← Джавами‘

Джавами‘ · id 7744

دروس للشيخ عبد الله الجلالي

عبد الله الجلالي

Полный текст (1 366 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

المقصود بالشجرة المباركة وقوله: ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ [النور:٣٥]، أي: ضوء السراج فيه زيت الزيتون، وزيت الزيتون معروف أنه إذا وضع في السراج تكون الإضاءة أقوى، وأيضاً: هذه الزيتونة ليست كسائر الزيتون، بل هي زيتونة كما أخبر الله : ﴿زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ [النور:٣٥]، والشجر إما أن يكون غربياً وإما أن يكون شرقياً، ويندر أن يكون هناك شجرة ليست غربية ولا شرقية، والشجرة الشرقية هي: التي تصيبها الشمس عند الشروق، لكن عند الغروب يحجب عنها ضوء الشمس؛ لأن الشمس بطبيعتها إذا أصابت شجرة الزيتون تعطيها قوة أقوى من الشجرة العادية، فإذا كانت تصيبها الشمس في وقت الشروق، أو في وقت الغروب فقط يكون زيتها أقل لمعاناً، لكن عندما تكون لا شرقية ولا غربية فهي شرقية غربية، أي: إذا طلعت الشمس في وقت الشروق تصيب هذه الشجرة، وإذا غربت تصيب هذه الشجرة، وتصبح هذه الشجرة جيدة جداً، وهكذا سائر الأشجار عندما تتعرض للشمس في وقت الشروق والغروب. إذاً هي شرقية غربية، وعلى هذا يكون الزيت صافياً، ولذلك وصف الله هذا الزيت أنه لماع، فإذا وضع في السراج أصبح أشد لمعاناً، وقبل أن يوضع في السراج هو يلمع كأنه قد أوقدت فيه النار. وقوله: (يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ)، الشجرة المباركة هي شجرة الزيتون؛ ووصفها أنها مباركة؛ لأن كل ما فيها يستفاد منه، ولا يرمى شيء من شجرة الزيتونة أبداً، حتى الرماد يجلى به الذهب، وتجلى به الجواهر. وقوله: (زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا) أي: زيت الزيتونة التي ليست غربية ولا شرقية، (يُضِيءُ) من شدة لمعانه، (وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ) أي: فكيف إذا مسته النار؟! قال : (نُورٌ عَلَى نُورٍ)، أي: نور السراج مع نور الكوة الغير نافذ في الجدار، مع نور الزجاجة، مع نور الزيتونة التي ليست شرقية ولا غربية، فهذه أنوار اجتمعت فأصبح كل واحد منها يقوي الآخر، ولذلك يقول الله تعالى: (يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ)، ومعنى ذلك أن هذا أقوى أنواع الأضواء التي عرفها الإنسان وقت نزول هذه الآية، وهكذا نور القلب إذا وضعه الله فإنه يصبح كالسراج، ولذلك يميز المؤمن بين الحلال والحرام، وبين الضار والنافع، كما قال الله تعالى: ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال:٢٩].

стр. 142

قوله: (يهدي الله لنوره من يشاء) وقوله سبحانه: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور:٣٥]، هذا هو الدليل الثاني على أن المراد هنا بالنور هو نور الإيمان، وليس المقصود اسماً من أسماء الله ، يقول الله تعالى: (يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ) أي: نور الإيمان، (مَنْ يَشَاءُ)، فليست الهداية تدرك بالآباء والأجداد والأمجاد، وليست بالذكاء، فكم من الأذكياء من مات على ملة غير ملة الإسلام! وكم من أبناء الصالحين من مات على غير دين وعلى غير ملة! فهذا نوح يقول لابنه: ﴿ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ﴾ [هود:٤٢]، فيقول: ﴿سَآَوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ﴾ [هود:٤٣]، فما هداه الله وهو ابن نوح أول المرسلين عليهم الصلاة والسلام. وإبراهيم يموت أبوه على ملة الكفر، فمعنى ذلك أن الهداية من الله ، وليست أمراً يكتسب بالذكاء، ولا يورث من الآباء والأجداد والأمجاد. وقوله: (يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ)، في هذه الآية أن الهداية بيد الله ، ولا وجه لأن يستدل بهذه الآية الجبرية، فالجبرية نعرف أنهم أصحاب مذهب فاسد؛ فهم يقولون: كيف أن الله يقدر المعصية على الإنسان ويعذبه عليها؟ ونقول: إن الله تعالى لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، لكن هنا يقول الله تعالى: (يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ)، فالمشيئة لله ، لكن للإنسان مشيئة، ومشيئة الإنسان مرتبطة بمشيئة الله ، فمشيئة الإنسان ليست مستقلة، إنما هي مربوطة بمشيئة الله ، ولذلك أثبت الله للإنسان مشيئة، وأثبت المشيئة الأصل لله . وهنا قال : (يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ)، وقال في آية أخرى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ [التكوير:٢٨]، فنجمع بين هذه الآيات التي فيها إثبات المشيئة لله وإثبات المشيئة للمخلوق أن للمخلوق مشيئة لكن المشيئة الغالبة والنافذة هي مشيئة الله ، وأن مشيئة الإنسان خاضعة لمشيئة ولإرادة الله . إذاً: لا حجة للجبرية الذين يقولون: كيف يجبر الإنسان على أعماله ويعاقب عليها؟ فنقول: الله تعالى له الحكمة في ذلك؛ لا يُسأل عما يفعل وهم يسألون. يقول الله تعالى: ﴿وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النور:٣٥]، أي: أن هذه الآية مثل ضربه الله للناس، فمن أراد أن يعرف الحق، وأن يبحث عن الإيمان وعن نور الإيمان، فهذا هو مثل ضربه الله تعالى، ونور الإيمان هو الذي يكشف للإنسان ما ينفعه وما يضره.

стр. 143

كيفية الحصول على نور الإيمان وبعد ذلك قد يتساءل بعض الناس ويقول: إن هذا نور جيد، فكيف نحصل على هذا النور؟ وما دام نور الإيمان لا يؤخذ بالنسب، ولا يؤخذ بالوراثة، ولا يؤخذ بالقوة والشجاعة، ولا يدرك بالذكاء فأين نجد هذا الإيمان؟ ومن يستطيع أن يحصل على هذا الإيمان؟ وكل واحد منا حتى الضالون يتمنون لو هداهم الله ، وكل واحد منا يتمنى أن تكون له ذرية تهتدي بهذا الهدى، فما هو الطريق؟ وما دام يهدي الله لنوره من يشاء فكيف نحصل على هذا النور في هذا القلب؟ ذكر الله تعالى كيف نحصل عليه، ومن يريد هذا النور فهو موجود، ومكانه واضح، وهو المساجد، فإنها هي التي يولد فيها هذا النور، ويترعرع وينمو فيها هذا النور، ولذلك أجاب الله تعالى على هذا السؤال، وهذا يسميه علماء البلاغة: استفهاماً بيانياً، إذ ليس هنا استفهام، لكن الاستفهام يفرض نفسه، فقد يقول السائل: أين يوجد هذا الإيمان الذي هو كمشكاة فيها مصباح والمصباح في زجاجة والزجاجة كأنها كوكب دري إلى غير ذلك؟ هذا الإيمان القوي العظيم الذي يضيء للقلب طريق الحلال من الحرام، والنافع من الضار، وطريق الجنة من طريق النار، أين يوجد؟ أجاب الله تعالى بأنه في المساجد، فابحثوا عنه في المساجد، ولا تبحثوا عنه في المسارح ولا أمام الأفلام، ولا في المواخير، ولا في دور القمار، ولا في دور السينما، ولا أمام المسلسلات والمحرمات، بل من أراد هذا الإيمان فليبحث عنه في المسجد؛ لأن المسجد هو التربة الصالحة النقية التي توضع فيها البذرة الصالحة، فتنبت الرجال الصالحين الذين تستفيد منهم الحياة. قال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور:٣٦]. فليس موطن الإيمان غامضاً ولا خفياً، بل هو واضح، فالمساجد هي موقع هذا الإيمان، فرب نفسك في المسجد تجد أن الإيمان يملأ قلبك، ورب أولادك في المساجد في حلق العلم وحلق القرآن ومجالس الذكر، في الصلوات الخمس، ابتداءً من سن السابعة، وزد في سن العاشرة، واحذر أن يأتي سن البلوغ وأولادك بعيدون عن المساجد، وسوف تجد هذا النور ينمو في قلوب هؤلاء الأطفال، وفي قلوب هؤلاء الشباب.

стр. 144

تفسير قوله تعالى: (في بيوت أذن الله أن ترفع) وقوله تعالى: (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ) متعلقة بالآية السابقة، فإن الإيمان ينشأ في بيوت أذن الله أن ترفع، فقوله تعالى: (فِي بُيُوتٍ) متعلق بقوله تعالى: (يُوقَد)، أي: يوقد من شجرة مباركة في بيوت أذن الله أن ترفع.

стр. 145

سبب النشأة الصالحة في بيوت المؤمنين والبيوت هنا هي المساجد، وقال من قال من علماء المسلمين: المراد بها بيوت المؤمنين. ففي بيوت المؤمنين أيضاً يتربى الرجال الصالحون، والطفل ينشأ فيها بذرة صالحة لسببين: السبب الأول: التربة الصالحة، وهي الزوجة. السبب الثاني: المكان الصالح، وهو بيت المؤمن، أو بيوت الله ، وهي المساجد. والأقرب أن يكون المراد بها المساجد؛ لأن المساجد هي التي تربي لنا الرجال، فكم ربى مسجد رسول الله ﷺ من الأمة الإسلامية. إنه مسجد صغير مبني من جذوع النخل، مسقف بالجريد، لكنه أخرج لنا أكبر دولة عرفها التاريخ، امتدت حدودها من الصين شرقاً، إلى المحيط الأطلسي غرباً، وتربى هؤلاء الذين بنوا هذه الدولة في مسجد رسول الله ﷺ ، والجيوش كانت تتدرب في مسجد رسول الله ﷺ ، والعلم كان المسلمون ينهلون منه في مسجد رسول الله ﷺ ، والأطفال كانوا يتربون في ذلك المسجد، والرجال كانوا يترعرعون في هذا المسجد. إذاً: هذه المساجد التي كان لها ما كان في صدر الإسلام هي التي سوف توجد الرجال الذين سوف يخدمون الحياة، ويعيدون للأمة الإسلامية مجدها وعزتها وكرامتها في نفس هذه المساجد، ولذلك يقول الله تعالى: (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ)، وقوله (أذن) معناها: أمر وأوجب ووصى، ولذلك استدل العلماء من قوله تعالى: (أذن) على وجوب بناء المساجد على المسلمين، فلو تركت المساجد ولم يساهم فيها المسلمون وتعطلت فإن جميع المسلمين يأثمون، وإذا قام بذلك من يكفي من المسلمين سقط الإثم عن البقية، ويكون الأجر لمن ساهم في بناء بيوت الله، ولذلك جاء في الحديث عن رسول الله ﷺ أنه قال: (من بنى لله مسجداً ولو كمفحص قطاة، بنى الله له بيتاً في الجنة) يعني: أن بيتاً صغيراً في الدنيا يساوي بيتاً في الجنة التي يقول عنها النبي ﷺ : (لموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما عليها). إذاً بناء المساجد أمر مطلوب يلزم المسلمين أن يقوموا به، وخيرهم من يبني مسجداً أو من يساهم في بناء مسجد، سواء كان بمال أو بجهد أو بكلمة على الأقل، أو بأي مساهمة من المساهمات؛ فإن هذه هي بيوت الله في الأرض، فمن ساهم فيها فله الأجر عند الله ، ولذلك أنا أنصح كل من منَّ الله عليه بشيء من المال ألا يؤخر هذا المال ليكون وصية بعد الموت، وأن يبادر في حياته ليرى عمله وهو صحيح شحيح، يأمل الغنى ويخشى الفقر، ولا يمهل حتى إذا بلغت الروح الحلقوم قال: لفلان كذا، ولفلان كذا، وقد كان لفلان! وأنا أرى كثيراً من الناس عندهم أموال كثيرة والحمد لله، ويفكرون بالوصية بعد الموت، ولربما تكون هذه الوصية غير الوصية التي يستفيد منها المسلمون، كأضاحي وما أشبه ذلك، فأنا أنصح هؤلاء أن يقدموا لأنفسهم في هذه الحياة، فيبني أحدهم لنفسه مسجداً ليكون بيتاً له في الجنة، أو يساهم في بناء مسجد ولو بمبلغ قليل، والله يضاعف لمن يشاء.

стр. 146

أنواع رفعة بيوت الله والله تعالى هنا أذن أن ترفع، والرفعة تشمل أمرين: الأمر الأول: الرفعة الحسية، وهي بناء المساجد، وليس المقصود بالرفعة رفع سقوف المساجد، بل معنى رفعها بناؤها، بأن توجد رفيعة عالية، وليست عالية السقف، وإنما عالية البناء، أي: أنها وجدت وأنشئت، وأقيمت واحترمت وأكرمت. الأمر الثاني: الرفعة المعنوية، والمراد بها الطهارة والنظافة، فبيوت الله أولى بالطهارة والنظافة. وأيضاً الرفعة المعنوية بتعظيمها والمحافظة على الصلوات الخمس فيها، والمبادرة بعد الأذان إليها، وعمارتها بتلاوة القرآن وبالذكر والتسبيح والتهليل وحلق العلم إلى غير ذلك، ولذلك كان أحب عباد الله أسبقهم إلى المساجد؛ لأن المساجد بيوت الله. ولذلك فإننا نعجب حينما يكون هناك أمر يستدعي أن يفهم المسلمون دينهم في مسجد من مساجد الله، وفي بيت من بيوت الله ثم يتخلف كثير من المسلمين عن هذا الأمر! ويتخلفون عن حلق الذكر التي يقول فيها الرسول ﷺ : (إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا، قالوا: وما رياض الجنة يا رسول الله؟! قال: حلق الذكر)، أي: مجالس العلم، فعلى المسلمين أن يتسابقوا إليها. وهنا يقول الله تعالى: (أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ) والمراد بذكر اسمه : الصلوات الخمس، وتلاوة القرآن، والتسبيح والتهليل (سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر)، والذي لا يستطيع تلاوة القرآن عليه أن يشغل لسانه بذكر الله، ويكثر من سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، وإذا كان يجيد شيئاً من القرآن فلا يغفل عنه، ولا ننسى أن سورة (قل هو الله أحد) تعدل ثلث القرآن، وهذه نعمة عظيمة من نعم الله . المهم أن يشغل هذا الإنسان لسانه بذكر الله ؛ حتى لا ينشغل بمعصية الله. ومن رفعة بيوت الله ألا تتخذ وسيلة للبيع والشراء، فقد أمر الرسول ﷺ أننا إذا سمعنا من يبيع ويشتري في المساجد أن نقول: لا أربح الله تجارتك، وإذا رأينا من ينشد فيها ضالة نقول: لا ردها الله عليك، ولا تنشد فيها أشعار، ولا يقال فيها إلا ما يرضي الله ، ولا يخاض فيها بشيء من أمور الحياة الدنيا، فكل ذلك يدخل في رفعة هذه المساجد، حتى قال بعض العلماء: النوم في المسجد يتنافى مع قول الله : (أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ)، ولكن نستطيع أن نقول: لا بأس بالنوم في المسجد عند الحاجة كأن يكون معتكفاً، أو لابن السبيل، أو لمن لا أهل له ولا دار أو ما أشبه ذلك، فهذه المساجد لا مانع من النوم فيها، وذلك لا يتنافى مع رفعتها.

стр. 147

المقصود بالتسبيح في قوله تعالى: (يسبح له فيها بالغدو والآصال) ثم قال تعالى: ﴿يُسَبَّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ﴾ [النور:٣٦]، وفي قراءة سبعية: (يُسَبَحُ له فيها بالغدو والآصال)، والمراد بالتسبيح: الصلوات الخمس؛ فأكثر ما يستعمل التسبيح في الصلوات الخمس، ولا يمنع أن يدخل في ذلك بقية الأذكار: سبحان الله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، لكن كلمة (تسبيح) الأصل فيها هي الصلوات الخمس، ولذلك الله تعالى قال: (بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ)، والغدو هي: صلاة الفجر، والآصال أربع صلوات، فوضعت صلاة الفجر في كفة، والصلوات الأربع الأخرى في كفة أخرى! فليس هناك صلاة في الغدو إلا صلاة الفجر؛ لأن الغدو ما بين نصف الليل إلى الزوال، وليس فيه إلا صلاة واحدة وهي صلاة الفجر، فالغدو معناه: أول النهار، ويدخل فيه آخر الليل. أما الآصال فتدخل فيه الصلوات الأربع: الظهر؛ لأنها في الأصيل بعد زوال الشمس، والعصر كذلك، والمغرب والعشاء، فكل هذه في الآصال. إذاً: جعل الله صلاة الفجر في كفة، والصلوات الأربع الأخرى في كفة أخرى؛ لأهمية صلاة الفجر. صلاة الفجر التي إن قصر الليل قال الناس: لا نستطيع أن نصلي الفجر؛ لأن الليل قصير، وإذا زاد الليل قالوا: الليل بارد يصعب علينا أن نصلي الفجر، وهكذا تضيع الحياة، والإنسان يتقلب في فراش النعمة وفي الرخاء، ويغفل عن القبر وما فيه من أهوال ومخاوف ومخاطر، ولربما لا يستيقظ لصلاة الفجر إلا بعد طلوع الشمس، نسأل الله السلامة والعافية! فيوشك أن يكون من الذين قال الله فيهم: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم:٥٩]، وقال: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون:٤ - ٥]، وهذا يوجد عند كثير من المسلمين الذين لا يقومون لصلاة الفجر إلا بعد طلوع الشمس، نسأل الله العافية والسلامة.

стр. 148

عظم قدر صلاة الفجر إذاً صلاة الفجر أمرها عظيم؛ فقد جعلها الله منفردة، وجعل الصلوات الأربع مجتمعة، ولذلك جاء في الحديث الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال: (يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الصبح وصلاة العصر، فيصعد الذين كانوا فيكم، فيسألهم الله : كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: أتيناهم وهم يصلون، وفارقناهم وهم يصلون). وفي الحديث الآخر عن رسول الله ﷺ قال: (من صلى الفجر في جماعة فكأنما قام الليل كله)، فإذا صليت الفجر في جماعة فكأنك صليت الليل كله تهجداً، ولذلك يعتبر من صلى الفجر في جماعة في ذمة الله، ولا أحد يستطيع أن يعتدي عليه؛ لأنه في حماية الله وفي حفظه، ولذلك يروى أن بعض الجبابرة كان يقتل في المسلمين، وإذا مثل أمامه مسلم قال: هل صليت الفجر في جماعة؟ قال: نعم، قال: أخلي سبيلك؛ لأنك في ذمة الله! ويقول الرسول ﷺ عن صلاة الفجر وصلاة العشاء: (هما أثقل الصلاة على المنافقين، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبواً)، أي: ولو زحفاً على الركب، فإذا كان الإنسان لا يستطيع أن يمشي يأتي حبواً، فصلاة الفجر لابد أن نربي عليها أطفالنا منذ سن الطفولة؛ لأنها أعظم الصلوات الخمس؛ ولذلك قال الله تعالى: (بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ)، فجعل صلاة الفجر في كفة، والصلوات الأربع في كفة أخرى.

стр. 149

دلالة قوله تعالى: (يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال) وقوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ * رِجَالٌ﴾ [النور:٣٦ - ٣٧] كلمة (رجال) تعطينا معنيين: المعنى الأول: أن صلاة الجماعة ليست واجبة على النساء، وقد يعطي الله للمرأة إذا حافظت على الصلاة في جماعة أجر ما يأخذه الرجل الذي يصلي في المسجد، فتحصل على سبع وعشرين درجة؛ لأنها غير مطالبة بصلاة الجماعة، وصلاتها في بيتها خير لها، لكن خير لها أن تحضر مجالس الذكر إذا كان هناك مجالس ذكر في المسجد. المعنى الثاني: أنهم في مستوى الرجولة؛ لأن كلمة (رجل) ليس معناها الذكورة فقط، معناها: ذكر مستكمل كل أمور معاني الرجولة، ولذلك إذا أردت أن تثني على ولدك تقول له: أنت رجل، تريد: أنت اكتملت في معنى الرجولة، ولذلك لا تأتي كلمة رجل في القرآن إلا وتحمل معنى العظمة، فالرجال العظماء، كما قال الله تعالى: (يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ رِجَاَلٌ) أي: رجال عظماء، تغلبوا بعقولهم على شهواتهم. وقوله تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب:٢٣] أي: رجال عظماء، وكما قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا﴾ [الأنبياء:٧]، وهكذا دائماً كلمة (رجل) لها معنىً عظيم، وهو معنى اكتمال الرجولة، أي: أنهم رجال حقيقة ليسوا ذكوراً فقط، كما يوجد أنصاف ذكور وأرباع ذكور، لأن معنى الذكورية موجودة، لكن معاني الرجولة الأخرى فقدت عند كثير منهم، وإذا أردت أن تنظر إلى نموذجاً من هؤلاء الرجال فانظر إلى أشباه النساء من هؤلاء الذكور الذين هم بصورة رجال من الشباب الذين ينافسون المرأة على موضاتها وعلى شكلها، وحتى في صوتها، وربما في لباسها، وربما في شعرها إلى غير ذلك! فكلمة (رجال) أي: استكملوا معاني الرجولة؛ فأصبحوا رجالاً حقيقة يستحقون كلمة رجل أكثر من غيرهم. إذاً: هنا نعرف كيف يتربى الرجال حتى لا نغلط ولا نخطئ، فربما ينشغل الإنسان بماله، أو بوظيفته، أو بشهوته، أو بأي أمر من الأمور عن أطفاله وأولاده، فيتربى هؤلاء الأطفال في المقاهي، وأمام الأفلام، وأمام المحرمات، ولربما مع قرناء السوء والفاسدين والفسقة، فيبحث ذلك الأب حينما يفكر وحينما يعود إليه صوابه عن ذلك الطفل فإذا هو قد أصبح في سن الرجال وهو منفلت عن تعاليم الإسلام، فيبدأ يقسره قسراً على تعاليم الإسلام، فيعجز؛ لأنه عصى قول الرسول ﷺ حينما قال: (مروا أبناءكم بالصلاة وهم أبناء سبع)، يعني: ربوهم في المساجد وهم في سن التمييز، منذ السن الأولى المبكرة التي يتربى فيها الرجال، فيبدأ يندب حظه، ويندب نفسه، ويستشير فلاناً الفلاني: ما رأيك في ولدي؟! فنقول: ولدك أنت الذي ضيعته حينما كان في السن المناسبة للتربية، ولربما إذا قيل له: يا أخي! اتق الله في أولادك، يقول: لا أستطيع أن أحكم القبضة عليهم، والسبب أن هناك أسساً مبكرة تطالب فيها أيها الإنسان! فلم تقم بها كما أمرك الله وكما أمرك الرسول ﷺ ، فالله يقول: (يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ رِجَاَلٌ) والرسول ﷺ يقول: (مروا أبناءكم بالصلاة وهم أبناء سبع)، فأنت فوت الفرصة، ولذا لا تلم إلا نفسك إذا خرج لك أولاد منفلتون عن طاعة الله .

стр. 150

حال السلف ﵏ في إقام الصلاة وإيتاء الزكاة قال تعالى: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ﴾ [النور:٣٧]، رأى بعضُ أصحاب رسول الله ﷺ سلفَنا الصالح والمنادي يقول: حي على الصلاة! حي على الفلاح! وكان الباعة في الأسواق قد رفع أحدهم الميزان بيده يزن البضاعة، فلما سمع: الله أكبر، رمى بالميزان على الأرض، وأغلق دكانه وهرع إلى المسجد، فقال: (في هؤلاء نزل قوله تعالى: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ [النور:٣٧])، هؤلاء هم الرجال الذين يستحقون كلمة رجال، فلهم تجارة، ولهم بيع وشراء، ولهم متاجر، ولهم معارض، وعندهم أموال، ويستطيعون أن يشغلوها أربعاً وعشرين ساعة، لكن وقت العبادة لا يمكن أن يستعمل للبحث عن المال في الحياة الدنيا، وهكذا يكون الرجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع. ولا تظنوا أيها الإخوة! أنهم رجال عاطلون؛ فإن الإسلام لا يعترف بالعاطل، وإنما يريد من هذا الإنسان أن تكون له مهنة، وأن تكون له وظيفة، وأن تكون له تجارة، وأن يعمر هذه الحياة، وأن يبحث عن المال الحلال من أجل أن يستفيد من هذا المال الحلال فيما يرضي الله ، ويستغني به عما حرم الله. إذاً: هذه التجارة موجودة، لكن التجارة في اليد ليست في القلب، أما القلب فإنه مليء بالتجارة التي لا تبور: البحث عن الجنة، وعن السعادة الخالدة، وعما يرضي الله ، ولذلك يقول الله تعالى: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [النور:٣٧]، أي: لهم تجارة، ولهم بيع، ولكن هذا البيع وهذه التجارة لا تلهيهم عن ذكر الله. وأما ما الفرق بين البيع وبين التجارة؟ فيقولون: البيع هو الأخذ والعطاء مع سائر الناس، وأما التجارة فمعناها: استيراد. إذاً: هؤلاء مهما كانت مشاغلهم لا يمكن أن تصرفهم عن الله وعن دينه، فلهم تجارة، ولهم دكاكين، ولهم محلات، وعندهم أسواق، وعندهم أموال مغرية وأرباح، لكن يعتبرون وقت الصلاة للصلاة، فأحدهم يجلس في دكانه يبيع ويشتري، فإذا سمع المنادي: حي على الصلاة حي على الفلاح يقفل دكانه، ولا داعي أن تقول له الحسبة أو الهيئة: أقفل دكانك؛ لأنه يسير بأمر الله .

стр. 151

الدافع للرجال الصالحين إلى إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وقوله تعالى: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ﴾ [النور:٣٧]؛ لأنهم يعتبرون إقام الصلاة والإتيان بها مستقيمة، وإيتاء الزكاة هي ربح هذه التجارة، وهي أفضل ما يزاوله الإنسان، وهي تجارة هذا المال، فلهم تجارة، لكن هذه التجارة لا تشغلهم عن ذكر الله، ولا تشغلهم عن الزكاة التي هي حق معلوم فرضها الله على هؤلاء الناس بقدر أموالهم. وأما ما هو الدافع لذلك؟ فقال تعالى: ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ [النور:٣٧]، فيا إخوان! ذلك اليوم عظيم جداً؛ لأن الله تعالى سماه: ﴿يَوْمًا ثَقِيلًا﴾ [الإنسان:٢٧]، وسماه: ﴿يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾ [الإنسان:١٠]، وقال عنه: ﴿يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان:٧]، وقال: ﴿يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾ [الإنسان:١٧]، فلا تجد صفات أعظم من هذه الصفات في ذلك اليوم؛ حيث يتحول الطفل إلى شيخ كبير السن شعره أبيض من شدة المخاوف. هذا اليوم يقول الله عنه: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج:٤٧]، إنه يوم واحد يساوي ألف سنة، لكن هذا اليوم العظيم يهونه الله على المؤمن حتى يصبح كالصلاة المكتوبة، وتصوروا يا إخوان! المسلم يصل إلى مقره في الجنة في أقل من نصف نهار من أيام الدنيا، مع أن اليوم يساوي ألف سنة، لكنه في أقل من نصف نهار يصل إلى منزله في الجنة، والله يقول: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان:٢٤]، ليس في الآخرة قيلولة، وليس فيها حر ولا برد، وليس فيها ليل ولا نهار، لكن المراد: أنه بالنسبة لأيام الدنيا يكون ذلك في أقل من نصف نهار، يعني: قبل أن يأتي وقت القيلولة يكون ذلك الإنسان قد وصل إلى منزله في الجنة، ولذلك يقول الله تعالى: ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ [النور:٣٧]، كيف تتقلب القلوب؟ من شدة الخوف يقفز القلب من مكانه حتى يسد الحنجرة، ويقفز البصر من مكانه حتى يكون في أعلى الرأس؛ لأن الإنسان حينما يخاف يحصل له هذا الأمر، فإذا خاف الإنسان رفع بصره إلى السماء، فكأن البصر قفز إلى أعلى الوجه، وإذا خاف يرجف هذا القلب رجفاً شديداً، ومن شدة الارتجاف يصعد هذا القلب حتى يسد الحنجرة، ولذلك يقول الله تعالى: ﴿إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ﴾ [غافر:١٨]، فحتى القلب يقفز عن مكانه، فيكظم الحنجرة، فلا يستطيع الإنسان أن يتنفس، وهذا اليوم العظيم يهونه الله تعالى على أولياء الله وعلى الصالحين من عباد الله، ولذلك يقول الله تعالى: ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ [النور:٣٧]. إذاً: هؤلاء اللاهون اللاعبون العابثون الذين ليس لهم هم إلا الدنيا والشهوات والمتاع، وربما الطعن في دين الله، هؤلاء في غفلة عن ذلك اليوم، وأما الذي يتذكر ذلك اليوم فهم الرجال الذين تربوا في المساجد، فلم تشغلهم الدنيا عن ذكر الله والدار الآخرة، في وقت يلهو فيه ويلعب كثير من الناس، ويغفلون عن الموت فلا ينتبهون إلا حين يجلس ملك الموت عند رأس أحدهم. وهل المسلم يعبد الله طمعاً في الجنة وخوفاً من النار أم محبة في الله، كما يقول الصوفية؟ فغلاة الصوفية يقولون: نحن لا نخاف من النار ولا نريد الجنة! فماذا تريدون؟ قالوا: نعبد الله محبة لله، كما قالت رابعة العدوية: (عبدتك لا خوفاً من نارك ولا حباً في جنتك، وإنما محبة فيك)، وهذا كلام فاسد ليس بصحيح؛ فنحن نعبد الله محبة فيه وخوفاً من عذابه وطمعاً في جنته، ولذلك أفضل الرجال هنا يعبدون الله لماذا؟ يقول الله: ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ [النور:٣٧]. فليست عبادة الله كما يقول الصوفية: محبة لله فقط، وإنما تكون عبادة الله طمعاً في جنته وخوفاً من ناره، ولذلك لما مدح الله تعالى المرسلين وهم خيرة البشرية وصفوة الخلق قال الله تعالى عنهم: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ [الأنبياء:٩٠]، فإذا كان الأنبياء يدعون الله رغباً ورهباً فهل الصوفية فوق مستوى الأنبياء يدعون الله حباً له، وليس رغباً ولا رهباً؟! إذاً: هذه الآية ترد على من يقولون: عبدتك لا خوفاً من نارك ولا طمعاً في جنتك. ونحن نقول: عبدناك يا رب محبة لك وطمعاً في جنتك وخوفاً من عذابك، وهذا هو المنهج الصحيح الذي يجب أن يسلكه المسلم في هذه الحياة؛ ولذلك مدح الله تعالى هؤلاء الرجال فقال: ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ [النور:٣٧].

стр. 152

جزاء الخائفين من الله ثم وعدهم الله بالجزاء الحسن فقال : ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا﴾ [النور:٣٨]، فهم خافوا في هذه الدنيا فاطمأنوا في الحياة الآخرة، كما قال عمر بن عبد العزيز: إنه لا يأمن غداً إلا من خاف وحذر في هذا اليوم. فالذين يضحكون في هذه الدنيا ملء أفواههم، ولا يبالون بما يقترفون من سيئات وعظائم وذنوب، يفعل أحدهم الذنب وهو يضحك، نقول لهم: إن الذين خلع قلوبهم الخوف من الآخرة والرغبة الشديدة في الجنة، والخوف العظيم من النار، والخوف العظيم من الحساب، والخوف العظيم من مزلة الصراط، هذا الخوف في الدنيا الذي جعلهم يتجهون إلى الله هو الذي يؤمنهم يوم القيامة، والله تعالى يقول: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور:٣٨]، أي: يجزيهم بالحسنات، ويزيدهم بأن يعطيهم درجاتٍ ما عملوها في الحياة الدنيا، وهذا من كرم الله ، ولذلك هناك زيادة على العمل، فإذا نشر الكتاب يوم القيامة للمؤمن وجد فيه أعمالاً لم يعملها، فيقول: يا رب! ما عملت هذه الحسنات، ولا عملت هذه الحسنات، فيقول له: كنت تفعل كذا، وكنت تفعل كذا، أي: أن هذه كانت هي السبب في الحصول على هذه الدرجات العلا التي يعطيها الله للمؤمن والمؤمنة في الحياة الآخرة. وقوله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا﴾ [النور:٣٨] أي: يعاملهم بالحسنات، ويتجاوز عن السيئات ما داموا قد تابوا هنا، ﴿وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور:٣٨] أي: يعطيهم زيادة؛ ولذلك صح في الحديث: أن أهل الجنة إذا دخلوا الجنة قال الله : (يا أهل الجنة! هل تريدون شيئاً أزيدكم؟ فيقولون: يا ربنا! ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة؟ ألم تخلصنا من النار؟! فيقول: بلى، أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم أبداً)، وهذا أعظم ما يأخذه الإنسان في الحياة الآخرة من الجزاء، ويعطيهم الله زيادة، فيكشف الحجاب فينظرون إلى الله كما ينظر الناس إلى القمر ليلة البدر، لا يضامون في رؤيته، وهذا أفضل نعيم يحصل عليه المؤمن والمؤمنة في الدار الآخرة، وهو النظر إلى وجه الله ، وهو معنى قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦]، والزيادة على الجنة هي النظر إلى وجه الله في الجنة، وهذا هو أعظم وأفضل وألذ أنواع النعيم التي يراها والتي يأخذها الإنسان في الحياة الآخرة. إذاً: هنا يقول الله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور:٣٨]، أي: زيادة من عنده ليس من أعمالهم، وإنما هي حسنات ما عملوها؛ لأن الله تعالى كريم شكور حليم. وقوله : ﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [النور:٣٨]، أي: يعطيه أكثر من حقه دون أن يحاسبه، وإذا حاسبه وفاه حسابه، وأعطاه الله بمنه وكرمه أموراً لم يفعلها.

стр. 153

مثل أعمال الكافرين يقول الله تعالى بعد ذلك: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾ [النور:٣٩] نعوذ بالله!

стр. 154

جزاء الكفار على أعمالهم في الدنيا انظر إلى الفرق بين المؤمن الكافر: المؤمن عمله وقلبه كسراج مضيء دائماً؛ يرى الخير والشر، فيترك الشر ويفعل الخير، لكن إذا نظرت إلى قلب الكافر وإلى عمل الكافر وجدت أعماله على نوعين: أعمال ظاهرها الخير وباطنها الفساد، وأعمال أخرى ظاهرها وباطنها الفساد، فمن الأعمال التي ظاهرها الخير ما يفعله الكفار بما يسمونه بالإنسانية: من بذل المعروف، ومساعدة المحتاج، وقضاء حوائج الناس، وبناء جسور، ومدارس، ومستشفيات، وربما يبنون مساجد، وربما يتصدقون على فقير بدافع يسمونه بالإنسانية، وهذه حسنات، لكن ليس لها قيمة عند الله تعالى في الحياة الآخرة، لكن لها قيمة عند الله في الحياة الدنيا؛ لأن الله تعالى لا يظلم مثقال ذرة. ولهذا يعطي الله هذا الكافر صحة في جسده، ومالاً كثيراً، وأولاداً، وأموراً كثيرة يعجلها له في الحياة الدنيا؛ لأنه ليس عنده نية طيبة، وليس عنده إيمان وإخلاص لله ، فينال هذا الجزاء في الحياة الآخرة، ولذلك يقول الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ [هود:١٥]، أي: بعمله، ﴿نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ﴾ [هود:١٥]، وهذا هو الذي جعل كثيراً من الناس يتعجبون: لماذا فلان الكافر في صحة في جسده؟ ولماذا عنده مال؟ ولماذا عنده أولاد وسيارات ومساكن جميلة؟ ولماذا المؤمنون يعيشون فقراء؟ ولماذا بلاد الكفر تنتشر فيها المصانع ووسائل التقنية الحديثة وبلاد المسلمين متأخرة؟! وكل هذه الأشياء يتساءل عنها الإنسان في كثير من الأحيان، وربما ينحرف -والعياذ بالله- إذا رأى الكفار أقبلت عليهم الحياة الدنيا، وقد زويت عن كثير من المؤمنين. والسبب في ذلك هو ما ذكره الله في قوله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ﴾ [هود:١٥]، وهذا الواقع هو الذي جعل كثيراً من الكفار والمعاندين لدين الله ينحرفون، ويتمادون في ضلالهم؛ لأنهم يظنون أن الله تعالى ما أعطاهم هذه الدنيا إلا لأنه يحبهم، كما قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ﴾ [الفجر:١٥]، ولو كان فاجراً كافراً فإنه يقول: (رَبِّي أَكْرَمَنِ)، أنا عزيز على الله، ﴿وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾ [الفجر:١٦] ﴿كَلَّا﴾ [الفجر:١٧]، أي: لا أكرم الأول ولا أهان الثاني؛ فهذه الدنيا ما لها قيمة عند الله ، ولو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى منها كافراً شربة ماء، وإنما الذي حدث هو أن الله يبتلي هؤلاء الناس، فيعجل جزاء الكافرين والعصاة والفسقة الذين لا يريدون الحياة الآخرة، يعجل لهم جزاءهم في الحياة الدنيا؛ ليدخرها للمؤمنين في الحياة الآخرة، وهذا هو معنى قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾ [النور:٣٩]. والسراب: أنك عندما تسير في وقت القيلولة في الصحراء تجد من بعد كأن أمامك ماءً، خصوصاً إذا عطش الإنسان، فإذا عطش الإنسان يرى كأن هناك ماءً على وجه الأرض، فيركض وراءه، وكلما دنا من هذا السراب ابتعد السراب؛ لأنه ليس ماءً، بل هو أمر خيالي ليس له حقيقة، وكلما دنا منه ابتعد عنه؛ حتى يهلك هذا الإنسان وهو يلحق هذا السراب.

стр. 155

الكفر والبدعة تمحق الحسنات والأعمال الصالحة إذاً: هذا هو الكافر أو الفاسق الذي يقدم الحسنات، لكن بدون نية وبدون إرادة الحياة الآخرة، وبدون هدف رضا الله ، وربما يقدم حسنات في الظاهر، لكنها في الحقيقة ليست بحسنات، كما يفعل الصوفية والمبتدعة، نعوذ بالله من حالهم، فقد رأينا في بعض بلاد المسلمين من يسهر من العشاء إلى الفجر في عبادة، لكنها تذهب به إلى نار جهنم، فأحدهم يطوف حول قبر، ويتمسح به، ويتغنى في مدح الرسول ﷺ ويقول: هذا هو الدين، ويرقص ويغني، وهذا الدين يعيشه مع الأسف الشديد كثير من المسلمين اليوم، وهذا هو ما أشار الله إليه بقوله: ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾ [النور:٣٩]، وقال في آية أخرى: ﴿كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ﴾ [إبراهيم:١٨]، وقال الله : ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ﴾ [هود:١٥]، وقال الله : ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ * تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾ [الغاشية:٢ - ٤]. والعجيب أنها عاملة وناصبة تتعب في طاعة الله، لكن تصلى ناراً حامية يوم القيامة؛ لأن أصحاب هذه الطريق لا يسيرون على المنهج الذي جاء به محمد ﷺ من عند الله، ولو كانوا على بصيرة لنفعهم هذا العمل، أما هذا العمل إذا كان على غير المنهج الصحيح فإنه لا يقبل عند الله ، فلا يقبل عند الله من العمل إلا ما كان خالصاً لله وصواباً على ما جاء به محمد ﷺ ، وأي عمل ليس خالصاً لله، ولا يقوم على قاعدة الإيمان، وليس موافقاً للمنهج الصحيح الذي جاء به محمد ﷺ ، فهو كسراب بقيعة، فليعمل من شاء ما يشاء أن يعمل فلن يزيده من الله إلا بعداً. فكم من دموع تراق عند القبور والأضرحة! نسأل الله العافية، ونشكر الله على نعمة الهداية، ونسأل الله أن يتغمد الشيخ محمد بن عبد الوهاب بواسع رحمته، فقد سلمت هذه البلاد بسبب دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمة الله عليه، فوالله يا إخوان إن بلاد الحضارة لو جئت إليها لوجدت الدموع تسيل كأنها أنهار من عيون هؤلاء القوم من خشية الله، لكن على طريق غير صحيح، إما عند قبر ميت أو غيره، وتجد أحدهم قد ولى الكعبة ظهره، واتجه إلى صاحب القبر يسأله من دون الله ! وقوله تعالى: ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآَنُ مَاءً﴾ [النور:٣٩]، القيعة هي: الأرض الواسعة، والسراب هو شيء يشبه الماء، ولكن لا يمكن أن يشرب أحد من هذا السراب ماءً؛ لأن السراب لا حقيقة له، فيهلك ويركض وراء هذا السراب ويموت وينتهي، فأعمالهم كمن يركض وراء السراب، أي: أنهم يركضون وراء أعمال لا حقيقة لها، ثم يهلكون دونها يوم القيامة، ثم يوقفون على شفير جهنم، فلا تنفعهم تلك الأعمال وإن كان ظاهرها الصلاح ما دامت غير صحيحة، أي: ما دامت غير خالصة لله فلا تنفع، وهذه أعمال المنافقين، وأظن العلمانيين من هذا النوع؛ فالعلمانيون يصلون ويصومون ويحجون ويعتمرون، وربما يسابقون الناس إلى المساجد، لكن يقولون: دين الإسلام لا يصلح للحياة كنظام، فنقول: أعمالكم كسراب بقيعة؛ لأنكم كفرتم بالله ، قال : ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ [المائدة:٥]، وما دام أنكم تتهمون دين الله أنه لا يصلح للحياة، والله تعالى يقول: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل:٨٩]، ويقول: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:٣٨].

стр. 156

أعمال الكفار كالشراب أو كالظلمة في اللجة إذاً: أعمالكم أيها العلمانيون! كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء. قال : ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآَنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ [النور:٣٩]، أي: إذا جاء الظمآن إلى السراب لا يجده شيئاً، ويجد العمل الذي عمله على غير صواب وعلى غير منهج صحيح لا شيء، ﴿وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ﴾ [النور:٣٩]، أي: وجد الله عند عمله، ﴿فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ﴾ [النور:٣٩]، أي: ما نقصه الله ، لكن حسابه سيء، وأعماله سيئة، ﴿وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [النور:٣٩]، أي: لا يعجزه أمر من الأمور، فيحاسب الخلائق في لحظه واحدة، وهذا هو النوع الأول من الأعمال السيئة. النوع الثاني: قال : ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾ [النور:٤٠]، والأعمال على نوعين: أعمال ظاهرها الصلاح تشبه السراب؛ لأن ظاهرها يختلف عن باطنها، والسراب له ظاهر وله باطن، فظاهره يشبه الماء، وباطنه لا حقيقة له، أما الأعمال الأخرى فهي فساد، ومعاص فوق معاص، وسيئات وراء سيئات، وكفر يجر وراءه آثاماً، ولذلك شبه الله تعالى أعمال الكافرين وهم يعملون السيئات تلو السيئات، والكفر بعد الكفر شبههم بإنسان غاص في قعر البحر، وكان البحر عميقاً، وكان هذا البحر العميق لجة، واللجة الماء الكثير، فكان فوقه موج، وفوق الموج موج آخر، والأمواج بطبيعتها تغطي ضوء الشمس، وتغطي النور؛ لأنها تضطرب بالماء، فتحصل حركة تخفي الضوء، وفوق الموج الثالث سحاب، فلو أن شخصاً غاص في البحر في مثل هذه الحال، وأراد أن ينظر إلى يديه فإنه لا يراها ولو رفع يده لينظر إليها من قعر البحر فإنه لا يراها من شدة الظلام. إذاً: أعمالهم كهذا الشكل، (كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ)، أي: عميق كثير الماء، (يَغْشَاهُ)، أي: يغطي هذا الإنسان موج، (مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ)، يعني: فوق الموج الأول موج آخر، (مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ)، أي: من فوق الموج الثالث سحاب، والسحاب بطبيعتها تحجب ضوء الشمس، ﴿إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ [النور:٤٠]، ولو أراد أن ينظر إلى يده فإنه لن يراها.

стр. 157

الهداية بيد الله قال : ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور:٤٠]، هذا هو السر في ذلك، فالذي لا يعطيه الله نوراً كالنور الذي مر معنا في الآية السابقة: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور:٣٥] وما دام الله تعالى حال بينه وبين هذا النور، فليس له نور. إذاً نقول: إن النور لا يكتسب بالآباء ولا بالأجداد ولا بالأمجاد، ولا بالنسب، ولا بالذكاء، ولا بالقوة والشجاعة، ولا بأي شيء آخر، ولكنه يأتي من عند الله ، فإذا منَّ الله على إنسان من الناس بأن منحه هذا النور اهتدى به وسار به في ظلمات هذه الحياة، ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور:٤٠]. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 158

الأسئلة

стр. 159

لا تنافي بين الدراسة في المسجد والمدرسة السؤال ذكرتم أن المساجد هي أماكن التربية الإسلامية الحقة: من حفظ للقرآن الكريم، وتدارس لآياته، وتدارس لأحاديث المصطفى ﷺ ، ولكن يزعم بعض الناس أن إلحاق أبنائهم في حلق المساجد يزيد من أعبائهم التعليمية، ولا يستطيعون التوفيق بين العلم الذي يؤخذ من المساجد والعلم الذي يدرس في المدارس، فيتركون المساجد لهذا السبب، نأمل من فضيلتكم إيضاح هذا الأمر، وجزاكم الله خيراً؟ الجواب أولاً: المساجد هي قطب الحياة، ولا تقوم أمور الناس إلا بالمساجد، وهذا أمر مشاهد، ولذلك أبناء المساجد هم الذين تقر بهم العيون. أما كون المساجد تشغل الناس بحلق القرآن عن العلوم الأخرى فهذا غير صحيح، فالله تعالى يقول عن القرآن: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل:٨٩]، فكل علوم الدنيا محشوة في القرآن، وعلى فرض غير ذلك فإن أعظم مادة يطالب بها الطالب في المدارس هي القرآن، لا سيما حينما يتدرب على القراءة الصحيحة من خلال قراءة القرآن وتلاوة القرآن. وحينما نقول ذلك لا نريد أن نضيع المدارس لتكون هناك حلق للقرآن، ولكن نريد أن نوفق بين هذا وهذا، فلا نؤيد أن يتفرغ الإنسان لحلق المساجد ليترك العلوم العصرية، والحصول على بعض المؤهلات، لكن نقول: حبذا لو كان التوفيق بين هذا وذاك، أو على الأقل شغل وقت الفراغ الذي يزيد عند هؤلاء الشباب، إضافة إلى أنه يكون هناك حلق بغير وقت الفراغ أيضاً، لكنها لا تقضي على العلوم العصرية. وعلى هذا نقول: إن الشباب عندهم فراغ، وعندهم وقت زائد عن الحاجة، وأرى أكثر الشباب لا يستغل الفرصة كلها والوقت كله في طلب العلم، ولا في الحصول على العلوم العصرية الأخرى التي يقول عنها الأخ السائل، فنقول: نطالبه في وقت الفراغ، فإن وقت الفراغ كثير عندنا، وأفضل ما يشغل فيه هذا الفراغ هو تعليم كتاب الله، وأكثر الطلبة البارزين كما علمنا من الواقع أنهم هم الذين يقضون زائد الوقت في حلق المساجد، وحلق القرآن.

стр. 160

إصلاح المجتمع لا يقتصر فيه على المحاضرات فقط السؤال إذا كان إصلاح المجتمع يقتصر على مثل هذه المحاضرات التي نفرح بها كثيراً، أو الدروس، أو ربما بعض المنابر وليست كلها، فهل هذا يكفي؟ لا سيما وأنتم تعلمون أنه لا يحضر مثل هذه المجالس إلا عدد محدود من الطيبين، وليسوا كلهم يقومون بالواجب الذي أنزله الله عليهم من الدعوة إلى الله، بينما المؤثرات السلبية أكثر وأكثر، فكيف ببانٍ خلفه ألف هادم؟! الجواب هذا كلام صحيح، فإن من أهم مقومات تربية أبناء المسلمين هي البيئة الصالحة، فلو ذهبنا بهذا الشاب ووضعنا جل وقته في المسجد مع وجود بيئة منحرفة فيها لهو ولعب كما يوجد في أيامنا الحاضرة، أو بيوت لاهية لاعبة عابثة كما يوجد في كثير من الأحيان في واقع الأمة الإسلامية، لكان كما يقول: متى يبلغ البنيان يوماً تمامه إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم ولكن ثقوا أيها الإخوة! أن البناء ينتج أكثر من الهدم، ولو كان البناء أقل؛ لأن الفطرة الموجودة في هؤلاء الناس هي فطرة الله ، فطرة الإيمان، وربما يكفي وقت قليل للمحافظة على هذه الفطرة، لكن بشرط أن يحال بين هذه الفطرة وبين المؤثرات الخارجية، المهم يا إخوتي! ما لا يدرك كله لا يترك كله، فنحن لا نستطيع أن نسيطر على البيئة كلها وعلى المجتمع كله، وإن كنا قد نستطيع أن نسيطر على بيوتنا؛ لأن الله تعالى استرعانا على البيوت وعلى الذرية، لكن إذا عجزنا عن هذا وهذا فالمساجد تقوم بالدور الذي يكافح الأخطاء التي توجد في المجتمع، أو توجد في البيت في كثير من الأحيان، لكن يفضل أن يكون البيت نظيفاً.

стр. 161

سبب رخاء بلاد الكفار وحلول المصائب في بلاد المسلمين السؤال هناك من إذا ذكِّر بأن المصائب التي تحل بالأمة الإسلامية أنها عقوبة من الله ، وابتلاء وامتحان، يقول: بأن الكفار في أوروبا وغيرها من بلاد الشرق تنتشر فيها الفواحش بأنواعها، ومع ذلك نجد بأنها تعيش في أمان، ولم تحل بها عقوبة من الله، فكيف نرد على أولئك القوم، وجزاكم الله خيراً؟ الجواب أولاً: هناك فرق بين المجتمعات الإسلامية والمجتمعات الكافرة، فالمجتمعات الإسلامية التي رسم لها طريق من عند الله والتزمت به، إذا انحرفت عنه تصاب بعقوبة الله ، ولذلك يقول الله : ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى:٣٠]، ويقول: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم:٤١]، ويقول: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [فاطر:٤٥]، ويقول: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الأنفال:٥٣]، وغير ذلك من الآيات، وكلها تدل على أن ما يحدث من الفساد في هذه الأرض ومن البلاء ومن المشاكل والمصائب، إنما هو بسبب ما كسبت أيدي الناس. أما ما أورده الأخ السائل في قوله: كيف يكون ذلك وبلاد الكفر تمطر ليلاً ونهاراً، وفيها غاية النعيم والمتاع والأجواء الطيبة، والمياة الجارية وهي على معصية الله؟ فالفرق واضح، فتلك أمة منهجها منحرف أصلاً، ولم تكن مستقيمة فانحرفت، والعقوبة تصيب من استقام فانحرف. والأمر الآخر: هو ما أشرت إليه في تفسير الآيات في قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ﴾ [هود:١٥]، فما في بلاد الكفر من رخاء العيش، ومن المتاع، ومن الأنهار، ومن الأمطار المتواصلة، ومن الخضرة وخصوبة الأرض، ومن الصحة والعافية والترف والنعيم، كل ذلك لأن لهم حسنات عند الله ، وهذه الحسنات لا تكتب لهم في الآخرة؛ لأن الله تعالى لا يرحم في الآخرة كافراً، وإنما يكون الجزاء الحسن للمؤمنين. إذاً: الله لا يظلم مثقال ذرة، ولهم حسنات في الدنيا، والله تعالى غفر لمن سقى كلباً، فإذا فعلوا حسنات في هذه الحياة الدنيا كأن يجروا الترع والأنهار مثلاً، أو يبنوا الجسور والقناطر، أو يفتحوا المستشفيات والمدارس، أو يقدموا أي خدمة لخلق الله، فهذا عمل صالح، لكنه غير مقبول عند الله تعالى، فالله تعالى يعجل جزاءهم في الحياة الدنيا، ولذلك تأتيهم الحياة الدنيا أكثر مما تأتي المؤمنين، ولعل السر الواضح في ذلك هو ما قلت لكم. إذاً واقعهم هو معنى قوله تعالى: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا)، أي: بعمله، (وَزِينَتَهَا) أي: لا يريد الآخرة، (نُوَفِّ) أي: نعطيهم الجزاء وافياً (نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ)، يعني: يأخذون الحق كاملاً، ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا النَّارُ﴾ [هود:١٦]؛ لأنهم في الدنيا أخذوا نصيبهم، فليس لهم نصيب في الآخرة. إذاً: لا تعجب يا أخي! أن ترى بلاد الكفر بهذا الشكل كما أشار الأخ السائل؛ لأن سنة الله تعالى أن يعجل الجزاء للكافرين ويدخر الجزاء للمؤمنين، وربما يعجل الله بعض الجزاء للمؤمنين، ويدخر لهم الجزاء في الآخرة، كما قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الأعراف:٣٢]، أي: ويشاركهم فيها الكافرون، ﴿خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف:٣٢].

стр. 162

النظر في الطاعة إلى من هو أعلى للحاق به لا إلى المجتمعات الفاسدة السؤال إذا تكلم بعض الغيورين على بعض الأمور التي يخشونها على هذه البلاد انبرى من انبرى لهم وقال: إن مجتمعنا بإعلامه ومستشفياته وبنوكه أفضل من غيره بكثير، أرجو من فضيلتكم توضيح ذلك، وهل يضرب المثل للشر بالشر؟ الجواب الحقيقة أن هذه مشكلة تتكرر كثيراً؛ فقوله: إن بلادنا بلاد الخير فيها كذا وكذا، وقوله: هل سافرت ورأيت كيف الفساد في الأرض؟ وكيف أن خانات الخمر مفتوحة علناً في رمضان؟ أما رأيت دور الفساد؟! فنقول: صحيح رأينا هذا، لكن هل ننظر إلى من هلك، أم ننظر إلى من نجا؟ نحن عندنا مقياس ثابت، فلا نريد إذا هبط العالم درجتين أن نهبط نحن درجة واحدة، بل نريد إذا هبط العالم درجتين أن نرتفع درجتين في هذه الدنيا، أما لو بدأنا نهبط وراء العالم، ويهبط العالم درجتين ونهبط درجة واحدة، وكلما هبط هبطنا أقل منه، فالهبوط ليس له نهاية. إذاً: صحيح أن بلاد الكفر أو حتى بعض بلاد المسلمين انتشر فيها الفساد أكثر مما يوجد في بعض البلاد الأخرى، لكن نحن عندنا مقياس ثابت، ومعيار صحيح لا يمكن أن ننطلق إلا منه، فنزن ما يحدث في أمور الناس، وفي واقع الناس بالمعيار الصحيح، ونرجع إلى النقطة الثابتة التي أمر الله أن نثبت عليها، فما خالف هذا المعيار نعتبره منحرفاً ولو كان أقل انحرافاً من البلاد الأخرى. إذاً: هذه مقاييس مادية لا تصلح، وربما نركض وراء العالم ونكون خيراً منه قليلاً، أو خيراً منه كثيراً، ففي بلاد العالم نواد للعراة، فنقول: نحن أحسن منهم قليلاً، والآن زواج الذكر بالذكر أصبح رسمياً في بعض بلاد الكفر والعياذ بالله! ويعقد له رسمياً، ويعترف به القانون، والقوانين كلما هبط الإنسان هبطت القوانين معه، ولربما تهبط القوانين أكثر من هبوط الإنسان، فهل نسير وراء هذا الإنسان الهابط بهذا الشكل ونقول: نحن خير منه؟! فنقول: ننظر إلى سلفنا الصالح، ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما صلح به أولها، ومن ذلك المعيار نستطيع أن نعرف موقعنا في هذه الحياة.

стр. 163

خطر النظر المحرم السؤال ما هو الجمع بين قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ [النور:٢١] الآية، وبين قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور:٣٠]، فهل النظر خطوة من خطوات الشيطان أم ماذا، وفقكم الله؟ الجواب خطوات الشيطان خطوات خطيرة جداً تدخل الناس النار، ومنها وسائل، وربما يأتي الشيطان إلى الإنسان فيقول: هذه أمور يسيرة، فهي نظرة استغفر الله منها، وهي سيئة صغيرة، وأنت ما فعلت كبيرة، ثم نجد أن هذه الخطوة تتلوها خطوة وخطوة إلى آخره، كما يقول الشاعر: نظرة فابتسامة فسلام فكلام فموعد فلقاء إلى أن تكون الفاحشة، ولذلك يا إخوان! النظر من أخطر الأمور التي توقع في فاحشة الزنا والعياذ بالله! والدليل على ذلك أن الله تعالى وضع النظر بجوار الأمر بحفظ الفرج فقال: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور:٣٠]، وقال: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ [النور:٣١]، وصلة النظر بالفرج أن النظرة كما قال الله في الحديث القدسي: (سهم مسموم من سهام إبليس، من تركها من أجل مخافتي أبدلته إيماناً يجد حلاوته في قلبه). إذاًَ: أيها الأخ! لا تستغرب أن تكون النظرات من خطوات الشيطان، ودخول البيوت من خطوات الشيطان، والحديث عن الفاحشة من خطوات الشيطان، وكل هذه خطوات بعضها أعلى من بعض، وكلها خطوات للشيطان، والخطوة قد تكون صغيرة، وقد تكون كبيرة، فمعنى خطوة أي: تقرب إلى الأمر المطلوب، فالنظرة تقرب إلى الأمر المطلوب مما حرم الله، فهي خطوة من خطوات الشيطان، ولذلك فإن هناك علاقة وثيقة بين النظر وبين قوله تعالى: ﴿لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ [النور:٢١].

стр. 164

حكم الملابس القصيرة للفتيات الصغيرات السؤال انتشر في الآونة الأخيرة لبس الملابس القصيرة للفتيات الصغيرات، لا سيما أننا نجد هذا في بيوت الناس الذين يقتدى بهم، فما توجيهكم لذلك؛ لأن كثيراً منهم يقول: هذه لا زالت صغيرة، وهو يربيها على ذلك، وفقكم الله؟ الجواب الصحيح أن الإسلام جاء لسد الذرائع، وجاء بالتربية منذ البداية، وسد أبواب الشر قبل أن يأتي الموعد المحدد لتوقع وقوع الشر، والطفلة الصغيرة قد تكون في سن لا يفكر فيها أحد من الناس، وربما يفكر فيها بعض الناس وإن كانت في سن صغيرة، لكن هب أنه لا يفكر فيها أحد فإن الشاعر يقول: وينشأ ناشئ الفتيان فينا على ما كان عوده أبوه فإذا عودها أبوها وعودتها أمها على الملابس القصيرة فلربما لا نعرف النقطة التي نستطيع أن نميز بها بين الصغر والكبر، فيوم أو يومان أو سنة أو سنتان لا تكون فاصلاً بين الصغر والكبر، فما هو الفاصل؟ الفاصل: أن يتربى الطفل على الحشمة وعلى الحياء منذ أيام طفولته، حتى إذا كبر يكون الحياء خلقاً من أخلاقه. والله أعلم. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. والحمد لله رب العالمين.

стр. 165

المستقبل لهذا الدين نحن مطالبون بالأخذ بالأسباب المشروعة المؤدية إلى نصرة هذا الدين العظيم، وليعلم كل مسلم أن المستقبل لهذا الدين وإن خذله الناس، فقد تكفل الله بحفظ دينه، وإظهاره على سائر الأديان، وإدخاله كل بيت مدر ووبر.

стр. 166

أهمية اعتقاد أن المستقبل والظهور لهذا الدين الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونثني عليه الخير كله، ونشكره ولا نكفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، الذي بعثه الله رحمة للعالمين وحجة على الناس أجمعين، فبلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، فصلى الله عليه وسلم وبارك، وعلى آله ومن دعا بدعوته وعمل بسنته ونصح لأمته إلى يوم الدين. أما بعد: فلماذا نتحدث عن المستقبل لهذا الدين ونحن نرى الواقع لهذا الدين؟ بل نحن نعيش فترة هذا الدين، فبالله هل في مثل هذه الفترة العصيبة من فترات التاريخ يرى أحد مثل تلك الجموع من الشباب -والحمد لله- قد امتلأت بهم المساجد ودروس العلم؟! إذاً هذا الواقع يغنينا عن الحديث أو عن أن نقول: إن المستقبل لهذا الدين بل نقول: الواقع أن الأمة تعيش فترة من أحسن فترات حياتها والحمد لله رب العالمين. والعجيب أن هذه الفترة جاءت في وقت كانت التخمينات وكانت التقارير وكانت التحريات تزعم أن هذا الدين سوف يودع الحياة بعد فترة قليلة من الزمان، ولم يبق إلا رجال معدودون بالأصابع ثم ينتهي هذا الدين من هذه الحياة، هكذا يقول أعداء الإسلام، ولربما يصدقهم ضعاف الإيمان الذين لا يقرءون القرآن، أو يقرءونه بحيث لا يتجاوز حناجرهم، لكن الحقيقة أن المستقبل لهذا الدين، والواقع أن هذا الدين هو دين الحياة، وأن الله أظهره على الدين كله ولو كره المشركون. من هذا المنطلق نريد أن نقارن بين نصوص وأدلة تثبت أن الخيرية في هذه الأمة إلى يوم القيامة ومع واقع لربما يجعل بعض الناس يخاف على مستقبل هذا الدين، فنقول: إن الله تعالى قد تكفل بحفظ هذا الدين إلى يوم القيامة، يقول الرسول ﷺ : (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك). لكن هذه الخيرية وعلو هذا الدين كله مربوط بجهود لابد من أن يقدمها المسلمون، وذلك لا يعني أنهم إن لم يقدموا هذه الجهود أن الدين سوف يخلو من هذه الحياة وسوف يودع هذه الحياة، لا. يقول الله عن دوام الدين وحفظه: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٨].

стр. 167

شروط الاستخلاف والتمكين للمسلمين في الأرض إن الخطر يكون على المسلمين إذا تخلو عن هذا الدين، فإن لله جنود السماوات والأرض، ولذلك نستطيع أن نقول: هناك استخلاف وهناك تمكين وهناك أمن وطمأنينة في هذه الحياة على هذا الدين، لكن بشرط أن يطبق المسلمون الشروط المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور:٥٥]. فهذه الآية اشتملت على ثلاثة أمور: الأمر الأول: أن للاستخلاف في هذه الأرض ولتمكين هذا الدين أربعة شروط. الأمر الثاني: إذا توافرت هذه الشروط الأربعة تحقق هذا الوعد من عند الله . الأمر الثالث: أن المسلمين لو غيروا ما اشترط عليهم بخصوص التمكين في هذه الأرض سوف يغير الله تعالى حالهم، بدليل قوله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور:٥٥]. ونبدأ بهذه الشروط الأربعة التي ذكرها الله شروطاً لوجود هذا التمكين وتحقق مستقبل هذا الدين لهذه الأمة، علماً أن هذا الدين ممكن له في الأرض، وذلك لقوله تعالى: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [الصف:٩]، ولقول النبي ﵊ (لا يبقى بيت شعر ولا مدر إلا دخله هذا الدين، بعز عزيز أو بذل ذليل، عزاً يعز الله به الإسلام وأهله، وذلاً يذل الله به الكفر وأهله) لكن الأمة الإسلامية مطالبة بأن تأخذ بأسباب التمكين والأمن والطمأنينة في هذه الأرض حتى يتحقق لها هذا الوعد. الشرط الأول: قوله تعالى: (آمَنُوا). الثاني: قوله تعالى: (وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ). الثالث: قوله تعالى: (يَعْبُدُونَنِي). الرابع: قوله تعالى: (لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا). وتجد هذه الشروط الأربعة متماسكة ومترابطة مع بعضها، بحيث لو تخلف أحدها عن الآخر لما تحقق الموعود.

стр. 168

الشرط الأول: الإيمان الإيمان معناه: التصديق الجازم بوجود الله. وما كانت هذه الكلمة لترد لولا أن هناك من يشكك في وجود الخالق ، علماً أن هذا التشكيك يتنافى مع الفطرة، ولذلك يقول المؤرخون: لم يعرف العالم خلال التاريخ الطويل فترات أنكر فيها الخالق إلا في فترات مظلمة محدودة تلخص في مواقع ضيقة، كما في عهد الفرس، فهم شككوا في وجود الخالق، وكذلك الفلاسفة شككوا في وجود الخالق . ويروي لنا التاريخ في عهد أبي حنيفة ﵀: أنَّ ناساً طلبوا من شيخ أبي حنيفة أن يثبت لهم وجود الخالق . فتقدم لهم الإمام أبو حنيفة نيابة عن شيخه، وكان يومها لم يزل شاباً لا يتجاوز الرابعة عشرة من عمره، فقال: أنا الذي أخبرهم بوجود الخالق بدليل عقلي. وحدد يوم للمناظرة وكان المكان خلف نهر دجلة في العراق، واجتمع كثير من الناس لحضور المناظرة والنقاش بين أبي حنيفة وبين هؤلاء، فتأخر أبو حنيفة قليلاً عن الموعد المحدد واجتمع الناس. فلما جاء أبو حنيفة متأخراً قليلاً قيل له: إنك تأخرت! قال أبو حنيفة: ما تأخرت، لكني وقفت على حافة النهر أبحث عن قارب يحملني إليكم فما وجدت إلا قارباً صغيراً يعوم في الماء بدون قائد، فأشرت إليه فجاء فحملني إليكم ثم رجع، فقالوا: انظروا إلى أبي حنيفة المجنون يقول: إن قارباً جاء إليه وحمله ورجع وليس له قائد. ثم قالوا له: يا أبا حنيفة! أأنت مجنون؟ قال: لا. فإذا كنتم تتصورون أن هذه الحياة بكل أفلاكها وعظمتها وسمائها وأرضها تدور وتتحرك بدون قيادة، ولا تتصورون أن قارباً صغيراً يستطيع أن يعبر نهر دجلة بدون قيادة فأنتم المجانين. فغلبهم بحجته رحمه الله تعالى. وقبل ذلك كانت مرحلة الفراعنة بما فيها من إنكار الخالق ، كما حدث لفرعون موسى حينما قال للناس: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص:٣٨] ويقول سبحانه: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل:١٤] فهي في الحقيقة مؤامرة كاذبة من أجل العلو في الأرض، وهذا هو المنهج الذي سلكته الشيوعية مدة تزيد على سبعين عاماً وهي تقول للناس: لا إله والحياة مادة. إلى أن سقطت بحمد الله وفضله، فعرف الناس أن كل هذه المبادئ تتساقط بين حين وآخر. إذاً الإيمان بالخالق فطرة فطر الله الناس عليها، كما قال الله : ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم:٣٠]، فهذه الفطرة نطق بها كل مخلوق من بني آدم قبل أن يخرجوا إلى هذه الحياة بشكلهم الطبيعي، يقول : ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف:١٧٢] ولذلك هذا العهد ينساه طائفة من الناس أو يتناسونه، وهو ما عناه الله تعالى بقوله: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾ [الأعراف:١٠٢]، فالإيمان بالخالق فطرة، لكن هذه الفطرة ربما تتأثر بكثير من المؤثرات، وأظن أن الفطرة في وقتنا الحاضر -والحمد لله- قد بدأت تعود إلى طبيعتها وإلى مجاريها الطبيعية، وقد تأثرت هذه الفطرة منذ زمن ليس بالبعيد، ولكن كفى الله المؤمنين القتال، فالإيمان بالله والإيمان بملائكته ورسله واليوم الآخر وغير ذلك من الأمور التي أخبر الله عنها كلها تعتبر نوعاً من الإيمان الذي هو شرط من شروط كون المستقبل لهذا الدين، والإيمان بوحدانية الله والإيمان بأسمائه وصفاته كل ذلك من شروط التمكين.

стр. 169

الشرط الثاني: العمل الصالح قال : ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [النور:٥٥]. قوله: (مِنْكُمْ) يُشير إلى المسلمين؛ لأن الأديان الأخرى قبل الإسلام -وإن مكن لها مدة من الزمن- كانت تنتهي بانتهاء تلك الفترة، أما هذه الأمة فقال الله تعالى عنها: (مِنْكُمْ)؛ لأنها الأمة الخالدة التي يبقى دينها ما بقيت السماوات والأرض. والعمل الصالح هو الذي يتوافر فيه شرطان، فلا يقبل الله عملاً ولا يكون صالحاً إلا إذا توافر فيه هذان الشرطان، ألا وهما: الإخلاص لله ، والمتابعة للرسول ﷺ . والإخلاص معناه: أن لا يصرف نوعاً من هذه العبادة لغير الله. وأما المتابعة فهي السير على المنهج الذي جاء به محمد ﷺ من عند الله دون زيادة ولا نقص، ودون شطط ولا ميل، هذا هو العمل الصالح، وهذان الشرطان أشار الله إليهما بقوله في آخر سورة الكهف حينما قال الصحابة: يا رسول الله! الرجل منا يعمل العمل يبتغي به وجه الله ويحب أن يراه الناس! فأنزل الله شروط هذا العمل الصالح: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ [الكهف:١١٠] أي: صواباً موافقاً للمنهج الذي جاء به محمد ﷺ من عند الله -وهذا هو الشرط الأول- ﴿وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:١١٠] وهذا هو الشرط الثاني. ولذلك هذان الشرطان هما معنى (لا إله إلا الله محمد رسول الله). فالشهادتان اللتان نكررهما دائماً في الأذان وفي الإقامة وفي الصلاة وفي كل حال من أحوالنا معناهما الإخلاص والمتابعة؛ لأن معنى (لا إله إلا الله): نفي كل ما يعبد من دون الله ، وأن تكون العبادة والدين لله وحده، ومعنى (محمد رسول الله): أي: طاعته واتباعه وتصديقه وأن لا يعبد الله إلا بما شرع. إذاً لو فهم المسلمون معنى (لا إله إلا الله) في أيامنا الحاضرة كما فهمها المشركون في العصر الأول في مكة لما قالها إلا من يعتقد بها اعتقاداً كاملاً، وكم من الناس اليوم من يقول: (لا إله إلا الله) وهو مع ذلك ينحني لغير الله ويخاف غير الله، ويسجد لضريح ويطوف على أعتاب ميت، ويخشع لغير الله ويذل نفسه لغير الله ، وهذا كثير جداً في أيامنا الحاضرة. وإذا تناسينا الآلهة الحية التي تعبد من دون الله في أيامنا الحاضرة -وهذه أظنها كثيرة- فلن نتناسى عشرين ألف ضريح تعبد من دون الله في العالم اليوم كلها يحج لها الناس ويتقربون إليها بالقرابين ويطوفون حولها سبعة أشواط، ولربما لا تسمح الفرصة إلا بشوط واحد بسبب كثرة الزحام، وهذه الإحصائية قبل سنوات. هؤلاء هم المسلمون الذين يقال عنهم في الإحصائية: إنهم مليار عندهم عشرون ألف ضريح يطاف حولها ويتمسح بأعتابها، ويتمرغ في أتربتها، ويخشع ويراق لها من الدموع أكثر مما يريقه المؤمنون حول الكعبة المشرفة. وأكثر ما وصلت إليه الوثنية في يوم فتح الرسول ﷺ مكة كانت لا تزيد على ثلاثمائة وستين وثناً وصنماً، أما الآن فعشرون ألف ضريح يُعبد من دون الله !. إذاً أين (لا إله إلا الله محمد رسول الله)؟ ثم أضف إلى ذلك البشر الذين يشرعون القوانين ويأمرون وينهون، وتستجيب لهم الأمم من دون الله ، وينحني لهم البشر، ويتمسحون بأعتابهم لطلب المال أو الجاه أو المركز أو أي أمر من الأمور، أضف هذا العدد الهائل من هؤلاء البشر إلى عشرين ألف ضريح. إذاً نستطيع أن نقول: هناك عشرات الآلاف من الآلهة التي تعبد من دون الله في أيامنا الحاضرة والله المستعان! فلا تعجب حينما يتأخر الوعد، ولكن اعجب حينما يحقق الله الموعود وكثير من المسلمين قد أخلف الوعد. وخلاصة القول أن العمل الصالح هو إقامة أركان الإسلام: الشهادتين، والصلوات، والزكاة، والحج، والصيام، مع القيام ببر الوالدين، وصلة الرحم، والإحسان إلى المساكين، وحقوق الجوار، وحقوق المسلمين، كل هذه واجبات لابد من أن يرعاها المسلم من أجل أن يستجلب وعد الله ، ولو نظرنا نظرة أخرى إلى العالم الإسلامي لوجدناه قد ضيع كثيراً من هذه الواجبات العظيمة التي شرعها الله ، ولذلك كثير من المسلمين أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات، وكثير من المسلمين عطلوا الزكاة، وكثير من المسلمين ركبوا المحرمات، وركوب المحرمات يستلزم ترك الصالحات؛ لأن الأمر بالشيء نهي عن ضده، ولذلك كم في بلاد المسلمين من بنوك الربا؟! وكم في بلاد المسلمين من وسائل الترفيه التي يقولون عنها: بريئة؟! وكم في بيوت المسلمين من الأجهزة الراقصة اللاهية اللاعبة؟! إلى غير ذلك من الأمور التي نسأل الله أن يعافينا ويعافي المسلمين من شرها ويحفظنا جميعاً بحفظه. إذاً قوله: (وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) أي: تركوا المنكرات وفعلوا الواجبات التي شرعها الله . وهذا الشرط إذا تحقق وقوعه تحقق الوعد الذي وعد الله به.

стр. 170

الشرط الثالث: العبودية الكاملة لله من شروط هذا الوعد تحقيق العبودية، فما معنى العبودية؟ العبودية معناها في قوله تعالى: (يَعْبُدُونَنِي) أي: يوحدونني. وحقيقة العبودية أن يشعر الإنسان بالرق لله ، وشعوره بالرق معناه التحرر من عبادة المخلوق؛ لأن الإنسان لابد من أن يخضع لدين، ولابد من أن تسيطر عليه عقيدة، ولابد له من رق وعبودية، فإما أن يكون ذلك لله، وإما أن يكون لشيء آخر، كما قال ربعي بن عامر ﵁ حينما قدم على رستم فقال له رستم: ما الذي جاء بكم؟ قال: (إن الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده). إذاً ليست هناك حرية أبداً، إما أن تكون العبودية لله وإما أن تكون لغير الله، ولذلك فقد أدرك المؤمنون أن هذه العبودية يجب أن تكون لله، وأن لا يكون منها شيء للمخلوق، فالإنسان حر طليق إلا أنه عبد لله ؛ لأنه يعلم أن الحياة والموت بيد الله وأن الرزق بيد الله ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود:٦]، وأن الأرض ملك لله يورثها من يشاء من عباده، وأن ما في هذه الأرض من الطيبات إنما هي للمؤمنين، يشاركهم فيها الكافرون في الحياة الدنيا ويختص بها المؤمنون في الحياة الآخرة، يقول : ﴿قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف:٣٢]. إذاً هذه العبودية لله، وهذا التحرر لا يكون إلا من عبادة المخلوق، وإذا هرب الإنسان من عبادة الله وحده فإنه لابد من أن يقع في عبادة المخلوق أياً كان هذا المخلوق. فليعلم أن عبادة البشر فيها الذلة والمهانة، وكذلك عبادة المال أذل وأشد مهانة، يقول ﵊: (تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة) كذلك إذا هرب الإنسان من عبادة الله صار عبداً للشيطان، ويعصي الله في قوله: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [يس:٦٠ - ٦١]، وكذلك إذا هرب من عبادة الله فسيكون عبداً للشهوة أو عبداً لأي كائن من كان غير الله ، وبمقدار ما يهرب من العبودية لله يقع في الرق والعبودية للمخلوقين، وإذا هرب من العبودية لغير الله يقع في العبودية لله وحده. لقد كان سلفنا الصالح يعتزون بالعبودية لله، فهذا الفضيل بن عياض رحمة الله عليه عندما كان يعيش حياة منحرفة مدة من الزمن فأنقذه الله ليكون عبداً له بدلاً من أن يكون عبداً للشهوات تحول الفضيل بن عياض ذلك اللص الذي كان يرهب الناس في الليل إلى العابد الذي يقول: ومما زادني شرفاً وتيهاً فكدت بأخمصي أطأ الثريا دخولي تحت قولك: يا عبادي وأن صيرت أحمد لي نبيا يعتبر عبوديته لله شرفاً فيقول: كدت أطأ على الثريا وهي في كبد السماء ببطني قدمي؛ حينما قلت لي: يا عبدي. لأني لو لم أكن عبداً لك لكنت عبداً للشهوة. ولقد عاش الفضيل بن عياض الحياة الآسنة الفاسدة في عبادة الشهوات حتى أنقذه الله ، وذلك عندما كان يتسلق داراً ليسرقها فسمع قارئاً يقرأ في الدار: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد:١٦]، فقال: والله لقد آن، والله لقد آن. فصار مع كل جزء من هذه الآية ينزل درجة من السلم ويقول: والله لقد آن، والله لقد آن. ونحن نقول للمفسدين في الأرض ونقول للعصاة الذين لم يهتدوا بعد: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد:١٦]. ولعلك تعرف من هو بشر الحافي في التاريخ بعد أن هداه الله، كان بشر رجلاً فاسقاً من أبناء الأشراف، وورث مالاً كثيراً، وكان شاباً مترفاً يعيش ليله مع نهاره في معصية الله ، تدار كئوس الخمور في داره حتى الهجيع الأخير من الليل، كما يحدث لكثير من الناس، نسأل الله العافية والسلامة، فالراقصات والمغنيات واللهو واللعب في داره إلى الصباح، وكان في حياة أشبه ما تكون بالغيبوبة لم يفهم معنى العبودية، فأراد الله له الهداية، فمر ذات يوم بداره إبراهيم بن أدهم رحمة الله عليه الرجل الصالح، فتمزق قلب إبراهيم بن أدهم حينما سمع اللهو واللعب وكئوس الخمر تدار في بيت رجل يقول: إنه من المسلمين. فقرع إبراهيم بن أدهم باب بشر، ففتحت له إحدى الراقصات فقال: هذا بيت من؟ قالت: بيت بشر. قال: بالله أخبريني أبشر حر أم عبد؟ فتأمل كيف تصل الموعظة إلى قلوب الناس الأشقياء إذا أراد الله لهم السعادة والهداية، قالت: لا، بل هو حر. قال: قولي له: إن كان حراً فليفعل ما يشاء. وانصرف الرجل. فلما رجعت الراقصة سألها بشر: من كان عند الباب؟ قالت: رجل صفته كذا. قال: ماذا قال؟ قالت: سأل عنك أحر أنت أم عبد؟ قال: وماذا قلت له؟ قالت: قلت له: إنك حر. قال: وماذا قال؟ قالت: قال: إن كان حراً فليفعل ما يشاء. بدأ بشر يفكر في معنى العبودية والحرية، فالناس لا يتصورون الرق إلا للعبد المملوك الذي يباع ويشترى، ثم قال: أين ذهب الرجل؟ قالت: من هنا. فمشى حافياً لأول مرة في حياته يركض وراء إبراهيم بن أدهم فلحقه، فقال: قف يا رجل، ماذا تقول؟ قال: أبداً يا بشر، وإنما سألت عنك أحر أنت أم عبد؟ فقالوا: إنك حر. فقلت: إن كنت حراً فافعل ما تشاء. قال: ويحك يا رجل! ماذا تقول؟ قال: لا أقول أكثر من ذلك، يا بشر! إن كنت حراً فافعل ما تشاء، وإن كنت عبداً فليست هذه صفة العبيد لله. فصار يضرب برجله الأرض ويقول: والله إني لعبد، والله إني لعبد. تصور أن هذه العبودية أنقذته من ذلك الرق، فرجع إلى بيته يكسر زجاجات الخمر ويسرح المغنيات ليكون بشراً الحافي الذي لا ترد كلمة بشر إلا ويتصور الناس منتهى الورع والتقى والاستقامة على دين الله. يروى أن الإمام أحمد بن حنبل رحمة الله عليه كان جالساً في مجلس العلم فجاءته امرأة وقالت: أيها الإمام! نحن قوم نغزل ثم يمر السلطان بأضواء لامعة في الطريق فنغزل على هذا الضوء فيزيد غزلنا، فهل يجوز لنا هذا الضوء الذي يضيء في الفضاء؟ قال: نعم يجوز. فلما انصرفت سأل الإمام أحمد: من هذه المرأة؟ فقيل له: هي أخت بشر الحافي. فقال: ردوها عليّ. فلما ردوهما قال: لا يجوز لك ذلك الضوء. فسألوه: لماذا؟ قال: إن هناك من يسأل عن فضول المباحات، وإن هذه المرأة من بيت ورع ودين وتقى فهي أخت بشر الحافي. بشر ذلك الذي كان في يوم من الأيام لاهياً لاعباً عابثاً فأصبح الرجل الذي يضرب به المثل في الورع والتقوى. وهذا عبد الله بن حذافة السهمي ﵁ ورحمه الذي يثني عليه التاريخ ثناءً عاطراً؛ لأنه فهم معنى العبودية، وحين وقع في أسر الرومان في موقعة في زمن عمر كان الرجل الصائم العابد الراكع الساجد في جنح الليل المظلم وهو في معتقله في بلاد الروم، فذكرت بعض صفاته من عبادته وتقواه وصلاحه وعقله ورزانته لملك الروم، فقال قيصر الروم: مثل هذا لو دخل في ديني لكان مكسباً عظيماً. فدعا عبد الله بن حذافة، فجيء به وأوقف بين يديه وقال له قيصر: يا عبد الله! لو تنصرت لشاطرتك ملكي. يريد أن يصرفه من عبودية الله إلى عبودية الملك والمركز الذي يسيل له لعاب كثير من الناس، ولربما يرتدون عن الإسلام لما هو أصغر من ذلك بكثير، فقال: والله لو كانت لي الدنيا بأسرها ما تركت شيئاً من ديني. إذاً العبودية للمركز والملك فشلت، فلم يتنازل عن شيء من دينه ليكون مشاطراً لقيصر الروم في ملكه؛ لأنه ملأ قلبه بالعبودية لله ، فما استطاع هذا القلب أن يستوعب مكاناً آخر غير الله ، فقال قيصر الروم: ردوه إلى معتقله ودلوني على طريق أكسب به هذا الفتى. فقالوا: إنه بعيد عن أهله منذ أشهر وإنه شاب قوي، ولو فتنته بالشهوة لأصبح عبداً لها. فقال: ائتوني بأجمل فتاة في بلادي. فجيء بأجمل فتاة في بلاد الروم وأغريت كل الإغراء إن هي فتنت عبد الله بن حذافة، فدخلت الفتاة وتجردت من كل ملابسها، وصارت تتابعه بجسدها المترف، وكلما دنت منه ابتعد عنها وأغمض عينيه، وأقبل على القرآن يتلوه ويستعيذ بالله من شرها، وصارت هذه الفتاة تتابعه جهة جهة حتى يئست منه، وعرفت أنه قد امتلأ قلبه بالعبودية لله ، فقالت: أخرجوني. فقابلها شياطين الإنس عند الباب وقالوا لها: ماذا حدث؟ قالت: والله لا أدري أعلى بشر أدخلتموني أم على حجر؟. عبودية لله لم تترك مجالاً في هذا القلب ليتسع لشيء آخر. إنها الشهوة التي تفتن كثيراً من الناس ولا تعطي فرصة للتفكير ولا لاستعمال العقل، تخلص منها هذا الصحابي الجليل بسبب عبوديته ورقه لله . تحير قيصر الروم في أمر هذا الشاب فقال: لابد من أن تدلوني على سبيل أفتن به هذا الرجل. فقيل له: كل الناس يخافون من الموت. لكن عبد الله بن حذافة لا يخاف من الموت ومن هم على شاكلته لا يخافون من الموت؛ لأنهم يعرفون أن الموت لا يأتي إلا بأجل معلوم، كما قال الله تعالى: ﴿فَإِذ

стр. 171

الشرط الرابع: عدم الإشراك بالله العنصر الرابع من عناصر التمكين قوله: (لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا) فكما أن هناك عبودية فهناك توحيد بغير شرك أياً كان هذا الشرك. إذاً لا شرك لمخلوق حي ولا ميت، لا لضريح ولا لملك ولا لزعيم ولا لرئيس ولا لمشرع كما يقولون، ولا لصاحب قانون ولا لصاحب نظام مع الله ، ولو كانت كل وسائل الهلاك والعذاب بيد هذا المخلوق؛ لأنها لا تفعل شيئاً إلا بإرادة الله ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ [الأنعام:١١٢]، فهي مربوطة بإرادة الله وبمشيئة الله . إذاً الشرك بالله أياً كان هذا الشرك لا يجوز، سواء أكان شرك الأحياء كالذين يشرعون القوانين والأنظمة ويتقبلها البشر، وينسون أن الله تعالى يقول: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ [النساء:٦٠]. أم كان شرك الطاعة في معصية الخالق ، كما قال الرسول ﷺ حينما أنزل الله : ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣١]، فقال عدي بن حاتم: (يا رسول الله! والله ما كنا نعبدهم. قال: أليسوا يحرمون ما أحل الله ويحلون ما حرم الله فتطيعونهم؟ قال: بلى قال: فتلك إذاً عبادتهم). إذاً كلمة توحيد الله تستلزم أن يقدم المسلم أوامر الله على أوامر المخلوقين، فإذا توافقت أوامر المخلوقين مع أوامر الله فحينئذ نقبل أوامر المخلوقين ما دامت لا تتنافى مع أوامر الله ، وإذا تنافت أوامر المخلوقين مع أوامر الله فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وهب أنه جبار عنيد يبطش ويسجن ويقتل ويريق الدماء، كل ذلك لا يكون إلا بإرادة الله ، وهنا يظهر التوحيد الصحيح، ولذلك يقول الله تعالى: (لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا) ولا تظن أنّ كلمة (شيئاً) حشو في القرآن، ليس في القرآن حشو، فكلمة (شيئاً) تعطينا معنىً جديداً في الشرك الذي فهمه الناس فهماً خاطئاً؛ لأن الناس يفهمون أن الشرك هو عبادة اللات والعزى ومناة وهبل وأساف ونائلة من الأوثان التي عرفها الناس في التاريخ القديم، لكن كلمة (شيئاً) تفيد عموم الشرك من حب وبغض ودعاء واستعانة وغير ذلك من أمر الشرك؛ لأن جانب التوحيد وجانب الشرك دقيق وحساس يتأثر بأمور يسيرة. يقول علماء اللغة: النكرة إذا جاءت بعد النفي تفيد العموم أي: أيُّ شيء من هذه الأشياء. ولهذا دخل النار رجل في ذباب قربه لغير الله. إذاً جانب التوحيد حساس ودقيق. ولذلك أرى في أيامنا الحاضرة أن التوحيد في بعض الأحيان يضطرب، لاسيما حينما تكون هناك أوامر تصدر من المخلوقين ويتقبلها المخلوقون دون أن يعرضوها على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . وهناك خوف وخشية من غير الله ، وتعظيم للمخلوق لا يرتبط بتعظيم الله ، إلى غير ذلك من الأمور. فكلمة (شيئاً) تعطينا هذا المعنى الذي لا يفهمه إلا قليل من الناس. إذاً المراد: أي نوع من أنواع الشرك ممنوع.

стр. 172

الجزاء الدنيوي لمن نفذ الشروط الأربعة للتمكين أما الجزاء فالله تعالى حصره في ثلاثة أمور كلها يحبها الناس، قال : ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ [النور:٥٥] هذه ثلاثة أمور كلها يحبها الناس، دع عنك جزاء الآخرة، فهذا الجزاء في الدنيا، وهذه الأمور يفرح بها كل الناس حتى الكفرة والعصاة والملاحدة، فجميعهم يريدون هذه الأمور الثلاثة، وهي الاستخلاف في الأرض، والتمكين، والطمأنينة في هذه الحياة، لكنها لا تكون إلا للمؤمنين الذين ينفذون الشروط الأربعة المذكورة في الآية.

стр. 173

الجزاء الأول: الاستخلاف في الأرض أما الاستخلاف في الأرض فهو أن تكون السلطة بأيدي هذه الأمة بدلاً من أن تكون السلطة بأيدي الكافرين الذين يسومون المسلمين سوء العذاب، كما يوجد في كثير من البلاد الإسلامية اليوم، يتسلط الكفار على المؤمنين وطغاة البشر على الأتقياء فيسومونهم سوء العذاب، وليس هذا استخلافاً في الأرض، الاستخلاف في الأرض أن تكون الخلافة وأن يكون الأمر والسلطة بيد أهله الشرعيين، لا بيد الأدعياء الذين يأخذون السلطة بطريق القوة، ثم يسومون الناس سوء العذاب، ثم يحولون السجون إلى معتقلات، ويبتزون الأموال ويريقون الدماء ويتلاعبون بمصالح الأمم، هذه نقطة الضعف بالنسبة لهذه الأمة. وهذا الاستخلاف لم يكن للأمة الإسلامية في صدرها الأول كما كان الحال في الحياة المكية التي عاشها المسلمون، لقد كان الأذى يصب على رءوس المؤمنين صباً؛ لأن المسلمين في تلك الفترة في مكة كانوا مستضعفين في الأرض. فكان بلال ﵁ يؤتى به في شدة الظهيرة وحرارة الشمس فيبطح على الأرض، وتوضع على جسده الحجارة الحارة من أجل أن يكفر بمحمد ﷺ فيقول: (أحد أحد). وكان عمار بن ياسر ﵁ وأمه وأبوه وأهله كلهم يعذبون بصنوف العذاب، حتى مات ياسر تحت العذاب ثم تبعته زوجته سمية، وذلك عندما قتلها أبو جهل لعنه الله، ويمر بهم محمد ﷺ ولا يملك لهم من الأمر شيئاً إلا أن يقول: (صبراً آل ياسر؛ فإن موعدكم الجنة). وكان صهيب الرومي ﵁ ذا مالٍ في مكة، فلما كان في طريق هجرته تبعه المشركون وقالوا: والله -يا صهيب - لا ندعك تهاجر وقد جئتنا فقيراً لا مال لك ثم ها أنت الآن تهاجر. فقال لهم: أرأيتم إن دللتكم على مالي أتتركوني؟ قالوا: نعم. فدلهم عليها ثم لحق برسول الله ﷺ ، ولا يصل إلى المدينة حتى يجد قرآناً يتلى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٠٧]. إن الحياة في مكة اشتدت على المسلمين، حتى أنزل الله وصفاً دقيقاً لتلك الحياة: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٢]. وقوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢١٤] ثم يأتي النصر: ﴿أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة:٢١٤]، تلك الحياة التي صورها لنا خباب بن الأرت ﵁ حين يقول: (شكونا إلى رسول الله ﷺ وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة فقلنا: يا رسول الله! ألا تدعو لنا؟! ألا تستنصر لنا؟! فقعد الرسول ﷺ جالساً وقال: لقد كان يؤتى بالرجل ممن كان قبلكم، فيحفر له في الأرض، ويوضع المنشار في مفرق رأسه، ويقسم قسمين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون عظمه من لحم وعصب ما يصده ذلك عن دين الله، ووالله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخشى إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون)، ولقد سار المسلمون على المنهج الصحيح، ولم تمض إلا مدة وجيزة من الزمن حتى تم الاستخلاف في الأرض للمؤمنين، فكانت دولة الإسلام التي أرسى قواعدها رسول الله ﷺ في المدينة، ثم لم تمض مدة من الزمن إلا وقد رفرف علم الإسلام على أكثر المعمورة، من الصين شرقاً إلى المحيط الأطلسي غرباً. كان المسلم لا يجد وهو يسير في أكثر من نصف الكرة الأرضية دائرة جوازات ولا جمارك ولا أحوالاً مدنية ولا من يقول له: من أنت. ولو قيل له: من أنت لقال: أنا المؤمن الذي أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. هذه الدولة التي انقسمت الآن إلى عشرات الدول أو الدويلات التي تعيش مستضعفة تحت مطارق الكافرين، تلك الدولة التي يقول عنها المؤرخون: كان هارون الرشيد ذات يوم جالساً في بغداد، فمرت سحابة من فوق رأسه فصار يخاطب السحابة ويقول لها: يا سحابة! أمطري أنى شئت فسيأتيني خراجك ولو بعد حين. لقد كانت الدولة الإسلامية تسابق الشمس على مطالعها. إن العز والاستخلاف تجده في قصة قتيبة بن مسلم حينما كان في بلاد ما وراء النهر يفتح وينشر الإسلام، فيسأل قادته ذات يوم قائلاً: يا قومي! أي بلاد تقع أمامنا؟ قالوا: بلاد الصين. قال: والله لا أرجع إلى وطني حتى أطأ بأقدامي هذه تراب الصين -ويشير إلى أقدامه- وأضع وسم المسلمين على الصينيين، وأفرض الجزية عليهم. ووصلت الأخبار والتجسسات إلى ملك الصين تخبره بقسم قتيبة، فهل تظن أن ملك الصين سوف يرسل له إخطاراً تهديداً؟ لا، هو قتيبة بن مسلم الذي جاء ينشر الإسلام، فيرسل إليه ملك الصين صحافاً من ذهب مملؤة بالتربة من أرض الصين، ويقول: هذه التربة ليطأها قتيبة وهو في مكانه ويبر بقسمه، وهؤلاء أولادي الأربعة يضع عليهم الوسم، وهذه الجزية سوف تصله كل عام. أما عقبة بن نافع رحمة الله عليه فكان يسير في بلاد شمال أفريقيا، يقول المؤرخون: مر في طريقه في تونس وكلفه الخليفة معاوية بن أبي سفيان ﵁ أن يبني مدينة تكون مركزاً للمسلمين وهي ما تسمى في الوقت الحاضر في تونس (مدينة القيروان) فقرر أن يبني المدينة لتكون مركزاً للمسلمين في تلك البلاد، فجاءه أهل البلاد وقالوا: أيها القائد! هذه أرض موحشة مسبعة يرجع كل الفاتحين دونها، ابحث عن مكان مناسب. قال: والله لا أبنيها إلا في هذا المكان. يقولون: فوقف عقبة بن نافع رحمة الله عليه على حافة الغابة وقال: أيتها الوحوش! نحن أصحاب محمد ﷺ جئنا هنا لننشر الإسلام. يقول شاهد عيان: والله لقد رأينا الوحوش تحمل أولادها من الغابة لتخليها لـ عقبة بن نافع ليقيم عليها مدينة القيروان. ثم يسير عقبة بن نافع ليصل إلى المحيط الأطلسي فيغرز قوائم فرسه في ماء المحيط ويقول: والله لو أعلم أن وراء هذا الماء أحداً لخضته على فرسي هذه إليه. هذه عزة المؤمنين التي يقول الله عنها: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون:٨]. ويفقدها كثير من الناس اليوم؛ لأنهم لم يأخذوا بكثير من أسبابها، فتتمزق الدولة الإسلامية إلى دويلات صغيرة لا تخفى علينا أخبارها، ويسام المسلمون سوء العذاب، وتضيع الأندلس، وتضيع فلسطين، وتضيع لبنان، وتضيع مواطن كثيرة. إذاً الاستخلاف في الأرض مرهون باتباع أمر الله ، لكني واثق -بإذن الله أن هذه الصحوة الإسلامية المباركة هي التي سوف تعيد هذا الاستخلاف في الأرض مرة أخرى، قال : ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٢١].

стр. 174

الجزاء الثاني: التمكين للدين الذي ارتضاه الله لهم يقول الله تعالى: ﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾ [النور:٥٥]، فالله تعالى قد ارتضى لهذا العالم ديناً واحداً هو دين الإسلام، ونسخ به كل الأديان، ولن يقبل الله ديناً سواه، ومن قدم على الله يوم القيامة بدين غير دين الإسلام فإن الله لا يقبله منه، أما التمكين لهذا الدين فإنه سنة من سنن الله وعد الله بذلك المؤمنين، يقول سبحانه ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [الصف:٩]، لكنه سبحانه كلفنا بالجهاد في سبيله ليكون الدين كله لله، كما قال الله : ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال:٣٩]. وما دام هناك دين لغير الله فإن الأمة الإسلامية ليست بخير حتى يكون الدين كله لله، ولا يجوز أن يوضع السلاح على الأرض وهناك من يعبد في هذا الكون من دون الله ، ولا يجوز أن يوضع السلاح -أيضاً- حتى يكون الدين كله لله، وحتى لا تكون فتنة، والفتنة هنا معناها الكفر والردة والخروج عن الإسلام والشرك، أما المنحرفون في أيامنا هذه فيسمون الفتنة ويطلقونها على الاضطرابات، ونحن نرفض هذه الاضطرابات ولو كانت لهدف.

стр. 175

الجزاء الثالث: الطمأنينة والأمن للمؤمنين يقول الله تعالى: ﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ [النور:٥٥] كان الرجل لا يطمئن أن يصلي حول الكعبة في العهد المكي كله، ثم حقق الله هذا الوعد للمسلمين، فيدخل الرسول ﷺ مكة فاتحاً فتصبح مكة دار إسلام، وحينئذ أمن القوم، وما زال الإسلام يسعى لتحقيق هذا الأمن حتى حقق الله هذا الأمن للأمة الإسلامية بكل معانيه، سواء في ذلك الأمن الخارجي حينما أعلن المسلمون الجهاد في سبيل الله، فصارت تنهد الحصون للأمة الإسلامية ولجنود الله قبل أن يصلوا، أو الأمن الداخلي الذي حققه الله للأمة الإسلامية بما شرعه من حدود ومن أوامر ومن نواه، فكانت الحدود أمناً للناس يأمنون بها على أنفسهم ودمائهم، كما قال الله في القصاص: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة:١٧٩] أي: حياة سعيدة آمنة. وقال : ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال:٢٤]، وكان قطع يد السارق أمناً للأموال، وكان رجم الزاني أمناً على الأعراض، وكان قتل المرتد أمناً على المعتقدات والدين، وكان جلد القاذف أمناً على الأعراض والسمعة، وكان جلد شارب الخمر أمناً على العقول وسائر التصرفات، وكان قتال المحاربين كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا﴾ [المائدة:٣٣] أمناً على الأمن كله، ولذلك فإن المسلم بعد أن أمنه الله بهذه الحدود صار آمناً مطمئناً في هذه الأرض.

стр. 176

عوامل الخوف على هذا الدين بقي الآن صفوة الموضوع، وهو: هل المستقبل لهذا الدين أو لغير هذا الدين؟ نقول: المستقبل لهذا الدين، لكن هناك أشياء تخيف بعض المسلمين على هذا الدين، وهم الذين ينسون وعد الله : ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩]، ويغفلون عن قوله تعالى: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [الفتح:٢٨]. نقول لهؤلاء الناس الذين يخافون على هذا الدين: اطمئنوا على الدين وخافوا على أنفسكم؛ لأن هناك عوامل تدلنا على أن المستقبل حقيقة لهذا الدين، وإننا ننتظر من خلال هذا الواقع الذي نعيشه اليوم حياة أفضل يتجه بها العالم كله إلى دين الله.

стр. 177

العامل الأول: الإعراض عن شرع الله إن الإعراض عن شرع الله موجود، فالآن لا تجد دولة تحكم بشرع الله إلا دولتنا التي نسأل الله أن يهديها ويوفقها ويحفظها بالإسلام وإقامة حدوده، وأن يجنبها دعاة الباطل، وأن يوفقها لمحاربة المحرمات التي بدأت تشوش على المسلمين اليوم. فهل يمكن أن يظهر هذا الدين في وقت لا نجد فيه إلا دولة واحدة في العالم تحكم بشرع الله؟ نقول: الخير في هذه الأمة إلى يوم القيامة، وأبناء هذه الصحوة -وهم اليوم حتى في أمريكا وفي روسيا والحمد لله- الآن يؤذنون بخير وبصبح قد أقبل، وبأنهم سوف يعيدون للأمة الإسلامية شرع الله وحكم الله في الأرض.

стр. 178

العامل الثاني: التسلط والطغيان في الأرض هناك تسلط في أيامنا الحاضرة وطغيان في الأرض شديد يسوم المسلمين سوء العذاب، ولربما يزيد هذا التسلط فيخيف ضعاف الإيمان فيرجعون من منتصف الطريق، ويكونون من الذين قال الله فيهم: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾ [الحج:١١]، أو من الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت:١٠]، هذا التسلط خطير جداً، لكن ثق بأن هذا التسلط جاء في فترة والإيمان عميق في نفوس الناس والحمد لله، وأظن أن هؤلاء المؤمنين الذين يتعرضون لهذا التسلط لا يقلون إيماناً عن إيمان سحرة فرعون الذين قال لهم فرعون: ﴿فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى﴾ [طه:٧١]، فقال السحرة: ﴿لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [طه:٧٢]. إذاً هذا التسلط وإن كان خطيراً وإن كان مخيفاً لكن لنا أمل قوي في الله ثم في شباب الصحوة الإسلامية الذين عرفوا الله حق المعرفة في كل العالم الإسلامي، بل حتى في بلاد الكفر.

стр. 179

العامل الثالث: ضعف دعاة الحق إن ضعف دعاة الحق تعتبر من أكبر العوامل الخطيرة، لاسيما إذا كان هناك نشاط لدعاة الباطل، ولاسيما إذا كان دعاة الباطل من أبناء جلدتنا -نعوذ بالله- ومن يتكلمون بألسنتنا، فمن كان اسمه أحمد، أو محمد، أو عبد الله، أو عبد الرحمن فإن هؤلاء يطعنون في الإسلام أكثر مما طعن فيه أبو جهل وأبو لهب، هذه حقيقة خطيرة في وقت ضعف فيه دعاة الحق، أو أُضعفوا وأوقفوا أو كادوا يوقفوا، لكن لنا أمل في الله أن تعود المياه إلى مجاريها.

стр. 180

العامل الرابع: وجود المغريات وكثرتها من العوامل وجود مغريات في هذا العصر، منها السفر إلى الخارج فهو ميسر، ومنها الأفلام، فهي أفلام تصل إلى قعر بيوت المسلمين، ولربما يعدوننا بالبث المباشر، ويخوفوننا بالذين من دون الله، إلى غير ذلك من هذه الأمور. وهذه حقيقة مخيفة، لكن المؤمن إذا عرف الله لا يتأثر بكل هذه الأمور؛ لأن المؤمن ينطلق من منطلق قوي وهو إيمانه بالله .
следующие страницы →