت تلك الدولة تتقلص، حتى عادت تلك الدولة الواحدة إلى ما يقرب من مائة دولة في عالمنا الحاضر، وبمقدار ما يتخلف المسلمون عن دينهم يضعفون في ميدان السياسة، ثم تضيع بلادهم حتى أصبح المسلمون اليوم يكادون أن يفقدوا كل ما بناه آباؤهم وأجدادهم من سلفنا الصالح ﵃.

стр. 133

نصيحة في حث الناس على الجهاد في سبيل الله السؤال نرجو منكم توجيه كلمة إلى الآباء والأمهات، ليعدوا أبناءهم للجهاد في سبيل الله، وتربيتهم التربية الجهادية، وجزاكم الله خيراً؟ الجواب يقول الله تعالى: ﴿انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة:٤١]، ليس هناك ما يحث على الجهاد في سبيل الله أعظم من مثل هذه الآيات. جاء رجل أعرج إلى النبي ﷺ فقال: (يا رسول الله! أريد الجهاد، فقال له الرسول ﷺ : إنك أعرج ومعذور، قال: إن الله يقول: ((انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا)) [التوبة:٤١]، وإني أرجو أن أستشهد فأطأ بعرجتي هذه الجنة). الأمة الإسلامية لا تحيا إلا بالجهاد في سبيل الله قال تعالى: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال:٢٤]، والأمة لا يكون لها مكان في هذا التاريخ وفي هذا العالم إلا بالجهاد في سبيل الله، فلا بد من الجهاد في سبيل الله، والأمة إنما حلت بها النكبات في أيامنا الحاضرة بسبب تركهم الجهاد في سبيل الله، وهو أمر خطير، فمن الردة عن الإسلام ترك الجهاد في سبيل الله، كما جاء في الحديث الصحيح: (إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر -يعني: شغلتم بالحرث عن الجهاد- ورضيتم بالزرع؛ أصابكم الله بذل لا يرفعه عنكم حتى تراجعوا دينكم)، وتأملوا -يا إخوان- معنى (تراجعوا دينكم) يعني: أن دينكم أصبح فيه خلل. ومعنى ذلك أن الأمة الإسلامية تطالب بالجهاد دائماً وأبداً، لاسيما في مثل هذه الظروف التي تسلط فيها طغاة الأرض والكافرون والمتجبرون على هذا الدين وعلى هذه الأمة الإسلامية، فلا بد من الجهاد في سبيل الله، وقد تبين الرشد من الغي في أيامنا الحاضرة، وأصبح الأمر واضحاً، فما على الآباء والأمهات والجميع إلا أن يحثوا هذا النشء على الجهاد في سبيل الله، وعلى التدرب والإعداد، فإن الله تعالى قد أمرنا بالإعداد وقال: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ﴾ [الأنفال:٦٠]، والضمير في (لهم) يعود إلى الكافرين المكشوفين ﴿مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ﴾ [الأنفال:٦٠]، أصبحنا نعلم بعضهم الآن فقد بدءوا يتكشفون، إذاً: لا بد من الإعداد قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة:٧٣]. إذاً: لا بد أن يستعد المسلمون للجهاد في سبيل الله، وأن يتدربوا، والدولة الآن تبذل جهوداً من أجل أن يتدرب شباب هذه الأمة على الجهاد في سبيل الله، لعل الله أن يدفع بهم كيد الكافرين, والله تعالى يبين أن كيد الكافرين لا يندفع إلا بهذا الدين وبالجهاد في سبيل الله قال تعالى: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ﴾ [البقرة:٢٥١]، ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ [الحج:٤٠]، لا بد من الجهاد في سبيل الله، ولا بد من الإعداد له، والآباء والأمهات وكل الناس مطالبون أن يحثوا الناس على الجهاد في سبيل الله كما قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال:٦٥]، وفي قراءة: (حرص المؤمنين)، وحرض أقوى؛ لأن حرض معناها: حثهم حثاً يصل إلى الهلاك، كأنك تهلك نفسك وأنت تحثهم على الجهاد في سبيل الله؛ لأن الحرض معناه الهلاك.

стр. 134

دور الشباب المسلم تجاه انتشار المعاصي في البلاد الإسلامية السؤال كما تعلم أن مدينتا هذه جدة، تعج بالفتن والمعاصي الظاهرة عياناً أمام المسلمين، فنخاف أن يعمنا الله بالعذاب، نسأل الله العافية، فهل من كلمة تحثنا فيها على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وماذا يفعل الشباب وغيرهم في مجال الدعوة إلى الله؟ الجواب الله المستعان! أولاً بلاد المسلمين كلها تعج بالمعاصي العظيمة، لكن غريب أن تكون هذه المعاصي في بلاد الله المقدسة التي انطلق منها نور الإسلام إلى الأرض كلها! على كلٍ: أيها الإخوان! أنا مع الأخ السائل، لكن الجهاد في سبيل الله منه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأن الجهاد معناه بذل الجهد في إيصال الخير إلى الناس ودفع الشر عنهم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أمر ليس بالشيء السهل، وليس نفلاًً ولا تطوعاً، ولكنه فرض كفاية، وأراه الآن أصبح فرض عين؛ لأن الذين يكتفى بهم قلوا، وأحسب الدولة إن شاء الله تشجع على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. على كلٍ: أيها الإخوة! لا بد أن تتضافر الجهود في هذا الأمر، ولا بد أن نتعاون مع الدولة على هذا الجانب، فليس الأمر مسئولية الدولة وحدها، ولكنه مسئولية الجميع، ولا بد من مناصحة المسئولين، ونقول لهم: اتقوا الله، ونبين لهم أشياء كثيرة من المنكرات؛ لأنهم ربما شغلوا بأشياء عن أشياء، فلا بد أن ننبهم، هذا بالنسبة لمناصحة أولي الأمر، الذين يقول رسول الله ﷺ عنهم: (ولأئمة الٍمسلمين)، فهذا من النصيحة. ثم أيضاً لا بد من مناصحة الناس، ولا بد من استعمال القوة، لكن هذه القوة يجب أن تكون منضبطة، ويجب أن تكون منظمة، وتحميها وتحرسها وتنظمها الدولة، والأمر لا يقوم بالكلمة فقط، فلا بد من قوة، كما أشار الله إلى ذلك في قوله في سورة الحديد: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ [الحديد:٢٥]، لماذا ذكر الحديد هنا مع البينات والكتب السماوية والميزان والعدل؟ لأن الميزان والعدل والكتب السماوية والبينات قد يقف الشر في طريقها فيشوه سمعتها، ويلوث بيئتها؛ إذاً: لا بد من أن تكون هناك قوة تحمي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله. إذاً لا بد من قوة للمسلمين لتنظم بلاد المسلمين، لكن يجب أن تكون هذه القوة منضبطة، ويجب أن تتبناها الدولة، ويجب على الشباب والمسئولين وكل من عنده غيرة على دين الله والعلماء في الدرجة الأولى أن يناصحوا المسئولين وأن يقولوا: نظمونا لننكر هذه المنكرات، ولنعلم الناس الخير من الشر، لا بد من هذا الأمر، وإلا فإن العقوبة تصيب الأمة، وأخشى أن ما يحدث الآن في الساحة عقوبة، لأن الله تعالى يقول: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الأنفال:٥٣]، ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١]، ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [فاطر:٤٥]، ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى:٣٠]، آيات كثيرة في هذا المعنى. يا إخوان! نبقى ونحن نشاهد المعاصي حتى يأتي طغاة الأرض يكتسحون بلاد المسلمين ويرمونها بالصواريخ ويعملون ما يعملون، لا بد أن ينكر المنكر، لأن ما حل إنما هو عقوبة من الله نسأل الله أن يحفظنا بحفظه، ويكلأنا بعنايته، ونقول دائماً وأبداً: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ [الدخان:١٢]، نستغفر الله ونتوب إليه، لا بد من العودة، لا بد من التوبة، لا بد من محاربة المعاصي، لأن انتشار المعاصي هو الذي يسبب هذه العقوبات نسأل الله العافية والسلامة، كما نسأله أن يشد عضد الدولة ويقويها حتى تنكر هذه المنكرات، حتى لا يبقى مدخل لعدو من أعدائنا علينا.

стр. 135

الحث على التوكل على الله السؤال نطلب منك كلمة حول التوكل على الله، وذلك لأن الناس أصبحوا عندما يسمعون الصفارة أو الإنذار يخافون خوفاً شديداً. الجواب أما بالنسبة لهذا الخوف فهو خوف فطري، والله تعالى يقول: ﴿إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ﴾ [الجمعة:٨]، الفرار من الموت أمر فطري، والخوف أمر فطري، والمسلم مطالب أن يبتعد عن مواقع الخطر حتى لا يصيبه، لكن بشرط أن يعرف بأنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له، وليس من التوكل أن يقف أمام الخطر وهو يرى الصفارة، لكن الخطر الذي نشاهده الآن هو ضعف اليقين بالله في هذه الساعات الشديدة التي تعيشها الأمة الإسلامية اليوم، فإننا نرى كثيراً من الناس الآن قد ارتبك إيمانه، وتعلق بغير الله ، واعتمد على قوى البشر، ونسي أن القوة لله جميعاً، واطمأن حينما رأى أن أمماً كثيرة جاءت لتحرسه، ونسي أنه لا يكون شيء إلا بإرادة الله . نقول: الأخذ بالأسباب عقل، لكن الاعتماد على الأسباب كفر، القاعدة هي الأخذ بالأسباب والاعتماد على المسبب ، والكثرة قد لا تغني من الله شيئاً، والقلة قد تنتصر كما قال الله تعالى: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٤٩]، والكثرة قد تفشل كما قال الله عن خير جند في الأرض بقيادة خير البرية محمد ﷺ : ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [التوبة:٢٥]. إذاً: الفرار أو اللجوء إلى مأمن حينما يسمع الصفارة هذا أمر مطلوب، حتى لا يخاطر الإنسان بنفسه، لكن تعال يا أخي! إلى واقع الناس اليوم وهم يتعلقون بغير الله ، وهم يعيشون حياة مرتبكة، نراهم في هذه الفترة جهزوا كل وسائل المتاع والطعام، ووسائل الراحة داخل البيت، لكن يندر منهم من فكركيف يصلح هذا البيت حتى لا تأتي عقوبة الله ، هذا الشيء والأمر الذي يجب أن نراقبه وننتبه له في مثل هذه الأيام. أمر آخر: أن ينام هذا الإنسان مطمئناً حينما يرى جنود البشر تحرسه، وهو يعتمد عليها، فعليه أن يعتمد على الله أولاً وآخراً، فالله تعالى هو الذي بيده مقاليد السماوات والأرض، وهو المستعان وعليه التكلان.

стр. 136

نور على نور نور الإيمان هو النور الحقيقي، فإذا رزق الإنسان هذا النور فإنه يعيش في حياة سعيدة هنيئة، وإذا حرمه فإنه يعيش عيشة ضنكاً، ولن يعطى العبد هذا النور إلا إذا التزم بأوامر الله ، واجتنب نواهيه، ومن كان كذلك فإن الله يجازيه الجزاء الحسن في الدنيا والآخرة، فيجعل له نوراً يستضيء به في الدنيا، ويستضيء به في الآخرة وهو يمر على ظلمات الصراط. وأما الكافر فإنه إذا عمل حسنه يجازى بها في الدنيا في مطعمه ومشربه، ولكنه يعيش في ظلام دامس في قلبه وعقيدته وفي آخرته. فعلى الإنسان أن يبحث عن نور الإيمان، وأن يسأل ربه أن يرزقه إياه، فإن الله هو الذي يهدي لنوره من يشاء.

стр. 137

تلخيص ما تصمنه النصف الأول من سورة النور إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونثني عليه الخير كله، ونشكره ولا نكفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه ومن دعا بدعوته وعمل بسنته إلى يوم الدين. أما بعد: أيها الإخوة! ما زال الحديث في سورة النور، ووقفنا في المقطع الأول من هذه السورة والذي ينتهي بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آَيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [النور:٣٤]، وقد ذكرنا أن النصف الأول من هذه السورة ابتداءً من قوله تعالى: ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا﴾ [النور:١] إلى هذه الآية كله يتكلم عن أمر واحد وهو: كيف نحفظ أخلاقنا وأخلاق المسلمين من الفساد؟ وكيف نحارب الزنا والفواحش؟ وما هي السبل التي تضمن لنا محاربة الفاحشة التي تفسد الأمة، وتفسد المجتمع، وتسقطه من عين الله ، فكان في مقدمة هذه الآيات قوله تعالى: ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ [النور:١]، فكانت تلفت النظر، وختمت هذه الآيات بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آَيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [النور:٣٤]. إذاً: ما في أول هذه الآيات وما في آخرها يدل على أهمية عظيمة لما تحتويه هذه الآيات العظيمة، لا سيما في مثل هذا العصر الذي فاض فيه المال، وكثر فيه الفساد، وانتشرت وسائل التقنية الحديثة التي استعمل كثير منها في معصية الله، وساعدت على وجود الفاحشة، وبالرغم من هذا كله فإن الله يؤدب ويربي الأمة ألا يقربوا الفواحش، وألا يدنوا من مواطن الفساد والزنا الذي هو أعظم فاحشة بعد الشرك بالله . لذلك يأمر الله تعالى في هذه الآيات بجلد الزاني. ولا يرتدع الناس في فاحشة الزنا إلا إذا كانت لها عقوبة، ومن هنا شرع حد القذف، وشرع الاستئذان، كما قال تعالى: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ [النور:٢٧]، وفي هذا حماية البيوت من الدخول بدون استئذان. وهكذا لا يجوز للرجل أن ينظر إلى المرأة، ولا يجوز للمرأة أن تنظر إلى الرجل بشهوة، وعلى كل واحد منهما أن يغض بصره، وأن يحصن فرجه؛ حتى لا تكون هذه الفاحشة. وكذلك قال : ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور:٣٢]، أي: زوجوا كل من لم يتزوج؛ لأن الزواج فيه حصانة، وفيه حماية للأمة الإسلامية من مثل هذه الفواحش؛ ولذلك المجتمع الذي يعرض عن الزواج وتعنس فيه البنات وتكبر أسنانهن دون أن يتزوجن، ويصبح فيه الشباب عزاباً يكون مجتمعاً ينتشر فيه الفساد، وتنتشر فيه الفاحشة. والمجتمع الذي يحارب الزواج أو الذي يحارب تعدد الزوجات بدافع المحافظة على المرأة وحماية حقوقها مجتمع يتعرض للفتن، ويتعرض للفواحش كلها، ولذلك ركز الله تعالى على هذه الأمور الخمسة في سورة النور في نصفها الأول؛ من أجل أن يؤدب الناس، وأن يعلمهم كيف يتخلصون من فاحشة الزنا التي تختلط فيها الأنساب، وتفسد فيها البيوت، وتسقط الأمة من عين الله . إذاً: لما ذكر تلك الأمور الخمسة التي تضمن عدم وقوع الفاحشة ختم الآيات التي تختص بهذا الموضع بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آَيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ﴾ [النور:٣٤] يشير بذلك إلى الآيات السابقة، والواو هنا واو القسم، واللام لام القسم، أي: أقسم الله بأنه أنزل آيات بينات، أي: واضحات الدلالة على مراد الله حينما أراد أن يعلم الناس كيف يكافحون الجريمة، وكيف يكافحون الفاحشة. واسمحوا لي أن أبين لكم أن الجريمة في مفهوم العصر لا تعني إلا ما يضر بالناس، أما ما يضر بالدين فإنها لا تسمى في مفهوم العصر جريمة، وإنما تسمى ذنباً، ولذلك تجدون مكافحة الجريمة تنفصل عن مكافحة المعصية لله ، أما الجريمة في مفهوم الشرع الإسلامي فمعناها: اقتراف كل ما حرم الله ، ولذلك سمى الله تعالى الكافرين مجرمين، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين:٢٩]، مع أنهم لا يضرون إلا بأنفسهم. ثم ختم الله هذه الآيات بقوله: (وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ) أيها الناس! أيها المسلمون! (آَيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ) أي: آيات شرعية نزلت من عند الله واضحة الدلالة على مراد الله من هذه الأمة، (وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ) المثل هو القول السائر، أي: وأنزل الله أموراً كافية لردع البشرية وإيقافها عند حدودها، (وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ)، أي: هذه الآيات السابقة هي موعظة، لكن الموعظة لا يستفيد منها إلا المتقون، والمتقون هم الذين يمتثلون أوامر الله ويجتنبون نواهيه، أما غير المتقين فهم الذين لا يبالون بالحلال والحرام والفواحش، وإنما يريدون أن يشبعوا رغباتهم مما حرم الله، إضافة إلى ما أباح الله، ولا يتوقفون عند حد من الحدود، فهؤلاء ليسوا بمتقين؛ لأنهم لا يخشون الله، ولا يراقبونه، ولا يمتثلون أوامر الله، ولا يجتنبون نواهيه، وهؤلاء لا يستفيدون من هذه الموعظة، ولا يستفيد منها إلا المتقون، نسأل الله أن يجعلنا جميعاً من المتقين الذين يتعظون بأوامر الله ويمتثلونها، ويجتنبون نواهيه.

стр. 138

تفسير آية: (الله نور السماوات والأرض)

стр. 139

صلة قوله : (الله نور السماوات والأرض) بالآيات التي قبلها والمقصود بالنور فيها ثم قال الله بعد ذلك: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور:٣٥]، ما صلة هذه الآية بالآيات السابقة؟ هذه الآية ستجدونها تتحدث عن نور الإيمان؛ لأن أكثر علماء المسلمين يقولون إن معنى قوله: (مَثَلُ نُورِهِ): نور الإيمان، وليس المراد به نور الله الذي هو اسم من أسمائه وصفة من صفاته؛ لأن النور اسم من أسماء الله وهو يتضمن صفة من صفاته. إذاً: نحن نتأكد هنا أن المراد بالنور ليس نور الله الذي هو اسم من أسمائه، فإن من أسماء الله النور، ومن صفاته النور، كما جاء ذلك في أحاديث كثيرة، منها قوله ﷺ : (أنت نور السماوات والأرض)، وقوله: (أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات)، وقوله: (حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره). وهناك نور آخر مخلوق، وهو نور الإيمان الذي يضعه الله في قلب المؤمن؛ ولذلك شبهة هنا، ولو كان المراد بالنور اسماً من أسماء الله ما كان يجوز تشبيهه؛ لأن أسماء الله وصفاته لا يجوز أن تشبه بمخلوق من المخلوقين أبداً. إذاً: صلة هذه الآية: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور:٣٥] بالآيات السابقة أن تلك الأوامر السابقة والنواهي التي مرت في في نصف السورة الأول هي نور الله في قلب المؤمن، أي: إذا أراد الله لإنسان السعادة وضع في قلبه هذا النور، فأصبحت تلك المحرمات التي سبق ذكرها من دخول البيوت، ومن النظر إلى الحرام، ومن الشهوة الحرام إلى غير ذلك بعيدة عنه؛ لأن هذه كلها إنما تكون في قلوب ضعف أو فقد فيها النور. لكن هذه القلوب التي نورها الله بنور الإيمان ترفض تلك الأمور كلها ولو كانت تناسب وتوافق شهوة الإنسان بطبيعته البشرية؛ فالإنسان بطبيعته البشرية يميل إلى الشهوة، لكن النور إذا دخل في القلب كما قال الرسول ﷺ : (انفسح وانشرح، قالوا: وما علامة هذا النور يا رسول الله؟! قال: التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والاستعداد للموت قبل نزوله)، فهذه هي علامة النور. إذاً: هذه الآية ترتبط بما سبق من تلك الأوامر السابقة في النصف الأول من سورة النور التي لا يوفق لها إلا من ملأ الله قلبه بنور الإيمان. فقوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور:٣٥]، أي: منورها، وفي قراءة سبعية: (الله نوَّر السماوات والأرض)، وهذا يؤيد أن المقصود به: النور الحسي لا النور المعنوي، أو النور الحسي والمعنوي، لكن المراد به: النور الذي ليس صفة من صفات الله، وليس اسماً من أسماء الله . وقوله: (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) أي: هو الذي نورها، ووضع فيها الشمس والقمر والكواكب، ووضع فيها النور المعنوي أيضاً، والنور المعنوي هو نور الإيمان الذي أشعله الله تعالى في قلوب المؤمنين، كما قال ﷺ لما ذكر القلوب: (قلب فيه مثل السراج يزهر)، أي: فيه نور كالسراج دائماً وأبداً. وفائدة هذا النور: أن الإنسان إذا أراد أن يفعل شيئاً يكتشف بهذا النور أهذه طاعة أم معصية، وإذا أراد أن يفعل الطاعة بهذا النور يكتشف أهذه طاعة ترضي الله أم أنها مبتدعة في دين الله تعالى. إذاً: هذا هو فائدة النور، ولذلك هناك قلوب مظلمة، نسأل الله العافية والسلامة، والدليل على ظلام هذه القلوب: أنها تفعل ما تريد من معاصي الله، وتأكل ما تريد من أموال الناس، ولا تميز بين الحلال والحرام، حتى الربا لا تعرف أنه ربا، ولربما تعرف أنه ربا، لكن الله تعالى طمس على هذا القلب فأصبح القلب مظلماً. إذاً: النور هنا المراد به نور الإيمان، وبهذا عرفنا صلة هذه الآية بما سبق من الآيات، وأنه لا يوفق إلا من نور الله قلبه، أما من أظلم قلبه فإنه لا يبالي بأوامر الله ، ويؤدي به ذلك إلى أن يقترف ما يشاء مما حرم الله، ويترك ما يشاء مما أوجب الله، كما قال الله في سورة الأنعام: ﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ﴾ [الأنعام:١١٣] تستقر القلوب عليه ﴿وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾ [الأنعام:١١٣]؛ لأن القلب قد أظلم، وكما سيأتينا -إن شاء الله- في صفات الكافرين أنه لما أظلمت قلوبهم نسو الله وغفلوا عن الدار الآخرة، ونسوا الموت، ولم يؤمنوا بالجنة ولا بالنار، ولم يؤمنوا بكل ما أخبر الله عنه، وهذه هي صفات من أظلمت قلوبهم. أما من نور الله قلبه فإنه وإن فعل معصية من معاصي الله تعالى، إلا أنك تجد أن هذا النور يكشف له الأمور الخفية، أو الأمور التي لربما يقع فيها الإنسان في حين غفلة.

стр. 140

معنى قوله تعالى: (الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة) قال : ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ﴾ [النور:٣٥]، أي: صفة نوره الذي وضعه في قلب عبده المؤمن ﴿كَمِشْكَاةٍ﴾ [النور:٣٥]، وكما قلت: التشبيه لا يكون في أسماء الله تعالى ولا صفاته، وإنما يدل ذلك على أن النور هنا نور الإيمان، ونور الإيمان مخلوق لله يجوز تشبيهه. وقوله: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ [النور:٣٥]، أي: مثل نور الله ، وقيل: إن الضمير يعود إلى القلب، أي: مثل نور القلب، وإن كان لم يرد ذكر للقلب، لكن يدرك ذلك بالاستقراء من هذه الآية. وقوله: (كَمِشْكَاةٍ)، المشكاة أصلها الكوة الغير نافذة في الجدار، أي: فتحة في الجدار لكنها غير مفتوحة من الوراء؛ لأن الكوة إذا وضع فيها السراج تعكس الضوء إلى الأمام، بخلاف الكوة المفتوحة من الخلف فإنها تسمى نافذة، أما هذه الكوة فهي غير نافذة، فالنافذة تضيع نور السراج، لكن الكوة المقفلة من الخلف ليست نافذة ترد نور السراج إلى الأمام، ولذلك شبه الله نور الإيمان بنور سراج وضع في كوة. وقوله: (فِيهَا)، أي: في الكوة، (مِصْبَاحٌ)، أي: سراج، (الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ)، أي: زيادة على أن الكوة تدفعه إلى الأمام وضع على هذا السراج زجاجة؛ لأن الزجاجة بطبيعتها تصفي الضوء وتقوي النور، والزجاجة هي: جسم شفاف معروف. وقوله: ﴿الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ [النور:٣٥]، يعني: زجاجة لماعة، والكوكب هو: النجم اللامع في السماء، ودري من الدرء، وهو: الدفع، أي: كأنه كوكب يدفع الأضواء إلى الأمام، أي: أن هذا السراج في الكوة وضعت عليه زجاجة، والزجاجة صافية، حتى أصبحت هذه الزجاجة كأنها كوكب دري، أي: لماع في الأفق.

стр. 141

المقصود بالشجرة المباركة وقوله: ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ [النور:٣٥]، أي: ضوء السراج فيه زيت الزيتون، وزيت الزيتون معروف أنه إذا وضع في السراج تكون الإضاءة أقوى، وأيضاً: هذه الزيتونة ليست كسائر الزيتون، بل هي زيتونة كما أخبر الله : ﴿زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ [النور:٣٥]، والشجر إما أن يكون غربياً وإما أن يكون شرقياً، ويندر أن يكون هناك شجرة ليست غربية ولا شرقية، والشجرة الشرقية هي: التي تصيبها الشمس عند الشروق، لكن عند الغروب يحجب عنها ضوء الشمس؛ لأن الشمس بطبيعتها إذا أصابت شجرة الزيتون تعطيها قوة أقوى من الشجرة العادية، فإذا كانت تصيبها الشمس في وقت الشروق، أو في وقت الغروب فقط يكون زيتها أقل لمعاناً، لكن عندما تكون لا شرقية ولا غربية فهي شرقية غربية، أي: إذا طلعت الشمس في وقت الشروق تصيب هذه الشجرة، وإذا غربت تصيب هذه الشجرة، وتصبح هذه الشجرة جيدة جداً، وهكذا سائر الأشجار عندما تتعرض للشمس في وقت الشروق والغروب. إذاً هي شرقية غربية، وعلى هذا يكون الزيت صافياً، ولذلك وصف الله هذا الزيت أنه لماع، فإذا وضع في السراج أصبح أشد لمعاناً، وقبل أن يوضع في السراج هو يلمع كأنه قد أوقدت فيه النار. وقوله: (يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ)، الشجرة المباركة هي شجرة الزيتون؛ ووصفها أنها مباركة؛ لأن كل ما فيها يستفاد منه، ولا يرمى شيء من شجرة الزيتونة أبداً، حتى الرماد يجلى به الذهب، وتجلى به الجواهر. وقوله: (زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا) أي: زيت الزيتونة التي ليست غربية ولا شرقية، (يُضِيءُ) من شدة لمعانه، (وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ) أي: فكيف إذا مسته النار؟! قال : (نُورٌ عَلَى نُورٍ)، أي: نور السراج مع نور الكوة الغير نافذ في الجدار، مع نور الزجاجة، مع نور الزيتونة التي ليست شرقية ولا غربية، فهذه أنوار اجتمعت فأصبح كل واحد منها يقوي الآخر، ولذلك يقول الله تعالى: (يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ)، ومعنى ذلك أن هذا أقوى أنواع الأضواء التي عرفها الإنسان وقت نزول هذه الآية، وهكذا نور القلب إذا وضعه الله فإنه يصبح كالسراج، ولذلك يميز المؤمن بين الحلال والحرام، وبين الضار والنافع، كما قال الله تعالى: ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال:٢٩].

стр. 142

قوله: (يهدي الله لنوره من يشاء) وقوله سبحانه: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور:٣٥]، هذا هو الدليل الثاني على أن المراد هنا بالنور هو نور الإيمان، وليس المقصود اسماً من أسماء الله ، يقول الله تعالى: (يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ) أي: نور الإيمان، (مَنْ يَشَاءُ)، فليست الهداية تدرك بالآباء والأجداد والأمجاد، وليست بالذكاء، فكم من الأذكياء من مات على ملة غير ملة الإسلام! وكم من أبناء الصالحين من مات على غير دين وعلى غير ملة! فهذا نوح يقول لابنه: ﴿ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ﴾ [هود:٤٢]، فيقول: ﴿سَآَوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ﴾ [هود:٤٣]، فما هداه الله وهو ابن نوح أول المرسلين عليهم الصلاة والسلام. وإبراهيم يموت أبوه على ملة الكفر، فمعنى ذلك أن الهداية من الله ، وليست أمراً يكتسب بالذكاء، ولا يورث من الآباء والأجداد والأمجاد. وقوله: (يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ)، في هذه الآية أن الهداية بيد الله ، ولا وجه لأن يستدل بهذه الآية الجبرية، فالجبرية نعرف أنهم أصحاب مذهب فاسد؛ فهم يقولون: كيف أن الله يقدر المعصية على الإنسان ويعذبه عليها؟ ونقول: إن الله تعالى لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، لكن هنا يقول الله تعالى: (يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ)، فالمشيئة لله ، لكن للإنسان مشيئة، ومشيئة الإنسان مرتبطة بمشيئة الله ، فمشيئة الإنسان ليست مستقلة، إنما هي مربوطة بمشيئة الله ، ولذلك أثبت الله للإنسان مشيئة، وأثبت المشيئة الأصل لله . وهنا قال : (يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ)، وقال في آية أخرى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ [التكوير:٢٨]، فنجمع بين هذه الآيات التي فيها إثبات المشيئة لله وإثبات المشيئة للمخلوق أن للمخلوق مشيئة لكن المشيئة الغالبة والنافذة هي مشيئة الله ، وأن مشيئة الإنسان خاضعة لمشيئة ولإرادة الله . إذاً: لا حجة للجبرية الذين يقولون: كيف يجبر الإنسان على أعماله ويعاقب عليها؟ فنقول: الله تعالى له الحكمة في ذلك؛ لا يُسأل عما يفعل وهم يسألون. يقول الله تعالى: ﴿وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النور:٣٥]، أي: أن هذه الآية مثل ضربه الله للناس، فمن أراد أن يعرف الحق، وأن يبحث عن الإيمان وعن نور الإيمان، فهذا هو مثل ضربه الله تعالى، ونور الإيمان هو الذي يكشف للإنسان ما ينفعه وما يضره.

стр. 143

كيفية الحصول على نور الإيمان وبعد ذلك قد يتساءل بعض الناس ويقول: إن هذا نور جيد، فكيف نحصل على هذا النور؟ وما دام نور الإيمان لا يؤخذ بالنسب، ولا يؤخذ بالوراثة، ولا يؤخذ بالقوة والشجاعة، ولا يدرك بالذكاء فأين نجد هذا الإيمان؟ ومن يستطيع أن يحصل على هذا الإيمان؟ وكل واحد منا حتى الضالون يتمنون لو هداهم الله ، وكل واحد منا يتمنى أن تكون له ذرية تهتدي بهذا الهدى، فما هو الطريق؟ وما دام يهدي الله لنوره من يشاء فكيف نحصل على هذا النور في هذا القلب؟ ذكر الله تعالى كيف نحصل عليه، ومن يريد هذا النور فهو موجود، ومكانه واضح، وهو المساجد، فإنها هي التي يولد فيها هذا النور، ويترعرع وينمو فيها هذا النور، ولذلك أجاب الله تعالى على هذا السؤال، وهذا يسميه علماء البلاغة: استفهاماً بيانياً، إذ ليس هنا استفهام، لكن الاستفهام يفرض نفسه، فقد يقول السائل: أين يوجد هذا الإيمان الذي هو كمشكاة فيها مصباح والمصباح في زجاجة والزجاجة كأنها كوكب دري إلى غير ذلك؟ هذا الإيمان القوي العظيم الذي يضيء للقلب طريق الحلال من الحرام، والنافع من الضار، وطريق الجنة من طريق النار، أين يوجد؟ أجاب الله تعالى بأنه في المساجد، فابحثوا عنه في المساجد، ولا تبحثوا عنه في المسارح ولا أمام الأفلام، ولا في المواخير، ولا في دور القمار، ولا في دور السينما، ولا أمام المسلسلات والمحرمات، بل من أراد هذا الإيمان فليبحث عنه في المسجد؛ لأن المسجد هو التربة الصالحة النقية التي توضع فيها البذرة الصالحة، فتنبت الرجال الصالحين الذين تستفيد منهم الحياة. قال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور:٣٦]. فليس موطن الإيمان غامضاً ولا خفياً، بل هو واضح، فالمساجد هي موقع هذا الإيمان، فرب نفسك في المسجد تجد أن الإيمان يملأ قلبك، ورب أولادك في المساجد في حلق العلم وحلق القرآن ومجالس الذكر، في الصلوات الخمس، ابتداءً من سن السابعة، وزد في سن العاشرة، واحذر أن يأتي سن البلوغ وأولادك بعيدون عن المساجد، وسوف تجد هذا النور ينمو في قلوب هؤلاء الأطفال، وفي قلوب هؤلاء الشباب.

стр. 144

تفسير قوله تعالى: (في بيوت أذن الله أن ترفع) وقوله تعالى: (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ) متعلقة بالآية السابقة، فإن الإيمان ينشأ في بيوت أذن الله أن ترفع، فقوله تعالى: (فِي بُيُوتٍ) متعلق بقوله تعالى: (يُوقَد)، أي: يوقد من شجرة مباركة في بيوت أذن الله أن ترفع.

стр. 145

سبب النشأة الصالحة في بيوت المؤمنين والبيوت هنا هي المساجد، وقال من قال من علماء المسلمين: المراد بها بيوت المؤمنين. ففي بيوت المؤمنين أيضاً يتربى الرجال الصالحون، والطفل ينشأ فيها بذرة صالحة لسببين: السبب الأول: التربة الصالحة، وهي الزوجة. السبب الثاني: المكان الصالح، وهو بيت المؤمن، أو بيوت الله ، وهي المساجد. والأقرب أن يكون المراد بها المساجد؛ لأن المساجد هي التي تربي لنا الرجال، فكم ربى مسجد رسول الله ﷺ من الأمة الإسلامية. إنه مسجد صغير مبني من جذوع النخل، مسقف بالجريد، لكنه أخرج لنا أكبر دولة عرفها التاريخ، امتدت حدودها من الصين شرقاً، إلى المحيط الأطلسي غرباً، وتربى هؤلاء الذين بنوا هذه الدولة في مسجد رسول الله ﷺ ، والجيوش كانت تتدرب في مسجد رسول الله ﷺ ، والعلم كان المسلمون ينهلون منه في مسجد رسول الله ﷺ ، والأطفال كانوا يتربون في ذلك المسجد، والرجال كانوا يترعرعون في هذا المسجد. إذاً: هذه المساجد التي كان لها ما كان في صدر الإسلام هي التي سوف توجد الرجال الذين سوف يخدمون الحياة، ويعيدون للأمة الإسلامية مجدها وعزتها وكرامتها في نفس هذه المساجد، ولذلك يقول الله تعالى: (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ)، وقوله (أذن) معناها: أمر وأوجب ووصى، ولذلك استدل العلماء من قوله تعالى: (أذن) على وجوب بناء المساجد على المسلمين، فلو تركت المساجد ولم يساهم فيها المسلمون وتعطلت فإن جميع المسلمين يأثمون، وإذا قام بذلك من يكفي من المسلمين سقط الإثم عن البقية، ويكون الأجر لمن ساهم في بناء بيوت الله، ولذلك جاء في الحديث عن رسول الله ﷺ أنه قال: (من بنى لله مسجداً ولو كمفحص قطاة، بنى الله له بيتاً في الجنة) يعني: أن بيتاً صغيراً في الدنيا يساوي بيتاً في الجنة التي يقول عنها النبي ﷺ : (لموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما عليها). إذاً بناء المساجد أمر مطلوب يلزم المسلمين أن يقوموا به، وخيرهم من يبني مسجداً أو من يساهم في بناء مسجد، سواء كان بمال أو بجهد أو بكلمة على الأقل، أو بأي مساهمة من المساهمات؛ فإن هذه هي بيوت الله في الأرض، فمن ساهم فيها فله الأجر عند الله ، ولذلك أنا أنصح كل من منَّ الله عليه بشيء من المال ألا يؤخر هذا المال ليكون وصية بعد الموت، وأن يبادر في حياته ليرى عمله وهو صحيح شحيح، يأمل الغنى ويخشى الفقر، ولا يمهل حتى إذا بلغت الروح الحلقوم قال: لفلان كذا، ولفلان كذا، وقد كان لفلان! وأنا أرى كثيراً من الناس عندهم أموال كثيرة والحمد لله، ويفكرون بالوصية بعد الموت، ولربما تكون هذه الوصية غير الوصية التي يستفيد منها المسلمون، كأضاحي وما أشبه ذلك، فأنا أنصح هؤلاء أن يقدموا لأنفسهم في هذه الحياة، فيبني أحدهم لنفسه مسجداً ليكون بيتاً له في الجنة، أو يساهم في بناء مسجد ولو بمبلغ قليل، والله يضاعف لمن يشاء.
следующие страницы →